← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والمنادي مخاطب، فلمّا قال: والله أعلم، كان الإخبار عن نفسه أولى، فقال: وضعت، وبه قرأ ابن عباس والحسن وغيرهما (١). «٢٠» قوله: ﴿كَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ قرأه الكوفيون بالتشديد، وخفّف الباقون، وقرأ حفص وحمزة والكسائي «زكريا» بغير مدّ، ولاهمز، ومدّه الباقون وهمزوه (٢). «٢١» وحجة من شدّد أنه أضاف الفعل إلى الله جل وعز في قوله: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها﴾ ﴿وَأَنْبَتَها﴾، فأخبر عن نفسه تعالى بما فعل بها، كذلك يجري «كفّلها» على ذلك، يخبر عن نفسه بأنه كفّلها زكريا أي (٣) ألزمه كفالتها، وقدّر ذلك عليه، ويسّره له، فيكون «زكريا» المفعول الثاني ل «كفّلها»، لأنه بالتشديد، يتعدّى إلى مفعولين، ويقوّي التشديد أن في مصحف أبيّ «وأكفلها»، والهمزة كالتشديد في التعدّي. «٢٢» وحجة من خفّف أنه أسند الفعل إلى زكريا، فأخبر الله عنه أنه هو الذي (٤) تولّى كفالتها، والقيام بها، بدلالة قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ «٤٤» فأخبر عنهم أنهم تنازعوا في كفالتها، وتشاجروا (٥) في في الدّين، حتى رموا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي، واستهموا بها على كفالة مريم، فخرج قلم زكريا بإذن الله وقدرته، فكفلها زكريا. فالفعل مسند إليه، فيجب تخفيف «كفلها» لذلك، وهو الاختيار، لأن التشديد يرجع إلى

стр. 387

التخفيف، لأن الله إذا كفّلها زكريا بأمر الله له، ولأن زكريا إذا كفلها فعن مشيئة الله وقدرته وإرادته. فعلى ذلك فالقراءتان متداخلتان (١). فأما مدّ «زكريا» وقصره فلغتان للعرب مشهورتان، وهمزة «زكريا» للتأنيث، وكذلك الألف للتأنيث، في قراءة من قصره. وقرأ أبو بكر بنصب «زكريا»، لأنه يقرأ «وكفّلها» بالتشديد، فتعدّى الفعل إلى مفعولين: إلى (٢) المضمر وإلى زكريا، فينصبه، ولا يلزم ذلك من قرأ بالتخفيف، لأن الفعل مع التخفيف إنما يتعدّى إلى مفعول واحد، وهو الضمير العائد على مريم، وزكريا مع التخفيف فاعل، ومع التشديد مفعول به (٣). «٢٣» قوله: ﴿فَنادَتْهُ﴾ (٤) قرأه حمزة والكسائي بألف على التذكير، ويميلانها (٥)، لأن أصلها الياء، ولأنها رابعة. وقرأ الباقون بالتاء على لفظ التأنيث. «٢٤» وحجة من قرأ بالألف أنه ذكّر على المعنى، وقد أجمعوا على التذكير في قوله: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ﴾ «يوسف ٣٠». وقد قيل: إنما نادى جبريل وحده، فالمعنى فناداه الملك، فلا وجه للتأنيث على هذا التفسير. وأيضا فقد اختار قوم الألف، لئلا يوافق التأنيث دعوى الكفار في الملائكة. وأيضا فإن الملائكة والملائك واحد (٦). وأيضا فقد فرّق بين المؤنث وفعله بالهاء، فقوي التذكير. «٢٥» وحجة من قرأ بالتاء أنه أنّث لتأنيث الجماعة التي بعدها في قوله: (الملائكة)، والجماعة ممّن يعقل في التكسير، يجري في التأنيث مجرى ما لا

стр. 388

يعقل. تقول: هي الرجال، وهي الجذوع، وهي الجمال، وقالت الأعراب. ويقوي ذلك قوله: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ﴾ «آل عمران ٤٥». وقد ذكر في موضع آخر فقال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ «الأنعام ٩٣» وهذا إجماع. وقال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ﴾ «الرعد ٢٣» فتأنيث هذا الجمع وتذكيره جائزان حسنان (١). «٢٦» قوله: ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قرأه حمزة وابن عامر بكسر «إن»، وقرأ الباقون بالفتح. فمن فتح قدّر حرف الجر محذوفا، ف «أن» في موضع نصب بحذف حرف الجر، ومذهب الخليل أنها في موضع جر على إعمال حرف الجر، عمل محذوفا لكثرة حذفه مع «أن»، وعلى [ذلك] (٢) أجاز سيبويه: «الله لقد كان ذلك» (٣)، فخفض وأعمل حرف الجر، وهو محذوف لكثرة حذفه في القسم، تقديره: فنادته الملائكة بأن الله. ومن كسر «إن» أجرى النداء مجرى القول، فكسر «إن» بعده، كما تكسر بعد القول، ويجوز أن يكون أضمر القول بعد «فنادته» «فقالت إن الله»، ويقوي الكسر أن في حرف عبد الله: «فنادته الملائكة يا زكريا إن الله». وفتح «أن» على هذه القراءة لا يجوز لأن «نادى» قد استوفى مفعوليه، أحدهما الضمير والثاني المنادى، فلا يتعدّى لثالث بحرف ولا بغير حرف، فلا بدّ من الكسر، وهو الاختيار لأن أكثر القراء عليه، ولصحة معناه، وقوة وجهه. «٢٧» قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ (٤) قرأ حمزة بالتخفيف في كل القرآن، إلا في ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ «الحجر ٥٤» ووافقه الكسائي على التخفيف في خمسة مواضع: في آل عمران موضعان وفي سبحان موضع وفي الكهف موضع وفي الشورى

стр. 389

موضع (١)، وشدّد ذلك الباقون، غير أن أبا عمرو وابن كثير خفّفا الذي في الشورى خاصة. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان، يقال: بشر يبشر، وبشّر يبشّر مبشّرا وبشورا. وأنكر أبو حاتم التخفيف، وقال: لا نعرف فيه أصلا يعتمد عليه، وهي لغة مشهورة. وأكثر ما وقع في القرآن، ممّا أجمع عليه التشديد نحو: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ. الَّذِينَ﴾ «الزمر ١٧، ١٨» و ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ «يس ١١» ومثله كثير بالتشديد، وفيه لغة ثالثة وهي «أبشر» قال الله جلّ ذكره: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ «فصّلت ٣٠» (٢). «٢٨» قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ «٤٨» قرأ نافع وعاصم بالياء، وقرأ الباقون بالنون. «٢٩» وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على لفظ الغيبة التي قبله في قوله: ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ﴾ أي: يبشرك بعيسى، ويعلّمه الكتاب. وأيضا فإن قبله: ﴿كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ «٤٧»، وقوله: ﴿إِذا قَضى أَمْراً﴾، فكلّه بلفظ الغيبة، فجرى «ويعلمه» على ذلك. «٣٠» وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على الإخبار لها من الله عن نفسه (٣) أنه يعلّمه الكتاب، وحسن ذلك، لأن قبله إخبارا من الله عن نفسه، في قوله تعالى ﴿قالَ كَذلِكِ اللهُ﴾ (٤). «٣١» قوله: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ «٤٩» قرأه نافع بالكسر، وفتح الباقون. فمن فتح جعل الكلام متصلا، فأبدل «أن» من «آية» فصار التقدير: جئتكم بأني أخلق، ف «أن» في موضع خفض، وهو بدل الشيء من الشيء، وهو هو. ومن كسر جعل الكلام مستأنفا، مبتدأ به، فكسر «أن»، ويجوز أن تكون «أن»

стр. 390

وما بعدها تفسيرا لما قبلها، فيكون في المعنى بمنزلة من فتح، وأبدل من «آية» وتكون بمنزلة قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم فسّر الوعد فقال: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ «المائدة ٩»، وبمنزلة قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، ثم فسّر التمثيل بينهما فقال: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ «آل عمران ٥٩»، والاختيار الفتح، لاجتماع القراء عليه، ولصحة معناه (١). «٣٢» قوله: ﴿طَيْراً﴾ قرأ نافع بألف ومثله في المائدة (٢)، وقرأهما الباقون بغير ألف. «٣٣» وحجة من قرأه بغير ألف أنه ردّه على قوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾، ولم يقل: كهيئة الطائر، فأجرى الآخر على لفظ الأول، ومعناه الجمع. «٣٤» وحجة من قرأ بالألف أنه أجراه على التوحيد: (فأنفخ) في الواحد منها فيكون طائرا، على تقدير: فيكون ما أنفخ فيه طائرا، أو فيكون ما أخلقه طائرا، أو فيكون كل واحد من المخلوق طائرا (٣). «٣٥» قوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ (٤) قرأه حفص بالياء، وقرأ الباقون بالنون. «٣٦» وحجة من قرأ بالنون أنه حمله على الإخبار عن الله جلّ ذكره، ولأن قبله إخبارا عنه، وأيضا في قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ «٥٦». والنون في الإخبار كالهمزة في الإخبار، وأيضا فإن بعده إخبارا أيضا في قوله: (تتلوه) «٥٨» فحمل الكلام على نظام واحد أوسطه كأوله وآخره، وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه، ولما ذكرنا من تطابق الكلام وتجانسه. «٣٧» وحجة من قرأ بالياء أنه حمله أيضا على ما قبله من لفظ الغيبة، في قوله: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ «٥٥» (٥).

стр. 391

«٣٨» قوله: ﴿ها أَنْتُمْ﴾ (١) قرأ قنبل بهمزة مفتوحة، من غير مدّ، وقرأ نافع وأبو عمرو بالمدّ، من غير همز، وقرأ الباقون بالمدّ والهمز، لكن البزّي أنقص مدا من غيره. «٣٩» والحجة في قراءة قنبل أن أصله عنده «أأنتم» بهمزتين مفتوحتين، ثم أبدل من الهمزة الأولى «هاء» كما قالوا: أرقت الماء وهرقته، وترك الثانية على تحقيقها. «٤٠» وحجة من مدّ بغير همز أن أصله عنده «أأنتم» بهمزتين مفتوحتين ثم أبدل من الأولى «هاء»، وليّن الثانية بين بين، فأدخل بين الهاء والهمزة الملينة ألفا [على مذهب قالون وأبي عمرو، وعلى مذهب ورش لا يدخل بينهما ألفا إلا] (٢) على رواية ورش عنه، قد ذكرناها (٣). وفعل أبو عمرو وقالون ذلك للفصل بين الهمزتين، لأن الأولى مقدرة منوية، كما فعل في «أئذا، وأئنا»، وكما أدخلت الألف بين النونات في «اخشينان»، إذا أمرت جماعة المؤنث، وحسن إدخال الألف، وإن كانت الهمزة الأولى قد تغيرت بالبدل، لأن البدل في حكم المبدل منه، فالأصل منوي مراد، ألا ترى أنك لو سمّيت ب «هريق» لم تصرفه، كما لا تصرف مع الهمزة، فالحكم للأصل وقد قال الأخفش، لو سمّيت رجلا ب «أصيلال» لم تصرفه، لأن اللام في حكم النون، التي اللام بدل منها، فهو (٤) ك «عثمان» والنون مقدرة منوية لأنه الأصل، فكذلك هذا، لمّا كانت الهمزة هي الأصل، جرى الحكم على الأصل، فأدخلت بين الهاء وهمزة بين بين ألفا، كما تفعل مع الهمزة، ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يكون أصله «أنتم» دخلت عليه «ها» التي للتنبيه، ثم خفّفت همزة «أنتم» بين بين، فعلى هذا القول يترك مدّه أبو عمرو، في رواية الرّقيين، والحلواني عن قالون، لأنهما كلمتان، وحسن

стр. 392

تخفيف همزة «أنتم» بعد ألف «ها» لأن الألف يقع بعدها الساكن، فأحرى أن يقع بعدها ما يقرب من الساكن، وهو همزة بين بين. ولا يحسن أن يقدّر البدل في الهمزة الثانية، في قراءة ورش، لئلا يجتمع ألفان، على أن يجعلها هاء، دخلت على «أأنتم». فإن قدّرت الهاء بدلا جاز أن تقدر لورش البدل في الثانية. كما جاز ذلك له في «أأنذرتهم» ونحوه، وبين بين أقوى في العربية (١). في ذلك كلّه لورش. «٤١» وحجة من قرأ بالمد والهمز أن أصله عنده «أنتم» دخلت عليه «ها» التي للتنبيه، وبقيت همزة «أنتم» محققة، [على أصلها، ولا يمدها البزي لأنها من كلمتين، ويجوز أن يكون أصله] (٢) «أاأنتم» بهمزتين محققتين، بينهما ألف، للفصل بين الهمزتين، ثم يبدل من الهمزة الأولى «ها»، فتتصل ألف الفصل بالهاء، وفيه بعد، إن حملت قراءة البزّي على هذا، لأنه ليس من أصله أن يدخل بين الهمزتين ألفا. والوجه الأول أولى بقراءة البزّي، وعلى ذلك تحمل قراءة الكوفيين وابن عامر، إلا هشاما فإنه قد (٣) يدخل بين الهمزتين ألفا، في غير هذا، فيجوز أن يحمل هذا على أصله في غيره، فتحمل قراءته على الوجه الثاني. والاختيار ما عليه الجماعة، من المدّ والهمز، وهو وجه الكلام وعليه المعنى (٤). «٤٢» قوله: (أن يؤتى) قرأه ابن كثير بالمدّ، ولم يمد الباقون. «٤٣» وحجة من مدّه أنه أدخل ألف الاستفهام على «أن»، ليؤكد الإنكار الذي قالوه، يأنه لا يؤتي أحد مثل ما أوتوا، لأن علماء اليهود قالت لعامتهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أي: لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. و «أن» في موضع رفع على قول من رفع في قولك: أزيد

стр. 393

ضربته، والخبر محذوف، تقديره: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تصدّقون أو تقرّون، ونحوه، أي: لا تصدّقوا بذلك. ويحسن أن تكون «أن» في موضع نصب على إضمار فعل، كما جاز في قولك: أزيدا ضربته، فهو أقوى في العربية، لأن الاستفهام بالفعل أولى لأنك عنه تستفهم. لست تستفهم عن شخص زيد إنما تستفهم عن الفعل، هل وقع بزيد. فالفعل: مع حرف الاستفهام مضمر، فهو أولى بالعمل، فيجب أن يختار النصب، ومثله الأمر والنهي وشبهه، ممّا (١) هو أولى بالفعل، ويكون الإضمار بين الألف وبين الفعل، تقديره: أتقرون أن يؤتى، أو أتشيعون ذلك، أو أتذكرون ذلك، ونحوه. «٤٤» وحجة من لم يمدّ أن النفي الأول، دلّ على إنكارهم في قولهم: ولا تؤمنوا فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم: لا تصدّقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. و «أن» في موضع جر على قول الخليل بالخافض المحذوف، وفي موضع نصب على قول غيره، لعدم الخافض، تقديره: لا تصدقوا بأن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم، واللام في «لمن» متعلقة ب «تؤمنوا»، على أن تحمل «تؤمنوا» على معنى: تقروا، فيتعدّى إلى مفعولين بحرفين، فإن لم تقدّر ذلك لم تتعلق اللام ب «تؤمنوا»، لأنه لا يتعدّى إلى مفعولين بحرفين، ويتعدّى «تقرون» (٢) بحرفين، تقول: أقررت لزيد بمال، ولا تقول ذلك في «تؤمنوا» إلا على أن تجعله بمعنى «تقروا». والاختيار ترك المدّ، لأن الجماعة عليه، ولأن المعنى في الإنكار يقوم بغير زيادة ألف، لأن «لا» تغني عن الألف (٣). ***

стр. 394

الهاء المتصلة بالفعل المجزوم (١) «٤٥» قرأ أبو بكر وأبو عمرو وحمزة: (﴿نُؤْتِهِ مِنْها﴾ بإسكان الهاء في السبعة (٢)، وقرأ ذلك قالون بكسر الهاء، من غير ياء، وقرأ الباقون بصلة الهاء بياء في الوصل (٣). «٤٦» وحجة القراءة بالإسكان أن هذه الأفعال قد حذفت الياء، التي قبل الهاء فيها للجزم، وصارت الهاء في موضع لام الفعل، فحلّت محلّها فأسكنت، كما تسكن لام الفعل للجزم، ألا ترى أنهم قد قالوا: لم يقر فلان القرآن، فحذفوا حركة الهمزة للجزم، فأبدلوا من الهمزة الساكنة ألفا، لانفتاح ما قبلها، ثم حذفوا أيضا الألف للجزم، كذلك حذفوا الياء قبل الهاء للجزم، وأسكنوا الهاء للجزم، إذ حلّت محلّ الفعل، وليست هذه العلة بالقوية. «٤٧» وفيه علة أخرى، وذلك أن من العرب من يسكّن هاء الكناية إذا تحرك ما قبلها، فيقولون: ضربته ضربا شديدا، يحذفون صلتها، ويسكنونها (٤) كما يفعلون بميم الجمع في «أنتم، وعليكم» يحذفون صلتها، ويسكّنونها، وهو الأكثر في الميم. فالهاء إضمار، والميم إضمار، فجريا مجرى واحدا، في جواز الإنكار وحذف الصلة، وهو في الميم كثير، وعليه جماعة القراء في الميم. وقد

стр. 395

كان يجب أن يكون الحذف مع الهاء أقوى منه مع الميم، لأن صلة الميم من الأسماء بمضمر (١)، وصلة الهاء إنما هي تقوية. فإذا حسن حذف ما هو أصل، فحذف ما هو غير أصل أقوى، لكن ترك الحذف في الهاء هو المستعمل الفاشي، وذلك لضعف الهاء وخفائها، لأنهم زادوا على الهاء حرفا للتقوية، وهي متحركة. فإذا حذفوا الحرف، وحذفوا الحركة عظم الضعف وتأكد، وهذا الوجه، في إسكان هذه الهاء، أقوى من الأول على ضعفه أيضا. «٤٨» ووجه القراءة بالكسر، من غير ياء، أنه أجري على أصله، قبل الجزم. وذلك أن أصله كله أن يكون بياء، قبل الهاء، وهي لام الفعل، وبياء بعدها، بدلا من واو دخلت للتقوية، نحو: نؤتيهي ونصليهي. فلمّا كانت الهاء حرف، لم تحجز بين الياءين الساكنتين، فحذفت الثانية لالتقاء الساكنين وبقيت الهاء مكسورة، ثم حذفت [الياء] (٢) التي قبل الهاء للجزم، فبقيت الهاء مكسورة على ما كانت عليه قبل الحذف، وهذه علة حسنة لا داخلة فيها. «٤٩» وحجة من وصل الهاء بياء أنه أتى بالهاء، مع تقويتها على الأصل. وأيضا فإنه لمّا زالت الياء، التي قبل الهاء، التي من أجلها تحذف الياء التي بعد الهاء عند سيبويه، أبقى الياء التي بعد الهاء، إذ لا علة في اللفظ، توجب حذفها، وهذا هو الاختيار، لأن عليه أكثر القراء، وهو الأصل، وإذ لا علة في اللفظ، توجب حذف الياء التي بعد الهاء. «٥٠» قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ﴾ قرأه عاصم وحمزة وابن عامر بالنصب، ورفع الباقون. «٥١» وحجة من نصبه أنه عطفه على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ «٧٩». ففي «يأمركم» ضمير «بشر» المتقدّم الذكر، والمراد به النبي ﵇.

стр. 396

وذلك أن اليهود قالت للنبي: أتريد يا محمد أن تتّخذك ربّا. فأنزل الله جلّ ذكره: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ﴾ - ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً﴾. «٥٢» وحجة من رفع أنه قطعه ممّا قبله، ففيه ضمير اسم الله جلّ ذكره، والمعنى: أنه ابتدأ الكلام فقال: ولا يأمركم الله أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، ردا لقولهم للنبي: أتريد أن تتخذك ربّا. ويقوّي الرفع على القطع أن في حرف عبد الله: «ولن يأمركم» فهذا يدلّ على الاستئناف. والضمير أيضا لله جلّ ذكره في «يأمركم» (١). «٥٣» قوله: ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بضم التاء، وكسر اللام، مشدّدا من التعليم، وقرأ الباقون بفتح التاء [واللام مفتوحة] (٢) مخففا من العلم. «٥٤» وحجة من شدّد أن التعليم إنما هو من (٣) العلم، لأن كل معلم عالم بما يعلم، وليس كل عالم بشيء معلما. فالتشديد يدلّ على العلم والتعليم. والتخفيف إنما يدلّ على العلم فقط. فالتعليم (٤) أبلغ وأمدح. «٥٥» وحجة من خفّف أنه حمله على ما بعده، من قوله: (تدرسون) مخفّفا، ولم يقل «تدرّسون»، وكل من درس علم، وليس كل من درس علّم (٥). فحمل الفعلين على معنى واحد أليق، وأحسن في المطابقة والمجانسة (٦). «٥٦» قوله: ﴿لَما آتَيْتُكُمْ﴾ قرأه حمزة بكسر اللام، وفتح الباقون، وقرأ نافع «آتيناكم» بلفظ الجمع، وقرأ الباقون بلفظ التوحيد.

стр. 397

«٥٧» وحجة من كسر اللام أنه جعلها لام جر، وعلّق اللام بالأخذ، أي: أخذ الله الميثاق لهذا الأمر، لأن من أوتي الحكمة يؤخذ عليه الميثاق، لما أوتوه من الحكمة، لأنهم الخيار من الناس، و «ما» بمعنى الذي. «٥٨» وحجة من فتح اللام أنه جعل اللام لام الابتداء [وما بمعنى الابتداء وجعل اللام] (١) جوابا لما هو في في معنى القسم، لأن أخذ الميثاق بالأيمان يكون، فهو في معنى القسم. فاللام جوابه، كما تقول: والله لزيد خير من عمرو، وخبر الابتداء «لتؤمنن به»، والعائد على «ما» هاء محذوفة من «آتيتكم»، أي: آتيتكموه. أي: أخذ الله الميثاق على النبيين للذي آتيتكموه، من كتاب وحكمة. ويجوز أن تكون «ما في هذه القراءة للشرط، فتكون في موضع نصب ب «آتيتكم»، و «جاءكم» في موضع جزم عطف على «آتيتكم». وتكون اللام لام التوطئة للقسم. ويجوز حذفها وإثباتها، كما قال: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾ «المائدة ٧٣» و ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ﴾ «الأحزاب ٦٠» وتأتي لام القسم بعدها أبدا، فإنما هي تنبّه أن جواب القسم قوله: (لتؤمنّن به). وقد فسّرت هذه المسألة في «تفسير مشكل الإعراب» بأشبع من هذا. وفتح اللام هو الاختيار، لأن عليه الجماعة. وكذلك «آتيتكم» بلفظ التوحيد، لأن عليه الجماعة. «٥٩» وحجة من قرأ: «(آتيتكم)» على لفظ التوحيد أن قبله اسم الله جل ذكره بلفظ التوحيد. وكذلك إذا أظهر اسم الله لم يأت إلا بلفظ التوحيد، لأنه واحد، لا إله غيره، فلمّا كان قبله لفظ التوحيد أتى الفعل على ذلك بالمضمر، عقيب الظاهر، يأتي مثله في توحيده وجمعه. «٦٠» وحجة من قرأ بلفظ الجمع أنه حمله على معنى التعظيم والتفخيم وله نظائر في القرآن، نحو قوله: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ «الإسراء ٢»، و ﴿آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾ «ص ٢٠»، و ﴿آتَيْناهُمَا الْكِتابَ﴾ «الصافات ١١٧»،

стр. 398

«٦١» قوله: (يبغون، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ قرأ أبو عمرو وحفص «يبغون» بالياء، وقرأ حفص وحده «يرجعون» بالياء، وقرأهما الباقون بالتاء. «٦٢» وحجة من قرأ بالتاء أنه أجراه على الخطاب لهم، أمر الله نبيّه أن يقول لهم: أفغير دين الله تبغون أيها الكافرون، وإليه ترجعون، لأنهم كانوا ينكرون البعث، وينتحلون غير دين الله، فخوطبوا بذلك على لسان النبي ﵇. ويؤكد القراءة بالتاء في ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ «الأنعام ٦٠»، فالتاء كالكاف، ولذلك عدل أبو عمرو إلى التاء في «ترجعون»، وخالف فيها «يبغون». «٦٣» وحجة من قرأ بالياء أنه جعله إخبارا عن غيّب، لأنهم لم يكونوا بالحضرة. وأيضا فإن قبله ذكر غيّب، في قوله: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ «٨٢» وقوله: ﴿فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ﴾ فجرى الكلام الذي بعده على أوله في الغيبة (١)، وفي الكلام على القراءتين معنى التهديد (٢) والوعيد (٣). «٦٤» قوله: ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ قرأ حفص وحمزة والكسائي بكسر الحاء وقرأ الباقون بالفتح، وهما مصدران ل [حجّ يحج] (٤)، حكى سيبويه، حجّ حجا بالكسر ك: ذكر ذكرا، ويقال: حج حجا. والفتح أصل المصدر. وقيل:

стр. 399

الفتح المصدر، والكسر الاسم. قال أبو زيد: الحجة السنة، والحجج السنون. قال الله: ﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ «القصص ٢٧»، وقيل: هما لغتان بمعنى (١). «٦٥» قوله: ﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ قرأهما حفص وحمزة والكسائي بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. والمشهور عن أبي عمرو التاء. «٦٦» وحجة من قرأهما بالتاء أنه ردّه على الخطاب الذي قبله في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ «١١٠» - وما تفعلوا من خير، وأيضا فقد أجمعوا على الخطاب في قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ «الإسراء ٧» وعلى قوله: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ «البقرة ٢٧٢»، وعلى قوله: ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ «البقرة ١٩٧» وهو كثير، أتى على الخطاب، فجرى هذا على ذلك. «٦٧» وحجة من قرأ بالياء أنه ردّه على لفظ الغيبة، الذي هو أقرب إليه من لفظ الخطاب، وهو (٢) قوله: (و ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ ﴿. يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ «١٣، ١٤» - وما يفعلوا، فذلك كلّه لفظ غيبة متصل به، ليس بينهما حائل، فذلك أولى به من الخطاب، الذي بعد عنه. وأيضا فقد قال ابن مسعود وابن عباس: إذا اختلفتم في الياء والتاء فاقرؤوا بالياء، ولولا أن (٣) الجماعة على التاء، لكان (٤) الاختيار الياء، لصحة معناه، ولقربه من لفظ الغيبة، واتصاله بألفاظ كلّها للغائب (٥).

стр. 400

«٦٨» قوله: ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ قرأه الكوفيون وابن عامر بفتح الياء والتشديد، وضمّ الضاد والراء، وقرأ الباقون بفتح الياء، وكسر الضاد، والتخفيف، والجزم، وهما لغتان: ضرّه يضرّه، وضاره يضيره. وقال الله جل ذكره: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ﴾ «الشعراء ٥٠» فهذا من: ضاره يضيره. وقال: ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ «يونس ١٨» فهذا من: ضره يضره. والتشديد كثير في الاستعمال والقراءة، والجزم على جواب الشرط، والضمّ على إتباع الضمّ الضم، وهو مجزوم أيضا. حكى النحويون: لم أردها، بضمّ الدال، وهو مجزوم، لكنه أتبع حركته الدال، لمّا احتاج إلى تحريكها، حركة ما قبلها، وهو الراء، كذلك فعل في الراء لمّا احتاج إلى تحريكها، أتبعها ما قبلها، وهو حركة الضاد. وقد قيل: إن ضمة الراء، في قراءة من شدّد، إعراب، والفعل مرفوع على إضمار الفاء، وذلك قليل في الكلام. والاختيار التخفيف، لخفته وأنها لغة موازية للتشديد، لأن أهل الحرمين عليه مع أبي عمرو (١). «٦٩» قوله: (منزلين) شدّده ابن عامر، وقرأه الباقون بالتخفيف. وهما لغتان. من شدّده جعله من «نزّل» ومن خفّفه جعله من «أنزل». وفي التشديد معنى التكرير، والتخفيف الاختيار لأن الجماعة عليه (٢). «٧٠» قوله: (مسوّمين) قرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو، وفتح الباقون. «٧١» وحجة من كسر الواو أنه أضاف الفعل إلى الملائكة، فأخبر عنهم أنهم سوّموا الخيل. والسومة العلامة تكون في الشيء بلون يخالف لونه ليعرف بها، ويقوّي ذلك أنه روي أن النبي ﵇ قال يوم بدر: «سوّموا فإن

стр. 401

الملائكة قد سوّمت» (١) فأضاف الفعل إلى الملائكة، فدلّ ذلك على وجوب كسر الواو في «مسوّمين». «٧٢» وحجة من فتح الواو أنه أضاف التسويم إلى غيرهم، على معنى أن غيرهم من الملائكة سوّمهم. ويجوز أن يكون معنى مسوّمين من قولك: سوّمت الخيل، أي أرسلتها ومنه السائمة. فالمعنى: بألف من الملائكة مرسلين. والاختيار الفتح، لأن الجماعة عليه. وقد اختار قوم الكسر للحديث المذكور (٢). «٧٣» قوله: ﴿وَسارِعُوا﴾ قرأه نافع وابن عامر بغير واو، على الاستئناف والقطع، وكذا هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام بغير واو، وهو مع الاستئناف ملتبس بما قبله، لأن الضمائر غير مختلفة والمأمورين غير مختلفين. وقرأ الباقون بالواو، على العطف على ما قبله، من قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ «١٣٢» - وسارعوا، وهو عطف جملة على جملة، وكذلك هي في مصاحف أهل الكوفة، وأهل البصرة بالواو (٣). «٧٤» قوله: (قرح) قرأ حمزة وأبو بكر والكسائي بضم القاف، على أنها ألم الجراحات، وقرأ الباقون بالفتح، على أنها الجراحات بعينها وأكثر الناس على أن القراءتين بمعنى الجراحات بلغتين ك: الضعف والضعف، والكره والكره. وقال الأخفش: هما مصدران ل «قرح قرحا وقرحا» (٤).

стр. 402

«٧٥» قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ (١) قرأه ابن كثير بهمزة مكسورة، بين النون والألف، من غير ياء على وزن «وكاعن»، ولا بدّ من المد، وقرأ الباقون بهمزة مفتوحة بعد الكاف، وبياء مشددة مكسورة على وزن «كعين». «٧٦» ووجه قراءة ابن كثير فيه إشكال، وذلك أن الأصل فيه «كأي» بكاف دخلت على «أي»، لكن كثر استعمالها بمعنى «كم» التي للتكثير، فجعلت كلمة واحدة، فوقع فيها من القلب ما يقع في الكلمة الواحدة، فقلبت الياء المشددة المكسورة في موضع الهمزة، وردّت الهمزة في موضع الياء، فصارت «كيئن» مثل «كيعن»، فحذفت الياء الثانية استخفافا، كما حذفت في «كينونة» وأصله «كيّنونة» فصارت بعد الحذف «كيين» على وزن «فيعل» فأبدلت من الياء الساكنة ألف، كما أبدلوا في «آية» وأصلها عند جماعة [النحويين] (٢) «أيّة» وهو مذهب سيبويه، وكما قالوا: طائي، والأصل «طييّ» بياءين مشددتين، لأنه ينسب إلى «طيّ»، لكن أبدلوا من الياء الأولى الساكنة ألفا، فوقعت الياء الثانية بعد ألف زائدة، فأبدلوا منها همزة، كما فعلوا ب «سقاء وكساء» بل الهمزة فيهما، وفي نحوهما، بدل من ياء، لوقوعها بعد ألف زائدة، فصار بعد القلب والبدل «كأين» ك «فاعل» من الكون، وأصل النون تنوين، دخل على «أي»، لكن لما دخله القلب والبدل، وجعل كلمة واحدة بمعنى «كم»، صار التنوين كالنون الأصلية، كما قالوا: لدن غدوة، فنصبوا، جعلوا النون كالتنوين، الذي لا يكون مع إثباته الخفض. فالوجه أن يوقف (٣) عليه بالنون (٤)، لما ذكرنا، ولأنها نون في المصحف. وقد حكي عن الخليل أنه قال في قراءة ابن كثير: إن الأصل كأيّ، ثم قدّمت إحدى الياءين في موضع

стр. 403

الهمزة، فتحركت بالفتح، كما كانت حركة الهمزة فقلبت ألفا، وصارت الهمزة ساكنة كما كانت الياء ساكنة (١)، فاجتمع ساكنان الألف والهمزة، فكسرت الهمزة لالتقاء الساكنين، وبقيت إحدى الياءين متطرّفة، فزالت حركتها، كما تذهب من «قاض» في الرفع والخفض، فتبقى الياء ساكنة، والتنوين ساكن، فتحذف الياء لالتقاء الساكنين، فتصير ك «فاعل» من: جاء وشاء تقول: جاء وشاء في الرفع والخفض ك «قاض وعال»، ويجب على هذا القول أن يوقف عليه بغير نون. وقد روي ذلك عن أبي عمرو، والعمل على الوقف عليه بالنون، في جميع القراءات، اتباعا لخط المصحف. وقد قيل: قراءة ابن كثير محمولة على أنه فاعل من «الكون»، وهو بعيد في المعنى، لأنه لا يدلّ على «كم». وأيضا فإن بعده «من» لازمة له، و «من» لا تصحب «كأن» ولا تلزمها. وأيضا فإنه، لو كان فاعلا من الكون، لأعرب، ولم يبن على السكون. «٧٧» ووجه القراءة بتشديد الياء، وتقديم الهمزة، أنها «أيّ» دخلت عليها كاف التشبيه، وكثر استعمالها بمعنى «كم»، فجعلت كلمة واحدة، وجعل التنوين نونا أصلية، فوقف عليها بالنون. وقد كان قياسا أن يوقف بغير نون، كما يوقف على «أي» حيث وقعت. و «كأين» في القراءتين في موضع رفع بالابتداء، و «قتل معه ربّيون» [الخبر إلا أن تجعل «قتل معه ربيون»] (٢) صفة ل «نبي»، فتضمر خبرا ل «كاين»، وتقديره: وكاين من نبي هذه صفته في الدنيا أو مضى، ونحو ذلك من الإضمار، وليس للتشبيه (٣) في الآية ل «كاين» معنى، لأن الكاف قد جعلت مع أيّ كلمة واحدة، ونقلت عن معنى التشبيه إلى معنى «كم» التي للتكثير ولزمتها «من» (٤).

стр. 404

«٧٨» قوله: (قاتل معه) قرأه الكوفيون وابن عامر بألف، من القتال، وقرأه الباقون «قتل»، من القتل. «٧٩» ووجه القراءة بالألف أنه يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون قد أسند الفعل الذي هو القتال إلى النبي ﵇، ويكون «معه ربيون» ابتداء وخبرا، وترفع «ربيون» بالظرف، والجملة صفة ل «نبي» في الموضعين. ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من المضمر في «قاتل»، والهاء في «معه» تعود على ذلك المضمر، وإذا جعلته صفة ل «نبي» كانت تعود على «نبي»، ودلّ المعنى على أن «الربيين» قاتلوا أيضا مع (١) قتال النبي، وحسن ذلك لما روي عن الحسن وغيره أنه قال: ما قتل نبي قطّ في قتال. وكان إضافة القتال إليه أولى من إضافة القتل إليه. «٨٠» والوجه الثاني أن يكون قد أسند الفعل إلى «الربيين» دون النبي، فأخبر عنهم بالقتال دون النبي، فيكون «قاتل معه ربيون» صفة ل «نبي» و «ربيون» مرفوعون بفعلهم. «٨١» ووجه القراءة بغير ألف أنه يحتمل أيضا وجهين: أحدهما أن يكون فعلا، وما بعده صفة للنبي، والفعل مسند إلى النبي بدلالة قوله: ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ﴾ «١٤٤» فأخبر أن النبي قد يقتل، وقد قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ «البقرة ٦١»، وقال: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ﴾ «البقرة ٩١»، وهذا من قتل النبي في غير قتال، فحمل ذلك على هذا المعنى، أنه قتل في غير قتال. وسياق الكلام في قوله: ﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، وقوله: «وَثَبِّتْ أَقْدامَنا» «١٤٧» يدلّ على أن القتل والقتال كان في الحرب في سبيل الله. «٨٢» والوجه الثاني أن «قتل» وما بعده صفة أيضا للنبي (٢)، والفعل مسند إلى «ربيين»، فهم في هذا الوجه مرفوعون ب «قتل»، على المفعول،

стр. 405

الذي لم يسمّ فاعله. وعلى الوجه الأول مرفوعون بالابتداء و «معه» الخبر، أو مرفوعون بالظرف. والجملة في الوجهين صفة ل «نبي»، وهذا الوجه يقوّيه قول الحسن المذكور عنه. ويجوز، على الوجه الأول، أن يكون «معه ربيون» في موضع الحال من المضمر في «قتل»، فتكون الهاء في «معه»، تعود على الضمير في «قتل»، ويعود إذا كان «معه ربيون» صفة ل «نبي» على «نبي» (١). «٨٣» قوله: ﴿الرُّعْبَ﴾ قرأه ابن عامر والكسائي بضمّ العين، حيث وقع، وأسكن الباقون، وهما لغتان فاشيتان ك «السحت والسحت» (٢). «٨٤» قوله: ﴿يَغْشى طائِفَةً﴾ قرأه (٣) حمزة والكسائي بالتاء والإمالة، ردّاه على تأنيث «الأمنة» لأن من أجلها تغشوا، فهي المقصودة بالغشيان لهم، لأن الناعس لا يغشاه النعاس إلا ومعه أمنة. وقد تحدث الأمنة ولا نعاس معها، فالأمنة أولى بإضافة الفعل إليها. وقد قدّمنا علة الإمالة، وقرأ الباقون بالياء والفتح، حملوه على تذكير النعاس، لأنه هو الذي غشيهم، ودليله قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ «الأنفال ١١» فأضاف الفعل إلى النعاس، وكان النعاس أولى بذلك، لأنه أقرب إلى الفعل. وأيضا فإن المستعمل في الكلام أن يقال: غشيني النعاس إذا نعس، ولا يقال غشيتني الأمنة. وأيضا فإن النعاس بدل من الأمنة، فكأن الأمنة محذوفة من الكلام، لقيام المبدل منها مقامها، وهو الاختيار، لما ذكرنا من العلة، ولأن الجماعة على الياء (٤).

стр. 406

«٨٥» قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ﴾ قرأ أبو عمرو «كله» بالرفع على الابتداء، و «لله» الخبر، والجملة خبر «إن»، وحسن أن يكون «كل» ابتداء، وهي ممّا يؤكد بها، لأنها أدخل في الأسماء منها في التأكيد، إذ تقع فاعلة ومفعولة ومجرورة، كسائر الأسماء، ولا يكون شيء من ذلك في «أجمعين»، تقول: كلهم أتاني، ورأيت كل القوم، ومررت بكل أصحابك. ولا يجوز ذلك في «أجمعين»، فحسن أن تقع مبتدأة، وقرأ الباقون بالنصب، على التأكيد للأمر. ويجوز عند الأخفش أن يكون «كله» بدلا من الأمر، و «الله» الخبر في الوجهين، والنصب الاختيار، للإجماع عليه، ولصحة وجهه، ولأن التأكيد أصل «كل» لأنها للإحاطة (١). «٨٦» قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأه ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء، ردّوه على لفظ الغيبة الذي قبله، في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله: ﴿وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ﴾، وقوله: ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وقرأ الباقون بالتاء، ردّوه على الخطاب الذي قبله، في قوله: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فالضمير في «تعملون» للمؤمنين، وهو في القراءة بالياء للكفار، والقراءتان متعادلتان والتاء أحب إليّ لأن الأكثر عليه (٢). «٨٧» قوله: (متّم، ومتنا) (٣) قرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بكسر الميم، حيث وقع، وقرأ الباقون بضم الميم، غير أن حفصا ضمّ الميم في هذه السورة خاصة. «٨٨» وحجة من ضمّ [الميم] (٤) أن المستعمل الفاشي في هذا الفعل

стр. 407

«مات يموت» ك: قال يقول، على: فعل يفعل، منقول «فعل» منه إلى «فعل» بضم العين، فضمّت فاء الفعل في الإخبار، لتدل على الواو المحذوفة، كما تقول: قلت وطفت، فإذا كسر لم تدل الكسرة على الواو المحذوفة، فأصله ضمّ أوله في الإخبار، للدلالة على الواو. «٨٩» وحجة من كسر الميم أنه حمله على لغة أتت فيه على «فعل، يفعل» وذلك قليل في القياس، أتى في المعتل كما أتى في السالم، نحو: فضل يفضل، وهو قليل أيضا في السالم، فلما كان الماضي على «فعل» كسر أوله في الإخبار، لتدل الكسرة على أن العين من الفعل أصلها الكسر، كما كسروا في «كلت»، لتدلّ الكسرة على الياء المحذوفة، ف «مت» بالكسر كثير الاستعمال، شاذ في القياس، و «مت» بالضم كثير الاستعمال، غير شاذّ في القياس، فالضم هو الاختيار، لما ذكرنا، ولأن عليه جماعة من القراء، وقد قيل: [إن] (١) من كسر الميم أتى به على لغة من قال: مات يمات، مثل: دام يدام، فهو: فعل يفعل ك: خاف يخاف، لغة معروفة، حكاها الكوفيون، فتكسر الميم، لتدل على أن عين الفعل مكسورة، كما كسروا في: خفت، لذلك (٢). «٩٠» قوله: ﴿مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ قرأه حفص بالياء، على أنه حمله على لفظ الغيبة، على معنى: لمغفرة من الله لكم ورحمة خير مما يجمع غيركم، ممّن ترك القتال في سبيل الله لجمع الدنيا، ولم يقاتل معكم، وقرأ الباقون بالتاء، ردوه على (٣) الخطاب الذي قبله، في قوله: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ على معنى: لمغفرة من الله ورحمة خير مما تجمعون من أعراض الدنيا لو بقيتم، والتاء الاختيار، لأن الجماعة على ذلك، ولانتظام آخر الكلام بأوله (٤).

стр. 408

«٩١» قوله: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء، وضم الغين، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الغين. «٩٢» وحجة من فتح الياء وضمّ الغين أنه نفى الغلول عن النبي، وأضاف الفعل إليه، ونفاه عنه أن يفعله، وقد ثبت أن الغلول وقع من غيره، فلا يحسن أن ينفي الغلول عن غيره، لأنه أمر قد وقع، وإنما ينفي الغلول [عنه] (١)، وهي الخيانة في المغانم. فالمعنى: ما كان لنبي أن يخان من معه في الغنيمة. وقد نفى ابن عباس القراءة بضم الياء، وقال: كيف لا يكون [له] (٢) أن يغل، وقد كان جائزا أن يقتل، قال الله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ﴾ «آل عمران ١١٢» قال: ولكن المنافقين اتهموا النبي في شيء فقد، فأنزل الله: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: يخون أمته في المغانم، فنفى عنه الغلول. وروى معاذ بن جبل أن النبي ﵇ كان يقرأه بفتح الياء. وبه قرأ ابن عباس. «٩٣» وحجة من ضمّ الياء وفتح العين أنه حمله على النفي عن أصحاب النبي، أن يخونوه في المغانم، وفيه معنى النهي عن فعل ذلك، فدلّ على هذا المعنى قوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فدلّ على أنه [كان في القوم غلول تنزيها للنبي ﷺ وتعظيما له أن يكون أحد من أمته نسب إليه الغلول بل هم المخطئون والمذنبون] (١)، فالمعنى: ما كان لنبي أن يغان في الغنائم، قال جابر بن عبد الله: أنزلت يوم بدر هذه الآية (٣). قال: وكان ناس غلوا فأنزلت فيهم، فلم يخونوا بعد، وقيل: إن أصله «يغلل» أي: يخون، أي: ما كان لنبي أن يخونه أصحابه، لكن حذفت إحدى اللامات استخفافا. فالفعل على هذا منفي (٤) عن النبي ﵇ كالقراءة بفتح الياء،

стр. 409

ويجوز أن يكون المعنى في هذه القراءة: ما كان لنبي أن ينسب إلى الغلول، أي: لا يقال له: أغللت، كقولك: أكفرت الرجل، أي: نسبته إلى الكفر، فيكون النفي أيضا عن النبي، لا عن أصحابه، ويجوز أن يكون المعنى: ما كان لنبي أن يوجد غالا، كقولك: أحمدت الرجل، [أي:] (١) وجدته محمودا، فيكون النفي أيضا عن النبي ﵇. والاختيار ضم الياء، لأن عليه أكثر القراء، ولأن فيه تنزيها للنبي وتعظيما له، أن يكون أحد من أمته نسب إليه الغلول، بل هم المخطئون المذنبون (٢). «٩٤» قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ (٣) قرأه ابن عامر بالتشديد، على التكثير [لأن المقتولين كثر والتشديد للتكثير] (٤)، وقرأه الباقون بالتخفيف، لأن التخفيف للتقليل والتكثير، فهو كالتشديد في أحد وجهيه، وهو الاختيار، لإجماع القراء عليه. ومثله في العلة الذي قبله، وهو قوله: ﴿لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ «١٦٨» قرأه هشام بالتشديد، وخفف الباقون (٥). «٩٥» قوله (وأنّ الله لا يضيع) قرأه الكسائي بكسر الهمزة، على الابتداء والاستئناف، وهو مع ذلك (٦) متعلق بالأول، لأنه إذا لم يضعه فهو واصل

стр. 410

أجره إليهم، وقرأ الباقون بالفتح، عطفوه على «بنعمة» أي: يستبشرون بالنعمة والفضل، وبأن الله لا يضيع الأجر. ف «أن» في موضع نصب، بحذف الخافض، أو في موضع خفض على تقدير الخافض محذوفا (١). «٩٦» قوله: (يحزن، وليحزن) (٢) وشبهه، قرأه نافع بضم الياء، وكسر الزاي، حيث وقع، إلا في موضع واحد، فإنه فتح الياء فيه، وضمّ الزاي كالجماعة، وهو قوله: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ «الأنبياء ١٠٣»، وقرأ الباقون بفتح الياء، وضم الزاي في جميع القرآن، وهما لغتان، حكى سيبويه: أحزنت الرجل، إذا جعلته حزينا، فضمّت الياء في المستقبل، لأنه رباعي. ويقال: حزن الرجل يحزن، لغة. وحزّن يحزّن لغة. ومنه قوله: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ «البقرة ٣٨»، ويقال: حزّنته، جعلت فيه حزنا، كما تقول: كحّلته، جعلت فيه كحلا. وخصّ نافع الموضع المذكور بفتح الياء للجمع بين اللغتين، والقراءتان متساويتان، وما عليه الجماعة، من فتح الياء، وضمّ الزاي، أحب إليّ، لأنها اللغة الفاشية المستعملة المجمع عليها (٣). «٩٧» قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأه حمزة بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. ووجه القراءة بالياء أنه أسند الفعل إلى «الذين كفروا»، فهم الفاعلون، وكان ذلك أولى، لتقدّم ذكرهم قبل الآية. وقوله: ﴿أَنَّما نُمْلِي﴾ يسدّ مسد مفعولي حسب. و «ما» في «إنما» بمعنى «الذي»، والهاء محذوفة من «نملي»، لأنه صلة الذي. ولك أن تجعل «ما» وما بعدها مصدرا، فلا

стр. 411

تقدّر حذف هاء، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن الذي نملي لهم خير لأنفسهم. وإن شئت كان التقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن الإملاء خير لهم. «٩٨» ووجه القراءة بالتاء أنه جعل الفعل خطابا للنبي ﵇، فهو الفاعل، و «الذين كفروا» مفعول أول «يحسب» و «إنما» وما بعدها بدل من «الذين»، في موضع نصب، فيسدّ مسدّ المفعولين، كما يسدّ لو لم يكن بدلا (١)، و «ما» بمعنى «الذي»، والهاء محذوفة من «نملي»، والتقدير: ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا أن الذي نمليه لهم خير لأنفسهم، فيؤول التقدير: إذا حذف المبدل منه، إلى: ولا تحسبن يا محمد أن الذي نمليه للذين كفروا خير لهم، ولا تحسبن، أن تجعل «ما» والفعل مصدرا، على هذه القراءة، لأن المفعول الثاني، في هذا الباب، هو الأول في المعنى. والإملاء غير الذين كفروا، إلا أن تقدّر مع المفعول الأول حذف مضاف، هو الإملاء، في المعنى. فيكون التقدير: ولا تحسبن يا محمد شأن الذين كفروا الإملاء هو خير لهم، أو تضمر «حال الذين كفروا»، أو «أمر الذين كفروا»، ونحوه، ممّا يكون الإملاء خيرا لهم فيه. ويجوز، في القراءة بالياء، أن يكون الفعل للنبي كالتاء، على تقدير: ولا يحسبن محمد الذين كفروا أنما نملي لهم، فتكون القراءتان بمعنى واحد (٢). «٩٩» قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ قرأه حمزة وحده (٣) بالتاء كالأول، وقرأ الباقون بالياء كالأول. «١٠٠» ووجه القراءة بالياء أنه أضيف الفعل إلى ما بعده، وهم «الذين

стр. 412

يبخلون»، فهم الفاعلون، وردّ الفعل على ما قبله من الغيبة، في قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والمفعول الأول ل «يحسب» محذوف. والتقدير: ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيرا لهم، فحذف البخل لدلالة «يبخلون» عليه. ويجوز أن يكون الفعل للنبي ﵇ على معنى: ولا يحسبن محمد الذين يبخلون، على حذف مضاف أيضا، أي: ولا يحسبن محمد بخل الذين يبخلون هو خير لهم. «١٠١» ووجه القراءة بالتاء أنه على الخطاب للنبي ﵇، فهو الفاعل، و «الذين يبخلون» مفعول بهم أول، على تقدير حذف مضاف، أي: بخل الذين، ولا بدّ من الإضمار في القراءتين جميعا، ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى، لأن «الذين» غير خبر، ولا بدّ من إضمار شيء يكون هو خبرا في المعنى والنفي إنما وقع على أن البخل ليس هو «خيرا» لهم و «خيرا» هو المفعول الثاني، وهو فاصلة لا موضع لها من الإعراب (١). «١٠٢» قوله: (و ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ قرأه الكوفيون بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. «١٠٣» وحجة من قرأ بالياء أنه أضاف الفعل إلى «الَّذِينَ يَفْرَحُونَ» ف «الذين» فاعلون، ولم يعدّ «يحسبن» إلى شيء. وقد كره ذلك الأخفش، لأن تعديته أعظم في الفائدة، لكن من قرأ «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ» إلى مفعولين، فاستغنى بذلك عن تعدّي «ولا يحسبن»، لأن المبدل منه قام مقامه في التعدّي، ولا تمنع الفاء البدل، لأنها زائدة، ولأنها ليست العاطفة، وليست التي تدخل في جواب [الشرط] (٢)، فهي زائدة. فأما من قرأ الثاني

стр. 413

بالتاء والأول بالياء فلا يحسن فيه البدل، لاختلاف فاعلهما، ومجازه أنه لم يعد الفعل الأول إلى شيء، كما تقول: حسبت وعلمت وظننت، فتخبر أنه كان منك حسبان وعلم وظن، ولا تخبر على من وقع ذلك. فالكلام فيه فائدة، وإن لم تعدّه، لكن الفائدة مع التعدّي أعظم وأبين، وحسن ترك تعدّي الأول في هذا، لدلالة تعدي الثاني على ذلك، وهو: (فلا تحسبنهم بمفازة) وكأن مفعولي الأول حذفا لدلالة مفعولي الثاني على ذلك، وتقديره: لا يحسبن الذين يفرحون بما أوتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، بمفازة من العذاب، فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب، ثم حذف الأول، لدلالة الثاني عليه (١). «١٠٤» وحجة من قرأ بالتاء أنه أضاف الفعل إلى النبي ﵇، فجرى على المخاطبة، و «الذين يفرحون» مفعول أول ل «حسب»، وحذف الثاني، لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾، ويجوز أن يكون المفعول الثاني قوله: «بمفازة من العذاب»، الذي بعد «تحسبنهم» يراد به التقديم، ويكون مفعول «تحسبنهم» محذوفا، لدلالة الأول عليه، كما تقول: ظننت زيدا ذاهبا، وظننت عمرا، ويحسن أن يكون «تحسبنهم»، في قراءة من قرأه بالتاء، بدلا من «لا تحسبن»، في قراءة من قرأه بالتاء، لاتفاق الفاعلين، والفاء زائدة على ما ذكرنا، فإذا حسن البدل فمفعولا «تحسبنهم» هما مفعولا «لا تحسبن» لأن المبدل منه كأنه لم يذكر. فأما من قرأ «لا تحسبن» بالتاء قرأ «فلا يحسبنهم» بالياء، فلا يحسن فيه البدل، لاختلاف الفاعلين، ولكن لا بدّ من حذف مفعولي «لا يحسبن»، لدلالة مفعولي «فلا تحسبنهم» على ذلك. ويكون «بمفازة من العذاب» هو المفعول الثاني، لقوله: «(لا يحسبن الذين يفرحون)» ويكون المفعول الثاني لقوله: «(فلا تحسبنهم)» محذوفا، لدلالة الأول عليه.

стр. 414

«١٠٥» قوله: (حتى يميز، وليميز) قرأه حمزة والكسائي بضم الياء (١) والتشديد هنا وفي الأنفال (٢)، وقرأ الباقون بفتح الياء، والتخفيف فيهما، وهما لغتان، يقال: ماز يميز، مثل كال يكيل، وميّز يميّز مثل: قتّل يقتّل، وفي التشديد معنى التكثير، يقال: ميّزت الطعام فتميّز، وليس التشديد في هذا لتعدّي الفعل ك «كرم وكرمت»، لأنه لم يتعدّ بالتشديد، لأنك تقول: مزت المتاع، وميّزت المتاع، فلا يحدث التشديد تعدّيا لم يكن في التخفيف. فالقراءتان بمعنى التخفيف أحب إليّ، لأن الجماعة عليه (٣). «١٠٦» قوله: ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو بالياء، ردّاه على لفظ الغيبة التي قبله، في قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ قوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، وقرأ الباقون بالتاء، ردّوه على الخطاب المكرّر الذي قبله، في قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ﴾ «١٧٩» ونوي به التقدّم، ليكون أقرب إليه، والتقدير: فلكم أجر عظيم، والله بما تعملون خبير. والتاء أحب إليّ، لتكرّر لفظ الخطاب الذي قبله، ولأن الجماعة عليه (٤). «١٠٧» قوله: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ﴾ قرأه حمزة «سيكتب» بياء مضمومة «قتلهم» بالرفع، و «يقول» بالياء، وقرأ الباقون «سنكتب» بنون مفتوحة، و «قتلهم» بالنصب و «نقول» بالنون. «١٠٨» وحجة من قرأ بالياء أنه أجراه على لفظ الغيبة، وجعله فعلا لم يسمّ فاعله ف «ما» في موضع رفع، لأنه مفعول لم يسمّ فاعله، فلذلك رفع «وقتلهم» على العطف على «ما»، وعطف «ويقول» على «سيكتب»، فأجري على الغيبة لتقدّم ذكر اسم الله جلّ ذكره، لكنه أجرى الفعل الثاني على

стр. 415

ما سمّي فاعله، وخالف به الأول. ولو أجراه على الأول لقال: ويقال ذوقوا. وعلته في إجرائه «سيكتب» على ما لم يسمّ فاعله، ثم ب «يقول» على ما سمّي فاعله، أن الأول وهو «سيكتب» فعل متعد. فلمّا وجد سبيلا إلى مفعول، يقوم مقام الفاعل، وهو ما حمله على ما لم يسمّ فاعله، ولمّا كان «يقول» لا يتعدّى إلى مفعول، وليس معه مفعول، يقوم مقام الفاعل، لم يردّه إلى ما لم يسمّ فاعله، إذ لا مفعول في الكلام، يقوم مقام الفاعل، إلا أن يضمر مصدرا يقوم مقام الفاعل، وذلك تكلّف، وفيه بعد وخروج عن الظاهر. «١٠٩» وحجة من قرأ بالنون أنه ردّه على الإخبار عن الله جلّ ذكره لما تقدّم في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ﴾، فنصب به، وعطف «وقتلهم» على «ما» فنصبه، وعطف عليه «ونقول»، فجرى كله على الإخبار عن الله جل ذكره، لتقدّم ذكر اسمه جلّ وعزّ، وهو في القرآن كثير، وهو الاختيار، ليرد الكلام على أوله، ولأن الإجماع عليه (١). «١١٠» قوله (٢): ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ﴾ قرأ ابن عامر «وبالزبر» بزيادة باء، وقرأ هشام «وبالكتاب» بزيادة باء، أعاد الحرف للتأكيد، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، وقرأهما الباقون بغير باء، لأن حرف العطف أغنى عن إعادة حرف الجر، كما تقول: مررت بزيد وعمرو وخالد، فلا تعيد حرف الجر. فهو المستعمل، وهو أخصر، وإثبات الحرف (٣) هو الأصل، إلا أنه ترك استعماله في أكثر القرآن والكلام استخفافا. ولو لزم تكرير العامل لوجب أن يقول: جاءني زيد وجاءني عمرو وجاءني خالد. وهذا ثقيل. فالواو تغني عن تكرير الفعل، كذلك تغني عن تكرير حرف الجر. وأيضا فإنهما بغير باء في مصاحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة، وهو الاختيار، لأنه المستعمل، ولأنه أخصر، ولأن حرف العطف

стр. 416

يغني عن إعادة حرف الجر (١). «١١١» قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ قرأ أبو بكر وأبو عمرو وابن كثير بياء فيهما، حملوه على لفظ الغيبة، لأن المخبر عنه غائب، وردّوه في الغيبة على ما تقدّم من ذكر الغيبة القريبة منه، في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ «١٨٦» وعلى ما أتى بعده من لفظ الغيبة، في قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ فجاء كله بلفظ الغيبة، فحمل ما قبله عليه، لينتظم الكلام على سنن واحد، ويأتلف على طريقة واحدة في الغيبة، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، حملوه على الخطاب، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ﴾ «آل عمران ٨١» فرجع إلى الخطاب. ولو حمل على ما قبله لقال: آتيتهم، وفي القراءة بالتاء معنى توكيد الأمر لأن التاء للمواجهة، فتقديره: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، فقال لهم (٢) لتبيننّه للناس ولا تكتمونه، وهو الاختيار، لما فيه من معنى التأكيد، ولأن أكثر القراء عليه. والقراءة بالياء حسنة قوية مختارة أيضا، لكن نفسي تميل إلى الجماعة، لا سيما إذا كان فيهم أهل المدينة (٣). «١١٢» قوله: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء وضم الباء، وقرأ الباقون بالتاء وفتح الباء. «١١٣» وحجة من قرأ بالتاء وفتح الباء أنه جعل الفعل خطابا للنبي ﵇، لأن القرآن عليه نزل، فهو المخاطب بأكثره، فخوطب بذلك، وعدّى الفعل إلى ضمير «الَّذِينَ يَفْرَحُونَ»، وهم (٤) المفعول الأول و «بمفازة»

стр. 417

الثاني و «تحسبنهم» بدل (١) من «تحسين» الذي قبله، إذا قرئا جميعا بالتاء والياء، وقد تقدّم ذكر هذا، وتقدّم ذكر فتح السين في «نحسب»، والاختلاف في ذلك. «١١٤» وحجة من قرأ بالياء، وضمّ الباء أنه أضاف الفعل إلى «الذين يفرحون» لتقدم ذكرهم، وعدّى فعلهم إلى نفسهم، فهم المفعول الأول. و «بمفازة» المفعول الثاني. و «يحسبنهم» بدل من «يحسبن» إذا قرئا جميعا بالياء. وقد تقدّم ذكر هذا، وحسن تعدّي فعل الفاعل إلى نفسه، كما تقول: ظننتني أخاك، وإنما يجوز هذا في أفعال الظن وأخواته، ولا يجوز في غير ذلك عند البصريين، لو قلت: ضربتني وشتمتني، فتعدل الفعل إلى نفسك، لم يجز، إنما هذا هذا في هذه الأفعال، لأنها داخلة على الابتداء والخبر، كان واخواتها. ولما كانت «أن» يتصل بها ضمير الفاعل في المعنى، فيتعدّى إليه، جاز ذلك في هذه الأفعال، فجاز: ظننتني كما تقول: إنني، ألا ترى أنك لو أظهرت الضمير في هذه الأفعال لم يجز تعدّي الفعل إلى المفعول، وهو الفاعل، لو قلت: ظن نفسي ذاهبا لم يجز، كما لا يجوز مع «إن» لو قلت: إن نفسي، لم يجز، وإن أنا ذاهب، لم يجز. وضمّت الباء في «تحسبنهم» لتدل على الواو المحذوفة التي للجمع، التي حذفت لسكونها وسكون أول المشدد. وقد أثبتوا الواو مع المشدد في: ﴿أَتُحاجُّونِّي﴾ «الأنعام ٨٠»، وقامت المدّة مقام الحركة. وإنما لم تثبت في «تحسبنهم»، وتمدّ للتشديد، لأنها قد حذفت مع النون الخفيفة، في قولك: لا تحسبن زيدا قائما، فلمّا حذفت الواو مع الخفيفة، ولم تمدّ (٢)، كان حذفها مع المشدد لازما، وحسن ذلك، لئلا يختلف الفعل. وإنما لم تحذف الواو في «أتحاجّوني» في قراءة من شدّد، كما حذفت في «تحسبنهم» لأن النون في «أتحاجّوني» أصلها الحركة، والإسكان عارض، دخل للإدغام، وليست

стр. 418

كذلك نون «تحسبنهم»، أصل الأول السكون لا الحركة (١). والقراءة بالتاء وفتح الباء أحب إلي، لما ذكرت من العلة، ولأن أكثر القراء عليه (٢). «١١٥» قوله: ﴿وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ (٣) قرأه حمزة والكسائي «وقتلوا وقاتلوا» بتقديم المفعول على الفاعل هنا وفي براءة (٤)، وقرأ الباقون فيهما بتقديم الفاعل على المفعول، وكلّهم خفّف «قتلوا»، إلا ابن كثير وابن عامر فإنهما شدّداه. «١١٦» وحجة من قدّم المفعول أن الواو لا تعطي ترتيبا، فسواء التقديم والتأخير، والمعنى هو لتقديم الفاعل على المفعول، لأن القتل لا يكون إلا بعد قتال. فالمقتول متأخّر عن القتال، إنما يحدث له القتل بعد القتال، فهو أولى أن يكون متأخرا، لكن الواو لا تعطي رتبة قدّمت المفعول أو أخّرته، فالتقديم هو لمن له المعنى في التقديم. وقد قيل إن معنى تقديم المفعول: وقتل بعضهم وقاتل الباقون، ولم يهنوا بعد قتل أصحابهم، بهذا المعنى يوجب تقديم المفعول، وهذا أبلغ في مدحهم لأنهم لم يهنوا، ولا ارتاعوا لقتل أصحابهم، بل جدّوا في القتال بعد قتل أصحابهم، وهذا مثل قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا﴾ «آل عمران ١٤٦» إذا رفعت «ربيين» ب «قاتل»، أي:

стр. 419

فما ضعف من بقي منهم بعد قتل أصحابهم ولا ذلّ ولا وهن (١) «١١٧» فيها ست ياءات إضافة: ﴿وَجْهِيَ لِلّهِ﴾ «٢٠» قرأها نافع وابن عامر وحفص بالفتح. ﴿مِنِّي إِنَّكَ﴾ «٣٥»، ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ «٤١» قرأها نافع وأبو عمرو بالفتح. ﴿إِنِّي أُعِيذُها﴾ «٣٦»، ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى﴾ «٥٢» قرأهما نافع بالفتح. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ «٤٩» قرأها الحرميان وأبو عمرو بالفتح. «١١٨» فيها زائدتان، قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ «٢٠» قرأه نافع وأبو عمرو بياء في الوصل. قوله: ﴿وَخافُونِ﴾ «١٧٥» قرأه أبو عمرو بياء في الوصل، وقد قدّمنا الحجة في ذلك (٢). ***

стр. 420

سورة النّساء، مدنية وهي مائة آية وخمس وسبعون في المدني وست في الكوفي «١» قوله: ﴿تَسائَلُونَ﴾ قرأه الكوفيون مخفّفا، على حذف إحدى التاءين، اللتين هما أصله، تخفيفا، لأنه اجتمع مثلان، والسين قريبة منهما، فكان ثلاثة أمثال، فلو أعلّه بالإدغام لم ينقص عدد الأمثال، إذ يصير اللفظ بتاء وسينين، فلم يكن، عند إرادة التخفيف، بدّ من الحذف. وقد ذكرنا الاختلاف في المحذوف منهما عند قوله: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، وشدّد الباقون، على إدغام التاء الثانية في السين، وهو الأصل، وهو الاختيار. وقوي الإدغام، لأن التاء والسين من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا، ولأنهما مهموسان، ولأن التاء تنتقل إلى قوة مع الإدغام، لأنك تبدل منها حرفا فيه صفير، وذلك قوة في الحرف. وهو مثل «تظاهرون» في الحجة والعلة (٢). «٢» قوله: ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ قرأه حمزة بالخفض على العطف على الهاء في «به»، وهو قبيح عند البصريين، قليل في الاستعمال، بعيد في القياس، لأن المضمر في «به» عوض من التنوين، ولأن المضمر المخفوض لا ينفصل عن الحرف، ولا يقع بعد حرف العطف، ولأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان،

стр. 421

يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، ويقبح في أحدهما ما يقبح في الآخر. فكما لا يجوز: واتقوا الله الذي تسألون بالأرحام، فكذلك لا يحسن: تساءلون به والأرحام، فإن أعدت الخافض حسن. وقرأ الباقون «والأرحام» بالنصب على العطف على اسم الله حلّ ذكره، على معنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ويجوز أن يكون معطوفا على موضع (١) الجار والمجرور، لأن ذلك في موضع نصب، كما تقول: مررت بزيد وعمرا، لأن معنى «مرت بزيد» لابست زيدا، فهو في موضع نصب، فحمل «والأرحام» على المعنى، فنصب، وهو الاختيار، لأنه الأصل، وهو المستعمل، وعليه تقوم الحجة، وهو القياس، وعليه كل القراء (٢). «٣» قوله: ﴿قِياماً﴾ قرأه نافع وابن عامر «قيما» بغير ألف، وقرأ الباقون «قياما» بألف. «٤» وحجة من قرأ بغير ألف أنه جعله جمع «قيمة» ك «ديمة وديم»، ودل على أنه جمع «قيمة»، وليس بمصدر أنه اعتل، ولو كان مصدرا لم يعتل، ك «العور والحول»، فالمعنى: أموالكم التي جعل [الله] (٣) لكم قيمة لأمتعتكم ومعايشكم. وقد قيل: إن قيما مصدر، بمعنى القيام، لغة فيه، من: قام بالأمر قام به، ومنه: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ «البقرة ٣» أي يدومون عليها. وعلى ذلك قوله: ﴿دِيناً قِيَماً﴾ «الأنعام ١٦١» في قراءة من خفّف، أي: دائما ثابتا لا ينسخ بغيره كما نسخت الشرائع قبله، فهو مصدر صفة ل «الدين». ولو كان جمع «قيمة» لصار معناه: دينا معاد لا بغيره، وهذا لا يصحّ، لأن الإسلام لا يعدله شيء. وإنما اعتلّ لأنه اتبع فعله فأعل.

стр. 422

«٥» وحجة من قرأ بالألف أنه جعله مصدرا، قام يقيم قياما، على معنى: أموالكم التي نقيمكم طلبها وجمعها. قال أبو عبيد: «قياما» مصدر يقيمكم، ويجيء في معناها «قوام» غير معتل. وقد حكى الأخفش: طيال وطوال، في جمع «طويل». قال الأخفش في المصدر ثلاث لغات: القوام والقيام والقيم (١). *** فصل «٦» وقد ذكرنا إمالة «ضعافا» وعلته (٢)، ونزيد هنا بيانا. اعلم أن الإمالة فيه حسنة مع حرف الاستعلاء في «ضعافا»، لأن الذي تمتنع معه الإمالة لتصعده مكسور، وهو الضاد، فلم يعتدّ به، للكسرة التي هي عليه (٣) لأنها توجب الإمالة، لأنه لمّا انكسر تسفّل عن استعلائه وتصعّده بالكسر، الذي هو من الياء، فضعف تصعده عن منع الإمالة، فجازت الإمالة للكسرة، وحسن ذلك، لأنهم يميلون مع حرف الاستعلاء، وبين الممال، والكسرة حرف ساكن نحو: مقلاة، ومعطار، يقدّرون الكسرة، كأنها حرف الاستعلاء لسكونه. فإذا كانت الكسرة، على المستعلي نفسه، كان آكد في جواز الإمالة، وقد أمالوا «خاف» مع حرف الاستعلاء، وهو الخاء، ولا كسرة عليه، ولا قبله. فعلوا ذلك لطلب الدلالة على كسرة «خفت»، وليست الكسرة في الكلام. فإذا كانت الكسرة، موجودة في الكلام، كان أحسن في الجواز، ولم تمتنع العين من الإمالة، لانكسار ما قبلها.

стр. 423

«٧» قوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ قرأه أبو بكر وابن عامر بضمّ الياء، على ما لم يسمّ فاعله، على معنى: يأمر الله من يصليهم سعيرا، فلم يضف الفعل إليهم في الحقيقة. إنما أقيموا مقام من له الفعل في الحقيقة، وقرأ الباقون بفتح الياء، أضافوا الفعل إليهم، كما قال: ﴿اصْلَوْهَا﴾ «يس ٦٤» فأضاف الفعل إليهم (١). «٨» قوله: ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً﴾ قرأه نافع بالرفع، ونصبه الباقون. «٩» وحجة من رفع أنه جعل «كان» تامة بمعنى: حدث ووقع، ويقوّي (٢) ذلك أنه لمّا كان القضاء، في إرث الواحدة لا في نفسها، وجب أن يكون التقدير: فإن وقع أو حدث إرث واحدة، أو حكم واحدة، ونحوه، وقد كان يلزم الرفع في «نساء» في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِساءً﴾ إلا أنه جمع بين المذهبين والمعنيين، فأضمر الاسم مع «نساء» وترك الإضمار مع واحدة، والقياس واحد. «١٠» وحجة من نصب أنه جعلها «كان» هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر الداخلة على الابتداء والخبر، فأضمر اسمها فيها، ونصب «واحدة» على الخبر، ووفّق في ذلك بين آخر الكلام وأوله، ألا ترى أن أوله «فإن كن نساء» فنصب، وأضمر في «كان» اسمها، فلمّا أجمع على النصب في «نساء» أجرى «واحدة» على ذلك، لأن الآخر قسيم الأول، فجرى على لفظه وحكمه، لأنه تعالى ذكر جماعة البنات وحكمهن في ميراثهن، ثم ذكر حكم الواحدة في ميراثها، فجرت الواحدة في الإعراب مجرى الجماعة، لأن قبل كل واحد منهما «كان»، والتقدير: فإن كان المتروكات نساء، وإن كانت المتروكة واحدة. وإن أضمرت الوارثات والوارثة فالمعنى واحد، والنصب الاختيار، ليتألف آخر الكلام بأوله، وعليه جماعة القراء (٣).

стр. 424

«١١» قوله: (فلأمه، في أمها، و ﴿بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ (١) قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة، في المفرد والجمع، في الوصل خاصة، وتفرّد حمزة بكسر الميم مع الهمزة في الجمع، وذلك حيث وقع، وذلك إذا كان قبل الهمزة كسرة أو ياء، وقرأ ذلك كله الباقون بضم الهمزة، وكلهم ضمّ الهمزة في الابتداء. «١٢» وحجة من كسر الهمزة أنه اسم كثر استعماله، والهمزة حرف مستثقل بدلالة ما أجازوا فيها من البدل والتخفيف والحذف ونقل الحركة، دون غيرها من سائر الحروف. فلمّا وقع أول هذا الاسم، وهو «أم» حرف مستثقل، وكثر استعماله، وثقل الخروج من كسر، أو ياء، إلى ضم همزة، وليس في الكلام «فعل»، فلمّا اجتمع هذا الثقل أرادوا تخفيفه، فلم يمكن فيه الحذف، لأنه إجحاف بالكلمة، ولا أمكن تخفيفه، ولا بدله، لأنه أول، فغيروه بأن أتبعوا حركته حركة ما قبله، ليعمل اللسان عملا واحدا، والياء كالكسرة، فإذا ابتدؤوا ردّوه إلى الضم، الذي هو أصله، إذ ليس قبله في الابتداء ما يستثقل. وقد فعلوا ذلك في الهاء في «عليهم وبهم» أتبعوا حركته حركة ما قبلها، وأصلها الضم، والإتباع في كلام العرب مستعمل كثير. «١٣» وحجة من كسر الميم مع الهمزة في الجمع أنه أتبع حركة الميم حركة الهمزة، كما قالوا «عليهي» وكسروا الهاء للياء، وأتبعوا حركة الميم حركة الهاء. فمن قال «عليهمي» بكسر الهاء والميم، هو بمنزلة من كسر الهمزة والميم في قوله: ﴿بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ «النحل ٧٨»، ومن كسر الهاء وضمّ الميم في «عليهمو» هو بمنزلة من كسر الهمزة وفتح الميم، في قوله: ﴿بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾، ومن ضم الهمزة وفتح الميم في «بطون أمهاتكم»، وهو الأصل، بمنزلة من قال «عليهمو» بضم الهاء والميم، فهو الأصل، إلا أن تغيير الهاء، مع الكسرة والياء، أقوى وأكثر وأشهر من تغيير الهمزة مع الياء والكسرة، وذلك لخفاء الهاء وجلادة الهمزة.

стр. 425

«١٤» وحجة من ضمّ الهمزة وفتح الميم أنه أتى به على الأصل، فلم يحدث تغييرا في الهمزة، لأنها ليست خفية كالهاء في «عليهم وبهم» وأيضا فإن ذلك لا يلزم في كل مضمومة، قبلها ياء أو كسرة، فجرت اللام على ما جرى عليه سائر الكلام، من ترك الهمزة على أصلها، وهو الضمّ، ألا ترى أنهم يقولون: في أخيك حسن، ويا هؤلاء أف لكم، وفي أناس، ونحوه، فلا يجوز تغيير ضمة الهمزة، فكذلك همزة «أم» وهو الاختيار، لأنه الأصل، ولأن الجماعة عليه، ولاتفاقهم على الضم في الابتداء، فجرى الوصل على ذلك. فأما الميم فالفتح أصلها (١). «١٥» قوله: ﴿يُوصِي بِها﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر «يوصي» الأول بفتح الصاد، ووافقهم حفص على الفتح في الثاني، وقرأهما الباقون بكسر الصاد. «١٦» وحجة من كسر أنه لمّا تقدم ذكر «الميت»، والمفروض في تركته أضاف الفعل إليه، لأنه هو الموصي، كأنه قال: من بعد وصية يوصي الميت بها. ففيه تخصيص للمذكور الميت. «١٧» وحجة من فتح أنه لمّا كان هذا الحكم ليس يراد به واحد بعينه، إنما هو شائع في جميع الخلق، أجراه على ما لم يسم فاعله، فأخبر به عن غير معين، فأما قراءة حفص فإنه جمع بين اللغتين، واتّبع ما قرأ به على إمامه (٢). «١٨» قوله: (يدخله، ويدخله) قرأهما نافع وابن عامر بالنون، ومثله موضعان في الفتح «يدخله، ويعذبه» وفي التغابن: (يكفر عنه، ويدخله) (٣) وفي الطلاق: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ «١١»، وقرأ الباقون بالياء في السبعة.
следующие страницы →