← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الجواب الشافي، دون أن يقحم عليه شيئا يخل بالخطة التي أخذ بها نفسه إلى آخر الكتاب. ومقتضى هذه الخطة أن تكون الجملة ذات تركيب معين، بعيد من التطويل، متجاف عن التأنق، شديد الصلة بمباشرة المسألة أو البحث. فمن ذلك كلامه على أحكام الراء وعللها قوله: «اعلم أن الراءات أصلها التغليظ والتفخيم ما لم تنكسر الراء فإن انكسرت غلبت الكسرة عليها فخرجت عن التفخيم إلى الترقيق وذلك نحو: مررت بساتر وغافر وشبهه، والدليل على أن أصلها .. » (١). ومنه كلامه على الإشارة إلى أصل حركة الحرف عند الروم والإشمام قوله: «فإن قيل: هل تسمع هذه الإشارة أو لا تسمع، وهل ترى أو لا ترى، وهل نحكم على الحرف الأول الذي معه الإشارة بالضم أو بالكسر؟ فالجواب أن الإشارة إلى الضم في هذه الأفعال تسمع وترى في نفس الحرف الأول .. » (٢). وكان مكي يحتاط لكل ما يخلّ بالموضوع، فلا يختصر فيبهم ويلبس، ولا يطيل فيبتعد ويغرب، وقد بيّن ذلك في آخر الكتاب فقال: «وقد أتينا على ما شرطنا واختصرنا الكلام في العلل غاية ما قدرنا من غير أن نكون قد أخللنا بعلة أو تركنا حجة مشهورة، وأوجزنا العلل خوف التطويل، واختصرنا ذكر قراءة التابعين ومن وافقهم لمن ذكرنا من القراء لئلا يطول الكتاب فيعجز عن نسخه ويحدث الملل في قراءته» (٣). فجملته واضحة كل الوضوح، وهي أيضا متماسكة قوية، وبها جمال مبعثه وضوحها، وهي تؤدي المعنى من أقرب سبيل، تجانب التعقيد، وتقترب من اليسر. _________ (١) الكشف ٥٢ /ب. (٢) الكشف ٥٨ /أ. (٣) الكشف ٢٤٦ /ب.

стр. 37

د - تحقيق الكتاب نسخ الكتاب المخطوطة: أ - توافر لي من كتاب «الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها» أربع نسخ، فيما يلي الكلام عليها والتعريف بها، تقويما لها، وتبيينا لترتيب اعتمادها في تحقيق الكتاب. وأبدأ بأقلها حظا في ذلك، وهي: ١ - نسخة «دير الأسكوريال - إسبانيا» رقمها هو» ٥٢٣١ - ٢ a «: وهي في: ١٩٨ - ورقة، وفي كل صفحة ٢٥ سطرا، وفي كل سطر ١٣ كلمة. وهي مخرومة من أولها مقدار ثماني ورقات، إذ تبدأ بصفحة قبل «باب المد وعلله وأصوله» وذلك بقوله: «وشبهه هي الاسم لكن لمّا قلّت حروف الاسم فكان على حرف واحد، وذلك الحرف خفي ضعيف قوّوه بزيادة واو فقالوا: بهو وعليهو، فهذا هو الأصل. وحجة من وصل الهاء بياء إذا كان قبلها ياء وهو ابن كثير أنه كسر الهاء للياء التي قبلها لخفاء الهاء، فلما كسرها أبدل من الواو التي زيدت لتقوية الهاء ياء .. ». وهي أيضا مخرومة في ثلث سورة البقرة الأول بمقدار تسع ورقات، ويبدأ الخرم من حيث كلام المؤلف، لدى اختياره وجه قراءة قوله تعالى: ﴿أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ إذ قال: « .. وإنما أسروا أسراء هؤلاء وأسراء هؤلاء والاختيار أسارى على فعالى، وتفدوهم بغير ألف لما ذكرنا من العلة ولأن القراءتين قد ترجعان إلى معنى ولأن أكثر» (١). وينتهي لدى كلامه على «باب تفسير أقسام التقاء الساكنين» في وسطه قبل شرطه «الرابع» إذ قال: «كانت قبل المحذوف تدل عليه لأن الفتحة تدل على الألف والضمة تدل على الواو والكسرة تدل على الياء، ولو انفتح ما قبل الواو والياء لم يحذف الأول لالتقاء الساكنين .. » (٢). _________ (١) الكشف، النسخة المذكورة ٥٥ /أ. (٢) الكشف، النسخة المذكورة ٥٥ /ب.

стр. 38

وتنتهي هذه النسخة بقول المؤلف: «وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين والحمد لله رب العالمين». وأدنى ذلك هذه العبارة: «تمّ كتاب الكشف عن وجوه القراءات السبع في آخر ليلة من شهر رجب الفرد سنة سبع وسبعمائة والحمد لله وحده». وليس عليها ولا بحواشيها ما يشير إلى ناسخها سوى ما بوجه الورقة الأولى من ثلاثة أسطر صغيرة باللغة الإسبانية أرجح أنها بخط قيّمي المكتبة إذ فهرسوا الكتاب، وبأسفلها رقم الكتاب ورمزه. وبآخر صفحة منها بأسفلها، بزاويتها اليسرى عبارة باللغة الفارسية في ثلاثة أسطر صغيرة أيضا. وأما خطها فمشرقي منقوط كله، وهو نسق واحد من أولها إلى وجه الورقة الثالثة والعشرين، ومشكول شكلا تاما في هذه الأوراق، ومن الورقة الثالثة والعشرين إلى آخر الكتاب نسق آخر واحد، ولكنه يشبه خط الأوراق المذكورة إلى حدّ، أغلّب أن ناسخها جميعا واحد، إذ أن قاعدته في الكتابة لم تختلف. والخط في هذا القسم من النسخة مشكول في بعض الألفاظ شيئا قليلا، والفرق بين الخطين واضح في اللوحين النموذجين من هذه النسخة المثبتين في موضعهما من المقدمة. وهو خط القرنين السابع والثامن الهجريين، بيّن الحروف والقاعدة في رسمها. ولما كانت هذه النسخة مباينة العبارة في كثير من المواضع لعبارة النسخ الثلاث الأخرى، ولكثرة ما بها من سقط، فقد اقتصرت فائدتها على الاستئناس بها دون اعتمادها في النسخ المقابلة. ورمزت لها في التحقيق بحرف «ل». ٢ - نسختا الرباط - المغرب الأقصى، وكلتاهما بالخزانة العامة هناك. فأولاهما ذات الرقم: ك ٢٦٨٩، وهي تتضمن الجزء الثاني من الكتاب، ويبدا من أول سورة الأعراف إلى آخر الكتاب. وعدد أوراقها ١٤٥، في كل صفحة ٢٣ سطرا، وفي كل سطر ١٣ كلمة. وهي في أصل النسخة على رقّ غزال، وخطها مغربي أندلسي جميل. ويبدو لي

стр. 39

أنها متقدمة تاريخ النسخ لما في ورقات التصوير من تآكل أطرافها وآثار الأرضة. بيد أنها خالية من تاريخ النسخ واسم الناسخ. وتبدأ بورقة، بوجهها العنوان واسم المؤلف بعد ذكر أنه السفر الثاني، وأدنى العنوان وفوقه، وفي الحواشي بعض العبارات غير البينة إلا بعض أحرف من ألفاظ لا تفي بغرض ولا تهدي إلى شيء. ولكنها على نقصها أفادت في المقابلة كثيرا، ذلك لأن عبارتها توشك أن تكون عبارة النسخة الأم، بل إن مواضع كثيرة ضبطت عنها، وقوّمت بها، وهو ما تترجمه حواشي التحقيق، بيد أن في مواضع منها أيضا خرما، فضلا عن نقصها، حملني على جعلها النسخة الثالثة في المقابلة والتحقيق. وإن مشابهتها للنسخة الأم بل مماثلتها لها، فضلا عما لميزات النسخة الأخرى، مما سيأتي ذكره بعد، شجعني على أن أقول إن الأصول التي كتبت عنها هذه النسخ هي أقرب الأصول إلى نسخة المؤلف، إن لم تكن هي نسخة المؤلف أو النسخة التي كتبت عنها تلك الأصول، ذلك لائتلاف وجوه عباراتها في مناحيها الكبرى. ولا اعتداد بالسقط أو الخرم في ذلك، كما أنه لا اعتداد بمباينة الألفاظ بعضها عن بعض على ما يظهر في الحواشي لأنها مباينة ضئيلة لا قيمة لها. وذلك نحو ما جاء في حواشي الورقات التالية الذكر كنماذج على ما نقول وهي: الورقة ١٢٨ /ب: ٧، ١٠، ١٢٩ /أ: ٢، ٣، ١٢٩ /ب: ١، ٥، ١١، ١٣٦ /أ: ٦، ١٣٦ /ب: ٣، ٦. ورمزت لها في التحقيق بحرف «ر». وأما النسخة الثانية فهي ذات الرقم: ق ٢٦٨، وهي تامة، وتقع في: ١٣٢ ورقة، في كل صفحة ٣١ سطرا، وفي كل سطر ٣١ كلمة. وخطها مغربي صحراوي، وأما معنى صفة خطها بالصحراوي فهو على البيّن دقته وانثناء أواخر ألفاظه إذا كانت راء أو ياء أو ميما بمدّة صغيرة على الحرف ذاته، وأراه أشبه بالخط المعلّق على المعروف في مشرق عالمنا العربي لشدة تقارب الألفاظ بعضها من بعض، لكنها لا تبلغ أن تتصل أو تلتصق.

стр. 40

وفي وجه أول ورقة منها سوى عنوان الكتاب واسم المؤلف هذه العبارة: سفر فيه، وكذلك ذكر تملك هو: «الحمد لله، بالله يثق، وعليه يتوكل، ملكه عبيد ربه، أحمد بن محمد بن داود أجزي، تغمده الله برحماه في دنياه وأخراه» وهو أدنى العنوان، وتكرّر في الزاوية اليسرى من الورقة أعلى العنوان، بخط مماثل وهو خط مباين لخط النسخة، وإلى جانب تلك العبارة تحبيس على زاوية لم أتبين اسمها، وأدناه بخط مماثل مايلي: الحمد لله، على يد والدي السيد يوسف الناصر. وأدنى ذلك عبارة تملّك، ولكن ما تلا من عبارتها طمس. ثم أدناه خاتم الخزانة العامة بالرباط، وقد تكرر هذا الختم في غير حاشية من ورقات النسخة. وفي غير موضع من الحواشي استدراكات مذيّلة بالتصويب حينا وبلفظ «أصل» حينا، مما يقطع أنها نسخة مقابلة. ولكنها مجهولة الناسخ وتاريخ النسخ، وليس عليها من إشارة تهدي إلى ذلك، حتى العبارة التي جاءت بآخر النسخة بعد تمامها أقطع أنها تضمنت ذكر الناسخ وتاريخ النسخ، لأنها طمست دون أي أثر منها يعين على تبيّن ذلك أو الاهتداء به. وأما صفة عبارتها فهي مقاربتها لعبارة النسخة الأم، لولا كثرة ما فيها من سقط يغلب على الكلمات، ويكثر في بعض الجمل، ويقل في بعض الفقرات، وكذلك تداخل بعض فقرات في بعض أو تقدمها وتأخرها، خاصة في أول النسخة، وذلك بيّن في المواضع المذكورة: الورقة ٢ /أ: ١١، ١، ٢ /ب: ٤، ٦، ١١، ١٣، ٤ /ب: ٥، ١٢، ٥ /ب: ٢٠، ٤. ولكن ميزاتها الأخرى أحلّتها منزلة النسخة التي تلي النسخة الأم في المقابلة، وهو بيّن فيما انتفع بها استدراكا وتوجيها. ورمزت لها في التحقيق بحرف: «ص». ٣ - النسخة الأم: وأما النسخة الأم فهي نسخة: «برلين - ألمانيا» ورقمها هو: ، ٨٧٥. Pm - ٧١ على ما ذكر آلورد في فهرسه، وعلى ما نقل عنه بروكلمان في كتاب تاريخ الأدب العربي.

стр. 41

وهي تامة إلا ورقة واحدة هي تتمة «باب حكم الوقف على اللام» ومبدأ سورة البقرة والحرف الأول فيها، وهو قوله تعالى: ﴿وَما يَخْدَعُونَ﴾ حتى ذكر الحرف الثاني، وهو قوله تعالى: ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾، على البيّن من الإشارة إلى ذلك في حاشية التحقيق. وأظن أن هذا الخرم لسقوط ورقة من الأصل المخطوط لكثرة ما آلت إليه النسخة من التنقل بدأ بمكة المكرمة وانتهى ببرلين، فماذا عسى أن يلحقها من عوارض في هذه الرحلة؟. وتقع في: ٢٤٨ ورقة سوى أوراق كتاب «الإبانة» التي ألحقت بالنسخة، وهي تقع في: ١٤ ورقة، في كل صفحة ٢٥ سطرا، وفي كل سطر ١٦ كلمة. وخطها مغربي أندلسي نسقا واحدا كلها، واضحته، لا اضطراب فيه. وتاريخ نسخها ثامن ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وأربعمائة للهجرة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله وصحبه أجمعين. فهي منسوخة في حياة المؤلف رحمه الله تعالى، قبل وفاته بثلاثة أعوام، وتمّ نسخها على ما ذكر الناسخ نفسه بمكة المشرفة بالديار الحجازية، ويستفاد من عبارة الناسخ أن بعضا من الناس كلّفه نسخها. وأما الناسخ فاسمه عبد الله بن محمد بن محمد الفهري، وقد بحثت في أغلب التراجم والسير لأفوز بترجمة له تفي بقصد الكشف عن منزلته العلمية التي تعيّن لنا مقدار جهده في نسخه الكتاب، وما يمكن أن يكون استفاده من نسخ أخرى اعتمدها في نسخه، عارض بها نسخته التي كتبها ورجع إليها. فكان أنّ ما وقفت عليه من ذلك كله ترجمتان تكمّل إحداهما الأخرى على قصرهما وقلة فحواهما من المادة التي نحتاج إليها في ذلك. فأما أولاهما فتفيد أنه من أهل تطيلة، حافظ، متقدم، عالم، فاضل، صالح، متدين، وصفه بذلك ابن حبيش، وذكره ابن حارث أيضا. وكانت له رحلة (١). _________ (١) تكملة الصلة ٧٧٧

стр. 42

وأما الثانية فتذكر كنيته دون أن تسميه، وتذكر أنه ألّف كتابا في نسب أبي علي القالي، وما له من روايات ودخوله الأندلس (١). وعلى ظهر الورقة الأولى، وهي صفحة العنوان غير عبارة العنوان فوقه إلى الشمال منه ذكر ثلاثة تملكات، فأما أولها، وهو الذي فوق العنوان فمطموس، وأما الثاني والثالث فقد ظهر فيهما أن النسخة قد انتقلت إلى المالكين بالابتياع الشرعي، ولعل المالكين كليهما قريبان، لأن في لقب كل منهما نسبة «المدني». وأما أولهما فقد بقي منه ما يلي: انتقل .. الشرعي إلى ملك الفقير إلى الله تعالى .. ابن عبد الرحمن بن محمد .. الشافعي المدني .. وذلك في سابع شهر .. الاخر سنة ثمان .. وأما ثانيهما فالذي بقي منه فهو: .. انتقل بالابتياع الشرعي إلى العبد الفقير إلى الله تعالى .. بن علي بن حسن بن رشيد المدني .. في شهر رجب .. وأدنى ذلك بعض أبيات من الشعر بخط مغاير لخط النسخة أغلّب أنها في الظاءات التي جاء ذكرها في القرآن الكريم. وقد تكرر في حواشيها ما يؤكد أن هذه النسخة قوبلت على أصل لها، أغلّب أن يكون ذلك الأصل نسخة المؤلف نفسه أو إحدى نسخه، على ما يمكن أن يكون للمؤلف غير نسخة من مصنف له. وقد أكّد هذا عندي ما جاء من ذكر ذلك وهو: «نسخة الشيخ» في وجهي الورقتين: ٢٥٣ /أ، ٢٥٤ /أ، من أوراق كتاب «الإبانة عن معاني القراءات» وهو أيضا بخط الناسخ نفسه. وكذلك ما جاء من ذكر لفظتي «أم» و «أصل» في حواشي هذه الورقات: ٤٦ /أ، ٤٩ /ب، ٥٣ /أ، ٧٠ /ب، ٧٧ /ب، ٩٥ /أ، وسواها. ويقطع على أنها قوبلت وقرئت ما تكرر من عبارة «بلغت» و «بلغت مقابلة» في نحو الورقات التالية: ٤٠ /أ، ٥٠ /أ - ب، ٥٩ /أ، ١١٩ /أ، ١٢٩ /ب، ١٦٧ /ب، ١٦٩ /أ، ١٩٩ /أ ٢٠٩ /أ، ٢٣٩ /أ، ٢٥٣ /أ. وأما عبارتها فهي الأولى والأدق بين النسخ الأخرى، إذ هي أوفى بالمعنى والأداء على الملاحظ من حواشي التحقيق. فالسقط فيها لا يكاد يعدو ألفاظا إلا قليلا _________ (١) نفح الطيب ٣/ ٧٢

стр. 43

من الجمل القصار. وأما الغلط فلا يتجاوز بعض الألفاظ من نحو لفظة «لو» في وجه الورقة السادسة وتوجيهها بلفظة «لما» من نسخة «ص»، ونحو لفظة «لأن» في وجه الورقة الثامنة وكونها «ولأن» بالواو كما في نسخة «ص» ونحو لفظة «فإن» وتوجيهها ب «فإذا» من نسخة «ص» لصوابه. ولكن هذه الملاحظات بمجموعها ليست بذات بال في تقويم النسخة بين سواها من النسخ المعتمدة في المقابلة، وكونها أفضل النسخ وأحراها بالتقديم أما. وقد رمزت إليها في حواشي التحقيق بحرف «ب» وربما سميتها «الأصل» وذلك في موضعين لا أكثر. خطة التحقيق: وبعد أن اجتمعت لدي النسخ المذكورة، وهي في القيمة على ترتيب ذكرها، لكنها متفاوتة في هذه القيم من حيث ميزاتها الظاهرية والمضمونية، جعلتها في الاعتماد في التحقيق على نقيض ذلك الترتيب. وعلى ما يبدو في الحواشي فإن مقابلة النسخ بعضها مع بعض يعرب أنها نسخ متكاملة لولا الاعتداد بنص نسخة برلين أما، وما وقع في النسختين من خرم أو سقط، ذلك لما رجح من نص النسختين ومقاربتهما أو مساواتهما نصها. وبالمقابلة بين النسخ الثلاث المذكورة تتامّت النسخة التي يمكن الاعتداد بها أقرب نسخة إلى نص المؤلف نفسه. ولم يكن تقديم النسخة الأم بمانع من ترجيح عبارة إحدى النسختين الأخريين أو تصويبها أو تغليط عبارة الأم، غير أن عبارة هذه بنحو عام، كانت المقدّمة المعتمدة، فضلا عما لحق النسختين الأخريين من سقط وخرم. وأما النسخة الرابعة، وهي نسخة الأسكوريال فما أكثر ما استأنست بها سوى ما ذكر في الحواشي. غير أني إذ تقرّر طبع الكتاب راجعت هذه المقابلات، فتبيّن لي أن بينها صنفا في إثباته مؤونة وتكلّف لا داعي لهما، ولا يفيد القارئ منه ولا المراجع أو الدارس أيضا. وإنما إثباته بمقتضى منهج التحقيق والدرس الذي تفرضه الدراسة العليا. وإذا كنت أنا الذي سيقوم بنشره أو أحد الناشرين غير مجمع اللغة العربية رأيت ورأى ما أقدمت عليه مما أنا مبيّنه بعد قليل بشأن هذا الصنف من المقابلات بين النسخ، خاصة بين النسختين الأم والنسخة التالية لها التي رمز إليها بحرف «ص».

стр. 44

ولا تخرج المقابلات بين هاتين النسختين في كل أصنافها، على البيّن في حواشي الكتاب، عن خمسة هي: استدراك سقط في النسخة الأم وهو قليل نحو: استدراك كلمة «القراءات» و «هشام»، وعبارة «بين الهمزة والألف»، وقول «فإنه» وكلمة «حرف». وعبارة «وفعل قالون ذلك ليجمع بين اللغتين» وهي في الصفحات التالية متلوة بأرقام ملاحظاتها: ٢:٤، ٥:٧٤، ٤:٧٧، ٦، ٦:٩١. وتوجيه العبارة أو اللفظ بالترجيح، نحو: وحرصا عن وترجيح حرف «على»، القراءات السبعة وترجيح «السبع»، وللاستخفاف لأن المعنى وترجيح «ولأن»، وحائلة بين الهمز وبين الساكن وترجيح «الهمزة»، وهي في الصفحات: ٩:٣، ٤:٥، ٨:٣٩، ٨:٤٩. وإثبات الخلاف بينهما دون تعليق في أغلب الأحيان لاعتماد عبارة نسخة الأم نحو: صفات، الإسلام والقرآن، واسأل، أو إيجاز، وأيضا، ولإثباتها، يفصل، أشبهه، وهي في الصفحات: ١:٣، ٣، ٥:٤، ٦:٥، ٦:٨، ١٣: ٣، ٦:١٦، ٢:٣٣. وتصويب عبارة أو لفظة أو قول بغيره في النسخة المذكورة، وهذا لا خلاف فيه. وذكر سقط لفظ أو قول أو عبارة في النسخة المشار إليها نحو: وعلى آله، لكن يجب لمن .. الكتاب، فهي، أو يقف على رشد .. فقد غوى، ومنعها .. ومكاتبهم، للفرق، فيهن على ما قدمنا، وهي في الصفحات التالية: ٧:٣، ٧:٥، ٥:١٤، ٤:٣٣، ٥:٣٦، ٦، ٤:٧٦. وهذا الصنف هو الذي خصصته بهذه الإشارة، إذ رأيت ما اختلف من لفظ كلمة كانت أو حرفا دون القول والعبارة أو سقط نحو: «به» بدلا من «بإمالته» و «أحدهما» من «آخرها» و «من» من «في» و «الياء» من «أصلها» و «سائر» من «باقو» و «للفتح» من «الفتح» و «المقدمة» من «المتقدمة» و «الإمالة» من «الإمالات» و «لما» من

стр. 45

«بما» و «المزيدة» من «الزائدة» و «هذه» من «هذا» وما أشبه ذلك، فليس تفيد الإشارة إليه في المقابلة، غير ما ذكرته من حيث منهج التحقيق والدراسة، ولذا فقد اقتصرت على إثبات بعض منه في الكتاب حتى الصفحة «١٧٢» نموذجا منه، ثم أخليت الكتاب منه بعد ذلك. وحرصت أشد حرص على تدبّر العبارة وضبطها، مستعينا بأصول المؤلف ومصادره نحو كتاب «التبصرة في القراءات السبع»، وقد تيسرت لي منه نسختان جيدتان، وكتاب «الهداية إلى بلوغ النهاية» نحو نصفه الأول، وكتاب «تفسير مشكل إعراب القرآن» وكتاب «الرعاية لتجويد القراءة .. » وسواها، وبغيرها من كتب الفن وسواه نحو القراءات واللغة والنحو، ببنها المخطوط لأئمة معتدّ بهم كمثل كتاب «المختار في معاني قراءات أهل الأمصار» لأبي بكر أحمد بن عبيد الله ابن إدريس، ولم تكن المطبوعة منها أقل من التي تقدّم ذكرها فائدة، فإن بينها نحو كتاب «الحجة في علل القراءات السبع» لأبي علي الفارسي، وكتاب «النشر في القراءات العشر» لابن الجزري وغيرهما. ولم تقلّ فائدة كتب فنون العربية عن فائدة كتب القراءات، في ضبط العبارة وإقامة اللفظ وتوجيه المعنى. وإن في استعراض الحواشي وفهرس مصادر التحقيق ما يكشف عن هذه الخطة في إقامة النص وضبط عبارته. وقد عرضت لاصطلاحات الفن وسواه فعرّفت بأغلبها إذ ذكرت أول مرة. وعرّفت بالأعلام بما فيه الكفاية دون أن أعيد ذلك إذا ذكر بعد. وأحلت على مصادر الأخبار والآثار، وتوخيت ترتيب ذكرها زمنيا إلا أن تكون علة توجب تقديم أحدها. وكنت أذكر مواضع الإحالة عند تقدمها إذا تماثلت أو تكرر ذكرها. واتّبعت في تخريج الآيات طريقين: أولاهما تخريجها في المتن، وذلك بذكر السورة ورقم بين قوسين صغيرين هكذا: « … » بعد نص الآية. هذا إذا جاءت الآية تامة، أو جاء منها جملة مفيدة، وثانيهما تخريجها في الحاشية، هذا إذا جيء من الآية بكلمة أو أكثر، من غير أن تفيد معنى، أو جيء بألفاظ من آيات شتى

стр. 46

متتابعة. وراعيت في هذا التخريج أيضا الإحالة على مواضع تقدم الآية إذا تقدمت، وجاء ذكرها بعد قليل، أو تأخرت وتقدّم تخريجها. وكنت أحصيت لهذا الغرض مواضع ذكر كل حرف وآية في كل الكتاب تيسيرا للعودة إليها. وراعيت أيضا في إثبات قراءة حفص عن عاصم في كل موضع جاءت القراءة فيه غير مقيّدة بوجه، فإذا جاءت معزوة إلى قارئ بعينه، أو موجهة وجهة بذاتها فإنني اثبت المقتضى من ذلك. وراعيت الرسم الذي نعتده في إملائنا غير المواطن التي اعتدّت فيها وجوه بعينها بيانا وتدليلا على المقصود بها. وقد حصصت فهارس للكتاب عدة، غير فهرس المقدمة، قدّمت عليها فهرس الموضوعات، مجتهدا في الاحتفاظ بعبارة المؤلف ذاتها إلا أن احتاج إلى عنوان اشتمل عليه عنوان عام فإنني اتخير عبارة العنوان مما يفي بالمرام، واجعل مثل هذه العنوانات بين قوسين صغرتين هكذا: « … ». واتبعته فهرس الايات على توالي السور في المصحف، ذاكرا رقم الآيه، متبوعا برقم الصفحه. تم خصصت فهرسا للأخبار والآثار مرتبة على توالي أوائلها هجائيا مذكورا أغلب نصها. وفهرسا لأسباب النزول والتفسير على توالي ذكر ذلك في الكتاب. وكذلك فهرس للأعلام، ولكن لم أقتصر في ذكرها على مواضعها من صفحات التتابع مذكورة أحرفها ومواضعها بحسب نسق ذكرها في الكتاب. وفهرسا للشعر، ذكرت فيها الأبيات بتمامها كما هو ترتيب قوافيها. وأعددت فهرسا لاختيارات مكي من وجوه القراءة نسق ذكرها غير المواضع التي أغفل هو ذكرها مقتصرا على ما تقدّم لها من مثيل، كما قعّد في أول الكتاب، وكرّر ذلك في غير موضع. وكذلك فهرس لمسائل العربية من حيث الإعراب والاشتقاق ونحوهما وهي على الكتاب، وإنما ذكرت علة ذلك من نحو وجه إعراب ذهب إليه ذلك العلم أو

стр. 47

تفسير أو قراءة أو لغة وسواها، مثبتا ذلك الوجه بين قوسين، إلا أني أغفلت ذكر القراء السبعة إلا أن يتفرد أحدهم بوجه ليس مما يشركه فيه أصحابه كنحو ما نقل عن أبي عمرو من تفسير أو لغة، وما نقل عن الكسائي من وجه نحوي أو لغوي. وأما رواتهم المباشرون ومن دونهم فقد ذكرتهم كغيرهم من الأعلام. ومثل ذلك فهرس الأقوام والجماعات والأماكن، فقد قرنت بين ذكرها وعلته، متوخيا من ذلك فائدة كشف موضوعات الكتاب، وتعيين جزئياتها، كي يتم المقارئ الانتفاع من الكتاب في كل جوانبه ميسّرا له ذلك. ثم فهرسا لمصادر المؤلف من كتبه، سواء التي اعتدّها في تأليف هذا الكتاب أو التي استعان بها، دون غيرها. وكذلك فهرس لمصادر التحقيق ومراجعه، التي عدت إليها، وهي إما مخطوطة، وقد ذكرتها على تواليها الهجائي، وإما مطبوعة، وكذلك ذكرتها. ولم يكن عملي في هذا الكتاب على ما بيّنت لولا توجيهات أستاذي المشرف الدكتور رمضان عبد التواب الذي لازم العمل بكل ما عرف عنه من النشاط والدأب وتحرّي الدقة، وما تفضّل به من ملاحظات سديدة، وكذلك العالم الجليل الأستاذ علي النجدي ناصف، الذي كانت له نظرات واعبة في التقويم والتوجيه. وينبغي أن أذكر ما كان للأستاذ الدكتور طه عبد الحميد طه من مشاركة ملحوظة أفدت منها. فجزى الله تعالى عني وعن العلم كل ذي فضل خيرا كثيرا. فهذا جهدي كله، لا أبتغي به غير أداء الأمانة في مثل هذا العمل، وتبيّن معالم الطريق القويم إليه، والله في ذلك وفي كل حال هو حسبي، والحمد لله ربّ العالمين. دمشق في ١٤ من رجب ١٣٩٣ الموافق ١٢ من آب ١٩٧٣ محيي الدين رمضان

стр. 48

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما الحمد لله ذي العزّ المنيع، والمجد الرفيع، والسلطان القاهر، والجلال الظاهر، والملك الغالب الباهر، والآلاء العظام، والمنن الجسام، والنعم التّوام، غافر الآثام، ورازق الأنام، ومرتضي الإسلام، ومصوّر الخلق في الأرحام، تعالى عن الأشباه والأنداد، واحتجب عن الإدراك، وجلّ عن صفة (١) الواصفين، وتعالى عن قول الظالمين، أحمده على ما أنعم به (٢) من نعمة القرآن والإسلام (٣)، وأشكره على ما تفضّل به من المنن والآلاء العظام، فله الحمد والشكر، لا إله إلا هو، بعث محمدا نبيّه، ﷺ ، بالحقّ المبين، والسّراج المنير بكتاب (٤) ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٥)، فبلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، وجاهد في الله (٦) حقّ جهاده حتى أتاه اليقين، صلّى الله عليه وعلى آله (٧) وجميع النبيّين والمرسلين وسلّم وكرّم. قال أبو محمد مكيّ بن أبي طالب المغربي: كنت قد ألّفت بالمشرق كتابا مختصرا في القراءات السّبع في سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وسمّيته «كتاب التبصرة» [وهو] فيما (٨) اختلف فيه القراء السبعة المشهورون، وأضربت فيه عن الحجج والعلل ومقاييس النحو في القراءات واللغات طلبا للتسهيل، وحرصا على (٩) التخفيف، ووعدت في صدره أنيّ سأؤلف كتابا في علل القراءات (١٠) التي ذكرتها

стр. 49

في ذلك الكتاب، «كتاب التبصرة» أذكر فيه حجج القراءات [ووجوهها وأسميه (١) «كتاب الكشف عن وجوه القراءات»] (٢) ثم تطاولت الأيام، وترادفت الأشغال عن تأليفه وتبيينه ونظمه إلى سنة أربع وعشرين وأربعمائة (٣)، فرأيت أن العمر قد تناهى، والزوال من الدنيا قد تدانى، فقويت النيّة في تأليفه وإتمامه خوف فجأة الموت، وحدوث الفوت، وطمعا أن ينتفع به أهل الفهم من أهل القرآن وأهل العلم من طلبة (٤) القراءات، فبادرت إلى تأليفه ونظمه ليكون باقيا على مرور الزمان، وانقراض الأيام، حرصا مني على بقاء أجره، وجزيل ثوابه أسأل (٥) الله أن ينفع به مؤلّفه والمقتبس العلم منه، فواجب على كل ذي مروءة وديانة أفاد من كتابنا هذا فائدة أو اقتبس منه علما، أو تبيّن له به معنى مشكل، أو علم منه علما لم يكن يعلمه، أن يترحّم على مؤلّفه، ومن أتعب سرّه وبدنه في نظمه، واستخراج علله، واستنباط فوائده، وأن يستغفر لمظهر فوائده، ومشهر نوادره وعلومه، فما علمت أنّ لشغلي وتعبي بتأليف هذا الكتاب وأشباهه فائدة أعظم من أن يترحّم عليّ من أجله مترحّم، أو يستغفر لي عند قراءته مستغفر، أو يذكرني بخير ذاكر. فرحم الله من بادر إلى ما رغّبته فيه من ذكري بالخير، والترحّم عليّ، والاستغفار لي. وهأنذا حين أبدأ بذلك أذكر (٦) علل ما في أبواب الأصول، دون أن أعيد

стр. 50

ذكر ما في كل (١) باب من الاختلاف إذ ذاك منصوص في الكتاب، الذي هذا شرحه، وأرتّب الكلام في علل الأصول (٢) على السؤال والجواب، ثم إذا صرنا إلى فرش الحروف (٣) ذكرنا كلّ حرف، ومن قرأ به، وعلّته، وحجة كلّ فريق. ثم أذكر اختياري في كلّ حرف، وأنبّه على علّة اختياري لذلك، كما فعل من تقدّمنا من أئمة المقرئين. وقد كنت ألّفت كتابا مفردا في معاني القراءات السبع (٤) المرويّة عن النبي ﷺ (٥)، والجواب عما يمكن من السؤال فيها، وبيّنته بيانا شافيا معلّلا، فأغناني ذلك عن أن أعيده في هذا الكتاب اختصارا وإيجازا (٦). لكن يجب لمن كتب هذا الكتاب (٧). أن يجعله جزءا في آخره، فبه تتمّ الفائدة. وذكرت في

стр. 51

الكتاب الذي هذا شرحه «كتاب التبصرة» أسماء القراء ورواتهم وأسانيدهم، وجملا من أخبارهم وأسمائهم وتاريخ موتهم وطبقاتهم، وإسنادي إليهم، وأسانيدهم إلى النبي ﷺ ، وكذلك ذكرت في الكتاب الموجز (١) فأغناني (٢) ذلك عن أن أعيده في هذا الكتاب، فلا غناء لمن كتب كتابنا هذا، واعتمد عليه، عن الكتاب الأول الذي هذا شرحه «كتاب التبصرة» أو الكتاب الموجز (٣)، وعلى ما فيهما (٤) بني الكلام في هذا الكتاب، فهذا الكتاب كتاب فهم وعلم ودراية، والكتاب الأول كتاب نقل ورواية (٥)، وبالله أستعين على ذلك كله، وإليه، لا إله إلا هو، أرغب في العصمة من الزلل في القول والعمل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد النبي وعلى آله (٦) وعلى جميع النبيين والمرسلين وسلّم.

стр. 52

باب علل الاستعاذة «١» قال أبو محمد (١): إن سأل سائل فقال: لأي شيء جيء بالاستعاذة في أول الكلام؟. فالجواب أن الاستعاذة دعاء إلى الله جلّ ذكره واستجارة به من الشيطان، وامتثال لما أمر به نبيه ﵇ إذ قال له في كتابه: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢) «النحل ٩٨». «٢» فإن قيل: فما معنى الاستعاذة، وما أصل «أعوذ» (٣)؟. فالجواب أن معنى الاستعاذة الاستجارة والامتناع بالله (٤) من همزات (٥) الشياطين بدلالة قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ (٦) «المؤمنون ٩٧» والشيطان في الاستعاذة (٧) اسم للجنس (٨) يراد به الشياطين بدلالة الجمع في الآية، فأما «أعوذ» فأصله «أعوذ» على وزن «أفعل» مثل «أدخل» فألقيت حركة الواو على العين، فسكنت الواو وانضمّت العين بمنزلة (٩) «أقول»، وألف «أعوذ» ألف المتكلم في فعل ثلاثي في الماضي.

стр. 53

وعلة فتح (١) الألف أنها أخت الياء والتاء والنون اللواتي (٢) يدخلن في الفعل المضارع للدلالة على الحال والاستقبال، فوجب أن تكون حركة الألف كحركتهن إن فتحن فتحت الألف، وإن ضممن ضمت الألف، وكذلك (٣) قياس ألف المتكلم حيث وقعت. «٣» فإن قيل: فهلا بقيت الواو مضمومة لسكون ما قبلها، وصحّت كما صحت في قولهم: هذا دلو، لسكون ما قبلها؟. فالجواب أن سكون العين في «أعوذ» ليس بأصل كسكون اللام في «دلو»، وأصل العين الفتح في «عاذ». وإنما سكنت العين لدخول الزوائد عليها، ولئلا تجتمع أربع حركات متواليات في «يضرب ويخرج» (٤) ونحوه (٥)، فلما كان سكون العين ليس بأصل لم يعتد به، وأعلّت الواو. وأيضا (٦) فإنّ الواو قد اعتلت في الماضي في «عاذ» فوجب أن تعل (٧) في المستقبل اتباعا، لئلا يختلف حكم الفعل. «٤» فإن قيل: فما الاختيار في الاستعاذة؟. فالجواب (٨) أن الذي عليه العمل، وهو الاختيار أن يقول القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٩). وعلة اختيار ذلك ما وقع في النص بلفظ (١٠) الأمر الذي معناه الترغيب في قوله: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾

стр. 54

«النحل ٩٨»، فحضّنا الله على قول «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» عند القراءة، فعلينا امتثال هذا الذي رغّبنا فيه عند افتتاح القراءة. «٥» فإن قيل: فإن لفظ القرآن أتى بلفظ الأمر والحتم به، أذلك فرض على كل من قرأ القرآن أم لا؟. فالجواب أن لفظ الأمر في القرآن يأتي على وجوه كثيرة، ليس معناها الفرض والحتم، نحو قوله: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ «المائدة ٢» واللفظ لفظ الأمر ومعناه الإباحة (١). ومثله: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ «الجمعة ١٠» ويأتي لفظ الأمر (٢) ومعناه الندب والإرشاد كقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ﴾ «النور ٣٢»، و ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ «النساء ٣» وكذلك (٣) قوله: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ معناه الندب والإرشاد. ليس على الفرض والحتم. «٦» فإن قيل: فإن ظاهر النص أن يتعوذ القارئ بعد القراءة لأنه قال: «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ»، والفاء بعد ما قبلها تتبعه، هو أصلها (٤). فالجواب أن المعنى على خلاف الظاهر، معناه: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، ودل على ذلك الإجماع أن الاستعاذة قبل القراءة، ودليل هذا المعنى (٥) قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ «الأعراف ٤» فوقع في ظاهر التلاوة أن مجيء البأس بعد الهلاك، وليس المعنى على ذلك، إنما (٦) معناه: وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا. فمجيء البأس بعد إرادة الهلاك وقبل الهلاك (٧)، وكذلك التعوذ المأمور به يكون بعد إرادة القراءة، وقبل القراءة على

стр. 55

أصل الفاء (١). «٧» فإن قيل: فمن أيّ شيء اشتق الشيطان، لعنه الله، وما وزنه، وما (٢) معناه؟ فالجواب أن اشتقاقه فيه قولان: أحدهما أنه مشتق من «شطن» إذا بعد، يقال: دار شطون، أي بعيدة، وبئر شطون، أي بعيدة القعر، فيكون وزنه على هذا «فيعالا»، سمّي بذلك لبعده من رحمة الله. والقول الثاني أن يكون مشتقا من «شاط يشيط» إذا هلك، فسمي بذلك لهلاكه بمعصيته وغضب الله عليه، فيكون وزنه على هذا «فعلان» (٣). «٨» فإن قيل: فما معنى «الرجيم»؟. فالجواب أنّ فيه ثلاثة أقوال: الأول أن يكون بمعنى «مرجوم» وصف بذلك لأنه يرجم بالنجوم عند استراقه السمع، قال الله جلّ ذكره في الكواكب ﴿وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ «الملك ٥»، والثاني أن يكون بمعنى «المرجوم» أي: المشتوم على معصيته كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ «مريم ٤٦» أي: لأشتمنك والثالث أن يكون بمعنى المرجوم أي: الملعون، ومعنى «الملعون» المطرود المبعد من رحمة الله وجواره، ومنه قوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللهُ﴾ «النساء ١١٨» أي: أبعده من رحمته وطرده من جواره (٤). «٩» فإن قيل: فما وجه ما ذكرته في «كتاب التبصرة» أن خلفا (٥) روى عن

стр. 56

حمزة (١) أنه كان يخفي التعوذ (٢)؟. فالجواب أنه إنما كان يفعل ذلك لئلا يظن ظان أو يتوهم متوهم أنه من القرآن، أو أنه (٣) فرض لازم فتعوّذ في نفسه اتباعا لحضّ الله على ذلك. «١٠» فإن قيل: فما وجه ما ذكرت أنه روى سليم (٤) عن حمزة أنه كان (٥) يخفي التعوذ والبسملة (٦)؟. فالجواب أن ذلك إذا صحّ، فمعناه أنه أخفاهما لئلا يظن ظان أنهما من القرآن فاكتفى بالإخفاء عن الإظهار، ولأنه إنما يقرأ عليه القرآن، ولذلك أخفى (٧). والتعوذ والبسملة ليسا من القرآن ففرّق بالإخفاء (٨)، بين ما ليس بقرآن وبين ما هو قرآن. وأما سائر القراء فأظهروهما إذ قد وقر (٩) في النفوس، وعلم أنهما

стр. 57

ليسا من القرآن، إنما هما للاستفتاح والدعاء والتبرك، وهو الاختيار، وعليه العمل عند القراء في سائر الأمصار. «١١» فإن قيل: فما وجه ما ذكرته عن المسيّبي (١) عن نافع (٢) أنه ترك التعوّذ والجهر بالبسملة (٣)؟. فالجواب أنه على معنى ما ذكرنا، أنه أخفاهما إذ ليسا من القرآن، ولئلا (٤) يظن ظان أنهما من (٥) القرآن، ذلك (٦) أنه أسقطهما مرة واحدة. والمشهور عن نافع وغيره إظهارهما (٧).

стр. 58

باب علل البسملة (١) قال أبو محمد: إن سأل سائل عن الإتيان بالبسملة في أول القراءة بالسورة وما (١) علته؟. فالجواب أنه أتي بالتسمية على إرادة التّبرك بذكر أسماء الله وصفاته في أول الكلام (٢) ولثباتها (٣) للاستفتاح في المصحف، فهي للابتداء (٤) بالسورة (٥). فلا يوقف على التسمية دون أن توصل بأول السورة. وليست بآية من «الحمد» ولا من غيرها من السور عند مالك (٦) وغيره من العلماء (٧). فأما من قال إنها آية من أول

стр. 59

كل سورة، فتكون علته أنه أتى بها في تلاوته بأول سورة، ولأنها آية من كل سورة. ولثباتها في المصحف، وهو أحد قولي الشافعي (١) وقول ابن المبارك (٢)، وسنذكر ضعف هذا القول إن شاء الله (٣). «٢» فإن قيل: ما معنى قولهم «التّسمية والبسملة» وممّا اشتقاقهما (٤)؟. فالجواب أن التسمية مصدر «سميت». فقيل «التسمية» في «بسم الله الرحمن الرحيم» لأنك سميت «الله» بأسمائه الحسنى، وذكرته في لفظك. فأما «البسملة» فهي (٥) مشتقة من اسمين من «بسم» ومن «الله» (٦). ف «بسم» ملفوظ به واللام من «الله» جلّ ذكره، وهي لغة للعرب، تقول: بسمل الرجل إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وحوقل الرجل وحولق (٧) إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهلّل الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، وهو كثير. وقد فعلوا ذلك في النسب فقالوا في «عبد الدار» «عبدري» وفي «عبد القيس» «عبقسي» (٨)

стр. 60

«٣» فإن قيل: فما علة من فصل بين كل سورتين بالتسمية؟. فالجواب أن الذين فعلوا ذلك هم الحرميّان (١) إلاّ ورشا (٢) وعاصم والكسائي (٣) وعلّتهم في ذلك أنهم اتبعوا خطّ المصحف، وأرادوا التبرك بابتداء (٤) أسماء الله، ولما روي عن عائشة (٥) ﵂ أنها (٦) قالت: «اقرؤوا ما في المصحف» (٧). ولأن بعض العلماء قد قال: إنها آية من أول كل سورة إلا «براءة» وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال ابن المبارك، وهو قول شاذ، لأنهم زادوا (٨) في

стр. 61

القرآن مائة آية وثلاث عشرة آية، والقرآن لا تثبت فيه الزيادة إلا بالإجماع الذي يقطع على غيبه، ولا إجماع في هذا، بل الإجماع قد سبق في الصدر الأول من الصحابة، وفي الصدر الثاني من التابعين على ترك القول بهذا (١). «٤» فإن قيل: فما علة من أسقط التسمية بين كل سورتين ولم يثبت التسمية إلا في أول قراءته، وهو حمزة؟. فالجواب أنه لما كانت «بسم الله الرحمن الرحيم» ليست بآية من كل سورة عنده وعند جماعة الفقهاء أسقطها في وصله السورة بالسورة، لئلا يظن ظانّ أنها آية من أول كل سورة، فالقرآن (٢) عنده كله كالسورة الواحدة، فكما لا يفصل بين بعض سورة (٣) وبعض بالتسمية كذلك لا يفصل بين سورة وسورة (٤) بالتسمية (٥). فأما ثباتها في المصحف فإنما ذلك ليعلم فراغ سورة وابتداء أخرى. «٥» فإن قيل: فما حجة من فصل (٦) بين كل سورتين بسكت (٧)؟

стр. 62

فالجواب أنه لما ابتدأ بالتسمية (١) في أول ابتدائه بالسورة ثم وصل السورة بالسورة، أراد أن يبيّن بالسّكت بينهما أن الأولى قد تمت، وأنه ابتدأ بثانية، وبيّن أيضا بحذفه التسمية (٢) أن التسمية ليست بآية من كل سورة، وفي إجماع أكثر القراء على حذف (٣) التسمية بين كل سورتين، وقبول قرن بعد قرن لذلك، وروايته ذلك عنهم دليل على أنها ليست بآية من كل سورة. فما (٤) كان الله ليجمع أمة محمد [ ﷺ ] (٥) على إسقاط مائة آية وثلاث عشرة آية من كتابه منذ ثلاثمائة سنة إلى أن تقوم (٦) الساعة، لا يردّ ذلك أحد ولا ينكره، بل ينقله خلف عن سلف، ويروونه ويستعملونه في محاريبهم ويعلّمونه الولدان، ولا أحد يعرف [أنه] (٧) أنكر ذلك. «٦» فإن قيل: فما علة الاختيار لمن لم يفصل بين السورتين بالتسمية أن يفصل بالتسمية بين المدّثر والقيامة، وبين الانفطار والمطففين، وبين الفجر ولا أقسم، وبين العصر والهمزة (٨)؟ فالجواب أن وصل آخر السورة بالسورة التي بعدها من هذه السور فيه قبح في اللفظ، فكره ذلك إجلالا للقرآن وتعظيما له، ألا ترى أن القارئ يقول: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ - لا أقسم) «المدثر ٥٦، القيامة ١» فيقع لفظ النفي عقيب لفظ المغفرة، وذلك في السمع قبيح. ويقول: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ - ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ «الانفطار ١٩، المطففين ١» فيقع لفظ الويل عقيب اللفظ باسم

стр. 63

الله جلّ ذكره، وذلك قبيح. وكذلك السّور الأخر (١). فاختير لمن يفصل بالسّكت بين كل سورتين أن يفصل بين هذه السور بالتسمية، ولمن لا يفصل بالسكت بين كل سورتين أن يفصل بين هذه السور بالسكت (٢)، وهو حمزة (٣)، وهذا اختيار من المتعقبين، ولهم حجة قوية في ذلك. روى مالك أن (٤) النبي ﵇ سئل عن العقيقة (٥)، فقال: «لا أحب العقوق»، قال مالك: فكأنه كره الاسم (٦)، يريد مالك أن فعل العقيقة جائز لم يكره النبي فعلها، وإنما كرم لفظ اسمها، فانظر كيف كره النبي ﵇ قبح اللفظ. وقد روي أن رجلين أتيا النبي ﷺ فتشهّد أحدهما وقال: من يطع الله جلّ وعزّ ورسوله ﷺ ، فقد رشد، ومن يعصهما». ووقف على «يعصهما». فقال له (٧) النبي: «بئس الخطيب أنت» (٨). وإنما قال له النبي ذلك لقبح لفظه في وقفه، إذ خلط الإيمان بالكفر في إيجاب الرّشد لهما، وكان حقّه أن يقول: ومن يعصهما فقد غوى، أو يقف على «رشد» ثم يبتدئ: ومن يعصهما فقد غوى (٩). فانظر كيف كره النبي قبح وقفه ولفظه، وإن كان مراده الخير لم يقصد إلى شيء من الشر، وبهذا وبنحوه (١٠) يرغب في معرفة الوقف في كتاب الله على الكلام التام، ولهذا المعنى اخترت أنا في مواضع من الابتداء بالأحزاب أن لا يبتدأ بها، وأن

стр. 64

يبتدأ بما قبلها، مثل الابتداء بأول الحزب في النساء في قوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ «٨٧» لأن القارئ يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الله لا إله إلا هو، فيصل «الرجيم» بلفظ اسم الله، وذلك قبيح في اللفظ، فمنعت من ذلك إجلالا لله وتعظيما له، ومثله أني (١) منعت من الابتداء بأول الحزب في السجدة في قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ «٤٧» لأن القارئ يقول: «من الشيطان الرجيم. إليه يرد علم الساعة». فيصل ذلك بالشيطان، وذلك قبيح في اللفظ (٢). «٧» فإن قيل: فما العلة في حذفهم التّسمية في المصاحف والقراءة بين براءة والأنفال؟. فالجواب (٣) أنها (٤) حذفت من القراءة لحذفها من المصحف، فأول «براءة» كأول عشر من السور، والتعوذ في الابتداء بها يكفي كما يفعل بالابتداء بالأعشار، فأما (٥) علة حذفها (٦) من المصحف فمختلف في ذلك. روي عن مالك أنه قال: إنما ترك من مضى أن يكتبوا في أول براءة «بسم الله الرحمن الرحيم» لأنها (٧) سقط أولها يعني نسخ (٨)، وقال (٩) عثمان بن عفان (١٠) ﵁: «براءة» من سورة الأنفال وسقط بينهما شيء لم نجده عند أحد يثبت، فلذلك لم نكتب (١١) في أولها «بسم الله الرحمن الرحيم»، يريد عثمان أنه نسخ من أولها

стр. 65

شيء. وعن عثمان أيضا أنه قال (١): لم يبيّن لنا رسول الله ﷺ في براءة شيئا، وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال، وكانت من آخر ما نزل (٢). فلذلك لم يكتب بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم». وقال أبيّ بن كعب (٣): كان رسول الله ﷺ يأمرنا في أول كل سورة ب «بسم الله الرحمن الرحيم» ولم يأمر في سورة «براءة» بشيء (٤). فلذلك ضمت إلى الأنفال، ولم يكتب بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم» وكانت أولى بها لشبهها بها، وقال المبرّد (٥): إنما لم تكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» [في أول براءة] (٦) لأن «بسم الله الرحمن الرحيم» خير و «براءة» (٧) أولها وعيد ونقض للعهود (٨). وقال عاصم: لم يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» أول (٩) «براءة» لأنها رحمة، و «براءة» عذاب (١٠)

стр. 66

وقال (١) ابن لهيعة (٢): يقولون «براءة» من الأنفال فكذلك لم يكتب أولها «بسم الله الرحمن الرحيم». وقاله الليث (٣)، وقال ابن عجلان (٤): بلغني أن «براءة» كانت تعدل سورة البقرة أو قريبا منها، فلذلك لم يكتب في أولها «بسم الله الرحمن الرحيم»، يريد ابن عجلان أنه نسخ منها ما نقص منها (٥). «٨» قال أبو محمد: فإن سأل سائل فقال: فما اختيارك في التسمية بين كل سورتين وتركها؟. فالجواب أن الذي أختاره لنفسي أن أفصل بين كل سورتين بالتسمية اتباعا لخط المصحف، ولقول عائشة: «اقرؤوا ما في المصحف» (٦) ولإجماع أهل الحرمين وعاصم على ذلك، فإجماعهم (٧) على القراءة حجة أعتمد عليها في أكثر هذا الكتاب،

стр. 67

وليتبين بذلك أن السورة الأولى قد تمّت وأن الثانية مبتدأ بها، ولقول أبي: كان رسول الله ﷺ يأمرنا في أول كل سورة ب «بسم الله الرحمن الرحيم». وللتبرك بالابتداء بذكر أسماء الله وصفاته. «٩» قال أبو محمد: ولست ممن يعتقد أنها آية في شيء من القرآن إنما هي بعض آية في «النمل». ومن قال: إنها آية في أول كل سورة فقد زاد في القرآن مائة آية وثلاث عشرة آية، ولم يقل بذلك أحد من الصحابة ولا من التابعين، فالإجماع قد حصل على ترك عدّها آية من كل سورة، فما حدث بعد الإجماع من الصحابة والتابعين من قول منفرد محدث فقول مرفوض غير مقبول

стр. 68

وأيضا فقد أجمع أهل العدد من أهل الكوفة والبصرة ومكة والمدينة والشام على ترك عدّها آية في أول كل سورة (١)، فهذه حجة قاطعة وإجماع ظاهر (٢)، وإنما اختلفوا (٣) في عدّها وتركه (٤) في سورة «الحمد» لا غير، فعدّها آية الكوفي والمكي، ولم يعدّها آية (٥) البصري ولا الشامي ولا المدني، والمشهور من قول الشافعي أن التسمية آية في «الحمد» لا غير، وهذا مما اختلف فيه الصدر الأول (٦). وقال جماعة منهم بذلك، فهو اختلاف غير منكر، لكنا نقول في هذا (٧) إن الزيادة في القرآن لا تثبت بالاختلاف وإنما تثبت بالإجماع، ولا إجماع في (٨) ذلك. وقد روى الشافعي وأصحابه في ذلك أحاديث. وروى من خالفهم في ترك عدّها آية من «الحمد» أحاديث، فتوازن الأمران، وبقي انتقاد صحة الأحاديث، والكلام في ذلك يطول، ويخرجنا عمّا قصدنا إليه، لكنا نقول: لو ثبتت أحاديثهم وصحّت لم يكن لهم (٩) فيها حجة في إثبات قرآن، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد (١٠) التي لا يقطع على غيبها. إنما يثبت القرآن بالإجماع (١١) والأخبار المتواترة المقطوع على غيبها، ولا تواتر ولا إجماع في أن «بسم الله الرحمن الرحيم» آية من «الحمد» (١٢)، فسقط

стр. 69

ما ذكروا في ذلك من الأحاديث، أنها آية من «الحمد»، مع ما روينا من الأحاديث الصحاح عن مالك وغيره، أنها ليست آية من «الحمد»، فالنّافي في هذا أولى من المثبت لأن المثبت لو صح ما روى لم ينفعه ذلك، لأن ما روي من الأحاديث لم يقطع على غيبه أنه حق، والقرآن لا يثبت إلا بما يقطع على غيبه أنه حق. ***

стр. 70

«سورة الحمد» «١» قال أبو محمد: إن سأل سائل عن (١) علّة اختلافهم في عدد آي سورة الحمد؟. فالجواب هو ما قدّمنا من الاختلاف (٢) في «بسم الله الرحمن الرحيم» أنها (٣) آية من سورة الحمد، فعدّها الكوفي والمكي آية ولم يعدّا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ «٧» آية، وترك البصري والشامي والمدني عدّها آية، وعدوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، وعلة (٤) من عدّ «بسم الله الرحمن الرحيم» من «الحمد» آية ما روي في ذلك من الأحاديث أنها آية من «الحمد»، ولأنها ثابتة في خط المصحف، ولقول عائشة: «اقرؤوا ما في المصحف». وعلّة من لم يعدها آية هو ما قدمنا من الأدلة، أنها ليست بآية من «الحمد» إذ لا يثبت القرآن إلا بإجماع أو بأخبار متواترة تقطع على غيبها، فلما لم يثبت أنها من «الحمد» آية لم يعدّها منها. «٢» قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قرأ عاصم والكسائي بألف. وروي عن الكسائي أنه خيّر في ذلك (٥). وقرأ الباقون «ملك» بغير ألف (٦). وحجة من قرأه (٧) بألف إجماعهم على قوله: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ «آل

стр. 71

عمران ٢٦» ولم يقل «ملك»، وأيضا فإن «مالكا» معناه المختص بالملك و «ملكا» معناه «سيد ورب» فيقول: هو ملك الناس، أي: ربهم وسيدهم ولا يحسن هذا المعنى في «يوم الدين»، لو قلت: هو سيد يوم الدين، لم يتمكن المعنى. وإذا قلت: هو مالك يوم الدين، تمكن المعنى، لأن معناه (١) هو المختص بملك يوم الدين. وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ «الانفطار ١٩» بكسر اللام (٢) يدل على «مالك» لأنه لما (٣) نفى عنهم الملك الذي هو مصدر المالك وجب أن يكون هو المالك. ولو (٤) قال «تملك» بضم اللام لدلّ على «ملك» لأن الملك مصدر «ملك» و «الملك» مصدر «مالك»، وأيضا فإن «مالكا» بألف يجمع لفظ الاسم ومعنى الفعل، فلذلك يعمل «فاعل» عمل الفعل، فينصب كما ينصب الفعل، ف «مالك» أمدح من «ملك» (٥)، وأيضا فإن «مالكا» أعمّ، تقول: هو مالك الجن والطير والدواب، ولا تضيف «ملكا» إلى هذه الأصناف. وتقول: الله مالك كل شيء، ولا تقول: هو ملك كل شيء. ف «مالك» أعم وأجمع للمعاني في المدح (٥). وأيضا فإن «مالكا» يدل على تكوين يوم الدين وإحداثه، ولا يدل على ذلك «ملك»، إذ ليس له عمل الفعل، تقول: الله مالك يوم الدين، أي: مالك إحداثه وتكوينه، ولا تقول ذلك في «ملك» بهذا المعنى. وحجة من قرأ ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ «الحشر ٢٣» و ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ «طه ١١٤» و ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ «الناس ٢». وروي عن أبي

стр. 72

عمرو (١) أنه قال: «ملك» يجمع معنى «مالك» (٢)، و «مالك» لا يجمع معنى «ملك» لأن «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» [معناه] (٣): مالك ذلك اليوم بعينه، «وملك يوم الدين» معناه: ملك ذلك اليوم بما فيه، فهو أعم (٤)، وأيضا فقد أجمعوا على الضم في قوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ «غافر ١٦» يعني: يوم الدين (٥)، و «الملك» بالضم مصدر من «ملك»، تقول: هو ملك بيّن الملك. قال أبو محمد: وقد قرأ «ملك» بغير الف جماعة من الصحابة وغيرهم، منهم أبو الدّرداء (٦) وابن عباس (٧) وابن عمر (٨) ومروان بن الحكم (٩) ومجاهد (١٠)

стр. 73

ويحيى بن وثّاب (١) والأعرج (٢) وأبو جعفر (٣) وشيبة (٤) وابن جريج (٥) والجحدري (٦) وابن جندب (٧) وابن محيصن (٨) وهو اختيار أبي

стр. 74

عبيد (١). وقد روي أن النبي ﷺ قرأ: «(ملك)» بغير ألف. وروي عنه بألف أيضا (٢). «٣» فإن قيل: فما اختيارك في ذلك؟. فالجواب (٣) أن القراءتين صحيحتان حسنتان، غير أن القراءة بغير ألف أقوى في نفسي لما ذكرته من الحجج في (٤) ذلك، ولما فيه من العموم، تقول: كل ملك مالك، ولا تقول: كل مالك ملك، وتقول: كل ملك ذو (٥) ملك، ولا تقول: كل مالك ذو ملك، وإنما هو ذو ملك لا غير، ف «ملك» أعم في المدح وأيضا فإن أكثر القراء العامة (٦) على «ملك». و «مالك» أيضا حسن قوي في الرواية. فقد روى أبو هريرة (٧) أن النبي ﵇ كان يقرأ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بألف. وكذلك روت أم حصين (٨) أنها

стр. 75

سمعت النبي ﵇ يقرأ في الصلاة: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١). وكذلك روت أم سلمة (٢). ولما روى الزّهري (٣) عن أنس (٤) أن النبي وأبا بكر (٥) وعمر (٦) وعثمان وطلحة (٧) والزّبير (٨) وعبد الرحمن بن عوف (٩) وأبي بن كعب، ومعاذ
следующие страницы →