← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1271

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها

مكي بن أبي طالب

Полный текст (990 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عمران ٢٦» ولم يقل «ملك»، وأيضا فإن «مالكا» معناه المختص بالملك و «ملكا» معناه «سيد ورب» فيقول: هو ملك الناس، أي: ربهم وسيدهم ولا يحسن هذا المعنى في «يوم الدين»، لو قلت: هو سيد يوم الدين، لم يتمكن المعنى. وإذا قلت: هو مالك يوم الدين، تمكن المعنى، لأن معناه (١) هو المختص بملك يوم الدين. وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ «الانفطار ١٩» بكسر اللام (٢) يدل على «مالك» لأنه لما (٣) نفى عنهم الملك الذي هو مصدر المالك وجب أن يكون هو المالك. ولو (٤) قال «تملك» بضم اللام لدلّ على «ملك» لأن الملك مصدر «ملك» و «الملك» مصدر «مالك»، وأيضا فإن «مالكا» بألف يجمع لفظ الاسم ومعنى الفعل، فلذلك يعمل «فاعل» عمل الفعل، فينصب كما ينصب الفعل، ف «مالك» أمدح من «ملك» (٥)، وأيضا فإن «مالكا» أعمّ، تقول: هو مالك الجن والطير والدواب، ولا تضيف «ملكا» إلى هذه الأصناف. وتقول: الله مالك كل شيء، ولا تقول: هو ملك كل شيء. ف «مالك» أعم وأجمع للمعاني في المدح (٥). وأيضا فإن «مالكا» يدل على تكوين يوم الدين وإحداثه، ولا يدل على ذلك «ملك»، إذ ليس له عمل الفعل، تقول: الله مالك يوم الدين، أي: مالك إحداثه وتكوينه، ولا تقول ذلك في «ملك» بهذا المعنى. وحجة من قرأ ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ «الحشر ٢٣» و ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ «طه ١١٤» و ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ «الناس ٢». وروي عن أبي

стр. 72

عمرو (١) أنه قال: «ملك» يجمع معنى «مالك» (٢)، و «مالك» لا يجمع معنى «ملك» لأن «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» [معناه] (٣): مالك ذلك اليوم بعينه، «وملك يوم الدين» معناه: ملك ذلك اليوم بما فيه، فهو أعم (٤)، وأيضا فقد أجمعوا على الضم في قوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ «غافر ١٦» يعني: يوم الدين (٥)، و «الملك» بالضم مصدر من «ملك»، تقول: هو ملك بيّن الملك. قال أبو محمد: وقد قرأ «ملك» بغير الف جماعة من الصحابة وغيرهم، منهم أبو الدّرداء (٦) وابن عباس (٧) وابن عمر (٨) ومروان بن الحكم (٩) ومجاهد (١٠)

стр. 73

ويحيى بن وثّاب (١) والأعرج (٢) وأبو جعفر (٣) وشيبة (٤) وابن جريج (٥) والجحدري (٦) وابن جندب (٧) وابن محيصن (٨) وهو اختيار أبي

стр. 74

عبيد (١). وقد روي أن النبي ﷺ قرأ: «(ملك)» بغير ألف. وروي عنه بألف أيضا (٢). «٣» فإن قيل: فما اختيارك في ذلك؟. فالجواب (٣) أن القراءتين صحيحتان حسنتان، غير أن القراءة بغير ألف أقوى في نفسي لما ذكرته من الحجج في (٤) ذلك، ولما فيه من العموم، تقول: كل ملك مالك، ولا تقول: كل مالك ملك، وتقول: كل ملك ذو (٥) ملك، ولا تقول: كل مالك ذو ملك، وإنما هو ذو ملك لا غير، ف «ملك» أعم في المدح وأيضا فإن أكثر القراء العامة (٦) على «ملك». و «مالك» أيضا حسن قوي في الرواية. فقد روى أبو هريرة (٧) أن النبي ﵇ كان يقرأ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بألف. وكذلك روت أم حصين (٨) أنها

стр. 75

سمعت النبي ﵇ يقرأ في الصلاة: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١). وكذلك روت أم سلمة (٢). ولما روى الزّهري (٣) عن أنس (٤) أن النبي وأبا بكر (٥) وعمر (٦) وعثمان وطلحة (٧) والزّبير (٨) وعبد الرحمن بن عوف (٩) وأبي بن كعب، ومعاذ

стр. 76

ابن جبل (١) كانوا يقرؤون: مالك، بألف. وكذلك روى أبو هريرة والحسن (٢) ومعاوية (٣) وابن مسعود وعلقمة (٤) والأسود (٥) وابن جبير (٦) وأبو رجاء (٧) والنّخعي (٨)

стр. 77

وابن سيرين (١) وأبو عبد الرحمن السّلمي (٢) ويحيى بن يعمر (٣)، وغيرهم. وقد اختلف فيه (٤) عن علي (٥) وعمر بن عبد العزيز (٦)، وأيضا فإن «مالكا» بألف هو اختيار أبي حاتم (٧) وأبي الطاهر (٨) وغيرهما. و «ملك» بغير ألف أقوى (٩)

стр. 78

في نفسي لما ذكرت لك (١). «٤» فإن سأل سائل فقال: ما العلة التي أوجبت ذكرك لكسر الكاف من «ملك» دون ياء، وبضم الدال من «نعبد» دون واو ولم خصصت هذين الأصلين بالذكر؟ فالجواب أنه إنما ذكرت ذلك لأن بعض أهل مصر والمغرب روى عن ورش أنه يشبع الكسرة إذا أتت بعدها ياء، حتى يتولّد من الكسرة ياء، فيقول: «ملكي يوم الدين» وكذلك ما أشبهه. وروى أنه يشبع الضمة إذا أتت بعدها واو، حتى يتولّد من الضمة واو، فيقول: «نعبدو وإياك»، وكذلك ما شابهه (٢) في القرآن (٣)، فأردت بذكري لذلك إنكار هذه الرواية، ومنعها لشذوذها، وقلة رواتها، وترك الناس لاستعمالها في صلاتهم ومساجدهم ومكاتبهم (٤). «٥» فإن قيل: فما العلة في منعها، وقد رويت. فالجواب أن الإجماع من القراء والرواة عن ورش على خلافها لشذوذها، ولأنها إنما هي لغة تجوز في الشعر للضرورة، وحمل كتاب الله على ذلك لا يحسن ولا يجوز، مع ما في ذلك من الإشكال، إذا قرئ به، لأنه إذا قرئ: «ملكي يوم» أمكن أن يكون جمع «ملك» المسلّم، وحذفت النون للإضافة وإذا قرئ: «نعبدو» أمكن أن تزاد واو ضمير الجمع، فيجمع بين النون التي تدل على الجمع وبين (٥) الواو، مع أن الواو لو كانت ضميرا للجمع للزمتها النون،

стр. 79

وهذا كله إشكال، وخروج عن لغة العرب، ولحن خطأ. «٦» قوله: (الصراط، وصراط) وحجة من قرأ «السراط» بالسين، وهو قبنل (١) عن ابن كثير (٢)، أن السين في هذا هو الأصل، وإنما أبدل منها صادا لأجل الطاء التي بعدها، فقرأها على أصلها، ويدل على أن السين هو الأصل أنه لو كانت الصاد هي الأصل لم تردّ إلى السين لضعف السين، وليس من أصول كلام العرب أن يردوا الأقوى إلى الأضعف، وإنما أصولهم في الحروف إذا أبدلوا أن يردوا الأضعف إلى الأقوى أبدا. وحجة من قرأه بالصاد أنه اتبع خط المصحف، وأن السين حرف مهموس فيه تسفّل، وبعدها حرف مطبق مجهور مستعل، واللفظ بالمطبق المجهور بعد المستفل المهموس، فيه تكلف وصعوبة، فأبدل من السين صادا لمؤاخاتها الطاء في الإطباق والتصعد ليكون عمل اللسان في الإطباق والتصعد عملا واحدا، فذلك أسهل وأخف، وعليه جمهور العرب وأكثر القراء. وكانت الصاد أولى بالبدل من غيرها لمؤاخاتها السين في الصفير والمخرج، فأبدل من السين حرف يؤاخيها في الصفير والمخرج، ويؤاخي الطاء في الإطباق والتصعد، وهو الصاد. «٧» وحجة من قرأه (٣) بين الصاد والزاي وهو خلف عن حمزة (٢)، أنه لما رأى الصاد فيها مخالفة للطاء في الجهر، لأن الصاد حرف مهموس والطاء حرف مجهور، أشمّ الصاد لفظ الزاي، للجهر الذي فيها، فصار قبل الطاء (٤) حرف يشابهها في الإطباق وفي الجهر، اللّذين هما من صفة الطاء، وحسن ذلك لأن الزاي

стр. 80

من (١) مخرج السين، والصاد مؤاخية لها في الصفير، والعرب تبدل السين صادا إذا وقع بعدها طاء أو قاف أو غين أو خاء، لتسفل السين وهمسها، وتصعّد ما بعدها وإطباقه وجهره، ليكون عمل اللسان من جهة واحدة، فذلك أخف عليهم (٢). «٨» فإن قيل: فما اختيارك في ذلك؟ فالجواب أن الاختيار القراءة بالصاد اتباعا لخط المصحف، ولإجماع القراء عليه، ولما ذكرنا من مشابهة الصاد بالطاء في الإطباق، وبعد السين من الطاء في الهمس والتسفل الّلذين فيها. «٩» قوله: (وعليهم، واليهم، ولديهم) وبابه، إن سأل سائل فقال: ما علة حمزة في ضم الهاء في هذه الثلاثة، في وصله ووقفه (٣)؟ فالجواب أن الهاء والميم من «هم» أصلها الضم، وصلت (٤) واو بالميم، لكن الميم أسكنت استخفافا، وحذفت الواو اختصارا، لأن المعنى لا يشكل، فلمّا (٥) دخلت «على والى ولدى» (٦) على الهاء أبقاها مضمومة على أصلها قبل دخولهن، لأن الداخل عليها عارض، ولأن هذه الياءات في «عليهم وإليهم ولديهم» عارضة أيضا، إنما أصلهن ألف، وإنا ينقلبن إلى الياء عند اتصالهن بالمضمر (٧)، والياء عارضة غير لازمة، فلم يعتد (٨) بها وترك الهاء على ضمتها الأصلية.

стр. 81

وأيضا فإنه توهّم الألف الأصلية قبل الهاء، والألف إذا وقعت قبل هاء (١) المضمر (٢) لم تكن الهاء إلا مضمومة، لا يجوز غير ذلك، فأجرى الهاء مع الياء العارضة، التي هي بدل من الألف، مجراها مع الألف، فضمّ على الأصل ثم أجرى الوقف على الوصل، لأن العلة واحدة، ولئلا تختلف الكلمة، وأيضا فإنه ألزم الهاء الضم في هذه ثلاث الكلمات (٣)، وخصّها بذلك ليفرق بين الياء، التي أصلها الألف وبين الياء، التي لا أصل لها في الألف، فكسر الهاء مع الياء، التي لا أصل لها في الألف [نحو] (٤): «فيهم ويريهم» للياء اللازمة التي قبلها، وضم التي قبلها ياء، وأصلها الألف، نحو: «عليهم وإليهم ولديهم» للفرق (٥) وقوي ذلك وحسن للضمة المقدرة في الميم، لأن أصلها الضم، وصلتها بواو، فأتبع الضمّ الضمّ المقدر في الميم. «١٠» فإن قيل: فما باله لم يضمّ الهاء في «عليهن وإليهن» وأصلها الضم في «هن»، والياء عارضة أيضا؟ فالجواب أن «عليهم وإليهم ولديهم» تقوّت ضمة الهاء فيهن (٦)، لكون الميم مضمومة في الأصل، فأتبع الهاء أصل ضم الميم. وليس ذلك في «عليهن وإليهن». لا يقول أحد (٧) إن النون أصلها الضم. فلما لم يكن بعد الهاء ما يقوّي الضمة فيها كسرها للياء، التي قبلها في اللفظ، والضم فيها جائز على أصلها في الكلام (٨).

стр. 82

وكذلك الجواب في كسرة (١) الهاء في عليهما، ولم يضم الهاء على أصلها، إذ ليس بعد الهاء ما يقوّي الضم فيها، من حرف أصله الضم كالميم، إنما بعدها في «عليهما» فتحة. «١١» فإن قيل: فما علة حمزة والكسائي في ضمهما الهاء والميم إذا أتى بعدهما ساكن، وقبل الهاء ياء أو كسرة يوجبان كسر الهاء (٢) نحو: ﴿يُرِيهِمُ اللهُ﴾ «البقرة ١٦٧» و ﴿مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾ «القصص ٢٣»؟ فالجواب أنهما لما اضطرا إلى حركة الميم، للساكن الذي (٣) أتى بعدها، ردّا الميم إلى الضمة التي هي أصلها، وكان ردها إلى أصلها (٤)، عند الحاجة، بحركتها أولى من ردّها إلى حركة، ليست بأصل لها، فلما وجب ضم الميم أتبعت الهاء حركة الميم، وردت أيضا إلى أصلها، وهو الضم، وقوي ردّها إلى أصلها، لأن بعدها ميما فردت الى الضمّ، الذي هو أصلها، فإذا وقفا انفصل الساكن، وسكنت الميم، فرجعت الهاء إلى الكسر للياء التي قبلها. وحجة أبي عمرو في كسرة (١) الهاء والميم، إذا أتى بعدهما ساكن وقبل الهاء ياء أو كسرة (٥)، أنه لما اضطر إلى حركة الميم، لالتقاء الساكنين كسرها لذلك على أصل الكسر (٦) في التقاء الساكنين، وكان ذلك عنده أولى بها (٧) لكسرة الهاء قبلها، فأتبع الكسر الكسر (٦)، فلمّا كسر الميم أتبعها كسرة الهاء قبلها، وكان قد كسر الهاء للياء التي قبلها. وقد يحتمل أنه قدّر في الميم الكسر على لغة من يقول: «عليهم»

стр. 83

فيكسر الميم لكسر الهاء قبلها، ويبدل من الواو ياء، فيكون قد حذف الياء لالتقاء الساكنين، وأبقى الميم على كسرتها، وقوي ذلك لكسر الهاء قبلها (١). «١٢» فإن قيل: من أين كان الكسر أصلا لالتقاء الساكنين؟ فالجواب أنه لمّا وجب تحريك الأول لالتقاء الساكنين كان الكسر أولى به في الأسماء، إذ ليس فيها كسر يراد به الإعراب إلا ومعه تنوين، فأمنوا أن يلتبس بالمعرب، إذ لو ضموا أو فتحوا، لالتقاء الساكنين، لالتبس بالمعرب الذي لا ينصرف، لأن (٢) الضم والفتح يكونان إعرابا بغير تنوين في الأسماء. ولا يكون الكسر إعرابا في الأسماء إلا بالتنوين، فدّل الكسر، بغير تنوين، أنه ليس بإعراب، وأنه بناء، إذ لو كان إعرابا لاتبعه التنوين. فأما علة الكسر لالتقاء الساكنين في الأفعال، فإنه لمّا كان الخفض، لا يدخل الأفعال، حرّكوها لالتقاء الساكنين (٣) بحركة، لا تشكل بالإعراب، إذ لا خفض فيها، ولو حركت بالفتح أو الضمّ لالتبس بالإعراب، لأن الفتح والضم من إعراب الأفعال. «١٣» وحجة من قرأ بكسر الهاء وضم الميم إذا (٤) أتى بعدها ساكن، وقبل الهاء ياء أو كسرة، أنه لمّا احتاج إلى حركة الميم ردّها إلى أصلها، وهو الضم، وبقيت الهاء على كسرتها، للياء أو الكسرة [التي] (٥) قبلها، ولم (٦) يعتدّ بضمة الميم، لأنها عارضة. وهي قراءة نافع وأكثر القراء (٧). «١٤» وحجة من قرأ بكسر الهاء وضمّ الميم، وصلتها بواو، حيث

стр. 84

وقعت (١) ما لم يأت بعدها ساكن، وقرأ بضمّ الميم التي للجمع حيث وقعت، وصلتها بواو، كان قبلها هاء أو غيرها، أنه لمّا أتى بالميم على أصلها، وأصلها الضمّ، وصلها (٢) بواو، لأن المضمر الغائب، إذا جاوز الواحد، يحتاج إلى حرفين (٣) بعد الهاء، كما قالوا في التثنية «عليهما» فزادوا ميما وألفا. فالواو في الجمع بإزاء (٤) الألف في التثنية. فأما الهاء (٥) فإنه أبقاها على كسرتها للياء أو للكسرة (٦) قبلها، وهي قراءة ابن كثير، وخيّر قالون (٧) في ذلك. وإنما حذف الواو التي بعد الميم من حذفها من القراء للاستخفاف، ولأن (٨) المعنى لا يشكل بغيره. «١٥» وحجة من وصل الميم التي للجمع بواو، إذا أتى بعدها همزة خاصة، وهو ورش (٩)، أنه لمّا وجد سبيلا إلى بيان الواو بالمد، لوقوع همزة بعدها، أثبتها ومدّها للهمزة التي بعدها، وإذا لم يأت بعد الميم همزة حذفها، إذ لم يجد سبيلا من علة، توجب مدّ الواو وإظهارها (١٠). «١٦» وحجة من أسكن الميم التي للجمع، في كل موضع ما لم يأت

стр. 85

بعدها ساكن، وعليه أكثر القراء (١)، أنه آثر التخفيف، فحذف الواو إذ المعنى لا يشكل، فلما حذفت الواو حذفت ضمة الميم، [وأسكنت الميم] (٢) لأنها إنما انضمت من أجل الواو، فلما زالت الواو زالت الضمة، فسكنت الميم، وقد كنا أملينا أقسام التقاء الساكنين والحكم فيها، وذكرنا أن ذلك ينقسم على تسعة أقسام فيما بعد هذا الموضع، فأغنانا ذلك عن إعادته في هذا الموضع (٣) والاختيار ما عليه أكثر القراء من كسر الهاء للياء التي قبلها، وإسكان الميم، إذا لم يأت بعدها ساكن، وضمها إذا أتى بعدها ساكن، فذلك أخف وأفصح وعليه جمهور القراء، وهو الأشهر عن نافع (٤). «١٧» فإن سأل سائل فقال: ما علة ما ذكرت من كسر الهاء وضمها في وقف (٥) حمزة، وبدله ياء (٦) من الهمزة في «أنبئهم ونبئهم» (٧)؟ فالجواب أن حمزة أصله أن يسهّل كل همزة متوسطة أو متطرفة في وقفه، فإذا وقف على «أنبئهم ونبئهم» (٨) أبدل من الهمزة ياء للكسرة التي قبلها، فصارت الهاء مضمومة قبلها ياء (٩). فمن القراء من يترك الهاء على ضمّتها (١٠)، لأن الياء عارضة، إنما حذفت في الوقف، والوقف أيضا عارض، ولأن الهمزة

стр. 86

منوية مقدّرة، والهاء مع الهمزة لا يجوز فيها إلا الضم، فأبقاها على ضمتها كما فعل في «عليهم» وأختيه (١)، حين نوى الألف التي هي الأصل فضمّ الهاء. ومنهم من يكسر الهاء، للياء التي حدثت (٢) قبلها، كما كسرها في «يريهم، وفيهم» (٣)، وكلا القولين قائم بحجته، لكن ترك الهاء على ضمتها أولى، لأن الياء غير لازمة، ولأن الوصل بالضم، فإجراء (٤) الوقف على الوصل أحسن من مخالفته، ولما ذكرنا من العلل فيها. ***

стр. 87

باب علل هاء الكناية (١) «١» اعلم أن (٢) الهاء في «به، وعليه» (٣) وشبهه هي الاسم، لكن لما قلّت حروف الاسم، فكان على حرف واحد، وذلك الحرف حرف خفي ضعيف، قوّوه بزيادة «واو» فقالوا: «بهو، وعليهو» فهذا هو الأصل (٤). «٢» فحجة من وصل الهاء بياء، إذا كان قبلها ياء، وهو ابن كثير، أنه كسر الهاء للياء التي قبلها، لخفاء (٥) الهاء، فلمّا كسرها أبدل من الواو، التي زيدت لتقوية الهاء «ياء»، إذ ليس في كلام العرب واو ساكنة قبلها كسرة فقال: «فيهي، وعليهي» (٦). «٣» وحجة من حذف الياء في هذا الصنف، وهو مذهب كل القراء إلا ابن كثير (٧)، أنهم كرهوا اجتماع حرفين ساكنين، بينهما حرف خفي، ليس بحاجز

стр. 88

حصين بينهما، فحذفوا الياء الثانية لسكونها وسكون الياء التي قبل الهاء، ولم يعتدوا (١) بالهاء لخفائها، وهذا هو مذهب سيبويه (٢) وقيل: حذفت [الياء] (٣) الثانية استخفافا، وبقيت حركة (٤) الهاء تدل عليها. وقيل: حذفت الياء الثانية لحذفها من الخط، وهو الاختيار، لإجماع القراء على ذلك، [ولأنه الأصل] (٥)، ولأن الواو زائدة، ولأنه (٦) أخف، ولعدم الياء في الخط (٧). «٤» وحجة من أثبت بعد الهاء واوا (٨) إذا كان قبلها ساكن غير الياء نحو «منهو، واجتباهو»، وهو ابن كثير، أنه أتى بالهاء مع ما هو تقوية لها لخفائها، وهو الواو، فجرى على الأصل في إثبات التقوية بعدها. «٥» وحجة من حذف الواو في هذا الصنف، واكتفى بالضمة، هي مثل الحجة في حذف الياء المتقدم الذكر. «٦» وحجة من وصل الهاء بياء إذا كان قبلها كسرة، ووصلها بواو، إذا كان قبلها ضمة أو فتحة، أنه أتى بالتقوية على أصلها إذ لا علة توجب حذف ما بعد

стр. 89

الهاء، لأن قبل الهاء متحركا، فلم يكن لحذف ما بعدها من التقوية سبيل، وهو إجماع من القراء (١). فأما وصل الهاء بياء في هذا النوع، فالياء بدل من الواو، الواو ياء، لأن الواو الساكنة لا تكون قبلها كسرة ألبتة. وفي هذه الهاء لغات والواو هي الأصل للتقوية لكن لما انكسرت الهاء للكسرة التي قبلها أبدل من لم يقرأ بها القراء المشهورون (٢)، فلذلك تركنا ذكرها، وقد اختلف في شيء من هذه الهاء على غير ما ذكرنا (٣)، نذكر إن شاء الله كل واحدة في موضعها بعلّتها.

стр. 90

باب المدّ (١) وعلله وأصوله «١» قال أبو محمد: إن سأل سائل فقال: المدّ في أي شيء يكون، ولأيّ شيء يكون؟ فالجواب أن المد لا يكون إلا في حروف المد واللين وهي الألف [التي قبلها فتحة] (٢)، والواو التي قبلها ضمة، والياء التي قبلها كسرة (٣)، وإنما يكون المد في (٤) هذه الحروف عند ملاصقتهن (٥) لهمزة أو ساكن، مشدّد أو غير مشدّد، نحو: «جاء، وقائم، ودابة، واللائي» (٦) في قراءة من أسكن الياء (٧)، ويكون المد أيضا في (٨) حرفي اللين، إذا أتت بعدهما همزة أو مشدّد (٩)، وحرفا اللين الواو والياء الساكنتان، اللتان قبلهما فتحة نحو «شيء وسوء» (١٠). «٢» فإن قيل: فما العلة التي أوجبت المد فيما ذكرت؟

стр. 91

فالجواب أن هذه الحروف حروف خفية، والهمزة حرف جلد (١) بعيد المخرج، صعب في اللفظ، فلما لاصقت حرفا خفيا، خيف عليه أن يزداد، بملاصقة الهمزة له، خفاء، فبيّن بالمدّ ليظهر (٢)، وكان بيانه (٣) بالمد أولى، لأنه يخرج من مخرجه بمد، فبيّن بما هو منه، وبيان حرفي اللين بمد (٤) دون البيان في حروف المد واللين، لنقص حرفي اللين، بانفتاح ما قبلهما عن حروف المدّ واللين، اللواتي حركة ما قبلهن منهن، فقوين في المدّ (٤) لتمكنهن بكون حركة ما قبلهن منهن، وضعف حرف اللين في المد، لكون حركة ما قبله ليست منه. وأصل المد واللين للألف، لأنها لا تتغير عن سكونها، ولا يتغير ما قبلها أبدا عن حركته. والواو والياء قد تتحركان ويتغير حركة ما قبلهما. وإنما شابها (٥) الألف إذا سكنا، وكانت حركة ما قبلهما منهما كالألف. «٣» فإن قيل: ما علة ورش في مدّه: «آمن، وآدم، ويستهزؤون، ومتكئين، وأوتي، وآتينا (٦)» وكل حرف مد ولين، قبله همزة، قبلها متحرك أو ساكن من حروف (٧) المد واللين أو من حروف اللين (٨)؟ فالجواب أن الهمزة لاصقت (٩) حرف المد واللين وهو (١٠) خفي فبيّن بالمد، لئلا يزداد خفاء.

стр. 92

وحجة من لم يمكّن مده، وعليه سائر القراء، أن الهمزة لمّا تقدمت أمن من خفاء حرف المد واللين معها، وإنما يخاف من خفائه، إذا كانت الهمزة بعده، نحو: «قائم، وجاء» فلم يمكن مده، لكون الهمزة قبله، وهو الاختيار، لإجماع القراء على ذلك، ولأن الرواة غير ورش عن نافع على (١) ترك مده، ولأن البغداديين (٢) رووا عن ورش ترك تمكين مده، فمدّه في الرواية قليل، إنما رواه المصريون (٣) عن ورش، لكنه كثير الاستعمال بالمغرب، به يتأدبون، وبه

стр. 93

يقرؤون (١) في محاريبهم وبه يدرسون (٢)، ووجهه ما قدّمنا من ملاصقة الهمزة لحرف المدّ واللين، قياسا على إجماعهم للمدّ، إذا كانت الهمزة بعد حرف المد واللين، والمدّ في حرف المد واللين، إذا كانت الهمزة بعده أمكن من مدّه، إذا كانت قبله، لتمكن خفاء حرف (٣) المد واللين، إذا كانت الهمزة بعده. «٤» فإن قيل: فما باله لم يمدّ إذا سكن ما قبل الهمزة، ولم يكن حرف مد ولين، ولا حرف لين نحو: «القرآن، ومسؤولا» (٤)؟. فالجواب أنه جمع بين اللغتين، فمدّ في موضع، وترك المدّ في موضع، وأيضا فإنه لمّا كان قبل الهمزة ما يحسن أن يلقي حركتها عليه ويحذف، أسقط المد لأجلها، لأنه لو ألقى حركتها على ما قبلها لم يتمكن المدّ ألبتة، فعامل المعنى، وحكم لها

стр. 94

به، على إرادته ونيته، وإن لم بستعمله، وقد فعله حمزة في وقفه، وفعله ابن كثير في لفظ «القرآن» حيث وقع (١). «٥» فإن قيل: فما باله مدّ وقبل الهمزة ساكن من حروف المد واللين أو من حروف اللين؟ فالجواب أنه إذا كان قبلها حرف من حروف المد واللين مدّه فصارت المدة حائلة بين الهمزة (٢) وبين الساكن، فمدّ ما بعد الهمزة على أصله، إذا كان قبلها متحرك (٣)، وذلك نحو: «جاؤوا، وباؤوا» (٤) وإذا كان قبل الهمزة حرف لين، فمن أصله أن يمده من أجل الهمزة (٥)، كما يمد «شاء، وسواء» (٦)، لكنه لما اجتمع له مدّ وحرف لين لهمزة بعده، ومدّ حرف مدّ ولين لهمزة قبله، آثر مدّ حرف المد واللين، لتمكنه على حرف اللين، فمدّ الثاني، واستغنى بمدّه عن مدّ الأول لقوة الثاني، وضعف الأول لانفتاح ما قبله، وذلك نحو: «سواءتهما، والموءودة» (٧)، يمد الألف والواو الثانية، لأنهما حرفا مدّ ولين، ولا يمد الواو الأولى الساكنة استغناءا بالمدة التي بعدها، ويجوز أن يكون لم يمد الواو، لأن أصلها الحركة لأن جمع «فعلة» يأتي على «فعلات» بالفتح، وإنما أسكن تخفيفا للواو، ولأن أصل الواو الأولى في «الموءودة» الحركة، لأنه من «وأد» وإنما سكنت لدخول الميم لبناء مفعوله، كالواو من «موئلا» (٨) أصلها الحركة أيضا، فترك المدّ لأن السكون عارض، فإن فاء الفعل أصلها أبدا

стр. 95

الحركة، لأنها أول، فسكونها عارض أبدا (١). «٦» فإن قيل: فلم مدّ «يبأس، واستيأس» (٢) وسكون الياء عارض؟ فالجواب أن العارض عند العرب والنحويين على ضربين، يجوز الاعتداد به، ويجوز أن لا يعتد به، قالوا في الاعتداد بالعارض (٣) «لحمر، وسل»، وقالوا في ترك الاعتداد به «جيل» في «جيأل» (٤)، و «ضو» في «ضوء» فلم يعتدوا بالحركة ولم يعلوا (٥). وسنذكر هذا في فصل مفرد إن شاء الله (٦). فمدّ ورش ل: «يبأس، واستيأس» هو مما اعتدّ فيه بالعارض، وترك مدّه ل «موئلا، وسوءاتهما» وشبهه، هو مما (٧) لم يعتد فيه بالعارض فاعلمه (٨). وأيضا فإن حرف المدّ واللين لا تنقل عليه حركة الهمزة كما تنقل [على الحرفين ليسا بحرفي مدّ ولين] (٩)، ولا يلقى في «القرآن، والظمآن» (١٠) لأنه في نية حركة، ولا تنقل الحركة على الحركة، فلمّا لم يتمكن إلقاء حركة الهمزة عليه وحذفها مدّ إذ لم يتمكن فيه توهّم إلقاء الحركة كما يتمكن في «القرآن» وشبهه، ولمّا تمكّن إلقاء حركة الهمزة على حرف اللين وحذفها، توهّم ذلك وبنى عليه، فلم يمدّ إذ هو مثل «القرآن» وشبهه (١١).

стр. 96

«٧» فإن قيل: فما باله يمدّ مع إلقائه حركة الهمزة على ما قبلها في «من آمن، والآخرة» (١). فالجواب أنه (٢) لمّا كان الساكن ليس من نفس الكلمة، إنما هو من كلمة أخرى، لم يمنعه من المدّ، فلما لم يمنعه من المدّ في حال تحقيق الهمزة لم يمنعه من المدّ في حال تخفيفها (٣)، لأن تحقيقها عارض، و «القرآن، والظمآن» ليس من هذا، لأن الساكن من نفس الكلمة، فتوهّم التسهيل (٤) للزوم الساكن (٥) للهمزة في كلمة، فلم يمدّ، وأيضا فإنه لمّا كان إلقاء حركة الهمزة على الساكن من كلمة أخرى عارضا، لم يعتدّ بزوال لفظ الهمزة، ومدّ مع زوال لفظها، لأنها مقدرة منوية، إذ إلقاء الحركة على الساكن عارض. فأما «الآخرة والأولى (٦)» وشبه ذلك، فإنه في تقدير ما هو من كلمتين، لأن الألف واللام في تقدير الانفصال. ألا ترى أنك تحذفها إذا شئت، ولا تقدر على حذف الراء من «القرآن» وشبهه؟ «٨» فإن قيل: فما باله لم يمد (عادا الأولى) في «والنجم» «٥٠»، وقد القى الحركة على اللام ك «الأولى» في غير «والنجم» هي ممدودة لورش بلا اختلاف (٧)؟

стр. 97

فالجواب أن «عادا الأولى» قد (١) وقع فيه من الإدغام في «والنجم» ما أخرجه عن أن تكون الحركة الملقاة على اللام عارضة، لأنه لمّا أدغم التنوين في اللام صارت حركتها لازمة، فسقط المدّ، إذ لا يمكن أن تنوى الهمزة إذ الحركة لازمة، وإنما تنوى الهمزة إذا كانت حركتها الملقاة على (٢) ما قبلها عارضه، فلمّا (٣) سقط توهّم كون الحركة في [الحرف] (٤) المدغم عارضة (٥)، إذ لا يتمكن أن يلفظ به بالإدغام إلا بحركة اللام، سقط المدّ، ولمّا صحّ توهّم الهمزة، الملقاة حركتها على ما قبلها، صح المد وصحّ توهّمها وتقديرها، وسنذكر هذا بأبين من هدي باب إلقاء الحركة لورش. «٩» فإن قيل: فما بال ورش لم يمدّ الألف في «يؤاخذكم» (٦) للهمزة المخففة قبلها، ومن شأنه أن يمدّ «من آمن» وقد خفّف الهمزة، ويمدّ «من السماء آية، وهؤلاء آلهة» (٧)، وقد أبدل من الهمزة التي قبل الألف، أعني مدّ «آية» و «آلهة» (٨)؟ فالجواب أنه لمّا ألقى حركة الهمزة في «من آمن» وشبهه على الساكن قبلها يقيت الهمزة ساكنة، فحذفت لسكونها وسكون ما قبلها، لأن الحركة عليه عارضة.

стр. 98

فالهمزة مخففة منوية مرادة في النية، فمدّ (١) لذلك. و «يؤاخذكم» قد يمكن أن تكون الواو فيه لا أصل لها في الهمز، وأتت على لغة من قال: «واخذته» (٣)، فإذا لم يكن للواو في الهمز أصل لم يجب المد من أجلها. «١٠» فإن قيل: قد ذكرت في كتاب «التبصرة» أنه اختلف عن ورش في الابتداء بألف الوصل إذا دخلت على همزة أصلية فأبدل منها (٢) ياء نحو ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ﴾ «يونس ١٥»، ونحو: ﴿اؤْتُمِنَ﴾ «البقرة ٢٨٣» وشبهه، وقلت فيه الوجهان المدّ وتركه، فما وجه ذلك (٤)؟ فالجواب أن من مدّ هذا الصنف لورش جرى على أصله في مدّه الياء والواو، وإذا أتت قبلهما (٥) همزة لخفائهما، وشبّهه ب «إيمان» (٦) وشبهه، فمدّ للهمزة قبل الياء (٧)، وعامل اللفظ، ومن لم يمدّه أسقط المدّ، لأن ألف الوصل عارضة والابتداء [بها] (٨) عارض، وبدل الياء من الهمزة عارض (٩)، فلمّا لم يكن شيء من ذلك (١٠) ترك (١١) المدّ، وهو أقيس لما ذكرنا، ولإجماع القراء على ترك المدّ في الابتداء بهذا ونحوه، ولهذا قلنا: إن الوقف لورش على قوله: «خطأ، وملجأ، وماء، وجفاء» (١٢) بمدّة غير مشبعة، لأنها ألف حدثت في الوقف

стр. 99

عوضا عن التنوين (١)، فهي عارضة، فمدّها غير ممكن، وليس كمدّ «آمن وآدم» (٢) وشبهه، إنما يقف على همزة بعدها ألف غير مشبعة، المراد الوقف عارض، والبدل عارض، ولا اختلاف في إشباع المدة الأولى في قوله: «ماءا، وجفاءا» لأنها حرف مدّ ولين لازم أصلي، بعده همزة فبيّن بالمدة، لئلا يخفى مع جسوّ الهمزة وجلادتها، وبعد مخرجها. وقد قلنا: إن هذا ليس كقوله: (باؤوا، وجاؤوا) (٣) لأن الواو التي بعد الهمزة لازمة أصلية حرف مدّ ولين، فمدّها لورش ممكن على أصله في مدّ: (أوتي، وأوحي) (٤) وشبهه. «١١» فإن قيل: فكيف الوقف على: ﴿تَراءَا الْجَمْعانِ﴾ «الشعراء ٦١» (٥) لورش هل يمكّن المدة الثانية المحذوفة في الوصل لالتقاء الساكنين أو لا يمكنّها، ويجعلها كالوقف على «خطأ، وملجأ» الذي لا يمكن مدّه، لأجل أن إثبات الألف [بعد الهمزة] (٦) عارض؟. فالجواب أن تمكين المدّ لورش في الوقف على «تراءى الجمعان» واجب، لأن الألف التي بعد الهمزة أصلية، وحذفها هو العارض، وهذا بمنزلة الوقف لورش على: ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾ «الأنعام ٧٧» و ﴿تَبَوَّؤُا الدّارَ﴾ «الحشر» (٧) يقف عليه بتمكين المدّ، لأن المدّ ذهب في الوصل، بحذف حرف المدّ واللين، لالتقاء الساكنين، فإذا وقفت رددته إلى أصله فمددت، فالحذف هو العارض، والإثبات هو الأصل، فتمدّ مع رجوع الأصل، وأنت إذا وقفت على قوله «خطأ»، الألف التي تبدلها من التنوين عارضة، والوقف عارض، فلا يمكن مده (٨). وحجة ورش في مدّه حرفي اللين، إذا أتى بعدهما همزة نحو: ﴿شَيْءٍ﴾ «البقرة ٢٠» و ﴿سُوءَ﴾ «البقرة ٤٩» هي ما قدّمنا من خفاء حرف اللين وجلادة

стр. 100

الهمزة، فلمّا لاصقت الهمزة حرف اللين، وفيه خفاء، بيّن بالمدّ، لما فيه من اللين، ومده دون مدّ حرف المد واللين، بنقصه وضعفه بانفتاح ما قبله، ومخالفته بذلك لحروف المدّ واللين، وإنما بقيت المشابهة بين حرفي اللين وبين حروف المدّ واللين بالسكون لا غير، وبأنهما قد تكون حركة ما قبلهما منهما، فكان المدّ فيهما للهمزة دون مدّ ما شابهاه، ونقصا عن درجته، وهي حروف (١) المد واللين، وترك مدّ ذلك هو الاختيار لضعف حرفي اللين، ولإجماع (٢) القراء على ذلك، ولإجماع (٢) الرواة غير ورش عن نافع على ذلك، ولأن رواية البغداديين عن ورش في هذا بترك المدّ. فأما حمزة فإنه كان يقف على الياء وقفة خفيفة، لأجل الهمزة، وصعوبة اللفظ بها ثم يهمز (٣)، فورش يمدّ الياء من (شيء) للهمزة وحمزة يقف على الياء ثم يهمز، ففي قراءة ورش من المدّ ما ليس في قراءة حمزة. قال أبو محمد: والمدّ في هذا النوع لا ينكره إلا جاهل بالنقل وبوجوه العربية. لم يختلف أن الياء والواو، وإن انفتح ما قبلهما ففيهما لين، فلا يمتنع المدّ للهمزة في الحرف الذي فيه لين، مع وجود الرواية بذلك، يدلّ على ذلك أن سيبويه أجاز: «هذا ثوب بّكر، وجيب بّكر» بالإدغام (٤) فلولا أن الياء يحسن فيها المد، ويأتي ما وقع بعدها حرف مشدد، إذ لا يقع حرف مشدد أبدا قبله ساكن، إلا بعد حرف يتأتى فيه المدّ، ليقوم المد مقام الحركة. وحكى سيبويه في التصغير: «هذا أصيّم» تصغير «أصمّ» (٥)، فلولا أن الياء يحسن فيها المد، ويتأتى ما وقع بعدها المشدّد في هذا، فإذا جاز المد في الياء، وقبلها فتحة مع المشدّد، جاز مع الهمزة لخفائه.

стр. 101

«١٢» فإن قيل: فما بال ورش لم يمد «موئلا» (١) وفيه حرف لين بعده همزة ك «سوء»؟ فالجواب أنه لمّا كانت الواو سكونها عارض لدخول (٢) الميم عليها، وأصلها الحركة في «وأل» إذا «لجأ» (٣) لم يمد ليفرّق بين ما أصله الحركة وبين مالا أصل له في الحركة ك «سوء». وأيضا فإنه فرق بين مدّ فاء الفعل وبين مدّ عين الفعل، فمدّ عين الفعل للزوم السكون لها، ولم يمدّ فاء الفعل إذ السكون لا يلزمها، والمدّ لا يكون إلا في ساكن أبدا. «١٣» وحجة ابن كثير والرّقيّين (٤) عن أبي عمرو والحلواني (٥) عن

стр. 102

قالون في ترك إشباع المد في حرف المدّ واللين (١)، إذا وقع في آخر كلمة، وأتت بعده همزة في أول كلمة أخرى، أن الهمزة لمّا لم تكن لازمة لحرف المد واللين إذ ينفصل منه في الوقف، ضعف المدّ لأجلها، وأمن خفاء (٢) حرف المد واللين مع الهمزة، فمدّ لذلك (٣) مدّا، كما يخرج، لا إشباع فيه، وأيضا فإنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ولا اختلاف أن الوقف لا مدّ فيه (٤). «١٤» وحجة من مدّ هذا النوع، وهم باقو القراء، غير من (٥) ذكرنا، أنه عامل اللفظ، فمدّ (٦) لملاصقة الهمزة حرف المدّ واللين، لئلا يخفى مع الهمزة، ولم يعرج على الوقف لأنه عارض، وأيضا فإن أنسا سئل عن قراءة النبي ﵇ فقال: كان يمد صوته مدّا (٧). فهذا عموم في (٨) كل ممدود، وذكر الصوت يدلّ على نفس المدّ، وتأكيده بالمصدر يدل على إشباع المدّ. وقد قيل: إن معناه «يصل قراءته بعضها ببعض» من قولهم: مددت السّير في هذه الليلة، وذكره في الحديث ل «الصوت» يدل على خلاف هذا التأويل وقوله تعالى ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ «المزمل ٤» يدل على التمهّل، والتمهل يعطي المدّ وهو الاختيار، لإجماع أكثر القرآء على ذلك، ولما فيه من البيان، ولما ذكرنا من الحديث، وليجري ما هو من كلمتين على حكم إجماعهم على المدّ، فيما هو من كلمة، فكل حرف مدّ ولين بعده همزة، والقراء في إشباع

стр. 103

المدّ وتطويله على قدر قراءتهم وتمهّلهم أو حدرهم، فليس مدّ من يتمهل ويرتل كمدّ من يحدر ويسرع، ولكن قد ذكر الشيخ أبو الطيب أنّ مدّ أبي نشيط عن قالون والعراقيين عن أبي عمرو أزيد قليلا من [مدّ] ابن كثير ومن ذكرنا معه، ممّن تقدم ذكره، وأن ابن عامر والكسائي أزيد في المد قليلا، وأن عاصما أزيد قليلا، وأن ورشا وحمزة أزيد قليلا، وهذا على التقريب فيما هو من كلمتين، فأما ما هو من كلمة نحو: «جاء، وشاء، وقائمين»، فما الهمز

стр. 104

بعد حرف المد واللين أو المشدد أو الساكن نحو: «دابّة ومحياي» (١) في قراءة من أسكن الياء (٢)، فإشباع مد هذا لا اختلاف فيه، وهو أصل المدّ، وعليه بني باب المدّ، ولم يختلف في هذا الفصل في الوقف أنه (٣) بغير مدّ لأن الهمزة قد انفصلت من حرف المد واللين فأمن خفاؤه، إذ هما من كلمتين. وإنما اختلف فيه في الوصل على ما بيّنا، فأما الهمزة إذا سهّلت بعد حرف المد واللين، في قراءة حمزة في المتطرفة والمتوسطة، نحو: «جاؤوا، ويشاء» (٤) وفي قراءة هشام (٥) في المتطرفة، فقد ذكرنا أنه يحتمل وجهين المد وتركه. وعلة من مدّه (٦) أن الهمزة المسهلة بزنتها محققة، فمدّ مع التسهيل كما مدّ مع التحقيق، فهو أقيس وأقوى. وأيضا فإن التسهيل عارض، فلا يعتدّ به، والتحقيق هو الأصل، فوجب ألا يترك مده. وأيضا فإن التسهيل (٧) إنما هو في الوقف، والوقف عارض، فلا يعتدّ به، ويمد في الوقف على ما كان في الوصل (٨). وأيضا فبالمد (٩) يعرف الأصل، فلا يجب حذفه لأنه يدل على الأصل. وأيضا فإنك إذا وقفت على الأول لم يكن بدّ

стр. 105

من المدّ فيجري الوقف على الوصل (١) أولى وأقوى، وهو الاختيار. «١٥» وعلة من لم يمد أن الهمزة، لمّا زال لفظها الذي يخاف على حرف المد واللين أن يخفى به، أسقط المدّ لأن الذي من أجله وجب المد قد زال، وهو لفظ الهمزة، فعامل اللفظ، ولم يعرج على الأصل، وعلى هذا قياس المد وتركه في قراءة البزّي (٢) وقالون بالتخفيف في الهمزة الأولى، وفي قوله: ﴿هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ﴾ «البقرة ٣١»، و ﴿أَوْلِياءُ أُولئِكَ﴾ «الأحقاف ٣٢» القياس والنظر يوجبان المدّ مع التسهيل على ما قدّمنا لكن الذي قرأت به في هذا الفصل هو ترك المدّ، لزوال لفظ الهمزة، وأنا آخذ بالوجهين وأختار المدّ لما قدّمنا فيه من العلل (٣). «١٦» فإن قيل: قد ذكرت علة المد لحروف المد واللين مع الهمزة، فما علة المد لهن مع المشدد أو الساكن بعدهن؟ فالجواب أن جميع الكلام لا يلفظ فيه بساكن إلا بحركة قبله، ولا يوصل أبدا إلى اللفظ بساكن بساكن آخر قبله، لأنه لا يبتدأ بساكن، ولا يبتدأ إلا بمتحرك، ولا يوقف على متحرك فلمّا وقع، بعد حروف المد واللين وحرفي اللين، حرف مشدد وأوله ساكن، وحروف المد واللين وحرفا اللين سواكن، لم يمكن أن يوصل، إلى اللفظ بالمشدد، بساكن قبله، فاجتلبت مدّة تقوم مقام الحركة، يوصل بها إلى اللفظ بالمشدد، وكانت المدة أولى، لأن الحرف الذي قبل المشدد حرف مدّ، فزيد في مدّه، لتقوم المدة مقام الحركة، فيتوصّل بذلك إلى اللفظ بالمشدّد، وهذا إجماع من العرب ومن النحويين. والعلة في المد للساكن غير المشدد، يقع بعد حروف المد واللين، كالعلة في المد للمشدد، لأن بالمدة يوصل إلى اللفظ

стр. 106

بالساكن بعد حرف المد واللين، فليس، في كلام العرب، ساكن يلفظ به، إلا وقبله حرف متحرك، أو مدة على حرف مد، تقوم مقام الحركة، ألا ترى أن بعض العرب يحرك الساكن الذي قبل المشدد ليصل بالحركة إلى اللفظ بالمشدد، فآثر الحركة على زيادة المد فيقول في: دابّة، دأبة، وقد قرئ «ولا الضألين» أبدل من الألف همزة مفتوحة، ليصل بها إلى النطق باللام (١) المشددة (٢)، ومن هذا الباب في المد قوله: ﴿آللهُ﴾ «النمل ٥٩» و ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ «الأنعام ١٤٤» لأنه أبدل من ألف الوصل ألف صحيحة (٣) ليفرّق بين الاستفهام والخبر، فلمّا أتى بعدها حرف مشدد لأجل إدغام لام التعريف فيما بعدها، زادوا في مدّ الألف، التي هي عوض من ألف الوصل، لتقوم المدة مقام الحركة، فيوصل بها إلى اللفظ بالمشدد (٤)، وقوي المد في ذلك، لأن لفظة الاستفهام، وليس في الكلام موضع يثبت لألف الوصل فيه عوض (٥) في الوصل غير هذا النوع «وايم الله» في الاستفهام وفي القسم (٦). «١٧» وعلة ذلك أنك لو حذفت ألف الوصل في هذا، على أصل حذفها في الوصل في جميع الكلام، لم يكن بين الخبر والاستفهام فرق، لأن الخبر في هذا ألفه مفتوحة، والاستفهام ألفه مفتوحة، فلا يكون بينهما (٧) فرق، فأبدلوا من ألف الوصل ألفا صحيحة زائدة، ليفصل (٨) بين الاستفهام والخبر، فلمّا وقع بعدها

стр. 107

المشدد زيد في مدها للعلة التي ذكرنا، والوقف في هذا كالوصل، لأن العلة باقية في الوقف كالوصل (١). فأما الوقف على أواخر الكلم، التي قبل الآخر منها حرف مد ولين، نحو: «عليم، وخبير، ويعلمون» (٢) وشبهه، فإنه يلزم من وقف بالسكون أو بالإشمام فيما يجوز فيه الإشمام، أن يمد بين الساكنين مدّا غير مشبع، لالتقائهما في الوقف، ولا يلزم إشباع المد لأن الوقف والسكون عارضان (٣). «١٨» فإن قيل: فلم لا يمدّ هذا كمد «محياي، والّلائي» (٤) في الوقف، في قراءة من أسكن الياء في الوصل، وكلاهما اجتمع فيه ساكنان في الوقف (٥)؟ فالجواب أن سكون الياء في «محياي، والّلائي» لازم في الوصل والوقف على قراءة من قرأ بذلك (٦)، فوجب أن يلزم فيه المد المشبع، لالتقاء الساكنين، لتقوم المدة مقام حركة يوصل بها الى النطق بالساكن الثاني. و «يعلمون، وخبير» وشبهه إنما سكن في الوقف، فسكونه عارض، والحركة فيه منوية مرادة، فضعف إشباع (٧) مدّه لذلك، وأيضا فإنه قد وصل إلى اللفظ به بحركته ثم أسكن للوقف، وليس كذلك «محياي، واللائي» في قراءة من أسكن في الوصل، فمدّ «يعلمون» وشبهه في الوقف غير مشبع لما ذكرنا، فإن رمت الحركة فيما يجوز فيه روم الحركة فمدّه أقل من ذلك، لأنه قريب من المتحرك، لإتيان الرّوم للحركة فيه، وحروف المد واللين هن مدّات في خلقهن، لا بدّ فيهن من

стр. 108

المد على (١) انفرادهن، وإن قلّ (٢). ولا يحسن ترك المدّ في اسم «الله» لأن تركه يوجب حذف الألف منه، وذلك غير جائز إلا في شعر (٣)، والوقف عليه بالإسكان أو بالإشمام لا بدّ فيه من مد زائد على ما ذكرنا، لالتقاء الساكنين، وإن وقفت عليه بروم الحركة كان المدّ أقل.

стр. 109

أول الثاني باب علل المدّ في فواتح السور «١» قال أبو محمد: اعلم أن المدّ في فواتح السور إنما يحذف لاجتماع ساكنين لازمين، فحيثما اجتمعا فمدّ لتفصل بين الساكنين بالمد، الذي يقوم مقام حركة، يتوصل بها إلى اللفظ (١) بالساكن الثاني، فهو مبني على ما قدّمنا من العلل، في المد للمشدد والساكن، يقعان بعد حرف المد واللين، فهو مثله في العلة المتقدمة (٢)، فتمدّ «قاف، وصاد، وسين، وميم، ونون» لاجتماع الساكنين، وأصل هذه الحروف الوقف عليها لأنها حروف التهجي محكية، غير مخبر عنها بشيء، فالسكون والوقف عليها هو أصلها (٣)، فإن تحرك الساكن الثاني لعلة أوجبت ذلك، فمن القراء من يترك المد على حاله، كورش خاصة، على الأصل، ولا يعتدّ بالحركة، لأنها عارضة حدثت لعلة الوقف عليها، والسكون هو الأصل، وذلك نحو: ﴿الم، اللهُ﴾ «آل عمران ١، ٢» و ﴿الم. أَحَسِبَ النّاسُ﴾ «العنكبوت ١، ٢» في قراءة ورش، لأنه يلقي حركة الهمزة من «أحسب» على الميم، فلما

стр. 110

كانت الحركة في الميم، ليست بلازمة، أبقى المد على حاله، لسكون الميم وسكون الياء قبلها، وهو القياس، والاختيار في «الم. أحسب الناس» ومنهم من لا يمدّه، لأن الثاني قد تحرّك، فزال لفظ [الميم] (١) لالتقاء الساكنين وعليه أكثر القراء في «الم الله»، وهو الاختيار لإجماعهم على ذلك (٢). «٢» فإن قيل: فلأيّ علة حركت الميم في «الم الله»، وما الفرق بينه وبين «الم. أحسب الناس»؟ «٣» فالجواب أن في حركة الميم في «الم الله» ثلاثة أقوال: الأول أنها فتحت لسكونها وسكون ما بعدها، وهو اللام المشددة، على نية الوصل بما بعدها، ووجبت الحركة فيها، لأنها ليست من حروف المدّ واللين، التي تمدّ للمشدد، فتقوم المدة مقام الحركة. والقول الثاني أنها فتحت لسكونها وسكون الياء قبلها، على نية وصلها بما بعدها، لا على نية الوقف عليها، فهي في هذا الوجه ك «أين، وكيف». والقول الثالث أنها ألقي عليها حركة الألف من اسم «الله» جل ذكره، على نية الوقف عليها، وقطع ألف اسم «الله» للابتداء بها، وعلى أن الألف من اسم «الله» ألف قطع، على قول ابن كيسان (٣)، وإنما وصلت عنده لكثرة الاستعمال، وكذا هي عنده (٤) في كل موضع، أصلها الهمزة والقطع، لكن رفض أصلها، ووصلت بما قبلها لكثرة الاستعمال فهي واللام بعدها بمنزلة «قد». فلما ألقيت حركة الهمزة على الميم تحركت، وصارت بمنزلة «الم. أحسب الناس» في هذا الوجه على قراءة ورش، فأما الفرق، بين «الم الله» و «الم. أحسب الناس» لورش، فهو ما قدّمنا، من أن حركة الميم في
следующие страницы →