← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12720

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ابن مسكويه

Полный текст (210 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ويزيل ذلك طلب العدالة ورضاء كل واحد بما يستحقه من الآخر وبذل كل واحد للآخر العدل المبسوط بينهما. والمماليك خاصة لا يرضيهم من مواليهم إلا الزيادة الكثيرة في الإستحقاق وكذلك الموالي يستبطئون العبيد في الخمدمة والشفقة والنصيحة وفي جميع ذلك يقع اللوم وفساد الضمير. فهذه المحبة اللوامة لا يكاد يخلوا الإنسان منها إلا على شريطة العدل وطلب الوسط من الإستحقاق والرضا به وهو صعب. محبة الأخيار وأما محبة الأخيار بعضهم بعضا فإنها تكون لا للذة خارجة ولا لمنفعة بل للمناسبة الجوهرية بينهما وهي قصد الخير والتماس الفضيلة. فإذا أحب أحدهم للمناسبة الجوهرية بينهما وهي قصد الخير والتماس الفضيلة. فإذا أحب أحدهم الآخر لهذه المناسبة لم تكن بينهم مخالفة ولا منازعة ونصح بعضهم بعضا وتلاقوا بالعدالة والتساوي في إرادة الخير وهذا التساوي في النصيحة وإرادة الخير هو الذي يوحد كثرتهم. ولهذا حد الصديق بأنه آخر هو أنت إلا أنه غيرك بالشخص ولهذا صار عزيز الوجود ولم يوثق بصداقة الأحداث والعوام ومن ليس بحكيم لأن هؤلاء يحبون ويصادقون لأحل اللذة والمنفعة ولا يعرفون الخير بالحقيقة وأغراضهم غير صحيحة، وأما للسلاطين فإنهم يظهرون الصداقة على أنهم متفضلون ومحسنون إلى من يصادقهم فلا يدخلون تحت الحد الذي ذكرناه وفي صداقتهم زيادة ونقصان المساواة عزيزة الوجود عندهم.

стр. 142

وكذلك محبة الوالد للولد والولد للوالد فإن أنواع هذه المحبة مختلفة وأسبابها أيضا مختلفة كما قلنا إلا أن محبة الوالد للولد والولد للوالد وإن كان بينهما اختلاف ما من وجه فإن بينهما إتفاقا ذاتيا. وأعني بالذاتي ههنا إن الوالد يرى في ولده أنه هو هو وأنه نسخ صورته التي تخصه من الإنسانية في شخص ولده نسخا طبيعيا ونقل ذاته إلى ذاته نقلا حقيقيا. وحق له أن يرى ذلك لأن التدبير الإلهي بالسياسة الطبيعية التي هي سياسته هو الذي عاون الإنسان على إنشاء الولد وجعله السبب الثاني في إيجاده ونقل صورته الإنسانية إليه. ولذلك يحب الوالد لولده جميع ما يحبه لنفسه ويسعى في تأديبه وتكميله بكل ما فاته في نفسه طول عمره. ولا يشق عليه أن يقال له ولدك أفضل منك لأنه يرى أنه هو هو. وكما أن الإنسان إذا تزايد في نفسه حالا فحالا وترقى في الفضيلة درجة فدرجة لا يشق عليه أن يقال له إنك الآن أفضل مما كنت بل يسره ذلك كذلك تكون حاله إذا قيل له في ولده مثل ذلك. ثم تفضل أيضا محبة الوالد على محبة الولد بأنه الفاعل له وبأنه يعرفه منذ أول تكوينه ويستبشر به وهو جنين ثم تزداد محبته له مع التربية والنشأة ويتأكد سروره به وتأميله له. ويحدث له اليقين بأنه باق به صورة وأن فنى بجسمه مادة وهذه المعاني الجليلة عند أهل العلم تتراءى للعوام كأنها من وراء ستر. وأما محبة الولد للوالد فإنها تنقص عن هذه الرتبة بأن الولد مفعول وبأنه لا يعرف ذاته ولا فاعل ذاته إلا بعد زمان طويل وبعد أن يستثبت أباه حسا وينتفع به دهرا ثم يعقل بعد ذلك أمره بالصحة وعلى مقدار عقله واستبصاره في الأمور يكون تعظيمه لوالديه ومحبه لهما ولهذه العلة وصى الله الولد بوالده ولم يوص الوالد بولده. وأما محبة الأخوة بعضهم لبعض فلأن سبب تكوينهم ونشؤهم واحد بعينه.

стр. 143

نسبة الملك إلى رعيته ويجب أن تكون نسبة الملك إلى رعيته نسبة أبوية ونسبة رعيته إليه نسبة بنوية ونسبة الرعية بعضهم إلى بعض نسبة أخوية حتى تكون السياسات محفوظة على شرائطها الصحيحة. وذلك أن مراعاة الملك لرعيته هي مراعاة الأب لأولاده ومعاملته إياهم تلكالمعاملة. وقد كنا أشرنا إلى ذلك وسنزيده بيانا إذا صرنا إلى ذكر سياسة الملك في موضع آخر. وعنايته برعيته يجب أن تكون مثل عناية الأب بأولاده شفقة وتحننا وتعهدا وتعطفا خلافة لصاحب الشريعة ﷺ بل لمشرع الشريعة تعالى ذكره في الرأفة والرحمة وطلب المصالح لهم ودفع المكاره عنهم وحفظ النظام فيهم وبالجملة في كل ما يجلب الخير ويمنع الشر. فإنه عند ذلك تحبه رعيته محبة الأولاد للأب الشفيق وتحدث بينهما تلك النسبة وإنما تختلف هذه المحبات بالتفاضل الذي يكون بعظم المنافع. فيجب أن يكرم الأب كرامة أبوية. ويكرم السلطان كرامة سلطانية، ويكرم الناس بعضهم بعضا كرامة أخوية ولكل مرتبة من هذه استئهال خاص بها واستحقاب واجب لها. فإذا لم يحفظ بالعدالة زاد ونقص وعرض لها الفساد وانتقلت الرياسات وانعكست الأمور فيعترض لرياسة الملك أن تنتقل إلى رياسة التغلب ويتبع ذلك أن تنتقل محبة الرعية إلى البغض له ويعرض لرياسات من دونه مثل ذلك.

стр. 144

فتصير محبة الأخيار إلى تباغض الأشرار وتعود الألفة نفارا والتواد نفاقا ويطلب كل واحد لنفسه ما يظنه خيرا له وأن أضر بغيره وتبطل الصداقات والخير المشترك بين الناس ويؤول الأمر إلى الهرج الذي هو ضد النظام الذي رتبه الله لخلقه ورسمه بالشريعة وأوجبه بالحكمة البالغة. المحبة التي لا تطرأ عليها الآفات وأماالمحبة التي لا تشوبها الإنفعالات ولا تطرأ عليها الآفات وهي محبة العبد لخالقه فإنها إنما تخلص للعالم العرباني وحده خاصة ولا سبيل لغيره إليها إلا بالدعوى الكاذبة. وكيف يجد الإنسان السبيل غلىمحبة من لا يعرفه ولا يعرف ضروب إنعامه الدارة عليه ووجوه إحسانه المتصلة به في بدنه وفنسه اللهم إلا أن يتصور في نفسه صنما ويظنه الخالق عزوجل فيحبه ويعبده فإن اكثر الناس كما قال تعالى: (وَما يُؤمِنُ أَكثَرُهم بِاللهِ إِلا وَهُم مُشرِكون) ولعمري أن العامة تدعى المعرفة والمحبة وهم يتصورون شخصا وشبحا فتكون عبادتهم له دون الله وهذا هو الضلال البعيد. ومدعو هذه المحبة كثيرون جدا والمحقون منهم قليلون حداا بل هم أقل من القليل. وهذه المحبة لا محالة تتصل بها الطاعة والتعظيم ويتلوها ويقرب منها محبة الوالدين وإكرامهما وطاعتهما. وليس يرتقي إلى مرتبتهما شيء من المحبات الأخر إلا محبة الحكماء وطاعتهما. وليس يرتقي إلى مرتبتهما شيء من المحبات الأخر إلا محبة المحكماء عند تلامذتهم فإنها متوسطة بين المحبة الأولى والمحبة الثانية. وذلك أن المحبة الأولى لا يبلغها شيء من المحبات كما أن أسبابها لا يبلغها شيء من الأسباب والنعم التي تأتي من قبلها لا يشبهها شيء من النعم.

стр. 145

أماالمحبة الثانية فهي تتلوها لأن سببها هو السبب الثاني في وجودنا الحسي أعني أبداننا وتكويننا. وأما محبة الحكماء فهي أشرف وأكرم من محبة الوالدين لأجل أن تربيتهم هي لنفوسنا وهم الأسباب في وجودنا الحقيقي وبهم وصولنا إلى السعادة التامة التي نلنا بها اللقاء الأبدي والنعيم السرمدي في جوار رب العالمين. فبحسب فضل إنعامهم علينا وبقدر فضل النفوس على الأبدان تجب حقوقهم وتلزم طاعتهم ومحبتهم وليس يبلغ أحد جزاء ولا مكافأة الأول ولا ما يستأهله الثاني أعني الوالدين وإن هو اجتهد وبالغ ولا يؤدي حقوقهما أبدا وإن خدم بأقصى طاقته وغاية وسعه، وأما محبة طلب الحكمة للحكيم والتلميذ الصالح للمعلم الخير فإنها من جنس المحبة الأولى وفي طريقها. وذلك لأجل الخير العظيم الذي يشرف عليه ويصل إليه وللرجاء الكريم الذي لا يتحقق إلا بعنايته ولا يتم إلا بمطالعته. ولأنه والدروحاني ورب بشرى وإحسانه إحسان إليه ذلك أنه يربيه بالفضيلة التامة ويغذوه بالحكمة البالغة ويسوقه إلى الحياة الأبدية والنعيم السرمدي. وإذا كان هو السبب في كل وجودنا العقلي وهو المربي لنفوسنا الروحانية فبحسب فضل النفس على البدن يجب أن يفضل المنعم بذاك وبقدر فضلها على البدن يكون فضل التربية على التربية فيحق أن يحب التلميذ معلم الحكمة محبة خالصة شبيهة بالمحبة الأولى. ولذلك قلنا أن هذه المحبة من جنس المحبة الأولى والطاعة له من جنس تلك الطاعة وكذلك تعظيمه له وإجلاله إياه. ثم لما كان سبب هاتين النعمتين ومعرضنا لهما وسائقنا إليهما وإلىجميع النعم هو السبب الأول الذي هو سبب الخيرات كلها قربت منا أوبعدت عنا عرفناها أو لم نعرفها وجب أن تكون محبتنا لهفي أعلى مراتب المحبات وكذلك طاعتنا له وتمجيدنا إياه.

стр. 146

ويجب على من بلغ هذه المنزلة من الأخلاق أنيعرف مراتب المحبات وما يستحقه كل واحد من صاحبه حتى لا يبذل كرامة الوالد للرئيس الأجنبي ولا كرامة الصديق للسلطان ولا كرامة الولد للعثير ولا كرامة الأب للإبن. فإن لكل واحد من هؤلاء وأشباههم صنفا من الكرامة وحقا من الجزاء ليس للآخر ومتى خلط فيه اضطرب وفسد وحدثت الملامات وإذا وفى كل واحد منهم حقه وقسطه من المحبة والخدمة والنصيحة كان عادلا وأوجبت له محبته وعدالته فيها محبته لصاحبه ومعامله. وكذلك يجب أن يجري الأمر في مؤانسة الأصحاب والخلطاء والمعاشرين من توفية حقوقهم وإعطائهم ماهو خاص بهم. ومن غش المحبة والصداقة كان أسوأ حالا ممن غش الدرهم والدينار. فإن الحيكم ذكر أن المحبة المغشوشة تنحل سريعا وتفسد وشيكا كما أن الدرهم والدينار إذا كانا مغشوشين فسدا سريعا وهذا واجب في جميع أنواع المحبات. ولذلك يتعاطى العاقل أبدا أنمطاء واحدا ويلزم مذهبا واحدا في إرادة الخير ويفعل جميع ما يفعله من أجل ذاته ويرى خيره عند غيره كما يراه عند نفسه. وأما صديقه فقد قلنا أنه هو هو إلا أنه غير بالشخص إما سائر مخالطيه ومعارفه فإنه يسلك بهم مسلك أصدقائه كأنه مجتهد في أن يبلغ بهم وفيهم منازل الأصدقاء بالحقيقة وأن كان لا يمكن ذلك في جميعهم. فهذه سيرة الخير في نفسه وفي رؤسائه وأهله وعشيرته وأصدقائه وسلطانه. الشرير وأما الشرير فإنه يهرب من هذه السيرة وينقر منها لرداءة الهيئة التي حصلت له ولمحبة البطالة والتكاسل عن معرفة الخير والتمييز بينه وبين الشر وبين ماهو مظنون عنده خيرا وليس بخير.

стр. 147

ومن كان على هذه الحالة من الشر ورداءة الهيئة كانت أفعاله كلها رديئة. ومن كانت ذاته رديئة هرب من ذاته لأجل أن الرداءة مهووب منها واضطر إلى صحبة قوم يناسبونه ليفنى عمره معهم ويشتغل بهم عن ذاته وما يجده فيها من الإضطراب والقلق. ذلك أن هؤلاء الأشرار إذا خلوا بأنفسهم تذكروا أفعالهم الرديئة وهاجت بهم القوى المتضادة التي تدعوهم إلى إرتكاب الشرور المتضادة فيألمون من ذواتهم وتتشاغب نفوسهم كل الشغب وتجذبهم القوى التي فيهم وهي التي لم يروضوها بالأدب الحقيقي إلى جهات مختلفة من اللذات الرديئة وطلب الكرامات التي لا يستحقونها والشهوات الرديئة التي تهلكهم سريعا. فإذا جذبتهم هذه القوى إلى جهات مختلفة أحدثت فيهم آلاما كثيرة لأنه لا يمكن أن يفرح ويحزن معاولا يرضى ويسخط في حال واحدة ولا يستطيع أن يؤلف بين الأضداد حتى تجتمع له فهومن شقائه يهرب من ذاته لأنها رديئة فاسدة متألمة كثيرة الشغب عليه ويلتمس لعشرته ومخالطة من هومثله وأسوأ حالا منه فيجد للوقت راحة به وسكونا إليه لأجل المشاكلة ثم يعود بعد قليل وبالا عليه وزيادة في خباله وفساده فيألم به ويهرب منه ليس له محب ولا ذاته ولا له نصيح ولا نفسه وليس يتحصل الأعلى الندامة ولا يرجع إلا إلى الشقوة. الخير الفاضل وأما الرجل الخير الفاضل فإن سيرته جيدة محبوبة فهو يحب ذاته وأفعاله ويسر بنفسه ويسر به أيضا غيره ويختار كل إنسان مواصلته ومصادقته فهو صديق نفسه والناس أصدقاؤه وليس يضاده إلا الشرير فقط ويعرض لمن هذه سيرته أن يحسن

стр. 148

إلى غيره بقصد وبغير قصد. وذلك أن أفعاله لذيذة محبوبوة واللذيذ المحبوب مختار فيكثر المقبلون عليه والمحتفون به والآخذون عنه. وهذا هو الإحسان الذاتي الذي يبقى ولا ينقطع ويتزايد على الأيام ولا ينتقص. وأما الإحسان العرضي الذي ليس بخلقي ولا هو سيرة لصاحبه فإنه ينقطع ويلحق فيه اللوم. والمحبة التي تعرض منه تلحق بالمحبات اللوامة. ولذلك يوصي صاحبه بتربيته فيقال له تربية الصنعة أصعب من إبتدائها. والمحبة التي تحدث بين المحسن والمحسن إليه يكون فيها زيادة ونقصان أعني أن محبة المحسن للمحسن إليه أشد من محبة المحسن إليه للمحسن. واستدل أرسطوطاليس على ذلك بأن المقرض وصانع المعروف يهتم كل واحد منهما بمن أقرضه واصطنع المعروف عنده ويتعاهد أنهما ويحبان سلامتهما. أما المقرض فربما أحب سلامة المقترض لمكان الأخذ لا لمكان المحبة أعني أنه يدعو له بالسلامة والبقاء وسبوغ النعمة ليصل إلى حقهز وأما المقترض فليس يعني كبير عناية بالمقرضولا يدعو له بهذه الدعوات وأما مصطنع المعروف فإنه بالحق الواجب يود الذي اصطنع إليه معروفه وإن لم ينتظر منه منفعة. ذلك أن كل صانع فعل جيد محمود يحب مصنوعه فإذا كان مصنوعه مستقيما جيدا وجب أن يكون محبوبا في الغاية. فقد تبين أن محبة المحسن أشد من محبة المحسن إليه. وأما المحسن إليه فشهوته للإحسان أشد وأزيد من شهوة المحسن. وايضا فإن المحبة المكتسبة بالإحسان المرباة على طول الزمان تجري مجرى القنيات التي يتعب بتحصيلها فإن ما يكتسب منها على سبيل التعب والنصب تكون المحبة له أشد والضن به أكثر.

стр. 149

ومن وصل إلى المال بغير تعب لم يكترث به ولم يشح عليه وبذله في غير موضعه كما يفعل الوراث ومن يجري مجراهم. وأما من وصل إليه بتعب وسافر في طلبه وشقى بجمعه فإنه لا محالة يكون شديد الضن به والمحبة له. ولهذه العلة صارت الأم أكثر محبة للولد من الأب ويعرض لها من الحنين والوله أضعاف ما يعرض للأب. وبهذا النوع من المحبة يحب الشاعر شعره ويعجب به أكثر من أعجاب غيره ولك فاعل فعل يتعب به فهو يحب فعله. وأيضا فإن المنفعل لا يتعب كتعب الفاعل والآخذ منفعل والمعطي فاعل فمن هذه الوجوه يتبين أن مصطنع المعروف يحب من أحسن إليه حيا شديدا. ومن الناس من يصطنع المعروف لأجل الخير نفسه. ومنهم من يصطنعه لأجل الذكر الجميل. ومنهم من يصطنعه رياء فقط. ومن البين أن أعلاهم مرتبة من صنعه لذاته أعني لذات الخير. وصاحب هذه الرتبة لا يعرف الذكر الجميل والثناء الباقي ومحبة من لم يصطنع المعروف عنده وإن لم يقصد ذلك الفعل ولا بالنية. ولما حكمنا فيما تقدم حكما مقبولا لا يرده أحد وهو أن كل إنسان يجب نفسه وكانت هذه المحبة لا محالة تنقسم بالأقسام الثلاثة التي ذكرناها أعني اللذة والمنافع والخير وجب من ذلك أن لا يوجد من لا يميز بين هذه الأقسام حتى يعرف الأفضل، فالأفضل منها فلا يدري كيف يحسن إلى نفسه التي هي محبوبته فيقع في ضروب من الخطأ لجهله بالخير الحقيقي. ولذلك صار بعض الناس يختار لنفسه سيرة اللذة وبعضهم سيرة الكرامة والمنافع لأنهم لا يعرفون ما هو أفضل منها.

стр. 150

وأما من عرف سيرة الخير وعلو مرتبته فهو لا محالة يختار لنفسه أفضل السير وأكرم الخيرات فلا يؤثر اللذات البهيمية ولا اللذات الخارجة عن نفسه فإنها عرضية كلها ومستحيلة ومنحلة لكنه يختار لها أتم الخيرات وأعلاها واعظمها وهو الخير الذي لها بالذات أعني الذي ليس بخارج عنها وهو الذي ينسب إلى جزئه الإلهي ومن سار بهذه السيرة وأختارها لنفسه فقد أحسن إليها وأنزلها في الشرف الأعلى وأهلّها لقبول الفيض الإلهي واللذة الحقيقية التي لا تفارقه أبدا. وإذا كان بهذه الحال فهو لا محالة يفعل سائر الخيرات الأخر وينفع غيره ببذل الأموال والسماحة بجمع ما يتشاح الناس عليه ويخص أصدقاءه من ذلك بكل ما يضيق عنه ذرع أصحاب السير الباقية فيصير معظما عند كل واحد ولا سيما عند صديقه. وقد بينا فيما تقدم ان الإنسان مدني بالطبع وشرحنا ومن كان تمامه عند غيره فمن المحال أن يصل مع الوحدة والتفرد إلى سعادته التامة. الأصدقاء: فالسعيد إذا من اكتسب الأصدقاء واجتهد في بذل الخيرات لهم ليكتسب بهم مالا يقدر أن يكتسبه لذاته فيلتذ بهم أيام حياته ويلتذون أيضا به. وقد شرحنا حال هذه اللذة وأنها باقية إلهية غير منحلة ولا متغيرة وهؤلاء في جملة الناس قليلون جدا. وأما أصحاب اللذات البهيمية والنافع فيها فكثيرون جدا وقد يكتفي من هؤلاء بالقليل كالأبازير في الطعام وكالملح خاصة.

стр. 151

وأما الصديق الأول الذي ذكرنا وصفه فلا يمكن أن يكون كثيرا لعزته ولأنه محبوب بإفراط وإفراط المحبة لا يصح ولا يتم إلا لواحد. وأما حسن العشرة وكرم اللقاء والسعي لكل أحد بسيرة الصديق الحقيقي فمبذول لأجل طلب الفضيلة ولأنا قد قلنا فيما تقدم أن الرجل الخير الفاضل يسلك في عشرة معارفه مسلك الصديق وإن لم تتم الصداقة الحقيقية فيهم. وارسطوطاليس يقول: (إن الإنسان محتاج إلى الصديق عند حسن الحال وعند سوؤ الحال. فعند سوء الحال يحتاج إلى معونة الأصقاء وعند حسن الحال يحتاج إلى المؤانسة وإلى من يحسن إليه) . ولعمري ان الملك العظيم يحتاج إلى من يصطنعه ويضع إحسانه عنده كما أن الفقير من الناس يحتاج إلى صديق يصطنعه ويضع عنده المعروف. قال (ومن أجل فضيلة الصداقة يشارك الناس بعضهم بعضا ويتعاشرون عشرة جميلة ويجتمعون في الرياضات والصيد والدعوات، وأما سقراطيس فإنه قال بهذه الألفاظ: (إني لأكثر التعجب ممن يعلم أولاده أخبار الملوك ووقع بعضهم ببعض وذكر الحروب والضغائن ومن انتقم أو وثبت على صاحبه ولا يخطر ببالهم امر المودة وأحاديث الألفة وما يحصل من لخيرات العامة لجميع الناس بالمحبة والأنس. وأنه لا يستطيع أحد من الناس أن يعيش بغير المودة وإن مالت إليه الدنيا بجميع رغائبها. فإن ظن أحد أن أمر المودة صغير فالصغير من ظن ذلك. وإن قدر أنه موجود ويسير الخطب يدرك بالهوينا فما أصعبه وما أعسر وجود صداقة يوثق بها عند البلوى) ثم قال: (لكني أعتقد وأقول أن قدر المودة وخطرها عندي أعظم من جميع ذهب كنوز قارون ومن ذخائر الملوك ومن جميع ما يتنافس فيه أهل الأرض من

стр. 152

الجواهر وماتحويه الدنيا برا وبحرا ما يتقلبون فيه من سائر الأمتعة والأثاث. ولا يعدل جميع ذلك ما اخترته لنفسي من فضيلة المودة. وذلك أن جميع ما أحصيته لا ينفع صاحبه إذا حلت به لوعة مصيبة في صديقه. وافهم من الصديق ههنا أنه آخر هو أنت سواء كان أخا من نسب أو غريبا أو ولدا أو والدا ولا يقوم له جميع ما في الأرض مقام صديق يثق به في مهم يساعده عليه سعادة عاجلة أو آجلة تتم له. فطوبى لمن أوتي هذه النعمة العظيمة وهو خلو من السلطان. وأعظم طوبى لمن أتيه في سلطان. ذلك أن من باشر أمور الرعية وأراد أن يعرف أحوالهم وينظر في أمورهم حق النظر لن يكفيه أذنان ولا عينان ولا قلبد واحد فإن وجد إخوانا ذوي ثقة وجد بهم عيونا وآذانا وقلوبا كأنها بأجمعها له فقربت عليه أطرافه واطلع من أدنى أمره على أقصاه ورأى الغائب بصورة الشاهد. فأنى توجد هذه الفضيلة إلا عند الصديق وكيف يطمع فيها عند غير الرفيق الشفيق؟) ؟ كيف يختار الصديق وإذ قد عرفنا هذه النعمة الجليلة فيجب علينا أن ننظر كيف نقتنيها ومن أين نطلبها وإذا حصلت لنا كيف نحتفظ بها لئلا يصيبنا فيها ما أصاب الرجل الذي ضرب به المثل حين طلب شاة سمينة فوجدها وارمة فاغتر بها وظن الورم سمنا فأخذه الشاعر فقال: أعيذها نظرات صادقة ... ان تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

стр. 153

لا سيما وقد علمنا أن الإنسان من بين الحيوان يتصنع حتى يظهر للناس منه مالا حقيقة له فيبذل ماله وهو بخيل ليقال هو جواد ويقدم في بعض المواطن على بعض المخاوف ليقال هو شجاع. وكذلك يكون حال من لا يعرف الحشائش والنبات فإنها تشتبه في عينه حتى ربما تناول منها شيئا وهو يظنه حلو فإذا طعمه وجده مرا وربما ظنه غذاء فيكون سما. فينبغي لنا أننحذر ركوب لخطر في تحصيل هذه النعمة الجليلة حتى لا نقع في مودة المموهين الخداعين الذين يتصورون لنا بصورة الفضلاء الأخيار. فإذا حصلونا في شباكهم افترسونا كما تفترس السباع أكيلتها. والطرق إلى السلامة من هذا الخطر بحسب ما أخذناه عن سقراطيس إذا أردنا أن نستفيد صديقا أن نسأل عنه كيف كان في صباه مع والديه ومع إخواته وعشيرته فإن كان صالحا معهم فارج الصلاح منه وإلا فابعد منه وإياك وإياه. قال: (ثم إعرف بعد ذلك سيرته مع أصدقائه قبلك فأضفها إلى سيرته مع إخوته وآبائه. ثم تتبع أمره في شكر من يجب عليه شكره أو كفره النعمة. ولست أعني بالشكر المكافأة التي ربما عجز عنها بالفعل ولكن ربما عطل نيته في الشكر فلا يكافىء بما يستطيع وبما يقدر عليه ويغتنم الجميل الذي يسدى إليه ويراه حقا له أو يتكاسل عن شكره باللسان. وليس أحد يتعذر عليه نشر النعمة التي تتولاه والثناء على صاحبها والإعتداد له بها. وليس شيء أشد إحتياجا للنقم من الكفر وحسبك ما أعده الله لكافر نعمته من النقم مع تعاليه عن الإستضرار بالكفر.

стр. 154

ولا شيء أجلب للنعمة ولا أشد تثبيتا لها من الشكر وحسبك ما وعد الله به الشاكرين مع إستغنائه عن الشكر. فتعرف هذا الخلق ممن تريد مؤاخاته واحذر أن تبتلي بالكفر للنعم ولا تكن بالمستحقر لأيادي الإخوان وإحسان السلطان. ثم انظر إلى ميله إلى الراحات وتباطئه عن الحركة التي فيها أدنى نصب. فإن هذا خلق ردىء ويتبعه الميل إلى اللذات فيكون سببا للتقاعد عما يجب عليه من الحقوق. ثم انظر نظرا شافيا في محبته للذهب والفضة وإستهانته بجمعهما وحرصه عليهما فإن كثيرا من المتعاشرين يتظاهرون بالمحبة ويتهادون ويتناصحون فإذا وقعت بينهم معاملة في هذين الحجرين هر بعضهم على بعض هرير الكلاب وخرجوا إلى ضروب العداوة. ثم انظر في محبته للرئاسة والتفريط فإن من أحب الغلبة والترؤس وأن يفرط لا ينصفك في المودة ولا يرضى منك بمثل ما يعطيك ويحمله الخيلاء والتيه على الإستهانة بأصدقائه وطلب الترفع عليهم ولا تتم مع ذلك مودة ولا غبطة ولا بد من أن تؤول الحال بينهم إلى العداوة والأحقاد والأضغان الكثيرة. ثم انظر هل هو ممن يستهزىء بالغناء واللحون وضروب اللهو واللعب وسماع المجون والمضاحيك فإن كان كذلك فما أشغله عن مساعدات إخوانه ومواساتهم وما أشد هربه عن مكافأة بإحسان وإحتمال النصب ودخول تحت جميل. فإن وجدته بريئا من هذه الخلال فلتحتفظ عليه ولترغب فيه ولتكتف بواحد إن وجد فإن الكمال عزيز. وأيضا فإن من كثرت أصدقاؤه لم يف بحقوقهم واضطر إلى الأغضاء عن بعض ما يجب عليه والتقصير في بعضه وربما ترادفت عليه أحوال متضادة أعني أن تدعوه مساعدة صديق إلى أن يسر بسروره ومساعدة آخر أن يغتم بغمه وأن يسعى بسعي واحد ويقعد بقعود آخر مع أحوال تشبه هذه كثيرة مختلفة.

стр. 155

ولا ينبغي أن يحملك ما حضضتك عليه من طلب الفضائل ممن تصادقه على تتبع صغار عيوبه فتصير بذلك إلى أن لا يسلم لك أحد فتبقى خلوا من الصديق. بل يجب أن تغض عن المعايب اليسيرة التي لا يسلم من مثلها البشر وتنظر ما تجده في نفسك من عيب فتحتمل مثله من غيرك. واحذر عداوة من صادقته أو خالته أو خالطته مخالطة الصديق واسمع قول الشاعر: عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب آداب الصداقة لذلك يجب عليك متى حصل لك صديق أن تكثر مراعاته وتبالغ في تفقده ولا تستهين باليسير من حقه عند مهم يعرض له أو حادث يحدث به. فأما في أوقات الرخاء فينبغي أن تلقاه بالوجه الطلق والخلق الرحب وأن تظهر له في عينك وحركاتك وفي هشاشتك وارتياحك عند مشاهدته إياك ما يزداد به في كل يوم وكل حال ثقة بمودتك وسكونا إليك ويرى السرور في جميع أعضائك التي يظهر السرور فيها إذا لقيك. فإن التحفي الشديد عن طلعة الصديق لا يخفى وسرور الشكل بالشك أمر غير مشكل. ثم ينبغي أن تفعل مثل ذلك بمن تعلم أنه يؤثره ويحبه من صديق أو ولد أو تابع أو حاشية وتثنى عليهم من غير إسراف يخرج بك إلى الملق الذي

стр. 156

يمقتك عليه ويظهر لك منك تكلف فيه. وإنما يتم لك ذلك إذا توخيت الصدق في كل ما تثنى به عليه. والزم هذه الطريقة حتى لا يقع منك توان فيها بوجه من الوجوه وفي حال من الأحوال. فإن ذلك يجلب المحبة الخالصة ويكسب الثقة التامة ويهديك محبة الغرباء ومن لا معرفة لك به. وكما أن الحمام إذا ألف بيوتنا وآنس لمجالسنا وطاف بها يجلب لنا أشكاله وأمثاله فكذلك حال الإنسان إذا عرفنا واختلط بنا إختلاط الراغب فينا الآنس بنا. بل يزيد على الحيوان الغير الناطق بحسن الوصف وجميل الثناء ونشر المحاسن. وأعلم أن مشاركة الصديق في السراء إذا كنت فيها وإن كانت واجبة عليك حتى لا تستأثرها ولا تختص بشيء منها فإن مشاركته في الضراء أوجب وموقعها عنده أعظم. وانظر عند ذلك أن إصابته نكبة أو لحقته مصيبة أوعثر به الدهر كيف تكون مواساتك له بنفسك وما لك وكيف يظهر له تفقدك ومراعاتك. ولا تنتظرن به أن يسألك تصريحا أو تعريضا بل اطلع على قلبه وأسبق إلى ما في نفسه وشاركه في مضض ما لحقه ليخف عنه. وإن بلغت مرتبة من السلطان والغنى فاغمس إخوانك فيها من غير امتنان ولا تطاول. وإن رأيت من بعضهم نبوا عنك أو نقصانا مما عهدته فداخله زيادة مداخلة واختلط به واجتذبه إليك. فإنك إن أنفت من ذلك أو تداخلك شيء من الكبر والصلف عليهم انتقض حبل المودة وانتكثت قوته. ومع ذلك فلست تأمن أن يزولوا عنك فتستحي منهم وتضطر إلى قطيعتهم حتى لا تنظر إليهم.

стр. 157

ثم حافظ على هذه الشروط بالمداومة عليها لتبقى المودة على حال واحدة. وليس هذا الشرط خاصا بالمودة بل هو مطرد في كل ما يخصك أعني أن مركوبك وملبوسك ومنزلك متى لم تراعها مراعاة متصلة فسدت وانتقضت. فإذا كانت صورة حائطك وسطوحك كذلك ومتى غفلت أو توانيت لم تأمن تقوضه وتهدمه فكيف ترى أن تجفو من ترجوه لكل خير وتنتظر مشاركته في السراء والضراء؟ ومع ذلك فإن ضرر تلك يختص بك بمنفعة واحدة. وأما صديقك فوجوه الضرر التي تدخل عليك بجفائه وانتقاض مودته كثيرة عظيمة. ذلك أنه ينقلب عدوا وتتحول منافعه مضارا فلا تأمن غوائله وعدواته مع عدمك الرغائب والمنافع به وينقطع رجاؤك فيما لا تجد له خلفا ولا تستفيد عنه عوضا ولا يسد مسده شيء. وإذا راعيت شرطوه وحافظت عليها بالمداومة أمنت جميع ذلك. ثم احذر المراء معه خاصة وإن كان واجبا أن تحذره مع كل أحد فإن مماراة الصديق تقتلع المودة من أصلها لأنها سبب الإختلاف والإختلاف سبب التباين الذي هربنا منه إلى ضده وقبحنا أثره واخترنا عليه الألفة التي طلبناها وأثنينا عليها وقلنا أن الله دعا إليها بالشريعة القويمة. وإني لأعرف من يؤثر المراء ويزعم أنه يقدح خاطره ويشحذ ذهنه ويثير شكوكه فهو يتعمد في المحافل التي تجمع رؤوساء أهل النظر ومتعاطي العلوم مماراة صديقه ويخرج في كلامه معه إلى ألفاظ الجهال من العامة وسقاطهم ليزيد في خجل صديقه وليظهر انقطاعه وتبلجه. وليس يفعل ذلك عند خلوته به ومذاكرته له وإنما يفعله حين يظن به أنه أدق نظرا أو أحضر حجة وأغزر علما واحدّ قريحة. فما كنت أشبهه إلا بأهل البغي وجبابرة أصحاب الأموال والمشبهين بهم من أهل البدع فإن هؤلاء يستحقر بعضهم بعضا ولا يزال يصغر بصاحبه ويزدري على مروءته

стр. 158

ويتطلب عيوبه ويتتبع عثراته ويبالغ كل واحد فيما يقدر عليه من إساءة صاحبه حتى يؤدي بهم الحال إلى العداوة التامة التي يكون معها السعاية وإزالة النعم وتجاوز ذلك إلى سفك الدم وأنواع الشرور. فكيف يثبت مع المراء محبة ويرجى به ألفة؟ ثم احذر في صديقك إن كنت متحققا بعلم أو متحليا بأدب أن تبخل عليه بذلك الفن أو يرى فيك أنك تحب الإستبداد دونه والإستئثار عليه فإن أهل العلم لا يرى بعضهم في بعض ما يراه أهل الدنيا بينهم. ذلك أن متاع الدنيا قليل فإذا تزاحم عليه قوم ثلم بعضهم حال بعض ونقص حظ كل واحد من حظ الآخر. وأما العلم فإنه بالضد وليس أحد ينقص منه ما يأخذه غيره بل يزكو على النفقة ويربو مع الصداقة ويزيد على الإنفاق وكثرة الخرج فإذا بخل صاحب علم بعلمه فإنما ذلك لأحوال فيه كلها قبيحة. وهي أنه أما أن يكون قليل البضاعة منه فهو يخاف أن يفنى ما عنده أو يرد عليه مالا يعرفه فيزول تشرفه عند الجهال. وأما أن يكون مكتسبا به فهو يخشى أن يضيق مكسبه به وينقص حظه منه. وأما أن يكون حسودا والحسود بعيد من كل فضيلة لا يوده أحد. وإني لأعرف من لا يرضى بأن يبخل بعلم نفسه حتى يبخل بعلم غيره ويكثر عتبه وسخطه على من لا يفيد غيره من التلامذة المستحقين لفائدة العلم. وكثيرا ما يتوصل إلى أخذ الكتب من أصحابها ثم منعهم منها. وهذا خلق لا تبقى معه مودة بل يجلب إلى صاحبه عداوة لا يحسبها ويقطع أطماع أصدقائه من صداقته. ثم احذر أن تنبسط بأصحابك ومن يخلو بك من اتباعك وتحمل أحدا منهم على ذكر شيء في نفسه. ولا ترخص في عيب شيء يتصل به فضلا عن عيبه ولا يطمعن

стр. 159

أحد في ذلك من أولى السبائك والمتصلين بك لا جدا ولا هزلا وكيف تحتمل ذلك فيه وأنت عينه وقلبه وخليفته على الناس كلهم بل أنت هوفإنه إن بلغه شيء مما حذرتك منه لم يشك أن ذلك كان عن رأيك وهواك فينقلب عدوا وينفرك عنك نفور الضد. فإن عرفت منه أنت عيبا فوافقه عليه موافقة لطيفة ليس فيها غلظة. فإن الطبيب الرقيق ربما بلغ بالدواء اللطيف ما يبلغه غيره بالشق والقطع والكي بل ربما توصل بالغذاء إلى الشفاء واكتفى به عن المعالجة بالدواء. ولست أحب أن تغضى عما تعرفه في صديقك وأن تترك موافقته عليه بهذا الضرب من الموافقة. فإن ذلك خيانة منك ومسامحة فيما يعود ضرره عليه وليس من حق الصديق أن يعرف ويبذل بعيوب الأضداد حتى يعيبوه ويثلبوه. ثم احذر النميمة وسماعها. وذلك أن الأشرار يدخلون بين الأخيار في صورة النصحاء فيوهمونهم النصيحة وينقلون إليهم في عرض الأحاديث اللذيذة أخبار أصدقائهم محرفة مموهة حتى إذا تجاسروا عليهم بالحديث المختلق يصرحون لهم بما يفسد موداتهم ويشوه وجوه أصدقائهم إلى أن يبغض بعضهم بعضا. وللقدماء في هذه المعنى كتب مؤلفة يحذرون فيها من النميمة ويشبهون صورة النمام بمن يحك بأظافيره أصول البنيان القوية حتى يؤثر فيها ثم لا يزال يزيد ويمعن حتى يدخل فيها المعقول فيقلعه من أصله ويضربون له الأمثال الكثيرة المشبهة بحديث الثور مع الأسد في كتاب كليلة ودمنه. ونحن تكتفي بهذا القدر من الإيماء لئلا نخرج عن رسم كتابنا وعما بنينا عليه مذهبنا من الإيجاز في الشرح.

стр. 160

ولست أترك مع الإيجاز والإختصار تعظيم هذا الباب وتكريره عليك لتعلم أن القدماء إنما ألفوا فيه الكتب وضربوا له الأمثال وأكثروا فيه من الوصايا لما رواءه من النفع العظيم عند السامعين من الأخيار ولما خافوه من الضرر الكثير على من يستهين به من الأغمار. وليعلم المثل المضروب في السباع القوية إذا دخل عليها الثعلب الرواغ على ضعفه أهلكها ودمرها. وفي الملوك الحصفاء يدخل بينهم أهل النميمة في صورة الناصحين حتى يفسدوا نيتهم على وزرائهم المبالغين في نصيحتهم المجتهدين في تثبيت ملكهم إلى أن يغضبوا عليهم ويصرفوا به عيونهم منهم وإلى أن يبطشوا بهم قتلا وتعذيبا وهم غير مذنبين ولا مجترمين ولا مستحقين إلا الكرامة والإحسان فإذا بلغ بهم من الإفساد والإضرار ما بلغوه من هؤلاء فباللأحرى أن يبلغوه منا إذا لم يجدوه في أصدقائنا الذين اخترناهم على الأيام وادخرناهم للشدائد وأحللناهم محل أرواحنا وزدناهم تفضلا وإكراما. ويتبين لك من جميع ما قدمناه أن الصداقة وأصناف المحبات التي تتم بها سعادة الإنسان من حيث هو مدني بالطبع إنما اختلفت ودخل فيها ضروب الفساد وزال عنها معنى التأحد وعرض لها الإنتشار حتى احتجنا إلى حفظها والتعب الكثير بنظامها من أجل النقائص الكثيرة التي فينا وحاجتنا إلى إتمامها مع الحوادث التي تعرض لنا من الكون والفساد. فإن الفضائل الخلقية إنما وضعت لأجل المعاملات والمعاشرات التي لا يتم الوجود الإنساني إلا بها. ذلك أن العدل إنما احتيج إليه لتصحيح المعاملات وليزول به معنى الجور الذي هو رذيلة عند المتعاملين.

стр. 161

وإنما وضعت العفة فضيلة لأجل اللذات الرديئة التي تحي الخيانات العظيمة على النفس والبدن. وكذلك الشجاعة وضعت فضيلة من أجل الأمور الهائلة التي يجب أن يقدم الإنسان عليها في بعض الأوقات ولا يهرب منها وعلى هذا جميع الأخلاق المرضية التي وصفناها وحضضنا على إقتنائها. وأيضا فإن جميع هذه الفضائل تحتاج إلى أسباب خارجة من الأموال واكتسابها من وجوهها ليمكنه أن يفعل بها فعل الأحرار والعادل يحتاج إلى مثل ذلك ليجازي من عاشره بجميل ويكافىء من عامله بإحسان وجميعها لا تقوم إلا بالأبدان والأنفس وما هو خارجعنها على حسب تقسيمنا السعادات فيما مضى. وكلما كانت الحاجات كثيرة احتيج إلى المواد الخارجة عنا أكثر فهذه حالة السعادات الإنسانية التي لا تتم لنا إلا بالأفعال والأحوال المدنية وبالأعوان الصالحين والأصدقاء المخلصين وهي كما تراها كثيرة والتعب بها عزيم ومن قصر فيها قصرت به السعادة الخاصة به. ولذلك صار الكسل ومحبة الراحة من أعظم الرذائل لأنهما يحولان بين المرء وبين جميع الخيرات والفضائل ويسلخان الإنسان من الإنسانية. ولذلك ذممنا المتوسمين بالزهد إذا تفردوا عن الناس وسكنوا الجبال والمفازات واختاروا التوحش الذي هو ضد التمدن لأنهم ينسلخون عن جميع الفضائل الخلقية التي عددناها كلها. وكيف يعف ويعدل ويسخو ويشجع من فارق الناس وتفرد عنهم وعدم الفضائل الخلقية. وهل هو إلا بمنزلة الجماد والميت وأما محبة الحكمة والإنصراف إلى التصور العقلي وإستعمال الآراء الإلهية فإنها خاصة بالجزء الإلهي من الناس وليس يعرض لها شيء من الآفات التي تعرض للمحبات الأخرى الخلقية وضروب الفساد

стр. 162

ولذلك قلنا أنها لا تقبل النميمة ولا نوعا من أنواع الشرور لأنها الخير المحض وسببها الخير الأول الذي لا تشوبه مادة ولا تلحقه الشرور التي في المادة وما دام الإنسان يستعمل الأخلاق والفضائل الإنسانية فإنها تعوقه عن هذا الخير الأول وهذه السعادة الإلهية ولكن ليس يتم له إلا بتلك ومن أصل تلك الفضائل بنفسه ثم اشتغل عنها بالفضيلة الإلهية فقد اشتغل بذاته حقا ونجا من مجاهدات الطبيعة والآمها ومن مجاهدات النفس وقواها وصار مع الأرواح الطيبة واختلط بالملائكة المقربين فإذا انتقل من وجوده الأول إلى وجوده الثاني حصل في النعيم الأبدي والسرور السرمدي. رأى أرسطوطاليس في السعادة التامة وقد أطلق أرسطوطاليس جميع هذه الألفاظ وقال أن السعادة التامة الخالصة هي لله ثم للملائكة والمتأهلين. ثم قال ولا ينبغي أن يضاف إلى الملائكة تلك الفضائل التي عددناها في سعاد الإنسان فإنهم لا يتعاملون ولا يكون عند أحد منهم وديعة فيحتاج إلى ردها ولا لأحد منهم تجارة فيحتاج إلى العدالة ولا يفزعه شيء فيحتاج إلى النجدة ولا له نفقات فيحتاج إلى الذهب والفضة ولا له شهوات فيحتاج إلى ضبط النفس وإلى فضيلة العفة ولا هو مركب من الإستقصات الأربعة التي تحل في أضدادها فيحتاج إلى الغذاء.

стр. 163

فإذا هؤلاء الأبرار المطهرون من بين خلق الله غير محتاجين إلى الفضائل الإنسية والله تعالى وتقدس وجل أعلى من ملائكته فيجب أن ننزه عن جميع ماذكرناه من فضائل الإنسان وإنما نذكره بالخير البسيط الذي يشبهه وننسب إليه الأمور العقلية التي تليق به. فبالحق الواجب الذي لا مرية فيه لا يحبه إلا السعيد الخير من الناس الذي يعرف السعادة والخير بالحقيقة فلذلك يتقرب إليه بهما جهده ويطلب مرضاته بقدر قاته ويتقبل أوامر بنحو استطاعته. ومن أحب الله تعالى هذه المحبة وتقرب إليه هذا التقرب وأطاعه هذه الطاعة أحبه الله وقربه وأرضاه وأستحق خلته التي أطلقتها الشريعة على بعض البشر حيث قيل إبراهيم خليل الله، وأما أرسطوطاليس فإنه أطلق بعد ذلك بالعلة شيئا غير مطلق في لغتنا. وذلك أنه قال (من أحب الله وتعاهده كما يتعاهد الأصدقاء بعضهم بعضا أحسن إليه) ولذلك يظن بالحكيم اللذات العجيبة وضروب الفرح الغريبة ويرى من تحقق بالحكمة أنها ملذة غاية الإلتذاذ فلا يلتفت إلى غيرها ولا يعرج على سواها. وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالحكيم السعيد التام الحكمة هو الله تعالى فليس يحبه إلا السعيد الحكيم بالحقيقة لأن الشبيه إنما يسر بشبيهه فقط. ولذلك صارت هذه السعادة ارفع وأعلى من تلك السعادة التي ذكرناها وهي غير منسوبة إلى الإنسان لأنها مهذبة من الحياة الطبيعية مبرأة من التقوى النفسانية مباينة لجميعها غاية المباينة وإنما هي موهبة إلهية يهبها الباريب جلت عظمته لمن إصطفاه من عباده ثم التمسها منه وسعى لها سعيها ورغب فيها ولزمها مدة حياته واحتمل المشقة والتعب فإن من لم يصبر على إدامة التعب إشتاق اللعب؟.

стр. 164

الراحة البدنية ليست من أسباب السعادة ذلك أن اللعب يشبه الراحة والراحة ليست من تمام السعادة ولا من أسبابها وإنما يميل إلى الراحات البدنية من كان طبيعي الشكل بهيمي النجار كالعبيد والصبيان والبهائم فليس ينسب الحيوان غير الناطق ولا الصبيان والعبيد إلى السعادة ولا من كان مناسبا لهم. وأما العاقل الفاضل فإنه يطلب بهمته أعلى المراتب وأرسطوطاليس يقول لا ينبغي أن تكون همم الإنسان إنسية وإن كان إنسانا ولا يرضى بهم الحيوان الميت وإن كان هو أيضا ميتا بل يقصد بجميع قواه أن يحيا حياة إلهية فإن الإنسان وإن كان صغير الجثة فهو عظيم بالحكمة شريف بالعقل. والعقل يفوق جميع الخلائق لأنه الجوهر الرئيس المستولي على الكل بأمر مبدعه تعالى جده) وقد قلنا فيما تقدم إن الإنسان ما دام في هذا العالم فهو محتاج إلى حسن الحال الخارجة عنه ولكن ينبغي أن ينصرف إلى طلب ذلك بقوته كلها ولا يطلب الإستكثار منه. فقد يصل إلى الفضيلة من ليس بكثير المال ولا ظاهر اليسار فإن الفقير من المال والأملاك قد يفعل الأفعال الكريمة ولذلك قالت الحكماء. إن السعداء هم الذين رزقوا القصد من الخيرات الخارجة عنهم وفعلوا الأفعال التي تقتضيها الفضيلة وإن كانت فيهم قليلة:

стр. 165

هذا كلام الحكيم في هذه المرتبة التي وعدناك الكلام فيها وهو يقول بعد ذلك ليس في معرفة الفضائل كفاية بل الكفاية في العمل بها. ومن الناس من ينصاع إلى الفضائل وينقاد إلى الموعظة ويرغب في الخيرات وهؤلاء قليلون وهم الذين يمتنعون من جميع الردآت والشرور. وذلك للغريزة الجيدة والطبع الجيد الفائق. ومنهم من ينقاد إلى الخيرات حتى يمتنع من الردآت والشرور بالوعيد والفزع والإنذارات من العذاب فيهرب من الجحيم والهاوية وما أعد فيها من الآلام. ولذلك حكمنا أن بعض الناس أخيار بالطبع وبعضهم أخيار بالشرع وبالتعلم. فالشريعة تجري لهؤلاء جرى الماء للإنسان الذي به يسيغ غصه. ومن لا ينقاد لها فهو كالشرق بالماء فلا يشرب الماء ولا يجده يسيغ غصته وهو الهالك الذي لا حيلة فيهولا طمع في إصلاحه وبرئه. ولهذه العلة قلنا: إن من كان بالطبع خيرا فاضلا فذلك لمحبة الله إياه وليس أمره إلينا ولا نحن كنا سببه بل الله . ومثل هذا هو الذي يقول فيه ارسطوطاليس أن عناية الله به أكبر. فتحصل مما قدمناه أن أنصاف السعداء من الناس أربعة وهم موجودون بالتصفح والحس. وذلك أنا نجد من الناس من هو خير فاضل من مبدأ تكوينه نرى فيه النجابة طفلا ونتفرس فيه الفلاحة ناشئا بأن يكون حيا كريم الخيم يؤثر مجالسة الأخيار ومؤانسة الفضلا وينفر من اضدادهم وليس يكون بذلك غلا بعناية تلحقه من أول مولده كما قلناه.

стр. 166

ونجد أيضا من لا يكون بهذه الصفة من مبداء تكوينه بل يكون كسائر الصبيان إلا أنه يسعى ويجتهد ويطلب الحق إذا رأى اختلاف الناس فيه ولا يزال كذلكحتى يبلغ مرتبة الحكماء أعني أن يصير علمه صحيحا وعمله صوابا. وليس يبلغ هذه الدرجة إلا بالتفلسف وإطراح العصببات وسائر ما حذرنا منه، ونجد أيضا من يوجد بهذه السيرة أخذا على الإكراه. إما بالتأديب الشرعي. وإما بالتعليم الحكمي. ومعلوم أن المطلوب هو القسم الثاني إذا كانت الأقسام الباقية هي من خارج ولا يمكن أن تطلب أعني أن من يتفق له في أصل مولده السعادة ومن يكره عليها ليس من أقسام الطالب المجتهد وتبين أيضا مقام الطالب المجتهد ومنزلته من السعادة التامة الحقيقية وأنه وحده من بين سائر الطبقات هو السعيد الكامل المقرب إلى الله عزوجل المحب المطيع المستحق خلته ومحبته كما تقدم وصفه.

стр. 167

المقالة السادسة دواء النفوس

стр. 168

نبتدىء بعون الله وتوفيقه وتأييده في هذه المقالة بذكر شفار الأمراض التي تلحق نفس الإنسان وعلاجها ونذكر الأسباب والعلل التي تولدها وتحدث منها فإن حذاق الأطباء لا يقدمون على علاج مرض جسماني إلا بعد أن يعرفوه ويعرفوا السبب والعلة فيه ثم يرومون مقابلته بأضداده من العلاجات ويبتدؤن من الحمية والأدوية اللطيفة إلى أن ينتهوا في بعضها إلى إستعمال الأغذية الكريهة والأدوية البشعة وفي بعضها إلى القطع بالحديد والكي بالنار. ولما كانت النفس قوة إلهية غير جسمانية وكانت مع ذلك مستعملة لمزاج خاص ومربوطة به رباطا طبيعيا إلهيا لا يفارق أحدهما صاحبه إلا بمشيئة الخالق وجب أن نعلم أن أحدهما متعلق بصاحبه متغير بتغيره فيصبح بصحته ويمرض بمرضه ونحن نرى ذلك مشاهدة وعيانا بما يظهر لنا من أفعالها. وذلك أنا كمانرى المريض من جهة بدنه لا سيما إن كان سبب مرضه أحد الجزئين الشريفين أعني الدماغ والقلب يتغير عقله ويمرض حتى ينكر ذهنه وفكره وتخيله وسائر قوى نفسه الشريفة ويحس هو من نفسه بذلك. كذلك أيضا، نرى المريض من جهة نفسه إما بالغضب وإما بالحزن وإما بالعشق وإما بالشهوات الهائجة به تتغير صورة بدنه حتى يضطرب ويرتعد ويصفر ويحمر ويهزل ويسمن ويلحقه ضروب التغير المشاهدة بالحس. فيجب لذلك أن نتفقد مبدأ الأمراض إذا كان من نفوسنا فإن كان مبدؤها من ذاتها كالفكر في الأشياء الرديئة وإجالة الرأى فيها وكاستشعار الخوف والخوف من الأمور العارضة والمترقبة والشهوات الهائجة قصدنا علاجها بما يخصها.

стр. 169

وإن كان مبدؤها من المزاج ومن الحواس كالخور الذي مبدأه ضعف حرارة القلب مع الكسل والرفاهي وكالعشق الذي مبدأه النظر مع الفراغ والبطالة قصدنا أيضا علاجه بما يخص هذه. وأيضا لما كان طب الأبدان ينقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين أحدهما حفظ صحتها إذا كانت حاضرة والآخر ردها إليها. إذا كانت غائبة وجب أن نقسم طب النفسو هذه القسمة بعينها فنردها إذا كانت غائبة ونتقدم في حفظ صحتها إذا كانت حاضرة فنقول إذا كانت خيرة فاضلة تحب نيل الفضائل وتحرص على إصابتها وتشتاق إلى العلوم الحقيقية والمعارف الصحيحة فيجب على صاحبها أن يعاشر من يجانسه ويطلب من يشاكله. ولا يأنس بغيرهم ولا يجالس سواهم. ويحذر كل الحذر من معاشرة أهل الشر والمجون والمجاهرين بإصابة اللذات القبيحة وركوب الفواحش المتفتخرين بها المنهمكين فيها ولا يصغى إلى أخبارهم مسطيبا ولا يروى أشعاهم مستحسنا ولا يحضر مجالسهم مبتهجا. وذلك أن حضور مجلس واحد من مجالسهم وسماع خبر واحد من أخبارهم يعلق من وضره ووسخه بالنفس ما لا يغسل عنها إلا بالزمان الطويل والعلاج الصعب وربما كان سببا لفساد الفاضل المحنك وغواية العالم المستبصر حتى يصير فتنة لهما فضلا عن الحدث الناشىء المسترشد. والعلة في ذلك أن محبة اللذات البدنية والراحات الجسمية طبيعة للإنسان لأجل النقائص التي فيه فنحن بالجبلة الأولى والفطرة السابقة إلينا نميل إليها ونحرص عليها وإنما نزم أنفسنا عنها بزمام العقل حتى نقف عند ما يرسم لنا ونقتصر على المقدار الضروري منها. وإنما استتنيت في أول هذا الكلام وشرطت بما شرطت لأن معاشرة الأصدقاء الذين ذكرت أحوالهم في المقالة المتقدمة وحكمت بتمام السعادة معهم ولهم. لا تتم إلا بالمؤانسة والمداخلة.

стр. 170

اللذة التي تطيقها الشريعة ولا بد في ذلك من المزاح المستعذب والأحاديث المستطابة والفكاهة المحبوبة وإصابة اللذة التي تطيقها الشريعة ويقدرها العقل حتى لا يتجلوزها إلى الإسراف فيها ولا يقصرعنها تهاونا بها. ذلك أن الخروج إلى أحد الطرفين إن كان إلى جانب الزيادة سمى مجونا وفسقا وخلاعة وما أشبهها من أسماء الذم. وإن كان إلى جانب النقصان سمى فدامة وعبوسا وشكاسة وما أشبهها من أسماء الذم أيضا. والمتوسط بينهما هوالظريف الذي يوسف بالهشاشة والطلاقة وحسن العشرة ويعرض من الصعوبة في وجود هذا الوسط ما يعرض في سائر الفضائل الخلقية. ومما يؤخذ به من يحفظ صحة نفسه أن يلتزم وظيفة من الجزء النظري والعملي لا يسوغ له الإخلال بها البتة لتجري النفس مجرى الرياضة التي تلزم في حفظ صحة البدن وأطباء النفوس أشد تعظيما لها في حفظ صحة النفس. وذلك أن النفس متى تعطلت من النظر وعدمت الفكر والغوص على المعاني تبلدت وتبلهت وانقطت عنها مادة كل خير. وإذا ألفت الكسل وتبرمت بالروية واختارت العطلة قرب هلاكها لأن في عطلتها هذه إنسلاخا من صورتها الخاصة بها ورجعوعا منها إلى رتبة البهائم. وهذا هو الإنتكاس في الخلق نعوذ بالله منه.

стр. 171

وإذا تعود الحديث الناشء من مبدء تكوينه الإرتياض بالأمور الفكرية ولازم التعاليم الأربعة ألف الصدق واحتمل ثقل الروية والنظر وأنس بالحق ونبا طبعه عن الباطل وسمعه عن الكذب فإذا بلغ أشده وانتقل إلى مطالعة الحكمة استمر طبعه فيها وتشرب ما يستودع منها ولا يرد عليه أمر غريب ولا يحتاج إلى كثير تعب في فهم غوامضها وإستخراج دفائنها فيصل إلى سعادتها التي ذكرناها سريعا. وإن كان حافظ هذه الصحة قد توحد في العلم لا نهاية له وفوق كل ذي علم عليم. ولا يتكاسلن عن معاودة ما علمه والدرس له فإن النسيان آفة العلم وليتذكر قول الحسن البصري رحمة الله عليه (اقدعوا هذه النفوس فإنها طائعة وحادثوها فإنها سريعة الدثور) واعلم أن هذه الكلمات مع قلة حروفها كثيرة المعاني وهي مع ذلك فصيحة واستوفت شروط البلاغة. وليعلم أيضا حافظ هذه الصحة على نفسه أنه إنما يحفظ عليها نعما شريفة جليلة موهوبة لها وكنوزا عظيمة مدخرة فيها وملابس فاخرة مفرغة عليها. وإن من كانت هذه المواهب الجليلة موجودة له في ذاته لا يحتاج إلى تطليها من خارج ولا إلى بذل الأموال فيها لغيره ولا يكلف العناء والمؤمن الثقال في تحصيلها ثم أعرض عنها وأهمل أمرها حتى انسلخ عنها وعرى منها لملوم في فعله مغبون في رأيه غير رشيد ولا موفق. لا سيما وهو يرى طالبي النعم الخارجة كيف يتجشمون الأسفار البعيدة الخطرة ويقطعون السبل المخوفة الوعرة ويتعرضون لضروب المكاره وأنواع التلف من السباع العادية وطبقات الشرار الباغية وهم يخيبون في أكثر الأحوال

стр. 172

مع مقاسات هذه الأهوال. وربما عرضت لهم الندامات المفرطة والحسرات المعطبة التي تقطع أنفساهم وتفصل أعضاءهم فإن ظفروا بشيء من مطالبهم كان لا محالة زائلا عن قرب أو معرضا للزوال وغير مطموع في بقائه لأنه منخارج وما كان خارجا عنها فهو غير ممتنع عما يطرقه من الحوادث التي لا تحصى كثرة. وصاحبه مع هذه الحال شديد الوجل دائم الإشفاق متعب الجسم والنفس يحفظ ما لا يجد إلى حفظه سبيلا والحذر على مالا يغني فيه الحذر فتيلا. وإن كان طالب هذه الأشياء الخارجة عنا سلطانا أو صاحب سلطان تضاعفت عليه هذه المكاره أضعافا كثيرة بقدر ما يلابسه وبحسب ما يقاسيه من الأضداد والحساد على البعد ومن القرب وبكثرة ما يحتاج إليه من المؤن في إستصلاح من يليه ويلي من يليه من مدارة من يواليه ويعاديه. وهو في كل ذلك ملوم مستبطأ ومعتب مستقصر ويستزيده جميع أهله والمتصلين به ولا سبيل له إلى إرضاء واحد منهم فضلا عن جميعهم. ولا يزال يبلغه عن أخص الناس به من أولاده وحرمه ومن يجري مجراهم من حاشيته وخوله ما يملأه غيظا وحنقا وهو غير آمن على نفسه من جهتهم مع التحاسد الذي بينهم من مكاتبة الأعداء إياهم ومواطأة الحساد لهم. وكلما ازداد من الأعوان والأعضاد والأنصار زادوه في شغل القلب وجلبوا إليه من المكاره ما لم يكن عنده فهو غنى عند الناس وهو أشدهم فقرا ومحسود وهو أكثرهم حسدا. وكيف لا يكون فقيرا وحدا الفقر هو هو كثرة الحاجة فأكثر الناس حاجة أشدهم فقرا كما أن أغنى الناس أقلهم حاجة. ولذلك حكمنا حكما صادقا بأن الله تعالى أغنى الأغنياء لأنه لا حاجة له إلى شيء من الأشياء.

стр. 173

الملوك وقد حكمنا أيضا أن الملوك مناهم أشد الناس فقرا لكثرة حاجتهم إلى الشياء ولقد صدق أبو بكر الصديق في خطبته حيث قال (اشقىالناس في الدنيا والآخرة الملوك) ثم وصفهم فقال (إنالملك إذا ملك زهده الله فيما في يده ورغبه فيما في يد غيره وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل ويتخسط بالكثير ويسأم الرخاء وإن انقطعت عنه اللذة لا يستعمل الغيرة ولا يسكن إلى الثقة فهو كالدرهم الغش والسراب الخادع جلد الظاهر حزين الباطن فإذا وجبت نفسه ونضب عمره ومحي ظله حاسبه فأشد حسابه وأقل عفوه ألا أن الملوك هم المرحومون) فهذه صفة الملك إذا تمكن من ملكه لا يغادر منه شيئا ولقد سمعت أعظم من شاهدت من الملوك يستعيد هذا الكلام ثم يستعبر لموافقته ما في قلبه وصدقه عن حاله وصورته. ولعل من يرى ظاهر الملوك من الأسرة والفرش والزينة والأثاث ويشاهدهم في مواكبهم محفوفين محشودين بين أيديهم الجنائب والمراكب والعبيد والخدم والحجاب والحشم يروعه ذلك فيظن أنهم مسرورون بما يراه لهم. لا والذي خلقهم وكفانا شغلهم أنهم لفي هذه الأحوال ذاهلون عما يراه البعيد لهم مشغولون بالأفكار التي تعتورهم وتعتريهم فيما قلناه من ضروراتهم وقد جربنا ذلك في اليسير مما ملكناه فدلنا على الكثير مما وصفناه.

стр. 174

ولعل بعض من يصل إلى الملك أو السلطان فيلتذ في المبدء مدة يسيرة جدا بمقدار ما يتمكن منه وتنفتح عينه فيه. لكنه بعد ذلك يصير جميع ما ملكه كالشيء الطبيعي له لا يلتذ به ولا يفكر فيه ويمد عينه إلى مالا يملكه. فلو ملك الدنيا بحذافيرها لتمنى دنيا أخرى أو نزقت همته إلى البقاء الأبدي والملك الحقيقي حتى تتبرم بجميع ما وصل إليه وبلغته قدرته. ذلك أن حفظ الدنيا صعب جدا لما في طبيعتها من الإخلال والتلاشي ولما يضطر الملك إليه من الأمور التي وصفناها والأموال الجمة المصروفة إلى الجند المرتبطين والخدم المتسومين والذخائر والكنوز المعدة للآفات والحوادث التي لا يؤمن طروقها. فهذه حال طلاب النعم الخارجة عنا وأما تلك النعم التي في ذواتنا فإنها موجودة عندنا وفينا وهي غير مفارقة لنا لأنها موهبة الخالق جل وعلا وقد أمرنا باستثمارها والترقي فيها فإذا قبلنا أمره أثمرت لنا نعما بعد نعم ورقينا درجة بعد درجة حتى تؤدينا إلى النعم الأبدية التي وصفناها فيما تقدم وهو الملك الحقيقي الذي لا يزول والغبطة الأبدية الصافية التي لا تحول. فمن أخسر صفقة وأظهر سقطة ممن أضاع جواهر نفيسة باقية عنده وموجودة له وطلب أعراضا خسيسة فانية ليست عنده ولا موجودة له. فإن اتفق أن يجدها لم تبق له ولم تترك عليه وذلك أنها تنقل عنه أو ينقل عنها لا محالة.

стр. 175

القناعة لذلك قال الحيكم لمن زرق الكفاية ووجد القصد من السعادة الخارجة أن لا يشتغل بفضول العيش فإنها بلا نهاية. ومن طلبها أوقعته في مهالك لا نهاية لها. وقد أعلمناك فيما تقدم ما الكفاية وما القصد وإن الغرض الصحيح بينهما هو مداواة الآلآم والتحرز من الوقوع فيها لا التمتع وطلب اللذة. وإن من عالج الجوع والعطش اللذين هما مرضان مؤلمان حادان لا ينبغي له أن يقصد لذة البدن بل صحته وسيلتذ لا محالة. فإن من طلب بالعلاج اللذة لا الصحة لم تحصل له الصحة ولم تبق له اللذة. وأما من لم يرزق الكفاية واحتاج إلى السعي والإضطراب في تحصيلها فيجب أن لا يتجاوز القصد وقدر حاجته منها إلى ما يصطر معه إلى السعي الحثيث والحرص الشديد والتعرض لقبيح المكاسب أو ضروب المهالك والمعاطب. بل يجمل في طلبها إجمال العارف بخساستها وأنه يضطر إليها لنقصانه فيطلب منها كسائر الحيوانات في ضروراتها. فإن العاقل إذا تصفح أحوالها وجد منها ما يأكل الميتة ومنها ما يأكل الروث وما في الحش وهي مسرورة بما تجده من أقواتها قريرة العين بها. وليست تحس من نفوسها نفورا ولا تنصرف نفوسها عنها كما تنصرف نفوس الحيوانات المضادة لها بل إنما تنصرف من أقوات تلك الأخر التي تضادها في النظافة.

стр. 176

مثال ذلك الجعل والخنافس إذا قيست إلى النحل فإذا تلك تهرب من الروائح الطيبة والأقوات النظيفة وهذا يطلبها ويسر بها. فإن نسبة كل حيوان إلى قوته الخاص به ككل مقتنع بما يحفظ بقاءه وحياته فهو طالب مسرور به. فينبغي أن ننظر إلى أقواتنا بهذه العين وننزلها منزلة الحش الذي نضطر إلى ملابسته لإخراج ما كنا نحرص على الوصول إليه فلا نبعدها من هذا الآخر لأنهما ضرورتان لنا فنحن نلابسهما لأجل الضرورة ولا نشغل عقلنا باختيارهما والتمتع بهما وإفناء أعمارنا في التأنق لهما والتوصل إليهما ولا نتكاسل أيضا عن إعداد ضروراتنا منهما. وإنما يفضل أحدهما علىالآخر ويستحسن السعي في طلب الدخل ولا يستحسن السعي في طلب الخرج لأن الأول منهما هو غذاء موافق لنا يخلف علينا ماتحلل من أبداننا ولا نستقذره كذلك لا ننفر مما نضعه مكان ما ينقص منه وينوب عنه. وأما الثاني منهما فهو عصارة ذلك الغذاء وما نفقته الطبيعة وأخذت حاجتها منه أعني الذي أحالته دما صافيا وفرقته في العروق على الأعضاء وأطرحت التفل الذي لا حاجة بها إليه وهو في غاية المخالفة والبعد من أمزجتنا فنحن نستوحش منه وننفر عنه لأجل الضدية والمخالفة إلا أننا مضطرون إلى إخراجه وتنحيته ونفضه عنا بالآلات الموهوبة المستعملة في ذلك ليفرغ مكانه لما يأتي بعده ويجري مجراه. وينبغي لحافظ الصحة علىنفسه أن لا يحرك قوته الشهوانية وقوته الغضبية بتذكر ما أصاب منهما موجدا لذته بل يتركهما حتى يتحركا بأنفسهما وذلك أن الإنسان ربما تذكر لذاته في غصابة الشهوات وطيبها ومراتب كرامته من السلطان وغيرها فاشتاق إليها وإذا اشتلق إليها تحرك نحوها فقد جعلها غرضا له فيضطر إلى استعمال الروية واستخدام النفس الناطقة فيها لتدبر له الوصول إليها. وهذه صورة من يثير بهائم عادية ويهيج سباعا ضاربة ثم يلتمس معالجتها والخلاص منها.

стр. 177

وليس يختار العاقل فنسه هذه الحال بل هي من أفعال المجانين الذين لا يميزون بين الخير والشر ولا بين الصواب والخطأ. ولذلك يحب أن لا يتذكر أعمال هاتين القوتين لئلا يشتاق إليهما ويتحرك نحوهما بل يتركهما فإنهما سيثوران لأنفسهما ويهيجان عند حاجتهما ويلتمسان ما يحتاج البدن إليه ويتخذان من باعث الطبيعة ما يغنيك عن بعثهما بالفكر والروية والتمييز فيكون حينئذ فكرك وتمييزك في إزاحة علتهما وتقدير ما تطلقه لهما في الأمر الضروري الواجب لأبداننا الحافظ لصحتها. وهذا هو إمضاء مشيئة الله تعالى وإتمام سياسته لأنه تعالى إنماوهب هاتين القوتين لنا لنستخدمهما عند حاجتنا إليهما لا لنخدمهما ونتعبد لهما. فكل من استعمل النفس الناطقة في خدمة عبدها فقد تجاوز أمر الله وتعدة حدوده وعكس سياسته وتقديره. وذلك أن خالقنا رتب لنا هذه القوى بتدبيره وتقديره ولا عدل اشرف وأفضل من ترتيبه وتقديره وكل من خالفه وعدل عنه فهو أعظم على ذاته وأكبر ظالم لنفسه. حافظ الصحة على نفسه ينبغي لحافظ الصحة علىنفسه أن يلطف نظره في كل ما يعمل ويدربر ويستعمل فيه آلات بدنه ونفسه لئلا يجري فيها على عادة تقدمت له مخالفة لما يوجب تمييزه ورويته فما أكثر ما يعرض للإنسان من بدو أفعال تخالف ما قدم فيه عزيمته وعقد عليه رأيه.

стр. 178

فمن عرض له مثل هذا فيجب عليه أن يضع لنفسه عقوبات يقابل بها أمثال هذه الذنوب فإذا أنكر من نفسه مبادرة إلى طعام ضار وترك حمية قد كان استشعرها أو تناول فاكهة غير موافقة أو حلواء كذلك عاقب نفسه بصوم لا يفطر فيه إلا على ألطف مما يقدر عليه وأقله وإن أمكنه الطى فليطو ويزيد في الحمية من غير حاجة إليها ويمكن في توبيخه لنفسه أن يقول لها إنك قصدت تناول النافع فتناولت الضار وهذا فعل من لا عقل له ولعل كثيرا من البهائم أحسن حالا منك لأنه ليس فيها ما تقصد لذة لها ثم تتناول ما يؤلمها فاستمسكي الآن للعقوبة. وإن أنكر من نفسه مبادرة إلى غضب في غير موضعه أو على من لا يستحقه أو زيادة على ما يجب منه فليقابل ذلك بالتعرض لسفيه يعرفه بالبذاء ثم ليحتمله وليتذلل لمن يعرفه بالخيرية ممن كان لا يتواضع له قبل ذلك أو ليفرض على نفسه مالا يخرجه صدقة وليجعل ذلك نذرا عليه لا يخل به. وإن أنكر من نفسه كسلا وتوانيا في مصلحة له فليعاقب نفسه بسعي فيه مشقة أو صلاة فيها طول أو بعض الأعمال الصالحة التي فيها كد وتعب وبالجملة فليرسم علىنفسه رسوما تصير عليها فرائض وحدودا لا يخل بها ولا يترخص فيها إذا أنكر من نفسه مخالفة لعقله وتجاوزا لمرسومه. وليحذر في جميع أوقاته ملابسة رذيلة أو مساعدة رفيق عليها أو مخالفة صواب ولا يستحقرن شيئا مما يأتيه من صغار السيئات ولا يطلبن رخصة فيها فإن ذلك يدعوه إلى أعظم منها. ومن تعود في أول نشوه وحدثان شبابه ضبط النفس عن شهواتها عند ثورة غضبه وحفظ لسانه وإحتمال أقرانه خف عليهما يثقل على غيره ممن لم يتأدب بهذه الآداب.

стр. 179

وبيان ذلك أنا نجد العبيد وأشباههم إذا بلوا بموالي سوء يسفهون عليهم ويسبون أعراضهم هان عليهم الخطب فيما يسمعونه حتى لا يؤثر فيهم وربما تضاحكوا عند سماع مكروه شديد ضحكا غير متكلف ويعملون عند ذلك أعمالهم ودعين طلقين غير قلقين وقد كانوا قبل ذلك شرسين غضوبين غير محتملين ولا ممسكين عن الأجوبة والإنتقام بالكلام وطلب التشقي بالخصام. وهذه سبيلنا إذا ألفنا الفضائل وتجنبنا الرذائل وأمسكنا عن مقابلة السفهاء ومجاراتهم والإنتقام منهم. ويجب على حافظ الصحة على نفسه أن يتشبه بالملوك الموصوفين بالحزم فإنهم يستعدون للأعداء بالعدة والعتاد والتحصن قبل هجوم العدو وهم في مهلة من زمانهم وفي إتساع من نظرهم ولو أغفلوا ذلك إلى أن تحل بهم المكاره وتطرقهم الشدائد لأذهلهم الأمر عن الحيلةوعن الرأي السديد. فعلى هذا الأصل يجب أن تبنى أمورنا في الإستعداد لأعدائنا من الشره والغضب وسائر ما يزيلنا عن أغراضنا من الفضائل بأن نتعود الصبر على ما يجب الصبر عليه والحلم عمن ينبغي أن يحلم عنه ونضبط النفس عن الشهوات الرديئة ولا ننظر دفع هذه الرذائل وقت هيجانها فإن الأمر عند ذلك صعب جدا ولعله غير ممكن ألبتة. معرفة المرء عيوب نفسه ويجب علىحافظ الصحة علىنفسه ان يطلب عيوب نفسه باستقصاء شديد ولا يقنع بما قاله جالينوس في ذلك فإنه ذكر في كتابه المعروف بتعرف المرء عيوب نفسه " أنه لما كل إنسان يجب نفسه خفيت عليه معايبهولم يرها وإن كانت ظاهرة "

стр. 180

وأشار في كتابه هذا بان يختار من يحب أن يبرأ من العيوب صديقا كاملا فاضلا فيخبره بعد طول المؤانسة إنه إنما يعرف صدق مودته إذا أصدقه عن عيوبه حتى يتجنبها ويأخذ عهده على ذلك ولا يرضى منه إذا قال له لا أعرف لك عيبا بل ينكر عليه ويعلمه أنه قد أتهمه بالخيانة ويعاود مسئلته والإلحاح عليه. فإذا لم يخبره من عيوبه زاد في العتب الصريح وافلحاح قليلا فإذا أخبره ببعض ما يعثر عليه منه فلا يظهر له في وجهه أو كلامه نكرة ولا انقباضا بل يبسط له وجهه ويظهر السرور بما أخرجه إليه ونبهه عليه ويشكره على الأيام وفي أوقات المؤانسة ليتطرق له إلى إهداء مثله إليه ثم يعالج ذلك العيب بما يزيل أثره ويمحو ظله ليعلم ذلك المهدي إليك عيبك أنك من وراء نفسك وفي طريق علاج مرضك فلا ينقض عن معادوتك ونصيحتك. وهذا الذي أشار به جالينوس معوز غير موجود ولا مطموع فيه. وفلعل العدو في هذا الموضع أنفع من الصديق فإن العدو لا يحتشمنا في إظهار عيوبنا بل يتجاوز ما يعرف منا إلى التحرض والكذب فيها. فلنتنبه على كثير من عيوبنا من جهتها بل نتجاوز إلى ذلك أن نتهم نفوسنا بما ليس فيها. ولجالينوس أيضا مقالة يقول فيها أن خيار الناس ينتفعون بأعدائهم وهذا صحيح لا يخالفه فيه أحد وذلك لما ذكرناهز فأما ما اختاره أبو يوسف بن إسحاق الكندي في ذلك فهو ماحكاه بألفاظه وهو هذا قال: (ينبغي لطالب الفضيلة لنفسه أن يتخذ صور جميع معارفه من الناس مرآة له تريه صور كل واحد منهم عندما تعرض له آلام الشهوات التي تثمر السيئات حتىلا يغيب عنه شيء من السيئات التي له.
следующие страницы →