← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12720

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ابن مسكويه

Полный текст (210 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وكذلك من خاطر بنفسه في وقت الأمن والطمأنينة بأن يثب من سطح عال أو يصعد مرتقى صعبا أو يحمل نفسه على خوض ماء غزير وهو لا يحسن السباحة أو يساور جملا هائجا أو ثورا صعبا او فرسا لم يرض من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك بل مرآة بالشجاعة وإظهار مرتبة الشجعان فهو بأن يسمى مطرمذا مائقا أولى منه بأن يسمى شجاعا. وأما من خنق نفسه خوفا من الفقر أو الذل أو أهلكها بالسم وما أشبهه من باب الضيم فهو بأن يوصف بالجبن أولى منه بأن يوصف بالشجاعة. وذلك أن الإقدام وقع منه بطبيعة الجبن لا بطبيعة الشجاعة فإن الشجاع يصير على مايرد عليه من الشدائد صبرا جميلا ويعمل أعمالا تليق بتلك الحال كما شرحناه فيما تقدم. ولذلك يجب أن يعظم الشجاع ويشح بنفسه وحقيق على السلطان خاصة والقيم بأمر الدين والملك أن ينافس فيه ويجل قدره ويعلي خطره ويميزه عن سائر من يتشبه به ممن ذكرناه. فقد تبين من جميع ما قلناه أن الشجاع هو الذي يستهين بالشدائد في الأمور الجميلة ويصبر على الأمور الهائلة ويستخف بما يستعظمه عوام الناس حتى بالموت لإختيار الأمر الأفضل ولا يحزن على مالا درك فيه ولا يضطرب عندما يفدحه من المصائب ويكون غضبه إذا غضب بمقدار ما يجب وعلى من يجب وفي الوقت الذي يجب. وكذلك يكون انتقامه على هذه الشرائط فإن الحكماء قالوا أن من لاينتقم يلحق قلبه ذبول فإذا انتقم عاد إلى حالته من النشاط وهذا الإنتقام إذا كان بحسب الشجاعة كان محمودا وإذا لم يكن كذلك كان مذموما.

стр. 107

فقد نقل إلينا في الأخبار المأثورة عمن أقدم على سلطان قوي ورام أن ينتقم منه فأهلك نفسه من غير أن يضر سلطانه روايات كثيرة وكذلك حال من أقدم على قرن قوي أو خصم ألد لا يستطيع مقاومته فإن الإنتقام منه يعود وبالا عليه وزيادة في الذل والعجز. فإذا ليست تنم شرائط الشجاعة والعفة إلا للحكيم الذي يستعمل كل شيء في موضعه الخاص به ويقدر أقساط العقل له. فكل شجاع عفيف حكيم وكل حكيم شجاع عفيف وهذه الحال بعينها تظهر فيمن عمل عمل الإسخياء وليس بسخي. وذلك أن من بذل أمواله في شهواته طلبا للسمعة والرياء أو تقربا إلى السلطان أو لدفع مضرة عن نفسه وحرمه وأولاده أو بذلها لمن لا يستحق من أهل الشر أوالملهين أو المساخرين أو بذلها لطمع في أكثر منها على سبيل التجارة والمرابحة فكل هؤلاء يعمل عمل الإسخياء وليس بسخي. أما بعضهم فيبذل ماله بطبيعة الشره وأما بعضهم فبطبيعة الطرمذة والرياء وبعضهم على طريق الإزدياد من المال والربح فيه وأما بعضهم فعلى سبيل التبذير وقلة المعرفة بقدر المال. وهذا أكثر ما يعرض للوارث ولمن لا يتعب في اكتساب المال فلا يعرف صعوبة الأمر فيه. وذلك أن المال صعب الإكتساب سهل الإنفاق والتفرقة قد شبهه الحكماء بمن يرفع حملا ثقيلا إلى قلة جبل ثم يرسله فإن الأمر في ترقيته واصعاده صعب ولكن إرساله من هناك أمر سهل.

стр. 108

الحاجة إلى المال واكتسابه بالطرق الشريفة العادلة الحاجة إلى المال ضرورية في العيش وهو نافع في إظهار الحكمة والفضيلة ومن اكتسبه من وجهه صعب عليه. وذلك أن المكاسب الجميلة قليلة ووجوهها يسيرة عند الرجل العادل الحر وأما غير العادل الحر فليس يبالي كيف اكتسبه ومن أين وصل إليه ولأجل ذلك يوجد كثير من الأحرار والفضلاء ناقصي الحظ منه. ويوجدون أيضا ذامين للبخت شاكين منه، وأما أضدادهم فلأجل أنهم يكتسبون المال من وجوه الخيانات ولا يبالون كيف وصل إليهم فإنهم يوجدون أبدا وافري الحظ منه وأسمى النفقات شاكرين لبخوتهم والعامة يغبطونهم ويحسدونهم. إلا أن لعاقل إذا رأى نفسه وهو برىء من المذمات نقي العرض من السوآت لم يتدنس بالقبيح منالمكاسب ولم يتطرق إليه بخيانة ولا سرقة ولا ظلم لمن هو دونه أو مثله وتجنب فيه وجوه العار والفضائح كالقيادة والخداع وترويج السلع القبيحة علىالملوك واستنزالهم عن أموالهم بالخدع والمكر ومساعتهم على الفواحش وتحسين القبائح فيما يوافق هواهم، وما يجري مجرى ذلك من السعاية والنميمة والغيبة وضروب الفساد التي يرتكبها طلاب المال من غير وجهه بضروب المغابنات ووجوه الظلم يسر بنفسه ويعتاض من المال الراحة والمحمدة فلا يلوم البخت ولا يبغض الدول ولا يحسد أصحاب الأموال المكتسبة من غير وجوهها الجميلة.

стр. 109

فهذه أحوال المكتسبين للأموال ومنفقيها وكذلك حال من عمل عمل العدول وليس بعدل. وذلك أنه إذا عدل في بعض الأمور مراآة ليصل به إلى كرامة أو مال أو غير ذلك من الشهوات أو لغرض آخر مما عددناه فيما تقدم فليس يسمي عادلا وإنما يعمل عمل العدول للغرض الذي يقصده. وينبغي أن ينسب فعله إلى غرضه فإنه بحسب هذا يفعل ذلك كما قلنا وشرحنا. العادل فأما العادل بالحقيقة فهو الذي قواه وأفعاله وأحواله كلها حتى لا يزيد بعضها على بعض ثم يروم ذلك فيما هوخارج عنه من المعاملاب والكرامات ويقصد في جميع ذلك فضيلة العدالة نفسها لا غرضا آخر سواها وإنما يتم له ذلك إذا كانت له هيئة نفسانية أدبية تصدر عنها أفعاله كلها بحسبها. ولما كانت العدالة وسطا بين أطراف وهيئة يقتدر بها على رد الزائد والناقص إليها صارت أتم الفضائل وأشبهها بالوحدة. وأعني بذلك أن لوحدة هي التي لها الشرف الأعلى والرتبة القصوى. وكل كثرة لا يضبطها معنى يوحدها فلا قوام لها ولا نبات. والزيادة والنقصان والكثرة والقلة هي التي تفسد الأشياء إذا لم يكن بينها مناسبة تحفظ عليها الإعتدال بوجه ما. فالإعتدال هو الذي يرد إليها ظل الوحدة ومعناها. وهو الذي يلبسها شرف الوحدة ويزيل عنها رذيلة الكثرة والتفاوت والإضطراب الذي لا يحد ولا يضبط بالمساواة التي هي خليفة الوحدة في جميع الكثرات واشتقاق هذا الإسم يدلك على معناه.

стр. 110

وذلك أن العدل في الأحمال والإعتدال في الأثقال والعدالة في الأفعال مشتقة من معنى المساواة والمساواة هي أشرف النسب المذكورة في صناعة الأرتماطيقي ولذلك لا تنقسم ولا يوجد لها أنواع وإنما هي وحدة في معناها أو ظل للوحدة. فإذا لم نجد المساواة التي هي المثل بالحقيقة في الكثرة عدلنا إلى النسب المذكورة التي تنحل إليها وتعود إلى حقيقتها. وذلك أنا حينئذ نضطر إلى ان نقول نسبة هذا إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا. ولذلك لا توجد النسبة إلا بين أربعة أو ثلاثة يتكرر فيها الوسط فتصير أيضا أربعة والنسبة الأولى تسمى منفصلة والثانية تسمى متصلة. ومثال الأولى اب ج د فنقول نسبة (١) إلى (ب) إلى (د) . ومثال الثانية أن نأخذ الباء مشتركا فنقول نسبة (١) إلى (ب) كنسبة (ب) إلى (ج) وهذه النسبة توجد بين ثلاثة أشياء. وهي النسبة العددية والنسبة المساحية والنسبة التأليفية وجميع ذلك مبين مشروح في المختصر الذي عملناه في صناعة العدد. وأما سائر النسب فراجعة إليها ولذلك عظمها الأوائل واستخرجوا بها العلوم الجمة الشريفة ولما كانت نسبة المساواة عزيزة لأنها نظيرة الوحدة عدلنا إلى حفظ هذه النسب الأخر في الأمور الكثيرة التي تلابسها لأنها عائدة إليها وغير خارجة عنها فنقول:

стр. 111

مواضع العدالة إن العدالة موجودة في ثلاثة مواضع: أحدها قسمة الأموال والكرامات والثاني قسمة المعاملات الإرادية كالبيع والشراء والمعاوضات. والثالث قسمة الأشياء التي وقع فيها ظلم وتعد. فأما العدالة في الأمور التي تكون في القسم الأول فتكون بالنسبة المنفصلة التي بين الأربعة أعني أن تكون نسبة الأول إلى الثاني كنسبة الثالث إلى الرابع. مثال ذلك أن يقال نسبة هذا الإنسان إلى هذه الكرامة أو إلى هذا المال كنسبة كل من كان في مثل مرتبته إلى مثل قسطه فإذا يجب أن يوفر علهي ويسلم، وأما في الأمور التي تكون في القسم الثاني أعني المعاملات والمعاوضات فيكون بالنسبة المنفصلة مرة وبالنسبة المتصلة له أخرى. مثاله أن تقول نسبة هذا البزاز إلىهذا الإسكاف كنسبة هذا الثوب إلى هذا لخف ثم ليس يمنع مانع أن تقول نسبة البزار إلى الإسكاف كنسبة الإسكاف إلى النجار أو تقول: نسبة الثوب إلى الخف كنسبة الخف إلى الكرسي. ويتبين لك من هذين المثالين أن النسبة الأولى تكون بالعمق فقط والنسبة الثانية تكون بالعرض والعمق جميعا أعني أن الأولى تقع بين الكليين والجزئيين وهو بالعمق أشبه. والثانية تقع بالعرض في الجزئيين وقد تقع بين الكلين والجزئيين أيضا.

стр. 112

وأما العدالة التي تقع في المظالم والأمور القسمية فهي بالنسبة المساحية أشبه وذلك أن الإنسان متى كان على نسبة من إنسان آخر فأبطل هذه النسبة بحيف أو ضرر يلحقه به، فإن العدالة توجب أن يلحق به ضرر مثله ليعود التناسب إلى ما كان عليه. فالعادل من شأنه أن يساوي بين الأشياء الغير المتساوية. مثال ذلك أن الخط إذا قسم بقسمين غير متساويين نقص من الزائد وزاد على الناقص حتى يحصل له التساوي ويذهب عنه معنى القلة والكثرة ومعنى الزيادة والنقصان وكذلك الخفة والثقل وجميع ما أشبه ذلك. ولكن ينبغي أن يكون عالما بطبيعة الوسط حتى يمكنه أن يرد الطرفين إليه مثال ذلك الربح والخسران فإنهما في باب المعاملات طرفان أحدهما زيادة والآخر نقصان فإذا أخذ أقل مما يجب صار إلى جانب النقصان وإن أخذ أكثر مما يجب كان خارجا إلى جانب الزيادة. لزوم الشريعة في المعاملات والشريعة هي التي ترسم في كل واحد من هذه الأشياء التوسط والإعتدال لأن الناس هم مدنيون بالطيع ولا يتم لهم عيش إلا بالتعاون فيجب أن بعضهم يخدم بعضا ويأخذ بعضهم من بعض ويعطي بعضهم بعضا فهم يطلبون المكافأة المناسبة.

стр. 113

فإذا أخذ الإسكاف من النجار عمله وأعطاه عمله فهي المعاوضة إذا كان العملان متساويين ولكن ليس يمنع مانع أن يكون عمل الواحد خيرا من عمل الآخر فيكون الدينار هو المقوم والمسوي بينهما. فالدينار هو عدل ومتوسط إلا انه ساكت والإنسان الناطق هو الذي يستعمله ويقوم به جمي الأمور التي تكون بالمعاملات حتى تجري على إستقامة ونظام ومناسبة صحيحة عادلة. ولذلك يستعان بالحاكم الذي هو عدل ناطق إذا لم يستقم الأمر بين الخصمين بالدينار الذي هو عدل ساكت وأرسطوطاليس يقول: ﴿إن الدينار ناموس عادل " ومعنى الناموس في لغته السياسية والتدبير وما أشبه ذلك. فهو يقول في كتابه المعروف بنيقوماخيا " إن الناموس الأكبر هو من عند الله ﵎ والحاكم ناموس ثاني من قبله والدينار ناموس ثالث. فناموس الله تعالى قدوة النواميس كلها " يعني الشريعة والحاكم الثاني مقتد به والدينار مقتد ثالث وإنما قومت الأشياء المختلفة بالأثمان المختلفة لتصح المشاركات والمعاملات ويتبين وجه الأخذ والإعطاء. فالدينار هو الذي يسوي بين المختلفات ويزيد في شيء وينقص في آخر حتى يحصل بينهما الإعتدال فتستوي المعاملة بين الفلاح والنجار مثلا. وهذا هو العدل المدني وبالعدل المدني عمرت المدن وبالجور المدني خربت المدن. وليس يمنع مانع من أن يكون عمل يسير يساوي عملا كثيرا

стр. 114

مثلا ذلك ان المهندس ينظر نظرا قليلا ويعمل عملا يسيرا ويساوي نظره هذا عملا كثيرا من أقوام يكدون بين يديه ويعلمون بما يرسمه. وكذلك صاحب الجيش يكون تدبيره ونظره يسيرا ولكنه يساوي أعمالا كثيرة مما يحارب بين يديه ويعمل الأعمال الثقيلة العظيمة. فالجائر يبطل التساوي وهو عند أرسطوطاليس على ثلاث منازل. فالجائر الأعظم هو الذي لا يقبل الشريعة ولا يدخل تحتها. والجائر الثاني هو الذي لا يقبل قول الحاكم العادل في معاملاته وأموره كلها. والجائر الثالث هو الذي لا يكتسب ويغتصب الأموال فيعطي نفسه أكثر مما يجب لها وغيره أقل مما يجب له قال: " فالمستمسك بالشريعة يعمل بطبيعة المساواة فيكتسب الخير والسعادة من وجوه العدالة لأن الشريعة تأمر بالأشياء المحمودة لأنها من عند الله عزوجل فلا تأمر إلا بالخير وإلا بالأشياء التي تفعل السعادة. وهي أيضا تنهى عن الرداآت البدنية وتأمر بالشجاعة وحفظ الترتيب والثبات في مصاف الجهاد. وتأمر بالعفة وتنهى عن الفسوق وعن الإفتراء والشتم والهجر وبالجملة تأمر بجميع الفضائل وتنهى عن جميع الرذائل. فالعادل يستعمل العدالة في ذاته وفي شركائه المدنيين " والجائر يستعمل الجور في ذاته وفي أصدقائه ثم في جميع شركائه المدنيين قال: ﴿وليست العدالة جزءا من الفضيلة بل هي الفضيلة كلها ولا الجور ظاهر ينفعل بالإرداة مثل ما يكون في البيع والشراء والكفالات والقروض والعواري. وبعضها خفي ينفعل أيضا بالإرادة مثل السرقة والفجور والقيادة وخداع المماليك وشهادة الزور وبعضها غشمى على سبيل التغلب مثل التعذيب بالدهق والقيود والأغلال.

стр. 115

الإمام العادل فالإمام العادل الحاكم بالسوية يبطل هذه الأنواع ويخلف صاحب الشريعة في حفظ المساواة فهو لا يعطي ذاته من الخيرات أكثر مما يعطي غيره. ولذلك قيل في الخبر أن الخلافة تطهر الإنسان. قال فأما العامة فإنها تؤهل لمرتبة الإمامة التي هي الخلافة العامة بما ذكرناه. من كان شريفا في حسبه ونسبه وبعضهم يؤهل لذلك من كان كثير المال. وأما العقلاء فإنهم يؤهلون لذلك من كان حكيما فاضلا فإن الحكمة والفضيلة هي التي تعطي الرياسات والسيادات الحقيقية وهي التي رتبت الثاني والأول في مرتبتيهما وفضلتهما. أسباب المضرات وأسباب المضرات كلها تتفنن إلى أربعة أنواع. أحدها الشهوة والرداءة التابعة لها. والثاني الشرارة والجور التابع لها. والثالث الخطاء ويتبعه الحزن والرابع الشقاء،

стр. 116

أما الشهوة فإنها تحمل الإنسان على الأضرار بغيره إلا أنه لا يكون مؤثرا له ولا ملتذا به. ولكنه يفعله ليصل به إلى شهوته وربما كان متألما به كارها له إلا أن قوة الشهوة تحمله على إرتكاب ما يرتكبه. وأما اشرير فإنه يتعمد الأضرار بغيره على سبيل الإيثار له والإلتذاذ به. كمن يسعى إلى السلطان ويحمله على إزالة نعمة لا يصل إليه منها شيء. ولكن يلتذ بالمكروه الذي يصل إلى غيره. وأما الخطأ فإن صاحبه لا يقصد الأضرار بغيره ولا يؤثره ولا يلتذ به بل بقصد فعلا ما فيعرض منه فعل آخر. وصاحب الفعل يحزن ويكتئب لما أتفق إليه من الخطاء. وأما الشقاء فصاحبه لا يكون هذا مبدأ فعله ولا له فيه صنع بالقصد. بل يوقعه فيه سبب آخر من خارج. وذلك كمن تصدم به دابته صديقا له فتقتله. فهذا يسمى شقيا وهو مرحوم معذور لا يجب عليه عتب ولا عقوبة. وأما السكران والغضبان والغيران إذا فعلوا فعلا قبيحا فإنهم يستحقون العتب والتفويه لأن مبتدأ أفعالهم منهم. وذلك أن السكران باختياره أزال عقله والغضبان والغيران اختارا الإنقياد بهاتين القوتين إذا هاجتا بهما، ونعود إلى ما كنا فيه من ذكر العدالة فنقول:

стр. 117

تقسيم العدالة إن ارسطوطاليس قسم العدالة إلى أقسام ثلاثة: أحدها ما يقوم به الناس لرب العالمين. وهو أن يجري الإنسان فيما بينه وبين الخالق عزوجل على ما ينبغي وبحسب ما يجب عليه من حقه وبقدر طاقته. وذلك أن العدل إذا كان هو اعطاء ما يجب من يجب كما يجب. فمن المحال ان لا يكون لله تعالى الذي وهب لنا هذه الخيرات العظيمة واجب ينبغي أن يقوم به الناس. والثاني ما يقوم به بعض الناس لبعض من أداء الحقوق وتعظيم الرؤساء وتأدية الآمانات والنصفة في المعاملات. والثالث ما يقومون به من حقوق أسلافهم مثل أداء الديون عنهم وإنفاذ وصاياهم وما أشبه ذلك فهذا ما قاله ارسطوطاليس وأما تحقيق ما قاله، مما يجب لله وإن كان ظاهرا فأنا نقول فيه ما يليق بهذا الموضع. وهو أن العدالة لما كانت تظهر في الأخذ والإعطاء وفي الكرامة التي ذكرناها. وجب أن يكون لما يصل إلينا من عطيات الخالق ونعمه التي لا تحصى حق يقابل عليه.

стр. 118

وذلك أن من أعطى خيرا ما وإن كان قليلا ثم لم ير أن يقابله بضرب من المقابلة فهو جائر. فكيف به إذا أعطى جما كثيرا وأخد أخذا دائما ثم لم يعط في مقابلته شيء البتة. ثم على قدر النعمة التي تصل إلى الإنسان يجب أن يكون إجتهاده في المقابلة عليها. مثال ذلك أن الملك الفاضل إذا أمن السرب وبسط العدل وأوسع العمارة وحمى الحريم وذب عن الحوزة ومنع من التظالم ووفر الناس على ما يختارونه من مصالحهم ومعايشهم. فقد أحسن إلى كل واحد من رعيته إحسانا يخصه في نفسه وإن كان قد عمهم بالخير واستحق من كل واحد منهم أن يقابله بضرب من المقابلة متى قعد عنه كان جائرا إذ كان يأخذ نعمته ولا يعطيه شيئا. لكن مقابلة الملك الفاضل من رعيته إنما تكون بإخلاص الدعاء ونشر المحاسن وجميل الشكر وبذل الطاعة وترك المخالفة في السر والعلانية والمحبة الصادقة والإئتمام بسيرته نحو الإستطاعة والإقتداء به في تدبير منزله وأهله وولده وعشيرته فإن: نسبة الملك إلى مدينته ورعيته كنسبة صاحب المنزل إلى منزله وأهله. فمن لم يقابل ذلك الإحسان بهذه الطاعة والمحبة فقد جار وظلم وهذا الظلم وإن كان في نفسه قبيحا فإن مراتبه كثيرة. لأن مقابلة كل نعمة إنما تكون بحسب منزلتها وموقعها وبقدر فائدتها وعائدتها وعلى مقدار عددها. فإن كانت النعم كثيرة العدد وعظيمة الوقع فكيف يكون حال من لا يلزم لها حقا ولا يرى عليها مقابلة بطاعة ولا شكر ولا محبة صادقة ولا مسعاة صالحة.

стр. 119

فإذا كان هذا معروفا غير منكور واجبا غير مجحود في ملوكنا ورؤسائنا. فبالأحرى أن يكون لملك الملوك الذي يصل إلينا في كل طرفة عين ضروب إحسانه الفائض على أجسامنا ونفوسنا التي لا يقع عليها إحصاء ولا عدد من الحقوق الواجب علينا القيام بها والنهوض بتأديتها، أترانا نجهل النعمة الأولى علينا بالوجود ثم تتابعها متواترة بعد ذلك بالخلق الجسداني الذي أفنى فيه صاحب كتابي التشريح ومنافع الأعضاء ألف ورقة ثم لم يبلغ بعض ما عليه كنه الأمرز أم ترانا نجهل م اوهب لنا من نفوسنا وما ركب فيها من القوى والملكات التي لا نهاية لها وما أمدها به من فيض العقل ونوره وبهائه وبركاتهز وما عرضنا به للملك الأبدي والنعيم السرمدي (لا) لعمري ما يجهل هذه النعمة إلا النعم. فإما الإنسان فيعرف من ذلك ما يضطره إليه مشاهدة أحواله في جميع أوقاته، وإذا كان الخلاق تعالى غنيا عن معونتنا ومساعينا فمن المحال القبيح والجور الفاحش أن نلتزم له نحن حقا ولا نقابله على هذه الآلاء والنعم بما يزيل عنا سمة الجور والخروج عن شريطة العدل. ما يجب على الإنسان لخالقه إن أرسطوطاليس لم ينص في هذ١االموضع علىالعبادة التي يجب أن نلتزمها لخالقنا غير أ، هـ قال ما معناه وقد اختلفت لناس فيما ينبغي أن يقوم بهالمخلوقون لخالقهم

стр. 120

فبعضهم رأى أنه صلوات وصيام وخدمة هياكل ومصليات وقرابين. وبعضهم رأى أن يقتصر على الإقرار بربوبيته والإعتراف بإحسانه وتمجيده بحسب استطاعته وبعضهم رأى أن يتقرب إليه بأن يحسن إلى نفسه بتزكيتها وحسن سياستها. والإحسان إلى المستحقين من أهل نوعه بالمواساة ثم بالحكمة وبعضهم رأى اللهج بالفكر في الإلهيات والتصرف نحو المحاولات التي يتزايد بها الإنسان من معرفة ربه حتى تتكامل معرفته به وبحقيقة وحدانيته وصرف الوكد إليه. وبعضهم رأى أن الواجب للرب جل ذكره على الناس ليس سبيله واحدا ولا هو شيء بعينه يلتزمه الجميع التزاما واحدا وعلى مثال واحد لكنه يختلف بحسب اختلاف طبقات الناس ومراتبهم من العلم فهذا ما قاله أرسطوطاليس بألفاظه المنقولة إلى العربية. وأما الحدث من الفلاسفة فإنهم قالوا إن عبادة الله عزوجل على ثلاثة أنواع. أحدها فيما يجب له على الأبدان كالصلاة والصيام والسعي إلى المواقف الشريفة لمناجاة الله عزوجل. والثاني فيما يجب له على النفوس كالإعتقادات الصحيحة وكالعلم بتوحيد الله عز إسمه وما يستحقه من الثناء والتمجيد وكالفر فيما أفاضه على العالم من وجوده وحكمته ثم الإتساع في هذه المعارف. والثالث فيما يجب له عند مشاركات الناس في المدن وهي في المعاملات والمزارعات والمناكح وفي تأدية الأمانات مع نصيحة البعض للبعض بضروب المعاونات وعند جهاج الأعداء والذب عن الحريم وحماية الحوزة قالوا فهذه هي العبادات وهي الطرق المؤدية إلى الله .

стр. 121

وهذه الأنواع وإن كانت معدودة ومحصورة فإنها منقسمة إلى أنواع كثيرة وأقسام غير محصاة، وللإنسان مقامات ومنازل عند الله . فالمقام الأول للموقنين وهو رتبة الحكماء وأجلة العلماء. والمقام الثاني مقام المحسنين. وهو رتبة الذين يعملون بما يعملون. وهو ما ذكرناه في كتابنا هذا من الفضائل والعمل بها والمقام الثالث مقام الأبرار وهو رتبة المصلحين وهؤلاء هم خلفاء الله بالحقيقة في إصلاح العباد والبلاد. والمقام الرابع مقام الفائزين وهو رتبة المخلصين في المحبة وإليها ننتهي رتبة الإتحاد وليس بعدها منزلة ولا مقام لمخلوق ويسعد الإنسان بهذه المنازل إذا حصلت له أربع خلال. أولها الحرص والنشاط والثاني العلوم الحقيقة والمعارف اليقينية. والثالث الحياء من الجهل ونقصان القريحة اللذين يحدثان بالإهمال. والرابع لزوم هذه الفضائل والترقي فيها دائما بحسب الإستطاعة فهذه أسباب الإتصال.

стр. 122

أسباب الإنقطاع عن الله وأما أسباب الإنقاطات عن الله والمساقط وهي التي تعرف باللعاين. فأولها السقوط الذي يستحق به الأعراض وتتبعه الإستهانة. والثاني السقوط الذي يستحق به الحجاب ويتبعه الإستخفاف، والثالث السقوط الذي يستحق بالطرد ويتبعه المقت. والرابع السقوط الذي يستحق به الخسأة ويتبعه البغض. وإنما يشقى لاعبد إذا حصل على أربع خلال. أولها الكسل والبطالة ويتبعهما ضياع الزمان وفناء العمر بغير فائدة إنسانية. والثاني الغباوة والجهل المتولدان عن ترك النظر ورياضة النفس بالتعاليم التي أحصيناها في كتاب مراتب السعادات. والثالث الوقاحة التي ينتجها إهمال النفس إذا تتبعت الشهوات وترك زمامها لركوب الخطايا والسيئات، والرابع الإنهماك الذي يحدث من الإستمرار في القبائح وترك الإنابة وهذه الأنواع الأربعة مسماة في الشريعة بأربعة أسماء، فالأول هو الزيغ والثاني هو الرين والثالث هو الغشاوة، والرابع هو الختم. ولكل واحدة من هذه الشقاوات علاج خاص سنذكره عند مدواة أسقام النفس حتى تعود إلى الصحة بإذن الله . وهذه الأشياء التي عددناها الآن لاخلاف بين الحكماء فيها وبين أصحاب الشرائع وإنما تختلف بالعبارات والإشارات إليها بحسب اللغات.

стр. 123

وأفلاطون يقول إنالعدالة إذا حصلت للإنسان أشرق بهاكل واحد واحد من أجزاء النفس وذلك لحصول فضائلها أجمع فيها فيحنئذ تنهض النفس فتؤدي فعلها الخاص بها على أفضل ما يكون وهو غاية قرب الإنسان السعيد من الإله تقدس إسمه. قال والعدالة توسط ليس على جهة التوسط الذي في الفضائل التي تقدم ذكرها. لكن لأنها في الوسط والجور في الطرفين. وإنما صار الجور في الطرفين لأنه زيادة ونقصان. وذلك أن من شأن الجور طلب الزيادة والنقصان معا. أما الزيادة فمن النافع على الإطلاق. وأما النقصان فمن لاضار فلذلك يكون الجائر مستعملا للزيادة والنقصان إما لنفسه فيستعمل الزيادة في النافع. وأما لغيره فيستعمل النقصان منه، وأما في الضار فبالضد وعلى العكس. وذلك أنه إما لنفسه فيستعمل النقصان وإما لغيره فيستعمل الزيادة والفضائل التي قلنا أنها أوساط بين الرذائل وهي غايات ونهايات. وذلك أن الوسط ههنا نهاية لها من كل جهة فهو في غاية البعد منها ولذلك متى بعد عن الوسط زيادة بعد قرب من رذيلة كما قلناه فيما تقدم. فقد تبين من جميع ما قدمنا أن الفضائل كلها إعتدالات وأن العدالة إسم يشملها ويعمها كلها وأن الشريعة لما كانت تقدر الأفعال الإرادية التي تقع بالروية الإلهي صار المتمسك بها في معاملاته عدلا والمخالف جائرا. فلهذا قلنا ان العدالة لقب للمتمسك بالشريعة، إلا أنا قد قلنا مع ذلك انها هيئة نفسانية تصدر عنها هذه الفضيلة. فتصور الهيئة النفسانية فإنك سترى رؤية واضحة أن صاحبها ينقاد ولا محالة للشريعة طوعا ولا يضادها بنوع من أنواع التضاد وذلك أنه إذا حافظ على المناسبات التي ذكرناها لأنها مساواة وآثرها بعد إجالة الرأي فيها على سبيل الإختيار لها والرغبة فيها وجب عليه موافقة الشريعة وترك مخالفتها.

стр. 124

وأقل ماتكون المساواة بين اثنين ولكنها تكون في معاملة مشتركة بينهما وهو الشيء الثالث وربما كانا شيئين كما قلنا فتصير المناسبات كما بينا بين أربعة أشياء. وينبغي أن يعلم ان هذه الهيئة النفسانية هي غير الفعل وغير المعرفة وغيرة القوة. أما الفعل فلأنّا قد بينا انه قد يقع على غير هيئة نفسانية. كمن يعمل أعمال العدالة وليس بعادل وكمن يعمل أعمال الشجاعة وليس بشجاع وأما القوة والمعرفة فلان كل واحدة منهما هي بعينها للضدين معا. فإن العلم بالضدين واحد وكذلك القوة على الضدين قوة واحدة. وأما لاهيئة القابلة لأحد الضدين فهي غير الهيئة القابلة للضد الآخر. ومثال ذلك هيئة الشجاعة فإنها غير هيئة الجبن وكذلك هيئة العفة غير هيئة الشره وهيئة العدالة غير هيئة الجور. ثم إن العدالة والخيرية يشتركان في باب المعاملات والأخذ والإعطاء. إلا أن العدالة تقع في اكتساب المال على الشرائط التي قدمنا القول فيها. والخيرية تقع في إنفاق المال على الشرائط التي ذكرناها أيضا ومن شأن من يكتسب أن يأخذ فهو بالمنفعل أشبه ومن شأن المنفق أن يعطي فهو بالفاعل أشبه. فلهذه العلة تكون محبة الناس للخير أشد من محبتهم للعادل. إلا أن نظام العالم بسبب العدالة أكثر منه بالخيرية. وخاصة الفضيلة هي في فعل الخير لا في ترك الشر وخاصة محبة الناس وحمدهم في بذل المعروف لا في جمع المال. فالخير لا يكرم المال ولا يجمعه لذاته بل ليصرفه في وجوهه التي يكتسب بها المحبات والمحامد.

стр. 125

ومن خاصة الخير أن لا يكون كثير المال لأنه منفاق ولا يكون أيضا فقيرا لأنه كسوب من حيث ينبغي وهو غير متكاسل عن الكسب ألبتة لأنه بالمال يصل إلى فضيلة الخيرية. ولذلك لا يضيع المال ولا يستعمل فيه التبذير ولا يشح أيضا فلا يستعمل التقتير: خير عادل وليس كل عادل خيرا. مسألة عويصة أولى وفي هذا الموضع مسألة عويصة سأل عنها الحكماء أنفسهم وأجابوا عنها بجواب مقنع ويمكن أن يجاب فيها بجواب آخر أشد إقناعا ويجب أن نذكر لاجميع وهو: أن لشاك أن يشك فيقول إذا كانت العدالة فعلا اختياريا يتعاطاه العادل ويقصد به تحصيل الفضيلة لنفسه والمحمدة من الناس فيجب أن يكون الجور فعلا اختياريا يتعاطاه الجائر ويقصد به تحصيل الرذيلة لنفسه ومذمة الناس. ومن القبيح الشنيع أن يظن بالإنسان العاقل أنه يقصد الأضرار بنفسه بعدالروية وعلى سبيل الإختيار. ثم أجابوا عن ذلك وحلوا هذا الشك بأن قالوا أن من ارتكب فعلا يؤديه إلى ضرر أو عذاب فإنه يكون ظالما لنفسه وضارا لها من حيث يقدر أنه ينفعها وذلك لسوء اختياره وترك مشاورة العقل فيه. مثال ذلك الحاسد فإنه ربما جنة على نفسه لأعلى سبيل إيثار الأضرار بها بل لأنه يظن أنه ينفعها في العاجل بالخلاص من الأذى الذي يلحقه من الحسد. هذا جواب القوم وأما الجواب الآخر فهو أن الإنسان لما كان ذا قوى كثيرة يسمى بمجموعها إنسانا واحدا لم ينكر أن تصدر عنه أفعال مختلفة بحسب تلك القوى. وإنما المنكر

стр. 126

أن يكون الشيء الواحد البسيط ذو القوة الواحدة تقع منه بتلك القوة أفعال مختلفة لا بحسب الآلات المختلفة ولا بقدر القابلات منه بل بتلك القوة الواحدة فقط. فهذ١ لعمري منكر شنيع ولكن الإنسان قد تبين من حاله أن له قوى كثيرة فيعمل بكل قوة عملا مخالفا للعمل بالأخرى أعني أن صاحب الغضب إذا استشاط يختار أفعالا مخالفة لأفعاله إذا كان ساكنا وديعا. وكذلك صاحب الشهوة الهائجة وصاحب النشوة الطروب فإن من شأن هؤلاء أن يستخدموا العقل الشريف في تلك الأحوال ولا يستشيرونه ولذلك تجد العاقل إذا تغيرت أحواله تلك فصار من الغضب إلى الرضا ومن السكر إلى الإفاقة تعجب من نفسه وقال ليت شعري كيف اخترت تلك الأفعال القبيحة ويلحقه الندم. وإنما ذلك لأن القوة التي تهيج به تدعوه إلى ارتكاب فعل يظنه في تلك الحال صالحا له جميلا به لتتم له حركة القوة الهائجة به. فإذا سكن عنها وراجع عقله رأى قبح ذلك الفعل وفساده. وقوى الإنسان التي تدعوه إلى ضروب الشهوات ومحبة الكرامات كثيرة جدا فهو بحسب قواه الكثيرة تكون أفعاله كثيرة. فإذا تعود الإنسان أن تكون سيرته فاضلة ولم يقدم على شيء من أفعاله إلا بعد مطالعة العقل الصريح وبعد مراعاة الشريعة القويمة كانت أفعاله كلها منتظمة غير مختلفة ولا خارجة عن سنن العدل أعني المساواة التي قدمنا القول فيها. ولهذا السبب قلنا أن السعيد هو من اتفق له في صباه أن يأنس بالشريعة ويستسلم لها ويتعود جميع ما تأمره به حتى إذا بلغ المبلغ الذي يمكنه به أن يعرف الأسباب والعلل طال الحكمة فوجدها موافقة لما تقدمت عادته به فاستحكم رأيه وقويت بصيرته ونفذت عزيمته.

стр. 127

مسألة عويصة ثانية وههنا مسألة عويصة أشد من الأولى وهو أن التفضل شيء محمود جدا وليس يقع تحت العدالة لأن العدالة كما ذكرنا مساواة ة والتفضل زيادة وقد حكمنا أن العدالة تجمع الفضائل كلها ولا مزيد عليها بل يجب أن تكون الزيادة عليها مذمومة كما أن النقصان عنها مذوم ليكون شرف الوسط الذي تقدم وصفه في سائر الأخلاق حاصلا للعدالة. فالجواب عنها ان التفضل احتياط يقع من صاحبه في العدالة ليأمن به وقوع النقص في شيء من شرائطها وليس الوسط في كلا الطرفين من الأخلاق على شريطة واحدة وذلك أن الزيادة في باب السخاء إذا لم تخرج إلى باب التبذير أحسن من النقصان فيه وأشبه بالمحافظة على شرائطه فتصير كالاحتياط فيه والأخذ بالحزم فيه. وأما العفة فإن النقصان من الوسط فيها أحسن من الزيادة عليه وأشبه بالمحافظة على شرائطه وأبلغ في الاحتياط عليه وأخذ الحزم فيه ومع ذلك فليس يستعمل التفضل إلا حيث تستعلم العدالة. وأعني بذلك أن من أعطى ماله من لا يستحق شيئا منه وترك مواساة من يستحقه لا يسمى متفضلا بل مضيعا. وإنما يكون متفضلا إذا أعطى من يستحق كل ما يستحق ثم زاده تفضلا وهذه الزيادة ليست من الزيادة التي ذكرناها في باب السخاء لأن تلك الزيادة ذهاب إلى الطرف الذي يسمى تبذيرا وهو مذموم ويعرف ذلك من حده وهو بذل مالا ينبغي كمالا ينبغي في الوقت الذي لا ينبغي.

стр. 128

فإذا التفضل غير خارج عن شرط العدالة بل هو احتياط فيها، ولذلك قيل أن المتفضل أشرف من العادل. فقد بان أن التفضل ليس غير العدالة بل هو العدالة مع الاحتياط فيها وكأنه مبالغة لا يخرجها عن معناها لأن هذه الهيئة النفسانية ليست غير تلك الهيئة بل هي. فأما الأطراف التي هي رذائل أعني الزيادة والنقصان التي سبق القول فيهما فهي كلها هيئات مذمومة غير الهيئات المحمودة. وحدود هذه الأشياء هي التي تحصل لك معانيها ومشاركة بعضها البعض. ومباينة بعضها البعض. وأيضا فإن الشريعة تأمر بالعدالة أمرا كليا وليست تنحط إلى الجزئيات وأعني بذلك أن العدالة التي هي المساواة تكون مرة في باب الكم ومرة في باب الكيف وفي سائر المقولات وبيان ذلك أن نسبة الماء إلى الهواء مثلا ليست تكون بالكمية بل بالكيفية ولو كانت بالكمية لوجب أن يكونا متساويين في المساحة ولو كانا كذلك لتغالبا وأحال أحدهما الآخر إلى ذاته. وكذلك النار والهواء ولو أحالت هذه العناصر بعضها بعضا لفنى العالم في أقرب مدة. ولكن الباري تقدس اسمه عدل بين هذه بالقوة فتقاومت فليس يغلب أحد الآخر بالكلية وإنما يحيل الجزء منهاالجزء في الأطراف أعني حيث تلتقي نهاياتها. وأما كلياتها فلا تقدر على كلياتها لأن قواها متساوية متعادلة على غاية التسوية والتعادل. وبهذا النوع من العدل قيل بالعدل قامت السموات والأرض ولو رجح أحدهما على الآخر بزيادة يسير قوة لأحال الزائد الناقص وقوى عليه فبطل العالم فسبحان القائم بالقسط لا إله إلا هو.

стр. 129

الشريعة تأمر بالعدالة ولما كانت الشريعة تأمر بالعدالة الكاملة لم تأمر بالتفضل الكلي بل ندبت إليه ندبا يستعمل في الجزئيات التي لا يمكن أن تعين عليها لأنها بلا نهاية وجزمت القول في العدالة الكلية لأنها محصورة يمكن أن تعين عليها وقد تبين أيضا مما قدمنا أن التفضل إنما يكون في العدالة التي تخص الإنسان في نفسه. أعني تسوية المعاملة أولا فيما بينه وبين غيره ثم الإستظهار فيه والإحتياط عليه بما يكون تفضلا ولو كان حاكما بين قوم ولا نصيب له في تلك الحكومة لم يجز له التفضل ولم يسعه إلا العدل المحض والتسوية الصحيحة بلا زيادة ولا نقصان. وتبين أيضا أن الهيئة التي تصدر عنها الأفعال العادلة متى نسبت إلى صاحبها سميت فضيلة وإذا نسبت إلى من يعامله بها سميت عدالة وإذا اعتبرت بذاتها سميت ملكة نفسانية. فاستعمال المر العاقل العدل على نفسه أو ما يلزمه ويجب عليه. وقد ذكرنا فيما تقدم كيف يفعل ذلك وبينا كيف يعدل قواه الكثيرة إذا هاج به بعضها وأشرنا إلى أجناس هذه القوى الكثيرة وأن بعضها يكون بالشهوات المختلفة وبعضها بطلب الكرامات الكثيرة وأنها إذا تغالبت وتهايجت حدث في الإنسان باضطرابها أنواع الشر وجذبته كل واحدة منها إلى ما يوافقها وهكذا سبيل كل مركب من كثرة إذا لم يكن لها رئيس واحد ينظمها ويوحدها.

стр. 130

وارسطوطاليس يشبه من كان كذلك بمن يجذب من جهات كثيرة فيقطع بينها وينشق بحسب تلك الجهات وقواها. وليس ينظم هذه الكثرة التي ركب الإنسان منها إلا الرئيس الواحد الموهوب له من الفطرة. أعني العقل الذي به تميز من البهائم وهو خليفة الله عنده فإن هذه القوى كلها إذا ساسها العقل انتظمت وزال عنها سوء النظام الذي يحدث من الكثرة وجميع ما ذكرنا من إصلاح الأخلاق مبني عليه. فإذا تم للإنسان ذلك أعني أن يعدل على نفسه وأحرز هذه الفضيلة فقد لزمه أن يعدل على أصدقائه وأهله وعشيرته ثم يستعمله في الأباعد وسائر الحيوان وإذ قد صح ذلك وظهر ظهورا حسيا فقد ظهر بظهوره إن شر الناس من جار على نفسه ثم على أصدقائه وعشيرته ثم على كافة الناس والحيوان لأن العلم بأحد الضدين هو العلم بالضد الآخر. فخير الناس العادل وشرهم الجائر كما تبين ذلك. وقد ادعى قوم أن نظام أمر الموجودات كلها وصلاح أحوالها معلق بالمحبة وقالوا أن الإنسان إنما اضطر إلى اقتناء هذه الفضيلة أعني الهيئة التي تصدر عنها العدالة عند تعاطي المعاملات لما فاته شرف المحبة. ولو كان المتعاملون أحباء لتناصفوا ولم يقع بينهم خلاف. وذلك أن الصديق يحب صديقه ويريد له ما يريد لنفسه ولا تتم الثقة والتعاضد والتوازر الأبين المتحابين. وإذا تعاضدوا وجمعتهم المحبة وصلوا إلى جميع المحبوبات ولم تتعذر عليهم المطالب وإن كانت صعبة شديدة. وحيئنذ ينشئون الآراء الصائبة وتتعاون العقول على استخراج الغوامض من التدابير القويمة ويتقوون على نيل الخيرات كلها بالتعاضد. وهؤلاء القوم إنما نظروا إلى فضيلة التأحد التي تحصل بين الكثرة ولمعرى انها اشرف غايات أهل المدينة.

стр. 131

وذلك أنهم إذا تحابوا تواصلوا وأراد كل واحد منهم لصاحبه مثل ما يريده لنفسه فتصير القوى الكثيرة واحدة ولم يتعذر على أحد منهم رأى صحيح ولا عمل صواب ويكون مثلهم في جميع ما يحاولونه مثل من يريد تحريك ثقل عظيم بنفسه فلا يطيق ذلك. فإن استعان بقوة غيره حركه. ومدبر المدينة إنما يقصد بجميع تدابيره إيقاع المودات بين أهلها وإذا تم له هذا خاصة فقد تمت له جميع الخيرات التي تتعذر عليه وحده على أفراد أهل مدينته وحينئذ يغلب أقرانه ويعمر بلدانه ويعيش وهو ورعيته مغبوطين. ولكن هذا التأحد المطلوب بهذهالمحبة المرغوب فيهما لا يتم إلا بالآراء الصحيحة التي يرجى الإتفاق من العقول السليمة عليها والإعتقادات القوية التي لا تحصل إلا بالديانات التي يقصد بها وجه الله وأصناف المحبات كثيرة وإن كانت ترتقي كلها إلى وجه واحد وسنقول فيها بمعونة الله فيما يتلو هذه المقالة إن شاء الله.

стр. 132

المقالة الخامسة (التعاون والإتحاد)

стр. 133

قد سبق القول في حاجة بعض الناس إلى بعض وتبين أن كل واحد منهم يجد تمامه عند صاحبه وأن الضرورة داعية إلى استعانة بعضهم ببعض لأن الناس مطبوعون على النقصانات ومضطرون إلى تماماتها ولا سبيل فالحاجة صادقة والضرورة داعية إلى حال تجمع وتؤلف بين أشتات الأشخاص ليصيروا بالاتفاق والإئتلاف كالشخص الواحد الذي تجتمع أعضاؤه كلها على الفعل الواحد النافع له. المحبة وللمحبة أنواع وأسبابها تكون بعدد أنواعها. فأحد أنواعها ما ينعقد سريعا وينحل سريعا. والثاني ما ينعقد سريعا وينحل بطيئا. والثالث ما ينعقد بطيئا وينحل سريعا. والرابع ما ينعقد بطيئا وينحل بطيئا. وإنما انقسمت إلى هذه الأنواع فقد لأن مقاصد الناس في مطالبهم وسيرهم ثلاثة ويتركب بينها رابع وهي اللذة والخير والمنافع والمتركب منها. وإذا كانت هذه غايات الناس في مقاصدهم فلا محالة أنها أسباب المحبة من عاون عليها وصار سببا للوصول إليها فقد أفلح:

стр. 134

فأما المحبة التي يكون سببها اللذة فهي التي تنعقد سريعا وتنحل سريعا. وذلك أن اللذة سريعة التغير كما شرحنا أمرها فيما نقدم وأما المحبة التي سببها الخير فهي التي تنعقد سريعا وتنحل بطيئا. وأما المحبة التي سببها المنافع فهي التي تنعقد بطيئا وتنحل سريعا. وأما التي تتركب من هذه إذا كان فيها لأنها تكون بإرادة وروية وتكون فبها مجازاة ومكافأة. فأما التي تكون بين الحيوانات غير الناطقة فالأحرى بها أن تسمى ألفا وتقع بين الأشكال منها خاصة. وأما التي لا نفوس لها من الأحجار وأمثالها فليس يوجد فيها إلا الميل الطبيعي إلى مراكزها التي تخصها. وقد يوجد أيضا بينها منافرة ومشاكلة بحسب أمزجتها الحادثة فيها من عناصرها الأولى وهذه الأمزجة كثيرة وإذا وقع منها شيء يتناسب نسبة تأليفية او عددية أو مساحية حدثت بينها ضروب من المشاكلة. وإذا كان أضداد هذه النسب حدثت بينها منافرة وتحدث لها أشياء تسمى خواص وهي أفعال بديعة وهي التي تسمى أسرار الطبائع ولا سيما في النسب التأليفية فإنها أشرف النسب بعد نسبة المساواة ولها أضداد أعني هذه النسب. وهي مبينة مشروحة في صناعة الإرتماطيقي ثم في صناعة التأليف. وأما الأمزجة التي بحسب هذه النسب فهي خفية عنا وعسرة المرام وقد ادعة قوم الوصول إليها. وليست تكون هذه الأفعال والخواص التي تحدث بين الأمزجة من النسب المذكورة موجودة في العناصر أنفسها والكلام فيها خارج عن غرضنا. وإنما ذكرناها هنا لأنها تشبه المشاكلات والمنافرات التي بين الحيوان في الظاهر والنسبة التي تحدث بين الناس بالإراة وهي التي تتكلم فيها ويقع فيها مكافأة ومجازاة.

стр. 135

الصداقة الصداقة نوع من المحبة إلا أنها أخص منها وهي المودة بعينها وليس يمكن أن تقع بين جماعة كثيرين كما تقع المحبة. وأما العشق فهو إفراط في المحبة وهو أخص من المودة وذلك أنه لا يمكن أن يقع إلا بين اثنين فقط ولا يقع في النافع ولا في المركب من النافع وغيره وإنما يع لمحب اللذة بإفراد ولمحب الخير بافراط وأحدهما مذموم والآخر محمود، فالصداقة بين الأحداث ومن كان في مثل طباعهم إنما تحدث لأجل اللذة فهم يتصادقون سريعا ويتقاطعون سريعا وربما اتفق ذلك بينهم في الزمان القليل مرارا كثيرة، وربما بقيت بقدر ثقتهم ببقاء اللذة ومعاودتها حالا بعد حال. فإذا انقطعت هذه الثقة بمعلودتها انقطعت الصداقة بالوقت وفي الحال. والصداقة من المشائخ ومن كان في مثل طباعهم إنما نقع لمكان المنفعة فهم يتصادقون بسببها فإذا كانت المنافع مشتركة بينهم وهي في الأكثر طويلة المدة كانت الصداقة باقية. فحين تنقطع علاقة المنفعة بينهم وينقطع رجاؤهم من المنفعة المشتركة تنقطع موداتهم. والصداقة بين الأخيار تكون لأجل الخير وسببها هو الخير. ولما كان الخير شيئا غير متغير الذات صارت مودات أصحابه باقية غير متغيرة. وأيضا لما كان الإنسان مركبا من طبائع متضادة صار ميل كل واحد منها يخالف ميل الآخر. فاللذة التي توافق إحداها تخالف لذة الأخرى التي تضادها فلا تخلص له لذة غير مشوبة بأذى. ولما كان فيه أيضا جوهر آخر بسيط إلهي غير مخالط لشيء من الطبائع الأخرى صارت له لذة غير مشابهة لشيء من تلك اللذات وذلك أنها بسيطة أيضا.

стр. 136

والمحبة التي سببها هذه اللذة هي التي تفرط حتى تصير عشقا تاما خالصا شبيها بالوله. وهي المحبة الإلهية الموصوفة التي يدعيها بعض المتألهين وهي التي يقول فيها أرسطوطاليس حكاية عن ابرفليطس: " إن الأشياء المختلفة لا تتشاكل ولا يكون منها تأليف جيد. وأما الأشياء المتشاكلة وهي التي يسر بعضها ببعض ويشتاق بعضها إلى بعض فأقول عنها. إن الجواهر البسيطة إذا تشاكلت واشتاق بعضها إلى بعض تألفت وإذا تألفت صارت شيئا واحدا لا غيرية بينها إذ الغيرية إنما تحدث من جهة الهيولي. وأما الأشياء ذوات الهيولي وهي الإجرام فإنها وإن اشتاقت بنوع من الشوق إلى التألف فإنها لا تتحد ولا يمكن ذلك فيها. وذلك أنها تلتقي بنهاياتها وسطوحها دون ذواتها وهذا الإلتقاء سريع الإنفصال إذ كان التأحد فيه ممتنعا. وإنما تتأحد بنحو استطاعتها أعني ملاقاة سطوحها. فإذا الجوهر الإلهي الذي في الإنسان إذا صفا من كدورته التي حصلت فيه من ملابسة الطبيعة ولم تجذبه أنواع الشهورات وأصناف محبات الكرامات اشتاف إلى شبيهه ورأى بعين عقله الخير الأول المحض الذي لا تشوبه مادة فأسرع إليه وحينئذ يفيض نور ذلك الخير الأول عليه فيلتذ به لذة لا تشبهها لذة ويصير إلى معنى الإتحاد الذي وصفناه استعمل الطبيعة البدنية أم لم يستعملها. إلا أنه بعد مفارقته الطبيعة بالكلية أحق بهذه المرتبة العالية لأنه ليس يصفو الصفاء التام إلا بعد مفارقته الحياة الدنيوية. ومن فضائل هذه المحبة الإلهية أنها لا تقبل النقصان ولا تقدع فيها السعاية ولا يعترض عليها الملك ولا تكون إلا بين الأخيار فقط. وأما المحبات التي تكون بسبب المنفعة واللذة فقد تكون بين الأشرار وبين الأخيار والأشرار. إلا أنها تنقضي وتنحل مع تقضي المنافع واللذائذ لأنها عرضية

стр. 137

وكثيرا ما تحدث بالإجتماعات في المواضع الغريبة. إلا انها تزول بزوال المواضع كالسفينة وما جرى مجراها. والسبب في هذه المحبة الأنس وذلك أن الإنسان آنس بالطبع وليس بوحشي ولا نفور ومنه اشتق إسم الإنسان في اللغة العربية وقد تبين ذلك في صناعة النحو وليس كما قال الشاعر: سميت إنسانا لأنك ناس فإن هذا الشاعر ظن أن الإنسان مشتق من النسيان وهو غلط منه. وينبغي ان يعلم أن هذا الأنس الطبيعي في الإنسان هو الذي ينبغي أن نحرص عليه ونكتسبه مع أبناء جنسنا حتى لا يفوتنا بجهدنا واستطاعتنا فإنه مبدأ المحبات كلها. الشريعة تدعو إلى الأنس والمحبة وإنما وضع للناس بالشريعة وبالعادة الجميلة إتخاذ الدعوات والإجتماع في المآدب ليحصل لهم هذا الأنس. والشريعة إنما أوجبت على الناس أن يجتمعوا في مساجدهم كل يوم خمس مرات وفضلت صلاة الجماعة على صلاة الآحاد ليحصل لهم هذا الأنس الطبيعي الذي هو فيهم بالقوة حتى يخرج إلى الفعل ثم يتأكد بالإعتقادات الصحيحة التي تجمعهم. وهذا الإجتماع في كل يوم ليس يتعذر على أهل كل محلة وسكة. والدليل على أن غرض صاحب الشريعة ما ذكرناه أنه أوجب على أهل المدينة بأسرهم أن يجتمعوا في كل أسبوع يوما بعينه في مسجد يسعهم ليجتمع أيضا شمل أهل المحال والسكك في كل أسبوع كما اجتمع شمل أهل الدور والمنازل في كل يوم.

стр. 138

ثم أوجب أيضا أن يجتمع أهل المدينة مع أهل القرى والرساتيق المتقاربين في كل سنة مرتين في مصلى بارزين مصحرين ليسعهم المكان ويتجدد الأنس بين كافتهم وتشملهم المحبة الناظمة لهم. ثم اوجب بعد ذلك أن يجتمعوا في العمر كله مرة واحدة في الموضع المقدس بمكة ولم يعين من العمر وقت مخصوص ليتسع لهم الزمان وليجتمع أهل المدن المتباعدة كما اجتمع أهل المدينة الواحدة ويصير حالهم في الأنس والمحبة وشمول الخير والسعادة كحال المجتمعين في كل سنة وفي كل اسبوع وفي كل يوم فيجتمعوا بذلك إلى الأنس الطبيعي وإلى الخيرات المشتركة وتتجدد بينهم محبة الشريعة وليكبروا الله على ما هداهم ويغتبطوا بالدين القويم القيم الذي ألفهم على تقوى الله وطاعته. الخليفة يحرس الدين والقائم بحفظ هذه السنة وغيرها من وظائف الشرع حتى لا تزول عن أوضاعها هوالإمام وصناعته هي صناعة الملك. والأوائل لا يسمون بالملك إلا من حرس الدين وقام بحفظ مراتبه وأوامره وزواجره. وأما من أعرض عن ذلك فيسمونه متغلبا ولا يؤهلونه لإسم الملك وذلك أن الدين هو وضع إليه يسوق الناس باختيارهم إلى السعادة القصوى. والملك هو حارس هذا الوضع الإلهي حافظ على الناس ما اخذوا به.

стр. 139

وقد قال حكيم الفرس وملكهم ازدشير: " إن الدين والملك إخوان توأمان لايتم أحدهما إلا بالآخر " فالدين أس والملك حارس. وكل مالا أس له فمهدوم. وكل مالا حارس له فضائع. ولذلك حكمنا على الحارس الذي نصب للدين أن يتيقظ في موضعه ويحكم صناعته ولا يباشر أمره يالهوينا ولا يشتغل بلذة تخصه ولا يطلب الكرامة والغلبة إلا من وجهها. فإنه متى أغفل شيئا من حدوده دخل عليه من هنالك الخلل والوهن. وحيئنذ تتبدل أوضاع الدين ويجد الناس رخصة في شهواتهم ويكثر من يساعدهم على ذلك فتنقلب هيئة السعادة إلى ضدها ويحدث بينهم الإختلاف والتباغض فأداهم ذلك إلى الشتات والفرقة وبطل الفرض الشريف وانتقض النظام الذي طلبه صاحب الشرع بالأوضاع الإلهية فاحتيج حينئذ إلى تجديد الأمر واستئناف التدبير وطلب الإمام الحق والملك العدل ونعود إلى ذكر أجناس المحبات وأسبابها فنقول: أجناس المحبات وأسبابها إن هذه الأسباب كلها ماخلا المحبة الإلهية إذا كانت مشتركة بين المتحابين وكانت واحدة بعينها جاز في الشيئين أن ينعقدا معا وينحلا معا وجاز أيضا أن يبقى أحدهما وينحل الآخر. مثال ذلك أن اللذات المشتركة بين الرجل والمرأة هي سبب للمحبة بينهما فقد يجوز أن تجتمع المحبات لأن السبب واحد وهي اللذة.

стр. 140

وقد يجوز أن تنقطع إحداهما وتبقى الأخرى وذلك أن اللذة تتغير ولا تكاد تثبت كما تقم وصفها. فقد يجوز أن يتغير سبب إحدى المحبتين ويثبت الآخر. وايضا فإن بين الرجل وبين زوجته خيرات مشتركة ومنافع مختلفة وهما يتعاونان عليها أعني الخيرات الخارجة عنها وهي الأسباب التي تعمر بها المنازل. فالمرأة تنتظر من زوجها تلك الخيرات لأنه هو الذي يكتسبها ويحضرها. وأما الرجل فإنه ينتظر من زوجته ضبط تلك الخيرات لأنها هي التي تحفظها وتدبرها لتثمر ولا تضيع فمتى قصر أحدهما اختلفت المحبة وحدثت الشكايات ولا تزال كذلك إلى أن تتقطع أو تبقى مع الشكايات والملامة. وكذلك حال المنفعة المشتركة بين الناس إذا كانت واحدة بعينها. وأما المحبات المختلفة التي أسبابها مختلفة فهي أولى بسرعة التحلل. ومثال ذلك أن تكون محبة أحد المتحابين لأجل المنفعة ومحبة الآخر لأجل اللذة كما يعرض ذلك للمعاشرين على أن أحدهما مغن والآخر مستمع فإن المغنى منهما يحب المستمع لأجل المنفعة والمستمع منهما يحب المغنى لأجل اللذة. وكما يعرض أيضا بين العاشق والمعشوق اللذين أحدهما يلتذ بالنظر والآخر ينتظر المنفعة وهذا الصنف من المحبة يعرض فيه أبدا التشكي والتظلم. وذلك أن طالب اللذة يتعجل مطلوبه وطالب المنفعة يتأخر عنه ولا يكاد يعتدل الأمر بينهما. لذلك ترى العاشق يشكو معشوقه ويتظلم منه وهو بالحقيقة ظالم ينبغي أن يشتكي لأنه يتعجل لذته بالنظر ولا يرى المكافأة بما يستحق صاحب. والمحبة اللوامة كثيرة الأنواع غلا أن الأصل فيها ما ذكرت. ويوشك أن تكو المحبة بين الرئيس والمرؤوس والغنى والفقير تعرض لها الملامة والتوبيخ لأجل اختلاف الأسباب ولأن كل واحد ينتظر من المكافأة عند الآخر ما لا يجده عنده فيقع فساد في النيات بينهما ثم استبطاء ثم ملامات.

стр. 141

ويزيل ذلك طلب العدالة ورضاء كل واحد بما يستحقه من الآخر وبذل كل واحد للآخر العدل المبسوط بينهما. والمماليك خاصة لا يرضيهم من مواليهم إلا الزيادة الكثيرة في الإستحقاق وكذلك الموالي يستبطئون العبيد في الخمدمة والشفقة والنصيحة وفي جميع ذلك يقع اللوم وفساد الضمير. فهذه المحبة اللوامة لا يكاد يخلوا الإنسان منها إلا على شريطة العدل وطلب الوسط من الإستحقاق والرضا به وهو صعب. محبة الأخيار وأما محبة الأخيار بعضهم بعضا فإنها تكون لا للذة خارجة ولا لمنفعة بل للمناسبة الجوهرية بينهما وهي قصد الخير والتماس الفضيلة. فإذا أحب أحدهم للمناسبة الجوهرية بينهما وهي قصد الخير والتماس الفضيلة. فإذا أحب أحدهم الآخر لهذه المناسبة لم تكن بينهم مخالفة ولا منازعة ونصح بعضهم بعضا وتلاقوا بالعدالة والتساوي في إرادة الخير وهذا التساوي في النصيحة وإرادة الخير هو الذي يوحد كثرتهم. ولهذا حد الصديق بأنه آخر هو أنت إلا أنه غيرك بالشخص ولهذا صار عزيز الوجود ولم يوثق بصداقة الأحداث والعوام ومن ليس بحكيم لأن هؤلاء يحبون ويصادقون لأحل اللذة والمنفعة ولا يعرفون الخير بالحقيقة وأغراضهم غير صحيحة، وأما للسلاطين فإنهم يظهرون الصداقة على أنهم متفضلون ومحسنون إلى من يصادقهم فلا يدخلون تحت الحد الذي ذكرناه وفي صداقتهم زيادة ونقصان المساواة عزيزة الوجود عندهم.

стр. 142

وكذلك محبة الوالد للولد والولد للوالد فإن أنواع هذه المحبة مختلفة وأسبابها أيضا مختلفة كما قلنا إلا أن محبة الوالد للولد والولد للوالد وإن كان بينهما اختلاف ما من وجه فإن بينهما إتفاقا ذاتيا. وأعني بالذاتي ههنا إن الوالد يرى في ولده أنه هو هو وأنه نسخ صورته التي تخصه من الإنسانية في شخص ولده نسخا طبيعيا ونقل ذاته إلى ذاته نقلا حقيقيا. وحق له أن يرى ذلك لأن التدبير الإلهي بالسياسة الطبيعية التي هي سياسته هو الذي عاون الإنسان على إنشاء الولد وجعله السبب الثاني في إيجاده ونقل صورته الإنسانية إليه. ولذلك يحب الوالد لولده جميع ما يحبه لنفسه ويسعى في تأديبه وتكميله بكل ما فاته في نفسه طول عمره. ولا يشق عليه أن يقال له ولدك أفضل منك لأنه يرى أنه هو هو. وكما أن الإنسان إذا تزايد في نفسه حالا فحالا وترقى في الفضيلة درجة فدرجة لا يشق عليه أن يقال له إنك الآن أفضل مما كنت بل يسره ذلك كذلك تكون حاله إذا قيل له في ولده مثل ذلك. ثم تفضل أيضا محبة الوالد على محبة الولد بأنه الفاعل له وبأنه يعرفه منذ أول تكوينه ويستبشر به وهو جنين ثم تزداد محبته له مع التربية والنشأة ويتأكد سروره به وتأميله له. ويحدث له اليقين بأنه باق به صورة وأن فنى بجسمه مادة وهذه المعاني الجليلة عند أهل العلم تتراءى للعوام كأنها من وراء ستر. وأما محبة الولد للوالد فإنها تنقص عن هذه الرتبة بأن الولد مفعول وبأنه لا يعرف ذاته ولا فاعل ذاته إلا بعد زمان طويل وبعد أن يستثبت أباه حسا وينتفع به دهرا ثم يعقل بعد ذلك أمره بالصحة وعلى مقدار عقله واستبصاره في الأمور يكون تعظيمه لوالديه ومحبه لهما ولهذه العلة وصى الله الولد بوالده ولم يوص الوالد بولده. وأما محبة الأخوة بعضهم لبعض فلأن سبب تكوينهم ونشؤهم واحد بعينه.

стр. 143

نسبة الملك إلى رعيته ويجب أن تكون نسبة الملك إلى رعيته نسبة أبوية ونسبة رعيته إليه نسبة بنوية ونسبة الرعية بعضهم إلى بعض نسبة أخوية حتى تكون السياسات محفوظة على شرائطها الصحيحة. وذلك أن مراعاة الملك لرعيته هي مراعاة الأب لأولاده ومعاملته إياهم تلكالمعاملة. وقد كنا أشرنا إلى ذلك وسنزيده بيانا إذا صرنا إلى ذكر سياسة الملك في موضع آخر. وعنايته برعيته يجب أن تكون مثل عناية الأب بأولاده شفقة وتحننا وتعهدا وتعطفا خلافة لصاحب الشريعة ﷺ بل لمشرع الشريعة تعالى ذكره في الرأفة والرحمة وطلب المصالح لهم ودفع المكاره عنهم وحفظ النظام فيهم وبالجملة في كل ما يجلب الخير ويمنع الشر. فإنه عند ذلك تحبه رعيته محبة الأولاد للأب الشفيق وتحدث بينهما تلك النسبة وإنما تختلف هذه المحبات بالتفاضل الذي يكون بعظم المنافع. فيجب أن يكرم الأب كرامة أبوية. ويكرم السلطان كرامة سلطانية، ويكرم الناس بعضهم بعضا كرامة أخوية ولكل مرتبة من هذه استئهال خاص بها واستحقاب واجب لها. فإذا لم يحفظ بالعدالة زاد ونقص وعرض لها الفساد وانتقلت الرياسات وانعكست الأمور فيعترض لرياسة الملك أن تنتقل إلى رياسة التغلب ويتبع ذلك أن تنتقل محبة الرعية إلى البغض له ويعرض لرياسات من دونه مثل ذلك.

стр. 144

فتصير محبة الأخيار إلى تباغض الأشرار وتعود الألفة نفارا والتواد نفاقا ويطلب كل واحد لنفسه ما يظنه خيرا له وأن أضر بغيره وتبطل الصداقات والخير المشترك بين الناس ويؤول الأمر إلى الهرج الذي هو ضد النظام الذي رتبه الله لخلقه ورسمه بالشريعة وأوجبه بالحكمة البالغة. المحبة التي لا تطرأ عليها الآفات وأماالمحبة التي لا تشوبها الإنفعالات ولا تطرأ عليها الآفات وهي محبة العبد لخالقه فإنها إنما تخلص للعالم العرباني وحده خاصة ولا سبيل لغيره إليها إلا بالدعوى الكاذبة. وكيف يجد الإنسان السبيل غلىمحبة من لا يعرفه ولا يعرف ضروب إنعامه الدارة عليه ووجوه إحسانه المتصلة به في بدنه وفنسه اللهم إلا أن يتصور في نفسه صنما ويظنه الخالق عزوجل فيحبه ويعبده فإن اكثر الناس كما قال تعالى: (وَما يُؤمِنُ أَكثَرُهم بِاللهِ إِلا وَهُم مُشرِكون) ولعمري أن العامة تدعى المعرفة والمحبة وهم يتصورون شخصا وشبحا فتكون عبادتهم له دون الله وهذا هو الضلال البعيد. ومدعو هذه المحبة كثيرون جدا والمحقون منهم قليلون حداا بل هم أقل من القليل. وهذه المحبة لا محالة تتصل بها الطاعة والتعظيم ويتلوها ويقرب منها محبة الوالدين وإكرامهما وطاعتهما. وليس يرتقي إلى مرتبتهما شيء من المحبات الأخر إلا محبة الحكماء وطاعتهما. وليس يرتقي إلى مرتبتهما شيء من المحبات الأخر إلا محبة المحكماء عند تلامذتهم فإنها متوسطة بين المحبة الأولى والمحبة الثانية. وذلك أن المحبة الأولى لا يبلغها شيء من المحبات كما أن أسبابها لا يبلغها شيء من الأسباب والنعم التي تأتي من قبلها لا يشبهها شيء من النعم.

стр. 145

أماالمحبة الثانية فهي تتلوها لأن سببها هو السبب الثاني في وجودنا الحسي أعني أبداننا وتكويننا. وأما محبة الحكماء فهي أشرف وأكرم من محبة الوالدين لأجل أن تربيتهم هي لنفوسنا وهم الأسباب في وجودنا الحقيقي وبهم وصولنا إلى السعادة التامة التي نلنا بها اللقاء الأبدي والنعيم السرمدي في جوار رب العالمين. فبحسب فضل إنعامهم علينا وبقدر فضل النفوس على الأبدان تجب حقوقهم وتلزم طاعتهم ومحبتهم وليس يبلغ أحد جزاء ولا مكافأة الأول ولا ما يستأهله الثاني أعني الوالدين وإن هو اجتهد وبالغ ولا يؤدي حقوقهما أبدا وإن خدم بأقصى طاقته وغاية وسعه، وأما محبة طلب الحكمة للحكيم والتلميذ الصالح للمعلم الخير فإنها من جنس المحبة الأولى وفي طريقها. وذلك لأجل الخير العظيم الذي يشرف عليه ويصل إليه وللرجاء الكريم الذي لا يتحقق إلا بعنايته ولا يتم إلا بمطالعته. ولأنه والدروحاني ورب بشرى وإحسانه إحسان إليه ذلك أنه يربيه بالفضيلة التامة ويغذوه بالحكمة البالغة ويسوقه إلى الحياة الأبدية والنعيم السرمدي. وإذا كان هو السبب في كل وجودنا العقلي وهو المربي لنفوسنا الروحانية فبحسب فضل النفس على البدن يجب أن يفضل المنعم بذاك وبقدر فضلها على البدن يكون فضل التربية على التربية فيحق أن يحب التلميذ معلم الحكمة محبة خالصة شبيهة بالمحبة الأولى. ولذلك قلنا أن هذه المحبة من جنس المحبة الأولى والطاعة له من جنس تلك الطاعة وكذلك تعظيمه له وإجلاله إياه. ثم لما كان سبب هاتين النعمتين ومعرضنا لهما وسائقنا إليهما وإلىجميع النعم هو السبب الأول الذي هو سبب الخيرات كلها قربت منا أوبعدت عنا عرفناها أو لم نعرفها وجب أن تكون محبتنا لهفي أعلى مراتب المحبات وكذلك طاعتنا له وتمجيدنا إياه.
следующие страницы →