← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12720

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ابن مسكويه

Полный текст (210 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الشوق إلى المعارف والعلوم إن هذا الشوق ربما ساق الإنسان علىمنهج قويم وقصد صحيح حتى ينتهي إلى غاية كماله وهي سعادته التامة. وقلما يتفق ذلك وربما اعوج به عن السمت والسنن وذلك لأسباب كثيرة يطول ذكرها ولا حاجة بك إلى علمها الآن وأنت في تهذيب خلقك. فكما أن الطبيعة المدبرة للأجسام ربما شوقت إلى ما ليس بتمام للجسم الطبيعي لعلل تحدث به وآفات تطرأ عليه بمنزلة من يشتاق إلى أكل الطين وما جرى مجراه مما لا يكمل طبيعة الجسد بل يهدمه ويفسده. كذلك أيضا النفس الناطقة ربما اشتاقت إلى النظر والتمييز الذي لا يكملها ولا يشوقها نحو سعادتها بل يحركها إلى الأشياء التي تعوقها وتقصر بها عن كمالها فيحينئذ يحتاج إلى علاج نفساني روحاني كما احتاج في الحالة الأولى إلى طب طبيعي جسماني. ولذلك تكثر حاجات الناس إلى المقومين والمنفعين وإلى المؤدبين والمسددين. فإن وجود تلك الطبائع الفائقة التي تنساق بذاتها منغير توفق إلى السعادة عسرة الوجود ولا توجد إلا في الأزمنة الطوال والمدد البعيدة. وهذا الأدب الحق الذي يؤدينا إلى غايتنا يجب أن تلحظ فيه المبأ الذي يجري مجرى الغاية حتى إذا لحظت الغاية تدرج منها إلى الأمور الطبيعية على طريق التحليل ثم يبتدىء من أسفل على طريق التركيب فيسلك فيها إلى أن ينتهي إلى الغاية التي لحظت أولا. وهذا المعنى هو الذي أحوجنا في مبدأ هذا الكتاب وفي فصول أخر منه أن نذكر أشياء عالية لا تليق بهذه الصناعة ليتشوق إليها من يستحقها.

стр. 72

وليس يمكن الإنسان أن يشتاق إلى ما لا يعرفه ألبتة. فإذا لحظها من فيه قبول لها وعناية بها عرفها بعض المعرفة فتشوقها وسعى نحوها واحتمل التعب والنصب فيها. وينبغي أن يعلم أن كل إنسان معد نحو فضيلة ما فهو إليها أقرب وبالوصول إليها أحرى. ولذلك لا تصير سعادة الواحد من الناس غير سعادة الآخر غلا من اتفق له نفس صافية وطيعية فائقة فينتهي إلى غايات الأمور وعلى غاياتها أعني السعادة القصوى التي لا سعادة بعدها. الواجب على الحاكم ولأجل ذلك يجب على مدير المدن أن يسوق كل إنسان نحو سعادته التي تخصه ثم يقسم عنايته بالناس ونظره لهم بقسمين: أحدهما في تسديد الناس وتقويمهم بالعلوم الفكرية. والأخر في تسديدهم نحو الصناعات والأعمال الحسية. وإذا سددهم نحو السعادة الفكرية بدأبهم من الغاية الأخيرة على طريق التحليل ووقف يهم عند القوي التي ذكرناها. وإذا سددهم نحو السعادة العملية بدأبهم من عند هذه القوي وانتهى بهم إلى تلك الغاية. ولما كان غرضنا في هذا الكتاب السعادة الخلقي وأن تصدر عنا الأفعال كلها جميلة كما رسمنا في صدر الكتاب وعملناه لمحبي الفلسفة خاصة لا للعوام وكان النظر يتقدم العمل.

стр. 73

وجب أن نذكر الخير المطلق والسعادة الإنسانية لتلحظ الغاية الأخيرة ثم تطلب بالأفعال الإرادية التي ذكرنا جملها في المقالة الأولى. وأرسطوطاليس إنما بدأ كتابه بهذا الموضع وافتتحه بذكر الخير المطلق ليعرف ويتشوق. ونحن نذكر ما قاله ونتبعه بما أخذناه أيضا عنه في مواضع أخر ليجتمع ما فرقه ونضيف إلى ذلك ما أخذناه عن مفسري المنقلبين لحكمته نحو استطاعتنا، والله الموفق المؤيد فإن الخير بيده وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 74

نبدأ بمعونة الله تعالى في هذه المقالة بذكر الفرق بين الخير والسعادة بعد أن نذكر ألفاظ أرسطوطا ليس إقتداء به وتوفية لحقه فنقول: إن الخير على ما حده واستحسنه من آراء المتقدمين هو المقصود من الكل وهو الغاية الأخيرة. وقد يسمى الشيء النافع في هذه الغاية خيرا. فأما السعادة فهي الخير بالإضافة إلى صاحبها وهي كمال له. فالسعادة إذا خير ما وقد تكون سعادة الإنسان غير سعادة الفرس وسعادة كل شيء في تمامه وكماله الذي يخصه. فأما الخير الذي يقصده الكل بالشوق فهو طبيعة تقصد ولها ذات وهو الخير العام للناس من حيث هم ناس فهم بأجمعهم مشتركون فيها. فأما السعادة فهي خير مالواحد واحد من الناس فهي إذا بالإضافة ليست لها ذات معينة وهي تختلف بالإضافة إلى قاصديها. فلذلك يكون الخير المطلق غير مختلف فيه. وقد يظن بالسعادة أنها تكون لغير الناطقين. فإن كان ذلك فإنما هي استعدادات فيها لقبول تماماتها وكمالاتها من غير قصد ولا رويى ولا إرادة وتلك الإستعدادات هي الشوق أو ما يجري مجرى الشوق من الناطقين بالإرادة. فأما ما يتأتى للحيوانات في مآكلها ومشاربها وراحاتها فينبغي أن نسمى بختا أواتفاقا ولا يؤهل لإسم السعادة كما يسمى في الإنسان أيضا. وإنما استحسن الحد الذي ذكرنا للخير المطلق لأن العقل لا يطلق السعي والحركة إلا إلى نهاية وهذا أول في العقل.

стр. 75

ومثال ذلك أن الصناعات والهمم والتدابير الإختيارية كلها يقصد بها خير ما وما لم يقصد به خير ما فهو عبث والعقل يحظره ويمنع منه وبالواجب صار الخير المطلق هو المقصود إليه من كل الناس. ولكن بقى أن يعلم ما هو وما الغاية الأخيرة منه التي هي غاية الخيرات التي ترتقي الخيرات كلها إليها حتى نجعله غرضنا وتوجه إليه ولا نلتفت إلى غيره ولا تنتشر أفكارنا في الخيرات الكثيرة التي تؤدي إليه إما تأدية بعيدة وإما تأدية قريبة ولا نغلط أيضا فيما ليس بخير فنظنه خيرا ثم نفي أعمارنا في طلبه والتعب به وكلا سنبينه بمشيئة الله وعونه. أقسام الخير الخير على قسمه أرسطوطا ليس وحكاه عنه قرقوريوس غيره قال الخيرات منها ما هي شريفة ومنها ماهي ممدوحة ومنها ما هي بالقوى كذلك وما هي نافعة فيها. فالشريفة منها هي التي شرفها من ذاتها وتجعل من اقتناها شريفا وهي الحكمة والعقل والممدوحة منها مثل الفضائل والأفعال الجميلة الإرداية والتي هي بالقوى مثل التهيء والإستعداد لنيل الأشياء التي تقدمت

стр. 76

والنافعة هي جميع الأشياء التي تطلب لا لذاتها بل ليتوصل بها إلى الخيرات (وعلى جهة أخرى) الخيرات منها ما هي غايات ومنها ما ليست بغايات والغايات منها ما هي تامة ومنها ما هي غير تامة. فالتي هي تامة كالسعادة. وذلك أنا إذا وصلنا إليها لم نحتج أن نستزيد فنقتني أشياء أخر. وأما التي ليست بغاية ألبتة فكالعلاج والتعلم والرياضة (وعلى جهة أخرى) الخيرات منهاما هو مؤثر لأجل ذاته ومنها ما هو مؤثر لأجل غيره ومنها ما هو مؤثر للأمرين جميعا ومنها ما هو خارجعنها (وعلى جهة أخرى) الخيرات منها ما هوخير على الإطلاق ومنها ما هو خير عند الضرورة والإتفاقات التي تتفق لبعض النسا وفي وقت دون وقت. وأيضا منها ما هو خير لجميع الناس ومن جميع الوجوه وفي جميع الأوقات ومنها ما ليس بخير لجميع الناس ولا ما هو في المية ومنها ما هو في الكيفية وفي سائر المقولات كالقوى والملكات. ومنها كالأحوال ومنها كالأفعال ومنها كالغايات ومنها كالمواد ومنها كالآلات ووجود الخيرات في المقولات كلها يكون على هذا المثال. أما في الجوهر أعني ماليس بعرض فالله ﵎ هو الخير الأول فإن جميع الأشياء تتحرك نحوه بالشوق إليه ولأن مآل الخيرات الإلهية من البقاء والسرمدية والتمام منه.

стр. 77

وأما في الكمية فالعدد فالمعتدل والمقدار المعتدل وأما في الكيفية فكاللذات، وأما في الإضافة فالكالصدقات والرياسات وأما في الأين والمتة فكالمكان المعتدل والزمان الأنيق البهج. وأما في الموضع فكالقعود والإضطجاع والإتكاء الموافق. وأما في الملك فكالأموال والمنافع وأما في الإنفعال فكالسماع الطيب وسائر المحسوسات المؤثرة وأما في الفعل فكنفاذ الأمر ورواج الفعل (وعلى جهة أخرى) الخيرات منها معقولات ومنها محسوسات. وأما السعادة فقد قلنا أنها خير ما وهي تمام الخيرات وغاياتها والتمام هو الذي إذا بلغنا إليه لم نحتج معه إلى شيء آخر فلذلك نقول: أن السعادة هي أفضل الخيرات ولكنا نحتاج في هذا التمام الذي هو الغاية القصوى إلى سعادات أخرىوهي التي في البدن والتي خارج البدن (وارسطو طاليس) يقول أنه يعسر على الإنسان أن يفعل الأفعال الشريفة بلا مادة مثل اتساع اليد وكثرة الأصدقاء وجودة البخت. قال ولهذا ما احتاجت الحكمة إلى صناعة الملك في إظهار شرفها. قال ولهذا قلنا إن كان شيء عطية من الله تعالى وموهبة للناس فهو السعادة لأنها عطية منه عز إسمه وموهبة في أشرف منازل الخيرات وفي أعلى مراتبها وهوخاصة بالإنسان التام ولذلك لا يشاركه فيها من ليس بتام كالصبيان ومن يجري مجراهم.

стр. 78

وأما أقسام السعادى على مذهب هذا الحكيم فهي خمسة أقسام. أحدها في صحة البدن ولطف الحواس ويكون ذلك من اعتدال المزاج أعني أن يكون جيد السمع والبصر والشم والذوق واللمسز والثاني في الثروة والأعوان وأشباهما حتى يتسع لأن يضع المال في موضعه ويعمل به سائر الخيرات ويواسي منه أهلالخيرات خاصة والمستحقين عامة ويعمل به كل ما يزيد في فضائله ويستحق الثناء والمدح عليه. والثالث أن تحسن أحدوثته في الناس وينشر ذكره بين أهل الفضل فيكون ممدوحا بينهم ويكثرون الثناء عليه لما يتصرف فيه من الإحسان والمعرفة. والرابع أن يكون منجحا في الأمور وذلك إذا استتم كل ما روى فيه وعزم عليه حتى يصير إلى ما يأمله منه. والخامس أن يكون جيد الرأى صحيح الفكر سليم الإعتقادات في دينه وغير دينه بريئا من الخطأ والزلل جيد المشورة في الآراء. فمن اجتمعت له هذه الأقسام كلها فهو السعيد الكامل على مذهب هذا الرجل الفاضل ومن حصل له بعضها كان حظه من السعادة بحسب ذلك. وأما الحكماء قبل هذا الرجل مثل فيثاغورس وبقراط وأفلاطون وأشباههم فإنهم أجمعوا على أن الفضائل والسعادة كلها في النفس وحدها.

стр. 79

ولذلك لما قسموا السعادة جعلوها كلها في قوى النفس التي ذكرناها في أول الكتاب (وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة) وأجمعوا على أن هذه الفضائل هي كافية في السعادة ولا يحتاج معها إلى غيرها من فضائل البدن ولا ما هو خارج البدن، فإن الإنسان إذا حصل تلك الفضائل لم يضره في سعادته أن يكون سقيما ناقص الأعضاء مبتلي بجميع أمراض البدن. اللهم إلا أن يلحق النفس منها مضرة في خاص أفعالها مثل فساد العقل ورداءة الذهن وما أشبهها. وأما الفقر والخمول وسقوط الحال وسائر الأشياء الخارجة عنها فليست عندهم بقادحة في السعادة ألبتة، وأما الرواقيون وجماعة من الطبيعيين فإنهم جعلوا البدن جزءا من الإنسان ولم يجعلوه آلة كما شرحناه فيما نقدم. فلذلك اضطروا إلى أن يجعلوا السعادة التي في النفس غير كاملة إذا لم يقترن بها سعادة البدن وما هو خارج البدن أيضا أعني الأشياء التي تكون بالبخت والجد، والمحققون من الفلاسفة يحقرون أمر البخت وكل ما يكون به ومعه ولا يؤهلون تلك الأشياء لإسم السعادة لأن السعادة شيء ثابت زائل ولا متغير وهي أشرف الأمور وأكرمها وأرفعها فلا يجعلون لأحسن الأشياء وهو الذي يتغير ولا يثبت ولا يتحصل بروية ولا فكر ولا يتأتى بعقل وفضيلة فيها نصيبا.

стр. 80

ولهذا النظر اختلف القدماء في السعادة العظمى فظن قوم أنها لا تحصل للإنسان إلا بعد مفارقة البدن والطبيعات كلها وهؤلاء هم القوم الذين حكينا عنهم أن السعادة العظمى هي في النفس وحدها وسموا الإنسان ذلك الجوهر وحده دون البدن ولذلك حكموا أنها ما دامت في البدن ومتصلة بالطبيعة وكدرها ونجاسات البدن وضروراته وحاجت الإنسان به وافتقاراته إلى الأشياء الكثيرة فليست سعيدة على الإطلاق. وأيضا لما روأها لا تكمل لوجود الأشياء العقلية لأنها لا تستتر عنها بظلمة الهيولي أعني قصورها ونقصانها ظنوا أنها إذا فارقت هذه الكدورة فارقت الجهالات وصفت وخلصت وقبلت الإضاءة والنور الإلهي أعني العقل التام. ويجب على رأى هؤلاء أن الإنسان لا يسعد السعادة التامة إلا في الآخرة بعد موته، وأما الفرقة الأخرى فإنها قالت انه من القبيح الشنيع أن يظن أن الإنسان ما دام حيا يعمل الأعمال الصالحة ويعتقد الآراء الصحيحة ويسعى في تحصيل الفضائل كلها لنفسه أولا ثم لأبناء جنسه ثانيا ويخلف رب العزة تقدس ذكره في خلقه بهذه الأفعال المرضية فهو شقي ناقص حتى إذا مات ودم ذكر الأشياء صار سعيدا تام السعادة. وارسطوطاليس يتحقق بهذا الرأى وذلك أنه تكلم في السعادة الإنسانية والإنسان هو المركب عنده من بدن ونفس ولذلك حد الإنسان بالناطق المائت وبالناطق الماشي برجلين وما أشبه ذلك وهذه الفرقة التي رئيسها

стр. 81

أرسطوطاليس رأت ان السعادة الإنسانية تحصل لللإنسان في الدنيا إذا سعى لها وتعب بها حتى يصير إلى أقصاها ولما رأى الحكيم ذلك وأن الناس مختلفون في هذه السعادة الإنسانيةن وأنها قد أشكلت عليهم أشكالا شديدا احتاج أن يتعب في الإبانة عنها وإطالة الكلام فيها. وذلك أن الفقير يرى أن السعادة العظمى في الثروة واليسار. والمريض يرى أنها في الصحة والسلامة. والذليل يرى أنها فيالجاه والسلطان. والخليع يرى أنها في التمكن من الشهوات كلها على اختلافها والعاشق يرى أنها في الظفر بالمعشوق. والفاضل يرى أنها في إفاضة المعروف على المستحقين. والفيلسوف يرى أن هذه كلها إذا كانت مرتبة بحسب تقسيط العدل أعني عند الحاجة وفي الوقت الذي يجب وكما يجب وعند من يجب. فهي سعادات كلها وما كان منها يراد لشيء آخر فذلك الشيء أحق باسم السعادة ولما كانت كل واحدة من هاتين الفرقتين نظرت نظرا ما وجب أن نقول في ذلك ما نراه صوابا وجامعا للرأيين فنقول: رأى المؤلف في السعادة إن الإنسان ذو فضيلة روحانية يناسب بها الأرواح الطيبة التي تسمى ملائكة وذو فضيلة جسمانية يناسب بها الأنعام لأنه مركب منهما فهو بالخير الجسماني الذي يناسب به الأنعام مقيم في هذا العالم السفلي مدة قصيرة ليعمره وينظمه ويرتبه.

стр. 82

حتى إذا ظفر بهذه المرتبة على الكمال انتقل إلى العالم العلوي وأقام فيه دائما سرمدا في صحبة الملائكة والأرواح الطيبة وينبغي أن يفهم من قولنا العالم السفلي والعالم االعلوي ما ذكرناه فيما تقدم. فإنا قد قلنا هناك أنا لسنا نعني بالعلوي المكان العلى في الحس ولا بالعالم السفلي المكان الأسفل في الحس بل كل محسوس فهو أسفل وإنكان محسوسا في المكان الأعلى. وكل معقول فيهو أعلى وإن كان معقولا في المكان الأسفل وينبغي أن يعلم أنه لا يحتاج في صحة الأرواح الطيبة المستغنية عن الأبدان إلى شيء من السعادات البدنية التي ذكرناها سوى سعادة النفس فقط أعني المعقولات الأبدية التي هي الحكمة فقط. فإذا ما دام الإنسان إنسانا فلا تتم له السعادة إلا بتحصيل الحالين جميعا وليس يحصلان على التمام إلا بالأشياء النافعة في الوصول إلى الحكمة الأبدية. فالسعيد إذا من الناس يكون في إحدى مرتبتين. إما في مرتبة الأشياء الجسمانية متعلقا بأحوالها السفلى سعيدا بها وهو مع ذلك يطالع الأمور الشريفة باحثا عنها مشتقا إليها متحركا نحوها مغتبطا بها. وإما أن يكون في رتبة الأشياء الروحانية متعلقا بأحوالها العليا سعيدا بها وهو مع ذلك يطالع الأمور البدنية معتبرا بها ناظرا في علامات القدرة الإلهية ودلالل الحكمة البالغة مقتديا بها ناظما لها مفيضا للخيرات عليها سابقا لها نحو الأفضل، فالأفضل بحسب قبولها وعلى نحو استطاعتها. وأي امرىء لم يحصل في إحدى هاتين المنزلتين فهو في رتبة الأنعام بل هو أضل. وإنما صار أضل لأن تلك غير معرضة لهذه الخيرات ولا أعطيت استطاعة تتحرك بها نحو هذه المراتب العالية.

стр. 83

وإنما تتحرك بقواها نحو كمالاتها الخاصة بها والإنسان معرض لها مندوب إليها مزاح العلة فيها وهو مع ذلك غير محصل لها ولا سع نحوها. وهو مع ذلك مؤثر لضدها يستعمل قواه الشريفة في الأمور الدنيئة وتلك محصلة لكمالاتها التي تخصها فإذا الأنعام إذا منعت الخيرات الإنسية حرمت جوار الأرواح الطيبة ودخول الجنة التي وعد المتقون فهي معذورة. والإنسان غير معذور. مثل الأول مثل الأعمى إذا جار عنالطريق فتردى في بئر فهو مرحوم غير ملوم. ومثل الثاني مثل بصير يجور على بصيرة حتى يتردى في البئر فهو ممقوت ملوم. وإذ قد تبين أن السعيد لا محالة في إحدى المرتبتين اللتين ذكرناها فقد تبين أيضا أن أحدهما ناقص مقصر عن الآخر وأن الأنقص منهما ليس يخلو ولا يتعرى من الآلام والحسرات لأجل خدائع الطبيعة والزخارف الحسية التي تعترضه فيما يلابسه وتعوقه عما يلاحظه وتمنعه من الترقي فيها على ما ينبغي وتشغله بما يتعلق به من الأمور الجسمانية. فصاحب هذه المرتبة غير كامل على الإطلاق ولا سعيد تام، وأن صاحب المرتبة الأخرى هو السعيد التام وهو الذي توفر حظه من الحكمة فهو مقيم بروحانيته بين الملاء الأعلى يستمد منهم لطائف الحكمة ويستنير بالنور الإلهي ويستزيد من فضائله بحسب عنايته بها وقلة عوائقه عنها. ولذلك يكون أبدا خاليا من الآلام والحسرات التي لا يخلو صاحب المرتبة الأولى منها ويكون مسرورا أبدا بذاته مغتبطا بحاله وبما يحصل له دائما من فيض نور الأمل فليس يسر إلا بتلك الأحوال ولا يغتبط إلا بتلك المحاسن ولا يهش إلا لإظهار تلك الحكمة بين أهلها ولا يرتاح إلا لمن ناسبه أو قاربه وأحب الإقتباس منه.

стр. 84

وهذه المرتبة التي من وصل إليها فقد وصل إلى آخر السعادات وأقصاها وهو الذي لا يبالي بفراق الأحباب من أهل الدنيا ولا يتحسر على ما يفوته من التنعم فيها. وهو الذي يرى جسمه وماله وجميع خيرات الدنيا التي عددناها في السعادات التي في بدنه الخارجة عنه كلها كلا عليه إلا في ضرورات يحتاج إليها لبدنه الذي هو مربوط به لا يستطيع الإنحلال عنه إلا عند مشيئة خالقه وهو الذي يتشاق إلى صحبة أشكاله وملاقاة من يناسبه من الأرواح الطيبة والملائكة المقربين. وهو الذي لا يفعل إلا ما أراده الله منه ولا يختار إلا ما قرب إليه لا يخالفه إلى شيء من شهواته الرديئة ولا ينخدع بخدائع الطبيعة ولا يلتفت إلى شيء يعوقه عن سعادته. وهو الذي لا يحزن على فقد محبوب ولا يتحسر على فوت مطلوب. إلا أن هذه المرتبة الأخيرة تتفاوت تفاوتا عظيما أعني أن من يسل إليها من الناس يكون على طبقات كثيرة غير متقاربة. وهاتان المرتبتان هما اللتان ساق الحكيم الكلام إليهما واختار المرتبة الأخيرة منهما وذلك في كتابه المسمى " فضائل النفس " وأنا أورد ألفاظه التي نقلت إلى العربية بعينها قال:؟؟

стр. 85

أول رتب الفضائل اول رتب الفضائل تسمى سعادة وهي أن يصرف الإنسان إرادته ومحاولاته إلى مصالحه في العالم المحسوس والأمور المحسوسة من أمور النفس والبدن وما كان من الأحوال متصلا بهما ومشاركا لهما من الأمور النفسانية ويكون تصرفه في الأحوال المحسوسة تصرفا لا يخرج به عن الإعتدال الملائم لأحواله الحسية. وهذه حال قد يتلبس فيها الإنسان بالأهواء والشهوات إلا ان ذلك بقدر معتدل غير مفرط وهو إلى ما ينبغي أقرب منه إلى ما لا يسيغه وذلك انه يجري أمره نحو صواب التدبير المتوسط في كل فضيلة ولا يخرج به عن تقدير الفكر وأن لابس الأمور المحسوسة وتصرف فيها. ثم الرتبة الثانية وهي التي يصرف الإنسان فيها إرادته ومحاولاته إلى الأمر الأفضل من صلاح النفس والبدن من غير أن يتلبس مع ذلك بشيء من الأهواء والشهوات ولا يكترث بشيء من النفسيات المحسوسة إلا بما تدعوه إليه الضرورة. ثم تتزايد رتبة الإنسان في هذا الضرب من الفضيلة. وذلك أن الأماكن والرتب في هذا الضرب من الفضائل كثيرة بعضها فوق بعض وسبب ذلك. اما أولا فاختلاف طبائع الناس. وثانيا على حسب العادات. وثالثا بحسب منازلهم ومواضعهم من الفضل والعلم والمعرفة والفهم. ورابعا بحسب همهم. وخامسا بحسب شوقهم ومعاناتهم ويقال ايضا بحسب جدهم.

стр. 86

ثم تكون النقلة في آخر هذه المرتبة أعني هذا الصنف من الفضيلة إلى الفضيلة الإلهية المحضة. وهي التي لا يكون فيها تشوف إلى آت ولا تلفت إلى ماض ولا تشييع لحال ولا تطلع إلى ناء ولا ضن بقريب ولا خوف ولا فزع من أمر ولا شغف بحال ولا طلب لحظ من حظوظ الإنسانية ولا من الحظوظ النفسانية أيضا ولا ما تدعو الضرورة إليه من حاجة البدن والقوى الطبيعية ولا القوى النفسانية. لكن يتصرف بتصرف الخير العقلي في أعالي رتب الفضائل وهو صرف الوكد إلى الأمور الإلهية ومعاناتها ومحاولاتها بلا طلب عوض أعني أن يكون تصرفه فيها ومعاناته ومحاولته لها لنفس ذاتها فقط وهذه الرتبة أيضا تتزايد بالناس بحسب الهمم والشوق وفضل المعاناة والمحاولة وقوة التحيزة؟ وصحة القة وحسب الهمم والشوق وفضل المعاناة والمحاولة وقوة التحيزة؟ وصحة الثقة وبحسب منزلة من بلغ إلى هذا المبلغ من الفضيلة في هذه الأحوال التي عددناها إلى أن يكون تشبهه بالعلة الأولى واقتداؤه بها وبأفعالها. آخر مراتب الفضائل وآخر المراتب في الفضيلة أن تكون أفعال الإنسان كلها أفعال الهية وهذه الأفعال هي خير محض والفعل إذا كان خيرا محضا فليس يفعله فاعله من أجل شيء آخر غير الفعل نفسه. وذلك أن الخير المحض هو غاية متوخاة لذاتها أي هو الأمر المطلوب المقصود لذاته. والأمر الذي هو غاية متوخاة لذاتها أي هو الأمر المطلوب المقصود لذاته.

стр. 87

والأمر الذي هو غاية في نهاية النفاسة ليس يكون من أجل شيء آخر. فأفعال الإنسان إذا صارت كلها إلاهية فهي كلها إنما تصدر عن لبه وذاته الحقيقية التي هي عقله الإلهي الذي هو ذاته بالحقيقة وتزول وتتهدر سائر دواعي طباعه البدني بسائر عوارض النفسين البهيميتين وعوارض التخيل المتولد عنهما وعن دواعي نفسه الحسية فلا يبقى له حينئذ ارادة ولا همة خارجتان عن فعله من أجلهما يفعل مايفعل. لكنه يفعل ما يفعله بلا إرادة ولا همة في سوي الفعل أي لا يكون غرضه في فعله غير ذات الفعل وهذا هو سبيل العقل الإلهي. فهذه الحال هي آخر رتب الفضائل التي يتقبل فيها الإنسان أفعال المبدأ الأول خالق الكل . أعني أن يكون فيما يفعله لا يطلب به حظا ولا مجازاة ولا عوضا ولا زيادة لكن يكون فعله بعينه هو غرضه أي ليس يفعل من أجل شيء آخر سوى ذات الفعل. ومعنى ذاته هو أن لا يفعل ما يفعله من أجل شيء غير فعله نفسه وذاته نفسها هي الفعل الإلهي نفسه وهكذا يفعل الباري تعالى لذاته لا من أجل شيء آخر خارج عنه. وذلك أن فعل الإنسان في هذه الحال يكون كما قلنا خيرا محضا وحكمة محضة فيبدأ بالفعل لنفس إظهار الفعل فقط لا لغاية أخرى يتوخاها بالفعل وهكذا فعل الله الخاص به ليس هو على القصد الأول من أجل شيء خارج عن ذاته. أعني ليس ذلك من أجل سياسة الأشياء التي نحن بعضها لأنه لو كان كذلك لكانت أفعاله حينئذ من أجل سياسة الشياء التي نحن بعضها لأنه لو كان كذلك لكانت أفعاله حينئذ إنما كانت وتكون وتتم بمشارفة الأمور التي من خارج ولتدبيرها وتدبير أحوالها وإهتمامه بها.

стр. 88

وعلى هذا تكون الأشياء التي من خارج أسبابا وعللا لأفعاله. وهذا شنيع قبيح تعالى الله عنه علوا كبيرا. لكن عنايته عزوجل بالأشياء التي من خارج وفعله الذي يدبرها به ويرفدها إنما هو على القصد الثاني وليس يفعل ما يفعله من أجل الأشياء أنفسها لكن من أجل ذاته أيضا. وذلك لأجل أن ذاته تفضل لذاتها لا من أجل المفضل عليه ولا من أجل شيء آخر. وهكذا سبيل الإنسان إذا بلغ إلى الغاية القصوى في الإمكان من الإقتداء بالباري وتكون أفعاله التي يفعلها على القصد الأول من أجل ذلك الغير لكن يفعل بذلك الغير ما يفعله به بقصد ثان وفعله ذلك من أجل ذاته بالقصد الأول ومن اجل الفعل نفسه أي لنفس الفضيلة ولنفس الخير لأن فعله ذلك فضيلة وخير ففعله لنفس الفعل لا لإجتلاب منفعة ولا لدفع مضرة ولا للتباهي وطلب الرياسة ومحبة الكرامة فهذا هو غرض الفلسفة ومنهى السعادة. إلا أن الإنسان لا يصل إلى هذه الحال حتى تفني إرادته كلها التي بحسب الأمور الخارجة وتفني العوارض النفسانية وتموت خواطره التي تكون عن العوارض ويمتلىء شعارا إلهيا وهمة إلهية. وإنما يمتلأ من ذلك إذا صفا من الأمر الطبيعي ألبتة ونفى منه نفيا كاملا. ثم حينئذ يمتلىء معرفة إلهية وشوقا إلهيا ويوقن بالأمور الإلهية بما يتقرر في نفسه وفي ذاته التي هي العقل كما تقررت فيه القضايا الأول التي تسمى العلوم الأوائل.

стр. 89

إلا أن تصور العقل ورويته في هذه الحال بالأمور الإلهية وتيقنه لها يكون بمعنى أشرف وألطف وأظهر وأشهد انكشافا له وبيانا من القضايا الأول التي تسمى العلوم الأوائل العقلية. فهذه ألفاظ هذا الحكيم قد نقلتها نقلا. (وهي نقل أبي عثمان الدمشقي. وهذا الرجل فصيح باللغتين جميعا أعني اليونانية والعربية مرضى النقل عند جميع من طالع هاتين اللغتين وهو مع ذلك شديد التحري لا يراد الألفاظ اليونانية ومعانيها من ألفاظ العرب ومعانيها لا تختلف في لفظ ولامعنى، ومن رجع إلى هذا الكتاب أعني المسمى بفضائل النفس قرأ هذه الألفاظ كما نقلتها) وليست تحصل هذه المراتب التي يترقى فيها صاحب السعادة التامة إلا بعد أن يعلم أجزاء الحكمة كلها علما صحيحا ويستوفيها أولا أولا كما رتبناها في كتابنا المسمى بترتيب السعادات. ومن ظن من الناس أنه يصل إليها بغير تلك الطريقة وعلى غير ذلك المنهج فقد ظن باطلا وبعد عن الحق بعدا كثيرا. وليتذكر في هذا الموضع الخطأ العظيم الذي وقع فيه قوم ظنوا أنهم يدركون الفضيلة بتعطيل القوة العالمة وإهمالها وبترك النظر الخاص بالعقل واكتفائهم بأعمال ليست مدنية ولا بحسب ما يقسطه التمييز والعقل. وقد سماهم قوم العاملة والناجية. ولذلك رتبنا هذا الكتاب عقب ذلك الكتاب ليلحظ منهما السعادة الأخيرة المطلوبة بالحكمة البالغة وتتهذب لها النفس وتتهيأ لقبولها غسلا وتنقية من الأمور الطبيعية وشهوات الأبدان. ولذلك سميته أيضا بكتاب طهارة الأعراق

стр. 90

(وقد قال أرسطوطاليس في كتابه المسمى بالأخلاق) إن هذا الكتاب لا ينتفع به الأحداث كثير منفعة ولا من هو في طبيعة الأحداث قال ولست أعني بالحدث ههنا حدث السن لأن الزمان لا تأثير له في هذا المعنى. وإنما أعني السيرة التي يقصدها أهل الشهوات واللذات الحسية. وأما أنا فأقول أني ما ذكرت هذه المرتبة الأخيرة من السعادة طمعا في وصول الأحداث إليها. بل ليمر على سمعهم فقط وليعلم أن ههنا مرتبة حكمية لا يصل إليها إلا أهلها الأعلون مرتبة. فليلتمس كل من نظر في هذا الكتاب المرتبة الأولى منها بالأخلاق التي وصفتها فإن وفق بعد ذلك وأعانه الشوق الشديد والحرص التام وسائر ما ذكرناه ووصفناه عن الحكيم فليترق في درجة الحكمة وليتصاعد فيها بجهده فإن الله يعينه ويفقه. فإذا بلغ الإنسان إلى غاية هذه السعادة ثم فارق بجسمه الكثيف دنياه الدنيئة وتجرد بنفسه اللطيفة التي عنى بتطهيرها وغسلها من الأدناس الطبيعية لأخراه العلية فقد فاز وأعد ذاته للقيا خالقه عزوجل أعدادا روحانيا لبس فيه نزاع إلى تلك القوى التي كانت تعوقه عن سعادته ولاتشوق إليها لأنه قد تطهر منها وتنزه عنها ولم تبق فيه إرادة لها ولا حرص عليها وقد استخلصها للقاء رب العالمين ولقبول كراماته وفيض نوره الذي كان غير مستعد له ولا فيه قبول من عطائه ويأتيه حينئذ الذي وعد به المتقون والأبرار كما سبق الإيماء إليه مرارا في قوله عزوجل (فَلا تَعلَمُ نَفسٌ ما أُخفيَ لَهُم مِن قُرَةِ أَعيُن) : وفي قول النبي ﷺ : ﴿هناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر﴾ .

стр. 91

الرتبة الأولى من السعادة الأخيرة وإذ قد لخصنا أمر هاتين المنزلتين من السعادة القصوى فقد تبين بيانا كافيا أن إحداهما بالإضافة إلينا أولى والأخرى ثانية ومن المحال أن أنسلك إلى الثانية من غير أن نمر بالأولى فقد وجب أن نعود إلى ما بدأنا به من ذكر الرتبة الأولى من السعادة الأخيرة ونستوفي الكلام فيها وفي الأخلاق التي بنينا الكتاب عليها ونخلي عن بيان الرتبة الثانية إلى وقت آخر فنقول: أن من عنى ببعض القوى التي ذكرناها دون بعض أو تعمد لإصلاحها في وقت دون وقت لم تحصل له السعادة. وكذلك يكون حال الرجل في تدبير منزله إذا عنى ببعض أجزائه دون بعض أو في وقت دون وقت فإنه لا يكون مدبر منزل. وكذلك حال مدبر المدينة إذا خص بنظره طائفة دون طائفة أووقتا دون وقت لا يستحق إسم الرياسة على الإطلاق. (وارسطوطاليس: تمثل بأن قال أن الخطاف الواحد إذا ظهر لا يدل على طبيعة الربيع. ولا يوم واحد معتدل الهواء يبشر بالربيع. فعلى طالب السعادة أن يطلب السيرة اللذيذة عنده فيسر بها دائما فإن تلك السيرة هي واحدة ولذيذة في نفسها. فلذلك قلنا أنه ينبغي أن يتشوقها دائما ويثبت عليها أبدا، ولما كانت السيرة ثلاثة لأنها تنقسم بإنقسام الغايات الثلاثة التي يقصدها الناس. أعني سيرة اللذة وسيرة الكرامة. وسيرة الحكمة وكنت سيرة الحكمة أشرفها

стр. 92

وأتمها وكانت فضائل النفس كثيرة. وجب أن يفضل الإنسان بأفضلها ويشرف بأشرفها. فسيرة الأفاضل السعداء سيرة لذيذة بنفسها لأن أفعالهم أبدا مختارة وممدوحة وكل إنسان يلتذ بما هو محبوب عنده. يلتذ بعدل العادل أو يلتذ بحكمة الحكيم والأفعال الفاضلة والغايات التي ينتهي إليها بالفضائل لذيذة محبوبة فالسعادة ألذ من كل شيء " وأرسطوطاليس يقول أن السعادة الإلهية وإن كانت كما ذكرناها من الشرف وسيرتها ألذ وأشرف من كل سيرة فإنها محتاجة إلى السعادات الأخر الخارجة لأن تظهر بها وإلا كانت كامنة غير ظاهرة. وإن كانت كذلك كان صاحبها كالفاضل النائم الذي لا يظهر فعله وحينئذ لا يكون بينه وبين غيره فرق ما وصفنا حالهما فيما تقدم فالمطلع إذا على حقيقة هذه السعادة المتمكن من إظهار فعله بها هو الذي يلتذ بها وهو الذي يسر سرورا حقيقيا غير مموه ولا مزخرف بالباطل. وهو الذي يخرج من حد المحبة إلى العشق والهيمان وحينئذ يأنف أن يصير سلطانه العالي يحب سلطان بطنه وفرجه فلا يخدم بأشرف جزء فيه أخس جزء فيه. وأعني بالسرور والمزخرف بالأباطيل اللذات التي تشاركنا فيها الحيوانات التي ليست بناطقة فإن تلك اللذات حسية تنصرم وشيكا وتملها الحواس سريعا. فإذا دامت عليها صارت كريهة وربما عادت مؤلمة وكما أن للحس لذة عرضية على حدة فكذلك للعقل لذة ذاتية على حدة لأن لذة العقل لذة ذاتية ولذة الحس عرضية.

стр. 93

فمن لا يعرف اللذة بالحقيقة كيف يلتذ بها؟ ومن لا يعرف الرياسة الذاتية كيف يصير إليها؟ فأنا قد قدمنا وصفها وشوقنا إليها بإعادة الكلام فيها مرارا وقلنا. من لا يعرف الخير المطلق والفضيلة التامة ولا يعرف الحكمة العملية يعني إيثار الأفضل والعمل به والثبات عليه لا ينشط له ولا يرتاح إليه. ومن كان كذلك فكيف يلتذ ويتنعم بما شرحناه ودللنا عليه؟ وقد كان للحكماء المتقدمين مثل يضربونه ويكتبونه في الهياكل " وهي مساجدهم ومصلاهم: وهو هذا الملك الموكل بالدنيا يقول إن ههنا خيرا وهناك شرا وههنا ما ليس بخير ولا شر. فمن عرف هذه الثلاثة حق معرفتها تخلص مني ونجا سالما. ومن لم يعرفها قتلته شر قتلة وذلك أني لا أقتله قتلا وحيا ولكني أقتله أولا أولا في زمان طويل ". فهذا المثل من نظر فيه وتأمله عرف منه جميع ما قدمنا ذكره، وينبغي أن يعلم ان السعيد الذي ذكرنا حاله ما دام حيا تحت هذا الفلك الدائر بكواكبه ودرجاته ومطالع سعوده ونحوسه يرد عليه من النكبات والنوائب وأنواع المحن والمصائب ما يرد على غيره. إلا أنه يذعر منها ولا يلحقه ما يلحق غيره من المشقة في احتمالها لأنه غير مستعد لسرعة الإنفصال منها بعادة الهلع والجزع والأحزان ولا قابل أثر الهموم والأحزان بالأحوال العارضة. وإن أصابه من هذه الآلام شيء فهو يقدر على ضبط نفسه كيلا تنقله عن السعادة إلى ضدها بل لا تخرجه عن حد السعادة ألبتة. ولو ابتلى ببلايا أيوب ﵇ وأضعافها ما اخرجه عن حد السعادة. وذلك لما يجد في نفسه من المحافظة على شروط الشجاعة والصبر على ما يجزع منه أصحاب خور الطباع فيكون سروره أولا بذاته وبالأحاديث الجميلة التي تنشر عنه

стр. 94

ويرى أن القاتل الذي يدعي الشطارة والمصارع الذي يهوي الغلبة كل واحد منهما يصبر على شدائد عظيمة من تقطيع أعضاء نفسه وترك الشهوات التي يتمكن منها طلبا لما يحصل له من الغلبة وانتشار الصيت فيرى نفسه أحرى وأولى منهما بالصبر إذا كان غرضه أشرف وصيته في الفضلاء أبلغ وأشهر وأكرم ولأنه بالصبر إذا كان غرضه أشرف وصيته في الفضلاء أبلغ وأشهر وأكرم ولأنه " يسعد في نفسه ثم يصير قدوة لغيره. وأرسطو طاليس يقول: إن بعض الأشياء تعرض من سوء البخت بما يكون يسيرا سهل المحتمل. فإذا عرض للإنسان وأحتمله لم يكن فيه دلالة على كبر نفسه وعظم همته. ومن لم يكن سعيدا ولا سبقت له رياسة بهذه الصناعة الشريفة من تهذيب الأخلاق فإنه سينفعل إنفعالا قويا فيعرض له عند حلول المصائب إحدى الحالتين: أما الإضطراب الفاحش والألم الشديد والخروج بها إلى الحد الذي يرثى له ويرحم وأما أن يتشبه بالسعداء ويسمع مواعظهم فيظهر الصبر والسكون إلا أنه جزع الباطن متألم الضميرز وكما أن الأعضاء المفلوجة إذا حركت إلى اليمين تحركت إلى الشمال كذلك تكون حركات نفوس الأشرار تتحرك إلى خلاف ما يحملونها عليه من الجميل أعني إذا تشبهوا بالأجواد وأهل العدالة كانت هذه حالهم ".

стр. 95

رأى أرسطوطاليس في بقاء النفس ومما يستدل به من كلام أرسطوطاليس على أنه كان يقول ببقاء النفس والمعاد: كلامه المتداول في كتاب الأخلاق وهو هذا قال " قد حكمنا أن السعادة شيء ثابت غير متغير وقد علمنا أيضا أن الإنسان قد تلحقه تغيرات كثيرة واتفاقات شتى. فإنه قد يمكن لمن لمن هو أرغد الناس عيشا أن يصاب بمصائب عظيمة كمارمز في برنامس. ومن يتفق له هذه المصائب ومات عليها فليس يسميه أحد من الناس سعيدا. وليس ينبغي على هذا القياس أن يسمي إنسان من الناس سعيدا ما دام حيا بل ينتظر به آخر عمره ثم يحكم عليه. فالإنسان إذا أنما يصير سعيدا إذا مات. إلا أن هذا قول في غاية الشناعة إذا كنا نقول أن السعادة هي خير ما. ثم قال في هذا الموضع أيضا موضع شك. ثم قال في هذا الموضع أيضا موضع شك فإنه قد يظن بالميت أن يلحقه خير وشر إذ يلحق الحي أيضا وهو لا يحس به مثل الكرامة أو الهوان واستقامة أمر الأولاد وأولاد الأولاد. ففي هذه الأشياء خير لأنه قد يمكن فيمن عاش عمره كله إلى أن يبلغ الشيخوخة سعيدا وتوفى على هذا السبيل أن يلحقه مثل هذه التغيرات في أولاده حتى يكون بعضهم خيارا حسن السيرة وبعضهم يضد ذلك.

стр. 96

ومن البين أنه قد يمكن أن يوجد بين الآباء والأولاد تباين وإختلاف بكل جهة. ولكن من المنكر أن يكون الميت بتغير غيره يصير مرة سعيدا ومرةأخرى شقيا. ومن المنكر أن لا تكون أمور الأولاد متصلة بالوالدين في وقت من الأوقات. ولكن ينبغي أن نعود إلى ما كان الشك واقعا فيه. فهذا الشك الذي أورده أرسطوطاليس على نفسه في هذا الموضع هو شك من يعتقد أن للإنسان بعد موته أحوالا وأنه يتصل به لا محالة من أمور أولاده وأولاد اولاده أحوال مختلفة بحسب أخلاق سير الأولاد. فكيف تقول ليت شعري في الإنسان إذا مات سعيدا ثم لحقه من شقا بعض أولاده أو سوء سيرة من يحيا من نسله ما يكون ضد سيرته وهو حي فإنه أن غير سعادته كان هذا شنيعا وإن لم يلحقه أيضا شيء. من ذلك كان أيضا شنيعا. ثم أرسطوطاليس يحل هذا الشك بأن يقول ما هذا معناه: أن سيرة الإنسان ينبغي أن تكون سيرة محمودة لأنه يختار في كل ما يعرض له أفضل الأعمال من الصبر مرة ومن إختيار الفضل فالأفضل مرة. ومن التصرف في الأموال إذا اتسع فيها وحسن التجمل إذا عدمها ليكون سعيدا في جميع أحواله غير منتقل عن السعادة بوجه من الوجوه. فالسعيد إذا ورد عليه نحس عظيم جعل سيرته أكثر سعادة لأنه يداريه مدارة جميلة ويصبر على الشدائد صبرا حسنا. ومتى لم يفعل ذلك كدر سعادته ونغضها وجلب له أحزانا وغموما تعوقه عن أفعال كثيرة. والجميل إذا ظهر من السعداء في هذه الأحوال والأفعال كان أشد إشراقا وحسنا وذلك إذا احتمل ما كبر وعظم من المصائب احتمالا سهلا بعد أن لا يكون ذلك لا لعدم حسه ولا لنقصان فهمه بالأمور بل لشهامته وكبر نفسه

стр. 97

قال: إذا كانت الأفعال هي ملاك السيرة كما قلنا فليس يكون أحد من السعداء شقيا لأنه ليس يفعل في وقت من الأوقات أفعالا مرذولة. فإذا كان هكذا فالسعيد أبدا يكون مغبوطا وإن حلت به المصائب التي حلت ببرنامس ولا يكون أيضا شقيا ولا سريع التنقل من ذلك لأنه ليس ينتقل عن السعادة بسهولة ولا تنقله عنها الأوقات اليسيرة بل لا تنقله عنها الآفات العظيمة الكثيرة وليس يكون سعيدا إذا نالته هذه الأمور زمانا يسيرا بل إذا ظفر بأمور جميلة في زمان طويل. ثم قال بعد قليل: وأما حال الإنسان بعد موته فالقول بأن الآفات التي تعرض لأولاد الميت وأصدقائه بأجمعهم ليست تتعلق به أصلا مضاد لما يعتقده جميع الناس. وإذا كانت الأمور العارضة لهؤلاء كثيرة متيقنة وكان بعضها يتعدى إلى الميت أكثر وبعضها أقل صارت قسمتنا إياها إلى الأشياء الجزئية بلا نهاية. وأما إذا قيل قولا كليا وعلى طريق الرسم فخليق أن نكتفي بما نقوله فيها وهو أنه كما أن الآفات التي تعرض للميت في حياته بعضها يثقل عليه إحتماله ويثلم في سيرته وبعضها يخف عليه احتماله كذلك يكون حاله فيما يعرض لأولاده وأصدقائه وكل واحد من العوارض التي تعرض للأحياء مخالف لما يعرض لهم إذا ماتوا أكثر من مخالفة كل ما يضرب به المثل ويشبه إن كان يصل إليهم من هذه الأشياء شيء خيرا كان أو شرا أن يكون يسيرا نزرا بمقدار ما لا يجعل غير السعيد سعيدا ولا ينتزع السعادة من السعداء. هذا حل أرسطوطاليس للشك الذي أورده.

стр. 98

لذة السعادة ولما قلنا أن السعادة ألذ الأشياء وأفضلها وأجودها وأوضحها وجب أن يبين وجه اللذة فيها بأتم بيان كما قلناه فيما مضى. أن اللذة تنقسم إلى قسمين أحدهما لذة انفعالية والأخرى لذة فعلية أي فاعلة. فأما اللذة الإنفعالية فهي شبيهة بلذة الإناث واللذة الفاعلة تشبه لذة الذكور. ولذلك صارت اللذة الأنفعالية هي التي تشاركنا في الحيوانات التي ليست بناطقة وذلك أنها مقترنة بالشهوات ومحبة الإنتقام وهي انفعالات النفسين البهيميتين. وأما اللذة الأخرى فهي الفاعلة وهي التي يختص بها الحيوان الناطق ولأنها غير هيولانية ولا منفعلة انفعالا لأنها صارت لذة تامة وتلك ناقصة وهذه ذاتية وتلك عرضية. وأعني بالذاتية والعرضية أن اللذات الحسية المقترنة بالشهوات تزول سريعا وتنقضي وشيكا بل تنقلب لذاتها فتصير غير لذات بل تصير آلاما كثيرة أو مكروهة بشعة مستقبحة وهذه أضداد اللذة ومقابلاتها. وأما اللذة الذاتية فإنها لا تصير في وقت آخر غير لذة ولا تنتقل عن حالتها بل هي ثابتة أبدا. وإذا كانت كذلك فقد صح حكمنا ووضح أن السعيد تكون لذته ذاتية لا عرضية وعقلية لا حسبة وفعلية لا انفعالية والهية لا بهيمية.

стр. 99

ولذلك قالت الحكماء أن اللذة إذا كانت صحيحة ساقت البدن من النقص إلى التمام ومن السقم إلى الصحة. وكذلك تسوق النفس من الجهل إلى العلم ومن الرذيلة إلى الفضيلة. إلا أن ههنا سرا ينبغي أن يقف عليه المتعلم وهو أن ميله إلى اللذة الحسية ميل قوي جدا وشوقه إليها شوق مزعج ولا تزيد العادة في قوة الطبع الذي لنا كبير زيادة لفرط ما جبلنا عليه في البدء من القوة والشوق. ولذلك متى كانت هذه اللذة حسية قبيحة جدا ثم مال الطبع إليها بافراط وانفعل عنها بقوة استحسن الإنسان فيها كل قبيح وهون على نفسه منها كل صعب ولا يرى موضع الغلط ولا مكان القبيح حتى تبصره الحكمة. وأما اللذة العقلية الجميلة فأمرها بالضد. وذلك ان الطبع يكرهها فإن انصرف الإنسن إليها بمعرفته وتمييزه احتاج فيها إلى صبر ورياضة حتى إذا تبصر فيها وتدرب لها إنكشف له حسها وبهاؤها، وصارت عنده بمكان في الحسن. ومن هنا تبين أن الإنسان في إبتداء تكوينه محتاج إلى سياسة الوالدين ثم إلى الشريعة الإلهية والدين القيم حتى تهديه وتقومه إلى الحكم البالغة ليتولى تدبير نفسه إلى آخر عمره. وقد تبين مع ذلك تعلق السعادة بالجود. وذلك أنا قد بينا لذة فاعلة ولذة الفاعل أبدا تكون في الإعطاء ولذة المنفعل أبدا تكون في الأخذ. ولا تظهر لذة السعيد إلا بإبراز فضائله وإظهار حكمته ووضعها كفائته في مواضعها وكذلك البناء الحاذق والصانع اللطيف والموسيقاني المحسن.

стр. 100

وبالجملة كل صانع حاذق فاضل في صناعته ينسر بإظهار فضائله وإذاعتها بين أهلها ومستحقيها. وهذا هو معنى الجود إلا أن الجود بأعلى الأشياء وأكرمها أفضل وأشرف من الجود بأدونها وأخسها وقد عرض لهذا الجود مع شرفه وعلو مرتبته ضد ما عرض لذلك الجود الآخر مع نزارته وقلته. وذلك أن صاحب الأموال والمقتنيات الخارجة كلها ينتقص ماله بالإنفاق وينثلم بالبذل وتفني ذخائره. وأما صاحب السعادة العامة فإن أمواله لا تنقص بالإنفاق بل تزيد ولا تفنى ذخائره بالتبذير بل تنمو. وتلك معرضة للآفات الكثيرة من الأعداء واللصوص وسائر المتسلطين وهذه محروسة من كل آفة لا سبيل للأشرار والأعداء إليها بوجه ولا سبب. فقد ظهرت لذة السعيد كيف تكون ومن أين تبتدىء وإلى أين تنتهي وكيف يكون السرور الحقيقي واللذة الذاتية. وتبين أيضا أنها أبدية وتامة وإلهية وأن ضدها هو الشقاء لذاته بالضد وعلى العكس أعني أن لذاته كلها عرضية ومنتقلة عن طبائعها إلى أضدادها حتى مؤلمة أو مكروهة وأنها غير إلهية بل شيطانية وغير ممدوحة بل هي مذمومة. وذلك بأن ينظر في السعادة هل هي ممدوحة. فإن ارسطوطاليس يقول أن الأشياء التي هي في غاية الفضل لا يوجد لها مدح لأنها أفضل وأمدح وأجل من أن تمدح قال: وذلك أنا قد ننسب المتأهلين والخيار من الناس إلى السعادة وليس يوجد أحد من الناس يمدح السعادة نفسها كما يمدح العدل. لكنه يجلها ويكرمها إلى أنها أمر إلهي بالأشياء التي هي أفضل من المدح وهو الله تعالى

стр. 101

وإلى الخير فإن المدح هو الفضيلة والعمل بها. ثم انتهى كلامه هذا إلى أن قال: فالله تعالى أكرم وأشرف من أن يمدح بل إنما يمجدونه ونحن نمجد الله تعالى ونقدسه تمجيدا كثيرا. وأما السعادة فلأنها أمر إلهي وإنما تفعل الأشياء كلها لأجلها فهي كذلك أيضا ممجدة. فعلى هذا الأمر ينبغي أن لا تمدح السعادة لأنها أجل من كل مدح بل نمجدها في نفسها وتمدح الأمور كلها بها وبقدر قسطها منها.

стр. 102

المقالة الرابعة (ظهور الفضائل ممن ليس بسعيد ولا فاضل)

стр. 103

قد قلنا فيما سلف أن السعادة تظهر في الأفعال من العدالة والشجاعة والعفة وسائر ما تحت هذه الأنواع التي أحصيناها وحددناها. وهذه الأفعال قد تظهر ممن ليس بسعيد ولا فاضل. وذلك أنه قد يعمل بعض الناس عمل العدول وليس بعادل ويعمل عمل الشجعان وليس بشجاع ويعمل عمل الإعفاء وليس بعفيف. مثال ذلك أن من ترك الشهوات من المآكل والمشارب وسائر اللذات التي ينهمك فيها غيره إما أنه ينتظر منها أكثر مما يحضره وإما لأنه لا يعرفها ولم يباشرها كالأعراب الذين يبعدون عن البلاد وكالرعاة في البوادي وقلل الجبال. وإما لأنه ممتلىء مما يجده ويحضره وإما لجمود شهوته ونقصان تركيبه. وإما لأنه استشعر خوفا من تناولها مكروها يلحقه بسببها. وإما لأنه ممنوع منها. فإن هؤلاء كلهم يعملون عمل الإعفاء وليسوا بإعفاء على الحقيقة وإنما يسمى عفيفا على الحقيقة من وفي العفة حدها المذكور فيما تقدم واختارها لنفسها لا لغرض آخر غيرها وآثرها لأنها فضيلة ثم تناول كل واحدة من شهواته بمقدار الحاجة ومن الوجه الذي يعمل أعمال الشجعان وليس بشجاع. وذلك أن من باشر الحروب وأقدم على ركوب الأهوال لبعض مايوصل إليه المال أو لبعض الرغبات التي لا تحد كثرة فإن الأهوال لبعض ما يوصل إليه المال أو لبعض ما يوصل إليه المال أو لبعض الرغبات التي لا تحد كثرة فإن مثل هذا يعمل عمل الشجعان ولكن يعمله بطبيعة الشره لا بطبيعة الفضيلة التي تدعي شجاعة. وكل من كان أكثر إقداما واصبر على الأهوال لهذه الأحوال يجب أن يكون أكثر شرها ونهما لا أكثر شجاعة. وذلك أنه يخاطر بنفسه الشريفة ويصبر على المكاره العظيمة طمعا في المال وما يصل إليه بالمال.

стр. 104

وقد رأينا أهل الشقاوة يعملون عمل الإعفاء وعمل الشجعان وهم أبعد الناس عن كل فضيلة. وذلك أنهم يصبرون عن الشهوات كلها ويصبرون على عقوبات السلطان وضرب السياط وتقطيع الأعضاء والجراحات التي لا يؤمن منها وينتهون فيها لأقصى الصبر على الصلب وثمل العيون وقطع الأيدي والأرجل وضروب التمثيل طلبا لإسم وذكر بين قوم في مثل حالهم من سوء الإختيار ونقصان الفضائل. وقد يعمل أيضا عمل الشجعان من يخاف لأئمة عشيرته أوعقوبة سلطان أو خوف سقوط جاهه أو ما أشبه ذلك. وقد يعمل عمل الشجعان من اتفق له مرارا كثيرة أن يغلب أقرانه فهو يقدم ثقة منه بالعادة الجارية وجهلا بمواقع الإتفاقات. وقد يعمل عمل الشجعان العشاق وذلك أنهم يركبون الأهوال في طلب المعشوق لرغبتهم في الفجور أو لحرصهم على متعة العين منه لا لطلب الفضيلة ولا لإختيار الموت الجميل على الحياة الرديئة كما يفعل الشجاع بالحقيقة. وأما شجاعة الأسد. وذلك أنها قد وثقت بقوتها وأنها تفوق غيرها فهي تقدم لا بطبيعة الشجاعة بل لتمام القدرة وثقة النفس والغلبة. وهو كصاحب السلاح منا إذا قدم على الأعزل. وليست هذه شجاعة مع عدم الإختيار الذي يستعمله الشجاع

стр. 105

وذلك أن الشجاع خوفه من الأمر أشد من خوفه من الموت ولذلك يختار الموت الجميل على الحياة القبيحة. على أن لذة الشجاع ليست تكون في مبادىء أموره فإن مباديء الأمور تكون مؤذية له لكنها تكون في عواقب الأمور وتكون أيضا باقية مدة عمره وبعد عمره لا سيما إذا حامى عن دينه وعن اعتقاداته الصحيحة في وحدانية الله والشريعة التي هي سياسة الله وسنته العادلة التي بها مصالح العباد في الدنيا والآخرة. فإن مثل هذا فكر في قصر مدة عمره وعلم أنه لا محالة يحامي عن دينه ويمنع العدو من استباحة حريمه والتغلب على مدينته ويأنف من الفرار ويعلم أن الجبان إذا اختار الفرار فإنما يستبقي شيئا هو لا محالة فإن زائل وأن تأخر أياما معدودة. ثم هو في هذه الحياة اليسيرة ممفوت مكدر الحياة بالذل وضروب الصغار. وهذه حال الشجاع مع قوى نفسه أعني بمقاومة شهواته واستسلامه لذات الشجاعة بعينها. ومن سمع كلام الإمام صلوات الله عليه الذي صدوره عن حقيقة الشجاع إذ قال لأصحابه: ﴿أيها الناس إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفس ابن أب يطالب بيده لألف ضربة بالسيف على الرأس أهون من ميتة على الفراش﴾ . تبين له أن جميع ما أحصيناه للإنسان ليس بمعدود فيها وإن كان يشبهها بالصورة. ذلك أنه ليس كل من يقدم على الأهوال فهو شجاع ولا كل من لا يخاف من الفضائح فهو شجاع. وذلك أن من لا يفزع من ذهاب شرفه أوف ضيحة حرمه أو عند حدوث الرجفات والزلازل والصواعق أو الزمانة في الأمراض أو عدم الإخوان والأصدقاء أو عند إضطراب البحر وخول الأمواج والهواء الهائج فهو بأن يوصف بالجنون مرة وبالقحة مرة أولى بأن يوصف بالشجاعة.

стр. 106

وكذلك من خاطر بنفسه في وقت الأمن والطمأنينة بأن يثب من سطح عال أو يصعد مرتقى صعبا أو يحمل نفسه على خوض ماء غزير وهو لا يحسن السباحة أو يساور جملا هائجا أو ثورا صعبا او فرسا لم يرض من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك بل مرآة بالشجاعة وإظهار مرتبة الشجعان فهو بأن يسمى مطرمذا مائقا أولى منه بأن يسمى شجاعا. وأما من خنق نفسه خوفا من الفقر أو الذل أو أهلكها بالسم وما أشبهه من باب الضيم فهو بأن يوصف بالجبن أولى منه بأن يوصف بالشجاعة. وذلك أن الإقدام وقع منه بطبيعة الجبن لا بطبيعة الشجاعة فإن الشجاع يصير على مايرد عليه من الشدائد صبرا جميلا ويعمل أعمالا تليق بتلك الحال كما شرحناه فيما تقدم. ولذلك يجب أن يعظم الشجاع ويشح بنفسه وحقيق على السلطان خاصة والقيم بأمر الدين والملك أن ينافس فيه ويجل قدره ويعلي خطره ويميزه عن سائر من يتشبه به ممن ذكرناه. فقد تبين من جميع ما قلناه أن الشجاع هو الذي يستهين بالشدائد في الأمور الجميلة ويصبر على الأمور الهائلة ويستخف بما يستعظمه عوام الناس حتى بالموت لإختيار الأمر الأفضل ولا يحزن على مالا درك فيه ولا يضطرب عندما يفدحه من المصائب ويكون غضبه إذا غضب بمقدار ما يجب وعلى من يجب وفي الوقت الذي يجب. وكذلك يكون انتقامه على هذه الشرائط فإن الحكماء قالوا أن من لاينتقم يلحق قلبه ذبول فإذا انتقم عاد إلى حالته من النشاط وهذا الإنتقام إذا كان بحسب الشجاعة كان محمودا وإذا لم يكن كذلك كان مذموما.

стр. 107

فقد نقل إلينا في الأخبار المأثورة عمن أقدم على سلطان قوي ورام أن ينتقم منه فأهلك نفسه من غير أن يضر سلطانه روايات كثيرة وكذلك حال من أقدم على قرن قوي أو خصم ألد لا يستطيع مقاومته فإن الإنتقام منه يعود وبالا عليه وزيادة في الذل والعجز. فإذا ليست تنم شرائط الشجاعة والعفة إلا للحكيم الذي يستعمل كل شيء في موضعه الخاص به ويقدر أقساط العقل له. فكل شجاع عفيف حكيم وكل حكيم شجاع عفيف وهذه الحال بعينها تظهر فيمن عمل عمل الإسخياء وليس بسخي. وذلك أن من بذل أمواله في شهواته طلبا للسمعة والرياء أو تقربا إلى السلطان أو لدفع مضرة عن نفسه وحرمه وأولاده أو بذلها لمن لا يستحق من أهل الشر أوالملهين أو المساخرين أو بذلها لطمع في أكثر منها على سبيل التجارة والمرابحة فكل هؤلاء يعمل عمل الإسخياء وليس بسخي. أما بعضهم فيبذل ماله بطبيعة الشره وأما بعضهم فبطبيعة الطرمذة والرياء وبعضهم على طريق الإزدياد من المال والربح فيه وأما بعضهم فعلى سبيل التبذير وقلة المعرفة بقدر المال. وهذا أكثر ما يعرض للوارث ولمن لا يتعب في اكتساب المال فلا يعرف صعوبة الأمر فيه. وذلك أن المال صعب الإكتساب سهل الإنفاق والتفرقة قد شبهه الحكماء بمن يرفع حملا ثقيلا إلى قلة جبل ثم يرسله فإن الأمر في ترقيته واصعاده صعب ولكن إرساله من هناك أمر سهل.

стр. 108

الحاجة إلى المال واكتسابه بالطرق الشريفة العادلة الحاجة إلى المال ضرورية في العيش وهو نافع في إظهار الحكمة والفضيلة ومن اكتسبه من وجهه صعب عليه. وذلك أن المكاسب الجميلة قليلة ووجوهها يسيرة عند الرجل العادل الحر وأما غير العادل الحر فليس يبالي كيف اكتسبه ومن أين وصل إليه ولأجل ذلك يوجد كثير من الأحرار والفضلاء ناقصي الحظ منه. ويوجدون أيضا ذامين للبخت شاكين منه، وأما أضدادهم فلأجل أنهم يكتسبون المال من وجوه الخيانات ولا يبالون كيف وصل إليهم فإنهم يوجدون أبدا وافري الحظ منه وأسمى النفقات شاكرين لبخوتهم والعامة يغبطونهم ويحسدونهم. إلا أن لعاقل إذا رأى نفسه وهو برىء من المذمات نقي العرض من السوآت لم يتدنس بالقبيح منالمكاسب ولم يتطرق إليه بخيانة ولا سرقة ولا ظلم لمن هو دونه أو مثله وتجنب فيه وجوه العار والفضائح كالقيادة والخداع وترويج السلع القبيحة علىالملوك واستنزالهم عن أموالهم بالخدع والمكر ومساعتهم على الفواحش وتحسين القبائح فيما يوافق هواهم، وما يجري مجرى ذلك من السعاية والنميمة والغيبة وضروب الفساد التي يرتكبها طلاب المال من غير وجهه بضروب المغابنات ووجوه الظلم يسر بنفسه ويعتاض من المال الراحة والمحمدة فلا يلوم البخت ولا يبغض الدول ولا يحسد أصحاب الأموال المكتسبة من غير وجوهها الجميلة.

стр. 109

فهذه أحوال المكتسبين للأموال ومنفقيها وكذلك حال من عمل عمل العدول وليس بعدل. وذلك أنه إذا عدل في بعض الأمور مراآة ليصل به إلى كرامة أو مال أو غير ذلك من الشهوات أو لغرض آخر مما عددناه فيما تقدم فليس يسمي عادلا وإنما يعمل عمل العدول للغرض الذي يقصده. وينبغي أن ينسب فعله إلى غرضه فإنه بحسب هذا يفعل ذلك كما قلنا وشرحنا. العادل فأما العادل بالحقيقة فهو الذي قواه وأفعاله وأحواله كلها حتى لا يزيد بعضها على بعض ثم يروم ذلك فيما هوخارج عنه من المعاملاب والكرامات ويقصد في جميع ذلك فضيلة العدالة نفسها لا غرضا آخر سواها وإنما يتم له ذلك إذا كانت له هيئة نفسانية أدبية تصدر عنها أفعاله كلها بحسبها. ولما كانت العدالة وسطا بين أطراف وهيئة يقتدر بها على رد الزائد والناقص إليها صارت أتم الفضائل وأشبهها بالوحدة. وأعني بذلك أن لوحدة هي التي لها الشرف الأعلى والرتبة القصوى. وكل كثرة لا يضبطها معنى يوحدها فلا قوام لها ولا نبات. والزيادة والنقصان والكثرة والقلة هي التي تفسد الأشياء إذا لم يكن بينها مناسبة تحفظ عليها الإعتدال بوجه ما. فالإعتدال هو الذي يرد إليها ظل الوحدة ومعناها. وهو الذي يلبسها شرف الوحدة ويزيل عنها رذيلة الكثرة والتفاوت والإضطراب الذي لا يحد ولا يضبط بالمساواة التي هي خليفة الوحدة في جميع الكثرات واشتقاق هذا الإسم يدلك على معناه.

стр. 110

وذلك أن العدل في الأحمال والإعتدال في الأثقال والعدالة في الأفعال مشتقة من معنى المساواة والمساواة هي أشرف النسب المذكورة في صناعة الأرتماطيقي ولذلك لا تنقسم ولا يوجد لها أنواع وإنما هي وحدة في معناها أو ظل للوحدة. فإذا لم نجد المساواة التي هي المثل بالحقيقة في الكثرة عدلنا إلى النسب المذكورة التي تنحل إليها وتعود إلى حقيقتها. وذلك أنا حينئذ نضطر إلى ان نقول نسبة هذا إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا. ولذلك لا توجد النسبة إلا بين أربعة أو ثلاثة يتكرر فيها الوسط فتصير أيضا أربعة والنسبة الأولى تسمى منفصلة والثانية تسمى متصلة. ومثال الأولى اب ج د فنقول نسبة (١) إلى (ب) إلى (د) . ومثال الثانية أن نأخذ الباء مشتركا فنقول نسبة (١) إلى (ب) كنسبة (ب) إلى (ج) وهذه النسبة توجد بين ثلاثة أشياء. وهي النسبة العددية والنسبة المساحية والنسبة التأليفية وجميع ذلك مبين مشروح في المختصر الذي عملناه في صناعة العدد. وأما سائر النسب فراجعة إليها ولذلك عظمها الأوائل واستخرجوا بها العلوم الجمة الشريفة ولما كانت نسبة المساواة عزيزة لأنها نظيرة الوحدة عدلنا إلى حفظ هذه النسب الأخر في الأمور الكثيرة التي تلابسها لأنها عائدة إليها وغير خارجة عنها فنقول:
следующие страницы →