Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
المحرم، ودفن بها من يومه، وقد نيف على السبعين سنة من العمر ﵀.
أبو الوحش بن القدسي أبي الخير بن أبي سليمان داود بن أبي المثنى بن أبي فانة المنعوت بالرشيد، المعروف بابن أبي حليقة النصراني والد علم الدين ابن رئيس الأطباء بالديار المصرية.
كان الرشيد له التقدم والشهرة في معرفة صناعة الطب بالديار المصرية، وتوفي ليلة الاثنين سابع ربيع الأول بالقاهرة، ودفن يوم الاثنين بمقابر باب الخندق، وله من العمر خمس وثمانين سنة.
وكان ولده علم الدين أسلم في حياته، ومن بعده إلى الملك الظاهر ركن الدين، وسبب الحلقة التي وضعت في أذنه أن والده لم يعش له ولد ذكر، فوصف له ووالدته حامل أن تهيأ حلقة فضة قد تصدق بفضتها، وفي الساعة التي يوضع فيها من بطن أمه يثقب أذنه، ويوضع الحلقة فيها، ففعل ذلك فعاش وعاهدته والدته أن لا يقلعها، وجاءه أولاد فماتوا، فعمل حلقة حلقة على الصورة لولده المهذب في سعد. وسبب اشتهاره بأبي حليقة أن الملك الكامل بن العادل قال لبعض الخدام: اطلب الرشيد الطبيب من الباب، وجماعة الأطباء بالباب، فقال الخادم: من هو منهم؟ قال: أبو حليقة، فطلب واشتهر بذلك.
السنة السابعة والسبعون وستمائة
استهلت يوم الأربعاء وافق ذلك الخامس والعشرين من حزيران
стр. 1192
من شهور الروم، والخليفة الإمام الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد؛ وهو بقلعة الجبل من الديار المصرية، وملك الديار المصرية والشام الملك السعيد ناصر الدين أبو المعالي محمد بركة قان بن الملك الظاهر بيبرس وهو بالديار المصرية.
ففي يوم الخميس بكرة النهار ثالث وعشرون المحرم دخل قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ﵀ مدينة دمشق، وخرج نائب السلطنة الأمير عز الدين ايدمر بجميع الموكب والأمراء لتلقيه إلى آخر الجسورة، وخرج أهل البلد إلى مسجد القدم، وأما رؤساء البلد وعدوله فتلقوه عدة مراحل بحيث أن وصل منهم جماعة رمح، ولم يزالوا متواصلين إليه في كل مرحلة، وسرّ الناس بولايته سروراً مفرطاً، ومدحه الشعراء وهنؤه بقدومه، ولم يبق من الأدباء من لا مدحه بغرر القصائد وهي مذكورة في دواوينهم. وانشده الشيخ رشيد الدين عمر بن إسماعيل الفارقي من لفظه لنفسه:
أنت في الشام مثل يوسف في مص ... ر وعندي أن الكرام جناس
ولكل سبع شداد بعد الس ... بع عام فيه يغاث الناس
وعمل الفقيه شمس الدين محمد بن جعوان النحوي ﵀ في المعنى يقول:
لما تولى قضاء الشام حاكمه ... قاضي القضاة أبو العباس ذو الكرم
من بعد سبع شداد قال خادمه ... ذا العام فيه يغاث الناس بالنعم
стр. 1193
وقال سعد الدين سعد الله بن مروان الفارقي ﵀ في المعنى وهو قوله:
أذقت الناس سبع سنين جدباً ... غداة هجرته هجراًجميلاً
فرزقه الإله بأرض مصر ... مددت عليه من كفيك نيلا
وعمل نور الدين أحمد بن مصعب في ولايته وعزل القاضي عز الدين:
رأيت أهل الشام طرّاً ... ما فيهم قط غير راضي
نالهم الخير بعد شر ... فالوقت بسط بلا انقباض
وعوضوا فرحة بحزن ... قد أنصف الدهر في التقاضي
وسرهم بعد طول غم ... قدوم قاض وعزل قاض
فكلهم شاكر وشاك ... بحال مستقبل وماضي
وفي يوم الأربعاء ثالث عشر صفر ذكر الدرس بالمدرسة الظاهرية بدمشق قبالة العادلية الكبيرة، وهي على فرقتين شافعية وحنفية، وحضر الأمير عز الدين ايدمر الظاهري نائب السلطنة هو والعلماء الأعيان، وكان مدرس الشافعية الشيخ رشيد الدين عمر بن إسماعيل الفارقي، ومدرس الحنفية صدر الدين سليمان الحنفي، ولم تكن عمارة المدرسة تكلمت إلى ذاك التاريخ.
وفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول كسر الخليج الكبير بالقاهرة وقد غلق ماء السلطنة على ما جرت به العادة لله الحمد.
стр. 1194
وفي يوم الخميس عاشر جمادى الأولى باشر الحكم بدمشق عوضاً عن القاضي مجد الدين عبد الرحمن بن العديم رحمه الله تعالى قاضي القضاة صدر الدين رسلان ﵀ بمقتضى تقليد سلطاني ورد عليه في ذلك النهار من الديار المصرية.
وفي عشية الاثنين تاسع وعشرين من شهر رمضان المعظم باشر الأحكام الشرعية بدمشق عوضاً عن الشيخ صدر الدين سليمان بحكم وفاة قاضي القضاة حسام الدين أبي الفضائل الحسن بن القاضي تاج الدين أحمد بن القاضي جلال الدين الحسن بن أنوشروان الرازي الحنفي قاضي ملطية وما جاورها من بلاد الروم بمقتضى تقليد سلطاني سعيدي ورد عليه من الديار المصرية في هذا التاريخ، وكان خروجه من بلاد الروم إلى دمشق في سنة خمس وسبعين عندما عاد الملك الظاهر من قيسارية بعد كسرة التتر على البلستين، ومولده بأقصرا من بلاد الروم في ثالث عشر المحرم سنة إحدى وثلاثين وست مائة.
وفي العشر الأول من ذي القعدة تقدم قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ﵀ بفتح المدرسة التي أوقفها الأمير جمال الدين آقوش النجيبي رحمه الله تعالى جوار المدرسة النورية بدمشق، وبفتح الخانكاة التي أوقفها بالشرف القبلي المطلة على الميدان الأخضر بما إليه من الولاية الخاصة والعامة، وذكر الدرس بالمدرسة بنفسه مدة يسيرة، ثم نزل عنها لولده
стр. 1195
كمال الدين موسى، وكان سبب تأخر فتح المكانين عن تاريخ وفاة الواقف شمول الحوطة للتركة والأوقاف فحين تهيأ الإفراج عن المكانين فتحا.
وفي العشر الأوسط منه خرج الملك السعيد من الديار المصرية بجميع العساكر قاصداً دمشق، وكان دخوله إلى قلعتها في خامس ذي الحجة وخرج أهل دمشق كافة إلا القليل لملتقاه، وزينوا ظاهر البلد وباطنها وسروا بمقدمه سروراً عظيماً، وعمل عيد النحر بقلعة دمشق، وصلى صلاة العيد بالميدان الأخضر.
وفي يوم الثلاثاء خامس ذي الحجة وقعت الحوطة على الصاحب تاج الدين محمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم بدمشق لورود البريد مخبراً بموت جده الصاحب بهاء الدين، وكان تاج الدين وصل دمشق يوم الاثنين رابع ذي الحجة، ونزل بدار بني الزكي بباب البريد، وكانت وفاة جده ليلة الخميس سلخ ذي القعدة، فقال:
بنينا وعلّينا ورحنا كما ترى ... وأعمالنا مكتوبة سوف تعرض
فيا معشر الناس الذين تمولوا ... بأموالنا بالله لله أقرضوا
وفي يوم عرفة منه باشر الوزارة عن الملك السعيد بالديار المصرية الصاحب برهان الدين الخضر بن الحسن الزراري السنجاري بحكم وفاة الصاحب بهاء الدين ﵀ بمقتضى تقليد سلطاني ورد عليه من دمشق. ومولد برهان الدين في سنة أربع عشرة وست مائة في جبال بلد إربل
стр. 1196
رحمه الله.
وفي الشهر المذكور قلد وزارة الشام الصاحب فتح الدين عبد الله بن القيسراني وبسط يده وأمر القضاة وغيرهم بالركوب معه أول مباشرته.
وفي العشر الآخر من الشهر المذكور جهّز الملك السعيد العساكر إلى بلاد سيس للنهب والإغارة، ومقدمهم الأمير سيف الدين قلاوون الألفي. وأقام الملك السعيد بدمشق في نفر يسير من الأمراء والخواص، وكان في مدة غيبة العسكر يكثر التردد إلى الزيبقية من قرى المرج يقيم بها أياماً ويعود.
وفي يوم الثلاثاء سادس وعشرين منه جلس الملك السعيد بدار العدل داخل باب النصر بدمشق، وأسقط في المجلس المذكور عن أهل دمشق ما كان قرره والده الملك الظاهر عليهم في كل سنة قطيعة على البساتين بجميع الغوطة، فسر الناس بذلك، وتضاعفت أدعيتهم له ومحبتهم فيه، كأن ذلك كان أجحف بأرباب الأموال والأملاك بحيث ود كثير منهم لو أخذ ملكه وأعفى من الطلب، فبادر الملك السعيد ﵀ إلى اغتنام هذه الحسبة، وحاز أجرها وشكرها وبرّ وضجع والده وتعفيه أثرها.
وفيها:
؟ توفي إبراهيم بن أحمد بن أبي الفرج بن عبد الله أبو العباس زين الدين الحنفي المعروف بابن السديد أمام مقصورة الحنفية شمالي جامع دمشق وناظر
стр. 1197
وقفها.
كان رجلاً جيداً كثير الخير، عنده ديانة ومروءة ومكارم أخلاق وعدالة. وكانت وفاته يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الأولى في بستاني بالمزة، ودفن بسفح قاسيون، وقد نيف على خمس وستين سنة وهو حمو الحاج أحمد المصري النحوي المقدم ذكره رحمه الله تعالى.
آقسنقربن عبد الله الأمير شمس الدين الفارقاني.
كان قديماً مملوك الأمير نجم الدين أمير حاجب الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد بن خليل ﵀. ثم انتقل بعد مدة إلى الملك الظاهر، وتقدم عنده وجعله أستاد دار الكبير، فإن الملك الظاهر كان له عدة أستاد دراية، لكن لم يكن فيهم عنده أكبر من المذكور. وكان أكثر الاعتماد عليه والوثوق به يستنيبه في غيبته، ويقدمه على عساكره، ولم يزل عنده في أعلى المراتب إلى أن توفي الملك الظاهر، وهو على ذلك الحال. ثم إن الملك السعيد ﵀ بعد وفاة الأمير بدر الدين الخزندار ﵀ جعله نائب السلطنة في سائر الممالك على ما كان عليه الخزندار، فلم ترض حاشية الملك السعيد وخاصكيته ذلك، فوثبوا عليه وأمسكوه واعتقلوه، ولم يسع الملك السعيد إلا موافقتهم على قصدهم، وكان مسكه في السنة الخالية كما تقدم شرحه، فقيل أنه قتل عقيب مسكه، وقيل أن وفاته تأخرت إلى هذه السنة، وأنه مات حتف أنفه في مجلسه بقلعة الجبل من الديار المصرية ﵀ وعمل عزاؤه تحت النسر بدمشق بجامعها في يوم الخميس ثالث جمادى الأولى من هذه السنة وهو في عشر الخمسين. كان وسيماً جسيماً شجاعاً مقداماً كريماً، كثير البر والصدقة، خبيراً بالتصرف حسن التدبير، عليه مهابة شديدة
стр. 1198
مع لين كلمة، وهو الذي توجع إلى الديار المصرية مبشراً بكسرة كتبغانوين والتتر على عين جالوت في شهور سنة ست وخمسين وست مائة.
حكى لي أن سبب ترقيه عند الملك الظاهر ﵀ أنه سير عشرة هو مقدمهم لكشف بلاد الجزيرة وتلك النواحي. فلما شارفوا الفرات وجدوها زائدة جداً لا يمكن عبورها، فرجعوا إلا هو، امتنع من الرجوع وقال لهم: قد ندبني السلطان في مهم فإما قمت به أو مت دونه. ثم جعل ثيابه وعدته مشدودة وحملها على رأسه وسبح بفرسه حتى قطع الفرات وحده، وكشف الجزيرة وظفر بجاسوس معه كتب فأخذها منه، واجتمع بقوم هناك عيون للمسلمين، واستعلم منهم الأخبار وعاد بعد إقامته هناك أياماً، وخاض الفرات ثانياً كما خاضها أولاً. ورجع إلى الملك الظاهر فأخبره بالخبر فعظم محله عنده، وارتفعت منزلته لديه، وكان أمير عشرة؛ فاتفق في الحال الراهنة وفاة أمير بطبلخاناة بالديار المصرية، وأخبر الملك الظاهر بوفاته والفارقاني بين يديه يحدثه فأعطاه خبزه، وظهرت منه الكفاية، فضاعف الإحسان إليه وزيادته وترقيه إلى أن بلغ أعلى المراتب.
أقطون بن عبد الله الأمير علاء الدين المهمندار أحد أمراء الشام.
كان شاباً حسناً، عنده شجاعة ومعرفة وديانة. توفي بدمشق ليلة الأحد ثامن شعبان، ودفن من الغد بسفح قاسيون، وقد نيف على أربعين سنة. ولما حضرته الوفاة ادعى بثلث ماله تصرف في وجوه البر حيثما يراه
стр. 1199
الوصي، وكان من غلمان نجم الدين أمير حاجب الملك الناصر - رحمه الله تعالى.
آقوش بن عبد الله أبو سعيد جمال الدين النجيبي الأمير الكبير. هو من عتقاء الملك الصالح نجم الدين أيوب وذوي المكانة عنده، أمّره وجعله أستاد داره وكان معتمداً عليه ويثق به ويسكن إليه. مولده سنة تسع أو عشر وست مائة وجعله الملك الظاهر أستاد داره في أول الدولة، ثم جعله نائب السلطنة عنه بالشام مدة تسع سنين وعزل عن ذلك قبل وفاته بسبع سنين وانتقل إلى القاهرة، وأقام بداره بطالاً إلى حين وفاته، وحرمته في الدولة كبيرة ومكانته عالية. ولما تمرض عاده الملك السعيد، وتوفي ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر بالقاهرة المعزية بداره بدرب ملوخيا، ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة بتربته التي أنشأها بالقرافة الصغرى؛ وكان لحقه فالج قبل موته بأربع سنين، واستمر به ثم عرض له قبل وفاته بأحد عشر يوماً احتباس الاذاقة. وكان كثير الصدقة، محباً في العلماء والفقراء، حسن الاعتقاد، شافعي المذهب، متغالياً في السنة وحب الصحابة ﵃؛ وعنده تحامل كثير على الشيعة لا يملك نفسه في ذلك. وأوقف أوقافاَ منها بمدرسته التي بدمشق جوار مدرسة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ﵀. وبنى بها تربة حسنة، وفتح لها شباكين إلى الطريق، ولم يقدر دفنه بها. ووقف خانكاة ظاهر دمشق بالشرف القبلي غربي خانكاة المجاهد إبراهيم ﵀. ووقف خانا ومداراً للسبيل على طريق الجسورة، ووقف على ذلك أوقافاً صالحة، وجعل النظر في ذلك لقاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان -
стр. 1200
رحمه الله. وكان من أعيان الأمراء وكبرائهم، وذوي الرأي والخبرة والمعرفة والدراية، متقدماً في الدول ﵀.
ايدكين بن عبد الله علاء الدين الشهابي. أحد امراء دمشق الأعيان، مشهوراً بالشجاعة، تولى نيابة السلطنة بحلب وشدّ دواواينها مدة أخرى. وكان عنده معرفة وخبرة، ومحبة للفقراء وحسن ظن بهم وإحسان إليهم. فتوفي بدمشق ليلة الاثنين خامس عشر ربيع الأول، ودفن من الغد بسفح قاسيون بتربة الشيخ عثمان الرومي ﵀ وهو في عشر الخمسين ﵀. ووقف حديقته داخل باب الفرج بدمشق ففتحت، ورتب بها الصوفية وفتح بها شباكاً مطلاً على الطريق، وعمل عليه نصيبة مكتوب عليها اسم الواقف ﵀ وتاريخه. والشهابي نسبة إلى الطواشي شهاب الدين الرشيد الكبير الصالحي النجمي ﵀.
بلبان بن عبد الله الأمير سيف الدين الزيني الصالحي النجمي، أحد أمراء دمشق العيان. كان في أول دولة الترك بالديار المصرية مقدم البحرية، ثم حبس مدة سنين، وأفرج عنه وأعطى أمرية بدمشق فأقام بها إلى أن توفي ليلة الثلاثاء تاسع شهر رمضان المعظم بجبل الصالحية، ودفن من الغد بالقرب من تربة الملك المعظم ﵀. وكان عنده نهضة وكفاية وشجاعة. والشهابي نسبة إلى الأمير شهاب الدين أحمد أمير خزندار الملك الصالح نجم الدين أيوب.
стр. 1201
سليمان بن أبي العز أبو الربيع صدر الدين الحنفي شيخ المذهب. كان إماماً عالماً عارفاً بمذهبه متبحراً فيه، وعنده فضائل أخر. درّس مدة بدمشق، وأفتى واشتغل، وقرأ عليه جماعة وانتفعوا به. ثم استوطن الديار المصرية ودرّس بالمدرسة الصالحية بين القصرين بالقاهرة للطائفة الحنفية، وتولى الحكم بمصر واعمالها مدة سنين. ثم انتقل إلى الشام قبل وفاته بيسير، وفارق الديار المصرية. فلما توفي قاضي القضاء مجد الدين عبد الرحمن بن العديم ﵀ قلد القضاء بالشام على مذهبه في عاشر جمادى الأولى فلم يستكمل فيه ثلاثة شهور. وأدركته منيّته في سادس شعبان بدمشق ليلة الجمعة ودفن من الغد بعد صلاة الجمعة بداره بسفح قاسيون، وبلغ ثلاثاً وثمانين سنة ﵀. كان الملك المعظم بن الملك العادل - رحمهما الله - قد زوّج مملوكه بجاريته، وكلاهما جميل الصورة، فعمل الشيخ صدر الدين يقول:
يا صاحباي قفا لي فانظرا عجباً ... أتى به الدهر فينا من عجائبه
البدر أصبح فوق الشمس منزله ... وما العلو عليها من مراتبه
أضحى يماثلها حسناً وصار لها ... كفواً وصار إليها في مواكبه
فاشكل الفرق لولا وشي يمنته ... بصدغه واخضرار فوق شاربه
وله نظم غير هذا. وسمع وحدث وصنف ولم يخلف بعده في مذهبه مثله فيما علمنا - رحمه الله تعالى.
стр. 1202
سنجر بن عبد الله الأمير علم الدين التركستاني. كان من أعيان الأمراء بالشام وأماثلهم. له حرمة وافرة، وعنده شجاعة وإقدام وتجمل في امريته.
توفي بدمشق يوم الثلاثاء ثامن جمادى الأولى ودفن بسفح قاسيون وقد نيف على خمسين سنة من العمر - رحمه الله تعالى - وهو أخو الأمير عز الدين ايبك الاسكندري المقدم ذكره - رحمه - لأبويه، وأخوه كندغدي الحسامي الجوكنداري لأبيه - والله أعلم.
طه بن إبراهيم بن أبي بكر بن أحمد بن بختيار جمال الدين الهذباني الاربلي. كان عنده فضيلة وأدب، ورئاسة وتوصل وحسن مداخلة. وله يد في النظم، وتحيل في الذهوب. توفي بالشارع من ضواحي القاهرة يوم الثلاثاء ثالث وعشرين جمادى الأولى. ومولده باربل سنة أربع وتسعين وخمس مائة - رحمه الله تعالى. أنشد الملك الصالح وقد تحدثا في أحكام النجوم والعمل بها لنفسه، فقال:
دع النجوم لطرقي يعيش بها ... وبالعزيمة فانهض أيها الملك
ان النبي وأصحاب النبي نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا
وكتب إلى بعض أصحابه - وكان يلقب بالشمس - وقد انقطع عن زيارته في رمد حصل له:
يقول لي الكحال عينك قد هدت ... فلا تشغلن قلباً عليها وطب نفسا
ولي مدة يا شمس لم أر كم بها ... وايّة برأي العين أن ينظر الشمسا
стр. 1203
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
البيض أقبل في الحشا ... وبهجتني منها الحسان
والسمر ان قتلت فمن ... بيض يصاغ لها لسان
وقال في زير اربل:
مولاي دعوة بائس عن عيلة ... لطفان بالاطلاق نار غياله
قعد الزمان به فقام يحمله ... نحو ابن موهوب عزى آماله
اي رب ابقى في المنازل واستجب ... مني دعائي يا نبي وآله
أولاني الأفراح أي صنيعة ... أولى واردفها بخالص ماله
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
ألا قف بالأجيرع والكثيب ... ونادي نحوه هل من مجيب
وحتى أهيلة عن مستهام ... أسير موثق صبّ كثيب
لعل الله يرجع لي زماناً ... قضيناه على رغم الرقيب
لممشوق القوام إذ تثنى ... رجعت عن المديح إلى النسيب
سقاني الراح من يده وفيه ... فكان لي الأمان من المشيب
يغيب عن النواظر خوف واش ... ويبرز في سويداء القلوب
له مني المصرّع والمقفّى ... ولي منه معالجة الكروب
وأخشاه ولا الأسد الضواري ... فيا لله من رشأ قريب
وأهون من صوارم مقلتيه ... ملاقاة الكتائب والحروب
стр. 1204
أسائل عن سواه وهو قصدي ... ولا يخفى مسائلة المريب
دعا لي بالتسلي عنه قومي ... فلا تك يا إله بمستجيب
فقد أنست فيه وفي زماني ... بجيش الملك من فرج قريب
وما ... لست فيه ... أعالج للردى داع النقيب
يجاءك من بلد خبيث ... فلست تطيب إلا للغريب
إربل! لا سقاك الله غيثاً ... فقد أفقرت من رجل لبيب
أرى العزاء قد ملئت لياماً ... وقد ضاقت على الشيخ الوهوب
فما في ماليكها من معين ... على صرف الزمان ولا الخطوب
ولا في قاطنيها أريحيى ... ولا في ساكنيها من طروب
ألا اجرى الإله بليد سوء ... تحكم فيه عبّاد الصليب
وحضر ليلة في جماعة عند الصاحب شرف الدين المبارك بن المستوفى في دكة بستان داره، فجاء الغيث فقام الصاحب مسرعاً، والجماعة معه فدخلوا الدار، فعمل طه على البديهة يقول:
دخول لاقبال الشتاء مبارك ... عليك ابن موهوب إلى آخر الدهر
ففر من القطر المسلم عشية ... فلم نر بحراً قط فرّ من القطر
ظافر بن مضر بن ظافر بن هلال أبو منصور جمال الدين الحموي الأصل، المصري الدار، الشافعي الفقيه، وكيل بيت المال بالديار المصرية. مولده
стр. 1205
بمصر في ثامن صفر سنة إحدى وست مائة، توفي بها في سابع عشر ذي القعدة من هذه السنة ودفن بسفح المقطم. روى عن ابن باقا وغيره، وله نثر ونظم ورئاسة، ولا يقدر على إمساك الريح ففشوا حاله في ذلك في مجالس الملوك وغيرها لعلمهم بعذره - رحمه الله تعالى. وكان له مكانة عند الملك الصالح نجم الدين أيوب ﵀ بحيث كتب في وصيته التي عهد بها إلى غلمانه وولده إقراره على وكالة بيت المال، فلم يزل عليها إلى أن توفي - رحمه الله تعالى.
عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الحسن بن عبد الله أبو الحسن بن عثمان جمال الدين ابن الشيخ نجم الدين البادرائي. درس بمدرسة والده ﵀ بدمشق إلى حين وفاته. وكان حسن الأخلاق، كريم الشمائل توفي إلى رحمة الله تعالى بدمشق يوم الأربعاء سادس شهر رجب، ودفن من يومه بسفح قاسيون، وقد نيف على خمسين سنة من العمر ﵀.
عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير أبو المجد مجد الدين العقيلي الحلبي الحنفي، قاضي القضاة. كان فاضلاً إماماً عالماً عابداً ورعاً، كثير الديانة والورع، من صدور الاسلام، تام الرئاسة حسن المعاملة للناس، ليّن الجانب، كثير الأدب والسكون والحشمة، ذو عقل وافر ودين متين وبرّ كثير وإحسان شامل؛ وله عقيدة جميلة في الفقراء والصالحين. ووالده الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد ابن العديم؛ -
стр. 1206
رحمه الله - قد تقدم ذكره. وبيته مشهور بالتقدم والرئاسة والفضيلة والعلم ﵀. وقد تقدم ذكره بسماع العلم والحديث، سمع من جماعة من المشايخ وحدث ودرّس وأفتى، وولي الخطابة بجامع القاهرة الكبير، وهو أول حنفي ولي ذلك. ثم انتقل إلى الشام وولي قضاء القضاة على مذهبه، ولم يزل مستمراً فيه مع تدريس عدة بدمشق إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى ورضوانه بحوسقه الذي على الشرف القبلي ظاهر دمشق في يوم الثلاثاء سادس عشر ربيع الآخر، ودفن عصر النهار المذكور في تربة أنشأها قبالة الجوسق ﵀ المشار إليه. ومولده مستهل جمادى الأولى سنة أربع عشرة وست مائة بحلب ﵀.
وأسمعه والده صغيراً وكبيراً في كثير من البلاد الاسلامية على مشايخ وقته، فمنهم: أبو العباس أحمد بن تميم بن هشام بن جنون اللبلي الاندلسي، أحضره والده للسماع عليه بحلب سنة سبع عشرة وست مائة، وسمع من أحمد بن الخضر بن هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن علي بن طاوس الخضر بن موسى بن عباس بن طاوس البغدادي في رابع شوال سنة ثلاث وعشرين وست مائة بدمشق؛ ومن أبي العباس أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن الميمون القسطلاني الفقيه الزاهد تجاه الكعبة المعظمة في منتصف ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وست مائة؛ ومن أبي العباس أحمد بن محمد بن بختيار المعروف بابن المندائي تجاه الكعبة المعظمة - زادها الله
стр. 1207
تعالى شرفاً وتعظيماً - في سابع عشر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وست مائة؛ وربما سمع منه مسنده إلى أحمد بن أبي الحواري. قال: تمنيت أن أرى أبا سليمان الداراني في المنام. فرأيته بعد سنة، فقلت ما تعلم ما فعل الله بك؟ قال: يا أحمد! جئت من باب الصغير فرأيت وسق شيح فأخذت منه عوداً ما اوري تخللت به وأوريت به، فأنا في حسابه من سنة إلى هذه الغاية.
وسمع من أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله بن الجباب في العشر الثاني من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين وست مائة بمكة - شرفها الله تعالى - تجاه الكعبة المعظمة وداخلها؛ ومن ابن العباس أحمد بن محمد بن محمود بن أحمد بن علي الحمودي في سادس شوال سنة ثلاث وعشرين وست مائة بجامع دمشق؛ ومن أبي المعالي أحمد بن محمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن يحيى بن بندار بن ممسك الشيرازي في عاشر صفر سنة أربع وعشرين وست مائة بدمشق؛ ومن أبي العباس أحمد بن نصر بن أبي القاسم العميرة الازجي ببغداد؛ ومن الملك المحسن أبي العباس أحمد بن نصر بن أبي القاسم بن يوسف بن أيوب بن شاذي بحلب، ومن أبي إسحاق إبراهيم بن طاهر الخشوعي بحلب في رابع شوال سنة ثلاث وعشرين وست مائة بدمشق؛ ومن أبي إسحاق إبراهيم بن خليل بن عبد الله
стр. 1208
الدمشقي بحلب، ومن أبي إسحاق إبراهيم بن ربيع بن ريحان بن غالب الديري الضرير في سلخ جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وست مائة بحلب، وما حدثه به مشافهة.
قال: كنت بماردين في سنة سبع وستين وخمس مائة. فقيل لي: ان الرجل الحطاب الذي اختطف قد جاء، فمضيت إليه مع جماعة وسألناه عن اختطافه، فأخبر أنه كان في البستان يحتطب فوجد حية على شجرة فقتلها، قال: فاختطفت من وقتي وغاب رشدي عني، ولم أعلم بنفسي إلا وأنا بين قوم لا أعرفهم في أرض لا أعرفها، فرأيت شخصاً وقد أتى إلي، وأخذ بيدي وسحبني إلى بين يدي شخص شيخ جالس على تخت عال، فقال له: يا سيدي! هذا قتل أخي، فقال لي ذلك الشيخ: أقتلت أخاه؟ فقلت: لا، فكرر عليّ القول، وأنا أنكر، وقلت له في آخر الكلام: ما قتلت إلا حية. فقال ذلك الشخص: فذاك هو أخي. فقال: خلّ عنه فإني سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: " من تزايا في غير صورته فقتل فلا دية عليه ولا قود ". قال: فأخذني شخص آخر وأجلسني في مكان، وكان يتردد إليّ في كل يوم ويجيئني بشيء آكله في هذه المدة، ثم أتى إليّ الشخص الذي كان يأتيني بالطعام، وقال: أتريد أن تمضي إلى أهلك؟ فقلت: نعم؛ فأخذ بيدي وأتى بي إلى بين يدي ذلك الشيخ، فقال لي الشيخ: أتريد أن تمضي إلى أهلك؟ فقلت: نعم، فقال: اذهبوا به إلى الموضع الذي أخذ منه. قال: فأخذ بيدي ذلك الشخص الذي كان يأتيني بالطعام لينصرف بي، فوقفت
стр. 1209
وقلت: يا سيدي! سمعتك تقول: سمعت رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ قد مات من زمان طويل، فقال: نعم، كنت مع الجن الذين كانوا في ليلة نصيبين فسمعت من رسول الله ﷺ وهو يقول: " من تزايا في غير صورته فقتل فلا دية ولا قود ". قال: ولم يبق معي من الذين كانوا ليلة الجن غيري وأنا أحكم بين الجن.
وسمع من أبي إسحاق إبراهيم بن شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهر المعرى بدمشق، ومن أبي إسحاق إبراهيم بن محمود بن سالم بن مهدي البغدادي بقراءة والده بمدينة رسول الله ﷺ ، وبمسجده الشريف سنة أربع وعشرين وست مائة، ومن خلق لا يحصون كثرة بالبلاد الاسلامية. وكان أوحد عصره في العلم والرئاسة، وسعة الصدر والاقبال على أهل الخير وتقريبهم، وكان كثير الصيانة وعديم التبذل إلى أرباب الدنيا، وهم على أبوابه. وكان مجموع الفضائل يعرف الفقه والأصول والعربية واللغة والحديث والأدب والشعر. وكان كثير التهجد وقيام الليل، وله الأوراد الشاقة سفراً وحضراً حتى إنه كان له ورد يقومه من المغرب إلى العشاء الآخرة. فاتفق أنه سافر إلى بغداد وعبر في الطريق على واد مخيف، فنزل عن فرسه وقت أذان المغرب، وشرع يصلي ويأتي بورده وسائر من معه خائفون وهو متوكل آمن.
وكانت له أحوال عجيبة، منها أن الملك الظاهر لما توجه إلى الروم
стр. 1210
توجه صحبته مجد الدين وأخوه جمال الدين، فاتفق إنهم في الطريق قلّ عليهم الزاد وحصل لهم جوع فسيروا بعض الغلمان بدراهم ليشتروا ما وجدوا في تلك القرية التي نزلوا بقربها شيء فوجدوا أبواب القرية مغلقة فدقوا بعض الأبواب فلم يجبهم أحد، فتسوروا الجدار ونزلوا إلى الدار فأخذوه وأعطوا ربتها دراهم كثيرة، فامتنعت من أخذها فوضعوها عندها وأخذوا البيض. فلما قدموا وعملوه وفرشوا السفرة وأحضروا ذلك البيض تقدم مجد الدين للأكل ومد يده إلى البيض، فلم يستطع الوصول إليه فقال لأخيه: يا أخي! هذا البيض حرام، فقال: اماله أنت، الدراهم وقد أرسلتها معهم، فمد يده ثانياً فلم يستطع فقال: هذا ما آكل منه، هذا حرام. فطلب أخوه الغلمان وألحّ عليهم في أمر شرى ذلك، فأخبروه أنهم اخذوه غصباً، ورموا لها الدراهم، ولم تأذن لهم في أخذ البيض، فتعجب من حضر من ذلك.
وكان له قدم صدق في الطاعات والقرب لا يضيع شيئاً من أوقاته إلا في العبادة مثل أشغال أو اشتغال أو تهجد أو تلاوة أو مطالعة أو جلب نفع إلى من يقصده، أو دفع ظلم عن مظلوم وإغاثة ملهوف، أجمع من يعرفه على علمه ودينه وفضيلته - رحمه الله تعالى. وكان مع هذه الفضائل له يد في النظم والنثر. فمن ذلك ما كتبه في وداع الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀:
أقول لصحبي حين ساروا ترفقوا ... لعلي أرى من بالجناب الممنّع
وآلثم أرضاً ينبت العز تربها ... وأسقي ثراها من سحائب أدمعي
стр. 1211
وينظر طرفي أين أترك مهجتي ... قد أقسمت أن لا تسير غداً معي
وما انا إن خلفتها متأسفاً ... عليها وقد حلّت بأكرم موضعي
ولكن أخاف العمر في البين ينقضي ... على ما أرى والشمل غير مجمعي
يميناً بمن ودعته ومدامعي ... تفيض وقلبي للفراق مودعي
لئن عاد لي يوماً بمنعرج اللوى ... وأصبح سرى فيه غير مروعي
غفرت ذنوباً أسلفتها يد النوى ... ولم أشك من جور الزمان المضيع
وسرت أمالي بيوم لقائنا ... ومتّعت طرفي بالحبيب ومسمعي
وفارقت أياماً تولّت ذميمة ... وقلت لأيام السرور ألا ارجعي
وله، وقد سير له الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ فرجية ويسأل عن حاله فكتب إليه مع الرسول:
أقول لدمعي حين ساروا بمهجتي ... لقد خفت أن تبيض عيني الآقف
فقالت جفوني لا تجف فيض عبرتي ... فبشراك قد أوفى قميص ليوسف
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
يا كاتباً قبّلت ماخطّه ... إذ بعدت يد الكاتب
وغائباً في خاطري حاضر ... وغائباً أفديه من غائب
قد سرت يا مولاي في خجلة ... لأنني قصرت في الواجب
وإنما أذنبت كيما أرى ... فضلك في العفو عن التائب
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
أحن إلى قلب ومن فيه نازل ... ومن أجل من فيها تحب المنازل
стр. 1212
وأشتاق لمع البرق من نحو أرضكم ... ففي البرق من تلك الثغور رسائل
يريحني مرّ النسيم لأنه ... بأعطاف ذاك الرند والبان سائل
وإن مال بان الدوح ملت صبابة ... فبين غصون البان منكم شمائل
ولي أرب أن يترك الركب بالحمى ... لسيال دمعي وهو للركب سابل
وفي أنه لا ينقضي او أراكم ... وأنظر نجداً وهو بالحيّ آهل
ترى هل أراكم أو أرى من يراكم ... فأبلغ منكم بعض ما انا آمل
وأحظى بقرب الطيف منكم وإنه ... ليقنعني من وصلكم وهو باطل
أطالب جفني بالمنام وكم غدا ... مواعدني أن يلتقي وهو ماطل
يطيلون تعذيبي بكم وأطيله ... وما لي منكم بعد ذلك طائل
كتب إلى خاله عون الدين يروي لنا حديث المعالي عن عطاء ونافع:
أمولاي عون الدين يروى لنا ... حديث المعالي عن عطاء ونافع
بعيشك حدثني حديث ابن مالك ... فأنت له يا مالكي خير شافع
كتب لسعد الدين محمد بن عربي وقد عزموا على الخروج بملتقى والده الصاحب كمال الدين، وقد عاد من الموصل سنة ثلاث وخمسين وست مائة، كان مقيماً برفيق يعرف بنجم الدين بن أبي الطيب:
النجم مصاحبي قوى العزم ... ما عندي ما يركبه العدم
والعبد يرجى إن آتى صحبتنا ... إذ يسرع أدبر يا بشير النجم
فسيّر إليه بغلته وكتب إليه:
البغلة قد أضحت بحسن النظم ... سمعاً وانت مطيعه للرسم
стр. 1213
بشراي إذا يصحبه النجم لنا ... فالسعد مقارن لهذا النجم
وكتب القاضي مجد الدين إلى سعد الدين المذكور، وقد لاذ بابن المولى الكاتب للإنشاء في شغل له:
عجباً من صرف دهر فاعل ليس أولى ... جاهتي لاذ منه عزى بابن مولى
فأجابه سعد الدين:
لم ألذ بابن مولى إنما لذت بمولى ... فهو مجد الدين ذو الفضل الذي أخجل طولا
وكتب القاضي مجد الدين إلى بدر الدين عبد الواحد وهو غائب عن والده كمال الدين وكان خاله - رحمهم الله تعالى:
يا راقياً رتبة المعالي ... وجائزاً أشرف الخلال
حاشاك أن تلبي احتيالاً ... ترهب قدراً عن احتيالي
وأشكر لدهر حباك حالاً ... أنت به في الزمان خالي
من حاز حسناً بغير خال ... لم يك في غاية الجمال
فعد إلى كرم السخايا ... فبهجة البدر بالكمال
وله ﵀ في غلام يلعب بالكرة:
لله ما احلى شمائل أغيد ... أجرى الدموع له عذار واقف
وكانما الكرة التي يسطو بها ... قلب لديه من جفاه واجف
وكأنما إنسان عين محبة ... وكأنما الجو كان برق خاطف
وقال ﵀ وكتبها إلى الملك الناصر وقد حضر إليه في السماع فأصبح مجموعاً:
ومن بات يمرح في روضة ... فلم لا يحاكي غليل النسيم
стр. 1214
وقال ﵀ وقد عشق الصدر البصري خيالته:
فلا تلم الصدر في عشقه ... فإن الملام بلا فائده
ومن ذي يرجى صلاح أمر ... غدا ذا مخيلة فاسده
وقال - رحمه الله تعالى:
مذ غدا الكهف له من يوسف ... صار بالنصر عزيزاً في الورى
قال بالإخلاص منه جنة ... وسقاها من يديه الكوثرا
بارك الله فيها دوحة ... لا يرى الطير فيها زمرا
فصلت للنور فيها قصص ... ما سمعنا مثلها للشعرا
وله، وكتب بها إلى خاله عون الدين وقد مات أخوه قطب الدين حسن ﵀:
رحى الموت غدت بالقطب دائرة ... والصبر من بعده قد عز إلماما
فقلت للنفس ماهذا الغرور أما ... علمت حقاً بأن الكون أحلاما
ولست انسى لخال كان لي حسن ... فإن لي الآن خالاً جمّل الشاما
وكتب إليه نور الدين الاسعردي:
أمولاي مجد الدين شوقي زائد ... وفرط غرامي فيكم غير زائل
بحقكم ردّوا فؤادي فإنه ... يقدمكم يوم النوى بمراحل
فأجابه قاضي القضاة مجد الدين ﵀ فقال:
فديتك نور الدين أتعبت خاطري ... وظل ينادي في جميع المنازل
стр. 1215
وينشد قلباً منك أصبح شارداً ... ومنى وأضحى هائماً في المراحل
ويا ليت شعري لم يقدم سائراً ... وهلا غدا في كل أرض بنازل
فأجابه نور الدين الاسعردي:
أيا ما جداً عمّ الورى بالفواضل ... وفاقهم في سودد وفضائل
ويا شاكياً من أين رحت ممتعاً ... له خاطراً حاشاه من كل باطل
لئن راح قلبي سابقاً فهواكم ... له سائق أو سابق غير غافل
غدا طائراً لما دخلت مبشراً ... أمامك من يلقى بأكرم واصل
ويوم النوى أبدى عليّ تعصباً ... لبعدي عن نادي العلا والفضائل
فعزّ لي الربع الذي تسكنونه ... مخافة أن يشكى إلى غير عادل
ومن خوفه من أن يصادف عائقاً ... يقدمكم يوم النوى بمراحل
وبعد جعلني فيك قلب مولّه ... يهم ولا يصغى إلى قول عاذل
على انه لما غدا من خيالكم ... تقدم إذ بنتموا بمنازل
فراجعه قاضي القضاة مجد الدين جواباً عن جوابه:
يميناً لقد أهديت نور نواظري ... وأعربت عن شوق تحن حمائري
وأعربت في فضل صفا لك وده ... واعربت بالوجد المبرح خاطري
أيا حبذا در يروق نظامه ... أتاني عن بحر من الفضل زاخر
لله روضه قد علا الطرف بهجة ... سقى من سحاب من بنانك ماطر
ومالك من زهر تضوّع نشره ... يبشر قبول من بنانك عاطر
стр. 1216
معانيه راح والسطور تساكر ... فإن رحت سكراناً فكن فيه عاذري
شموس معان بالمداد تبرقعت ... مخافة أن يغشى عيون النواظر
سرى في ظلام النفس طيف حديثكم ... فيا لك من طيف لعيني وناظري
رأى الطرس قفراً والسطور رواحلا ... فوافى إلى صبّ لبعدك ساهر
وكتب قاضي القضاة مجد الدين إلى النور الاسعردي صحبة فاكهة:
أيها النور الذي يجلو الغسق ... وجهك هذا قمر إذا اتسق
عيناك تدنو دنو من وفق ... نحو غلام وكتاب وطبق
وإن تشأ فاقرأ أوائل الفلق
فأجابه النور الأسعردي المذكور:
يا ماجداً إلى يدي الفضل سبق ... ومن سما نحو المعالي وسبق
يا حبذا منك كتاب وطبق ... وحبذا الغلام لو كان يقق
وقال قاضي القضاة مجد الدين ﵀: رأيت في النوم ليلة الخميس تاسع جمادى الآخرة سنة تسع وستين وستمائة كاني قاصد الدخول إلى بلدة صغيرة، فقيل لي: إن نجم الدين محمد بن إسرائيل قد صار كاتباً عند الوالي بها، فعملت في النوم ارتجالاً:
إلى كم ذا تغررك الليالي ... وتبدي منك حالاً بعد حال
فطوراً شيخ زاوية وفقر ... وطوراً كاتب في باب وال
стр. 1217
وقال: ثم استيقظت وانا احفظها. وممن رثاه العالم الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان بن فهد الحلبي كاتب الدرج بقوله:
أقم يا ساري الخطب الدميم ... فقد أدركت مجد بني العديم
هدمت وكنت تقصر عنه بيتاً ... له شرف يطول على النجوم
قصدت ذوي الكمال فعاجلتهم ... بذاك يحلى عقدهم النظيم
وإن تكنّف بابهم الرزايا ... حللت من المعالي في الصميم
أتدري من أصبت وكيف أمست ... بل العلياء دائمة الكلوم
وكيف رفعت قدر الجهل لما ... حفظت منار أعلام العلوم
ومكنت الصغار من الأيامى ... وسلطت الشفاء على اليتيم
ولم ينزل بوفد الرفد أندى ... سطاك سوى البكاء على الرسوم
عبرت وقد ضللت بطود علم ... أما تمشي على السنن القويم
بمن أودى بصرف الدهر قرماً ... فثار عليه للثأر القديم
بمن بسط الندى فأفاض عدلاً ... يكف الليث عن ظلم الظليم
صحيح الزهد غادره تقاه ... وخوف الله كالنضو السقيم
فكم قد بات وهو من الخطايا ... سليم النفس في ليل السليم
وكم أورى هداه لمستضيء ... وكم أورى هداه على هشيم
مضى وسراج منزلة البرايا ... ومورد بيته قلب القيوم
وودّع والثناء على علاه ... يفوق مضاعف البيت العميم
стр. 1218
وساد وكان للفضلاء منه ... حنوّ المرضعات على الفطيم
وغاب فاسمع الاسماع لفظاً ... أرقّ من المدامة لنديم
أمجد الدين دعوة مستنيم ... لأنواع الكآبة مستديم
حللت من الجنان أجلّ دار ... وقلبي حلّ بعدك في الجحيم
فما لي غير حزني من صديق ... وما لي غير دمعي من حميم
إذا ما سام نوى الأنس طرفي ... ليمطرني همامي بالهموم
سقاك من الجنان رحيق لطف ... يدار عليك مفضوض الختوم
ولا برحت ركاب المزن تسري ... إلىمثواك مطلقة الرسيم
وقال أيضاً يرثيه:
رقاد أبى إلا مفارقة الجفن ... وقلبي نأى إلا عن الوجد والحزن
أبيت وراحي أدمعي وكآبتي ... لدوستي وحزني مؤنسي والأسى حزني
وأضحى وطرفي يحسد العمى إذ يرى ... حمى المجد يغشاه الخطوب بلا إذن
ألا في سبيل المجد مجد وادقع ... وهبتهما للبرق إن كل والمزن
لأنهما سنا الحدود وأقبلا ... يزوران في سود الملابس والدكن
ثوى المجد في حزن من الأرض فاعتدت ... تتيه على سهل الربى روضة الحزن
واسمع ناعيه أصم ضريحه ... فأضحى لما لاقى من الرعب كالعهن
سطا فقده بعد الكمال على العلا ... فهدت وأقوى الضعف وهي على وهل
وكان لوفد الجود مغناه كعبة ... يطوفون فيها من يمينه بالركن
стр. 1219
فأضحت وهذا القلب مرمى جمارها ... وأمست وهذا الطرف مجرى دم البدن
وكان يفوت البرق إن رام شاءه ... إلى جمع أشتات العلى وهو شنآن
وكانت فتاويه تخال فروعها ... لتحقيقه يثنى على القطع للبطن
غدت بعده كأس العلوم مريرة ... وكانت به من قبل أحلى من الأمن
وكأن سماء الدست من بعد شخصه ... تغشى محياها عيون من الدجن
كأن عروس الفضل عزت قطوفها ... وطالت وقد غاب المذلل والمدّن
أظن ربوع الدرس حان دروسها ... وقد غاب عنها حين غاب ومتقن
وأضحت معاني النظم بعد فراقه ... شوارد لا يأوي من اللفظ في كن
وأمسى صميم العلم إذ ذاك أعزلا ... يصول عليهالجهل بالرشق والطعن
أبحر الندى طود المعالي وإنه ... ليغني عن التصريح باسمك من يكنى
حللت بزعمي في الزعام وإنه ... لمن تحته يبل ومن فوقه يطنى
ووافيت بيتاً كنت حرف حلوله ... ووحشته ترك الكرى طاوي البطن
وأوحشت من قد أضحت الأرض داره ... وآنست من قد حل في جنتي عدن
أمرّ على مغناه كي يذهب الأسى ... لعادته الأولى فيغري ولا يغني
وتنثر عيني لؤلؤاً كان كلما ... يساقطه من فيه يلقطه اذني
وأحسد عجم الطير فيه لأنها ... تزيد على إعراب نظمي باللحن
وأقسم إن الفضل مات لموته ... ويخطر في إذني أخوه فاستثنى
؟ عبد الله بن الحسن بن إسماعيل بن محبوب أبو محمد بهاء الدين البعلبكي.
стр. 1220
كان من اعيان البعلبكيين ورؤسائهم وعدولهم، تولى جهات ديوانية، فمنها الحوائج خاناة في الأيام الصالحية والعمادية، ونظرها في الأيام الناصرية الصلاحية، ونظر بعلبك آخر الأيام الناصرية، واستمر إلى اوائل الدولة الظاهرية، وباشر نظر الجامع بدمشق مدة يسيرة، ونظر المارستان النوري - رحمه الله تعالى - بدمشق مدة أخرى، ونظر الأسرى بدمشق إلى حين وفاته، وباشر نظر الديوان للأمير فارس الدين الأتابك ﵀ بالشام وغير ذلك.
وكان مشهوراً بالأمانة والخبرة ومعرفة صناعة الكتابة، حسن المجالسة؛ وتوفي بدمشق ليلة الجمعة سلخ ذي القعدة أو مستهل ذي الحجة، وصلي عليه بجامع دمشق عقيب صلاة الجمعة، ودفن لمقابر الصوفية، وقد ناهز ثمانين سنة وربما تعداها - رحمه الله تعالى.
؟؟ عبد الله بن الحسين بن علي بن عبد الله أبو عبد الله مجد الدين الكردي الرازي الشافعي. كان فقيهاً فاضلاً كثير الديانة والتعبد، عنده مواددة ولطف ولين جانب وتواضع، درّس بالكلاّسة شمالي جامع دمشق وأمّ بالتربة الظاهرية مدة يسيرة منذ فتحت إلى حين وفاته، وتوفي بدمشق يوم الجمعة سادس عشر ذي الحجة، ودفن من يومه بعد صلاة الجمعة والجنازة عليه بجامع دمشق بماقبر الصوفية وبلغ من العمر ستاً وستين سنة - رحمه الله تعالى.
عبد الله بن عمر بن نصر الله أبو محمد موفق الدين الأنصاري صاحبنا.
стр. 1221
كان اديباً فاضلاً مقتدراً على النظم، وله مشاركة في علوم كثيرة، منها الطب والكحل وغير ذلك من الفقه والنحو والأدب، ويعظ وهو حلو النادرة حسن المحاضرة، لا تملّ مجالسته، وعلى ذهنه من التواريخ والحكايات والأشعار وأيام الناس شيء كثير، وكان أقام بالديار المصرية مدة، ثم استوطن بالشام مدة أكثرها ببعلبك ثم عاد إلى الديار المصرية في السنة الخالية واستوطنها، فلم تطل مدته بها حتى ادركته منيته، فتوفي إلى رحمة الله ليلة الجمعة مستهلّ صفر بالقاهرة من غير مرض، بل عرض له قولنج ليلة وفاته، فمات من وقته، وقد نيف على خمسين سنة من العمر ﵀. وشعره كثير جداً، ويقع له فيه المعاني الجيدة، وكان يكتب خطاً حسناً، ويترِسّل في مكاتباته، وعنده لطافة كثيرة ورقة حاشية، ودماثة إخلاق، ومدة مقامه ببعلبك لا يكاد ينقطع عني. من شعره:
يذكرني نشر الحمى بهبوبه ... زماناً عرفنا كل طيب بطيبه
ليال سرقناها من الدهر خلسة ... وقد امنت عيناي عين رقيبه
فمن لي بذاك العيش لو عاد وانقضى ... ليسكن قلبي ساعة من وجيبه
إلا ان لي شوقاً إلى ساكن الغضا ... أعيذ الغضا من حره ولهيبه
أحنّ لذيّال الجناب ومن به ... يشكرني ذاك الذى من جنوبه
أخا الوجد إن جاوزترمل محجّر ... وجزت بمأهول الجناب رحيبه
стр. 1222
دع العيس تقضي وقفة بربا الحمى ... ودع محرماً يجري بسفح كثيبه
وقل لغريب الحسن ما فيك رحمة ... لمفرد حزن في هواك غريبه
متى غرّد الحادي سحيراً على النقا ... أمال الهوى العذري عطف طروبه
وإن ذكرت للصبّ أيام حاجر ... هناك تقضي نحبه بنحيبه
وفي الحي نشوان المماثل عاشق ... محب له شكر بذكر حبيبه
إذا ما سبته في النسيم لطافة ... ينازعه أشواقه بنسيبه
وقال أيضاً ﵀:
أسائل طرفي عن جنابك في الكرى ... فيخبر سهري أن جفنك راقد
ويحسب وكراً ناظري طائر الكرى ... وما هو إلا للسهاد مصائد
وقال أيضاً ﵀:
هيفاء ما هذا النسيم قوامها ... إلا وقال الغصن لبنى قد سبى
هي نور عيني لا ترى ولها أرى ... فهي البعيدة في االمكان الأقرب
وقال - رحمه الله تعالى:
قلبي وطرفي في ديارهم ... هذا يهيم بها وذا يهمي
رسم الهوى لما وقفت بها ... للدمع أن يجري على الرسم
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
من سكره منك بقد وريق ... ماذا له يجدى كؤوس الرحيق
ومن يكن طرفك خمارة قل ... لي متى من سكرة يستفيق
стр. 1223
رق شرابي ونسيم الصبا فالعيش بالساقي عيش رقيق
إذا انقضى سكري وشاهدته ... حدد لي سكراً بخمر عتيق
مديرها مشمولة من كل ... شمائل القد القويم الرشيق
راح دع اللاحي على شربها ... يهوي به الريح مكاناً سحيق
ما العيش إلا أن تراني بها ... سكران لا أدري أين الطريق
إن قلت سكرى فنازلها ... هذا دم في الكأس منها أريق
تشابهت والصبح في نورها ... ففرق الساقي بفرق دقيق
ومرقب ثوب الضحى فانثنى ... من نزلها يرقى بخيط رقيق
لصاحبي موهت عن خانها ... فقلت قصدي نحو وادي العقيق
ومذ بدت كأساتها في الدجى ... غالظها عنها بثأر الفريق
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
يا عائباً ما جرى ذكراه عن جلدي ... إلا عدمت اشتياقي نحوه جلدي
ولا سرى في الصبا من جنة خبرا ... إلا تأوهت من وجدي ومن كمدي
ولا عزمت على سلوانه غلطاً ... إلا وجدت خيالاً منه بالرصد
ولا ما تذكرت أياماً به سلفت ... إلا وضعت يدي خوفاً على كبدي
يا عائباً أقسمت عيني بطلعته ... مذ غاب لا نظرت يوماً إلى أحد
ما كان أيامي مقرونة بقربكم ... والشمل مجتمع والعيش في رغد
стр. 1224
ترى تعّود أوقات بكم سلفت ... هيهات وا أسفى ما فات لم يعد
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
لي عند ساكنة الكثيب ديون ... أبداً تقاضيها جوى وحنين
من لم يكن في الوصل منها باذلاً ... للروح منه فإنه مغبون
يا فتية ما فاز منها بالمنى ... إلا فتى بجمالها مفتون
كيف السبيل إلى المزاروكل من ... في الحي غير أن عليك أمين
وقال أيضاً:
يا سعد إن لاحت هضاب المنحنى ... وبدت أثيلات هناك تبين
عرّج على الوادي فإن ظباءه ... للحسن في حركاتهن سكون
ايه نسيم البان من اخبارهم ... زدني حديثاً فالحديث شجون
إن ضيعوا عهدي فعهد هواهم ... بين الجوانح سره مكنون
وحياتهم إن السلوّ فإنه ... شك وأما حبهم فيقين
وقال أيضاً ﵀:
لا غرو إن سلبت بك الألباب ... وبديع حسنك ما عليه حجاب
يا من يلذ على هواه تهتكي ... شغفاً ويعذب لي عليه عذاب
حسبي افتخاراً في هواك بأن لي ... نسباً به تسمو به الأنساب
أحبابنا وكفى عبيد هواكم ... شرفاً بأنكم له أحباب
يا سعد مل بالعيس حلة منزل ... أضحى لعزة ساكنيه يهاب
стр. 1225
ربع تودّ به الخدود إذا مشت ... فيه سليمى إنها اعتاب
كم في الخيام أهلذة هالاتها ... تبدو لعينك برقع ونقاب
وشموس حسن أشرقت انوارها ... أفلاكهن مضارب وقباب
شنّوا على العشاق غارات الهوى ... فإذا القلوب لديهم أسلاب
من كل هيفاء القوام إذا انثنت ... هز الغصون بقدها الإعجاب
تهب الغرام لمهجة في أسرها ... فجمالها الوهّاب والمنهاب
وغدت تجرّ على الكثيب برودها ... فإذا العبيرلدى ثراه تراب
رقّ النسيم لطافة فكأنما ... في طيّه للعاشقين عتاب
وسرى يفوح معطراً وأظنه ... لرسائل الأشواق فيه جواب
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
إذا لمعت من جانب الحي نارها ... فلا طالع إلا فيها استعارها
وإن سمعت أذناي نحوي خطابها ... خلا جملة الأشواق سراّ جهارها
فيسكر صحبي من صغار كؤوسها ... وأصحو إذا دارت عليّ كبارها
لي المقلة النجلاء كأس مزاجها ... غرام وما عين الفتور عقارها
وإن سفرت أطرقت صوناً لحسنها ... وكيف أرى من بالسفور استتارها
فما البدر إلا في سحاب نقابها ... وما الغصن إلا ما حواه إزارها
стр. 1226
سلا عن منى العشاق منها لواحظ ... تصحح أخبار السقام انكسارها
وميلاً إذا عاينتما بانة اللوى ... تميل فما غير القلوب ثمارها
علاقة حب من تقادم عهدها ... يجدد أثواب السقام أذكارها
منازل ليلى العامرية باللوى ... يخاف نواها حين يدنو مزارها
ليهن المطايا بالأراك منازلا ... مرابعها الفيحاء فاح عرارها
فعرّس بعيش الشوق يا عيس قد بدا ... بشيرا بأسفار الصلاح سفارها
ولذ من حمى الوادي بأكرم حلة ... يباح بها النادي وقد عز جارها
ملوك جمال خلد الله ملكها ... إذا عدلت جازت وطاب جوارها
أيا كعبة الحسن الذي بين أضلعي ... كما شاع شرع الحبير في خمارها
إليك قلوب العاشقين توجهت ... وأنت المنى لا حجبها واعتمارها
وقال أيضاً ﵀:
طرفي على سنة الكرى لا يطرف ... وبخيله بخيالها لا يسعف
وأضالعي ما ينقضي زفراتها ... إلا وتدركها الدموع الذرف
شمت الحسود لأن ضنيت وما درى ... أني بأثواب الضنى أتشرف
يا عائبين وما ألذ نداهم ... وحياتكم قسمي وعز المصحف
إن بشّر الحادي بيوم قدومكم ... ووهبته روحي فما أنا منصف
قد ضاع في الآفاق نشر خيامكم ... وأرى النسيم بعرفها يتعرف
كيف المزار وما أتنت سمر الحمى ... إلا غدت سمر الرماح تقصف
стр. 1227
ويميتني في الحي أسمر قامة ... ومن الرماح مثقف ومهفهف
بدر تمنى البدر يحكي معجزاً ... من حسنه فبدا عليه تكلف
وقال أيضاً:
ولقد وقفت على منازل جيرة ... رحلوا فأجرى الدمع ذاك الموقف
وتعبت في طي النسيم رسائلي ... وسألته في نشرها يتلطف
حتى انثنى لشكايتي روح الحمى ... وغدت حمامته بشجوي تهتف
وقال أيضاً ﵀:
كم من أسير غرام في خيامهم ... طعين قدّ جريح الأعين النجل
من كل أسمر..... مبسمه ... بيض من البيض أو سمر من الأسل
وفي الهوادج من تهدي إذا أسفرت ... في الليل نوراً فتهدى الركب للسبل
وتخجل الشمس من إشراق طلعتها ... ألست تنظر فيها حمرة الخجل
وقال أيضاً ﵀:
خذاعنة الوادي فتلك زرود ... وميلاً عن الوادي فثم جدود
وإياكم سرب المها من تهامة ... فغزلانه يوم اللقاء أسود
ولا تردا ماء بمنعرج اللوى ... فليس به غير الدموع ورود
وعوجاً على تلك المعاهد بالحمى ... فلي عندها يوم الوداع عهود
أحن إليها والديار قريبة ... حنيني إليها والمزار بعيد
стр. 1228
وإني إذا زاد اشتياقي لأهلها ... وإن كان شوقي ما عليه مزيد
أعانق من نشر الشمال شمائلاً ... يرنحني تذكرها فأميد
وألثم من برد الثنايا مباسماً ... تجمع فيها الدر وهو فريد
وليلة حياني الخيال مسلماً ... وصحبي على شعب الرحال قعود
فعانقته حتى الصباح وبيننا ... حديث هوى أبديه وهو يعيد
ومائسة الأعطاف تذكي رضابها ... لهيباً لدى الأشواق وهو برود
تقول لرسلي كيف غاب وكم بدت ... بنار اشتياقي إن ذا لجليد
دعوه بغيري إن تشاغل قلبه ... فواجد غيري أنه لفقيد
ألفت وما أنوي الفراق بسلوة ... وإن فراقي من ألفت شديد
فلو مت عشقاً ثم عشت وقال لي ... تعود إلى ما كنت قلت أعود
وما الحب إلا أن تروح وتغتدي ... بثوب الضنا يبليك وهو جديد
وقال أيضاً ﵀:
طاب السماع فغنني يا مطربي ... وأعد نعيمي من حديث معذبي
لا تسقني إلا كؤوس حديثها ... فلقد حلا بالسمع منها مشربي
إني لأطرب كيف ما ذكر اسمها ... فأرى العذول على هواها مطربي
ويمليني السكر القديم إذا جرى ... صرف الحديث ومن فمي لم أشرب
أجني لكي أجني ثمار عتابها ... فمتى عفت أبدأت حالة مذنب
стр. 1229
هذي المصونة في خلال جمالها ... سفرت فأي حشاشة لم تسكب
هتكت ببارق ثغرها ستر الدجى ... وتسترت في شعرها من غيهب
هي نور عيني لا ترى وبها أرى ... فهي البعيدة في المكان الأقرب
تبدو فيسترها بظاهر نورها ... أرأيت محتجباً ولم يتحجب
وتريك من فوق النقاب محاسناً ... أضعاف ما تبدي بغير تنقب
في طرفها سحر أغيد كمالها ... الفتان من عين الغزال الربرب
سحبت على سفح الكثيب ذيولها ... فتمسك الوادي بذاك المسحب
ونشقت ترب الحي إذ خطرت به ... فإذا انتشاق الطيب ليس بطيب
يحمي الحمى بضرائب من لحظها ... حبي ولا لحظ يمر بمضربي
خف قربها وكن البعيد تأدباً ... ففظيعتي كانت لفرط تقربي
ولئن تمتعني خلا قرباً بها ... فبذكرها مهما حييت تسببي
أهنئ الليالي إن تبيت مسهداً ... ما دام نجم الكأس غير مغرب
والدهر يبخل أن يجود بلذة ... فمتى يبح جسمي الخلاعة فانهب
وقال أيضاً ﵀:
سروا ببدور ليلهن الغذائم ... مبرقعة بالحسن والحسن سافر
فبات على الأضغان حمر وإنما ... عليها من السمر الرماح ستائر
стр. 1230
وفيهن من يهدي الركاب بنورها ... ويمشي به بدر الدجى وهو حائر
من السمر هيفاء القوام لقدها ... حديث به سمر القنا تتسامر
يرنّحها سكر الشباب فينثني ... على كل صاح عطفها يتساكر
رأى قدها قلبي فطار صبابة ... ولا غروان يصبو إلى الغصن طائر
بألحاظها آيات بحر تبدلت ... فواتر تقري والصحيح تواتر
لقد قلب الأعيان سحر عيونها ... فأصبح فيها عاذلي وهو عاذر
أيا عائباً عن ناظري وجماله ... بناظر فكرى تختلسه الضمائر
تميّل لي حتى أميل معانقاً ... إليك اشتياقاً مثل ما أنت حاضر
بريق الحمى حدث بأخبار لوعة ... لها من فؤادي بالحقوق تواتر
ويا نسمات الصبح قولي لراقد ... هناك الكرى إني لبعدك ساهر
وقال أيضاً - رحمه الله تعالى:
جميعي لسان وهو باسمك ناطق ... وكلي قلب عند ذكرك خافق
وإني وإن لم أقض فيك صبابة ... فما أنا في دعوى المحبة صادق
خليليّ ما للبرق يخفق غيرة ... إبرق حماها مثلي وقلبي عاشق
وما للمطايا قد حداها اشتياقها ... أحبي لها مثلي يحنّ الأبانق
إذا ما حدا الحادي وعرّض باسمها ... تاوّه محزون وحنّ مفارق
تميل غصون البان شوقاً لقدها ... فينطق إشفاقاً عليها المناطق
следующие страницы →