Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
قد أعرض عني جيرتي وانتزحوا ... كم أصغي إلى العذال فيما نصحوا
ناشدتك ما عليك دعني وهم ... لا تدخل بيننا عسى نصطلح
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
هذا الصلف الزائد في معناه ... قد حيرني فلست أدري ما هو
كم يحمل قلبي من نجنيك ولا ... يدري أحد بذاك إلا الله
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
انظر إلى عارضه فوق جفونه ... يرسل منها الحتوف
فعاين الجنة في خده ... بارزة تحت ظلام السيوف
ولقاضي القضاة رحمه الله تعالى أشعار كثيرة، أضربنا عن ذكر بعضها طلباً للاختصار. وقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم لما صرف قاضي القضاة عن دمشق سنة تسع وستين:
وليت فأوليت الورى كل نعمة ... وزلت وما زال الثناء ولا الشكر
فإن عدت عاد الخير والفضل والندى ... وأن تكن الأخرى وحوشيت والصبر
وقال الشيخ شهاب الدين يرثيه:
يا شمس علوم في الثرى قد غابت ... كم بنت عن الشمس وما نابت
لم تأت بمثلك الليالي أبداً إما ... عجزت عنه وإما هابت
стр. 1507
وقال أيضاً فيه:
يا شمس علوم الدين والأحكام ... يا نادرة القضاة والحكام
أنساني كل الناس منه نظري ... إنسان سواد مقلتيه الاسلام
أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الجبار بن طلحة بن عمر أبو العباس أمين الدين الأشتري الحلبي الشافعي الامام العلامة ذو الفنون. كان إماماً عالماً فاضلاً بارعاً ورعاً زاهداً ناسكاً. كثير التلاوة، ظاهر الخشوع، كبير القدر، ممن جمع بين العلم والعمل، وأقرأ الفقه مدة، وكان أحد أصحاب الشيخ محي الدين النوراني، وانتفع به، وسلك مسلكه في العلم والعبادة والتدقيق في العلم والعمل، ووقف كتبه التي كتبها من تصانيف الشيخ محي الدين وغيره بدار الحديث الأشرفية، وكان سمع من أبي محمد بن علوان، وأبي الحسن بن روزبه، وأبي المجد القزويني، وعبد اللطيف بن يوسف، وأبي المحاسن بن شداد، وأبي الحسن بن الأثير، وابن يعيش النحوي صاحب شرح المفصل وغيرهم، وحدث بالكثير، وكان له مع الفقه وغيره اعتناء كثير بالحديث. وله بحلب سنة خمس عشرة وست مائة، وتوفى فجاءة في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وست مائة بدمشق المحروسة رحمه الله تعالى.
إدريس بن صالح بن وهيب الفقيه زين الدين المصري القليوبي. قرأ الفقه والمقامات الحريرية على قاضي القضاة شمس الدين أحمد ابن خلكان ﵀ المقدم ذكره بمدرسة سيف الاسلام طغتكين بن أيوب صاحب اليمن،
стр. 1508
وكانت المدرسة المذكورة داره إذ كان بالقاهرة، ثم جعلها مدرسة وهي بخط البندقانيين بالقاهرة، وكان زين الدين المذكور إمام المدرسة إذ ذاك، وذلك في سنة سبع وثلاثين، ثم اتصل بخدمة الأمير عز الدين أيدمر الحلى، وكان الحلى يسكن جوار الجامع الأزهر بالقاهرة، فسعى في أمره حتى جعله تقام فيه الجمعة، ورتب زين الدين المذكور خطيباً به، وهو أول من خطب فيه، وغالب الظن أن ذلك كان في سنة اثنتين وستين وست مائة، ولم تزل طريقة زين الدين إدريس المذكور حسنة، وكان آدم شديد الأدمة، ومولده سنة ثمان عشرة وست مائة، وتوفى ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر هذه السنة بالقاهرة، ودفن بالقرافة الصغرى رحمه الله تعالى، وكان ينظم نظماً متوسطاً، فمن شعره من قصيدة يمدح بها قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان ﵀ إذ كان ينوب بالحكم في القاهرة:
تراءت له بالرقمتين مخائل ... فتمت عليه بالغرام بلابل
وأجرى دموع العين أو ملأ الملا ... ونمق في أكتاف سلع حمائل
وأصبحت.... الفراق منغصاً ... وحزني لا يحنو ودمعي هاطل
وجفني إذا نام الخليط مسهد ... وخدي مخلود وجسمي ناحل
تجلى دجى حزني سنا مدح أحمد ... ولون حياتي كاسف النور حائل
стр. 1509
فمن نور شمس الدين فضائل ... تضيء علينا نورها متكامل
إمام إمام المكرمات صفاته ... وقاض عليم فاضل الحكم فاضل
له قدم في المكرمات رفيعةفرائضهاخفت بهن نوافل
له من سجاياه وسيط مهذب ... وجيز مقال عامر الجود شامل
كريم بسيط الكف جوداً مديدة ... سريع العطايا وافر الحلم كامل
يبقى الثناء بالجود مستخرجاً له ... ومصروفه الموجود والفضل حاصل
إسماعيل بن إسماعيل بن جوسلين أبو الفداء عماد الدين. كان إماماً عالماً فاضلاً ورعاً عاملاً، لازم والدي ﵀ من صغره، واشتغل عليه إلى حين وفاته، وسمع البخاري على الزبيدي، وسمع كثيراً على المشايخ، وحصل طرفاً جيداً من العربية، وكان ينظم الشعر، ويترسل ترسلاً حسناً، ويكتب خطاً منسوباً، وكان كثير العبادة والاجتهاد والاخلاص في أفعاله، يحرص على كتمان ما يفعله من ذلك وإخفائه عن الناس، حسن العشرة، كثير المروءة، كريم الأخلاق، تمرض أياماً، فلما دنت وفاته، لم يزل يتلو القرآن الكريم بحضور إلى حيث فارق بمنزله ببعلبك وهو في عشر الثمانين ﵀، ودفن بمقبرة جده لأمه شمس الدين محمود بن قرقين ظاهر باب سطحاء من بعلبك المحروسة. قال أخي ﵀: لم أر من مات وهو مستحضر كما ينبغي سواء.... دخلت عليه قبل موته
стр. 1510
بساعتين وهو يتلو القرآن العزيز وسمعته يردد الآية في سورة الواقعة " فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ". وكان ﵀ قد صحب والدي خمسين سنة، واستفاد منه، وروى عنه، وأخذ وانتفع به ظاهراً وباطناً، وكان عنده علوم جمة، وآداب وفضائل، ومروءة يعجز الواصف عن وصفها، يسارع إلى الخيرات، ويتصدق سراً، كثير قيام الليل، يحب الخمول، ويلازم قعر بيته، يعاشر الناس بالمعروف، ويحسن إلى جيرانه ومعارفه، روى عن الشيخ موفق الدين بن قدامة الحنبلي، وبهاء الدين إبراهيم بن المقدسي، والقزويني، وابن رواحة، وغيرهم، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء ثالث وعشرين صفر رحمه الله تعالى.
بيجار بن بختيار الأمير حسام الدين اللاوي الرومي، قد ذكرنا قدومه إلى الشام، وتروحه عن بلاد التتار، وكان له بتلك النواحي قلاع، وبلاد، وأموال جمة، فجرى لولده بهاء الدين بهادر المقدم ذكره ما اقتضى تروحه مع رغبته في الحضور إلى بلاد الاسلام، ومكاتبة الملك الظاهر له، ولما حضر وصل مع خلق كثير من أمراء الروم، وأعيانه، وطائفة كثيرة من غلمانه، وأتباعه، وذريته، ولما استقر بالديار المصرية قصد الحج فتوجه، وأدى فريضة الحج، وتصدق في الطريق، وبالحرمين الشريفين بصدقات كثيرة، وأنفق في حجته أموالاً جمة، وعاد ولزم بيته، وترك الإمرة، وكف بصرة قبل موته بدون ثلاث سنين وكان قد عمر عمراً طويلاً وتعدى المائة سنة بسنين كثيرة، وتوفى بالقاهرة في أوائل شهر شعبان من هذه السنة رحمه الله تعالى.
стр. 1511
الخضر بن عبد الرحمن بن الخضر أبو العباس سديد الدين الشيخ الصالح. مولده يوم الثلاثاء في إحدى الجمادين سنة أربع وثمانين وخمس مائة، وتوفى في رابع شوال سنة إحدى وثمانين وست مائة بحماة. ودفن ظاهرها في عقبة نفرين رحمه الله تعالى. قال أخي أبو الحسين علي بن محمد ﵀: أنشدني سديد الدين المشار إليه في الخانكاة النورية بحماة في يوم الاثنين تاسع شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين وست مائة للشيخ أبي الحسين النوري ﵀:
وكم رمت أمراً حزت لي في انصرافه ... فلا زلت بي مني أبر وأرحما
عزمت على أن لا أحسن بخاطر ... على القلب إلا كنت أنت المقدما
وأن لا تراني عند ما قد كرهته ... لأنك في قلبي الكبير المعظما
قال وأنشدني أيضاً:
أنا من يراك وإن تباعد شخصه ... بنواظر القلب الذي لا تهجع
ولذاك أسمع ما تقول وبيننا ... مرمى تحث العيس فيه وتوضع
فعلام أقترح الدنو وقد أرى ... ما شئت منك على البعاد وأسمع
قال وأنشدني أيضاً:
طبع المحبوب على الجور فلو ... أنصف المحبوب فيه لسمح
ليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق يعرف تأليف الكحح
قال وأنشدني أيضاً:
تمنيت من أهوى فلما لقيته ... بهت فلم أملك لساناً ولا طرفا
стр. 1512
وأطرقت إجلالاً له ومهابة ... وحاولت أن يخفى الذي بي فلم يخفا
وقد كان في قلبي خطوب كثيرة ... فلما التقينا ما نطقت ولا حرفا
قال وأنشدني أيضاً:
رضينا من وصالك بالكلام ... ومن بذل المودة بالسلام
فهل شيء يكون أقل من ذا ... لمشغوف بحبك مستهام
فيوم لا أراك بألف شهر ... وشهر لا أراك بألف عام
قال أخي ﵀ وأنشدني أيضاً:
تمر الليالي لا أراك وإنني ... جليد على حكم الهوى وصبور
لقد طال عهدي باللقاء ولم أزل ... أرجى لقاكم والمحب شكور
ولولا رجائي أن ذا البين ينقضي ... قضيت وأن الموت فيه يسير
وقال أنشدني رحمه الله تعالى:
سعاد تسبني ذكرت بخير ... وتزعم أنني مذق خبيث
وإن مودتي زور ومين ... وإني للذي ألقى تبوث
ولست كذاك لا ردا عليه ... ولكن الملول هو النكوث
ولي وجد يجادبني إليها ... وشوق بين أحشائي حثيث
رأت ولهي بها وقم تم وجدي ... فلمتني كذا كان الحديث
سليمان بن عبد الله بن ابرين، ويقال ابن عمران، أبو الربيع قطب الدين الزيلعي الحنفي خادم المصحف العثماني الشريف بمقصورة الخطابة. كان شيخاً صالحاً زاهداً حسن السمت؛ سمع من ابن الزبيدي، وابن اللتي،
стр. 1513
وأبي الحسن بن المقير، وحدث. توفى رابع ذى الحجة سنة إحدى وثمانين وست مائة عن سن عالية وخلف بنتاً واحدة رحمه الله تعالى.
شيتركى صاحب جبل. كان من الفرسان المشهورين عند الفرنج، محبوباً إليهم لشجاعته وكرمه، وكان من معظم الخيالة بطرابلس، وقد مالوا إليه وتغيروا على صاحبها، فكاتبهم شيركى وكاتبوه وتقرر بينهم أنه متى حضر سلموا إليه البلد، وكان بينه وبين صاحب طرابلس عداوة شديدة، وكان شيركى قد انتهى إلى الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ بواسطة الأمير سيف الدين بلبان الصالحي، وشرط على نفسه أنه متى ملك طرابلس تكون مناصفة بينه وبين الملك المنصور، وطلب أن يتعضد بجماعة من المسلمين الجبليين لقربهم منه، فسمح لهم النواب بذلك، وتردد إليه، وأخذوا خلعه، فلما كان في أواخر شوال، أو أوائل ذى القعدة من هذه السنة، ركب شيزكى في أصحابه وجماعة من الجبليين في البحر، ودخلوا ميناء طرابلس ليلاً، وخرجوا من المراكب. ودخلوا البلد، وطرقوا أبواب من كان كاتبهم، فلم يخرج إليهم لأن صاحب طرابلس قد نمى إليه الخبر، واحترز فجاء شيزكى إلى قصر صاحب طرابلس فقيل له: قد علم صاحب طرابلس علم صاحب طرابلس بباطن الحال فارجعوا فلم يفعل شيزكى: فلم احس صاحب طرابلس بدخولهم البلد، أخرج غلمانه وأصحابه وخيالته في طلبهم، فأمسكوا من ظفروا به، وأما شيزكى فقصد دار الدواية ليحتمي بها،
стр. 1514
فجاء صاحب طرابلس فقبضه منها بعد فصول يطول شرحها، وسيرهم لوقته إلى أنفه، وحبسهم بها، وأما شيزكى وأصحابه الخصيصون به فيقال إنه غرقهم في البحر بعد إمساكهم بثلاثة أيام، وسير غلمانه تسلموا جبيل فصارت له مع طرابلس وما معها، وأما الجبليون فبقوا في القيود إلى حيث نازل الملك المنصور المرقب، وحضر إليه رسول صاحب طرابلس فطلبهم منه، ولم يسمع له رسالة، فعاد إلى صاحبه، وأخبره ما رسم به السلطان فكساهم جميعهم وجهزهم إلى عند السلطان بظاهر المرقب فأطلقهم.
شاذى بن داود بن عيسى بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذى الملك الظاهر غياث الدين بن الملك الناصر صلاح الدين بن الملك المعظم شرف الدين ابن الملك العادل سيف الدين رحمه الله تعالى. مولده في الخامس والعشرين من ذى الحجة سنة خمس وعشرين وست مائة بقلعة دمشق، ووالده إذ ذاك صاحبها، وأظنه أكبر ولد أبيه وأمه ابنة الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك العادل وهو شقيق الملك الأمجد مجد الدين المقدم ذكره في سنة سبعين وست مائة، وتوفى الظاهر شاذى ليلة الخميس حادي وعشرين شهر رمضان المعظم من هذه السنة بقرية الناعمة من الغور، وحمل إلى القدس الشريف، فدفن بعد الصلاة عليه بالأقصى عقيب صلاة الجمعة ثاني وعشرين شهر رمضان المعظم رحمه الله تعالى. كان ديناً خيراً عاملاً شجاعاً صادق اللهجة، كريم الأخلاق، كثير التواضع، لين الكلمة، يعاني ملابس العرب ومراكبهم كعمه الملك القاهر رحمه الله تعالى، وكان شريف النفس،
стр. 1515
غير مبتذل إلى أحد من أرباب الدولة، ويسكن بسفح قاسيون ظاهر دمشق، وخلف أولاداً صغاراً رحمه الله تعالى.
عبد السلام بن علي بن عمر بن سيد الناس أبو محمد زين الدين الزواري شيخ المالكية وكبيرهم ومدرسهم والمتعين منهم. كان وصل إلى الديار المصرية في سنة خمس عشرة وست مائة قبل موت العادل بقليل. وانتقل إلى دمشق في سنة ست عشرة واستقر بها، وولى القضاء بدمشق والشام على مذهبه مستقلاً مكرهاً على ذلك في سنة أربع وستين وست مائة، ثم عزل نفسه يوم وفاة قاضي القضاة شمس الدين عبد الله بن عطاء الحنفي ﵀، وتوفى الشيخ زين الدين إلى رحمة الله تعالى ورضوانه ليلة الثلاثاء ثامن شهر رجب من هذه السنة بمدرسة أم الملك الصالح عماد الدين بدمشق، ودفن يوم الثلاثاء بعد صلاة الظهر بمقابر باب الصغير، وكانت له جنازة حفلة عظيمة حضرها الخاص والعام، ونائب السلطنة وغيره، ومولده سنة تسع أو ثمان وثمانين وخمس مائة بظاهر بجاية من أعمال إقريقية، وكان إماماً عالماً عاملاً ورعاً متقللاً من الدنيا، قانعاً منها بالكفاف، سالكاً، أنموذج السلف، يشتري حاجته بنفسه من السوق ويحملها، وهو قاضي قضاة الشام، وكان عارفاً بالقراآت، وإليه علم ذلك بالشام في وقته، وكان ﵀ في غاية المعرفة بأمور الدنيا وتدبير أحوالها، وله العقل المعيشي الوافر مع كثرة الديانة، وكرم الطباع، ووفور الايثار للفقراء، والبر لهم، ولين الكلمة للخاص والعام، وشدة التواضع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على القانون شرعي، ولم يكن يثبت بالخطوط، ولم يكن
стр. 1516
يشهد عليه إلا جماعة يسيرة معدودين من الأعيان المعروفين ببروز العدالة. فكان للشهادة عليه في النفوس موقع كبير، ولما عزل نفسه على ما تقدم ذكره، استمر نائبه جمال الدين في مباشرة للطائفة المالكية، واستقل بذلك إلى حين وفاته رحمه الله تعالى.
علي بن عيسى بن أبي الحسن بن أبي الفوارس أبو الحسن الأمير عز الدين ابن الأمير ناصر الدين بن الامير سيف الدين بن الأمير أسد الدين القيمري، كان هو صاحب قلعة قيمر المشهورة انتقلت إليه عن سلفه، وكانت بيده إلى أن أخذها منه التتر وهي بالقرب من مدينة إسعرد، وانتقل إلى الديار المصرية وخدم بها ثم بطل الخدمة قبل وفاته بمدة ولزم السكن جوار البيمارستان الذي أنشأه جده الأمير سيف الدين أبو الحسن بسفح قاسيون، وكانت وفاته ليلة الأحد ثالث عشر شهر رجب من هذه السنة بالنيرب ظاهر دمشق، ودفن يوم الأحد بعد صلاة الظهر بتربة جده الأمير سيف الدين المذكور معه في الضريح والتربة تجاه المارستان المذكور، وعمره مقدار أربعين سنة ﵀.
لاجين بن عبد الله الأمير حسام الدين العينتابي. كان له مشاركة في نيابة السلطنة بحلب، وتقدم للعسكر بها، وكان شجاعاً بطلاً جواداً خيراً، حسن السياسة، جميل الصورة، تام الخلق، عنده رياسة وعقل ومعرفة، وكان قبل وفاته بمدة يسيرة ثبت أنه باق على الرق، فاشتراه الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀، وأعتقه وزاد في حرمته، وبسط يده وأقطاعه، وكانت وفاته بحلب ليلة السبت ثاني عشر ذى الحجة، ودفن
стр. 1517
يوم السبت ظاهرها، وهو في عشر الخمسين سنة من العمر رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي الحسن بن محمد بن المهذب أبو عبد الله شرف الدين السلمي الشافعي. قد تقدم ذكر والده شيخ الاسلام عز الدين ﵀ في سنة ستين وست مائة، وكان الشرف أكبر أولاده وأوجههم، يباشر إمام المدرسة الظاهرية بالقاهرة للطائفة الشافعية وغيرها من الجهات الدينية، وتوفى بالقاهرة يوم الاثنين سابع وعشرين شعبان من هذه السنة عقيب عوده من الشام إلى الديار المصرية، ودفن بالقرافة الصغرى بتربة والده، وقد نيف على تسعين سنة، وكانت له جنازة حفلة رحمه الله تعالى.
محمد بن علي بن محمود أبو عبد الله صلاح الدين الشهرزورى الشافعي مدرس المدرسة الناصرية القيمرية بدمشق، وناظرها الشرعي. كان شاباً، نبيهاً، حسن الشكل، لين الكلمة، كريم الأخلاق، حسن العشرة، ولى تدريس المذكورة بعد والده القاضي شمس الدين، واستمر بها إلى حين أدركته منيته بالمدرسة المذكورة في يوم الثلاثاء ثاني وعشرين شهر رجب من هذه السنة، ودفن من يومه إلى جاني والده بتربة الشيخ تقي الدين ابن الصلاح، ولم يبلغ من العمر أربعين سنة رحمه الله تعالى.
محمد بن سليمان أبو عبد الله المعروف بابن العلم الحموي. كان شيخاً صالحاً زاهداً عابداً ورعاً فاضلاً أديباً، حسن العشرة والفضيلة، تجاوز التسعين سنة، وكانت وفاته بدمشق بالمدرسة الرواحية ثامن عشر ذى القعدة هذه
стр. 1518
السنة، وصلى عليه بجامع دمشق، ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى. وقال أخي ﵀: أنشدني أبو عبد الله محمد المذكور يوم السبت رابع عشر شعبان سنة سبع وسبعين وست مائة ببعلبك لنفسه:
يمشي ويعثر بالعيون وراءه ... وإذا استدار تعثرت من خلفه
وحلى مكان نطاقه فكأنه ... شعبان كل حلاوة في نصفه
محمود بن سلطان بن محمود أبو الثناء البعلبكي الشيخ الصالح العارف الزاهد العابد. كان من الأولياء الأفراد وأرباب الأحوال والمعاملات، أقم أربعين سنة يجمع المباح ووالده من قبله ستين سنة، وكان كثير الذكر ليلاً ونهاراً، صحب والده الشيخ سلطان رحمة الله عليه كثيراً، وخدمه ولازمه وأخذ عنه كثيراً، وانتفع به، ويقال: إنه جمع بينه وبين رجال جبل لبنان ﵃، فكانوا يجتمعون به في كل وقت إلى آخر عمره، وصحب والدي كثيراً، ولازمه إلى حين وفاة والدي، وصحب الشيخ إبراهيم بن جوهر البطائحي، ولبس منه خرقة تبركاً، وقصد الاتصال بخرقة سيدنا الشيخ محي الدين. وتوفى الشيخ محمود المذكور يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان المعظم عند صلاة العصر، ودفن من الغد بتربة سيدنا الشيخ عبد الله الزمن إلى جانب قبر والده الشيخ سلطان نفع الله به، وقد ناهز المائة سنة من العمر رحمه الله تعالى ورضي عنه. قال: إن والده أخبره لما عاد من وقعة حطين، كان عمر الشيخ محمود أحد عشر شهراً، ووقعة حطين كانت في ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، ومات والده رحمه الله
стр. 1519
سنة أربعين وخمس مائة عن مائة وخمس عشرة سنة رحمه الله تعالى.
محمود بن عبد الله بن عبد الرحمن أبو الثناء برهان الدين المراغي الشافعي. كان إماماً عالماً عاملاً، كثير العبادة والتقوى، عليه آثار الصلاح ظاهرة، ولى تدريس المدرسة الفلكية بدمشق إلى حين وفاته، وعرض عليه أن يكون قاضي القضاة بالشام، فامتنع قنعاً وورعاً، وعرض عليه أن يكون قاضي القضاة بالشام، فامتنع قنعاً وورعاً، وعرض عليه أن يكون شيخ الشيوخ بالشام فامتنع أيضاً، وكان كريم الأخلاق، لطيف الشمائل، حسن العشرة، عارفاً بالمذهب والأصول، مكمل الأدوات من أعيان العلماء، له قلم راسخ في الفتيا، وتحقيق النقل، ومولده سنة خمس وست مائة، توفى بدمشق ليلة الجمعة ثالث وعشرين ربيع الآخر، ودفن يوم الجمعة بعد الصلاة بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى.
المقداد بن أبي القاسم بن هبة الله بن المقداد بن عبد الله بن المقداد بن علي أبو المرهف نجيب الدين القيسي. كان من أهل الخير والعدالة والأمانة، سمع الكثير وتفرد بأشياء، وأسمع وانتفع بالسماع عليه جماعة من الطلبة، وتوفى بدمشق يوم الأربعاء ثامن شعبان، ودفن من الغد بسفح قاسيون، وهو في عشر الثمانين رحمه الله تعالى.
منكوتمر بن هولاكو بن قازان بن جنكز خان ملك التتار. وهو من بيت الملك، وهو مقدم الجيش الذي ضرب المصاف مع المسلمين في السنة الخالية ظاهر حمص، فكان عنده شجاعة وإقدام، وبطش وسفك للدماء،
стр. 1520
وهو نصراني الدين، وكان جرح يوم المصاف، والذي جرحه الأمير علم الدين الدويدار ﵀، وحصل له غم شديد على ما جرى عليه، وعلى عساكره، وكمد زائد، وحدثته نفسه بجمع العساكر من سائر مماليك بيت هولاكو، وقصد الشام، وأخذ بثأره، فقدر الله تعالى موت أخيه ابغا، فعبء ذلك في عضده، وتملك بعد أخيه أخوه الملك أحمد، وهو مسلم لا يرى محاربه المسلمين، فانكسرت همته، واعترته صرع متدارك، فتوفى في العشر الأول من المحرم ببلد الجزيرة العمرية يقال لها: تل خنزير، وقيل: كانت وفاته في آواخر سنة ثمانين والله أعلم وقيل: انه لم يمت حتى أكل لسانه بأسنانه، وأتى على أكثر من نصفه، وكفن في أربعة أثواب نسيج، وجعل في تابوت، وسير إلى تلا، فدفن بها، وقد نيف على ثلاثين سنة من العمر والله أعلم.
هبة الله الملقب بالسديد النصراني القبطي المنيوز بالماعز. مستوفى الديار المصرية وقوانينها وأحوال المملكية، لا يشاركه في ذلك مشارك، وكان مدار الوزارة عليه، والوزير يستضئ به في سائر الأحوال، وكان رجلاً جيداً، كبير المروءة، والخدمة للمسلمين، والتودد إليهم، والترصد لقضاء حوائجهم، وعنده رياسة وبراهة وعفة، وستر على عورات الكتاب، وعدم مؤاخذة لمن يقصده بضرر، متمسكاً بدينه وشريعته، كثير الصدقة على فقراء النصارى، ويتصدق على فقراء المسلمين أيضاً،
стр. 1521
ولم يكن في أهل ملته من يضاهيه في وقته، وكانت وفاته بالقاهرة يوم الاثنين عاشر المحرم وهو في عشر السبعين، ورتب ولد الأسعد جرجس مكانه، وتضاعفت منزلته، وفعله للخير، ومنافسته في المعروف، وفعل الجميل مع المسلمين بحيث أطلقت الألسن بشكره، والثناء عليه، ثم أسلم فيما بعد.
يعقوب بن غنائم الموفق الساوى. كان حكيماً فاضلاً حاذقاً في الصناعة الطبية، جامعاً للعلوم الحكمية، أتقن صناعة الطب علماً وعملاً، واحتوى على جملتها، لم يكن في زمانه أعرف منه بقوانين الطب ومعرفته، له اليد الطولى فيه، وله تأييد في اجتلاب الصحة، وتحرر في استقراء الأعراض، ومعرفة تامة بالبحث في علم الطب، والتفرد فيه، وله حلقة اشتغال فيه لكل من قصده، وله تصانيف جليلة، منها: شرح الكليات من كتاب القانون لابن سينا، وحل شكوك نجم الدين أحمد بن المفتاح على الكليات، وكتاب المدخل إلى علم المنطق والطبيعي والالهي وغير ذلك، وكانت وفاته يوم السبت في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين، وهو دمشقي المولد والوفاة.
السنة الثانية والثمانون وستمائة
استهلت هذه السنة يوم الخميس، والخليفة الامام الحاكم بأمر الله أحمد العباس أمير المؤمنين، وسلطان الديار المصرية، والبلاد الشامية الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، مقيماً بقلعة الجبل من الديار المصرية.
وفي يوم الأحد سابع وعشرين شهر صفر وصل إلى دمشق
стр. 1522
الملك المنصور صاحب حماة، وخرج نائب السلطنة، والموكب للقائه، ونزل بداره داخل باب الفراديس، وعزمه التوجه إلى الديار المصرية.
وفي يوم الاثنين عاشر ربيع الأول فوض إلى الصاحب برهان الدين السنجاري التدريس، والنظر بمدرسة الامام الشافعي ﵀ بالقرافة الصغرى، ووقف السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب قدس الله روحه بالجامكية، والجراية، والرسوم، الشاهد بها كتاب الوقف على التمام والكمال وهي في كل شهرمن الجامكية أربعون ديناراً معاملة على التدريس، وعشرة دنانير على النظر، والرسوم في كل يوم من الخبز ستون رطلاً بالمصري، ومن الماء الحلو راويتان وهذا المدرسة خلت من مدرس بالكلية من مدة تزيد على ثلاثين سنة، والفقهاء يلازمزن الاشتغال بها، وحضور حلق معيديها فان بها عشرة معيدين، واستمر الحال على ذلك إلى سنة ثمان وسبعين، فرتب التدريس بها في نصف المعلوم المذكور القاضي تقي الدين محمد بن رزين الحموي عند صرفه من القضاء بالديار المصرية، وانتقلت بعد وفاته إلى غيره بالربع من أصل المعلوم، وبقي الامر كذلك إلى يوم تاريخه ففوضت إلى الصاحب برهان الدين المذكور بالمعلوم بكماله.
وفي يوم الجمعة حادي عشرين رجب ولى الخطابة بدمشق جمال الدين عبد الكافي واعتقل قاضي القضاة عز الدين ابن الصائغ رحمه الله تعالى في القلعة، ومنع من صلاة الجمعة بعد أن حضر الجامع لصلاة الجمعة، فأمسك ورسم لقضية برأه الله تعالى منها إدعى عليه أنه أودع حياصة مجوهرة،
стр. 1523
وأمور اتفقت عليه، وأثبتت بالزور والبهتان، وتعصب عليه وصرف عن الحكم بسببها، وولى قضاء القضاة بهاء الدين بن الزكي عوضه. وفي يوم الأحد ثالث عشرين رجب شافهه السلطان بالولاية وقعد للحكم، وتطاول أمر القاضي عز الدين، وعقد له مجالس كثيرة إلى العشرين من شهر رمضان أحضر ابن الحموي، والشهاب عازكي الأميني، والعز التبان، فأمر نائب السلطنة أن يركبوا حميراً ويحرضوا، ففعل بهم ذلك بدمشق، وحبس ابن الحموي بعد ذلك في حبس باب الصغير، بقي فيه يومين، وشفع فيه، فأطلق وظهر عند بهاء الدين البرزالي إشهاد مثبوت على الحكام ببراءة القاضي عز الدين مما ادعى عليه به، ولم يجسر على إخراجه.
وفي بكرة الأحد حادي عشر شوال ذكر الشيخ شمس الدين الايكي الدرس بالغزالية، وذكر قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي بالمدرسة العادلية الكبيرة بكرة الاثنين ثاني عشره، وحضر عنده أعيان البلد من القضاة والعلماء والفضلاء على اختلاف المذاهب، وذكر الدروس الفائقة، وتصدي لإيراد الأجوبة عليها وبحث بحثه الفائق إلى أن أطرب المسامع بعلومه التي فاق بها الأواخر والأوائل، وأتى بما عجز به الحاضرون.
وفي يوم الخميس منتصف شوال خرج محمل الحاج من دمشق، وأميرهم صارم الدين المطروحي، ودخل الملك المنصور صاحب حماة دمشق من القاهرة يوم الأحد رابع عشر صفر، وتوجه إلى حماة يوم الجمعة
стр. 1524
ثاني عشرين منه، ودخل الحاج دمشق في خامس صفر، وأميرهم الطواشي بدر الدين الصوابي.
وفيها توفى: إبراهيم بن جامع بن أبي البركات أبو إسحاق القفصي الضرير الامام المقرئ العلامة. كان إماماً فاضلاً، عارفاً بالقراآت، واللغة، والعربية، وله تصانيف كثيرة، أخذها عنه المقرئ أبي الحسن علي بن أحمد بن موسى الجزيري، وسمع منه أبو العلاء الفرضي، وروى عن عمر بن الناقد، وأخته تاج النساء عجيبة، ورحل إلى الشام، ومصر، والاسكندرية، وسمع من شيوخها، ومولده سنة ست وست مائة، وتوفى ببغداد في صفر رحمه الله تعالى.
إبراهيم بن عثمان أبو إسحاق العدوي. كان من أولاد المشايخ، وله صورة، وصيت وأتباع، وكان حسن الأخلاق، كثير المكارم، لطيف المحاضرة، حسن المذاكرة، جميل الصحبة، لم يجتمع به أحد إلا وانتفع به، وكان من حسنات الدهر من ذوي البيوت الكبيرة، عزيز النفس، كثير المروءة، عنده خير وصلاح وانقطاع بقرية دير ناعش عند ضريح والده الشيخ عثمان بن سادات المشايخ، اجتمع بمشايخ الشام في زمانه، وأخذ عنهم علم الطريق، وتخرج بهم، وكانت له الكرامات الظاهرة،
стр. 1525
والأحوال الباهرة، والمناقب المشهورة، وكان خصيصاً بالشيخ تقي الدين الفقيه اليونيني ﵁ يكثر من زيارته ويحبه، وحكى عنه أن شخصاً قرأ عند قبره بعد موته القرآن فغلط فرد عليه من قبره، وهذا مشهور عند أهل قريته، وله غير ذلك، وكانت ولادته سنة إحدى وخمسين وست مائة، ودفن بدير ناعش عند جانب والده رحمهما الله.
أحمد بن حجي بن يزيد البرمكي الأمير شهاب الدين أمير آل مراء. وهو من الفرسان المشهورين، والشجعان المذكورين، كانت سراياه تغار إلى أقصى نجد، وبلاد الحجاز، ويودون له الخفر، وكذلك صاحب المدينة الشريفة النبوية يؤدي له القطيعة، وله المنزلة العالية عند الملك الظاهر والملك المنصور وغيرهما من الملوك يدارونه، ويتقون شره، ويزعم أنه من نسل جعفر بن يحيى البرمكي المشهور، وكان كتب إلى عيسى ابن مهنا كتاباً، وأغلظ له فيه، وكان عنده المولى شهاب الدين أحمد بن غانم، فسأله المجاوبة عنه، فكتب عنه إليه يقول:
زعموا أنا هجونا جمعهم كذبوا ... فيما ادعوه وافتروا بالأدعياء
إنما قلنا مقالاً لا كقول السفهاء ... آل فضل آل فضل أنتم آل مراء
فوقع ذلك عنده بموقع شديد وغضب.
إسماعيل بن أبي عبد الله بن حماد أبو الفداء الصالحي العسقلاني. أحد الشيوخ المتدينين والرواة المكثرين، كان شيخاً صالحاً زاهداً ورعاً، ولد
стр. 1526
في حدود سنة خمس وتسعين وخمس مائة، وسمع من حنبل المسند المكثر بمكاله، ومن ابن طبرزد، والكندي، وابن الحرستاني، وحدث، وأجاز له أبو جعفر الصيدلاني وغيره من أصبهان، توفى في ذى القعدة سنة اثنتين وثمانين وست مائة بقاسيون، ودفن به رحمه الله تعالى؟ شرف بن عمر بن أحمد الأصفهاني المعروف بالبلاسي. كان شيخاً صالحاً كريماً، خادماً للفقراء، متصدياً لخدمتهم، عمر قريباً من ثمانين سنة، ومات بالديار المصرية في يوم الاثنين ثاني عشر المحرم، كان قصدها مسترفداً، ودفن قرب قبة الامام الشافعي رحمه الله تعالى.
شرف بن مرى بن حسن بن حسين بن محمد الجذامي النواوي الحاج الصالح والد السيخ محي الدين النواوى، كان من الصالحين، مقتنعاً بالحلال، يزرع له أرضاً يقتات منها هو وأهله. وكان يمون الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى منها يرسل له مؤنته وقتاً بوقت، ولا يأكل من عند غير أبيه، لما يعلمه من صلاحه، واستعماله الحلال الخالص، وكان خيراً لا يأكل شيئاً فيه شبهة، ولا يطعم أولاده إلا مما يعرف حله. قال الشيخ الصالح محي الدين يحيى الذهبي، وكان صاحبه: كنت أتردد أنا وأخوالي إلى نوى، وننزل عنده، ويخدمنا خدمة بالغة، فاتفق أن توجهنا إليها في شغل، وأخذنا معنا هدية لبعض الأصحاب، وفضل معنا سلة انجاص، فلما دخلنا بها بيت الحاج شرف، قلت لأخوالي، وقد حضر ولد صغير لولد شرف المذكور: أعطه إياها يداخلها للصغار، فقال له ذلك، فغضب وقال: متى رأيتنا نأكل
стр. 1527
هذا أو غيره أو أكلنا من مال أحد شيئاً، وتغير عليه، ولم يقبلها. ولما مات الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى خلف كتبه التي صنفها، وغيرها من العلوم الاسلامية مما كتبه بخطه، واشتراه فلم يتعرض والده إليها، وهي تساوي جملة كبيرة، وجعلها عند الشيخ برهان الدين الاسكندري تلميذ الشيخ محي الدين ينفع بها المسلمين، ولم تزل عنده يعيرها لكل من قصد الانتفاع بها، وحصل للناس بها نفع كثير إلى أن مات شرف المذكور، وأولاده الكبار، ولا يتعرض أحد إليها فلما انقرضوا، ولم يبق منهم من له صورة، وافترقوا في سنة تسع وتسعين وست مائة عندما دخل العدو الشام، واحتاجوا إلى بيعها، فحضر من بقي من أولاد شرف، وذلك في سنة سبع مائة إلى التربة الأشرفية، وكانت الكتب في بيت الشيخ برهان الدين، فأخرجت وبيعت بجملة كثيرة، وبلغ ثمنها مبلغاً طائلاً، وتغالى الناس في شرائها، وهم من أثر الخوف، وأخذوا المال، فذهب منهم كله في تلك السنة، ولم يبارك لهم، وأبقوا عندهم من كتب الشيخ بخطه: رياض الصالحين، والأربعين في الأحكام بنوى، لأجل التبرك. وكانت وفاة الحاج شرف يوم الأحد سابع عشر صفر سنة اثنتين وثمانين وست مائة، ودفن بنوى رحمه الله تعالى. وكان قد حج مع والده القدس مراراً، وعادت بركة كل منهما على الآخر رحمهما الله تعالى.
عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية أبو محمد شهاب الدين الحراني الحنبلي.
стр. 1528
كان فقيهاً فاضلاً، قدم دمشق بعد استيلاء التتار على حران، واستوطنها إلى أن توفى بها ليلة الأحد سلخ ذى الحجة، ودفن يوم الأحد بمقابر الصوفية، وقد نيف على الستين ﵀ وهو من بيت العلم، والحديث، والديانة، وله شهرة ببلده، وكان والده مجد الدين عبد السلام من الأعيان، وكذلك غير واحد من أهل بيته رحمهم الله تعالى.
عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة أبو محمد شمس الدين المقدسي الحنبلي، شيخ الاسلام علماً، وزهداً، وورعاً، وديانة، وأمانة، كبير القدر، جم الفضائل، إليه انتهت الرياسة في الفقه، على مذهب الامام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، وشرح كتاب المقنع في الفقه تأليف عمه شيخ الاسلام موفق الدين رحمه الله تعالى. وكانت له اليد الطولى في معرفة الحديث، والأصول، والنحو، وغير ذلك من العلوم الشرعية مع العبادة الكثيرة، واللطف وكرم الأخلاق، ولين الجانب، والاحسان إلى القريب والبعيد، والاحتمال، وولى قضاء القضاة بالشام يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى سنة أربع وستين وست مائة مكرها، وباشر ذلك مدة سنين، ثم عزل نفسه، وامتنع من الحكم، وبقي متوفراً على العبادة، والتدريس، والاشتغال، والتصنيف، وكان أوحد زمانه في تعدد الفضائل، والتفرد بالمحامد، وحج غير مرة، ولو يكن له نظير في خلقه، ورياضته، وما هو عليه، وتمرض أياماً، ثم توفى إلى رحمة الله تعالى ليلة الثلاثاء سلخ ربيع الآخر بمنزله بجبل قاسيون ظاهر دمشق. ودفن يوم الثلاثاء عند قبر والده الشيخ أبي عمر ﵄. سمع الكثير وأسمعه، وانتفع به خلق كثير، وكان على
стр. 1529
قدم السلف ﵃ في معظم أحواله، ورثاه غير واحد، فمن رثاه شهاب الدين محمود كاتب الدرج بدمشق، وهو ممن اشتغل عليه، وانتفع به، بقوله:
ما للوجود وقد علاه ظلام ... أعراه خطب أم عداه مرام
أم قد أصيب بشمسه فغدا فقد ... لبست عليه حدادها الأيام
لم أدر هل نبذ الظلام نجومه ... أم حل للفلك الأثير نظام
فلقد تنكرت المعالم واستوى ... في ناظري الأشراق والأظلام
وذهلت حتى خلت أني ليس لي ... بعد الفراق سوى الدموع كلام
أترى درى صرف الردى لما رمى ... أن المصاب بسهمه الاسلام
أو أنه ما خص بالسهم الذي ... أصمى به دون العراق الشام
سهم يقصد واحداً فغدا وفي ... كل القلوب لوقعه آلام
ما خلت أن يد المنون لها على ... شمس المعارف والهدى إقدام
من كان يستسقى بغرة وجهه ... إن عاد وجه الغيث وهو جهام
وتنير المسرى لسرة فضله ... فكأنما هي للهدى إعلام
ما خلت أن الدين لولا فقده ... ممن يروع شربه ويضام
كانت تطيب لنا الحياة بأنه ... وبقربه فعلى الحياة سلام
كانت ليالينا بنور بقاءه ... فينا تضيء كأنها أيام
كانت به ترى العيون وتنثني ... ولها إليه تعطش وأوام
من للعلوم وقد علت وعلت به ... أضحت تسامى بعده وتسام
стр. 1530
من للحديث وكان حافظ سربه ... من أن يضم إلى الصحاح سقام
وله إذا ذكر العلوم نراتب ... تسمو فتقصر دونها الأوهام
تروى فيروى كل ذى ظمأ له ... بحمى الحديث تعلق وهيام
ببديهة في الفضل يقسم من رأى ... في ذاك شرعاً أنه إلهام
من للقضايا المشكلات إذا ثنت ... عنها العقول وحارت الأفهام
هل للفتاوى من إذا وافى بها ... قاضي القضاة وجفت الأقلام
من للمنابر وهو فارسها الذي ... يحي القلوب به وهن زمام
وله إذا أتم الدروس مواقف ... مشهودة ما نالهن إمام
يجلى بها صدى القلوب وترتوي ... منها العقول وتعقل الأحكام
ولديه في علم الكلام جواهر ... غرر يحير بحسنها النطام
من للزمان وكان طول حياته ... الليل يحي والهجير يصام
من للعفاة والغباة وهل لهم ... من بعد في ذاك المقام مقام
كانت لهم منه عواطف مشفق ... فمضى فيهم من بعده أيتام
لم يخل منهم بابه ولطالما ... عاينته ولهم عليه زحام
وذوو الحوائج ما أتوه لحادث ... إلا ونالوا عنده ما راموا
يلقاهم بشر يبشرهم بما ... قصدوا من الحاجات وهي جسام
من للطريد وهل له من بعده ... يوماً من الدهر الذميم ذمام
فجعت به الدنيا فإن لم تصف من ... أكدارها يوماً فليس تلام
стр. 1531
فعلام يبقى الطرف فيه بقية ... أيروم أن يرد الجفون منام
أو أن يصون الدمع كي يطفى الجوى ... ولناره بين الضلوع ضرام
أو أن يكون ذخيرة هيهات ما ... لملمة من بعدها إيلام
هذا الذي عفا المضاجع خشية ... من أن تخيله لنا الأحلام
فعلام تجزع للحوادث ما اشتهت ... من بعده فلتصنع الأيام
بتنا نودعه وقد جاءته ... دار السلام تحية وسلام
ويقوم إجلالاً لديه ولم يحل ... إن الملائكة الكرام قيام
وافته من خلع القبول ملابس ... شرفت فليس ترى وليس ترام
وسرت إليه من الجنان نسيمة ... في طيها كلف به وغرام
فليهنه الدار التي لنعيمه ... فيها إذا زال النعيم دوام
دار له فيها السرور محقق ... لا كالحياة فان تلك منام
حيا الحياة ذاك الزمان فإنه ... لملابس بك للمكرمات حتام
وسقى العهاد عهوده فإذا رثت ... فالدمع إن ظن الغمام غمام
إن كان عاندنا الزمان بفقده ... فله بمن أبقى لما أنعام
أو غالنا في الشمس وهي منيرة ... فلقد سخا بالبدر وهو تمام
نجم به ألف الهدى وبنوره ... عادت وجوه الدهر وهي وسام
أبقى لنا منه الزمان بقية ... أثنى عليه بتركها الاسلام
شرف القضاء بعلمه وتشرفت ... بوجوده الأحكام والحكام
وبه علينا الدهر لما أن مضى ... منا إمام قام منه إمام
стр. 1532
درت به ضرع العلوم وأنها ... لولاه بعد أبيه طال فطام
حسن الزمان به فألقت جيده ... له ما.... الأعوام
ولكم غدت من زلة وفريضة ... هدى يقال به وتلك تقام
من دوحة شرفت وكم ضرع بها ... زاك تأخر عنه وهو إمام
من كان في حجر العلوم وطالما ... سبق الكهول تقاه وهو غلام
مولاي نجم الدين دعوة من غدا ... الصبر الجميل عليه وهو حرام
طب عن أبيك فدتك نفسي أنه ... ولى ولم تعلق به الآثام
فلمثل هذا كان يتعب نفسه ... الليل ذكر والنهار صيام
لكم الكرامات الجليلات التي ... لا يستطيع جحودها الأقوام
في وقت دفن أبيك هب نسيمة ... في طيها كلف به وغرام
إن لم تكن روح الجنان فقبلها ... ما طابه من لفح الهجير مقام
فاسلم ودم تحي المائر والعلى ... ما ناح في فرع الاراك حمام
ذكر الشيخ محي الدين النواري رحمه الله تعالى فقال عنه شيخنا الامام العلامة ذو الفنون من أنواع العلوم والمعارف، وصاحب الأخلاق الرضية، والمحاسن واللطائف، أبو الفرج، وأبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ الامام أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، سمع الكثير وأسمعه قديماً في حياة شيوخه، وهو الامام المتفق على إمامته، وبراعته، وورعه، وزهادته، وسيادته، والعلوم الباهرة، والمحاسن المتظاهرة. وذكره الشيخ زكي الدين
стр. 1533
أبو إسحاق إبراهيم بن عبد العزيز الكوري المالكي، فقال: شيخنا شمس الدين ممن يفتخر به دمشق على سائر البلدان، يزهو به عصره على متقدم العصور والأزمان، لما جمع الله تعالى فيه من المناقب، والفضائل، والمكارم. منها التواضع مع عظمته في الصدور وترك التنازع فيما يفضى إلى التشاجر والنفور كانت به صدور المجالس والمحافل. مع ما أمده الله تعالى به من سعة العلم، وفطره عليه من الرأفة، والحلم، ألحق الأصاغر بالأكابر في رواية الحديث. وحكى الشيخ أبو الفضل بدر بن برغارم الشاغوري قطب وقته في زمانه، قال: رأيت النبي ﷺ في النوم وهو يقول ﷺ : يا أبا الفضل! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: أبشر بالخير من الله تعالى، فإنك من أهل الجنة؛ فقلت: يا رسول الله! فقلت يا رسول اللهوأصحابي: فقال: وأصحابك أيضاً من أهل الجنة طيب قلبك: فقلت: يا رسول الله فالشيخ شمس الدين خطيب الجبل والشيخ عز الدين؟ ثم قال: يا أبا الفضل! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: قل لهما وبشرهما أنهما من أهل الجنة.
عبد الرحيم بن محمد بن عبد الملك بن عيسى أبو علي المادراني المصري الشافعي شمس الدين بن القاضي كمال الدين أبي حامد بن قاضي القضاة صدر الدين أبي القاسم. مولده بالقاهرة المعزية من الديار المصرية في ثالث عشر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وخمس مائة، وتوفى بالقاهرة بالقرافة الصغرى في خامس شوال من هذه السنة أعني سنة اثنتين وثمانين وست مائة. سمع
стр. 1534
جده قاضي القضاة صدر الدين، وأبا محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن المحلى، وأبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن الثبت، وهو آخر من روى عنهم بالسماع، وسمع أبا بكر بن باقا وغير واحد، وكانت له إجازات عالية من نيسابور، وأصفهان، وبغداد، وغير ذلك، وحدث. ومن نظمه رحمه الله تعالى يقول:
ألقاك بالفقر وبالذل ... إن لم يكن لي راحماً من لي
إذا أتى الناس بأعمالهم ... فحاصلي إفلاسي الكلي
فافعل معي ما أنت أهل له ... فأنت رب الجود والفضل
وارحم لمن في لحده مفرداً ... خال من الأموال والأهل
جفته أهلوه وأحبابه ... وقد غدا منصرم الحبل
فالويل لي إن لم تكن راحمي ... لا عملي ينجي ولا فعلي
علي بن يعقوب بن شجاع بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي زهران أبو الحسن عماد الدين الموصلي الفقيه الشافعي المقرئ المجود. وكان فقيهاً فاضلاً، كرر على الوجيز في بداية اشتغاله، وحفظ الحاوي الصغير في آخر عمره، وله مشاركة في المنطق. والأصول. والخلاف، وكان إماماً مبرزاً في علم القراآت، والتجويد، وانتهت إليه الرياسة في ذلك بدمشق في آخر عمره، وصنف للشاطبية شرحاً يبلغ أربع مجلدات، ولم يكمله، ولا بيضه، وباشر التصدر للاقراء بتربة أم الصالح عماد الدين إسماعيل بن العادل بدمشق
стр. 1535
بعد وفاة الشيخ زين الدين الزواوي المقدم ذكره ﵀ وشرط هذا المكان أن يتولاه أفضل من يوجد في علم القراآت. وتوفى العماد المذكور يوم الأحد سابع عشر صفر بدمشق، ودفن من يومه بمقابر باب الصغير، وهو في عشر الستين ومولده بالموصل ﵀، ووالده وجده فاضلان، لهما يد في النظم. قال المبارك بن أبي بكر بن حمدان في كتابه قلائد الجمان: يعقوب بن شجاع الموصلي أخبرني أنه ولد ليلة الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة، وهو شاب من حفاظ القرآن، والمتفقهة، وقرأ من النحو صدراً حسناً، ومن أهل الدين والخير والصلاح رحمه الله تعالى وأنشدني لنفسه:
قلت لما رق حالي ... وجفاني من أوالي
ورماني الدهر قصداً ... بسهام ونبال
ودعتني رقة الحال ... إلى ذل السؤال
لست إلا مستجيراً ... بك يا رب المعالي
قال وأنشدني لنفسه:
أمولاي محي الدين بادر إلى ... الوعد الكريم بلا فتور
فلست أفي بشكر يديك عفواً ... ولو عمرت أعمار النسور
وأنت ذخيرتي ما دمت حياً ... وأنك عدتي يوم النشور
قال وأنشدني أيضاً لنفسه:
صروف هذا الدهر قد صوبت ... سهامها نحوي فلم أجزع
стр. 1536
لأنني معتمداً إن سطت ... على إمام بطل افزع
الفارس الكرار يوم الوغى ... وصاحب الغوث إذا ما دعى
جدك يا محي دين الهدى ... وحامل الراية في المجمع
يا من إذا ما جئته راغباً ... رجعت والدنيا جميعاً معي
عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن المطهر بن أبي عصرون أبو الخطاب محي الدين بن قاضي القضاة أبي سعد شرف الدين التميمي الشافعي، كان المذكور يلبس زي الجند في صدر عمره، ثم لبس زي الفقهاء في آخر عمره بعد وفاة أخيه شرف الدين عثمان، وادعى المشاركة في النظر على الأوقاف النورية، ثم أوصى قبل وفاته على ولده شمس الدين محمد بن سلمان ابن جمائل الشافعي سبط الشيخ غانم ﵀ وتحدث في الأوقاف النورية، وتناول النصيب فيها أسوة من يدعى ذلك، وكانت وفاة المحي عمر المذكور في يوم الاثنين ثالث ذى القعدة بدمشق، ودفن من الغد بسفح قاسيون ﵀ وقد نيف على سبعين سنة من العمر.
عيسى بن الخضر بن الحسن بن علي شمس الدين الزرزاري المعروف والده بالسنجاري. كان مليح الصورة، حسن الشكل، ناب عن والده برهان الدين في الوزارة، تقلده إياها في سنة ثمان وسبعين، ثم صرف عن ذلك في شهر رمضان سنة تسع وسبعين، وتولى نظر الاحباس بالديار المصرية، وخانقاة سعيد السعداء بالقاهرة، وعندما باشر والده الوزارة في المرة الثانية لم يمكن من استنابته، وباشر تدريس المدرسة المعروفة
стр. 1537
بزين التجار بعد وفاة الشريف السلماني مدة، ثم قبض عليه قبل وفاته بمدة، وامتحن محنة شديدة، ثم أفرج عنه، وأقام بطالاً في منزله بالمدرسة المعزية المطلة على النيل إلى أن توفى في سابع وعشرين المحرم، ودفن بالقرافة الصغرى بالتربة المعروفة بهم، ومولده بعد الأربعين وست مائة رحمه الله تعالى.
عيسى بن المظفر بن محمد بن إلياس بن عبد الرحمن الأنصاري المنعوت بعز الدين المعروف بابن الشيرجى. كان من أعيان أهل دمشق، ورؤسائهم، وعدولهم، ولى المناصب الجليلة. وآخرها حسبية دمشق، وكان عنده مكارم، وحسن ملتقى. وعلو همة، ومولده في أواخر سنة ثمان وعشرين وست مائة، وتوفى إلى رحمة الله تعالى بدمشق في رابع عشر رجب، ودفن بمقابر باب الصغير ظاهر مدينة دمشق رحمه الله تعالى.
كشتغدى بن عبد الله علاء الدين المشرفي الظاهري المعروف بأمير مجلس. كان من أعيان الأمراء وأكابرهم بالديار المصرية، وظهر قبل وفاته بمدة يسيرة أنه باق على الرق فاشتراه الملك المنصور سيف الدين قلاوون بجملة من المال ثم أعتقه، وكان شجاعاً بطلاً مقداماً، وله مواقف مشهورة، وتوفى بقلعة الجبل من الديار المصرية، وقد نيف على خمسين سنة من العمر، وحضر جنازته السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀.
محمد بن أحمد بن نعمة بن أحمد أبو عبد الله شمس الدين المقدسي الشافعي. اشتغل على الشيخ تقي الدين محمد بن رزين وغيره وناب عنه في تدريس
стр. 1538
المدرسة الشامية البرانية، ثم تشارك هو والقاضي عز الدين محمد بن عبد القادر في تدريسها ثم اشتغل بها إلى حين وفاته بها، وناب في الحكم بدمشق مدة سنين إلى أن توفى، وكان فقيهاً ديناً مشكور السيرة، سمع، وحدث، وأفتى. توفى يوم الاثنين ثاني عشر ذى القعدة بدمشق، ودفن من يومه ظاهر دمشق بباب كيسان بين باب الصغير، وباب شرقي، وقد نيف على الستين سنة من العمر رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل بن مقلد أبو المعالي علاء الدين الأنصاري الشافعي المعروف بابن الصائغ. كان من العدول وهو أخو قاضي القضاة عز الدين شقيقه، وتولى نظر الأسرى وغيره، وكان فيه أهله، وأمانة، وديانة، وحصل له مرض طال به، وتوفى يوم الأربعاء ثالث عشر ذى القعدة بدمشق، ودفن من يومه بسفح قاسيون، وقد نيف على الستين رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل أبو حامد الأنصاري الشافعي المنعوت بمحي الدين المعروف بابن الحرستاني. كان في حياة والده القاضي عماد الدين أبي الفضل مقيماً بصهيون مدة، ثم قدم دمشق، وولى الخطابة بجامعها بعد والده في سنة اثنتين وستين وست مائة، ودرس بالزاوية الغزالية بجامع دمشق، وكان وافر الديانة، كثير الخير، وفي سمعه ثقل، ودرس بالمدرسة المجاهدية التي بالقرب من النورية بدمشق، وتوفى إلى رحمة الله تعالى بدمشق يوم الأحد ثامن عشر جمادى الآخرة،
стр. 1539
ودفن من يومه بسفح قاسيون، ومولده في أحد الربيعين سنة أربع عشرة وست مائة بدمشق رحمه الله تعالى.... حصلت صعقة بساتين دمشق في سنة ست وستين وست مائة، وكان الملك الظاهر قد أوقع الحوطة عليها، نظم محي الدين في ذلك:
لما وقفت على الرياض مسائلاً ... ما حل بالأغصان والأوراق
قالت أتى زمن الربيع ولم أرى ... من كان بالمغنى من العشاق
تناشدت أطيارها في دوحها ... لما أضاء الجو بالاشراق
فتذكرت أيامهم في دوحها ... لما أضاء الجو بالاشراق
فتذكرت أيامهم فتنفست ... فأصابها لهب من الاحراق
أبلغهم عني السلام وقل لهم ... ها قد وفت بالعهد والميثاق
فغدوت أندب ما جرى متأسفاً ... والدمع يسبقني من الآماق
كان ﵀ ديناً خيراً ملازم للخير، ولم يعرف له صبوة.
محمد بن محمد بن عباس بن أبي بكر بن جعوان شمس الدين الأنصاري الشافعي النحوي، كان فاضلاً ديناً، اشتغل بالنحو على الشيخ جمال الدين محمد بن مالك ﵀ وأتقنه. وكان أمثل تلامذته. وسمع الحديث الكثير، وحصل من الفقه طرفاً، وكان له معرفة بالأدب، وله طبع مطاوع في النظم، وتوفى بدمشق ليلة الخميس سادس عشر جمادى الأولى، ودفن يوم الخميس بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى، ومن نظمه يمدح
стр. 1540
قاضي القضاة عز الدين ابن الصائغ:
لله در زمان عاد فيه إلى ... أحكامه العز عز الدين ذو النعم
أبو المفاخر فخر الشام حاكمه ... قاضي القضاة حليف الجود والكرم
ومن له مثل محي الدين حق له ... هذا التكني ففيه أفخر الشيم
أكرم بأصل وفرع دام فخرهما ... ففي علائهما أعلى أولى الهمم
يا ناصر الشرع قد أشبهت قومك في ... نصر الشريعة والأنصار كالعلم
كفاهم مشرفاً قول الرسول لهم ... وقوله الحكم في الأنصار في كلم
ملائك الله في تسديد حكمك إذ ... خطبت للحكم وعداً غير متهم
فالله يبقي لأهل الشام دولتكم ... ممتعين بها إبقاء ذى سلم
وقال أيضاً وكتب بها إلى أهله من تبوك سنة ست وسبعين وست مائة يقول:
كتبت من تبوك لتسعة ... مضت بعد عشر في المحرم ولت
وأنى بحمد الله أرجو لقاءكم ... إذا صفر عشرون منه تبقت
محمد بن محمد بن هبة الله أبو عبد الله عماد الدين الدمشقي الشافعي المعروف بابن الشيرازي. كان رئيساً، عنده فضيلة، ويكتب خطاً منسوباً تفرد به في آخر عمره، وهو من أعيان الدمشقيين، وأماثلهم وأولى الثروة منهم، والوجاهة فيهم، وكان والده القاضي شمس الدين أبو نصر قد ولى نيابة الحكم بدمشق مدة زمانية، وكان من العلماء العارفين بالمذهب، وكان عماد الدين المذكور طلب إلى الديار المصرية، ورتب ناظراً على الأملاك
стр. 1541
الظاهرية، والتعلقات السعدية، وذلك في أواخر الدولة الظاهرية بعد وفاة الرئيس مؤيد الدين أسعد ابن القلانسي ﵀ وبقي على ذلك، فلما كان في شهر صفر ركب من المدينة. وقصد الخروج إلى بستانه بالمزة، فعرض له فالج في الطريق، وهو راكب فركب غلامه من ورائه، وأمسكه حتى أوصله إلى البستان، واستمر به الحال إلى بكرة يوم الاثنين ثامن عشر صفر، فتوفى إلى رحمة الله تعالى ببستانه بالمزة، ودفن من يومه بسفح قاسيون، ومولده في سادس عشر ذى القعدة سنة ست وست مائة في بستان كان لهم بسطرا ظاهر دمشق ﵀ وإيانا.
محمد بن الحردتكي الشيخ الصالح، الحلبي المولد والمنشأ. كان له قدم راسخ في الفقر، والمجاهدة، وشهرة بين الفقراء في الأقطار، خدمهم في جميع عمره، وأنفق عليهم جميع ما ملكت يده من ميراث والده وغيره، وكان جملة عظيمة، وكان دمث الأخلاق، كثير الصمت والرياضة، محباً للعزلة، وهو من بيت كبير معروف بحلب بالامرة، وكبر القدر، وظهور الثروة. وخرج عن ذلك كله عن قدرة وتمكن، وفرغ منه طالباً لما عند الله تعالى، وخرقته ترجع إلى عند سيدنا محي الدين بن عبد القادر ﵁، وأقام في آخر عمره بدمشق، وحصل له طرف من فالج، ولازمه إلى حين وفاته، وتوفى إلى رحمة الله تعالى ليلة الأحد ثاني ربيع الأول بالقاعة التي داخل مقصورة الحنفية بالزاوية الشرقية من الحائط الشمالي بجامع دمشق، ودفن يوم الخميس بمقابر الصوفية رحمه الله تعالى، وقد نيف
стр. 1542
على ثمانين سنة من العمر، ولم يتخلف عن شهود جنازته أحد من الأعيان، ولا من الفقراء، ولم يخلف شيئاً من الدنيا ألبتة رحمه الله تعالى ورضي عنه.
محمود بن إسماعيل بن معبد أبو الثناء شرف الدين البعلبكي. كان من صدور بعلبك، وأولى الثروة بها، وله قبول عند الحكام، ومكانة عند كثير من الأمراء وغيرهم، وكان يعاني الزراعة في أملاكه، وعنده كرم نفس، وسعة صدر، وتحمل، ومكارمة، وتوفى وهو في عشر الستين، وخلف أولاد نجباء، وكان أوقف في حال صحته وقفاً جيداً على وجوه البر أثابه الله وتقبل منه وكانت وفاته ببعلبك ليلة الأربعاء العشرين من ذى القعدة، ودفن من الغد عند قبر أبيه برثيا ظاهر باب القطاعة ﵀ وإيانا.
يحيى بن علي بن محمد بن سعيد أبو الفضل محي الدين التميمي المعروف بابن القلانسي الدمشقي المعروف. كان من أعيان الدمشقيين وأماثلهم، سمع الكثير، وأسمع، وتولى المناصب الجليلة، وكان عنده أدب وفضيلة، وله يد في النظم، وبيته مشهور بالرياسة والتقدم، وتوفى إلى رحمة الله تعالى يوم الأربعاء ثامن وعشرين شوال بدمشق، ودفن من يومه بجبل قاسيون. ومولده بدمشق في تاسع جمادى الأولى سنة أربع عشرة وست مائة. ومن شعره لما وقعت الحوطة على بساتين دمشق، وصعقت تلك الصعقة العظيمة التي لم يعهد مثلها، وكان ذلك في شهر أيار من شهور الروم:
يا جلق الخضراء وقيت الردى ... لم ذا كسوت الدوح ثوب سواد
قالت لقد فارقت أهل مودتي ... فلبست للهجران ثوب حداد
стр. 1543
ونظم محي الدين أشعاراً كثيرة وألغازاً يأتي شيء منها فيما بعد، في ترجمة العرز إن شاء الله تعالى.
أبو بكر بن داود بن عيسى بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذى سيف الدين الملقب بالملك العادل. كان قد جمع بين حسن الصورة، والأوصاف، ومكارم الأخلاق، وسعة الصدر، وحسن العشرة، وكثرة الأفضال، واحتمال الأذى، وبذل المعروف، لا يضاهيه في ذلك أحد من أبناء جنسه، وكان له ميل إلى الاشتغال بالعلم، والأدب، وعنده ذكاء مفرط، وحدة ذهن، وعبارة حلوة، وآداب حسنة ملوكية، لم ير أكثر عقلاً منه في زمانه، ولا أكثر حشمة ووقاراً وسكوناً، ولا ألطف كلاماً، ولا أحسن بياناً، عليه هيبة وحشمة، وكان له ميل كثير إلى أصحاب القلوب، وأرباب الإشارات، يلازمهم، ويقتدي بهم، ويتأدب بآدابهم، ويتسلك بما يأمرونه به، يزور الصلحاء حيث سمع بهم، وكانت وفاته ﵀ يوم الخميس عاشر شهر رمضان المعظم هذه السنة، وصلى عليه يوم الجمعة بالجامع الأموي، وحمل إلى تربة جده الملك المعظم عيسى بسفح قاسيون، فدفن بها، وهو في عشر الأربعين لم يبلغها رحمه الله تعالى.
السنة الثالثة والثمانون وستمائة
إستهلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة، والملك المنصور سيف الدين قلاوون بالديار المصرية، وفي أثنائها خرج إلى الشام، ووصل إلى دمشق مع جماعة من عسكره، وخواصه يوم السبت ثاني عشر جمادى الآخرة.
стр. 1544
وفيها توفى الملك أحمد بن هولاكو ملك التتار، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي عاشر شوال توفى الملك المنصور ناصر الدين محمد صاحب حماة والمعرة، وسنذكره إن شاء الله تعالى. ولما اتصلت وفاته بالأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام، طالع بذلك الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ واستمطر صدقاته في إقرار ولده الملك المظفر محمود عوضه، فورد عليه الجواب بذلك، فكتب إلى الملك المظفر المذكور كتاباً بخط المولى شهاب الدين محمود من إنشائه، مضمونه: " أعز الله أنصار المقام العالي الملكي المظفري التقوى، وأطلع شمس ملكه مشرقة الأنوار. وألبس الدنيا من شعار سلطانه حلل الافتخار. وقلد المماليك من تقاليده ما يود ذهب الأصيل لورقه على صفحات النهار. وحلى أعطاف الملك من نعوته الشريفة بما هو أحسن من انتظام عقود الكواكب على هالة الأقمار. وشرف به التشاريف التي هو في لبسها كالحرم لا تكسى الأستار إلا ليشرف الأستار. وهنأه من حسن النظر الشريف بما بلغ به أول رتبة لا تطاول إليها زهر الكواكب إلا وهي شاخصة الأبصار. حتى يستقر الملك في مقامه المحمود. وينتظم عقد السلطنة لديه بين ذوائب الألوية وعصائب البنود. ويشرق من لألاء ملكه ما تضيء الآفاق بنوره. ويشرق بحد سطواته نحور الأعداء حتى يعجب لسفاح ورث الملك من منصوره. المملوك يقبل الأرض تقبيل تخلص تضاعفت
стр. 1545
لديه النعم. ووجب عليه أن يستعين على الشكر بكل لسان ناطق حتى لسان القلم. وتعبد ولى نذر الرجاء لديه واكتمل. ونال بإقبال ملك مولانا كل ما يؤمله، فأصبح يصحب الدنيا بلا أمل. وينهى أنه سطرها، ووفود التهاني تزدهم على ما قلمه. وعقود البشائر تتحذر من بين كلمه. وسماء الممالك قد أشرقت بالسعد كواكبها. وحدقت لتحدق ببدر ملكه مواكبها. وقلائد الجوزاء قد ترصعت لديه مناطقها. والفراقد قد توطأت لوطئ أجناده مفارقها، والبروق قد مرحت لتغالب الحاد على العلو بركابه سوابقها، والمنابر قد كادت تحضر للشرف باسمه أعوادها. والصوارم وقد انفت إذ جرت أن تكون سوى أعناق ملوك الأعداء أغمادها ".
وكان ورد كتاب السلطان بسببه من القاهرة إلى دمشق يوم الخميس الخامس والعشرين من شوال، وصحبه تقليد الملك المظفر من السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون باستقراره بحماة على قاعدة والده.
وفي يوم الأربعاء ثامن صفر دخل الحجاج دمشق، وأميرهم المطروحي.
وفي يوم الجمعة عاشر صفر جلس الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية على المنبر برواق الحنابلة بجامع دمشق مكان والده يفسر القرآن الكريم وغير ذلك.
وفي هذه السنة توفيت الخاتون بنت بركة خان والدة الملك السعيد بمصر، وكانت من سادات النساء كثيرة المعروف، والاحسان، والصدقات،
следующие страницы →