Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
مظفر الدين بن الملك الزاهر محي الدين بن الملك المجاهد أسد الدين. كان شاباً حسناً بهياً، جميل الصورة، واسع الصدر، كريم الأخلاق، حسن العشرة، لين الجانب، شديد الحب للفقراء، كثير الاحسان إليهم بنفسه وماله، وكان عنده رياسة وحشمة، وأخلاق ملوكية، وأمه بنت الملك العظيم شرف الدين عيسى بن الملك العادل، واقتبس هذه الصفات الجميلة منها، ولما توفى حزن عليه والده حزناً مفرطاً، وكانت وفاته يوم السبت العشرين من ذى القعدة، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون ﵀ وخلف ولداً ذكراً، وكان يعاشره المولى علاء الدين بن غانم حرسه الله تعالى فرثاه، يقول:
لو أستطيع قضيت حقك منصفاً ... وقضيت لما أن قضيت تأسفاً
ولو أن في إتلاف روحي فدية ... نفديك كنت لها بودي متلفا
بالرغم من أن أراك محجباً ... في الترب والفى جنابك قد عفا
من للعفاة وقد تقلص عنهم ... ظل النوال وطالما بك قد صفا
من للملوك ولم يزل بك مجدهم ... في العالمين مؤثلاً ومشرفا
من للعدى يوم الجلاد ولم تزل ... تروى المثقف منهم والمرهفا
كم من عدو من سطاك قد اغتدى ... في ليله ونهاره متخوفا
يخشاك في اليقظات منه وفي الكرى ... فإذا انتبه رعته وإذا غفا
ما عم رزؤ مثل رزءك قادح ... أضحى به كل الأنام على شفا
لا الدمع غار والتصبر منصف ... أسفاً عليك ولا التجلد لي وفا
стр. 1472
يا دهر كف فقد كفى ما قد جرى ... ما أدمعي ولقد جرى ما قد كفى
لم يبق في قوس الرزايا منزعا ... من ذا تركت وقد أصبت الأشرفا
ملكاً كان على الأنام فضائلا ... وفواضلا وتورعاً وتعففا
من سادة ورثوا المكارم كابرا ... عن كابر لم يخف منها ما خفا
ما زال ربعهم مآل مؤمل ... ومآل من وفاهم مستسعفا
كل تفرد بالمعالي منهم ... كلفا يرى بالمجد لا متكلفا
فالحلم منهم يهتدي والفضل منهم يقتدي والهدى منهم يعتفى
أبني المجاهد لا رأيتم بعدها ... خطبا تجوز ولا زماناً محجفا
لا تجزعوا وتثبتوا وتصبروا ... فلكم تأس بالنبي المصطفى
رحم الإله فقيدهم واحله ... الفردوس منه تحية وتعطفا
وكان يصحبه المولى شهاب الدين أحمد بن غانم أعزه الله تعالى فرثاه بقوله:
قد بنت بيناً لا لقاء بعده ... يا نائنا لو أن دنا مزاره
يا وارداً بالرغم مني مورداً ... عز على كل الورى اصداره
فالأرض قد أوحشها وأهلها ... كأنها جميعها دياره
فكل قلب بعده من جزع ... لفقده خفوقه شعاره
وكل طرف قد غدا من دمعه ... أنهاره وليله ونهاره
يا غصن لما تثنى ما يشا ... ء أتاه عند زهوره انكساره
стр. 1473
بكلى الحيا عليك والبرق غدت ... مشقوقة من الأسى أطماره
ومزقت ريح الصبا جيوبها ... والجو من دموعه أمطاره
وانشق قلب الأرض يوم دفنه ... وانصدعت من حزنه أعشاره
أعزز على أن أراك ثاوياً ... ببطن لحد نصبت أحجاره
لو كنت تفدى لفداك ناظري ... بكل ما يروقه ادخاره
أو كان يعني المدمع عنك لارتوى ... من كل مذروب الظبا غراره
أما وقد فارقت دار محنة ... وزمناً لم تصفه أكداره
وصرت جار الله والجار له ... رعاية أوجبها جواره
فلا عدا قبرك صوب رحمة ... وجاده من الرضى مدراره
هبة الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن جرير لأيو محمد نفيس الدين الحارثي الشافعي قاضي الزبداني. كان صدراً، رئيساً، عالماً، فاضلاً، كثير الكرم، واسع الصدر، دمث الأخلاق، له وجاهة عند الخاص والعام، وحرمة وافرة عند أرباب الدول، وكان يختار الزبداني لكونها وطنه، وله بها ملك يعود نفعه إليه. ولما توفى القاضي صدر الدين عبد الرحيم قاضي بعلبك ﵀ عرضت عليه بعلبك ويترك الزبداني فأبى وامتنع، وبالجملة فكان من حسنات الزمان مع وفور الديانة والتقوى، وتوفى ليلة الخميس تاسع صفر بدمشق فجاءة، ودفن يوم الخميس بسفح قاسيون، وقد نيف على سبعين سنة رحمه الله تعالى. حكى عنه ما معناه أنه احتاج إلى ثمان مائة درهم في أوائل فصل الشتاء، وكان له بالزبداني بستان، عادته أن
стр. 1474
يبيع ثمره في السنة بمبلغ ألف درهم أو ما يقاربها، فطلب بعض أهل الزبداني، وقال له: قد احتجت إلى ثمان مائة درهم تعطيني إياها، وهذا البستان ثمرته في هذه السنة لك، فأعطاه المبلغ؛ واتفق أن بساتين الزبداني ضعفت في تلك السنة سوى أماكن يسيرة من جملتها ذلك البستان، فلما أدرك مغله، حرص من دفع ثمرته ثلاثة آلاف درهم، فقال القاضي: ثمرته لفلان، وأما الشخص فإنه يئس منه لعلمه بفساد البيع، وأن ما قاله القاضي له لا يلزمه الوفاء به، وقنع بعود الدراهم إليه فحضر إلى القاضي وخاطبه في ذلك، فقال: البستان ثمرته لك كما وعدتك، بل لو صقع أعدت إليه دراهيمك فحرض به كل الحرض على أن يعطيه الدراهم ويتصرف في البستان، فأبى ذلك، فأباع ذلك البستان بما ينيف عن ثلاثة آلاف درهم وأخذها. فانظر إلى هذه النفس الشريفة واحتقارها للدنيا فرحمه الله ورضى عنه. ولقد أذكر في ذلك شيئاً وقع وهو أن بعض من ولى القضاء ببعلبك طلب خبازاً في فرن المدرسة النورية بها، وقال له: قد أستحق لي جراية شهر تشتريها وتقبضها من القلعة وفاصلها عليها بمبلغ ثلاثين درهماً، وقبضها منه، وطلع الخباز إلى القلعة وتسلمها، فوجدها رديئة لا توافقها فباعها في العرضة بثلاثة وثلاثين درهماً، وبلغ القاضي فطلبه وقال له: البيع لم يصح، فإني ما رأيت القمح؛ وأخذ منه الثلاثة الدراهم، فانظر إلى ما بين الرجلين رحمهما الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين.
стр. 1475
يحيى بن عبد المنعم أبو زكريا جمال الدين الفقيه الشافعي المصري المعروف بقاضي الغربية. ناب في الحكم بمصر سنين عديدة، وتولى التدريس بمشهد الحسن ﵁ بالقاهرة سنين كثيرة، وكان من أعيان القدماء الفقهاء المكثرين من النقل، المحققين في المذهب، ولم يزل محمود السيرة، وتوفى بمصر يوم الأحد عاشر شهر رجب، ودفن بإحدى القرافتين، وقد ناهز ثمانين سنة رحمه الله تعالى.
يحيى بن محمد بن إسماعيل أبو زكريا تاج الدين الكردي الاربلي الشافعي. كان فقيهاً فاضلاً ديناً، باشر الحكم ببلاطنس وحمص وبعلبك وغيرها من البلاد، وناب في الحكم بدمشق مدة عن القاضي عز الدين محمد بن الصائغ ﵀، ثم ولى القضاء بحلب وأعمالها بتقليد سلطاني في أوائل هذه السنة، وتوجه إليها وباشر أحكامها مدة شهرين فلما جفل الناس من حلب، انتزح إلى حمص، وخرج يوم الخميس بكرة النهار من البلد للاجتماع بالقاضي عز الدين محمد بن الصائغ بمشهد خالد بن الوليد ﵁، والتحم القتال وهو هناك، فقتل يوم الخميس رابع عشر شهر رجب، وقد نيف على الستين من العمر، ودفن بمقابر حمص جوار مشهد خالد بن الوليد ﵁ ورحمة الله تعالى.
يوسف بن إبراهيم بن قريش أبو المحاسن شمس الدين المصري. أحد كتاب الدرج بالديار المصرية وهو من قدمائهم، كتب للملك الصالح نجم الدين فمن بعده من الملوك، وكان وافر الرحمة كثير النعمة، وله صلة
стр. 1476
بذرية القاضي الفاضل ﵀، وحضر شمس الدين المذكور المصاف وفقد، ثم أخبرني من شاهده مقتولاً بتل فروحية، وهذا التل قبلي حمص بفوق فرسخين، وقتل، وقد نيف على سبعين سنة ﵀.
يوسف بن لؤلؤ بن عبد الله بدر الدين الذهبي الأديب الفاضل والشاعر المحسن. كان أبوه عتيق الأمير بدر الدين دلدرم الياروقي صاحب تل باشر، ومولد البدر يوسف سنة سبع وست مائة، وتوفى يوم السبت ثاني عشرين شهر شعبان من هذه السنة بدمشق، ودفن يوم السبت ثاني عشرين شهر شعبان من هذه السنة بدمشق، ودفن من يومه بمقابر باب الصغير ﵀. كان فاضلاً نبيهاً شاعراً مجيداً يغوص على المعاني المبتكرة فيجيد فيها. كتب إلى نجم الدين محمد بن إسرائيل، وللنجم صاحب يميل إليه يقال له الجارح بقوله:
قلبك اليوم طائر ... عنك في الجوانح
كيف يرجى خلاصه ... وهو في كف جارح
ثم بلغه أنه تركه، فكتب إليه:
خلصت طائر قلبي العاني يرى ... من جارح يغدو به ويروح
ولقد يسر خلاصه إن كنت قد ... خلصته منه وفيه روح
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
وروضة دولابها ... إلى الغصون قد شكا
стр. 1477
من حين ضاع زهرها ... دار عليه وبكى
وقال أيضاً:
وجنان ألفتها حين غنت ... حولها الورق بكرة وأصيلا
نهرها مشرعاً جرى وتمشت ... في رباها الصبا قليلاً قليلا
وقال في قصة جرت:
يا شادناً أخطى السبيل بقصده ... وعصى النصيح فيمن عصى
قد كنت بلا خصى في نعمة ... فتركته غلطاً وجئت إلى خصى
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
إن الذين ترحلوا نزلوا بعين ساهرة ... أنزلتهم في مقلتي فإذا هم بالساهرة
وقال أيضاً:
ضممته في ساعدي ضمة ... في ليلة قد غاب واشيها
وفي يدي من شعره حية ... لم أخشها مذ صرت حاويها
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا عاذلي فيه قل لي ... عن حبه كيف أسلو
يمر بي كل حين ... وكلما مر يحلو
وقال أيضاً:
ومعذر قد بايتوه جماعة ... ولووا بما وعدوه كل الميل
واكتاله كل هناك وما رأى ... منهم سوى حشف وسوء الكيل
وأنشدني المولى تقي الدين عبد الله بن تمام حرسه الله تعالى للبدر يوسف
стр. 1478
المذكور يقول:
هلم يا صاح إلى روضة ... يحلو بها العاني صدى همه
نسيمها يعثر في ذيله ... وزهرها يضحك في كمه
وهذا مأخوذ من قول ابن عمار:
يا ليلة بها في ظل أكتاف النعيم ... من فوق أكمام الرياض أذيال النسيم
وقال في الزين البغدادي وقد لبس ثوب صوف أسود:
لبس السواد فخلته متعبدا ... ومشى قليلاً في الطريق قليلا
في هيئة الرهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريم والتحليلا
وقال وقد احتيل على الحشر:
أمولاي شمس الدين طال ترددي ... بحائرة قد عيل من دونها صبري
وقد كنت قبل الحشر أرجو نجازها ... فكيف بها قد صيروها إلى الحشر
وقال يتذكر أيام شبابه:
هل ذاق برق بالغوير أنارا ... أم أضرموا بلوى المحصب نارا
وكلاهما إن لاح من هضب الحمى ... لي شائق ويهيج تذكارا
فيما التعلل والشباب منكث ... عنى وقد شط الحبيب مزارا
وقد استرد الدهر ثوب الصبا ... وكذلك يؤخذ ما يكون معارا
فارفق بدمعك في الفراق فما الذي ... يبقى لتشفى أربعاً وديارا
ودع النسيم يراوح القلب الذي ... أروى زناداً للتشوق نارا
مع أنني أصبو إلى بان الغضا ... إن شمت برقاً أو شممت عرارا
стр. 1479
فاليوم لا وار بمنعرج اللوى ... يدنو بمحبوب لنا فيزارا
كلا ولا قلبي المشوق بصابر ... عنهم فأندب دمنة أو دارا
فسقى اللوى لا بل سقى عهد اللوى ... صوب الغمائم هامياً مدرارا
ولقد ذكرت على الصراط مرامياً ... ينسى بحسن وجوهها الأقمارا
وعلى الحمى يوماً ونحن بلهونا ... نصل النهار ونقطع الأنهارا
في فتية مثل النجوم تطلعاً ... وتخيروا صدق المقال شعارا
من كل نجم في الدياجي قد لوى ... في كفه مثل الهلال فدارا
متعطفاً من حرم داود الذي ... فاق الأنام صناعة وفخارا
فالآن قد حن المشوق إلى الحمى ... وتذكر الأوطان والأوطارا
وصبا إلى البرزات قلب كلما ... طارت به حرز اللغالغ طارا
فلأى مرمى ارتميه وليس لي ... قوس رشيق مدمج خطارا
حيل على ضعفي إذا استعطفته ... الوى على العنف والدستارا
ثلاث له من كل صنف قد حوى ... أعنى الرماة تحسناً إكثارا
وبوجهه المنقوش أول ما بدا ... وبه أقام وأقعد الشطارا
وبدا بتحريمي بلا سبب بدا ... مني وأودعه الرماة مرارا
يا حسنه من مخلف ولكنه ... في الجو عال لا يسف مطارا
ويطير خطفاً عن مقامي عاضداً ... ولشقوتي لا يدخل المقدارا
لا بندقى مهما خطرت نباله ... أنى ينال مراوغاً طيارا
وسنان من حرز اللغالغ لم يزل ... يرعى الرياض وليس يرعى الجارا
стр. 1480
لا راحل بل قائم عني إلى ... ماء الفرات يخوض منه غمارا
وأما تراني فاقداً ومنعماً ... في الجو ليلاً خلفه ونهارا
دعني فقد برد الهواء وقد أتى ... أيلول يطفى للهجير جمارا
ووراء تشرين جاور عدة ... عجلان يحدو للسحاب وطارا
والبارق الهامي على قلل الحمى ... سرى هناك خيوطه كالتارا
والفيض طام ماؤه متدفق ... والطير فيه يلاعب التيارا
والنهر حن به فراح مسلسلاً ... صبا تحيراً لا يصيب قرارا
بهر النواظر حين أنبت شطه ... للناظرين شقائقاً وبهارا
والصبح في آفاقه يا سعد قد ... أخفى النجوم وأطلع العرارا
فانهض إلى المرنى الأنيق بنا وقد ... هب الصباح ونبه الأطيارا
وتباعث جناتها في أفقها ... مثل النعام قوادماً يتسارى
من جو زور للعراق قوادماً ... يا مرحباً بقدومها زوارا
فاصح إلى رشق القسى إذا ارتمت ... مثل الحريق أطار عنه شرارا
وأطرب على نغمات أطيار بدت ... في الجو وهى تجاوب الأوتارا
من كل طيار كأن له دما ... عند الرماة فثار يبغي الثارا
هل جاء في طلب العش لحتفه ... أم جاء يطلب عندها الآثارا
فاكتم يطرب بالجناح كأنه ... أيدي القيان تحرك الأوتارا
خاض الظلام وعب فيه فسود ... الرجلين منه وسود المنقارا
стр. 1481
وأتى يبشرها اللقاء فضمخت ... تلك المغارز عنبراً ونضارا
والكىء كالشيخ الرئيس مزمل ... في بردنيه هيبة ووقارا
والكئ على الأسماك يوماً كلما ... أذكى له حر المجاعة نارا
والوز كم قد هاجها تنغيمه ... ليلاً وكم قد ساقنا أسحارا
فإذا تباشر بالصباح بنى له ... عطفاً وصفح بالجناح وطارا
وترى اللغالغ تستهل بأعين ... خرزية صغر الجفون صغارا
وكأن ورشا ذاب في أجفانها ... فحكى النضار وخير النضارا
فترى الأنيسات الأوانس تنثني ... بين الرياض كأنهن عذارى
يسلبن أرباب العقول عقولهم ... ويرعن منه جيلة ونفارا
وترى الحبارج كالقطا أرياشها ... أو كالرياض تفتحت أزهارا
هجرت مناهلها على برح الظما ... واستبدلت من دونها وقفارا
والبر سلطان لها لكنه ... لم يلفه لدمائها هدارا
قد شاب منه رأس من طول ما ... كرت عليه عصوره أدوارا
أرخى جناحيه عليه كجوشن ... لو كان يمنع دونه الأقدارا
وإذا العقاب سطا وضال بكفه ... عاينت منه كاسراً جبارا
يعطي ويمنع عزة وتكرماً ... ويبيح ممنوعاً ويحفظ جارا
وترى الكراكي كالرماد وربما ... فرت فأذكت في القلوب نارا
стр. 1482
قد سطرت في الجو منها أسطرا ... وطوت سماء سجلها أسفارا
فإذا انصرعن فلا تكن ذا غفلة ... عن أن تيقظ حلهن مرارا
وبدت غرانيق لهن ذوائب ... لولا البياض لحلتهن عذارى
حمر العيون تدير من أحداقها ... فينا كؤوساً قد ملئن عقارا
والصوغ في أفق السماء محلق ... مثل الغمام إذا استقل وسارا
ذو مغرور ذرب فلو يسطو به ... نضح السنان واخجل التبارا
مرازم بيض وحمر ريشها ... كالورد بين الياسمين نثارا
خفقت بأجنحة على مجمرة ... كمراوح أضرمن منه جمارا
وعجت كيف صبت إلى صلبانها ... تلك الرماة وما هم بنصارى
وسبيطر ما أن يحل له دم ... مهما علا شجراً وحل جدارا
والأشرفية الفت لمنازل ... فاصبر له حتى يفارق دارا
وكأنما العناز لما أن بدا ... لبس السواد على البياض غبارا
وكأنه قد ضاق عنه مزورا ... فوق القميص فحلل الأزرارا
هل عب من صرف العقار بمغرز ... أم كان خاض من الدماء بحارا
يوسف بن يعقوب بن يعيش أبو المحسان جمال الدين السلمي المعري الاصل شيخ الغارة المعروفة بالعزيز بن الملك الاحمد صاحب بعلبك. كان شيخاً، صالحاً، ورعاً، محققاً، عارفاً بكلام المشايخ، مشتغلاً فيه، مسلكاً للمريدين والطلبة، خبيراً بالكتب المشكلة في هذا الفن، وكان يعرف كتاب
стр. 1483
خلع النعلين لابن قسى، ويتكلم على شرحه كلاماً مفيداً، وكان شيخنا تاج الدين عبد الرحمن الفزاري رحمه الله تعالى يعظمه، ويجتمع به، ويصفه بالتقدم الراسخ في معرفة طريق القوم. ومولده سنة اثنتي عشرة وست مائة، وكانت وفاته بالمغارة العزيزية بسفح قاسيون ليلة السبت ثالث عشر جمادى الأولى سنة ثمانين وست مائة، وحمل إلى مقابر الصوفية فدفن بها ﵀.
السنة الحادية والثمانون وستمائة
استهلت هذه السنة يوم السبت والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة في السنة الخالية، والملك المنصور سيف الدين قلاوون مقيم بالديار المصرية.
وفي أوائل هذه السنة ترتب في مملكة التتار مكان ابغا أخوه لأبيه أحمد بن هولاكو وهو مسلم، حسن إسلامه على ما يقال عنه، وعمره يومئذ مقدار ثلاثين سنة، ووردت الأخبار إلى الشام بأن كتبه وأوامره وصلت إلى بغداد تتضمن إظهار شعائر الاسلام، وإقامة مناره وإعلاءكلمة الدين، وبنيان الجوامع، والمساجد، والأوقاف، وتنفيذ بالأحكام الشرعية، والوقوف معها، وتشيد قواعدها، وإلزام أهل الذمة لبس الغيار، وضرب الجزية عليهم، ويقال: إن إسلامه كان في حياة والده هولاكو.
وفي عشية يوم الأحد مستهل صفر قبض الملك المنصور سيف الدين قلاوون على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسي، وعلاء الدين كشتغدى الشمسي، واعتقلهما بقلعة الجبل.
стр. 1484
وفي يوم الأربعاء عاشره فوض إلى قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ﵀ التدريس بالمدرسة الأمينية بدمشق، وذكر الدرس بها يوم الأربعاء ثامن عشره، وكان قد درس بها مدة، ثم انتزعت منه، وأعيدت إليه، وكتب له بها تقليد من إنشاء المولى القاضي شرف الدين بن فضل الله ديوان الانشاء، ومضمونه:
" الحمد لله الذي أقر الحق في نصابه وأعاد الأمر إلى من هو أولى به. ورد الفضل إلى وطنه بعد معاناة اغترابه. ورفع منار العلم للمسترشدين من طلابه. نحمده حمداً نستزيد به النعم، ونستفيد ونسترد به فائت الشكر ونستعيد. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من تيقن شهادته فأداها وأجزى الله المشيئة بتزكية نفسه فأتاها هداها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم رسله. ونبيه الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام. أئمة الدين وخلفاء الاسلام. الذين سبقوا ونصروا وعلنوا بالاسلام، وصابروا في الله وصبروا. وطلقوا الدنيا وهجروا. ما توج مفرق الصبح من الشمس بتاج. وأمسى لذهب الأصيل الأفق امتزاج. وبعد! فأما الأمور الدينية أولى ما كانت عيون العناية بها متأملة، وركائب الأفكار نحوها متحملة. ليوضع الأشياء في مواضعها. ويقع الأمور في أحسن مواقعها. فلا يقع الاشتباه مع غير الانظار والاشباه. ولا يوضع غير التيجان بمكانها من المفارق والجباه. وإذا رقدت لحظة الخط أو سهت. وتخطت خطوة الخطأ
стр. 1485
فما وقفت حيث انتهت أيقظت، تلك العناية الخط من هجوعه. وصدت الخطأ عن قصده، وحكمت عليه برجوعه، فتمسى النجم له استقامة بعد الرجوع. ويصبح وللشمس من بعد الغروب طلوع. ولذلك رسم بالأمير العالي المولولى السلطاني الملكي المنصوري السيفي زاد الله شرفاً، وملأ بمحامده من الأيام صحفا. أن يفوض تدريس المدرسة الأمينية بدمشق المحروسة إلى الجناب العالي المولوي القضائي الأمامي الأوحدي الأفضلي الأرشدي الزاهدي العابدي الورعي الناسكي العلوي العلامي الشمسي ضياء الاسلام صدر الأنام بقية الكرام، علامة العلماء بمصر والعراق والشام، كهف الملة ركن الشريعة شيخ المذاهب مفتي الفرق قدوة العالمين ظهير الملوك والسلاطين، خالصة أمير المؤمنين أحمد بن الشيخ الامام العالم العلامة بهاء الدين بن خلكان ضاعف الله جلاله إذا كان المعنى بهذا المعنى. والأوحد الذي لا نظير له فما يجمع، ولا يتثنى وهو الأولى بأن ينعت بواحد الزمان. والمراد به من مفهوم هذه الخطاب وغيره هو الذي أردناه بقولنا مضى هذا من هذا الباب. لتزين سماء العلوم منها بشمسه المنيرة، ويحتوي صدرها من تصدره بها على حاوي العلوم الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة. وليفوض نظرها إليه فقد حكم له بها الاستحقاق، وأصبحت نظامية الشام لما درس بها، وقد أربت على نظامية العراق، وقد درس بها الشيخ أبو اسحاق. وشهادة فضله الآن مغنية عن فضل امسه. والأخبار عن الماضي من الأمر لا يفتقر إليه والعيان شاهد لنفسه. ومتى احتاج النهار إلى دليل مع طلوع فجره.
стр. 1486
وشروق شمسه. والواصف لمناقبه ما عساه أن يورد بين يدي فضائله وسماعه لدرسه. ويوجز ويطنب فلا يخلى ولا يملى، وكيف يمل وتوفيق مفيد العقول عليه تملى. فليقصر في هذا المقام على إفادته. وتحصيل الاكتفاء بابانته. عن تكرر المقال وإعادته. وليباشر ذلك على قاعدته فيه وعادته. والاعتماد على الخط الكريم اعلاه إن شاء الله تعالى ".
كتب في ثالث عشر صفر سنة إحدى وثمانين وست مائة وهذا التقليد من نائب السلطنة بالشام الأمير حسام الدين لاجين ﵀.
وفي يوم الأحد سابع صفر دخل الحجاج دمشق في تامه.
وفي يوم الأحد حادي عشر ربيع الآخر ترتب بالديار المصرية نجم الدين المعروف بابن الاصفواني وزيراً عوض برهان الدين السنجاري وباشر الوزارة في التاريخ المذكور وهو من أهل صعيد مصر من بليدة يقال لها اصفون من أعمال قوص، ولم يزل متنقلاً في الخدم والأقطار الكبار، ثم ترقى إلى الوزارة في هذا التاريخ ورفعت يد الأمير علم الدين الشجاعي أحد المماليك الكبار المنصورية عن شد الدواوين بالديار المصرية واستمر على إمرته.
وفي أواخر جمادى الآخرة ترتب بالقاهرة والوجه البحري القاضي شهاب الدين محمد بن القاضي شمس الدين الخوى عوضاً عن القاضي وجيه الدين البهنسي، وانفرد وجيه الدين بقضاء مدينة مصر والوجه القبلي على عادة من تقدمه، وكان شهاب الدين قاضياً بالغربية نيابة عن الحاكم بالقاهرة مدة، ثم أعفى عنها وتوجه إلى حلب حاكماً بها مستقلاً، وأقام بها مدة، ثم
стр. 1487
أعفى عنها وتوجه إلى الديار المصرية فأعيد إلى الغربية وأقام بها إلى حين استقلاله بالقاهرة على ما ذكرنا.
وفي ليلة الاثنين حادي وعشرين شهر رجب وصل إلى دمشق رسل من جهة الملك أحمد بن هولاكو ملك التتر قاصدين السلطان، فأنزلوا بدار رضوان بقلعة دمشق. واهتم بأمرهم غاية الاهتمام، وتلقاهم سيف الدين كبك أمير حاجب بجماعة من العسكر إلى حلب فتوجهوا إلى الديار المصرية ليلة الخميس رابع عشرين منه، ومعهم سيف الدين كبك المذكور، وكانت طريقهم على القدس والخليل لقصده الزيارة، ومسيرهم في الليل دون النهار في جميع بلاد المسلمين في المجيء والعود، وهم بهاء الدين أتابك الروم، وشمس الدين بن شرف الدين التبتي وزير صاحب ماردين، وقطب الدين قاضي شيراز، لديه فضيلة تامة في الهيئة وعلوم الأوائل من المعقولات.
وفي ليلة الجمعة حادي عشره دخل الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام على زوجته ابنة الأمير ركن الدين بيبرس الناصري المعروف بطقصو حملت إليه من الديار المصرية، وكان دخولها عليه بدار السعادة، وعمل عرس عظيم حضره نائب السلطنة المذكور، وسائر الأمراء، والجند، وكثير من العوام، وأحضر فيه المطربون، وعند الفراغ منه أحضر الأمراء ومقدمو الحلقة تقادم جليلة من الخيول والثياب، الأطلس والنسيج، والعتابى وغير ذلك في البقج، والمماليك لابسين عدد الحرب على الخيول المثمنة وغير ذلك، واستمر عرض التقادم من بعد السماط إلى الظهر، ولم يقبل من
стр. 1488
ذلك إلا اليسير، وبعد الفراغ من عرضها، ركب إلى دار السعادة.
وفي يوم الأربعاء ثاني عشرين شعبان طافوا بالكسوة الشريفة التي عملت برسم الكعبة عظمها الله تعالى بمصر والقاهرة على العادة.
وفي ليلة الأحد عاشر رمضان المعظم احترقت اللبادين بدمشق الشمالية بكمالها، وجسر الكتبيين بأسره، وأكثر اللبادين القبلية العلو والسفل من ذلك جميعه، والفوارة والسوق الذي يليها للقماش المعروف بسوق عسا الله، وسقاية جيرون، ووصلت النار إلى الربع الملاصق لحمام الصحن من قبلية، فاحترق بعضه إلى باب درج العجم بوسط جيرون، وإلى جدر المسجد العمري الذي على درج باب الجامع الملاصق لسجن زين العابدين رحمة الله عليه إلى داخل مشهد علي رضوان الله عليه وإلى جدار دار الخشب وخزائن السلاح وإلى الرابع المستجد بجيرون قبالة درب العجم، واحترق أكثره، واحترق من الكتب ما يزيد على ستة آلاف مجلد، ومن عجيب الاتفاق أنه وجد وريقة عتيقة من كتاب وقد احترق أكثرها وبقي فيها مكتوب:
فوض الأمر راضياً ... جف بالكائن القلم
ليس في الرزق حيلة ... إنما الرزق بالقسم
ذل رزق الضعيف ... وهو لحم على وضم
وافتقار الغنى إذ ... يرهب الأسد في الأجم
إن للخلق خالقاً ... لا مرد لما حكم
стр. 1489
وبالجملة فكان حريقاً عظيماً لم يشهد مثله، وخيف على الجامع منه وكان بداية الحريق بين المغرب والعشاء، والناس على الفطر، واستمرت النار تعمل إلى الثلث الأخير من الليل، وهي في قوة وتزيد، ثم تناقصت وخمد لهبها قبل طلوع الشمس، وكان السبب في إخمادها الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة ﵀ فإنه لما بلغه خبرها، بطل الفطر وحضر بنفسه وخواصه ومماليكه مسرعاً، وحضر إليه جميع الأمراء ومماليكهم وكثير من الجند، وظهر من اهتمامه في إخمادها ما تضاعفت الأدعية له بسببها، وأقام الدخان يصعد من خلال الأبنية والردوم نحو أسبوع، وتقدم من غد يومه إلى الصاحب محي الدين محمد بن النحاس بعمارة ما احترق، وإعادته إلى ما كان عليه، وندب من جهته مشدا بين يدي الصاحب محي الدين لذلك، وقطعت رواتب الناس كافة على المصالح، وحصل الاهتمام التام من الصاحب محي الدين، فبنى أحسن مما كان، وأتم بالانقاش في مدة قريبة.
وفي ليلة الخميس حادي وعشرين منه وصل إلى دمشق رسل الملك أحمد بن هولاكو من مصر عائدين إلى مخدومهم، ونزلوا بدار رضوان بالقلعة، وسافروا ليلة الأحد رابع عشرين منه إلى بلادهم، ولم يتوجه معهم رسول من جهة الملك المنصور.
وفي يوم عيد النحر وهو يوم الخميس قدم الملك المنصور ناصر الدين محمد صاحب حماة إلى دمشق متوجهاً إلى الديار المصرية إلى خدمة السلطان
стр. 1490
الملك المنصور سيف الدين قلاوون، ونزل بداره داخل باب الفراديس، وسافر بعد يومين من مقدمه.
وفي يوم عرفة قبض بدمشق على زين الدين من ذرية الشيخ عيسى ابن أبي البركات، وأبو البركات هو أخو سيدنا عدى بن مسافر رحمة الله عليه، وسير إلى الديار المصرية، وصحبته أميران من أمراء دمشق مقبوض عليهما أيضاً حسبما ورد به مرسوم الملك المنصور سيف الدين قلاوون من الديار المصرية.
وفيها توفى: إبراهيم بن اسماعيل بن يحيى بن علوى أبو اسحاق الدمشقي الملقب بالبرهان المعروف بابن الدرجى المحدث. سمع الكثير وأسمع، وكان بالحجاز الشريف فمرض في عوده بالطريق، وتوفى يوم دخول الحجاج دمشق، وهو يوم الأحد سابع صفر، ودفن من يومه بمقبرة باب الفراديس، ومولده بدمشق يوم الثلاثاء رابع عشر شعبان سنة تسع وتسعين وخمس مائة رحمه الله تعالى.
أحمد بن غانم بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن حسين أبو العباس الأنصاري المقدسي. كان شيخاً كبيراً جليلاً، منقطعاً عن الناس، مشتغلاً بأوراده وأذكاره وتلاوته على قدم السلف، لا يشتغل بما لا يعنيه، ولا يضيع أوقاته في شيء من أمور الدنيا، أجهد نفسه في العبادة والتقلل من الدنيا، وملازمته الورع والزهد، وعدم التطلع إلى مشيخة أو رياسة أو منصب، ربى صغيراً على قدم الانفراد، والتجريد، والعبادة؛ واستمر
стр. 1491
على ذلك إلى حين وفاته. قال والده الشيخ غانم ﵀: من أراد أن ينظر إلى عابد من عباد بني إسرائيل فلينظر إلى أحمد. وتوفى بالقدس في شعبان سنة إحدى وثمانين وست مائة، وقد تجاوز تسعين سنة رحمه الله تعالى وصلى عليه بجامع دمشق بالتيه يوم الجمعة سابع عشر شعبان.
فصل
وفيها توفى: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان بن ناول بن عبد الله بن شاكل بن الحسين بن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك أبو العباس البرمكي الاربلي الشافعي شمس الدين قاضي قضاة الشام، وصدر صدور الاسلام. وله ليلة الأحد حادي عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وست مائة باربل، وبها نشأ، وذكره الصاحب كمال الدين عمر بن العديم ﵀ في تاريخ حلب، وساق نسبه ﵀ إلى خالد بن برمك، وقال: فقيه شاعر من بيت معروف بالفقه والأدب والمناصب الدينية، قدم حلب وتفقه بها. أنشدني قصيدة يرثي بها الملك العزيز بن الملك الظاهر، وهي هذه:
طوى من نظام الملك واسطة العقد ... ولم يك من صرف المنية من يد
فما للرماح السمر مشرعة القنا ... وما للصفاح البيض مرهفة الحد
أمن بعد فقدان العزيز محمد ... تدور رحى الحرب على صافن نهد
إذا عطلت من بعده حومة الوغى ... فما تصنع الفرسان بالقصب الملد
стр. 1492
لقد جل هذا الذرء من وصف واصف ... كما جل عن إدراكه حد ذى حد
سقى جدثاً ضم المكارم تربه ... ولحداً حوى تلك المناقب من لحد
مواطر دمع ما يزال تمدها ... سحائب تحدوها بواسم من نجد
فلله ما أذكى ثراه كأنما ... تنفس في روض المرحم عن خد
لئن أظلمت دنيا الغفلة لفقده ... فقد أشرقت من وجهه جنة الخلد
عليك سلام الله يا خير مالك ... ويا غير مصحوب سوى الشكر والحمد
وتفقه بالموصل على الشيخ كمال الدين موسى بن يونس، وعلى القاضي بهاء الدين أبي المحاسن يوسف بن رافع عرف بابن شداد وغيره، وقدم دمشق في عنفوان شبابه، فأقام بها مدة، ثم توجه إلى الديار المصرية، فاستوطنها واشتغل بالعلوم، وحصل من كل فن طرفاً جيداً، وكان فقيهاً إماماً بارعاً متقناً، مجموع الفضائل، معدوم النظير في علوم شتى، حجة فيما ينقله، محققاً لما يورده، منفرداً في علم الأدب والتاريخ، تولى الحكم بالقاهرة مدة زمانية خلافة عن قاضي القضاة بدر الدين يوسف السنجاري ﵀، ودرس وأفتى، وصنف واشتغل جماعة كثيرة؛ ثم ولى قضاء القضاة بالشام من العريش إلى سلمية. وفوض النظر في سائر أوقافها، وبسطت يده في ذلك، وفوض إليه تدريس عدة مدارس بدمشق، فكان يذكر الدروس فيها بنفسه، وتارة نوابه، وأقام على ذلك مدة عشر سنين، ثم صرف وتوجه إلى الديار المصرية، فأقام بها سبع سنين بطالاً، وباشر في
стр. 1493
بعضها تدريس مدرسة فخر الدين عثمان ﵀ بالقاهرة، ثم ولى الشام مرة ثانية، وقدم دمشق في أواخر سنة ست وسبعين، فباشر الحكم بدمشق إلى سنة ثمانين ثم صرف ولزم منزله متوفراً على العلم والافادة والاشتغال إلى حين وفاته، وقد أشرنا إلى بعض ذلك فيما تقدم من هذا الكتاب، وأما رياسته، وعلو همته، وشرف نفسه، وخبرته بقوانين الأحكام والحشمة فلم يكن له في ذلك نظير، وكان جواداً مفضالاً ممدحاً، مدحه شعراء عصره بغرر القصائد، وكان يجيزهم الجوائز السنية، وكان عنده صبر واحتمال وستر على العورات وعفو عن الزلات عفا الله عنه وأدخله في سعة رحمته التي وسعت كل شيء. حكى لي أنه حضر إليه وهو بالمدرسة العادلية الكبيرة بدمشق بعد عشاء الآخرة من أخبره أن ثم جماعة من أعيان العدول في مكان يشربون الخمر وعندهم نساء أجنبيات، وشنع شناعة كثيرة، فاستوقف المخبر عنده، وسير من باب السر من ثيق به إلى ذلك المكان، وعرفهم الصورة وأن والى الليل يحضر لكشف ذلك، وأمرهم برفع ما عندهم من المنكرات، والتأهب لمن يحضرهم، ثم احضر والى الليل، وعرفه ما ذكر الناقل، وأمره أن يأخذه، ويتوجه إلى المكان لكشف حقيقة ذلك، فتوجه والى الليل، وطرق الباب ففتح، ودخل فوجد جماعة يتحدثون وعندهم فقير مزمزم ومأكول لا غير، فعاد والى الليل، ومن معه وأخبروه بما شاهدوا فعزر الناقل
стр. 1494
فانحسمت مادة السعايات بمثل ذلك. ولما كان بالقاهرة بعد صرفه من الشام حضر عنده عز الدين محمد بن شداد ﵀ بكتب..... وانتقالها إلى الملك الظاهر وهي نابتة عليه، ورام منه أن يشهد عليه بما فيها ليثبت عند الحكام بالديار المصرية، قال له: كيف أشهد على ذلك؟ قال: يأذن لك قاضي القضاة تقي الدين بن رزين، قال: والله! لو كنت متولياً ما كنت آذن له ولا أراه بهذه الصورة فأشهد عليك بإذنه، هذا ما لا يكون أبداً؛ فعرف الملك الظاهر فعظم في صدره، وعرف شرف نفسه، فأذن له أن يحكم بالديار المصرية، ويشهد عليه، ففعل ذلك على كره منه، كان حصل له طائفة عظيمة في تلك المدة؛ وبلغ الأمير بدر الدين الخزندار ﵀ فأمر له بنفقة فوق ألفي درهم ومائة أردب قمح، وحضر إليه من جهة الأمير بدر الدين من أخبره بذلك فامتنع من قبوله، وقال للرسول: تجوع الحرة ولا تأكل تبد بها فلاطفه الرسول، وسأله وتضرع إليه، فلم ينفذ وأصر على الامتناع مع الحاجة المفرطة. كان وجيه الدين محمد بن سويد صاحبه، ومكانته مشهورة، فكان يحضر إليه ويسومه قضاء أشغال كثيرة، فيقضيها، فحضر إليه في بعض الأيام ورام منه ما هو معتذر، فاعتذر إليه بأن ذلك لا يجوز فعله، فقال الوجيه: ما يكون الصاحب صاحباً حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم، فقال له
стр. 1495
قاضي القضاة: يا وجيه الدين! نحن قد صرنا معك قتليش وما ترضى. قلت: من يذكر أن قاضي القضاة إنما خرج له النسب إلى البرامكة على ما تقدم شهاب الدين المعروف بأبي شامة، وليس الأمر كذلك، فإن قاضي القضاة أخبر بالأنساب من الشهاب وغيره، ثم وقفت على مجلد من تاريخ إربل لوزيرها شرف الدين بن المستوفى ﵀، وقد ذكر وفاة ابن عم لقاضي القضاة، وقد نسبه إلى البرامكة من ذلك الزمان، لعل قبل خروجه من إربل، ثم ذكره الصاحب كمال الدين ﵀ في تاريخ حلب أعني قاضي القضاة ونسبه إلى البرامكة، وكانت وفاته بالمدرسة النجيبية جوار المدرسة النورية بدمشق عصر
نهار السبت سادس عشرين شهر رجب، ودفن يوم الأحد بسفح قاسيون ﵀ ورضي عنه. وله نظم كثير، فمنه ما كتبه في صدر كتاب إلى بعض أصحابه وهو نبهان، يقول: نهار السبت سادس عشرين شهر رجب، ودفن يوم الأحد بسفح قاسيون ﵀ ورضي عنه. وله نظم كثير، فمنه ما كتبه في صدر كتاب إلى بعض أصحابه وهو نبهان، يقول:
سكنمتم فؤادي لا تغيبون ساعة ... وقلبي على طول الزمان لكم مغنى
وما الدهر إلا لفظة مستعارة ... وأنتم له روح وأنتم له معنى
لئن نزحت أرواحنا ونفوسنا ... ففي أي أرض كنتم معكم كنا
وله أيضاً ﵀:
أحبابنا لو لقيتم في مقامكم ... من الصبابة ما لاقيته في ظعني
لأصبح البحر من أنفاسكم يبساً ... والبر من أدمعي ينسق بالسفن
стр. 1496
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
كأنني يوم بان الحي من إضم ... والقلب من سطوات البين مذعور
ورقاء ظلت لفقد الألف ساجعة ... تبكي عليه اشتياقاً وهو مأسور
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا جيرة القلب هل من عودة فعسى ... تفيق من سكرات الوجد مخمور
وإن ظفرت من الدنيا بوصلكم ... فكل ذنب جناه الدهر مغفور
وقال في محلاح أربعة يلقب أحدهم بسيف:
ملاك بلدتنا في الحسن أربعة ... بحسنهم في جميع الخلق قد فتكوا
تملكوا منهج العشاق وافتتحوا ... بالسيف قلبي ولولا السيف ما ملكوا
وقال في ملاح بسيحون:
ورب ظباء في الغدير تخالهم ... شموساً بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول خليلي والغرام مصاحبي ... أما لك عن هذه الصبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى ... فقلت لهم ذرهم يخوضوا ويلعبوا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
كم قلت لما اصلعت وجناته ... حول الشقيق الغصن روضة آس
لعذاره الساري العجول بوجهه ... ما في وقوفك ساعة من باس
وقال أيضاً ﵀:
لما بدا في خده عارض ... بشرت قلبي بالسلو المقيم
стр. 1497
وقلت هذا عارض ممطر ... فجاءني فيه عذاب اليم
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
أعديتني بالهوى يا فاتر المقل ... فصح وجدي على ما بي من العدل
وملت عني إلى الواشي فلا عجبا ... فالغصن ما زال مطبوعاً على الميل
يا واحد الحسن عدني زورة حلما ... وها يدي إن نومي قد جفا مقلي
يا جيرة بأعالي الخيف من إضم ... خبيتم بجفاكم في الهوى أملي
وملتم بجميل الصبر عن دنف ... أجل ما يتمنى سرعة الأجل
تجري على الربع مذ بنتم مدامعه ... وما عسى ينفع البالي على الطلل
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ولما إن تفرقنا ... وحاولت نوب الدهر
رأيت الشهد لا يحلو ... فما ظنك بالصبر
وقال أيضاً:
وما سر قلبي مذ شطت بك النوى ... نعيم ولا لهو ولا متصرف
ولا ذقت طعم الماء إلا وجدته ... سوى ذلك الماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذات إلا تكلفاً ... وأي سرور يقتضيه التكلف
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا رب إن العبد يخفى عيبه ... فاستر بحلمك ما بدا من عيبه
ولقد أتاك وما له من شافع ... لذنوبه فاقبل شفاعة شيبه
стр. 1498
وقال رحمه الله تعالى:
أي ليل على المحب أطاله ... سائق الظعن يوم زم جماله
يزجر العيس طاوياً يقطع المهمه عفا سهوله ورماله
أيها السائر المجد ترفق ... بالمطايا فقد سئمن الرحاله
وأنخنا هنيئة وأرحها ... قد براها فرط السرى والكلاله
لا تطل سيرها العنيف فقد ... برح بالصب في سراها الاطاله
قد تركتم وراءكم خلف وجد ... نادياً في محلكم إطلاله
يسأل الربع عن ظباء المصلى ... ما على الربع لو أجاب سؤاله
وحمال من النخيل جواب ... غير أن الوقوف فيها علالة
هذه سنة المحبين يبكون على كل منزل لا محاله
يا دار الأحباب لا زالت الأدمع في ترب ساحتيك مداله
وتمشي النسيم وهو عليل ... في مغانيك ساحباً أذياله
أين عيشي مضى لنا فيك ما ... أسرع عنا ذهابه وزواله
حيث وجه الشباب طلق نضير ... والتصابي غصونه مياله
ولنا فيك طيب أوقات أنس ... ليتنا في المنام نلقى مثاله
وبأرجاء جوك الرحب سرب ... كل عين تراه تهوى جماله
стр. 1499
من فتاة بديعة الحسن ترنو ... من جفون لحاظها مغتاله
ورخيم الدلال حلو المعاني ... تنثني أعطافه مختاله
ذى قوام تود كل غصون البان لو أنها تحاكي اعتداله
وجهه في الظلام بدر تمام ... وعذاره حوله كالهاله
ظبية تبهر البدور جمالاً ... وغزال تغار منه الغزاله
فرعى الله ذلك الغصن حفظاً ... وسقاه من الوفاء سجاله
يا خليلي إذا أتيت ربي الجزع وعاينت روضه وقلاله
قف به ناشداً فؤادي فلي ... ثم فؤاد أخشى عليه ضلاله
وبأعلى الكثيب بيت اغض الطرف عنه مهابة وجلاله
حوله غلمه تبرمن من ... الخوف عليه ذو بلاء عساله
كل من جئته لأسأل عنه ... أظهر الغي غيرة وتباله
أنا أدرى به ولكن صوناً ... أتعامى عنه وأبدي جهاله
كيف لي لو أطلت لشم ثراه ... وهات في الهجر ظلاله
منزل حقه على قديم ... في زمان الصبا وعصر البطاله
يا عريب الحمى اعذروني فإني ... ما تجنبت أرضكم عن ملاله
حاش لله غير أني أخشى ... من عدو يسيء فينا المقاله
فتأخرت عنكم قانعاً من ... طيفكم في المنام يهدى خياله
стр. 1500
أتمنى في النوم زور خيال ... وللأماني أطماعها قتاله
يا أهيل النقا وحق ليالي ... الوصل ما صبوتي عليكم ضلاله
لي مذ غبتم عن العين نار ... ليس تخبو وأدمع هطاله
فصلونا إن شئتم أو فصدوا ... لا عدمناكم على كل حاله
وقال رحمه الله تعالى:
أيا عاذرا خانت مواثيق عهده ... لقد جرت في حكم الغرام على الصب
وأقصيته من بعد أنس وصحبة ... وما هكذا فعل الأخلاء بالصحب
فلله أيام تقضت حميدة ... بقربك واللذات في المنزل الرحب
وإذ أنت في عيني ألذ من الكرى ... وأشهى إلى قلبي من البارد العذب
فلهفي على ذاك الزمان لقد غدت ... عليه دموع العين دائمة السكب
ومذ صرت ترضيني بقول منمق ... وتظهر لي سلماً أشد من الحرب
ثنيت عناني عن هواك زهادة ... وإن كنت في أعلى المراتب من قلبي
لأني رأيت القلب عندك ضائعاً ... تعذبه كيف اشتهيت بلا ذنب
ولم تحفظ الود الذي هو بيننا ... ولم ترع أسباب المودة والحب
ولا أنت في فيد المحب إذا غدا ... تقلبه الأشواق جنباً على جنب
ولا أنت ممن يرعوي لمقالتي ... فأشفى قلبي بالشكاية والعتب
ولا رمت منك القرب إلا جفوتني ... وأبعدتني حتى يئست من القرب
стр. 1501
وأصغيت للواشي وصدقت قوله ... وضيعت ما بيني وبينك بالكذب
فلم يبق لي والله فيك إرادة ... كفاني الذي قاسيته فيك من عجب
ولا لي في حبيك ما عشت رغبة ... أبى الله أن تسبى فؤادي أو تصبي
ومن ذا الذي يقوى على حمل بعض ما ... تجرعته بالذل من خلقك الصعب
فلا ترجها مني بعد حسن صحبة ... فحسبي سلو بعض ما قلته حسبي
ولا تعتبي قد قطعت مطامعي ... وخففت حتى في الرسائل والكتب
وقال رحمه الله تعالى في المعنى:
أيا معرضاً عني بغير جناية ... أما تستحي من فرط تيهك والعجب
سلوتك فاصنع ما تشاء فإنه ... محا كثرة التقبيح حبك من قلبي
وقال ﵀ لغزاً في تاريخ:
ما اسم إذا صحفته الفتيه ... من بعد ذاك ولفظه تاريخ
في ضمنه نار إذا خففتها ... لا جمرها وار ولا منفوخ
يا ريح بلغ من أحب تحيتي ... إن الحبيب لما يقول مصيخ
قال ابن المستوفى: نقلت من خط أحمد بن خلكان لنفسه يقول:
وافى كتابك ساطعاً أنواره ... ومضمناً من كل فضل بارع
فغدوت أنشر طيبه بتلطف ... وأطيل لثم سطوره بتواضع
стр. 1502
وجعلته مني مكان تمائم ... نيطت على المجنون خوف التابع
وقال رحمه الله تعالى في الاستعطاف:
يا سادتي إني قنعت وحقكم ... في حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاً ... وقصدتم هجري وفرط تجنبي
لا تحرموا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس حمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ... ألقاه من نكد إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالة ... لولاك لم يك حملها من مذهبي
ومن البلية والرزية إنني ... أقضي وما تدري الذي قد حل بي
يا من كلفت به فعذب مهجتي ... عطفاً على كلف الفؤاد المعذب
إن فاته منك اللقاء فإنه ... يرضى بلقيا طيفك المتأوب
إن كنت تسمح للجفون بهجعة ... فلقد أضر بها ارتقاب الكوكب
قسماً بوجدي في الهوى وتحرقي ... وتحيري وتلهفي وتلهبي
لو قلت لي جد لي بروحك لم أقف ... فيما أمرت وإن شككت فجرب
مولاي هل من عطفة تصغي إلى ... قصصي بطول شكايتي وتعتبي
من بعد ذاك القرب والاقبال قد ... أصبحت عندك كالغريب الأجنبي
قد كنت تلقاني بثغر باسم ... واليوم تلقاني بوجه مقطب
ما كان لي ذنب إليك سوى الهوى ... فعلام تهجرني إذا لم أذنب
стр. 1503
والهجر يقبح بالكرام تعنتاً ... من غير ما سبب ولا من موجب
قل لي بأي وسيلة أدلي بها ... إن كنت تبعدني لأجل تقربي
وإلى متى هذا الصدود وإنني ... ليطول من هذا الصدود تعجبي
ما كنت أحسب أن عهدك حائل ... حتى دهاني فيك ما لم أحسب
وحياة وجهك وهو بدر طالع ... وسواد طرتك التي كالغيهب
وبياض مبسمك النقي الواضح ... العذب الشنيب اللؤلؤي الأشنب
وبقامة لك كالقضيب ركبت من ... أخطارها في الحب أصعب مركب
لو لم أكن في رتبة ادعى لها ... العهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذ لي ... خلع العذار ولج فيك مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي ... قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي
فاستر فديتك حرقة قد قاربت ... كشف القناع بحق ذياك النبي
لا تفضحن بحبك الصب الذي ... جرعته في الحب أكدر مشرب
قد خانني جلدي وضاقت حيلتي ... وتقسمت فكري وعقل قد سبي
فانظر إلى رحمة أحيى بها ... وتريح قلبي من غرام متعب
وقال ﵀ دوبيت:
بالأبريق منزل عفاه القدم ... فسقت دموعي إن جفاه الديم
لم أدر زماننا الذي كان به ... من لذة أيقظة أم حلم
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ما شمت على الخيف بروقاً لمعت ... إلا وحسبتها لقلبي صدعت
стр. 1504
يا من يعدو لا تبعثوا طيفكم ... نحوي فجفوني بعدكم ما هجعت
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا من رحلوا فأودعوني الأسفا ... من بعدكم ما راق عيشي وصفا
ما افكر في طيب زمان سلفاً ... إلا وسألت الله عنه الخلفا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
كم يخجل قدك القنا والبانا ... يا من فتنت لحاظه الغزلانا
عذبت قلوبنا فنادت قلقاً ... سبحان إله بك قد أشقانا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
حتام وكم نسائل الركبانا ... عمن نزل الحمى وعمن بانا
أحبابي ما على من غيركم ... ما القصد سواكم كائناً من كانا
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
ليت النسمات عرجت بالعلمين ... واستقبلت الجزع وقرب بحنين
كي أسأل من أحب عن حالته ... أو يسألها عن حالتي كيف وأين
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا حادي عيسهم ويا سائقها ... أثقلت بطول سيرها عاشقها
ما ضرك لو رحمتها اليوم عسى ... نقضى وطر المغرم فارقها
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
قوم ألفوا طول الجفا والهجر ... في حبهم ضاع جميع العمر
أرجو بدلاً عنهم وإلا فعسى ... أن يرزقني الباري جميل الصبر
стр. 1505
وقال أيضاً ﵀:
يا مخترق البيد سهولاً وحزون ... في منن شمله على السير أمون
إياك وأيمن الحمى إن به عرب ... سهروا دون ظبي الهند عيون
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
العين عليك نومها ممتنع ... والقلب لما تقوله متبع
يا من سلب الفؤاد مني ... نادى من بعدك بالحياة ما انتفع
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
يا من لهم الجميل والانعام ... بنتم فتزايدت بي الآلام
عندي وحياتكم من الشوق لكم ... ما يعجز أن يشرحه الأقلام
هل تسمح لي بطيفك الاحلام ... يا من حكمت ببعده الايام
ما أطمع في وصلك هيهات بلى ... يكفني من خيالك الالمام
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
قاسوك ببدر التم قوم ظلموا ... لا ذنب لهم لأنهم ما علموا
من أين لبدر التم يا ويحهم ... جيد وعيون وقوام وفم
وقال أيضاً ﵀:
قاسوك بغصن البان لما وصفوا ... لا ذنب لهم لأنهم ما عرفوا
هب إن له ملامحاً منك بلى ... من أين لغصن البان هذا الهيف
стр. 1506
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
قد أعرض عني جيرتي وانتزحوا ... كم أصغي إلى العذال فيما نصحوا
ناشدتك ما عليك دعني وهم ... لا تدخل بيننا عسى نصطلح
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
هذا الصلف الزائد في معناه ... قد حيرني فلست أدري ما هو
كم يحمل قلبي من نجنيك ولا ... يدري أحد بذاك إلا الله
وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
انظر إلى عارضه فوق جفونه ... يرسل منها الحتوف
فعاين الجنة في خده ... بارزة تحت ظلام السيوف
ولقاضي القضاة رحمه الله تعالى أشعار كثيرة، أضربنا عن ذكر بعضها طلباً للاختصار. وقال الشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم لما صرف قاضي القضاة عن دمشق سنة تسع وستين:
وليت فأوليت الورى كل نعمة ... وزلت وما زال الثناء ولا الشكر
فإن عدت عاد الخير والفضل والندى ... وأن تكن الأخرى وحوشيت والصبر
وقال الشيخ شهاب الدين يرثيه:
يا شمس علوم في الثرى قد غابت ... كم بنت عن الشمس وما نابت
لم تأت بمثلك الليالي أبداً إما ... عجزت عنه وإما هابت
стр. 1507
وقال أيضاً فيه:
يا شمس علوم الدين والأحكام ... يا نادرة القضاة والحكام
أنساني كل الناس منه نظري ... إنسان سواد مقلتيه الاسلام
أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الجبار بن طلحة بن عمر أبو العباس أمين الدين الأشتري الحلبي الشافعي الامام العلامة ذو الفنون. كان إماماً عالماً فاضلاً بارعاً ورعاً زاهداً ناسكاً. كثير التلاوة، ظاهر الخشوع، كبير القدر، ممن جمع بين العلم والعمل، وأقرأ الفقه مدة، وكان أحد أصحاب الشيخ محي الدين النوراني، وانتفع به، وسلك مسلكه في العلم والعبادة والتدقيق في العلم والعمل، ووقف كتبه التي كتبها من تصانيف الشيخ محي الدين وغيره بدار الحديث الأشرفية، وكان سمع من أبي محمد بن علوان، وأبي الحسن بن روزبه، وأبي المجد القزويني، وعبد اللطيف بن يوسف، وأبي المحاسن بن شداد، وأبي الحسن بن الأثير، وابن يعيش النحوي صاحب شرح المفصل وغيرهم، وحدث بالكثير، وكان له مع الفقه وغيره اعتناء كثير بالحديث. وله بحلب سنة خمس عشرة وست مائة، وتوفى فجاءة في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وست مائة بدمشق المحروسة رحمه الله تعالى.
إدريس بن صالح بن وهيب الفقيه زين الدين المصري القليوبي. قرأ الفقه والمقامات الحريرية على قاضي القضاة شمس الدين أحمد ابن خلكان ﵀ المقدم ذكره بمدرسة سيف الاسلام طغتكين بن أيوب صاحب اليمن،
стр. 1508
وكانت المدرسة المذكورة داره إذ كان بالقاهرة، ثم جعلها مدرسة وهي بخط البندقانيين بالقاهرة، وكان زين الدين المذكور إمام المدرسة إذ ذاك، وذلك في سنة سبع وثلاثين، ثم اتصل بخدمة الأمير عز الدين أيدمر الحلى، وكان الحلى يسكن جوار الجامع الأزهر بالقاهرة، فسعى في أمره حتى جعله تقام فيه الجمعة، ورتب زين الدين المذكور خطيباً به، وهو أول من خطب فيه، وغالب الظن أن ذلك كان في سنة اثنتين وستين وست مائة، ولم تزل طريقة زين الدين إدريس المذكور حسنة، وكان آدم شديد الأدمة، ومولده سنة ثمان عشرة وست مائة، وتوفى ليلة السبت الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر هذه السنة بالقاهرة، ودفن بالقرافة الصغرى رحمه الله تعالى، وكان ينظم نظماً متوسطاً، فمن شعره من قصيدة يمدح بها قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان ﵀ إذ كان ينوب بالحكم في القاهرة:
تراءت له بالرقمتين مخائل ... فتمت عليه بالغرام بلابل
وأجرى دموع العين أو ملأ الملا ... ونمق في أكتاف سلع حمائل
وأصبحت.... الفراق منغصاً ... وحزني لا يحنو ودمعي هاطل
وجفني إذا نام الخليط مسهد ... وخدي مخلود وجسمي ناحل
تجلى دجى حزني سنا مدح أحمد ... ولون حياتي كاسف النور حائل
стр. 1509
فمن نور شمس الدين فضائل ... تضيء علينا نورها متكامل
إمام إمام المكرمات صفاته ... وقاض عليم فاضل الحكم فاضل
له قدم في المكرمات رفيعةفرائضهاخفت بهن نوافل
له من سجاياه وسيط مهذب ... وجيز مقال عامر الجود شامل
كريم بسيط الكف جوداً مديدة ... سريع العطايا وافر الحلم كامل
يبقى الثناء بالجود مستخرجاً له ... ومصروفه الموجود والفضل حاصل
إسماعيل بن إسماعيل بن جوسلين أبو الفداء عماد الدين. كان إماماً عالماً فاضلاً ورعاً عاملاً، لازم والدي ﵀ من صغره، واشتغل عليه إلى حين وفاته، وسمع البخاري على الزبيدي، وسمع كثيراً على المشايخ، وحصل طرفاً جيداً من العربية، وكان ينظم الشعر، ويترسل ترسلاً حسناً، ويكتب خطاً منسوباً، وكان كثير العبادة والاجتهاد والاخلاص في أفعاله، يحرص على كتمان ما يفعله من ذلك وإخفائه عن الناس، حسن العشرة، كثير المروءة، كريم الأخلاق، تمرض أياماً، فلما دنت وفاته، لم يزل يتلو القرآن الكريم بحضور إلى حيث فارق بمنزله ببعلبك وهو في عشر الثمانين ﵀، ودفن بمقبرة جده لأمه شمس الدين محمود بن قرقين ظاهر باب سطحاء من بعلبك المحروسة. قال أخي ﵀: لم أر من مات وهو مستحضر كما ينبغي سواء.... دخلت عليه قبل موته
стр. 1510
بساعتين وهو يتلو القرآن العزيز وسمعته يردد الآية في سورة الواقعة " فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ". وكان ﵀ قد صحب والدي خمسين سنة، واستفاد منه، وروى عنه، وأخذ وانتفع به ظاهراً وباطناً، وكان عنده علوم جمة، وآداب وفضائل، ومروءة يعجز الواصف عن وصفها، يسارع إلى الخيرات، ويتصدق سراً، كثير قيام الليل، يحب الخمول، ويلازم قعر بيته، يعاشر الناس بالمعروف، ويحسن إلى جيرانه ومعارفه، روى عن الشيخ موفق الدين بن قدامة الحنبلي، وبهاء الدين إبراهيم بن المقدسي، والقزويني، وابن رواحة، وغيرهم، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء ثالث وعشرين صفر رحمه الله تعالى.
بيجار بن بختيار الأمير حسام الدين اللاوي الرومي، قد ذكرنا قدومه إلى الشام، وتروحه عن بلاد التتار، وكان له بتلك النواحي قلاع، وبلاد، وأموال جمة، فجرى لولده بهاء الدين بهادر المقدم ذكره ما اقتضى تروحه مع رغبته في الحضور إلى بلاد الاسلام، ومكاتبة الملك الظاهر له، ولما حضر وصل مع خلق كثير من أمراء الروم، وأعيانه، وطائفة كثيرة من غلمانه، وأتباعه، وذريته، ولما استقر بالديار المصرية قصد الحج فتوجه، وأدى فريضة الحج، وتصدق في الطريق، وبالحرمين الشريفين بصدقات كثيرة، وأنفق في حجته أموالاً جمة، وعاد ولزم بيته، وترك الإمرة، وكف بصرة قبل موته بدون ثلاث سنين وكان قد عمر عمراً طويلاً وتعدى المائة سنة بسنين كثيرة، وتوفى بالقاهرة في أوائل شهر شعبان من هذه السنة رحمه الله تعالى.
следующие страницы →