← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وحصل له سوء مزاج، وتخليط في كلامه، ولم يزل ذلك يتزايد إلى أن توفى إلى رحمة الله تعالى في يوم الأحد تاسع ربيع الآخر ببستانه، ودفن يوم الاثنين بسفح قاسيون في التربة المعروفة به، وقد نيف على الخمسين سنة ﵀ بعد أن صلى عليه مراراً، ولم يتخلف عنه أحد من المشهورين، وختم له بأنواع الصالحات، منها: موته خاملاً غير متول، ومنها: النكبة التي نكبها وحبس عليها شهراً ظلماً، وعدواناً، ومنها: مرضه الطويل حتى اضمحل، ولم يبق عليه من اللحم شيء، وآخر ما ختم له به أنه يوم مات توضأ بنفسه لصلاة العصر، وقال: هللوا معي، فهللوا، وخرجت روحه مع آخر التهليلات، فكان آخر كلامه: لا إله إلا الله؛ فنرجوا له الجنة للحديث في ذلك. وتولى عوضه في المدرسة العذارية زين الدين وكيل بيت المال، وذكر الدرس يوم الأحد سادس عشر الشهر، وعوض ولده محي الدين أحمد بالعمادية، وزاوية الكلاسة، وذكر بها الدرس يوم الأربعاء تاسع عشره. روى الحديث عن ابن اللتى، والسخارى، وابن الجميزى، وابن خليل، وجماعة كثيرة، وكان قد قرأ المحصول بحثاً، والحاصل، والتنبيه، والمفصل للزمخشري، وسافر إلى البلاد في طلب العلم، وحصل علماً كثيراً، وديناً وافراً ﵀ ومولده سنة تسع وعشرين وست مائة. محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان أبو عبد الله بهاء الدين البرمكي الشافعي. مولده سنة ثلاث وست مائة، أظن باربل، سافر إلى البلاد، واشتغل بالفقه، وسمع الحديث، وكان رجلاً معدوم النظير في

стр. 1577

كثير من أوصافه، عنده تواضع مفرط، ولين الكلمة، ورقة القلب، وغزارة الدمعة، وسلامة الصدر، وحسن العقيدة في الفقراء والصالحين، وعدم الالتفات إلى الدنيا والاحتفال بأمرها، ولى الحكم ببعلبك وعملها، وباشر ذلك مدة سنين إلى حين وفاته ﵀ ولم ينله من جميع ما كان باسمه من الجامكية، والجراية إلا قوته لا غير، ولا يسأل عما عدا ذلك، وأما بشره، وتلقيه بالترحب لمن يحضر عنده، فخارج عن الحد حتى لقد كنت أترك الاجتماع به مع كثرة إيثاري لذلك لما يعاملني به في المبالغة من الاكرام. وتوفى إلى رحمة الله تعالى ولم يترك درهماً ولا ديناراً سوى ثياب بدنه لا غير، وكانت يسيرة جداً، وترك عليه جملة من الدين بيعت كتبه، وفي ما عليه، ودفن في تربة سيدنا الشيخ عبد الله اليونيني رحمة الله عليه وهو أسن من قاضي القضاة شمس الدين ﵀ ومنذ بلغه وفاة أخيه قاضي القضاة شمس الدين حصل له من الحزن ما لا مزيد عليه، ولم يكن دمعه يرقأ في غالب أوقاته، ولازم الحزن والبكاء إلى حيث لحق بهما رحمهما الله تعالى وأسكنهما غرف جنانه فلقد كانا من محاسن الدهر، وكانت وفاة القاضي بهاء الدين محمود المذكور ﵀ في يوم الأربعاء ثاني عشرين شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وست مائة ببعلبك، ودفن يوم الخميس. محمد بن محمد بن يحيى بن محمد بن علي أبو عبد الله بدر الدين التغلبي. كان شاباً فاضلاً، أسمعه قاضي القضاة نجم الدين في صغره على مشايخ وقته، وأحضره

стр. 1578

على الشيخ تقي الدين بن الصلاح، فسمع منه بعد الأربعين كتاب الفتوى وغيره، ودرس بعد والده بالركنية إلى أن توفى في يوم الاثنين سابع عشرين رجب الفرد، ودفن من يومه بالجبل رحمه الله تعالى. محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذى أبو المعالي الملك المنصور ناصر الدين ابن الملك المظفر تقي الدين ابن الملك المنصور صاحب حماة والمعرة. تملك حماة وما معها عند وفاة والده في يوم السبت لثمان مضين من جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وست مائة، ووالدته الصاحبة غازية خاتون ابنة الملك الكامل بن العادل، ومولده في الساعة الخامسة من يوم الخميس لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وست مائة بقلعة حماة، وعملت عقيقة عظيمة بقلعة حماة في اليوم السابع من مولده، وتقلد الملك بعد وفاة والده، وعمره عشر سنين وشهر واحد وثلاثة عشر يوماً، وقام بتدبير ملكه الأمير سيف الدين طغريل أستاد دار والده، والمشير في الدولة الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، والطواشي مرشد، والوزير بهاء الدين بن تاج الدين، والجميع يرجعون إلى ما تأمر به الصاحبة غازية خاتون والدته. محمد بن موسى بن النعمان أبو عبد الله التلمساني، الإمام العالم العارف شمس الدين. شهرته تغني عن الاطناب في ذكره، سمع بالإسكندرية أبا عبد الله عماد الدين الحزاني، وأبا القاسم الصفراوي، وأبا الفضل جعفر الهذاني،

стр. 1579

وخلقاً يطول ذكرهم، وسمع بمصر أبا الحسن بن الصابوني، وأبا القاسم ابن الطفيل، وأبا الحسن بن المقير، وجماعة سواهم، وحدث. مولده بتلمسان في سنة ست أو سبع وست مئة، وتوفي بمصر ليلة الأحد التاسع من شهر رمضان المعظم هذه السنة، ودفن يوم الأحد بالقرافة الكبري ﵀ وكان يوماً مشهوداً، وله يد في النظم، فمن ذلك: أتطمع أن ترى ليلى بعين ... وقد نظرت إلى حسن سواها سواها لا يروق الطرف حسنا ... وأوصاف الجمال لها حماها حماها منزل الأحباب قدماً ... وإن كان الجلال لها حماها أتنظرها بعين بعد عين ... فتلك العين يمنعها قذاها قذاها إن أردت يزول عنها ... بعين الغير دهرك لا تراها ترى الحسناء تسفر عن لثام ... سحيق المسك يعبق من شذاها شذاها عطر الأكوان طيباً ... ونشر الطيب ينفح من ثراها ثراها للعيون خلا خلاء ... فحسبك لا دوا إلا دواها سناها يعجر الأوصاف عنه ... وحسب الفكر يقصر لو ثناها ففخر المرء في دنياه حقا ... برؤية من رأى من قد رآها فأقسم لا يرى الحسناء إلا ... محب لا يرى إلا هواها هواها يحجب الأبصار طرا ... عن الكونين لا تبصر سواها وكانت له مصنفات جليلة مفيدة تدل على إطلاعه، ويذكر ما كان يعانيه

стр. 1580

من المعارف، منها: كتاب مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام في اليقظة والمنام. أتى فيه بكل شيء مليح بديع. ومن كلامه: " من قطع بشفرة السكوت لسانه، أسكن الله تعالى الحكمة جنانه. وعمر بطاعته جوارحه وأركانه. ورفع في الدارين قدره وشأنه. ووقاه منهما ما شانه. ونفع به أهله وإخوانه وجيرانه ". ومن شعره: تزود أخي التقوى فأنت به تقوى ... فليس يفيد المرء علم بلا تقوى عليك بها واقبل نصيحة مرشد ... فإن أصول الخير أجمع في التقوى وقال أيضاً رحمه الله تعالى: إن كنت تقصد صحبة النصاح ... فاطلب حديث القوم في الأصحاح أصحاب خير العالمين محمد ... رحماء بينهم فشمل صحاح لا تقبلن سوى نصيحة مؤمن ... تحيا بها والفتح للفتاح فاصحبهم ولا تصحب سواهم ... قد بان هذا النصح بالإيضاح وقال أيضاً رحمه الله تعالى: من أحمل النفس في دنياه أحياها ... نعم وروحها حقاً وزكاها هدى الفلاح لنا قال الإله لنا ... قد خاب والله من في الخير دساها نصر الله بن محمد بن نصر الله صفي الدين وزير حماة. وليها بعد وفاة أخيه علاء الدين سنة أربع وسبعين وست مائة، وكان حسن المعاملة للناس، لين الكلمة، توفي بحماة سلخ رجب ﵀ وإيانا.

стр. 1581

يوسف بن عبد الله بن عمر أبو يعقوب جمال الدين الزواوي المالكي قاضي القضاة. كان إماماً عالماً فاضلاً، ديناً صالحاً مشتغلاً، كثير الكتب، عاقلاً، عارفاً بالأحكام والأمور، كريماً، ملازماً لبيته، قليل الحكومات والإثبات، يجلس في الجمعة مرة واحدة، وكان ابن عم الشيخ زين الدين الزواوي ناب عنه في الحكم مدة، ثم عزل الشيخ نفسه، فاستمر جمال الدين يحكم مدة سنين بإذن السلطان من غير تولية مستقلة، وكان يداري الشيخ زين الدين، ويخدمه، ويهاديه، ثم سعى لنفسه في الاستقلال، فأجيب إلى ذلك في حياة الشيخ، فاستمر واتفق له حج هذه السنة، فلما كان يوم الخميس ثالث ذي القعدة، توفي وهو راكب في المحارة ذاهباً في الطريق، ودفن بعد نزول الحاج في الفلاة بعد رحلتهم من حفر المعظم، وكان دفنه بعد عشاء الآخرة من ليلة الجمعة رحمه الله تعالى. السنة الرابعة والثمانون وستمائة إستهلت هذه السنة، والخليفة والملوك على القاعدة في السنة الخالية سوى الملك أحمد بن هولاكو، فإنه قتل، وترتب مكانه أرغون بن أبغا، وسوى الملك المنصور صاحب حماة، فإنه توفي في السنة الخالية على ما تقدم، واسنقر عوضه ولده الملك المظفر تقي الدين محمود، والملك سيف الدين قلاوون قد خرج من الديار المصرية إلى الشام، ودخل دمشق يوم السبت ثاني وعشرين من المحرم بالعساكر المصرية، وعرض العسكر الشامي مدة أيام، وخرجوا جميعاً يوم الاثنين ثاني صفر قاصدين المرقب، وكان قد بقي

стр. 1582

في يد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر قطعة من البلاد، منها: صهبون وبلاطنس وبرزية وغير ذلك، والعمل في الباطن على انتزاع ما يمكن انتزاعه من يده، وإفساد نوابه، فاتفق الحال بين من ببلاطنس من النواب وبين نواب الملك المنصور على تسليم بلاطنس، فسلمت في أول صفر، ووافى الملك المنصور البشري بتسليمها، وهو على عيون القصب متوجه إلى حصار المرقب، فسر بذلك واستبشر بنيل مقصوده من المرقب، وقد تقدم ذكر ما فعله أهل المرقب بالعسكر النازل لهم، فأثر ذلك في نفس السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ وحضر بنية قصدهم، فلما كان في مستهل صفر، خرج من دمشق بالعساكر المنصورة لقصده، وتقدمته المجانيق، ونازل الحصن المذكور يوم الأربعاء العاشر منه، وشرع العسكر في عمل الستائر للمجانيق، فلما انتهت الستارة للمجانيق المقابل لباب الحصن، سقطت إلى بركة كبيرة فيها ماء مجتمع، وكان عليها جماعة كبيرة من أصحاب الأمير علم الدين الدواداري، منهم: شمس الدين سنقر أستاذ داره، وعدة من مماليكه، فاستشهدوا رحمهم الله تعالى. وفي يوم الأحد رابع عشرة، راسل الفرنج من بيت الأسبتار، وسألوا السلطان الأمان لأهل المرقب على أنفسهم وأموالهم، ويسلمون الحصن المذكور، فلم يجبهم السلطان في ذلك، وكمل نصب المجانيق، ورمى بها، وشعث الحصن، وهدم معظم أحد أبراجه، واستمر الحال إلى سادس عشر ربيع الأول، زحف السلطان على الحصن، فأذعن من فيه بالتسليم، وحصلت

стр. 1583

المراسلة في معنى ذلك، فلما كان يوم الجمعة ثامن عشر الشهر المذكور سلم ورفعت عليه الأعلام الإسلامية، ونزل من به بالأمان على أرواحهم، فركبوا، وجهز معهم من أوصلهم إلى أنطرسوس. وبالقرب من هذا الحصن مرقية، وهي بلدة صغيرة على البحر، وكان صاحبها قد بنى في البحر برجاً عظيماً لا يرام، ولا يصله النشاب، ولا حجر المنجنيق، وحصنه، واتفق حضور رسل صاحب طرابلس إلى السلطان يطلب مراضيه، فاقترح عليه خراب هذا البرج وإحضار من كان فيه أسيراً من الجبليين الذين كانوا مع صاحب جبيل، فأحضر من بقي في قيد الحياة منهم، واعتذر عن البرج أنه ليس له، فلم يقبل اعتذاره عن ذلك، وصمم على طلبه منه، فقيل: إنه اشتراه من صاحبه بعدة قرى وذهب كثير، وهدمه، وحصل الاستيلاء في هذه الغزوة على المرقب، وأعماله، ومن فيه، وبليناس؛ وهذا المرقب هو من الحصون المشهورة بالمنعة والحصانة، وهو كبير جداً، ولم يفتحه السلطان الشهيد صلاح الدين ﵀ بل ادخره الله تعالى للملك المنصور ﵀ فحاز أجره وشكره، ولو لم يكن من ضرورة إلا ما فعل أهله بالمسلمين في شهور هذه السنة لكفى، وضرره لا يحد، وأبقاه الملك المنصور، ورم ما تشعث منه، واستناب فيه، ورتب أحواله، وهو لبيت الأسبتار، وأنشئت الكتب بالبشائر بفتحه، فمن ذلك كتاب من السلطان إلى ولده الملك الأشرف صلاح الدين خليل بخط المولى تاج الدين أحمد بن الأثير تغمده الله برحمته ومن إنشائه وهو:

стр. 1584

" أعز الله نصرة جناب العالي الملكي الأشرفي الصلاحي، ولا زالت جيوشه تفتتح من الممالك حصونها. وتبتذل مضمونها. وتستثمر من العادة غصونها. ويطوى لهم الأرض، فلا يبعد عليهم مرمى، يعملون العزائم المهمة ويصونها. وتحدث ألسنة العالم بنعم الله التي يرونها في أيامه ويروونها. ويقصون أجنحتها بالشكر ويقصونها. تهدى له كل ساعة خبر عن جنوده وما ملكت. وخيوله وما سلكت. وسيوفه وما قتلت. ومهابتها وما أخذت. ومواهبها وما تركت. هذه البشرى تقص عليه من غزوتنا أحسن القصص. وتمثل صورة الفتح التي انتهزنا فرصته، وقلما تنتهز الفرص. وتبدى لعلمه الكريم. أن الهمم بها تنال الممالك. وترتقي المسالك. وتجتني ثمرات النصر. وتطفئ جمرات الغدر. وقلما ظفر بالمراد وأودع. وكل أنف لا يأنف.... فهو أحق الأعضاء أن تجدع. ولم نزل نمثل في أفكارنا الصورة التي أقدم عليها أهل حصن المرقب في مبدأ الأمر عند اضطراب النيات وضعف البنيات. وغرور الآمال الكاذبة. واشتمالات الخيلات الجاذبة. حتى نالوا من عسكرنا بحصن الأكراد ما نالوه، وتخيلوا أن عزمنا قد صرفوه عن قصدهم، أو أمالوه بأخذ أمرهم في الظاهر بالرخصة دون العزيمة، ويعمل على ما لو تمثل لهم صورة لجروا منه ذيل الهزيمة. ويغضون من نواميس المجاورة، ويغضى ويمضون بما يبدو منهم، وتنزل المحاورة وتمضى. ويستر ما يسدده إلى نحورهم من سهم، ويريهم أنا ندفع في صدور الحقيقة بالوهم،

стр. 1585

ونعرض عن مناقشتهم في الحساب؛ ونمسك عنهم، " وترى الجبال تحسبها جامدة، وهي تمر مر السحاب ". ومن لم يؤاخذ المشئ بفعله ويعرف مقدار حمله، استدام طعمه. واستقام طلقه، وحركته دواعي الشره للسرة، والحيل السلامة في كل مرة، فلم يزل يتربص لهم ريب المنون، وينزل ما كان منهم في جنب ما يكون، ويرتقب فيهم الوقت المنتظر، ويدب لهم الضراء، وتمشي لهم الحمر إلى أن آن مكان الفرصة، جمعنا لهم بين الشرقة والغصة، فأبعدنا إليهم المدني، واعتدنا مسعانا في طاعة الله عما إذا كانت مساعي الملوك عزماً، ووصلنا المسير بالسرى، وطرقناهم كما يطرق الطيف الكرى، وأوطأنا بهم حوافر الخيل، وجئناهم مجيء السيل، وظللنا عليهم ظلل الغم. وغشيهم منا ما غشى فرعون وجنوده من أليم. مع كون مكانهم قد جمع له منعة البر والبحر. وحل منهم بين السحر والنحر. تحامت قصده الملوك. وحمته الإعادة، فلم تبق الأماني إليه طريق مسلوك. ولم يظفر به ملك من الملوك في الإسلام، ولا طرقته خيلهم في اليقظة، ولا خيالهم في المنام، يصد الرياح الهوج عند مخافة، ويرجع عند الطرق حسيراً لبعد المسافة بأسرع من أن فاجأناه، وحللنا بعرصته، وهاجمناه، وأحاطت به رجال الحرب، وشافهته بخطاب بالخطب، وعسكرنا بحمد الله تعالى مثل البحر ذا طما. والغيث إذا هما. والطود إذا سما. والليث إذا حمى. قد ملأ الفجاج. واستعذب الأجاج. وقاسمهم الرياج. فأعطاهم الأسنة، وأبقى له الزجاج. يتعرض أبطاله المنايا، ولو كانت عرضاً، ويقول كل منهم " وعجلت إليك رب لترضى ". فلم يزل القتال ينوبهم. وسهام المنون تصيبهم. وسحابها يصوبهم. والسيوف تغمد في الطلى. والرماح تركف في الكلى. والمجانيق تدلك سورتهم، وتسلك فورتهم بنجومها. وتصميهم برجومها. ونقذفهم من كل جانب دحوراً. ونعيد كل منهم مذموماً مدحوراً. وتشير إليهم أصابعها بالتسليم لا بالتسلم وببنانهم فما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. إلى أن فتحناها، ولله الحمد عنوة. وحللنا مكايدهم فيها عقدة عقدة، ونقضنا عروة عروة. وسطرنا هذه البشرى، وأعلام النصر قد خفقت بنودها. وذلت لها علوج الكفر وكنودها. والسيف من دمائهم يقطر. والصليب جريان ينظر. والأذان مكان الناقوس. والقراء موضع القسوس. والكنيسة قد عادت محراباً. والجنة قد فتحت للمجاهدين، فكانت أبواباً. وكنا نود أن الولد معنا في هذه المشاهد. وأن ينظرها بعين المشاهد. ونرجو أن يكون ممن يستكين المرقد. وإن لم يحضر هذه الغزوة فيتأهب للأخرى. فكان قذفاً لهمم تجعل ثمار النصر دانية القطوف، والسعيد من لا يستظل إلا بسيفه، فإن الجنة تحت ظلال السيوف ". ولا خيالهم في المنام، يصد الرياح الهوج عند مخافة، ويرجع عند الطرق حسيراً لبعد المسافة بأسرع من أن فاجأناه، وحللنا بعرصته، وهاجمناه، وأحاطت به رجال الحرب، وشافهته بخطاب بالخطب، وعسكرنا بحمد الله تعالى مثل البحر ذا طما. والغيث إذا هما. والطود إذا سما. والليث إذا حمى. قد ملأ الفجاج. واستعذب الأجاج. وقاسمهم الرياج. فأعطاهم الأسنة، وأبقى له الزجاج. يتعرض أبطاله المنايا، ولو كانت عرضاً، ويقول كل

стр. 1586

منهم " وعجلت إليك رب لترضى ". فلم يزل القتال ينوبهم. وسهام المنون تصيبهم. وسحابها يصوبهم. والسيوف تغمد في الطلى. والرماح تركف في الكلى. والمجانيق تدلك سورتهم، وتسلك فورتهم بنجومها. وتصميهم برجومها. ونقذفهم من كل جانب دحوراً. ونعيد كل منهم مذموماً مدحوراً. وتشير إليهم أصابعها بالتسليم لا بالتسلم وببنانهم فما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. إلى أن فتحناها، ولله الحمد عنوة. وحللنا مكايدهم فيها عقدة عقدة، ونقضنا عروة عروة. وسطرنا هذه البشرى، وأعلام النصر قد خفقت بنودها. وذلت لها علوج الكفر وكنودها. والسيف من دمائهم يقطر. والصليب جريان ينظر. والأذان مكان الناقوس. والقراء موضع القسوس. والكنيسة قد عادت محراباً. والجنة قد فتحت للمجاهدين، فكانت أبواباً. وكنا نود أن الولد معنا في هذه المشاهد. وأن ينظرها بعين المشاهد. ونرجو أن يكون ممن يستكين المرقد. وإن لم يحضر هذه الغزوة فيتأهب للأخرى. فكان قذفاً لهمم تجعل ثمار النصر دانية القطوف، والسعيد من لا يستظل إلا بسيفه، فإن الجنة تحت ظلال السيوف ". وكتب المولى تاج الدين ﵀ عن السلطان ﵀ في المعنى إلى الأمير علم الدين الشجاعي يقول: " إذ أمر الله بهائي المجلس العلمي، وأحل البشائر بساحته. وسره

стр. 1587

باستيلائنا على كل ثغر واستباحته. وأسمعه من أنبائنا الجميلة ما يعجز عن التعبير عنه لسان القلم على فصاحته. ولا زال مهنأ بأيامنا التي تؤرخ بالفتوح. وتنجد في مواقف الحرب بالملائكة والروح. وتختص بالمدح دون كل ممدوح. وترى ما يطوى بجيوشنا من الأرض، ولا يبعد عليها مكان به طروح. قد علم المجلس حركتنا إلى الشام، وإنا أنشأناها عجالاً، وجئنا بها على البديهة، فلو كانت قصيدة لأنشدناها ارتجالاً. وكانت مباديها توجد بأطراف الأنامل. ومناديها يعود بحينة الأمل. ومهامها متلقاة بالهمم القاصرة، وعزائمنا فيها كلها توقدت جمراتها، صادفت نيات إن لم تكن باردة فهي قارة، وإذا مر ذكرها بمن له غرض أو في قلبه مرض ظن الظنون. وخيل له أن أمرها لا يتم، وسرعتها لا تكون. ونحن نوسع للجهال حلماً. ونزداد بعواقب التدبير علماً. وكان الباعث عليها أمور مهمة. ومرأى تستفرغ قوى الأفكار المستجمة. وكل وقت نصعد النظر ونصوبه. ونتصفح وجه الرأي ونقلبه. ونرتاد جهات القصد التي كان منها منشأ المفاسد. وبها لشياطين النفاق نفاق، وكل سوق كاسد. فلما أخذت الأناة مآخذها ونفدت الآراء منها منافذها. وتمحضت زبدة الحلب. وأسفر وجه الطلب، ولم يبقى إلا أن تزم الركائب وترى الكتائب وتشرع الاسنة وتبدو ضمائر النفوس المستكنة، أخلصنا النية لله في نصرة الإسلام. وتقاضينا ديونه على الأنام. وجعلنا منهم مقدماً على ما عداه. وصممنا على جهاد من نازعه رداء ملكه وعاداه.

стр. 1588

تركنا حظ النفس بمعزل. وكان في عزمنا أن نرتاد منزلاً، فعرجنا على ذلك المنزل، وقلنا: يا خيل الله! اركبي. ويا ملائكة النصر! اصحبي. ويا أقلام البشرى! اكتبي. وصلنا إلى الشام في جنود تقبل مثل قطع الليل، وتندفع اندفاع السيل. وكلما مررنا بمملكة سالت بجموعنا أوديتها. وغصت بعساكرنا أنديتها. وانضم إلينا جنودها. وخفقت علينا بنودها، ولم نزل نطوي المراحل. ونتجاوز الخصب والماحل. إلى أن نزلنا بعيون القصب من عمل حمص، فوافاها البشير بما كان من أمر بلاطنس التي تقدمت بها البشرى. وفنيت فيها عضد من كان بها قد استطار شرر طعمه واستسرى. ولم تزل بعد السير. وتود لو استعرنا أجنحة الطير. إلى أن وافينا المرقب، وهي المقصد ومناخ ركائب العزم الذي هو لها مرصد، فكانت محط رحالنا. وإليها مطارح آمالنا. وأصحابها الذين بدأوا بالسنان، وقعقعوا لنا بالشنآن. وامتدت لهم الأيدي والألسنة، وجعلوا السيئة مكان الحسنة. وطمعوا بالبلاد وارتجاعها، وارتادوا موارد الحرب على بعد أشجاعها. واستلانوا من عسكر حصن الأكراد جانباً ظنوا به الغلب. وفعلوا أمراً عادوا منه بسوء منقلب. وصاروا يتكلمون من رؤوس ملأى من الجهل. ويأخذون في الحزن إذا أخذتهم إلى السهل. ونحن نعمل على الأمر الذي يلف العماء، ويعيرهم أذناً سميعة، لا أذناً صماً. ونرتاد منهم أمكنة الفرص، ونوحي لهم جمالة القنص. فلما رجمتهم

стр. 1589

الظنون. وتمحضت لهم المنون. وثبنا لهم وثبة الليث المغضب. وأوردناهم بأسيافنا " ماء " لا ينزح قليبه ولا ينضب. وما وردنا حتى قامت جيوش الجو على ساق، وجاءت بعوث الغمائم من الآفاق. ورشقت سهام السحائب. وتغلغت ريح الصبا والحبائب. وجفت الرعود بجنودها. وجردت البروق بيضها من غمودها. والقطر يرسل الحجارة إلا أنها من برد البحر إذا مرت به الريح صار كأنه درع موصونة الزرد، فنزلناها ونازلناها. وأمطنا حجب المهابة وأزلناها، وأحدقنا بها إحداق السوار وأحطنا بها. كما يحيط باليد السوار، وكانوا يغترون بمنعهم، ويعتزون بما يحرى من سيل قلعتهم، ويعتقدون أن المعتصم بمكانهم واثق بأن يمس السماء بكفه، ويرى النجم دونه إذا لمحه بطرفه، فلم تزل تعاديهم الفتك وتراوحهم، وتماشيهم الحرب وتصاحيهم، وترسل إليهم رسل المنايا، وتوقر سهامهم إلا أنها من الحبايا، ونرميهم بعذاب واصب، ونكلهم إلى هم ناصب، والمنجنيقات تفوق إليهم سهامها قسيها وتخيل لهم أنها تسعى إليهم حبالها وعصيها، وهي الحصون من ألد الخصوم، وإذا أمت معصماً، حكم أنه ليس بإمام معصوم، ومتى افترى خلق في آلات الفتوح لم يكن أحد من الممترين، وإذا نزلت بساحة قوم فساء صباح المنذرين، تدعي إلى الوغى، فتكلم، وما أقيمت صلاة حرب عند حصن إلا كان ذلك الحصن من يسجد لها، ويسلم إلى أن أقوت ربوعهم، وصبت على مثل جمر الغضا ضلوعهم. وأخذناهم أخذاَ وبيلاً، وأوردناهم مهاوي المهالك، وساءت سبيلاً، وخسرت صفقة غدوهم وتراوحهم وتحللت أعقد أجسامهم من أرواحهم، ووجدوا من أنفسهم حداً كليلاً، وجداً عثورا، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً، وملكناها بالأمان وهو في المعنى بالسيف، وهجمناها هجوم الطيف، وكانت هي الني قد بقيت للأسبتار رحلة شتائهم وصيفهم، فلم يبق لهم رحلة شتاء ولا صيف، وسطرنا هذه البشرى والحرب قد وضعت أوزارها، والنفوس قد قضت منهم أوطارها، والبلاء قد دهم بلادهم وأقطارها، والعلم يبني على العلم، والسيف يملي على القلم، والثغر قد جدد على أيدينا إسلامه، وأبدلنا بعد قطوبه ابتسامه، والدهر لمن عادانا عادى، ولمن ولانا والى، وسيوفنا قد أصبحت مفاتح المعاقل، فإذا ملكناها عادت لها أقفالاً، والبشائر مخترقة الأمصار، والعساكر التي هجرت أوطانها، ونصرة الله قد كتبت من المهاجرين والأنصار ". إلى أن أقوت ربوعهم، وصبت على مثل جمر الغضا ضلوعهم.

стр. 1590

وأخذناهم أخذاَ وبيلاً، وأوردناهم مهاوي المهالك، وساءت سبيلاً، وخسرت صفقة غدوهم وتراوحهم وتحللت أعقد أجسامهم من أرواحهم، ووجدوا من أنفسهم حداً كليلاً، وجداً عثورا، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً، وملكناها بالأمان وهو في المعنى بالسيف، وهجمناها هجوم الطيف، وكانت هي الني قد بقيت للأسبتار رحلة شتائهم وصيفهم، فلم يبق لهم رحلة شتاء ولا صيف، وسطرنا هذه البشرى والحرب قد وضعت أوزارها، والنفوس قد قضت منهم أوطارها، والبلاء قد دهم بلادهم وأقطارها، والعلم يبني على العلم، والسيف يملي على القلم، والثغر قد جدد على أيدينا إسلامه، وأبدلنا بعد قطوبه ابتسامه، والدهر لمن عادانا عادى، ولمن ولانا والى، وسيوفنا قد أصبحت مفاتح المعاقل، فإذا ملكناها عادت لها أقفالاً، والبشائر مخترقة الأمصار، والعساكر التي هجرت أوطانها، ونصرة الله قد كتبت من المهاجرين والأنصار ". وكتب الأمير حسام الدين لاجين ﵀ نائب السلطنة بالشام إذ ذاك كتاباً إلى الملك الصالح علاء الدين علي ابن السلطان الملك المنصور رحمهما الله تعالى يهنئه بفتح المرقب، وهو من إنشاء المولى شهاب الدين محمود كاتب الدرج رحمهما الله تعالى من مضمونه: " لا زالت آيات النصر تتلى على سمعه من صحف البشائر. ونفائس الظفر تجلى على سره في أسعد طالع، وأيمن طائر، وفواتح الفتح تملى لديه بما تزهى به الأسرة، وتزهر بنوره المنابر. ومحكمات التأبيد تنهي إليه بما يحد

стр. 1591

مثل الدجى عليه سواد المحابر. وينهي أنه سطرها والنصر قد لمعت بوارقه. ونصب بعد النصب على فرق الفرقد سرادقه. والظفر قد أسفر على الفتح المبين صباحه، والتأييد وقد طار به محلق البشائر، فخفق في الخافقين جناحه، والإسلام وقد وطئ هام الكفر بقدمه، والدين وقد عز بفتكات سيفه، فأنف أن يكون الشرك من خدمه، والأفلاك وقد علم أن لهذا الفتح افترقت كواكبها، والأملاك قد نزلت لتشهد أخت النصرة البدرية في صفوفها ومواكبها، وحصن المركب وقد ألفت عليه الملة الإسلامية أشعر سعدها، وأنجزت الأقدار التي ذللته الإسلام أن يتطاول إليه يد الحوادث من بعدها، وقد أحاطت العلوم الشريفة بأن هذا الحصن طالما سحت الأحلام أن تخيل فتحه لمن سلف في المنام، فما حدثت الملوك أنفسها بقصده إلا وتناهى الخجل، ولا خطبته ببذل النفس والنفائس إلا وكانت من روعة الحرمان على وجل، وحوله من الجبال كل شامخ بنهيب عقاب الجو قطع عقابه، ولفف الرياح حسرى دون التوقل في هضابه، ومن الأولى به خنادق لا تعلم منها الشهور إلا بأنصافها، ولا تعرف فيه الأهلة إلا بأوصافها، وهو مع ذلك قد تفرط بالنجوم، وتفرطق بالغيوم، وسما فرعه إلى السماء ورسا أصله في النجوم، تخال الشمس إذا علت أنها تنتقل في أبراجه، ويظن من سها إلى السها أنه ذبالة في سراجه، فكم ذي جيوش قد أمات بعضه، وذي سطوات أعمل الحيل على رؤيته، فلم يفز من نظره على البعيد بغرضه، ولا يعلوه من الطير سوى نسر الفلك ومرزمه. ولا يرمق متبرجات أبراجه غير

стр. 1592

عين شمسه، والمقل التي تطرق من أنجمه، وقد نصبت عليه من المجانيق ما سهامه أقتل من سهام الجفون، وخطراته أسرع من لحظات العيون، لا يخاطب إلا بواسطة رسله الصم الصلاب، ولا يرى لسان سهمه إلا كما يرى خطفات البرق إذا تألق في علو السحاب، فنزلت عليه الجيوش المنصورة نزول القضاء، وصدمته بهممها التي تستعير فيها الصوارم سرعة لمضاء وروعة الانتضاء، فنظرت منا حصناً قد رد عليه الجو جيب غمامه، وافتر بعزة، كلما حذر عليه البرق، فاضل لثامه، فذللت صعابه، وسهلت عقابه، وركزت الخبويات في سفحه، وطالما رامت الطير أدناه، فلم يقومها القوادم، وكم همت العواصف أن تبتسم رباه، فأصبحت محلقة تبكي عليها الغمائم، فعاد مصفحاً بصفاحها مشرفا بما علا من أسنة رماحها، وأرسلت إلى أرجائها ما أربى على العمائم، وزاد في لفحه على السمائم. وكان بها مثل الجنوب فأصبحت. ومن حيث القتلى عليها تمائم. ونصبت أمامه المجانيق المنصورة، فلم ترع حق حسبها، وسطت على نظائرها، فأصبح غدها في التحامل أبعد من أمسها، واستنهضها العدى، وأعلمتهم أنها لا تطيق الدفاع عن غيرها، بعد أن عجزت عن نفسها، وبسطت أكفها أمارة على الإذعان، ورفعت أصابعها، إما إجابة إلى بذل التشهد، وإما إنابة إلى طلب الأمان، فخوفوا من ظهور هذا الاستظهار، وعلموا أن المجانيق المنصورة فحول لا تثبت لها الإناث التي عريت من النفع بأيديهم، واستعانوا عليهم مع الغرى بطول الحذار، فعند ذلك غدت تكمن كمون الأوساد، ووثبت

стр. 1593

وثبات الأسود، وتبارى بها الحصن السماء، فكلما قذفت هذه بكواكبها الزهر، قذف هذا بكواكبه السود، ولم يكسر له منجنيق إلا نصبوا عشراً مكانه، ولا قطعت لأحدها إصبع إلا ومد لآخر بنانه، فتطلب بتجارب مثل الكماة، وتتحايل تحايل الرماة، حتى فتحت وفسحت الرحال مجالاً، ونالت ونيل منها، وكذلك الحرب تكون سجالاً، هذا، والنقوب قد دبت في بواطنه دبيب السقام، وتمشت في مفاصله كما يتمشى في مفاصل شاربها المدام، وحشت أخالعه ناراً تشبه نار الهوى تحرق الاحشاء ولا يبدو لها ضرام فقد أحل من حلة الوجل، وتحققوا حلول الأجل، وأيقن الحصن بالانتظام في سلك ممالك الإسلام، وكاد يرقصه ممن فيه فرط الجدل. وزاد شوقه إلى التشريف بوسمها، وما صبا به مشتاق على أمل اللقاء كمشتاق بلا أمل، لكنهم أظهروا الجلد. وأحفظوا إضرام نار الكمد. وكيف يخفى وقد انحلوا في أشراك إشراكهم، لعلمهم أنه لا مقاض من يد أهل التوحيد لأهل الأحد، وتدفقت إليهم الجيوش المنصورة، فملأت الأفق، وأحاطت بهم إحاطة الطوق بالعنق، ونهضت إليهم مسندة من عزمات سلطانها، مستعدة لانتزاح أرواح العدى على يدها من أوطانها، فانقطعت بهم الظنون. ودارت عليهم رحى المنون. وأمطرت عليهم المجانيق أحجارها، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعلمون، لمن بها من اللهب تلك الأحجار، فهدمت العمائر والأعمار، وأجرت في نواحيها أنهار الدماء، فهلكوا بالسيف والسيل والنار. ولما ركب مولانا السلطان خلد الله ملكه وسلطانه لأول الزحف في جيوشه الذي كاثرت البحر بأمواجه، وسقت العدى على ربها بالخوف كؤوساً أو من أجاجه. تزلزلت الحصن لشدة ركضه، وتضعضع من خوف غضبه، فلحقت سماؤه بأرضه، وتحللت قواعد ما شيد من أركانه، فانحلت وانشقت سماؤه من الجزع، فألقت الأرض ما فيها وتخلت، مشت النار من تحتهم وهم لا يشعرون، ونفخ في الصور بل في السور فإذا هم قيام ينظرون، وما كان إلا أن قابل مولانا السلطان خلد الله سلطانه ما شمخ من أبراجه حتى أهوى يلثم بين يديه التراب، وتأدب بآداب الطاعة حين نظرت إليه، فخر راكعاً وأناب. فهاجمهم الجيوش المنصورة مهاجمة الحتوف، وأسرعت المصاف الابتضاء، فلم يدر العدو أهم أم الذي في أيديهم السيوف، فحل بهم الذل ونزل، وخافوا فتكات تلك السيوف التي تسبق العذل، وثبت من لم يجد وراءه مجالاً، وهو يقول: مكره أخوك لا تبطل. فلجأوا إلى الأمان، وتمسك ذل كفرهم بعد الإيمان، تشبثوا بساحل العفو حين ظنوا أنهم أحيط بهم، وجاءهم الموج من كل مكان، فسألوا أن يكون العفو مولانا السلطان من بعض الصنائع، وتضرعوا في أن يجعل أرواحهم لسيوفه من جملة الودائع، فتصدق عليهم بنفوسهم كرماً، وظلوا على معنى الخير المأثور يرون الموت يقظة، والحياة حلماً، وأطلقتهم اليد التي لا يخيب لديها الأمل، وأعتقتهم اليمنى التي فجاج الأرض قبضتها، فمتى يشاء تجمع عليهم الأنامل، وخرجوا بنفوس قد تجردت حتى من الأجسام، ومقل طلقت الكرى خوفاً من سيوفه التي تسلها عليهم الأحلام، وسطرت والنضر قد يتسنم أعلاها، وشعر الإيمان قد جردها من وحشة لباس الكفر وأعرارها، والأعلام المتصورة قد سلكت إلى ذلك الترقب أعلى ترقي، والسعادة قد بدلت بيعه مساجد، ومحاريبه قبلة، وكانت شرفاً فأصبح يرفل في حلل الإيمان، وأذعن بالطاعة، فأجرس جرس الحرس به صوت الأذان، وعاد سهماً مسدداً في كنانة الإسلام، ودراً منضداً في عقد المملكة فحسن به فتم النظام، لا يسلك البحر طاغ إلا ويقذفه الموج إليه، لا يختلس أكبر باغ إلا " و " توقعه ضيق مسالكه في يديه، فهو أحسن من إرم، وأوضح من علم، وأنكى في الإصابة على البعد من السهم الذي أصاب وراميه بذي سلم، فيأخذ مولانا حظه من هذا النصر الذي هو إليه وأن بعد منسوب، والفتح الذي عددت الفتوح على كثرتها فهو بجميعها محسوب ". بالعنق، ونهضت إليهم مسندة من عزمات سلطانها، مستعدة لانتزاح أرواح العدى على يدها من أوطانها، فانقطعت بهم الظنون. ودارت عليهم رحى المنون. وأمطرت عليهم المجانيق أحجارها، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعلمون، لمن بها من اللهب تلك الأحجار، فهدمت العمائر والأعمار، وأجرت في نواحيها أنهار الدماء، فهلكوا بالسيف والسيل والنار. ولما ركب مولانا السلطان خلد الله

стр. 1594

ملكه وسلطانه لأول الزحف في جيوشه الذي كاثرت البحر بأمواجه، وسقت العدى على ربها بالخوف كؤوساً أو من أجاجه. تزلزلت الحصن لشدة ركضه، وتضعضع من خوف غضبه، فلحقت سماؤه بأرضه، وتحللت قواعد ما شيد من أركانه، فانحلت وانشقت سماؤه من الجزع، فألقت الأرض ما فيها وتخلت، مشت النار من تحتهم وهم لا يشعرون، ونفخ في الصور بل في السور فإذا هم قيام ينظرون، وما كان إلا أن قابل مولانا السلطان خلد الله سلطانه ما شمخ من أبراجه حتى أهوى يلثم بين يديه التراب، وتأدب بآداب الطاعة حين نظرت إليه، فخر راكعاً وأناب. فهاجمهم الجيوش المنصورة مهاجمة الحتوف، وأسرعت المصاف الابتضاء، فلم يدر العدو أهم أم الذي في أيديهم السيوف، فحل بهم الذل ونزل، وخافوا فتكات تلك السيوف التي تسبق العذل، وثبت من لم يجد وراءه مجالاً، وهو يقول: مكره أخوك لا تبطل. فلجأوا إلى الأمان، وتمسك ذل كفرهم بعد الإيمان، تشبثوا بساحل العفو حين ظنوا أنهم أحيط بهم، وجاءهم الموج من كل مكان، فسألوا أن يكون العفو مولانا السلطان من بعض الصنائع، وتضرعوا في أن يجعل أرواحهم لسيوفه من جملة الودائع، فتصدق عليهم بنفوسهم كرماً، وظلوا على معنى الخير المأثور يرون الموت يقظة، والحياة حلماً، وأطلقتهم اليد التي لا يخيب

стр. 1595

لديها الأمل، وأعتقتهم اليمنى التي فجاج الأرض قبضتها، فمتى يشاء تجمع عليهم الأنامل، وخرجوا بنفوس قد تجردت حتى من الأجسام، ومقل طلقت الكرى خوفاً من سيوفه التي تسلها عليهم الأحلام، وسطرت والنضر قد يتسنم أعلاها، وشعر الإيمان قد جردها من وحشة لباس الكفر وأعرارها، والأعلام المتصورة قد سلكت إلى ذلك الترقب أعلى ترقي، والسعادة قد بدلت بيعه مساجد، ومحاريبه قبلة، وكانت شرفاً فأصبح يرفل في حلل الإيمان، وأذعن بالطاعة، فأجرس جرس الحرس به صوت الأذان، وعاد سهماً مسدداً في كنانة الإسلام، ودراً منضداً في عقد المملكة فحسن به فتم النظام، لا يسلك البحر طاغ إلا ويقذفه الموج إليه، لا يختلس أكبر باغ إلا " و " توقعه ضيق مسالكه في يديه، فهو أحسن من إرم، وأوضح من علم، وأنكى في الإصابة على البعد من السهم الذي أصاب وراميه بذي سلم، فيأخذ مولانا حظه من هذا النصر الذي هو إليه وأن بعد منسوب، والفتح الذي عددت الفتوح على كثرتها فهو بجميعها محسوب ". وكتب المولى كمال الدين أحمد بن العطار عن الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة إذ ذاك بالشام إلى الأمير علم الدين الشجاعي يهنئه بالفتح المذكور، يقول: " نصر من الله وفتح قريب. يسره الله بعزائم الجناب العالي. لا زالت عزائمه تسهل من النصر مراداً. وهممه تفسح من الفتح مراداً. وسطوته تستأصل من الأعداء مراداً. ومسامعه الكريمة تستعذب معاداً من حديث

стр. 1596

البشائر إذا كان معاداً معاذاً، قد أحاط العلم الكريم بالحركة المباركة، والنزول على المرقب الذي كم تحته من مربأ زاد علوه على علو الرصد، و " ما " حل أحد بواديه، ورام رؤية الهلال في مغربه، والشمس في مشرقه إلا وصده عما قصد، فما ترى الهلال منه إلا بدار، ولا تشاهد الشمس المنيرة إلا ظهراً، ونازلنا منه القلعة التي مسامت السماء، فزاحمت البروج منها البروج، وحلت الجوزاء لسوارها المحكمة، متى اتصلت بدناءتها بمنازل الكوكب، وما لها من خروج، وإذا رام القطر سقا أهلها، عرج عن قصد النزول، وأخذ في تعاريج العروج، ولربما حاول منازلتها من تقدم من الملوك، فصده عنها قسى الرعود، ونبل الوبل، وأسوار الثلوج، وأرخت السماء عز اليها على جيشه وحال بينهما الموج فكان من المغرقين، والتفت عليها أشجارها فبات من المدبقين، وأصبح من الموبقين وعادت كل من قصد الصعود إليها يمشي على أربع بعد أن كان يمشي على رجلين، وردته عقابه ناكصاً على عقبيه، وكان يحجل في حجلين، فاستدارت عليها جنوباتنا، فشاهدنا منها منطقة البروج، واستجنت بها الجيوش من سهام الجروح، فأبقت كل سريع الخروج عن بدناتها إلى الأبدان سريع الولوج، وقامت المجانيق بسفراء من الحجارة عن السهام، وأشارت إليها بأصابع كفوفها بالانتقال عن ذل الكفر إلى عز الإسلام، وفي أول الحال عجل منجنيق الواحد كسر منجنيقهم الثلاثة، ونقلن من صورة الحال بسرعة، نصر الواحد على من يدين بالثلاثة، ولم تزل مناجيقنا ترقى القلعة بحجارة

стр. 1597

تطيل محلقة نحوها كالطيور، وتعلو نسور أحجارها طالبة قبة قلتها، والجبال الشاهقة، وكون النسور، فما رميت حجراً إلا أثرتها أثراً، ولا راجعتها ضرباً إلا أسمع وأرى بظاهرها وباطنها ندباً، لكنها على مراجعة الحرب، ومعاودة الضرب، كأنه تضرب من حجارة أسوارها في حديد بارد، وهي وإن لم تكن حديداً، فإنها حجارة حديدة لا تعمل فيها المعاول، ولا تؤثر فيها المبارد إلا أن نوازلها مصيبة فيها نازلة، وأما أشبه سهامها بسهام العيون يقضي بالمنون، ولا تفارق الجفون، أو بالنجوم في الرجوم تصيب وهي بمكانها المعلوم، ودامت ذمة حسناتها مطالبة المحاصرة بما في يدها للملة الإسلامية من الاعتصاب والفرض، والنقابة تعمل من خوارجها في داخل بنيانها عمل الخلد في الأرض حتى أخلد الله الأرض، وتقضت النقوب نظام أساساتها فانحلت، وألقيت النار في أحشائها، فألقت ما فيها وتخلت، هذا، والمجانيق منا ومنهم تارة وتارة، وأكفها ترمي من النفط أصابعها بشرر كالقصر، وقودها الناس والحجارة، إلى أن تمكن الهد من أحد أبراجها، فهدم بناءه المنظم، ولما أراد جداره ينقض، سارع إلى تقبيل الأرض، وبادر إلى الخدمة فسلم، وزحفت عليها الجيوش المنصورة من جوانبها، وأحاطت بها إحاطة الأغماد بقواضبها، وضمتها ضم الأطواق للأعناق، وأطبقت بها إطباق الجفون على الأحداق، إلا أن الله سهل أمرها، وأول الإسلام كفرها، وسلط المجانيق المسلمة على المجانيق الكافرة، فكفى المؤمنين شرها، فلم يزل كل منها يرميهم بأحجاره. حتى استنزلهم على

стр. 1598

اختياره. وسألوا الإجارة من الحجارة. وطلبوا الأمان من الإيمان. وأذعنوا بالاستسلام إلى الإسلام. وكتابنا هذا، وقد علت على قلعتها أعلام الإيمان، وصرح بها إعلان الأذان، ورمى بالحرس رجس الحرس، وأذهب ظهر الإيمان منها جرس النجس، واقترب عن فتحها ثغور الأيام، وغدت مغلقة بمسك المداد أصداغ الأقلام، فيأخذ حظه من هذه البشرى التي شرحت للإسلام صدراً، وجددت لكل صباح من تباشيره بشراً، وخلدت لأيام هذه الدولة فخراً، يبدو في صبيحة كل نهار فجراً، وهذا الفتح المبين وإن لم يكن الجناب من حضار حصارها ولا تضمخ درعه بردعه، ولا تمسك ذيله بعثاره، فإنه مجهز جيش كتائبه التي فتح الله على يدها، وأجراها من النضرة على جميل عوائدها، فله أجر الغازي وهو المقيم، والسهم إذ أصاب الغرض فراميه المصيب وهو بمكانه لا يريم ". وقال المولى شهاب الدين محمود كاتب الدرج بدمشق يذكر فتح المرقب ويذكر قصيدة يمدح السلطان الملك المنصور قلاوون رحمه الله تعالى: الله أكبر هذا النصر والظفر ... هذا هو الفتح لا ما يزعم السير هذا الذي كادت الآمال إن طمحت ... إلى الكواكب ترجوه وتنتظر فانهض وسر واملك الدنيا فقد نحلت ... شوقاً منابرها وارتاحت السرر كم رام قبلك هذا الحصن من ملك ... فطال عنه وما في باعه قصر وكيف يمنحه الأيام مملكة ... كانت لدولتك الغراء تدخر

стр. 1599

وكيف يسمو إليها من تأخر عن ... إسعاده متحد إلى القدر والقدر غر العدى منك حلم تحته همم ... لأشقر البرق من تحجيلها عرر لها وإن اشتهت لطف النسيم سرى ... معنى العواصف لا يبقى ولا يذر أوردتها المرقب العالي وليس سوى ... ماء المجرة في أرجائها نهر كأنه وكأن الجو يكنفه ... وهم ويمثله في طيها الفكر يحتال كالغادة العذراء قد نظمت ... منه مكان الآلي الأنجم الزهر لها الهلال سوار والسما سنف ... والقلب قلب وسود الدجى طرر تعلو الرياح إليه كي تحيط به ... خبراً وتدنو وما في ضمنها خبر ويومض البرق يهفو نحوه لدى ... أدنى رباه ويأتي وهو معتذر وليس يروي بماء السحب مصعدة ... إليه من فيه إلا وهو منحدر .... جنود الله تقدمها ... ما شك البدر إلا الخوف والحذر فاستوطأت حزنه واستقربته ... وكان مكبواً حسيراً دونه البصر وأضرمت حوله ناراً لها لهب ... من السيوف ومن نبل الوغا شرر وألجأته سهام الجمته ... ... فاغتاله القائلان الخضر والخضر وأمطرته المجانيق التي نشأت ... ولم يكن قبلها يهمي به المطر فكان للكسر منها كلما صنعوا ... من جنسها ولا يدري الهم ما عمر

стр. 1600

كأنها ومجانيق الفرنج لها ... فرائس أسد أظفارها الظفر وكم شكا الحصن ما يلقى فما كثرت ... يا قلبها أحديد أنت أم حجر وللنقوب دبيب في مفاصله ... تثير سقماً ولا يبدو له أثر أضحى به مثل صب لا يبين به ... نار الهوى وهي في الأحشاء تستعر فحين أدرك فيه ما غرست به ... منها ولم يبق إلا أن يرى الثمر ركبت في جندك الأولى إليه ضحى ... والنصر يتلوك منه جندك الأخر قد زال ... تجلى عن قواعده ... وخر أعلاه نحو الأرض يبتذر وساخ وانكشفت أفتاره وبدا ... لديك من مضمرات النصر ما ستروا فمال يهوى إليهم كل ليث وغى ... له من البيض ناب والقنا ظفر كأنهم وهم آساد معركة ... حمر براثنها عنت لها حمر فاستصرخوا عمري الفتح واعتصموا ... بعفوه ورجاه من له عمر ؟ ولاذ بالصفح واستعطى الأمان لهم إحسان يقظان يعفو وهو مقتدر فجدت حلماً وعلماً أنهم خول ... في جوزة القتل إن غابوا وإن حضروا ومن غدا وفجاج الأرض قبضته ... فهم وإن أطلقوا منه فقد أسروا فأبرزوا مثل ربات الحجال إذا ... ما غض أبصارهن الخوف والخفر وقد علاهم شعار الذعر منك فلو ... حكمت بأسك في الأروح ما شعروا وأصبح الحصن غلاً في نحورهم ... وعلة ما لهم في وردها صدر

стр. 1601

وقد تقلد من أشراف ملكك ما ... به على أنجم الجوزاء يفتخر رفعت أعلاه إعلاماً معودة ... أن لا يزال بها الإسلام ينتصر تبدو بها غرر الطلعات طالعة ... فكل ناحية من وجهها قمر وكسوته عندما جردته حللاً ... من المهابة يعشى دونها النظر جددت ربع الهوى حتى عدت بدلاً ... فيه من الصور المعبودة السور إن لم ينوف الورى بالشكر ما فتحت ... يداك فالله والأملاك قد شكروا ولما كان السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ على حصار المرقب، وردت عليه البشرى بولادة ولده السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد، فمولده في تلك السنة أيده الله تعالى. ودخل الملك المنصور عائداً من المرقب يوم الأحد ثالث جمادى الأولى، وطلب محيي الدين محمد ابن النحاس، وقلده الوزارة بدمشق والشام، وخلع عليه خلعة كاملة يوم الخميس سادسه، وصرف شرف الدين توبة من الوزارة موقراً، وسافر الملك المنصور إلى الديار المصرية بكرة الاثنين ثامن عشر جمادى الأولى، وسافر تقي الدين توبة إلى القاهرة يوم الأحد حادي عشر رجب، وتوجه شمس الدين الدمشقي إلى حلب حاكماً يوم الخميس حادي عشر شوال، وخرج ركب الحجاز من دمشق يوم السبت تاسع شوال، وأميرهم بدر الدين ابن أبي القاسم. فصل وفيها توفي: أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد أبو العباس الأندلسي الإشبيلي

стр. 1602

الأصل، المنعوت بزين الدين، المعروف بكتاكت المصري الواعظ المقرئ. مولده بتنيس سنة خمس وست مائة، وقيل في مولده غير ذلك، وتوفي بالقاهرة في ليلة الثالث عشر من ربيع الأول هذه السنة أعني سنة أربع وثمانين. كان إماماً في الوعظ، وعنده فضيلة، ومعرفة بالأدب، وله نظم حسن، فمنه: ظهرت كالشمس لا يقوى لها بصر ... فلا تلم عنك من ولي ولا من نظرا تزيد تفهمنا حرفاً وتعجمه ... وكيف يقرأه من لا عليك قرا لكأس طرفك في يمناك بارقة ... تكاد لألاؤها إذ يخطف البصرا وإن لم تروها فإن الكل قد قنعوا ... عمن سقاك بأن يروى لهم خبرا وقال أيضاً ﵀: أدارت خمرها الأحداق سراً ... على الأرواح واتصل النعيم وبتنا واعتبقنا واصطحبنا ... ولم يشعر بوصلنا الجسوم فها أنا والعروسة تحت ستر ... به ألقاب عفتنا رقوم وما فهمت بروق الحي عنا ... إشارتنا ولا فطن النسيم وقال أيضاً ﵀: من أنت محبوبه ماذا يغيره ... ومن صفوت له ماذا يكدره هيهات عنك ملاح الكون يشغلني ... والكل أعراض حسن أنت جوهره وقال أيضاً ﵀: اكشف البرقع عن بكر العقار ... داخل في ليلك مع شمس النهار وانهب العيش ودعه ينقضي ... غلطاً ما بين هتك واستتار

стр. 1603

وإن تكن شيخ خلاعات الصبي ... فالبس الصبوة في خلع العذار وارض بالعار وقل قل لذلي ... في هوى خمار كأسي ليس عاري وقال أيضاً ﵀: حضروا فمذ نظروا جمالك غابوا ... والكل مذ سمعوا خطابك طابوا فكأنهم في جنة وعليهم ... من خمر حبك طافت الأكواب يا سالب الألباب يا من حسنه ... لقلوبنا الوهاب والنهاب القرب منك لم يحبك جنة ... قد زخرفت والبعد عنك عذاب يا عامراً مني الفؤاد بحبه ... بيت العدول على هواك خراب أنت الذي ناولتني كأس الهوى ... فإذا سكرت فما عليك عتاب وتركتني في كل واد هائماً ... وأخذتني مني فأين أصاب وعلى التقى حزم لعلوه ... آمن من حوله يختطف الألباب لفريقها كيف الوصل ودونه ... نار لها بحشاشتي إلهاب وبسمريات القدود على لحمى ... بحمى خيام شرعت وقباب خاطرت مني بالفؤاد وزرته ... ليلاً ولم يشعر بنا مرتاب قال: وأنشدني الشيخ سعد الدين سعد الله بن مروان الفارقي ﵀: حثوا إلى نجد نياق الهوى ... فثم واد حوله معشب

стр. 1604

وانتظروا حتى يلوح الحمى ... والعيش فيه طيب طيب إسماعيل بن إبراهيم بن علي المعروف بالفراء. كان شيخاً صالحاً زاهداً عابداً ورعاً ناسكاً قدوة ذاكراً، له كرامات، وأحوال باهرة، وعلوم ظاهرة، ويعرف اسم الله الأعظم وغيره من الأسماء الجليلة التي انتفع بمعرفتها، ونفع بها، وكان حنبلي المذهب صحيح الاعتقاد. قال أخي ﵀: صحبته من سنة إحدى وأربعين وست ومائة من المدينة الشريفة صلوات الله وسلامه على ساكنها فرأيت منه الكرامات الظاهرة، والأخلاق الطاهرة، والمعاملات الباطنة ما يقصر عنه الوصف، صحب والده ﵀ من سنة ثمان وثلاثين إلى حين وفاته سنة ثمان وخمسين، وكان وفاة الشيخ إسماعيل المذكور ﵀ يوم الخميس سابع شهر رجب بدمشق، ودفن من يومه بسفح قاسيون. وكان مخزومي النسب ﵀. أيدكين بن عبد الله الأمير علاء الدين البندقدار الصالحي النجمي. كان في بداية أمره مملوكاً للأمير جمال الدين موسى بن يغمور، ثم انتقل عنه إلى الملك الصالح نجم الدين، فجعله بندقداره، وأمره، وكان من أكابر الأمراء وأعيانهم، وكان الملك الظاهر مملوكه، وعنه انتقل إلى الملك الصالح لما حبسه، واحتاط على موجوده، ولم يكن الملك الظاهر يعرف قبل السلطنة إلا البندقداري، وكان الملك لظاهر يعظمه، ويحترمه، ويرى له حق التربية، وكان هو يبالغ في خدمة الملك الظاهر، والنصح له، وهو الذي انتزع دمشق وقطعة من الشام من يد الأمير علم الدين الحلبي، وكان عنده حشمة، وحسن ترتيب ما لا مزيد عليه، توفي بالقاهرة في ربيع الآخر سنة

стр. 1605

أربع وثمانين، ودفن بتربته قريب بركة الفيل، وقد ناهز السبعين سنة من العمر، وصلى عليه بالنية بجامع دمشق يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى ﵀ وسبب انتقال الملك الظاهر إلى لملك الصالح أنه لما ملك قلعة عجلون في أواخر سنة ثلاث وأربعين، ترتب فيها الأمير علاء الدين البندقدار بعسكر. فلما استقر بها، تزوج سرية الأمير سيف الدين علي بن قليج النوري من غير مشاورة الملك الصالح فنقم عليه، وأمره أن يخرج من عجلون، ويذهب حيث شاء مالكاً لأمره، فخرج متوجهاً إلى العراق على البرية، فلما بلغ الملك الصالح خبره، ندم، وكتب إلى سعيد بن يزيد أمير آل مراء إذ ذاك يأمره بإدراكه، ورده تحت الحوطة، فلما رده وافى الملك الصالح بعمتا، قد خرج من مصر متوجهاً إلى دمشق في شوال سنة أربع وأربعين، فأمر بالقبض عليه، وأخذ ما كان معه من المماليك وغيرهم، وحبسه بعجلون، وكان فيمن أخذ منه الملك الظاهر، فقدمه على طائفة من الجمدارية، فلما مات الملك الصالح سنة سبع وأربعين، وملك بعد ولده الملك المعظم، وقتل، وأجمعوا على الأمير عز الدين أيبك التركماني، فولوه الأتابكية لأمر جليل؛ ثم ملكوا الملك الأشرف ابن الملك الناصر ابن الملك المسعود أقسيس ابن الملك الكامل، وكان صغيراً. وأقروا التركماني على الأتابكية، ثم خطب الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار بنت صاحب حماة، وأجيب، فخشي التركماني إن هو دخل بها عظمت نفسه، وتاقت إلى الملك لقوة شوكته بالبحرية، فقتله يوم الاثنين سادس عشر شعبان سنة اثنتين

стр. 1606

وخمسين وست مائة. الحسن بن محمد بن علي بن محمد أبو محمد نجم الدين الأنصاري الدمشقي. خدم الأمير عز الدين أيبك المعظمي ﵀ صاحب صرخد، ثم الطواشي شهاب الدين رشيد، وتنقل في مباشرة سد الجهات والولايات، وآخر ما ولي قلعة بعلبك ومدينتها بعد وفاة كمال الدين إبراهيم بن شيث ﵀ وقدمها مستهل شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين، واستمر بها إلى أن استولى على دمشق وما معها الأمير شمس الدين سنقر الأشقر نائباً عن الملك المنصور ﵀ فصرفه، وولى عوضه سعد الدين عمر ابن قليج، فلما اتصل ذلك بالملك المنصور أنكره، وأمر بإعادته فأعاده، واستمر إلى شهر رجب سنة اثنتين وثمانين، وطلب إلى دمشق، وصرف عن الولاية، ورسم عليها أياماً، ثم أفرج عنه، ولزم منزله بدرب الفراش بدمشق إلى أن خرج الملك المنصور ﵀ لحصار المرقب، فخرج في جملة العساكر، وبعد فتوح المرقب حصل له مرض، وأدركته منيته في أرض القصب من أعمال حمص، ودفن هناك وهو في عشر الثمانين، وكان عنده أمانة وخبرة بالولاية والتصرف، وهو من كبراء رماة البندق، ويحاضر بالحكايات والأشعار والتورايخ، وله حدة، وكان يزعم أن بدر الدين بن نقادة الشاعر المشهور نسيبه من جهة والدته والله أعلم. وكانت وفاته يوم الأحد ثالث جمادى الأولى، وكان يتهم بمال كثير فلم يظهر له منه شيء، والظاهر أنه خفي والله أعلم. ثم بلغني بعد موته بقريب خمس وعشرين سنة

стр. 1607

وقد خربت داره أنه كان صبيان يمفرون في الدار فوجدوا شيئاً، واتصل ذلك بالدولة، فسيروا من استقصى في الحفر، فوجدوا مقداراً صالحاً من الذهب والدراهم. وحكى لي نجم الدين حسن المذكور ما معناه أن الملك المعظم عيسى ﵀ رسم للأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد أن يسير جماعة من حجي بن يزيد أمير آل مراء، فسير جماعة، وكان نجم الدين منهم، قال: فسيرنا في البرية، ومع حجي قداحة، إذا قدحها ينهر منها النار، ومع غيره من العرب وغيرهم قداحات، وهم يقدحون، والناس يتبعونهم، فبينا نحن نسير في أرض محجر، سقطت القداحة من يد حجي فتركها، ورحنا في المهم الذي نحن قاصدوه، وقضينا الشغل، وعدنا، ومررنا بتلك الأرض بالليل، فلما صرنا بالمكان الذي سقطت فيه القداحة، قال حجي: في هذا المطرح سقطت قداحتي؛ وضرب الأرض برمحه، فطنت القداحة. فأسرجنا ضوءاً. ووجدناها، وهذا من غريب الاتفاق. سعيد بن علي بن سعيد أبو محمد رشيد الدين البصراوي الحنفي مدرس الشبلية. كان إماماً عالماً فاضلاً، كثير الديانة والورع، عرض عليه القضاء غير مرة فامتنع، وله معرفة تامة بالعربية، ويد في النظم، وكانت وفاته في شعبان بمنزلة المجاور للمدرسة الشبلية، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى وقيل أنه توفي في ثالث شهر رمضان وصلى عليه بعد العصر بجامع الجبل. قال الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالي أنشدني من لفظه لنفسه في ذي القعدة سنة ثمانين وست مائة:

стр. 1608

ألا أيها الساعي على سنن الهوى ... رويدك آمال النفوس غرور أتدري إذا خان الرحيل وقربت ... مطايا المنايا منك أين تسير أطعت دواعي اللهو في سكرة الصبا ... أما لك من شيب العذار نذير كأني بأيام الحياة قد انقضت ... وإن طال هذا العمر فهو قصير وفاجاك مرتاد الحمام وما لها ... زيارة من لا تشتهيه يزور وأصبحت مصروع السقام معللاً ... يقولون داء قد ألم يسير وهيهات بل خطب عظيم وبعده ... عظائم منها الراسيات تمور ولما تيقنت الرحيل ولم يكن ... لديك على ما قد أتاك نصير وما لك من زاد وأنت مسافر ... ولا من شفيع والذنوب كثير بكيت وما يغني البكا على الذي ... جرى وتلافى المتلفات عسير فبادر وأيام الحياة مقيمة ... وحالك موفور وأنت قدير وقال أيضاً رحمه الله تعالى: إلهي لك الحمد الذي أنت أهله ... على نعم منه الهداية للحمد صحيحاً خلقت الجسم مني مسلماً ... ولطفك بي ما زال مذ كنت في المهد وكنت يتيماً قد أحاط في الردى ... فأويت واستنقذت من كل ما يردي وهبت لي العقل الذي يصبى به ... إلى كل خير يهتدي صاحب الرشد ووقفت للإسلام قلبي ومنطقي ... فيا نعمة قد جل موقعها عندي ولو رمت جهدي أن أحل فضيلة ... فضلت بما لم يمحو أطرافها حدي ألست الذي أدعوك في كل كربة ... ففرجتها لولاك طارت بها كبدي ألست الذي أرجو جنابك حيثما ... تخلفني الأهلون وحدي في لحدي

стр. 1609

فجد لي بلطف منك يهدي سريرتي ... وقلبي ويهديني إليك من البعد وقال أيضاً رحمه الله تعالى: يا عين سحي دماً وسحي ... غدا تخلين في الضريح ويصبح النور منك يمحى ... والحسن من وجهك الصبيح فتمسين والدود سوف يغشى ... سواد إنسانك المليح يا طول غمى وما تلا في ... صفحة وجهي من الصفيح كأنني بي وقد أتاني ... رسول ربي ليقبض روحي ينزعها من يدي حريص ... على موالاتها شحيح ضاق لخوف الورد صدري ... وساحة النهج الفسيح وكل من في الورى عليل ... فأين أشكو إلى صحيح أنطق بخير فسوف تأتي ... صمت على نطقك الفصيح كل كتاب وما خلقنا ... له سينجاب بالضريح وقال أيضاً رحمه الله تعالى: قل لمن يحذر أن يدركه ... بكتاب الدهر لا يعني عن الحذر أذهب الحزن اعتقادي أنه ... كل شيء بقضاء وقدر ليت لا أصبح ليلى إنما ... ينطرق الآفات في وقت السحر ما لي من يدري يقيناً أنه ... راحل يغفل عن زاد السفر وقال أيضاً رحمه الله تعالى: أرى عناصر طيب العيش أربعة ... ما زال منها فطيب قد زالا

стр. 1610

أمناً وصحة جسم لا يخالطها ... معاً نزف الشباب الغض والمالا وقال أيضاً ﵀: استجري دمعك ما استطعت معيناً ... فعساه يمحو ما جنيت شيئا أنسيت أيام البطالة والهوى ... أيام كنت لدى الضلال قرينا وقال أيضاً دو بيت: أشر عليك اجتهد في فك انحلالك ... لا ترخصن حياتك في أغلالك واصحب إذا شئت من لا يختفي حالك ... عنه ولازم حبابه ذو نصيحة لك وقال أيضاً: يا من يداري وما دارى مرض قلبه ... قد مات قلبك فقل لي كيف تصنع به أقرن عليه الماثم في دجى نح به ... هذا الشقي المعذور قد قضى نحبه وقال أيضاً موالياً: كيف اعتمدت على الدنيا وتجريبك ... أراك فلك تراها كيف تجري بك ما زالت الخادعة تدنو وتعتري بك ... حتى رمتك بأبعادك وتغريبك عبد الله بن إسماعيل بن محمد بن أيوب بن شاذي بن محمد جلال الدين الملك المسعود ابن الملك الصالح عماد الدين أبي الفداء ابن الملك العادل سيف الدين أبي بكر. كان من اجمل الناس صورة مع مكارم الأخلاق، جمع بين حسن الصورة والمعنى. وتوفي إلى رحمة الله بقرية بالمرج. وحمل إلى جبل قاسيون، فدفن بتربة عمه الملك الأمجد تقي الدين عباس

стр. 1611

رحمه الله يوم الأحد خامس وعشرين جمادى الآخرة، وقد نيف على الخمسين من العمر ﵀. عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة شمس الدين المقدسي الحنبلي. مولده سنة خمس وثلاثين وست مائة، وتوفي بقرية جماعيل من عمل نابلس في يوم الاثنين ثامن وعشرين شعبان، ودفن بها ﵀. كان من الفضلاء الصلحاء الأخيار، سمع الكثير، وحدث، وكتب بخطه، وشرع في تأليف كتاب، وجمعه من الأحاديث النبوية مرتباً على أبواب الفقه. ولو تم لكان نافعاً. ورأى بعض الصلحاء بجبل الصالحية النبي ﷺ في المنام. وقد جاء إلى الجبل فقال له الرائي: يا رسول الله! فيما جئت إلى هنا؟ أو كلاما هذا معناه، فقال: جئنا نقيس عبد الله من نورنا، وكان شيخنا شمس الدين عبد الرحمن رحمة الله عليه يحبه كثيراً. ويفضله على سائر أهله وأولاده، وكان أهلاً لذلك ﵀ ورضى عنه. فلقد كان من حسنات المقادسة كثير الكرم، والخدمة، والتواضع. والسعي في قضاء حوائج الإخوان والأصحاب. علي بن بلبان بن عبد الله أبو القاسم علاء الدين الكركي المعروف والده بالناصري. سمع الكثير، وحدث، وتوفي بدمشق ليلة الخميس مستهل شهر رمضان المعظم، ودفن يوم الخميس بمقابر باب الصغير، وهو في عشر السبعين رحمه الله تعالى. عمر بن إسحاق بن وفاء شمس الدين الناصري. كان له اختصاص بالملك

стр. 1612

الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ وملازمة له في خلواته، وعنده مروءة، ومثابرة على قضاء حوائج من يقصده من لطفه وكرمه وسعة صدره، وبقي بعد انقضاء الدولة الناصرية، وحرمته وافرة، وجانبه مرعى، وأقام بدمشق إلى أن أدركته وفاته بها يوم الاثنين منتصف صفر. وأخرج يوم الثلاثاء إلى الجامع. فصلى عليه، وحمل إلى سفح قاسيون، فدفن بتربته المجاورة لتربة ابن وداعة. والألسن مجمعة على شكره والترحم عليه، وهو في عشر السبعين رحمه الله تعالى. كافور بن عبد الله أبو المسك شبل الدولة الصوابي الخادم. توفي بقلعة دمشق ليلة الخميس مستهل شهر رمضان، ودفن يوم الخميس، وقد نيف على الثمانين ﵀. كان من عقلاء الدينة الأخيار. سمع الحديث، وأسمعه، وتولى عدة ولايات، وكان في آخر عمره قد رتب خزندار بقلعة دمشق، والصوابي نسبة إلى الأمير شمس الدين صواب العادلي الأمير الكبير المشهور رحمه الله تعالى. محمد بن إبراهيم بن علي بن شداد أبو عبد الله عز الدين الحلبي. مولده بحلب في سادس ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وست مائة. وتوفي بمصر في سابع عشر صفر هذه السنة، ودفن بسفح المقطم. كان رئيساً، حسن المحاضرة، وصنف تاريخاً لحلب، وسيرة الملك الظاهر ركن الدين، وكان من خواص الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد، وترسل عنه إلى هولاكو وغيره من الملوك، واستوطن الديار المصرية بعد أخذ التتار حلب في سنة

стр. 1613

ثمان وخمسين، وكان له مكانة عند الملك الظاهر ركن الدين، والملك المنصور سيف الدين رحمهما الله تعالى وحرمته وافرة، وله توصل ومداخلة، وعنده بشر كثير، ومسارعة إلى قضاء حاجة من يقصده رحمه الله تعالى. محمد بن الحسن بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله الملقب شرف الدين المعروف بالأخميمي الشيخ المشهور. كان كثير التعبد والاجتهاد، ولكثير من الناس فيه عقيدة حسنة، وبعض الناس ينسبه إلى التصنع، وكان يتحصل له من الأمراء والأكابر جمل كثيرة، وإذا قوبل بقدر يسير لا يقبله، وتوفي بمنزله بسفح قاسيون ليلة الأربعاء ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون، وهو في عشر السبعين رحمه الله تعالى غسله الشيخ فخر الدين بن عز القضاة، والشيخ شرف الدين أحمد الفزاري، والشيخ برهان الدين الإسكندري، وصلى عليه الشيخ جمال الدين الشريشي، وحضر جنازته خلق كثير، وكان عليه روح، وسكون، وهيبة رحمه الله تعالى وهو الذي ذكره الشيخ كمال الدين بن طلحة في تصنيفه في علم الحروف من الحروف المفردة غير المكررة في القرآن المجيد، وأن الشيخ محمد رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وأنه أوراه دائرة الحروف. قال الشيخ كمال الدين بن طلحة ﵀ في تصنيف أفرده لذلك: أما بعد، فإنه لما رزقني الله من مبار ألطافه، ورفده مؤاخاة عبد صالح من صلحاء عباده فيه، تحكم له فيه من قلبي منزلة ما وصلت إليه أخوة النسب من قبلها، ولا تصل إليها من بعدها، ونمت بيننا المحبة في الله تعالى وتقدس

стр. 1614

نمواً بلغت بها نهاية حدها، وأحرزت به اليقين حصل وحدها، ومنح الله جل وعلا كل واحد منا بصاحبه ما ظهرت له به زيادة عبادته، وثبت ذلك عنده بإقرار قلبه وشهادته، وكان كثيراً من مطالبه من ربه تعالى أن يمنحه ما يعرف به الاسم الأعظم، واقتدى بذلك ممن سلف من أئمة الطريق الأقوم، وتكرر لذلك تقلب وجهه في السماء، ورفع يديه إلى الله تعالى بأنواع الدعاء، فبينما هو في بعض خلواته مشتغل بصلواته تحت جلباب حندس الظلماء، إذ كشف له عن لوح شاهده بحيث لا يتطرق إليه شبه الشك ولا ريب الامتراء، فأعرض عنه مشتغلاً بذكر ربه في مقام قربه، فوكزه بدمع صوت يقول له: خذ ما ينتفع به، فأخذه، واستبث ما فيه، فوجده دائرة، وخطوطاً، وأسماء، وحروفاً، وأحاط علماً بصورها دون معانيها، ولم يعلم شيئاً من الأسرار المودعة فيها، فلما سمر الليل ذيل ظلمته، وتنفس الصبح لأسفار أنوار غرته، وقضى الواجب عليه من أداء حق الوقت وفريضته، عشيته غيبة صافحته بها يد سنته، فرأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبي رضوان الله عليه فسلم عليه وقال له: أين اللوح الذي أوتيته؟ فأخرجه فأخذه ﵇، فنظر فيه واستعظمه، ثم قال له في معناه: أشياء لم يفهمها ولا يعرف منها سوى كلمة واحدة، فقال: يا أمير المؤمنين! ما فهمت ما قلت لي. فقال له: إن فلاناً يعني الشيخ كمال الدين بن طلحة يشرحه لك إن شاء الله تعالى، فلما علا النهار، حضر عند الشيخ كمال الدين، وعرفه عين الواقعة بصورتها، وتلا عليه آيات صورتها، وخط صورة الدائرة، وما عليها

стр. 1615

خارجاً وداخلاً عنها وفيها، فوقف عليه تأملها، فرآها من عجائب الأقدار وضعاً. وغرائب الأسرار أصلاً وفزعاً، ونظر في حروفها المرتبة وتراً وشفعاً، وأسمائها المركبة تفرقة وجمعاً. قال الشيخ كمال الدين: فعلمت أنه لا يمكن الوقوف على كنه مقصدها. ولا الوصول إلى جل عقدها، ولا محض أوطان مطالبها باستخراج زبدها إلا بتأييد رباني، وتوفيق إلهي، فرفعت يدي متضرعاً إلى عالم السر والنجوى، وسألته أن يفتح لي رتاج مكنونها، ويمنحني بنتاج مصونها، ويوضح لي منها مخزونها ويشرح صدري باستخراج اسرار مضمونها فأحست نفسي بأنفاس إجابة دعائها، وتضرعها، ونشطت إلى استشراق أنوار الأسرار من مطلعها، فلما لاحت الأنوار، وظهرت الأسرار بأمر مبدئها ومبدعها، وتخبير مرها ومطلعها، علقت هذه الرسالة. قلت: ثم أثبت الشيخ ذكر الدائرة وتخطيطها وصفتها، وصورة ما في وسطها، وما أحاط بها محيطها، وكيفية وضع حروفها وأسمائها وخطوطها، ثم ذكر أنها سر من أسرار الاسم الأعظم، ثم شرع في حل تلك الحروف المفردة وتبيين أسرارها وإظهار معانيها بما يذهل العقل، ولقد حذا في استنباط المعاني من تلك الدائرة ما سلكه الإمام أبو الحكم ابن برجان في تفسير قوله: " وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " وبين تدوير الحروف هناك، وسر البضع في كلام العرب. ثم ذكر أنه إن صح ذلك، فتح البيت المقدس في سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، فوقع الأمر كما قال. ومات هو قبل فتحه في سنة ست وثلاثين وخمس مائة مغرباً عن وطنه بمراكش، فهؤلاء المشايخ الأطهار أطلعهم الله تعالى على أسرار العلوم، وبنى الشيخ كمال الدين أمر الدائرة على سر التوحيد، وبيان عظمة الله تعالى وقدرته، وسير أسرار الحروف بما يشرح الصدور ويسر القلوب، وسمى هذه الرسالة المتضمنة شرح هذه الدائرة " الدر المنظم في شرح الاسم الأعظم " فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه والله تعالى يوفق للصواب. هـ في سنة ست وثلاثين وخمس مائة مغرباً عن وطنه بمراكش، فهؤلاء
следующие страницы →