← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

رحمه الله يوم الأحد خامس وعشرين جمادى الآخرة، وقد نيف على الخمسين من العمر ﵀. عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة شمس الدين المقدسي الحنبلي. مولده سنة خمس وثلاثين وست مائة، وتوفي بقرية جماعيل من عمل نابلس في يوم الاثنين ثامن وعشرين شعبان، ودفن بها ﵀. كان من الفضلاء الصلحاء الأخيار، سمع الكثير، وحدث، وكتب بخطه، وشرع في تأليف كتاب، وجمعه من الأحاديث النبوية مرتباً على أبواب الفقه. ولو تم لكان نافعاً. ورأى بعض الصلحاء بجبل الصالحية النبي ﷺ في المنام. وقد جاء إلى الجبل فقال له الرائي: يا رسول الله! فيما جئت إلى هنا؟ أو كلاما هذا معناه، فقال: جئنا نقيس عبد الله من نورنا، وكان شيخنا شمس الدين عبد الرحمن رحمة الله عليه يحبه كثيراً. ويفضله على سائر أهله وأولاده، وكان أهلاً لذلك ﵀ ورضى عنه. فلقد كان من حسنات المقادسة كثير الكرم، والخدمة، والتواضع. والسعي في قضاء حوائج الإخوان والأصحاب. علي بن بلبان بن عبد الله أبو القاسم علاء الدين الكركي المعروف والده بالناصري. سمع الكثير، وحدث، وتوفي بدمشق ليلة الخميس مستهل شهر رمضان المعظم، ودفن يوم الخميس بمقابر باب الصغير، وهو في عشر السبعين رحمه الله تعالى. عمر بن إسحاق بن وفاء شمس الدين الناصري. كان له اختصاص بالملك

стр. 1612

الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ وملازمة له في خلواته، وعنده مروءة، ومثابرة على قضاء حوائج من يقصده من لطفه وكرمه وسعة صدره، وبقي بعد انقضاء الدولة الناصرية، وحرمته وافرة، وجانبه مرعى، وأقام بدمشق إلى أن أدركته وفاته بها يوم الاثنين منتصف صفر. وأخرج يوم الثلاثاء إلى الجامع. فصلى عليه، وحمل إلى سفح قاسيون، فدفن بتربته المجاورة لتربة ابن وداعة. والألسن مجمعة على شكره والترحم عليه، وهو في عشر السبعين رحمه الله تعالى. كافور بن عبد الله أبو المسك شبل الدولة الصوابي الخادم. توفي بقلعة دمشق ليلة الخميس مستهل شهر رمضان، ودفن يوم الخميس، وقد نيف على الثمانين ﵀. كان من عقلاء الدينة الأخيار. سمع الحديث، وأسمعه، وتولى عدة ولايات، وكان في آخر عمره قد رتب خزندار بقلعة دمشق، والصوابي نسبة إلى الأمير شمس الدين صواب العادلي الأمير الكبير المشهور رحمه الله تعالى. محمد بن إبراهيم بن علي بن شداد أبو عبد الله عز الدين الحلبي. مولده بحلب في سادس ذي الحجة سنة ثلاث عشرة وست مائة. وتوفي بمصر في سابع عشر صفر هذه السنة، ودفن بسفح المقطم. كان رئيساً، حسن المحاضرة، وصنف تاريخاً لحلب، وسيرة الملك الظاهر ركن الدين، وكان من خواص الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد، وترسل عنه إلى هولاكو وغيره من الملوك، واستوطن الديار المصرية بعد أخذ التتار حلب في سنة

стр. 1613

ثمان وخمسين، وكان له مكانة عند الملك الظاهر ركن الدين، والملك المنصور سيف الدين رحمهما الله تعالى وحرمته وافرة، وله توصل ومداخلة، وعنده بشر كثير، ومسارعة إلى قضاء حاجة من يقصده رحمه الله تعالى. محمد بن الحسن بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله الملقب شرف الدين المعروف بالأخميمي الشيخ المشهور. كان كثير التعبد والاجتهاد، ولكثير من الناس فيه عقيدة حسنة، وبعض الناس ينسبه إلى التصنع، وكان يتحصل له من الأمراء والأكابر جمل كثيرة، وإذا قوبل بقدر يسير لا يقبله، وتوفي بمنزله بسفح قاسيون ليلة الأربعاء ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون، وهو في عشر السبعين رحمه الله تعالى غسله الشيخ فخر الدين بن عز القضاة، والشيخ شرف الدين أحمد الفزاري، والشيخ برهان الدين الإسكندري، وصلى عليه الشيخ جمال الدين الشريشي، وحضر جنازته خلق كثير، وكان عليه روح، وسكون، وهيبة رحمه الله تعالى وهو الذي ذكره الشيخ كمال الدين بن طلحة في تصنيفه في علم الحروف من الحروف المفردة غير المكررة في القرآن المجيد، وأن الشيخ محمد رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وأنه أوراه دائرة الحروف. قال الشيخ كمال الدين بن طلحة ﵀ في تصنيف أفرده لذلك: أما بعد، فإنه لما رزقني الله من مبار ألطافه، ورفده مؤاخاة عبد صالح من صلحاء عباده فيه، تحكم له فيه من قلبي منزلة ما وصلت إليه أخوة النسب من قبلها، ولا تصل إليها من بعدها، ونمت بيننا المحبة في الله تعالى وتقدس

стр. 1614

نمواً بلغت بها نهاية حدها، وأحرزت به اليقين حصل وحدها، ومنح الله جل وعلا كل واحد منا بصاحبه ما ظهرت له به زيادة عبادته، وثبت ذلك عنده بإقرار قلبه وشهادته، وكان كثيراً من مطالبه من ربه تعالى أن يمنحه ما يعرف به الاسم الأعظم، واقتدى بذلك ممن سلف من أئمة الطريق الأقوم، وتكرر لذلك تقلب وجهه في السماء، ورفع يديه إلى الله تعالى بأنواع الدعاء، فبينما هو في بعض خلواته مشتغل بصلواته تحت جلباب حندس الظلماء، إذ كشف له عن لوح شاهده بحيث لا يتطرق إليه شبه الشك ولا ريب الامتراء، فأعرض عنه مشتغلاً بذكر ربه في مقام قربه، فوكزه بدمع صوت يقول له: خذ ما ينتفع به، فأخذه، واستبث ما فيه، فوجده دائرة، وخطوطاً، وأسماء، وحروفاً، وأحاط علماً بصورها دون معانيها، ولم يعلم شيئاً من الأسرار المودعة فيها، فلما سمر الليل ذيل ظلمته، وتنفس الصبح لأسفار أنوار غرته، وقضى الواجب عليه من أداء حق الوقت وفريضته، عشيته غيبة صافحته بها يد سنته، فرأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبي رضوان الله عليه فسلم عليه وقال له: أين اللوح الذي أوتيته؟ فأخرجه فأخذه ﵇، فنظر فيه واستعظمه، ثم قال له في معناه: أشياء لم يفهمها ولا يعرف منها سوى كلمة واحدة، فقال: يا أمير المؤمنين! ما فهمت ما قلت لي. فقال له: إن فلاناً يعني الشيخ كمال الدين بن طلحة يشرحه لك إن شاء الله تعالى، فلما علا النهار، حضر عند الشيخ كمال الدين، وعرفه عين الواقعة بصورتها، وتلا عليه آيات صورتها، وخط صورة الدائرة، وما عليها

стр. 1615

خارجاً وداخلاً عنها وفيها، فوقف عليه تأملها، فرآها من عجائب الأقدار وضعاً. وغرائب الأسرار أصلاً وفزعاً، ونظر في حروفها المرتبة وتراً وشفعاً، وأسمائها المركبة تفرقة وجمعاً. قال الشيخ كمال الدين: فعلمت أنه لا يمكن الوقوف على كنه مقصدها. ولا الوصول إلى جل عقدها، ولا محض أوطان مطالبها باستخراج زبدها إلا بتأييد رباني، وتوفيق إلهي، فرفعت يدي متضرعاً إلى عالم السر والنجوى، وسألته أن يفتح لي رتاج مكنونها، ويمنحني بنتاج مصونها، ويوضح لي منها مخزونها ويشرح صدري باستخراج اسرار مضمونها فأحست نفسي بأنفاس إجابة دعائها، وتضرعها، ونشطت إلى استشراق أنوار الأسرار من مطلعها، فلما لاحت الأنوار، وظهرت الأسرار بأمر مبدئها ومبدعها، وتخبير مرها ومطلعها، علقت هذه الرسالة. قلت: ثم أثبت الشيخ ذكر الدائرة وتخطيطها وصفتها، وصورة ما في وسطها، وما أحاط بها محيطها، وكيفية وضع حروفها وأسمائها وخطوطها، ثم ذكر أنها سر من أسرار الاسم الأعظم، ثم شرع في حل تلك الحروف المفردة وتبيين أسرارها وإظهار معانيها بما يذهل العقل، ولقد حذا في استنباط المعاني من تلك الدائرة ما سلكه الإمام أبو الحكم ابن برجان في تفسير قوله: " وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين " وبين تدوير الحروف هناك، وسر البضع في كلام العرب. ثم ذكر أنه إن صح ذلك، فتح البيت المقدس في سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، فوقع الأمر كما قال. ومات هو قبل فتحه في سنة ست وثلاثين وخمس مائة مغرباً عن وطنه بمراكش، فهؤلاء المشايخ الأطهار أطلعهم الله تعالى على أسرار العلوم، وبنى الشيخ كمال الدين أمر الدائرة على سر التوحيد، وبيان عظمة الله تعالى وقدرته، وسير أسرار الحروف بما يشرح الصدور ويسر القلوب، وسمى هذه الرسالة المتضمنة شرح هذه الدائرة " الدر المنظم في شرح الاسم الأعظم " فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه والله تعالى يوفق للصواب. هـ في سنة ست وثلاثين وخمس مائة مغرباً عن وطنه بمراكش، فهؤلاء

стр. 1616

المشايخ الأطهار أطلعهم الله تعالى على أسرار العلوم، وبنى الشيخ كمال الدين أمر الدائرة على سر التوحيد، وبيان عظمة الله تعالى وقدرته، وسير أسرار الحروف بما يشرح الصدور ويسر القلوب، وسمى هذه الرسالة المتضمنة شرح هذه الدائرة " الدر المنظم في شرح الاسم الأعظم " فمن أراد الوقوف عليه فليراجعه والله تعالى يوفق للصواب. محمد بن عثمان بن علي أبو عبد الله شرف الدين المعروف بابن الرومي، الشيخ الصالح الزاهد العارف. كان ﵀ من أكرم الناس كفاً، لا يدخر شيئاً بل مهما فتح الله به ينفقه على الفقراء، وكان كبير النفس، عالي الهمة، كثير التواضع، لطيف الأوصاف، منقطعاً في زاويته بسفح قاسيون، لا يتردد إلى أحد إلا في النادر، ويعمل السماعات، ويصعد إلى الخلق الكثير من الفقراء وغيرهم، فيرقص من أول السماع إلى آخره، ويخلع جميع ثيابه على المغاني، ويرقص عرياناً ليس عليه إلا السراويل، وله الحرمة الوافرة عند الأمراء والملوك، ويحمل إليه من الفتوح شيء كثير، فيخرجه من وقته، وكان حضر حصار المرقب، ثم عاد إلى دمشق، وتوفى إلى رحمة الله تعالى عقيب عوده بأيام، ودفن بزاويته بسفح قاسيون رحمه الله تعالى وهو في عشر الثمانين، وكانت وفاته ثالثة نهار الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وست مائة. وتوفي والده يوم الجمعة ثامن المحرم سنة ست وثلاثين وست مائة بمدينة حماة، وحمل على أكتاف مريديه، ودفن بزاويته بسفح قاسيون عشية الاثنين حادي عشرة،

стр. 1617

ودفن ليلاً، وقد جاوز السبعين رحمه الله تعالى. محمد بن عبد الله أبو عبد الله ناصر الدين الحراني الحنبلي. ولي دمشق بعد وفاة والده رحمهما الله وأضيف إليه شد الأوقاف والنظر فيها مستقلاً من غير مشاركة، يولي ويعزل، ويصرف كيف شاء، وكان مدار أمور الدولة بدمشق وأعمالها عليه؛ ونائب السلطنة لا يخالفه، ولا يخرج عن رأيه. وله المكانة العالية عند الملك الظاهر ووزيره وأكابر أمراء دولته، وكلمته مسموعة في سائر المملكة، وكتبه نافذة في الأقطار، وعنده معرفة تامة، ورياسة كبيرة، وخبرة بسائر الأمور، ويكتب خطاً منسوباً، رأيته يكتب وهو ينظر إلى جهة أخرى، وكان كثير المكارم والستر، وقضى حوائج الناس، يصلح لكل شيء، ولقد سمعت بعض الأمراء الأكابر يقول عنه: والله يصلح لوزارة بغداد في زمن الخلفاء، ولا يقوم غيره مقامه، ثم استعفى من ولاية دمشق، وسأل ذلك فأجيب عليه، ثم رسم له الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ بنيابة السلطنة بحمص وأعمالها، فتوجه إلى كره منه، فهذب أمورها، وأصلح أحوالها، ولم تطل مدته بها، فأدركته منيته ليلة الثلاثاء منتصف شعبان، فغسل بها، وكفن، وصلي عليه، وحمل إلى دمشق، فوصل يوم الخميس سابع عشره، فصلي عليه، ودفن بسفح قاسيون بتربة الشيخ أبي عمر رحمة الله عليه ولم يبلغ الستين رحمه الله تعالى وكان وقف في حال حياته قبل موته بمدة سنين وقفاً كثيراً على عتقائه، وعلى وجوه البر، وأثبته، وحكم به الحكام، وصرف ريعه في حال حياته كما شرط، فنفعه بعض الكلمة فيه، وقال الواقف:

стр. 1618

أثبته على الشيخ في حال حياته كما شرط، ونل نظر الوقف عند عدم من أسند إليه الواقف إلى الإمام المجامع المظفري، وإمامه ابن الشيخ شمس الدين، فتمنع منه، وأبطل الوقف، واحتيط عليه، وباء بإثمه من سعى في ذلك مع أن جماعة كثير من أعيان العدول الذين شهدوا على الواقف ﵀ أحياء مرزوقين، أما الواقف فوقع أجره على الله تعالى. سمع الأمير ناصر الدين الحديث الكثير، وكانت أوقاته معمورة بتلاوة القرآن العزيز، وسماع الحديث، ومصالح المسلمين، ولم يخلف ولداً رحمه الله تعالى. محمد بن علي بن يوسف بن محمد بن يوسف أبو عبد الله رضى الدين الأنصاري الشاطبي الإمام العلامة في علم العربية واللغة. توفي بمصر، ودفن بالقرافة الصغرى في ثامن عشرين شهر جمادى الأولى وقد جاوز ثمانين سنة من العمر رحمه الله تعالى ومولده سنة إحدى وست مائة، روى عن ابن المقير وابن الجميزي، وجماعة يطول شرحهم. قال أخي ﵀ أنشدني: رب سهل على فتاتي لتراى ... هل سلا فتاها فتاها علمته جفونها أي سحر ... ما تلاها عن حسنها مذ تلاها وأنشده أيضاً: لولا ثباتي وساتي ... لطرت شوقاً إلى الممات لأني في جوار قوم ... تعصني قربهم وحياتي

стр. 1619

وأنشده أيضاً ﵀ بمصر: منغض العيس لا يأوي إلى دعة ... من كان في بلد أو كان ذا ولد والساكن النفس من لم ترض همته ... مسكني مكان ولم يسكن إلى أحد محمد بن يعقوب بن علي أبو عبد الله فخر الدين المعروف بابن تميم. وهو سبط ابن تميم، أظنه دمشقي الأصل والمولد والمنشأ، ونقل إلى حماة واستوطنها، وخدم صاحبها الملك المنصور ناصر الدين ﵀ جندياً، وكان له به اختصاص وقرب. وكان فاضلاً عاقلاً شجاعاً، كريم الأخلاق، حسن العشرة، وحج إلى بيت الله الحرام، وهو من الشعراء المعدودين في عصره، وتوفي بحماة - رحمه الله تعالى - في هذه السنة. ومن شعره قوله في الحماسة: صبح بنا أرض الفرنج بغارة ... تحوي بها أموالها ورجالها محتادنا قد حرمت أوساطها ... نحو المسير وشمرت أذيالها وقال أيضاً رحمه الله تعالى: كم فارس صاحبته يوم الوغى ... وتركته إذ خانه أقدامه حتى بلغت بحد سيفي موضعاً ... في الحرب لم تبلغ إلى سهامه وقال أيضاً ﵀: دعني أخاطر في الحروب بمهجتي ... إما أموت بها وإما أرزق فسواد عيشي لا أراه أبيضاً ... إلا إذا احمر السنان الأزرق

стр. 1620

وقال أيضاً ﵀: لو كنت تشهدني وقد حمس الوغى ... في موقف ما الموت عنه بمعزل لترى أنابيب القناة على يدي ... تجري دماً تحت ظل القسطل وقال أيضاً رحمه الله تعالى: ألا من مبلغ المحبوب أني ... وقفت وللظبي حولي صليا وأني جلت في جيش الأعادي ... برمحي وهو في فكري يجول وقال أيضاً رحمه الله تعالى: يا قوم قد بلغ قول الحيا ... عني إلى المحب بلا علم من خنجري أطل من سيفي ... ورمحه أقصر من سهمي وقال أيضاً رحمه الله تعالى: لمنجنيق وللحصون وقائع ... فيها عجيب للذي يتفهم يومي إليها بالركوع مخادعاً ... فتخر ساجدة له وتسلم وقال أيضاً رحمه الله تعالى: لا تحقرن قليل السر إن له ... زيادة كضوارم النار في القبس فحرب وائل صرع الباب أسعرها ... وحرب قيس حسها لطمة الفرس وقوله في صفة الرياض والأزهار ونحوه: مولاي قد وافى زمان لم يزل ... بقدومه تستبشر الندماء

стр. 1621

زمن كأن الأرض فيه ألبست ... خلعاً أجادت صنعها صنعاء ....بلحظ عين لا ترى ... إلا غديراً حال فيه الماء وترى بنفسك عزة في دوحة ... إذ فوق رأسك حيث سرت لواء لا تهملن لذاذة الدنيا فقد ... رق النسيم وراقت الصهباء واشرب من الحمراء في مبيضة ... ليحافل الصفراء والسوداء وقال أيضاً رحمه الله تعالى: رعى الله وادي النيرين فإنني ... قضيت به يوماً لذيذاً من العمر درى أنني قد جئته متنزهاً ... فمد لأثوابي بساطاً من الزهر وأقدمني الماء الفراح فحيثما ... سبحت رأيت الماء في خدمتي يجري وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وحديقة بستان فيها جدول ... طرفي برونق حسنه مدهوش تبدو ظلال غصونه في مائه ... فكأنما هو معصم منقوش وقال أيضاً رحمه الله تعالى: لم لا أهيم إلى الرياض وزهرها ... وأقيم منها تحت ظل صافي والغصن يلقاني بثغر باسم ... والماء يلقاني بقلب صافي وقال أيضاً رحمه الله تعالى: شبهت نرجسه أهدي إلي بها ... خلي وقد جئت في التشبيه بالعجب

стр. 1622

كفا من الفضة البيضاء ساعدها ... زمرد حكيت كأساً من الذهب وقال أيضاً رحمه الله تعالى: عاينت ورد الروض يضم خده ... ويقول وهو على البنفسج محنق لا تقربوا وإن تضوع نشره ... ما بينكم فهو العدو الأزرق وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وناعورة شبهتها حين ألبست ... من الشمس ثوباً فوق أثوابها الخضر بطاووس بستان تدور وتنجلي ... وتنفض عن أرياشها ثلل القطر محمود بن الحمصي. كان إماماً عالماً فاضلاً، متقناً بارعاً، فقيهاً عارفاً، ورعاً زاهداً، متقللاً من الدنيا، صاحب معاملات وكرامات، مجاب الدعوات، صحيح الاعتقاد، له الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، صام أربعين سنة بصوم نهارها، ويقوم أكثر ليلها، ثقة حجة، ما أظن حافظيه كتباً عليه سيئة واحدة منذ سلك هذه الطريقة، وكانت بدايته أنه اجتاز بقرية يونين في حال صباه، فزار الشيخ عيسى اليونيني رحمه الله تعالى فلزمه وانتمى إليه، وصحبه إلى أن مات الشيخ رحمه الله تعالى فدخل مدينة بعلبك وأقام بمسجد الحنابلة مكباً على العبادة والاشتغال بالعلم إلى أن أدركته منيته في ليلة الاثنين حادي عشر جمادى الأولى هذه السنة، ودفن من الغد بمقابر باب سطحاء ظاهر بعلبك رحمه الله تعالى.

стр. 1623

السنة الخامسة والثمانون وستمائة إستهلت هذه السنة والخليفة، والملك المنصور سيف الدين قلاوون، والملوك على القاعدة في السنة الخالية، والملك المنصور بالديار المصرية. أخذت الكرك من الملك المسعود نجم الدين خضر ابن الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، ودقت البشائر بدمشق ثلاثة أيام، أولها يوم الجمعة سابع صفر. وحصل في شهر صفر من الرعود والبروق ما خرج عن العادة خصوصاً في الأطراف. وورد كتاب الأمير بدر الدين بكتوت العلائي إلى الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام، ومن مضمونه أنه لما كان يوم الاثنين رابع عشر صفر سنة خمس وثمانين وست مائة وقت العصر حصل بالغسولة إلى عيون القصب غمامة سوداء إلى الغاية، وأرعدت رعداً كثيراً زائداً، وظهر من الغمامة شبه دخان أسود من السماء ومتصل بالأرض، وصور من الدخان صورة أصلها هائلة في مقدار العمد الكبير الذي لا يحضنه جماعة من الرجال، وهي متصلة بعنان السماء يلعب بذنبها، فتتصل بالأرض شبه الزوبعة الهائلة، وصارت تحمل الحجارة الكبار المقادير، وترفعها في الهواء كرمية سهم نشاب وأكثر، وما صادف شيئاً من الأشياء من السيوف، والجواشن، والعدد، والتراكيش، والغشى، والقماش، والشاشات، والنحاس، والأسطال إلا صار طائراً في الهواء كشبه الطيور، ومن جملة ذلك أنه كان في أسطبل بعض الناس خرج ادم ملآن تطابيق نعال بيطارية

стр. 1624

حمله في الهواء والجو كرمية نشاب، ورفع في جملة ما رفعه عدة من الجمال بأحمالها قدر رمح، وحمل جماعة من الجند، والغلمان، وأهلك شيئاً كثيراً من السروج التي صدفها في الرماح. وطحن ذلك إلى أن بقي لا ينتفع به، وأتلف شيئاً كثيراً مما صادفه في طريقه، وأضاع شيئاً كثيراً من العدد والقماش لمقدار ما بقي نفر من الجبد وأصحاب الأمر إلى أن صاروا بغير عدة، ولا قماش، وعاينت تلك الحية عن العين في عنان السماء، فتوجهت في البرية صوب الشرق، والذي عدم من قماش الجند منه ما راح في الغمامة السوداء، ومنه ما أخذه بعض الجند مع أن المملوك ركب بنفسه، ودار في العسكر المنصور، واستعاد كثيراً مما عدم، وبعد هذا عدم ما تقدم ذكره، وهذه الواقعة ما سمع بمثلها أبداً، ثم وقع بعد هذا يسير من مطر، ثم أن اللواحيق الكبار حملها الهواء، وهي منصوبة، وصارت مرتفعة في الجو وحسبنا الله ونعم الوكيل. وفيها وصل تقي الدين توبة إلى دمشق من الديار المصرية متولياً الوزارة بالشام يوم الثلاثاء سلخ ربيع الآخر. وفيها توفي: أحمد بن شيبان بن تغلب أبو العباس بدر الدين الشيباني. مولده سنة ست وتسعين وخمس مائة، وكانت وفاته بسفح جبل قاسيون في نهار الخميس ثامن عشرين صفر، ودفن يوم الجمعة بعد الصلاة ﵀. سمع، وأسمع، وكان رجلاً خيراً، وله نظم، فمنه يمدح قاضي القضاة شمس الدين الحنبلي عند ما ولى سنة أربع وستين وست مائة، قوله:

стр. 1625

شرف الزمان وساد بالإسعاد ... واضت ليالينا بغير زناد ونور شمس الدين شيخ شيوخنا ... مفتي الشريعة أزهد الزهاد سمح الزمان بما نؤمل منكم ... فيكم ترى الأيام كالأعياد أنت الذي أسلكتها سيل الهدى ... وأقمت دنيا ثابت الأوتاد من أبيات له. سمع من حنبل، وابن طبرزد، وأبي اليمن الكندي، وأبي القاسم الحرستاني، وأجز له أبو جعفر الصيدلاني، وأسعد بن روح، وعبد الواحد بن أبي المطهر الصيدلاني، وغيرهم، وقيل إن مولده سنة سبع وتسعين وخمس مائة. خليل بن أبي بكر بن محمد بن صديق أبو الصفاء صفي الدين المراغي الفقيه الحنبلي. توفي بالقاهرة في يوم سابع عشر ذي القعدة، وقد نيف على الثمانين، ودفن من الغد رحمه الله تعالى. وكان فاضلاً، عارفاً بالمذهب، سمع الكثير، وأسمع، واستوطن دمشق ثم توجه إلى الديار المصرية، وأقام بها، وولي نيابة الحكم بالقاهرة مدة رحمه الله تعالى. سعيد بن عمر بن إسماعيل بن مسعود سعد الدين بن الشيخ رشيد الدين أبي حفص الفارقي. كان شاباً فاضلاً، اشتغل على والده، وأتقن عليه فن الأدب، وكان له نظم حسن، فمنه:

стр. 1626

مشوق يا نيل له عليل ... وسوف يا نيل له غليل وصب دمعه يجري مديد ... ولكن ليله ليل طويل ولي رشأ يملكني عزيز ... غرير والمحب له ذليل نأى عني فصد ولا وصال ... يرجى منذ بان ولا وصول فشوقي ضحو طلعته كثير ... وصبري عند جفوته قليل أيا قمراً له قلبي وطرفي ... منازل ما له عنها رحيل ويا شمساً وليس له كسوف ... ويا نجماً وليس له أفول فيا غصناً يملك قلب صب ... فديتك كم على ضعفي تميل طبعت على هواه فكم عذول ... يلوم ولست أدري ما يقول توفي رحمه الله تعالى ليلة الاثنين سابع عشرين المحرم، ودفن من الغد بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى. طاهر بن عمر بن طاهر بن مفرج بن جعفر المصري الشيخ الصالح. كان كثير الزهد والعبادة، والتقلل من الدنيا، واشتغل بالفقه على الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ ولما عرف ما يدعو إليه ضرورته في أمر دينه، انقطع إلى رباط ابن يغمور بالصالحية، وكان من أخص أصحاب الشيخ يوسف الفقاعي ﵀ وأجلهم عنده، وكان له كشف. قال النجم أبو بكر بن شرف ﵀: كنت واقفاً بدرب الوزير أريد الرواح إلى الخواصين، وجيش الإسلام حينئذ قبالة جيش التتار على حمص

стр. 1627

سنة ثمانين وست مائة، وذلك يوم الأحد فمر بي الشيخ الطاهر المذكور، وحدثني ما لم أفهمه لاشتغال خاطري، فقال: كأنك ما فهمت كلامي! قلت: لا والله، قال: كأنك خاطرك مشغول. قلت: ما هو لقلبي ولكل لآخذ أولادي قال: اسمع ما أقول، واعتمد عليه، اليوم أيش هو؟ قلت: يوم الأحد، قال: يوم الجمعة تكون في هذه البلدة بشارة بكسر التتار، وشموع توقد بالنهار، وسماعات، وتكسر التتار كسرة ما كسروا مثلها، فكان كما قال، ثم بات عندي بعد ذلك وانشرح، فسألته عما أخبرني به، قال: هل تراه يقظة أو مناماً؟ فقال: لا في اليقظة ولا في المنام، بل في حالة بينهما تسمى الواقعة تكون للفقراء؛ فسألته عن حقيقتها فنفر وغضب. قال النجم: وكان قال لي مرة: إن بيت هلاكو لا بد أن تكون، وخوارزمية لا يوجد منهم عشرة في مكان. قال: وكان به سعال مزمن فبقي سنين يأخذ في كوز مكسور ماء شعير مبزر من بكرة، يودعه عندي إلى العشاء يأخذه. قال: وأخبرني أنه يثرد فيه كسرة ويفطر عليها. قال النجم: ودخلت مع الشيخ يوسف إلى بيت طاهر بالرباط المذكور، فرأينا بيتاً لم يكنس قط. وقد نسج العنكبوت على حصيره رثة سوداء، فقال الشيخ يوسف: ما أعفشك يا طاهر! ثم خرج طاهر للوضوء. فقال لي الشيخ يوسف: طاهر يموت طيب. وتزوج طاهر امرأة جميلة جداً. وطلقها على كثرة تعجزه عنها، ولم يكن قربها ومات، ولم يعرف أنثى ولا غيرها، ولم يزل على هذا القدم من الاجتهاد وخشونة العيش والتقلل من الدنيا إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى

стр. 1628

في العشر الآخر من شهر رمضان، ودفن عند الشيخ يوسف ﵀ بالرباط اليغموري بسفح قاسيون، وهو في عشر السبعين رحمه الله تعالى. وذكر الشيخ علم الدين البرزالي: أن وفاته كانت ليلة السبت خامس شوال رحمه الله تعالى. عبد الدائم بن أحمد بن عبد الدائم بن نعمة أبو محمد تاج الدين المقدسي الحنبلي. كان كثير الصلاح، والتعبد، والاجتهاد، والتمسك بالكتاب والسنة، وتوفي بجبل قاسيون ليلة الثلاثاء ثالث وعشرين شهر رمضان المعظم، ودفن يوم الثلاثاء بمقبرة الشيخ أبي عمر ﵀، وقد نيف على السبعين ﵀. عثمان بن سعيد بن عبد الرحيم بن أحمد بن تولو أبو عمرو ومعين الدين الفهري. مولده بتنيس سنة خمس وست مائة، وتوفي بمصر يوم الأحد سلخ ربيع الأول، ودفن من يومه بالقرافة الصغرى. سمع القاضي أبا نصر بن الشيرازي وغيره، وله معرفة بالأدب، ويد طولى في النظم، وشعره في غاية الجودة والإتقان، نقلت من خطه قوله بمدح الصاحب زين الدين ابن الزبير فيقول: ماذا على بارق بالغور يأتلق ... لو لم يهج حزن قلب ملؤه حرق ذكرت إذ لاح والذكرى مشوقة ... ثغر السلامي حكاه اللؤلؤ النسق في ذمة الله أيام العقيق وإن ... تملك الليث فيها شادن خرق

стр. 1629

ترنو بألحاظ رئم قط ما رمقت ... فغادرت في البرايا من به رمق أما وأهيف ذي خصر بأعيننا ... كما يشاء الهوى العذري ينطبق تألفت فيه أصداد لها أبدا ... على هواه الخلق تتفق فالخد والثغر ذا جمر وذا برد ... والوجه والشعر ذا صبح وذا غسق ما حلت عن عهد سكان العقيق وهل ... يحول عنهم محب حبه خلق كم زرتهموا في الكرى طيفاً واحسبني ... للسقم لو زرتهم شخصاً لما فرقوا خوفاً عليهم من الواشين لا حذراً ... من بارق للصفاح البيض يأتلق تسطو بها فتية غر سيوفهم ... بيض كأحسابهم مصقولة عنقوا لا أدعي أن جفني سحبة مطرت ... من طول ما رعدوا وجداً وبرقوا لكن سلمى لاح بارقه.... ... فكان من سحب جفني عارض يدق ما للجديدين قد أبلى اختلافهما ... جديد حالي فصبري دائماً خلق ألقى الظلام بصدر غير منشرح ... لما ألاقي وجفن ليس ينطبق وأسأل الشمس عن أخت لها غربت ... فادمعي الدهر في آثارها شفق قلبي وطرفي لنأي السائرين ضحىً ... كلاهما بنقاء منه لا أثق ومن هذا كما شاء الجوى حرق ... وملء ذاك كما شاء البكا أرق حبست دمعي فقالت لوعة غلبت ... لا تحبس الدمع إن الركب منطلق وقلت للقلب صبراً بعد بعدهم ... فقال لي نحن قبل البعد نفترق أشكو إلى الدهر قوماً من بنيه إذا ... محضتهم ود خل مخلص مذقوا

стр. 1630

يهوون موتي وما لي في بلادهم ... والحمد لله لا تبر ولا ورق إني وإن كنت دهري مملقا لفتىً ... لا يعتري طبعه ميل ولا ملق بذي يدٍ كم لها عند الكرام يدا ... من شينها الحر بعد الله يرتزق بأبلج من قريش نور عز به ... مهما تحلى لأعداء الندى صعقوا مولى تولى الورى حفظا ببذل يد ... لها على الوفي كي ترضى الورى حنق من معشر لا يروق المجد غيرهم ... إن الكريم بما ترضى العلا لبق إن الأولى في جدي كفي الحيا اختلفوا ... على جدي كفه الوهابة اتفقوا بنو الزبير كما تهوى مكارمهم ... إن فوضلوا أو سوبقوا سبقوا عزوا منالاً ونالوا كل مكرمة ... أقلها بنواصي النجم معتلق وجه الزمان بيعقوب سليلهم ... كما تشاء المعالي نير شرق حرى على أصلهم جوداً وفاقهم ... والفرع فيه الحياء الطول والورق يا ابن اللاء ينطق العليا إن سكتوا ... عنهم وسكت أهل الفخر إن نطقوا فتحت للناس باب الجود ودمت له ... مجداً حين دست دونه الطرق وليتهم ما تولته الغيوث جدىً ... فكلهم لطلاب الحمد مستبق أرقت كما ينتهى الوفراء في دعة ... كذا محب المعالي طرفه أرق يفديك من كل ما تخشى عواقبه ... خلق لغير الخنا والبخل ما خلقوا تخلقوا بالندى جهلاً أما علموا ... أن التخلق يأتي دونه الخلق

стр. 1631

كم زنت مرتبة رأيتهم زمناً ... وكم قلادة خود زانها عنق أما وجود لياليها وعزتها ... وعرضك المحض كل أبيض يقق وعقدها وثناياها ونظمي في ... مديح مدحك كل لؤلؤ نسق حويت خلقاً وخلقا ضامنين معاً ... صدفي فلست وإن بالغت أختلق قيدتني بحراً أطلقته فكذا ... أصبحت كالجود ما لي عنك منطلق من لم يكن ساكناً في ظل جاهكم ... فقلبه لرزايا دهره قلق لولاكم يا بني عبد الرفيع لما ... أصبحت في خفض عيش سله غرق قال أخي رحمه الله تعالى أنشدني المذكور لنفسه: قلت له إذ غاب عن مقلتي ... في يوم غيم ممطر مدجن لو لم تكن في الحسن شمساً حجبت بالغيم عن الأعين وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وليلة من ليالي البين واحدة ... وددت لو أنها ولت ولم تبن زادت فؤادي فنوناً من صبابته ... بها مطوقة ناحت على فنن ناديتها وكؤوس الشوق دائرة ... والوجد يطربها طوراً ويطربني وإنني بالذي ألقى من حديثتها ... ونوحها بالذي تلقى تحدثني حتى بدا الصبح كالواشي فريع له ... قلب عن بين حالي يخبرني فما رأيت له عن جاهل مثلاً ... ولا رأيت له ميلاً إلى فطن ولا رأيت لئيماً فيه ممتحناً ... ولا رأيت كريماً غير ممتحن طار انتظاري حياً رزق يلين له ... مذموم عيش كما اشتهى خشن

стр. 1632

ديني إلى الرزق فضل كنت أحسبه ... مقدماً لي على غيري فأخرنى ما أصدق القائلين العلم مخرقه ... والجهل والحظ مقرونان في قرن ومن شعره وقد أمر قاضي مصر بقطع أرزاق الشعراء من الصدقات سوى الجزار الشاعر: تقدم القاضي لنوابه ... بقطع رزق البر والفاجر ووفر الجزار من بينهم ... فاعجب للطف التيس بالجازر وقال أيضاً من شعره: يا أهل مصر وجدت أيديكم ... من بسطها بالنوال منقبضه قد عدمت الغذاء عندكم ... أكلت كتبي كأنني أرضه وقال من شعره أيضاً: أما السماح فقد أقوت معالمه ... فما على الأرض من يرجى مكارمه ولا يغرنك من يلقاك مبتسماً ... فربما غر برق أنت شائمه لا تتعب النفس في استخراج راحتها ... من باخل لونه في الجود لائمه أخي المذلة اعزاز لدرهمه ... ويصحب الذل من عزت دراهمه ماذا أقول لدهر عاش جاهله ... ومات فيه بسيف الفخر عالمه

стр. 1633

قد سالم النقص حتى ما يجاز له ... وحارب الفضل حتى ما يسالمه وقال من شعره أيضاً: لم أنسه إذ قال أين تحلني ... حذراً علي من الخيال الطارق فأجبته قلبي فقال تعجبا ... أرأيت ويحك ساكناً في خافق وقال من شعره أيضاً: ذنبي إلى الصفح الجميل وسيلة ... فارحم فتى بذنوبه يتوسل وقال من شعره أيضاً: أعلمت أن الربيع حين دعاكا ... لنزوله جعل الشحون قراكا لما وقفت به تسائل رسمه ... حزناً على رسم الطلول شجاكا محمد بن أحمد أبو عبد الله جمال الدين المعروف بابن يمن العرضي. كان من أكابر رؤساء دمشق، ومن أهل الثروة الطائلة. لم يكن في زمانه من يضاهيه في كثرة المال، وكان كثير التواضع، غزير المروءة، له الصدقات الدائرة سراً، وكان قد أرصد عشرين ألف درهم يقرضها من غير ربح بل درهماً بدرهم لكل من قصد ذلك. ووقف على غلمانه وغيرهم أوقافاً حسنة، وجرى في تركته تخبيط كبير من ولده الشمس خطيب المزة فإنه أثبت أشياء توجب تخصيصه وحرمان أخواته، فصودر، وعكس في مقصوده، وذهب لوالده من الدفائن ما لا يحصى. ولم ينتفع بشيء مما خلفه أبوه، وهلك بعده بمدة يسيرة، وكانت وفاة والده يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة

стр. 1634

هذه السنة أعني سنة خمس وثمانين وست مائة بداره، ودفن بسفح قاسيون بتربة ابن نظيف المطلة على الجامع المظفري بسبب زوجته فإنها من ذرية ابن نظيف، ودفنت عنده رحمهما الله تعالى. محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سمحان أبو بكر جمال الدين الوائلي البكري الشافعي الشريشي. كان إماماً عالماً فاضلاً زاهداً ورعاً، طلب للقضاء بدمشق عوض الشيخ زين الدين الزواوي فامتنع، وكان من أعيان العلماء وأكابر المحدثين، ومولده بشريش بلدة بقرب إشبيلية من بلاد الأندلس سنة إحدى وست مائة، وتوفي إلى رحمة الله تعالى يوم الاثنين ثامن عشر رجب سنة خمس وثمانين وست مائة بالصالحية برباط الملك الناصر، وهو شيخه يومئذ. ودفن بسفح قاسيون تجاه الرباط الناصري يوم الثلاثاء، وكان مالكي المذهب، وله معرفة بالأدب، وله يد في النظم. وقال ﵀ ورضي عن سلفه الصالح: لما أتى شهر رمضان الكائن سنة أربعين وست مائة، وأنا بدمشق حرسها الله تعالى أردت أن أريح نفسي من كد المطالعة والتكرار. وأصرف همتي إذ كنت كثير البطالة إلى المواظبة على نوافل الصلوات والأذكار، فحين شرعت في ذلك وجدت في قلبي قسوة. ورأيت في صارم عزيمتي عن المضاء فيها نبوة، وقدت نفسي إلى العبادة بزمام الحرص، فحزنت وما انقادت، وضربتها بسوط الاجتهاد، فمادت على جرانها بل زادت، فلما رأيت ذلك منها، علمت أن داءها صار عضالاً،

стр. 1635

وأن ما رمته من الهدى، صار ضلالاً، فسألت عن عالم بهذه الأمور خبير، وطبيب بدواء هذه العلة الدواء، فدللت على أوحد دهره وأفضل علماء عصره أحسنهم هدياً وسمتاً. وأروعهم نطقاً وصمتاً. وأوسعهم في جميع العلوم علماً، وأنعتهم في كل المعاني فهماً. وهو شيخنا العلامة سيد القراء، وحجة الأدباء، وعمدة الفقهاء، وقدوة الفضلاء، علم الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي، فكتبت إليه بهذه الأبيات المبهرجة عند الامتحان العاطلة من حلي الإجادة والإحسان، أشكو إليه فيها بثي وحزني، وما استولت عليه هذه النفس العدوة مني، وأسأله كيف خلاص أسيرها من وثاقه، وكيف السبيل إلى هربه من جورها وإباقه، وهي هذه: أيا عالماً في الناس ليس له مثل ... وحبراً على الأحبار أضحى له الفضل أيا عالم الدين الذي ظل علمه ... بحوراً عذاباً منه يغترف الثكل لقد حزت بين الأنام فضائلاً ... فمنها التقى والعلم والخلق السهل وهديك هدى الصالحين ذوي الهدى ... وصيتك في المعروف ليس له مثل تعلم دين الله ثم كتابه ... على سنن الماضين أهل الهدى قبل نهارك تقريه لمن جاء قارئاً ... وليلك في التهجيد أجمعه يتلو فأنشأ ربي في حياتك أنها ... حياة لها نفع من الخير ما يخلو وبعد فإنني ذاكر لك سيدي ... أموراً قد أعيتني وعندي لها ثقل ولا بد من شكوى إلى ذي بصيرة ... يربك سبيل الرشد إن حادت السبل فأصغ إلى قولي أبث صبابتي ... إليك وأحزاني فقد مضني الكل

стр. 1636

أخي ما لقلبي قد قسا فكأنما ... عليه لذي وعظ وتذكرة قفل فلا هو القرآن يخشع إن تلا ... ولا لأحاديث أتتنا بها الرسل ولا يرعوى يوماً إلى وعظ واعظ ... ولا عذل ينهي وإن كثر العذل يسوف بالطاعات مهما أردتها ... ويشرع في العصيان وللغي ما يسلو وما ضعيف العزم في الجد هازلاً ... مجداً قوي العزم مهما بذ الهزل جبان عن الطاعات وقت حضورها ... وإن حضر العصيان فالبطل الفحل وكل عباداتي رياء وسمعة ... مشوب جميع القول فيهن والفعل فإن رمت صوماً كان لغواً جميعه ... وعند صلاتي يعتري السهو والخبل وكل الذي أتى من العرف منكر ... فماذا دهى عقلي أليس له عقل فلا العقل يهديني ولا العلم رافعي ... بلى ليس ذا علماً ولكنه جهل ولي أسأل الله الصلاح نفيسة ... ذليلة ليس يسيء لها الذل تريد المعالي وهي لبست من أهلها ... ومن ضل يهوى في الخصيص متى يعلو إلى الله أشكوها أريد صلاحها ... وتبغي فسادي بئس ما اختلف الفعل إذا قلت يا نفسي إلى الله فارجعي ... تراجعني في القول من عنده الكل فإن شاء يهديني اهتديت وإن ... يشاء يضل فمن ربي الهداية والعدل وإن قلت للجنات والحور فاعملي ... تقل لي وهل معطي الجنان هو الفعل بل الله يعطيني الجنان تفضلاً ... فمن ربي الإحسان والجود والبذل وإن قلت خافي من أليم عقابه ... ومن ناره قالت له العفو والفضل وقد قهرتني ثم أصبحت عبدها ... أسيراً أخا قيد وفي عنقي غل

стр. 1637

فكل الذي تبغيه مني حاصل ... وما أبتغي منها فمن دونها المطل تريد الذي لا أستطيع لحظها ... وبعض الذي تبغيه أيسره القتل تكلفني بذلي إلى الناس مهجتي ... وما عند حر بذل مهجته سهل فكيف خلاصي يا أخي من وثاقها ... وهل لأسير النفس من قيدها حل فوا أسفي لهفي لما بي لقد وهت ... قوى حيلتي وانسد بي وجهة السبل لقد خبت إن لم يدركني بلطفه ... ورحمته رب له اللطف والفضل وها أنا مستهد فكن لي راشداً ... أبا حسن فالرشد أنت له أهل ولا زلت تهدي للرشاد سبيله ... على منهج عدل فأنت الرضى والعذل وأبقاك رب الخلق تحيي كتابه ... مدى الليل والأيام تتليه وتتلو فنحن إذا أبقاك للدين ربنا ... بخير وتحيي الفرض في العلم والنقل قال الشيخ جمال الدين منشئها رحمهما الله تعالى: فكتب إلي رحمة الله عليه على كبره وضعفه مجيباً بهذه الأبيات التي حوت معاني رائقة، ولفظاً عجيباً، وهو يشكو ما شكوته، ويرجو من عفو ربه وغفرانه ما رجوته وهي: إلى الله أشكو ما شكوت من اللتي ... لها عن هدى عدل وليس لها عدل تجور عن التحقيق جوراً أخي عمى ... وقد وضحت منه لسالكها السبل وكيف أرجى أن يتوب وللهوى ... عليها يد سلطانه ما له عزل إلى غير مولاها توجه في الذي ... تريد وتخشى والخضوع له ذل وقد سترت عنها العيوب فما لها ... بما هي فيه خبرة لا ولا عقل وليس لها في طاعة الله لذة ... لقسوتها لا الفرض ترجى ولا النفل

стр. 1638

إلى باطل تجري وإن كان متعباً ... وما خف من حق ففيه لها ثقل تعيب بما يأتي سواها كأنه ... لهم من قبيح النقص وهو لها فاضل وتستبعد الموت الذي هو نازل ... وفي طلب الآمال عنه لها شغل لها ظاهر ترضى بتزيينه الورى ... وعند الإله ليس يرضى لها فعل تريد نعيماً منه أخرج آدم ... بذنب وأني للعصاة لها نزل تحيل على المقدور في ترك طاعة ... فما بالها في الرزق ليس لها مهل تعز بإطراء الأنام ومدحهم ... ولم يخف عنها أن أقوالهم بطل تديم احتقار الناس نعياً كأنها ... على شامخ تعلو ومن دونها سفل وتكذب إن قالت وتغضب تارة ... وتحرص أحياناً ومن شأنها البخل تمن بما تعطي وإن كان تافهاً ... وتذكر معروفاً ومعروفها قل بذلت لها نصحي وحاولت رشدها ... وبالغت في عذلي فما نفع العذل فناولتها حبل التقى فتقاعست ... إلى أن نفانا العمر وانقطع الحبل وأرسل رب الدار يطلب ثقلها ... وليس لها زاد وقد أعجل النقل ونادى منادٍ يا مضيع حظه ... مما كان من تفريطه فله الثكل فيا ويحها إن لم تسامح بعفوه ... ويا ويلها إن لم تجد من له البذل أتبغي أبا بكر هدى عند مثلها ... وأنت الذي أضحى وليس له مثل حفظت كتاب الله ثم قرأته ... بأقوال مأمون به ختم الرسل ومثلك يرجى أن يعمر برهة ... فدونك فاغنمها فأنت له أهل ولست كمثلي ذا ثمانين حجة ... بها فاتت الأيام وانقطع الوصل

стр. 1639

ولم للتأخير وجه وهكذا ... متى انتهت الآجال لم يسع الأجل وأدنى الورى من رحمة الله مذنب ... أتى ما له في الخير عقد ولا حل فقيراً ذليلاً جائراً متذللاً ... عرياً من التقوى كما جرد النصل لدى ملك بر غفور لمن جنى ... ولم يعلم الغفران لم يكن جهل وإن يكن السوأى فذلك عدله ... وإن تكن الحسنى فإحسانه جزل قال الشيخ جمال الدين ﵀: أنشدنيها في شهر رمضان المعظم في الخامس والعشرين منه سنة أربعين وست مائة. قال الشيخ جمال الدين المذكور: ولما كانت الليلة السابعة والعشرين من هذا الشهر المبارك، وكانت ليلة الجمعة، حضرت فيها ختمة للكتاب العزيز بدار الحديث الأشرفية عند أوحد زمانه، وعلامة عصره وأوانه، الحبر الذي جمع أنواع العلوم ووعاها، ورقى في مراتب التحقيق إلى ذراها، العالم الذي قرن بعلمه العمل الخالص، ونصح في الله تعالى ليالي يوم القيامة، وهو من التبعات خالص، إمام آتاه الله علماً وحلماً، ورزقه في جميع الأمور بصيرة وفهماً، إن تفقه، ترك عند فقهه فقه أبي العباس بن شريح، وإن حدث نسي عند حديثه حماد بن زيد، وعبد الملك بن جريج مع جماعة كثيرة من أفاضل العلماء وسادة أخيار من أكابر الصلحاء، فقد تنورت بنور اليقين والإخلاص قلوبهم، وتجافت من خوف الله عن المضاجع جنوبهم، وصرفوا هممهم إلى أعمال الطاعة، وليس لهم عمل إلا فعل خير أو سماعه، فباتوا ليلتهم جميعها في صلاة، وخشوع، وتضرع إلى ربهم، وخضوع قد قسموها بين صلاة

стр. 1640

ذات تسبيح وتحميد، وقراءة ذات ترتيل وتجويد، يتقربون إلى الله تعالى في كلامه بالترتيل، ويجازون في تنزيهه بالتسبيح والتهليل، وكانت ليلة معتدلة هواءها بالأنوار، أرجاءها قد أزهرت مصابيحها ونجومها، واعتدل حتى طاب نسيمها، ولو لم يكن فيهم إلا من هو لنفسه ناصح، ولم يرتفع لهم في تلك الليلة إلا عمل من الله صالح، فلما ختموا الكتاب العزيز، ولصدورهم بالبكاء أزيز، وافق فراغهم للوقت الذي فيه ربنا إلى السماء ينزل فيستجيب لمن دعاه، فيتعطف عليه ويقبل دعاءه، إذ ذاك أخذ الحاضرون بدعاء خاشع القلب حزين دعاء ذرفت منه العيون، ووجلت منه القلوب، ورقت بعد قسوتها حتى كادت تذوب، ورجى الله تعالى بالتأمين يديه، وأسبل دموعه على خديه، فلما رأيت ما كان من جمعهم، وما صدر من جميل صنعهم، لم أشك أن الله قد استجاب دعاءهم، وحقق ظنهم به ورجاءهم، وغلب على ظني أنها ليلة القدر التي جعلها الله خيراً من ألف شهر، ففرحت إذ بت في هذه الليلة المباركة وأنا سهيرهم وأنيسهم، ورجوت أن يغفر الله لي بهم، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، فعند ذلك جرت على لساني هذه الأبيات من غير فكر ولا روية، فجاءت غير مستحسنة ولا مرضية، ولولا ما جرى فيها من ذكر الحال، كان أن يكتم أولى من أن يقال، وهي: يا ليلة طاب فيها الذكر والسهر ... ولد للقارئ الآيات والسور يجلو دجاها مصابيح منورة ... كأنها أنجم في جوفها زهر

стр. 1641

لانت قلوب بذكر الله قاسية ... فيها ومن قبل كانت دونها الحجر واستشعر القلب خوف الله وانسفحت ... فيها الدموع على الخدين تنهمر في جمع صدق لدى الرحمن قد ضرعوا ... يبكون خوفاً وبالقرآن قد جهروا فلست تبصر إلا خائفاً وجلاً ... ذا عبرة لرضى الرحمن ينتظر في ليلة الجمعة الغراء مشرقة ... تضيء نوراً ولم يطلع لها قمر تمت بها السبع والعشرون وافية ... من الصيام الذي قد صامه البشر رجوتها ليلة خيراً لذي عمل ... من ألف شهر وفيها الذنب يغتفر فقمت أدعو إلى الرحمن مبتهلاً ... فإنه لعظيم الذنب يغتفر كان الشيخ جمال الدين الشريشي رحمه الله تعالى جامعاً لعلوم كثيرة، منفرداً بها كالنحو، وفنونه من علم التصريف، والعروض، والقوافي، والأصول وفنونه، والتفسير، والفقه على مذهب الإمام مالك، والاستقلال به علماً وإتقاناً، وإفادة لكل من قصده فيها، وكان أحد أفراد الزمان في العلم، لم يكن في زمانه مثله علماً وعملاً، وكان متضلعاً في معرفة الأدب معانيه، ومبانيه، وبديعه، وله الاستقلال بالنظم البديع، والنثر الصنيع، مع المشاركة في غير ذلك كالحديث النبوي، وأسماء رجاله، والكلام على صحيحه وضعيفه، وأحكامه، وله في ذلك التصانيف الفائقة، منها: شرح الألفية لابن معطى مجلدان، وفي أصول الفقه، وكان علماء عصره مجتمعين على علمه وعمله، واستقلاله بالعلوم الإسلامية، وكان حسن المناظرة، مليح المذاكرة، حسن العشرة، كثير الإنصاف، غزير الديانة، واسع الفضيلة،

стр. 1642

له الحرمة الوافرة عند الملوك فمن دونهم. ولما ورد دمشق في سنة ست وخمسين وست مائة، أقبل عليه الملك الناصر يوسف ﵀ إقبالاً عظيماً، وفوض إليه مشيخة الرباط الذي بناه بالجبل. وكان كثير الاحترام له، والإقبال عليه، حتى أنه يحضر إليه، ويبادر معه ويقول: ما جعلناه شيخاً في هذا المكان إلا لنخدمه لا ليخدمنا. ولم يزل مباشره إلى أن توفي. لكن سافر إلى القدس وهو متوليه بعد الستين وست مائة، وتولى بالقدس مواضع. وتنقل في الديار المصرية، والحجازية، والحلبية: ثم عاد إلى دمشق، وباشر الرباط، وكان به من يقوم مقامه، فلم يزل مباشره حتى مات. وكان كثير الاعتناء بالحديث، رحل بسببه إلى البلاد، وأخذ الناس عنه، وانتفع به جماعة من العلماء، وسمع بالإسكندرية من محمد بن عماد الحراني وغيره، وبدمشق من أبي نصر بن الشيرازي ومكرم بن أبي الصقر، وبحلب من ابن يعيش النحوي، وباربل من الفخر الإربلي، وببغداد من أبي الحسن القطيعي، وابن روزبه، وابن سهرور، وابن اللتي، وابن السباك، ونصر بن عبد الرزاق الحنبلي، وقدم دمشق وطلب للقضاء فامتنع زهداً، وبقي المنصب شاغراً لأجله إلى أن مات ﵀. محمد بن عبد المنعم بن محمد أبو عبد الله الأنصاري الشافعي الصوفي

стр. 1643

شهاب الدين المعروف بابن الخيمي الشاعر المجيد المشهور، والأديب الفاضل المبرز على نظرائه، والمتقدم على شعراء بلده مع مشاركة في كثير من العلوم، مولده في سنة اثنتين وست مائة، وتوفي بمشهد الحسين ﵁ بالقاهرة في التاسع والعشرين من شهر رجب، ودفن بسفح المقطم، روى عن عتيق بن باقا وعن أبي عبد الله بن عبدون، وسمع من ابن البناء وغيره، وحدث. وكان يعاني الخدم الديوانية، ونظمه كثير، فمن ذلك قوله: قسماً بكم يا جيرة البطحاء ... ما حال عما تعهدون وفائي حبي لكم حبي وشوقي نحوكم ... شوقي وأدوائي بكم أدوائي ما خانكم كلفي ولا نسيتكم ... روحي ولم يعهدكم أهوائي وجدي بكم مجدي وذل عزتي ... والافتقار إليكم استغنائي يا أهل ودي يا مكان شكايتي ... يا عز ذلي يا ملاء رجائي كيف الطريق إلى الوصال فإنني ... في ظلمة التفريق في عمياء ما ضركم إن تنقلوا بوصالكم ... سري من الضراء والسراء روحي تدور على الورد نظماً وقد ... حباتكم تمشي على استحياء أشكو عليلاً ليس يملك زيه ... برد النسيم ولا زلال الماء لم يزرني إلا ضريح وصالكم ... فصبابتي لن ترو بالإيماء قد حل حبكم عقود مدامعي ... وأجاد في أحكام عقد ولائي

стр. 1644

وإذا بكيت فمن سروري بالذي ... فيكم بلغت من الغرام بكائي وقال أيضاً ﵀: يا مطلباً ليس لي في غيره أرب ... إليك آل التقضي وانتهى الطلب وما طمحت لمرأى أو لمستع ... إلا لمعنى إلى علياك ينتسب وما أراني أهلاً أن تواصلني ... حسبي علواً فإني فيك مكتئب لكن تنازع شوقي ناره أربي ... فاطلب الوصل لما يضعف الأرب ولست أبرح في الحالين ذا قلق ... باد وشوق له في أضلعي لهب وناظر كلما انكفت بأدمعه ... صوناً بحبك يعصيني وينكسب ويدعي في الهوى دمعي مقاسمتي ... وجدي وحزني وبحري وهو مختضب كالطرف يزعم توحيد الحبيب ولا ... يزال في ليله للنجم يرتقب يا صاحبي قد عدمت المسعدين فساعدي على وصبي لأمسك الوصب تالله إن جئت كثباناً بذي سلم ... قف بي عليها وقل لي هذه الكثب ليقضي الحر في أجراعها وطراً ... من تربها ويؤدي بعض ما يجب ومل إلى البان من شرقي كاظمة ... فلي إلى البان من شرقها طرب وخذ يميناً لمغنى يهتدي بشذى ... نسيمة الرطب إن ظلت بك النجب حيث الهضاب وبطجاها بروضها ... دمع المحبين لا الأنداء والسحب أكرم به منزلاً تحميه هيبته ... عني أونواره لا السمر والقضب دعني أعلل نفساً عز مطلبها ... فيه وقلباً لعذر ليس ينقلب

стр. 1645

ففيه عاهدت قد ما حب من حسنت ... به الملاحة واغترت به الرتب دان وأدنى وعز الحسن يحجبه ... عني وذلي والإجلال والرهب أحيى إذا مت من شوقي لرؤيته ... لأنني لهواه فيه منتسب ولست أعجب من جسمي وصحته ... من صحتي إنما سقمي هو العجب يا لهف نفسي لو يجدي تلهفها ... غوثاً وواجزنا لو ينفع الحرب يمضي الزمان وأشواقي مضاعفة ... يا للرجال ولا وصل ولا سبب هبت لنا نسمات من ديارهم ... لم يبق في الركب من لا هزه الطرب كدنا نظهر سروراً من تذكرهم ... حتى لقد رقصت من تحتنا النجب يا بارقاً بأعلى الرقمتين إذا ... لقد حلبت ولكن فاتك الشنب أما خفوق فؤادي فهو عن سبب ... وعن جفونك لي ما هو السبب ويا نسيماً سرى من جو كاظمة ... بالله قل لي كيف البان والغرب وكيف جيرة ذاك الحي هل حفظوا ... عهداً أراعيه إن شطوا وإن قربوا أم ضيعوا ومرادي منك ذكرهم ... هم الأحبة إن أعطوا وإن سلبوا ولما نظم شهاب الدين هذه القصيدة بلغت الأديب نجم الدين محمد بن إسرائيل المقدم ذكره في هذا الكتاب فادعاها. حكى لي صاحبنا الموفق عبد الله ابن عمر ﵀ أن ابن إسرائيل وابن الخيمي اجتمعا بعد ذلك بحضرة جماعة من الأدباء، وجرى الحديث في الأبيات المتقدمة، فأصر ابن إسرائيل

стр. 1646

على أنه ناظمها، فتحاكما إلى الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض ﵀ وهو المشار إليه في معرفة الأدب، ونقل الشعر في ذلك الوقت، فقال: ينبغي لكل واحد منكما أن ينظم أبياتاً على هذا الوزن والروى ليستدل بها، فنظم ابن الخيمي هذه الأبيات: لله قوم بجرعاء الحمى غيب ... حنوا علي ولما أن حنوا عتبوا يا قوم هم أخذوا قلبي فلم سخطوا ... وأنهم غضبوا عيشي فلم غضبوا هم الكريب بنجد منذ أعرفهم ... لم يبق لي معهم مال ولا نسب شاكون للحرب لكن من قدودهم ... وفاترات اللحاظ السمر والقضب عهدت في دمن البطحا عهد هوى ... إليهم وتمادت بيننا حقب فما أضاعوا قديم العهد بل حفظوا ... لكن لغيري ذاك العهد قد نسبوا من منصفي من لطيف فيهم غنج ... لدن القوام لاسرايل ينتسب مبدل القول ظلماً لا يفي بمواعيد الوصال ومنه الذنب والغضب في لثغه الراء منه صدق نسبته ... والمن منه يزور الوعد والكذب موحد فيرى كل الوجود له ملكاً ... ويبطل ما يقصي به النسب فعن عجائبه حدث ولا حرج ... ما ينتهي في المليح المطلق العجب بدر ولكن هلالاً لاح إذ هو بالوردى من شفق الخدين منتقب في كأس مبسمه من حلو ريقته ... خمر ودر ثناياها بها خبب

стр. 1647

فلفظه أبداً سكران يسمعنا ... من معرب اللحن ما ينشى لها الأدب تجنى لواحظه فينا ومنطقه ... جناية تجتني من مرها الطرب قد أظهر السحر في أجفانه طرباً ... البرء منه إذا ما شاء والعطب حلو الأحاديث والألفاظ ساحرها ... يلقى إذا نطق الألواح والكتب فداؤها ما جرى في الدمع من مهج ... وما جرى في سبيل الحب محتسب ويح المتيم شام البرق من اضم ... فهزه كاهتزاز البارق الحرب وانسكف البرق من وجد ومن كلف ... من قبله فهو في الأحشاء به لهب فكلما لاح منه بارق بعثت ... قطر المدامع من أجفانه سحب وما أعادت نسمات الغوار له ... أخبار ذي الائل إلا هزه الطرب واهاً له أعراض الأحباب عنه وما ... أخذت رسائله الحسنى ولا القرب ونظم نجم الدين محمد بن إسرائيل قوله: لم يقض من حبكم بعد الذي يجب ... قلب متى ما جرى تذكاركم يجب ولي دمى لرسم الدار بعدكم دمع ... متى جاد صيب بالحيا السحب أحبابنا والمنى تدني مزاركم ... وربما حال من دون المنى الأرب ما رأيكم من حياتي بعد بعدكم ... وليس لي في حياة بعدكم أرب قاطعتموني فأجراني مواضلة ... وحلتم محلاً لي فيكم التعب ويا نسيماً سرى والعطر يصحبه ... أحرت حين مشين الخرد العرب

стр. 1648

أقسمت بالمقسمات الدهر يحجبها ... سمر العوالي والهندية القضب لكدت تشبه برقاً من ثغورهم ... بادر دمعي لولا الظلم والشنب وجيرة جار فينا حكم معتدل ... منهم ولم يعتبوا لكنهم عتبوا ما حيلتي قربوني من محبتهم ... وحال دونهم التقريب والخبب وعرضت القصيدتان على الشيخ شرف الدين بن الفارض، فأنشد مخاطباً لابن إسرائيل بيت ابن الخيمي، وهو: لقد حليت ولكن فاتك الشنب وحكم بالقصيدة الأولى لابن الخيمي، واستحسن بعض الحاضرين أبيات ابن إسرائيل، وقال: من ينظم مثل هذه! ما الحامل له على إدعاء ما ليس له؟ فقال ابن الخيمي: هذه سرقة عادة لا سرقة حاجة، وانفصل على ذلك، وسافر ابن إسرائيل لوقته من الديار المصرية. هذا مضمون حكاية الموفق ﵀. محمد بن يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح أبو عبد الله محيى الدين الحراني المعروف بابن الصيرفي. مولده سنة ست وعشرين وست مائة، وتوفي بدمشق يوم السبت لليلتين خلتا من ذي الحجة، ودفن يوم السبت بمقابر باب الفراديس ﵀. كان عنده فضيلة، وحسن عشرة، وعلى ذهنه من الأشعار، والحكايات، وأخبار الناس، والتواريخ قطعة صالحة. سمع الكثير من صغره، وفي حال كبره، وتولى عدة جهات، وكان له حرمة، ومكانة، وملازمة للأمير افتخار الدين وولده الأمير ناصر الدين

стр. 1649

رحمه الله تعالى وتوكل للأمير علم الدين سنجر أمير خازندار الملك الظاهر وغيره ﵀. يوسف بن محمد بن عبد الله أبو الفضائل مجد الدين المعروف بابن المهتار. مولده في حدود سنة عشر وست مائة، وتوفي بمسجده داخل باب الفراديس بدمشق بعد الظهر من يوم الاثنين تاسع ذي القعدة، ودفن يوم الثلاثاء بمقبرة باب الفراديس رحمه الله تعالى. كان رجلاً حراً أديباً، يكتب خطاً منسوباً، وجود عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وسمع الكثير، وأسمع، وكف بصره قبل وفاته بمدة رحمه الله تعالى، ومن شعره: تعالى الإله الواحد الصمد الفرد ... العليم بما يخفى من العبد أو يبدو له المثل الأعلى على كل خلقه ... فليس له قبل وليس له بعد سميع إذا دبت على الضحر نملة ... وينظر في الظلماء ما هو مسود كريم حليم راحم متعطف ... فظن به الإحسان يا أيها العبد فمن مثل مولى يغفر الذنب كلما ... عصيت إذا استغفرته فله الحمد يوسف بن يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحيم بن الوليد بن القاسم بن عبد الرحمن بن أبان بن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي العثماني الشافعي أبو الفضائل قاضي القضاة بهاء الدين بن قاضي القضاة محي الدين بن قاضي القضاة مجير الدين أبي المعالي بن قاضي القضاة زكي الدين أبي الحسن بن

стр. 1650

قاضي القضاة منتخب الدين أبي المعالي. مولده سنة أربعين وست مائة، وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر ذي الحجة، ودفن بتربتهم المعروفة بسفح قاسيون، كان إماماً عالماً فاضلاً محجاجاً، مناظراً في سائر العلوم الإسلامية، لم يكن له في وقته نظير مع صغر سنه، جمع الله تعالى له في صغر السن حسن الشكل وشرف البيت والفضيلة التي لم تكن في غيره في زمانه ما كان عليه من اللطافة في المحاضرات، وإيراد الأشعار الفائقة الكثيرة من أشعار العرب، وأشعار المتأخرين، والحكايات الغريبة، وإذا أنشد أحد بحضرته بيتاً يستشهد به على شيء من المسائل اللغوية، أنشد هذه القصيدة بكاملها بأحسن إيراد، وكمل ذلك بمكارم الأخلاق، وكرم النفس وطلاقة الوجه، وحسن المحاضرة، وكثرة الديانة، وكان مدرساً بمدارس والده المشهورة، وكان قيماً بدروسها حفظاً، ومناظرة، وبحثاً على اختلاف علومها، وكان كثير الاشتغال لم يتفرغ لحفظ الدروس إلا في طريق الميدانية عند عبوره البلد، يطالع كل درس مرتين أو مرة وهو راكب فتعلق بذهنه، ويورده آخر إيراد، وهذا لم يعهد لغيره، وكان مقصوداً بالفتاوي من سائر الأقطار، وترجح وتفنن بالدليل القاطع، ويقوي بعض الأوجه الضعيفة في المذهب ويفتي بها، ويسأل من يناظره فيها، وكان فقهاء البلد ومشايخه في سائر العلوم فقهاء عنده في مدارسه، ولا يقدر أحد على مجازاته في بحوثه، وكان فاق رجال زمانه في العلوم العقلية، فإنها أتقنها على القاضي الإمام كمال الدين عمر التفليسي لما كان بمصر عند والده، وقال
следующие страницы →