← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 1646–1675 · переход к 1651.

стр. 1646

على أنه ناظمها، فتحاكما إلى الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض ﵀ وهو المشار إليه في معرفة الأدب، ونقل الشعر في ذلك الوقت، فقال: ينبغي لكل واحد منكما أن ينظم أبياتاً على هذا الوزن والروى ليستدل بها، فنظم ابن الخيمي هذه الأبيات: لله قوم بجرعاء الحمى غيب ... حنوا علي ولما أن حنوا عتبوا يا قوم هم أخذوا قلبي فلم سخطوا ... وأنهم غضبوا عيشي فلم غضبوا هم الكريب بنجد منذ أعرفهم ... لم يبق لي معهم مال ولا نسب شاكون للحرب لكن من قدودهم ... وفاترات اللحاظ السمر والقضب عهدت في دمن البطحا عهد هوى ... إليهم وتمادت بيننا حقب فما أضاعوا قديم العهد بل حفظوا ... لكن لغيري ذاك العهد قد نسبوا من منصفي من لطيف فيهم غنج ... لدن القوام لاسرايل ينتسب مبدل القول ظلماً لا يفي بمواعيد الوصال ومنه الذنب والغضب في لثغه الراء منه صدق نسبته ... والمن منه يزور الوعد والكذب موحد فيرى كل الوجود له ملكاً ... ويبطل ما يقصي به النسب فعن عجائبه حدث ولا حرج ... ما ينتهي في المليح المطلق العجب بدر ولكن هلالاً لاح إذ هو بالوردى من شفق الخدين منتقب في كأس مبسمه من حلو ريقته ... خمر ودر ثناياها بها خبب

стр. 1647

فلفظه أبداً سكران يسمعنا ... من معرب اللحن ما ينشى لها الأدب تجنى لواحظه فينا ومنطقه ... جناية تجتني من مرها الطرب قد أظهر السحر في أجفانه طرباً ... البرء منه إذا ما شاء والعطب حلو الأحاديث والألفاظ ساحرها ... يلقى إذا نطق الألواح والكتب فداؤها ما جرى في الدمع من مهج ... وما جرى في سبيل الحب محتسب ويح المتيم شام البرق من اضم ... فهزه كاهتزاز البارق الحرب وانسكف البرق من وجد ومن كلف ... من قبله فهو في الأحشاء به لهب فكلما لاح منه بارق بعثت ... قطر المدامع من أجفانه سحب وما أعادت نسمات الغوار له ... أخبار ذي الائل إلا هزه الطرب واهاً له أعراض الأحباب عنه وما ... أخذت رسائله الحسنى ولا القرب ونظم نجم الدين محمد بن إسرائيل قوله: لم يقض من حبكم بعد الذي يجب ... قلب متى ما جرى تذكاركم يجب ولي دمى لرسم الدار بعدكم دمع ... متى جاد صيب بالحيا السحب أحبابنا والمنى تدني مزاركم ... وربما حال من دون المنى الأرب ما رأيكم من حياتي بعد بعدكم ... وليس لي في حياة بعدكم أرب قاطعتموني فأجراني مواضلة ... وحلتم محلاً لي فيكم التعب ويا نسيماً سرى والعطر يصحبه ... أحرت حين مشين الخرد العرب

стр. 1648

أقسمت بالمقسمات الدهر يحجبها ... سمر العوالي والهندية القضب لكدت تشبه برقاً من ثغورهم ... بادر دمعي لولا الظلم والشنب وجيرة جار فينا حكم معتدل ... منهم ولم يعتبوا لكنهم عتبوا ما حيلتي قربوني من محبتهم ... وحال دونهم التقريب والخبب وعرضت القصيدتان على الشيخ شرف الدين بن الفارض، فأنشد مخاطباً لابن إسرائيل بيت ابن الخيمي، وهو: لقد حليت ولكن فاتك الشنب وحكم بالقصيدة الأولى لابن الخيمي، واستحسن بعض الحاضرين أبيات ابن إسرائيل، وقال: من ينظم مثل هذه! ما الحامل له على إدعاء ما ليس له؟ فقال ابن الخيمي: هذه سرقة عادة لا سرقة حاجة، وانفصل على ذلك، وسافر ابن إسرائيل لوقته من الديار المصرية. هذا مضمون حكاية الموفق ﵀. محمد بن يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح أبو عبد الله محيى الدين الحراني المعروف بابن الصيرفي. مولده سنة ست وعشرين وست مائة، وتوفي بدمشق يوم السبت لليلتين خلتا من ذي الحجة، ودفن يوم السبت بمقابر باب الفراديس ﵀. كان عنده فضيلة، وحسن عشرة، وعلى ذهنه من الأشعار، والحكايات، وأخبار الناس، والتواريخ قطعة صالحة. سمع الكثير من صغره، وفي حال كبره، وتولى عدة جهات، وكان له حرمة، ومكانة، وملازمة للأمير افتخار الدين وولده الأمير ناصر الدين

стр. 1649

رحمه الله تعالى وتوكل للأمير علم الدين سنجر أمير خازندار الملك الظاهر وغيره ﵀. يوسف بن محمد بن عبد الله أبو الفضائل مجد الدين المعروف بابن المهتار. مولده في حدود سنة عشر وست مائة، وتوفي بمسجده داخل باب الفراديس بدمشق بعد الظهر من يوم الاثنين تاسع ذي القعدة، ودفن يوم الثلاثاء بمقبرة باب الفراديس رحمه الله تعالى. كان رجلاً حراً أديباً، يكتب خطاً منسوباً، وجود عليه خلق كثير، وانتفعوا به، وسمع الكثير، وأسمع، وكف بصره قبل وفاته بمدة رحمه الله تعالى، ومن شعره: تعالى الإله الواحد الصمد الفرد ... العليم بما يخفى من العبد أو يبدو له المثل الأعلى على كل خلقه ... فليس له قبل وليس له بعد سميع إذا دبت على الضحر نملة ... وينظر في الظلماء ما هو مسود كريم حليم راحم متعطف ... فظن به الإحسان يا أيها العبد فمن مثل مولى يغفر الذنب كلما ... عصيت إذا استغفرته فله الحمد يوسف بن يحيى بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحيم بن الوليد بن القاسم بن عبد الرحمن بن أبان بن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي العثماني الشافعي أبو الفضائل قاضي القضاة بهاء الدين بن قاضي القضاة محي الدين بن قاضي القضاة مجير الدين أبي المعالي بن قاضي القضاة زكي الدين أبي الحسن بن

стр. 1650

قاضي القضاة منتخب الدين أبي المعالي. مولده سنة أربعين وست مائة، وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر ذي الحجة، ودفن بتربتهم المعروفة بسفح قاسيون، كان إماماً عالماً فاضلاً محجاجاً، مناظراً في سائر العلوم الإسلامية، لم يكن له في وقته نظير مع صغر سنه، جمع الله تعالى له في صغر السن حسن الشكل وشرف البيت والفضيلة التي لم تكن في غيره في زمانه ما كان عليه من اللطافة في المحاضرات، وإيراد الأشعار الفائقة الكثيرة من أشعار العرب، وأشعار المتأخرين، والحكايات الغريبة، وإذا أنشد أحد بحضرته بيتاً يستشهد به على شيء من المسائل اللغوية، أنشد هذه القصيدة بكاملها بأحسن إيراد، وكمل ذلك بمكارم الأخلاق، وكرم النفس وطلاقة الوجه، وحسن المحاضرة، وكثرة الديانة، وكان مدرساً بمدارس والده المشهورة، وكان قيماً بدروسها حفظاً، ومناظرة، وبحثاً على اختلاف علومها، وكان كثير الاشتغال لم يتفرغ لحفظ الدروس إلا في طريق الميدانية عند عبوره البلد، يطالع كل درس مرتين أو مرة وهو راكب فتعلق بذهنه، ويورده آخر إيراد، وهذا لم يعهد لغيره، وكان مقصوداً بالفتاوي من سائر الأقطار، وترجح وتفنن بالدليل القاطع، ويقوي بعض الأوجه الضعيفة في المذهب ويفتي بها، ويسأل من يناظره فيها، وكان فقهاء البلد ومشايخه في سائر العلوم فقهاء عنده في مدارسه، ولا يقدر أحد على مجازاته في بحوثه، وكان فاق رجال زمانه في العلوم العقلية، فإنها أتقنها على القاضي الإمام كمال الدين عمر التفليسي لما كان بمصر عند والده، وقال

стр. 1651

كمال الدين المذكور في حقه: لم أر أنبه منه ولا أحد ذهناً. هذا وهو في سن الصغر، وليس له عشرون سنة، ومن أغرب ما حدث في الدرس بالعزيزية أن شخصاً من علماء الخلاف حضر إلى درسه، وأورد عليه بلمة خلاف فتلقى الجواب بصدره، وشرع في حلها وعكسها عليه، فادعى الملقى لها عند ذلك بقصوره عن مضمان القاضي بهاء الدين المذكور، وقال: ما رأيت في بلاد العجم ولا العرب مثله. وتعجب الفقهاء الحاضرون من ذلك تعجباً عظيماً، وهذا دليل على غزارة علمه، وعظم قدره، وتوسعه في العلوم، ثم بعد ذلك خلع على الخلافي، وأحسن إليه، وأجازه جائزة سنية، وكان هذا الخلافي قد حضر مدارس الممالك الإسلامية، وأورد عليهم تلك النكيتة التي رتبها، فما أجابه أحد، فلما أجابه القاضي بهاء الدين من غير تفكير ولا تثبت، وعكسها عليه تحير في أمره. وسافر لوقته، وهذا من المناقب التي ما سمعت لأحد قبله. وكانت الشعراء تقصده بالمدائح من سائر الأقطار لكثرة جوائزه، وكرم نفسه، فمن مدحه بقصيدة بديعة الأديب شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني، وأجازه عليها جائزة سنية وخلع عليه. ونقلت من خطه، وهي: وافى وأرواح العذيب بواسم ... والليل فيه من الصباح مباسم أهلاً بمن أسرى به وغدا له ... متأخر وهوى لنا متقادم غصن الشبيبة والملاحة يعذر ... المضني به ويلام فيه اللائم النضر من أعطافه وكتابه ... بلحاظه ولمهجتي هو هاشم

стр. 1652

أمعنفين على الغرام وقلما ... يصغي لأوهام العواذل هائم هو ناظر متعشق وجوانح ... فيها مواطن للجوى ومعالم وهوى لقلبي عامراً أبا عادم ... صبري وأخو الملامة راغم هيهات أن أثني عناني والصبى ... نضر وغصن العمر رطب ناعم أو أشتكي حالي ومن أحببته ... أبداً لا خلاف القبول ملازم أو أختشي خطباً أراه ببلدة ... وبها بهاء الدين يوسف حاكم شرف أقيم بعبد شمس أسه ... وله قريش ذو الفخار دعائم لا يلتقي يوم المعاد سواهم ... متبسماً حيث الوجوه سواهم يا خير من نيطت عليه العلى ... ومن المهابة والجلال تمائم حاشا لعزمك أن تقوم لهمة ... والدهر عن إتمامها لك باسم أو أن يلوح وليس يخفى جاهل ... أو أن يثير وليس بعدك ظالم ما كان فداؤك من كريم ينثني ... كلا ولا ولدت سواك أكارم أبني الزكي سقيتم ورويتم ... ونفيتم والأكرمون فداكم ... إذا ما قيل هو أعربت ... أحساب أعراب لكم ومكارم من مثل جدكم ومثل أبيكم ... ما مثل جدكم ومثل أباكم حسب المرجى في المعاد شفاعة ... منكم ومن قبل المعاد نداكم يتسابق الأذهان في إدراككم ... ويفوت أسبقها أقل مداكم من للخلاف وللوفاق مسائلاً ... وحصائلاً والمعلى إلاكم لو أطلق اسم النيران لما سرى ... ذهن الذي هو سامع لواكم

стр. 1653

أو كان وحي بعد أحمد منزل ... لبدت لكم آى به وعلائم عثمان جدكم وذلك حسبة ... وكفى وذلك حسبكم وكفاكم فهذه الأبيات تدل على بعض ما يستحقه من المناقب، ولقد جمعت بعض مناقبه، وهي مليحة في بابها، مستوفية لبعض الترجمة رحمه الله تعالى. ومدحه المولى شهاب الدين محمود كاتب الإنشاء، وأرسلها إليه وقد سافر، وهي: لولا تذكره الحي الذي بانوا ... ما عاج نحو الحمى واستخبر البانا ولا رعى أنجم الجوزاء يحسبها ... لما استقلت بيوت العرب إظعانا ولا صبى للصبا يهفو فيأخذها ... روحاً ويبعثها الأحشاء نيرانا صب بكى الربع بعد الظاعنين وقد ... أبدى له القلب دون الطرف عرواناً مثل الكتاب محا آثار أسطره ... عهد قديم وأبقى منه عنوانا بانوا فلا زال دمع الطل بعدهم ... في الروض يملأ الأزهار أجفانا ولا ونى فيه معتل النسيم إذا ... أخفى السرى ساقه الأغصان إعلانا يحدث الدوح عن هز الصبي مرحاً ... أعطافهم فيميل الغصن نشوانا وكلما عاد عنه نحوهم علقت ... به الرياض وجرت منه أردانا وحملته إشارات لها نطقت ... معنى فرجع فيها الورق ألحانا هل جاد معناكم دمعي فغادره ... من بعد ظنت الأمواه غدرانا أعائد بعد ما شابت بشاشته ... على الحمى عيش غض كما كان

стр. 1654

إياهم ألثم جيد الرئم ملتفتاً ... نحوي وأعطف غصن البان ريان وأجتلي من يكاد البدر يشبهه ... لو لم يكن يعتريه النقص أحيانا يبيح طرفي حمى خديه عارضه ... فيجتني منهما ورداً وريحانا وكلما وردت في روض وجنته ... مناهل الحسن عني عدت ظمآنا فاليوم بعد الرضى في القرب أقنع أن ... يزورني في البعاد الطيف غضبانا وكيف يرقد جفن بات ناظره ... أو يطوف الطيف طوفاً بات سهرانا إن لان أظهر سر الوجد بعدكم ... وأنثني سوى الدمع أو اضمرت سلوانا فعفت راح الهوى واخترت أن حليت ... كؤوسها وسها غير أهل الوجد خلانا لله خيف هوى تلقاء التقائه ... حتى لقد حسد الأحياء قتلانا نسخوا بأنفسنا فيه كأن ندى ... قاضي القضاة بهاء الدين إعلانا أبو الفرج بن يعقوب بن إسحاق بن القف الملقب أمين الدولة الحكيم الفاضل من نصارى الكرك. مولده يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاثين وست مائة بالكرك، كان فاضلاً، ماهراً، بارعاً في الصناعة الطبية، ظهرت نجابته من صغره، وكان حسن السمت، كثير الصمت، وافر الذكاء، اشتغل بالطب على موفق الدين ابن أبي أصيبعة، وقرأ عليه حفظاً مسائل حنين والفضول، ومقدمة المعرفة لأبقراط؛ وعرف شرح معانيها من صغره، وقرأ عليه بعد ذلك في العلاج من كتب أبي بكر محمد بن زكريا الرازي ما عرف به أقسام الأسقام، وحشم العلل في الأجسام، وكان اشتغاله عليه بصرخد، ثم انتقل إلى دمشق، ولازم علماء عصره بدمشق،

стр. 1655

مثل الشيخ شمس الدين عبد الحميد الحروشاني، والعز الضرير، والنجم بن السفاح، والموفق يعقوب السامري، وقرأ كتاب أقليدس على مؤيد الدين العرضي، وخدم بصناعة الطب في قلعة عجلون، ثم عاد إلى دمشق وخدم بقلعتها، وكان والده حفظه الأشعار، ونقل التواريخ والأخبار، ولما توفي الحكيم أمين الدولة في جمادى الأولى سنة خمس وثمانين وست مائة، رثاه سيف الدين أبو بكر المنجم بهذه الأبيات: يا مأتماً قد أتى بالويل والحرب ... رميت ركن الحجي والمجد بالعطب شلت يداك لقد أصميت أي فتى ... رحب الذراعين رياناً من الأدب أيتمت طلاب علم الطب قاطبة ... وعوضوا عنك بالأفعال في التعب حق علينا بأن نفديك أنفسنا ... لو كان ذاك لبادرناك في الطلب أبعد درسك يا ابن القف ينفعنا ... أقوال قوم عن التحقيق في حجب قد مات إذ مت حقاً بحر فلسفة ... طماً وجامع العلم في اللحود خبى وبالشفاء سقام مذ نويت وقد ... غدا لفجعتك القانون في صخب والهف قلبي وواحزني ويا أسفي ... ويا مصاباً دهاني فيك واحربى حزني عليك مذ الأيام متصل ... وكل عمري أقضيته مع الوصب أأطمع الآن في درس ومدرسة ... إني إذاً لخؤون غير ذي حسب لهفي على كهف علم كان يجمعنا ... دوي وأضحى رهين الحتف في الترب من أبيات. ولأمين الدولة المذكور من التصانيف: كتاب الشافي في أربع مجلدات، شرح كتاب من كتاب القانون لابن سينا ست مجلدات، شرح الفصول لأبقراط مجلدان، جامع الغرض مجلد، المباحث العربية،

стр. 1656

مقالة حفظ الصحة، كتاب العمدة في صناعة الجراح في عشرين مقالة: عشرة علم وعشرة عمل. آخر الجزء. السنة السادسة والثمانون وستمائة إستهلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة. والملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ بالديار المصرية، وقد جهز طائفة من العساكر صحبة الأمير حسام الدين طرنطاي إلى الشام لحصار صهيون، وبرزية، وانتزاعهما من يد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، فوصل الأمير حسام الدين بمن معه من العسكر المصري دمشق في أثناء المحرم أو أواخره، واستصحب معه الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام، وعسكر الشام، وتوجه إلى صهيون بالمجانيق، وقاسوا من الأوحال شدة فوصلوها، وشرعوا في حصارها، فكان الأمير شمس الدين قد استعد لهم، وجمع إلى القلعة خلق كثير من رعية بلده، وبعد منازلته بأيام توجه الأمير حسام الدين إلى حصن برزية، وحصره، واستولى عليه، وهو مما يضرب المثل بحصانته، ففتحه، ووجد فيه خيولاً منسوبة للأمير شمس الدين وغير ذلك، فلما فتح لانت عريكة الأمير شمس الدين، وأجاب إلى تسليم صهيون على شروط اشترطها، فأجابه الأمير حسام الدين طرنطاي إليها، وحلف له بما وثق به من الأيمان، ونزل من قلعة صهيون بعد حصرها شهراً واحداً، وأعين على نقل أثقاله بجمال كثيرة وظهر، وحضر بنفسه

стр. 1657

وأولاده، وعياله، وأتباعه، وأشياعه إلى دمشق، ثم توجه إلى الديار المصرية صحبة الأمير حسام الدين طرنطاي، ووفى له بجميع ما حلف عليه، ولم يزل يذب عنه أيام حياته أشد ذب، وأعطي بالديار المصرية خبز مائة فارس، وبقي وافر الحرمة إلى آخر الأيام المنصورية، وانتظمت صهيون وبرزية في سلك الممالك المنصورية، وهما من أحصن القلاع وأشدهما منعة. وفي خامس عشر المحرم ولي قاضي القضاة شهاب الدين محمد بن الخوبي قضاء القضاة بالشام عوضاً عن قضاء القاهرة، وسافر إلى دمشق من القاهرة في ثالث عشر صفر، وكان وصوله دمشق يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول، وحكم ليومه بالمدرسة العادلية، واستمر بنيابته الشيخ شرف الدين أحمد بن المقدسي، وقرئ تقليده يوم الجمعة بالجامع. وفي سابع وعشرين شهر رجب سافر الملك المنصور سيف الدين قلاوون من القاهرة قاصداً الشام، فلما وصل غزة، أقام بتل العجول إلى شوال، ثم رجع إلى القاهرة، ودخل القلعة يوم الاثنين ثالث عشر شوال، وكان استناب الأمير علم الدين سنجر الشجاعي. وفي شهر رمضان وصل إلى دمشق بريدي من الديار المصرية بمرسوم يتضمن طلب سيف الدين أحمد السامري بسبب مرافعة ناصر الدين محمد بن المقدسي له، فإنه كان توجه لمرافعة قاضي القضاة بهاء الدين يوسف ابن الزكي ﵀، فلما وصل الديار المصرية بلغه وفاته، فتوصل

стр. 1658

بشمس الدين الأتابكي، ودخل على الشجاعي، وحدثه في معنى ابنة الملك الأشرف موسى بن العادل ﵀ وأنها باعت أملاكاً جليلة بأيسر ثمن، وعمل يسفهها محضراً شهد فيه أراذل، وثبت عند ابن مخلوف المالكي، ولم يوافق على ذلك غيره، ثم إن الملك المنصور سيف الدين قلاوون شهد عنده أن الملك الصالح نجم الدين أيوب حجر عليها، وأثبتوا ذلك في وجه السامري، وأبطلوا جميع ما باعته، وأخذوا من السامري حزرما. وادعوا عليه بمغلها عشرين سنة، وأخذوا منه بسبب المغل سبعة عشر سهماً بقرية الزنبقية بمبلغ قيمته تسعين ألف درهم، وأخذوا منه مائة ألف درهم تكملة مائتي ألف درهم. وفيها توفي: إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن المحسن بن محمد بن المهذب أبو إسحاق السلمي الشافعي المنعوت بالشمس. ولي خطابة جامع التوبة ظاهر دمشق بعد وفاة أخيه بدر الدين المقدم ذكره في هذا الكتاب، ولم يزل مستمراً بها إلى حين وفاته. فكان يقول في خطبته: أين سام! وأين حام! وأين عز الدين بن عبد السلام! فتحدث الناس فيه بسبب ذلك، فدخل على قاضي القضاة محي الدين يحيى بن الزكي ﵀ فكتب في حقه ورقة مضمونها: " الله ولي التوفيق، يقول الفقير إلى الله تعالى يحيى بن الزكي: إنني حضرت

стр. 1659

صلاة القاضي الأجل الإمام العالم شمس الدين ولد سيدنا قاضي القضاة شيخ العلماء عز الدين بن عبد السلام أيده الله تعالى، وأمتع ببقاء ولده فسمعته خطب خطبة حسنة بليغة وجلت لها القلوب، وذرفت العيون، وأدى أداء حسناً بفصاحة، وطلاقة لسان، وضبط الإعراب، ووقوف على مقاطع الكلام، وإتيان الفرائض، وتوفية السنن، ثم صلى صلاة حسنة، أكمل فروضها، وأتى بسننها، وأحسن أداء القراءة فيها، وأوجز في خطبته، وأطال الصلاة غير ممل في صلاته، وذلك ليس ببدع منه، فإنه نشأ في حجر العلم، وغذى بدر الورع والزهد، فنفع الله تعالى به، وألهم ولي الأمر، وأعانه الله تعالى على ما ولاه من الإحسان إليه، والعاطفة عليه، بمنه وكرمه ". وكان الشمس المذكور يتكلم بكلام مسجوع يشبه سجع الكهان، ويدعي أنه يلقى إليه من الجن، وتمانى الوعظ، فكان فيه منحط الرتبة، وبلغ والده شيخ الإسلام عز الدين ﵀، فورد كتابه إلى بعض أصحابه، وفيه: بلغني أن هذا الولد المتخلف إبراهيم قد صار عضة للناس، فترك ما كان يعانيه من ذلك، وكان يترفع في المجالس بسبب والده ﵀، فعمل النجم ابن إسرائيل في ذلك: تصدر البطرخل ... وهو الأقل الأذل فلا رعى الله شيخاً ... به علينا بذل وكان الشمس ينبز بالبطرخل وغيره من هذا الجنس، وكانت وفاته بالعقيبة ظاهر دمشق في ليلة الأحد تاسع عشر ربيع الأول، ودفن بمقابر باب الصغير

стр. 1660

رحمه الله تعالى، ومولده سنة إحدى عشرة وست مائة. أحمد بن عمر أبو العباس شهاب الدين الأنصاري المرسي المالكي الشيخ العارف. كان قطب زمانه وعلامة أوانه في العلوم الإسلامية، وله القدم الراسخ في علم التحقيق، والكرامات الباهرة. وكان يقول: شاركنا الفقهاء فيما هم فيه، ولم يشاركونا فيما نحن فيه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: أبو العباس بطرق السماء أعلم منه بطرق الأرض. وقال أبو العباس: رأيت عمر بن الخطاب رضوان الله عليه في المنام، فقلت: يا أمير المؤمنين! ما علامة حب الدنيا؟ قال: خوف المذمة، وحب الثناء. وكان يقول: والله! ما دخل بطني حرام قط. وكان يقول: الورع من ورعه الله تعالى. وقال: عزم علينا بعض الصلحاء بالإسكندرية في بستان له بالرمل، فخرجت أنا وجماعة من صلحاء الثغر، ولم يخرج معنا صاحب البستان ذلك الوقت، بل وصف لنا المكان فتجارينا، ونحن خارجون الكلام في الورع، فكل قال شيئاً، فقلت لهم: الورع من ورعه الله تعالى. فلما أتينا البستان، وكان زمن التوت، كلهم أسرع إلى الأكل، وأكلت، وكنت كلما جئت لآكل أجد وجداً في بطني، فأرجع فينقطع الوجع عني، فعلت ذلك مراراً، فجلست فلم آكل شيئاً وهم يأكلون، وإذا بإنسان يصيح: كيف يحل لكم أن تأكلوا من ثمرة بستاني بغر إذني! فإذا هم غلطوا بالبستان، فقلت لهم: ألم أقل لكم: إن الورع من ورعه الله تعالى؟ وقال لرجل جاء من الحج: كيف كان حجكم؟ فقال ذلك الرجل: كثير الماء سعر كذا وكذا، فأعرض

стр. 1661

الشيخ عنه، وقال: تسألهم عن حجهم وما وجدوا من الله تعالى من علم ونور وفتح، فيجيبون برخاء الأسعار وكثرة المياه، حتى كأنهم لم يسألوا إلا عن ذلك! توفي إلى رحمة الله تعالى ورضي عنه بالإسكندرية في سنة ست وثمانين وست مائة. الخضر بن الحسن بن علي أبو العباس برهان الدين السنجاري الزرزاري الشافعي. كان من الفضلاء الرؤساء الأعيان. مولده سنة ست عشرة وست مائة، وتوفي يوم الأربعاء عاشر صفر بمنزله بالمدرسة المعزية بمصر، ودفن بالقرافة الصغرى بمدرسة أخيه قاضي القضاة بدر الدين ﵀ المجاورة للإمام الشافعي رحمة الله عليه. ولي القضاء بالقاهرة عشرين يوماً، وكان ولي القضاء بمصر في دولة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأخوه بدر الدين قاضي القاهرة، وبقي على ذلك إلى أيام الملك الظاهر، فتخيل منه الوزير بهاء الدين، وسعى إلى أن عزل عن القضاء، وضرب، وحبس، وبقي معزولاً فقيراً، ليس بيده سوى مدرسته المعزيه. فلما مات بهاء الدين في آخر سنة سبع وسبعين، كان الملك السعيد بالشام، فسير له تقليداً بالوزارة، ورسم له أن يستخرج من أولاد بهاد الدين ما قرر عليهم من الأموال فلم ينتقم منهم، ولا قابلهم بما فعل به الصاحب بهاء الدين، بل أحسن إليهم غاية الإحسان، وبقي على وزارته إلى أن سلطن الملك المنصور سيف الدين قلاوون ﵀ فأقره عليها إلى أن تولي الأمير علم الدين الشجاعي شد الدواوين، فسعى في عزله، وضربه، وبقي معزولاً إلى أن مات ابن الأصفوني الوزير، فأعيد إلى

стр. 1662

الوزارة وبقي مدة، ثم سعى الشجاعي في عزله، وضربه، وحبسه، ثم أفرج عنه، ولما توفي قاضي القضاة بهاء الدين يوسف إلى رحمة الله تعالى، عين لقضاء الشام، فحصل التعصب عليه، وولي شهاب الدين الجويني، وولوه عوض الخويي في قضاء القضاة. فبقي نحو عشرين يوماً، فتوفي، وقيل: إنه سم، وكان ﵀ حسن السيرة والطريقة، متوفراً على قضاء حوائج الناس رحمه الله تعالى، قال قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن صصرى: كتبت إليه في أثناء تهنئته عند ولايته القضاء بالديار المصرية في المحرم سنة ست وثمانين وست مائة هذه الأبيات: وهنا مصر وأهلها وبلادها ... بالفضل والفخر الرفيع الشان فهي التي شرفت وشرف أهلها ... بمليك رق الجود والإحسان أضحوا متى جحدوا الحسود فخارهم ... قام الدليل عليه بالبرهان وقال: ولي برهان الدين القضاء بالقاهرة وأعمالها. وتدريس المدرسة المنصورية القطبية مضافاً إلى ما بيده من تدريس المدرسة المعزية، ومدرسة الإمام الشافعي رحمة الله عليه بالقرافة الصغرى، ومدرسة القاضي بدر الدين، وخلع عليه. وباشر منتصف المحرم سنة ست وثمانين، وتوفي في تاسع صفر، فكانت مدة ولايته أربعة وعشرين يوماً، وولي بعده القضاء والتدريس بالمنصورية، والشافعي، والقطبية القاضي تقي الدين بن بنت الأعز يوم وفاته، وخلع عليه، وباشر ليومه مضافاً إلى ما بيده وهو القضاء بمصر وأعمالها، والخطابة بالجامع الأزهر، وتدريس الصالحية ونظرها، والشريفية،

стр. 1663

ونظر الخزانة، والنظر على أولاد الملك الظاهر ودواوينهم، وجميع ما كان للصاحب برهان الدين مباشرة من القضاء والمدارس سوى المعزية والبدرية بالقرافة، فإن نظرهما لورثته، ورتبهم أن يكون تدريسها لهم ويقيموا عنهم فيها نائباً إلى أن تأهلوا. سليمان بن بليمان بن أبي الجيش بن عبد الجبار بن بليمان أبو الربيع شرف الدين الهمذاني الأصل الرعياني المولد الإربلي المنشأ الشاعر المشهور صاحب النوادر والزوائد. كان من شعراء الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد رحمه الله تعالى قدم دمشق واستوطنها إلى أن توفي بها في ليلة الجمعة عاشر صفر سنة ست وثمانين وست مائة. مولده سنة ست وتسعين، وقيل: سنة تسعين وخمس مائة. ذكره شرف الدين بن المستوفي وزير إربل، وصاحب تاريخها. فقال: أبو الربيع سليمان بن بليمان بن أبي الجيش أبوه صائغ، وهو صائغ من أنشاء إربل، وهو ممن ولد بها، له طبع حسن في نظم الشعر، ويحفظ منه جملة، وله بديهة حسنة، وأجوبة مسكتة، أنشدني لنفسه: رويدك إن عذلك غير مجد ... فلا تذكي بقولك نار وجدي ففي أذني وقر عن سماع الملام وفي الهوى عني ورشدي عذولي لا تزد بلواي بلوى ... فسقمي قد تجاوز كل حد

стр. 1664

وليس من المروءة عذل صب ... تطير بلبه نفحات نجد أسير لا يفك له قياد ... بنرجس مقلة وبورد خد يعيد غرامه ذكر الليالي ... التي سلفت بنعمان ويبدي ألا يا صاحبي إن كنت ترعى ... مواثيقي الأولى وقديم عهدي علام إذا تألق برق نجد ... يؤرقني خلاف الركب وجدي واسكب في تلمعه شؤوناً ... تفوق السحب إذا هطلت برغد وإن نسمت نسيم الغور تهدي ... إلى أرنج حوذان ورند أو ارتفعت بأعلى الغور نار ... تؤرقني على قرب وبعد أرحني صاح من ذكر البوادي ... وحل عن القباب قباب سعد فقد ملكت بنو الأتراك رقي ... بهزل من تجنيهم وجد ظباً صرعت أسود الغاب فاعجب ... لآرام لأسد الغاب تردي يدور دجىً أقلتها غصون ... غنوا عن كل خطي بقد تحل عزيمتي من أن يصدوا ... بحل من بنودهم وشد كلفت بهم ولا كلفي بمولي ... أمير البدر في حل وعقد جدير المكرمات أبو العطايا ... إلى طرق الندى من ضل يهدي فكم ستر لعرس الدين سارت ... عن العافين من شكر وحمد له أيد على كل البرايا ... ولا سيما خلاف الناس عندي

стр. 1665

سخا في المكرمات جدود صدق ... صناديد الوغى وثناة مجد لهم في المبتدا حكم الرواسي ... ويوم الروع سطوة كل ورد إذا ورد الذي لو لاه ضاقت ... لدي مذاهبي وأسبع وردي ومن بمديحه ذهبت نحوسي ... وأقبل حيث يممت سعدي أتاك العيد يأذن بالبقاء الطويل وكل إقبال وجد تهن به ودم ما دام رضوى ... على رغم الحسود وكل ضد قال أبو البركات: وأنشدني أيضاً لنفسه: قم يا أخا المكارم.... نسعى ... لارتشاف الطلي وغصن الخدود واغتنم غفلة الزمان وحاذر ... أن تبيع الموجود بالمفقود وأنشدني الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجا ﵀ للمذكور يهجو الشهاب بن التلعفري وقد بلغه أنه قامر بخفافه وأنشدها ابن بليمان الملك الناصر يوسف بن محمد رحمه الله تعالى: يا مليكاً فاق الأنام جميعاً ... منه جود كالعارض الوكاف والذي راش بالعطايا جناحي ... وتلافى بعد الإله تلافى ما رأينا ولا سمعنا بشيخ ... قبل هذا مقامر بالخفاف ونهاكم يدق في كل يوم ... في قفاه والرأس والأكتاف

стр. 1666

أسود الوجه أبيض الشعر في لو ... ن سحيم في قبحه وخفاف يدعي نسبة إلى آل شيبا ... ن وتلك القبائل الأشراف وهمو ينكرون ما يدعيه ... فهو والقوم دائماً في خلاف مثل نجد لو استطالت لقالت ... ليس هذا الدعي من أكناف فابسط العذر في هجاء رقيع ... عادل عن طريقة الإنصاف من أبيات. وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ويهنئه بعيد النحر: يا قمراً قلبي له منزل ... قد رق لي في حبك العذل فضل معني فيك ذو لوعة ... يعرب عنها دمعه المهمل وأرني لبلوى دنف حاله ... مفضل إيضاحه محمل وأصغي لشكوى كلف ذي جوى ... يدبل من أيسره ويذبل يا طلعة البدر المنير الذي ... في كل يوم حسنه يكمل ومن له طرف إذا ما رنا ... يعار منه الظبية الغزل قدك هذا أم غصن مائس ... تثني الصبا عطفيه والشمأل إذا تثنى من دلال الصبي ... يحسده العسالة الذبل ولحظك الساحر أم صارم ... مهند في جفنه يقبل يا رشا الأتراك عطفاً على ... خلف غرام داؤه معضل ناظرك الفاتك في ... ... فعلك أم حاجبك المقفل

стр. 1667

أم جاء في فترة أجفانك ... المرضى بقتلى صدغك المرسل إلى متى تمطلني دائماً ... وحجة الموسر لا تقبل وكم ديون لي تقتضي ... وعن غرامي فيك لا تسأل هل لليالي سلفت عودة ... ونحن في برد الصبي نرفل أيام لا يحذر من كاشح ... بسر أخبار الهوى ينقل والعيش غصن مورق عوده ... وأنت يا كل المنى مقبل وإذ معاني الهوى مأهولة ... وليل فودى حلل أليل وعطرت أرجاؤه نسمة ... تضوع من أنفاسها المندل وروضة منه الثرى ديمة ... ترضعه أخلافها الحفل يحلى بذي نخل العزيز الذي ... يخجل منه العارض المسبل الملك الناصر من جاره ... دون ملوك الأرض الميل يجري ندى عذب لوراده ... ليس يضام دونه منهل طوى الحجى ما لملوك الأرض ... غير حجاه أبداً معقل شمس على أنجم حسارة ... عابرة من نوره أفل يعدل في الحكم ولكنه ... عن طرق المعروف لا يعدل كم سد ... لولاه وكم ... حل لنا من قوله المشكل ليث إذا ما صار في معزل ... دان له لبث الشرى المشبل تعيد ليل النقع أسيافه ... صبحاً إذا ما ازدحم الجحفل

стр. 1668

إذا التقى الجمعان في مأزق ... له سماء شادها القسطل وطاشت الألباب في ساعة ... يراع فيها القلب والحول وقامت الحرب على ساقها ... إذا كل قلب ثابت يذهل أقبل كالسيل على سابح ... كأنه من تحته بر أجدل فاعجب لبحر ضمه في الوغى ... نهى له في كفه جدول ينقط في وجهه للعدى ... سمره وبيضه من بعدها يشكل يا مالكاً راش جناحي ولي ... من جوده ماضٍ ومستقبل ظلت ملوك الأرض طراً ... جئت أخيراً أو هم أول وسدت من مجدك فوق الذي ... بناه آباؤك أو أثلوا فالناس في عصرك في جنة ... قطوفها دانية ميل قد بلغوا فيه الذي حاولوا ... وأدركوا منك الذي أملوا فاستجل بكراً نظمها ... رائق بالفضل لها جرول عذراء ينسيك الدمى حسنها ... بنفسها أعينها تكحل لو اجتبت في آل حرب كما ... نكب عن ألفاظها الأخطل وأقبل عن داع لكم مخلص ... رضاك يرجو وله يؤمل سعى به ذو عزة قوله ... كل على الأسماع مستثقل ورام أن يحمل من قدرة ... وعندك الباطل لا يقبل وكيف يلغى عندكم شاعر ... كسيف أحسابكم صيقل

стр. 1669

عبد ولاه لم يزل شاكراً ... ليس له عن ظلكم معدل فاسعد بعيد النحر واسلم له ... لا زلت في ثوب الهنا ترفل وذكره الصاحب كمال الدين عمر بن العديم ﵀ في تاريخ حلب، فقال: سليمان بن بليمان بن أبي الجيش بن عبد الجبار بن بليمان الهمذاني الأصل الإربلي المولد، أنشدني من لفظه لنفسه: يا شرف الدين الذي لم يزل ... بمجده المنصوب في رفع والكامل الخير الذي لم يزل ... يصدق فيه خبر المسمع رب الصناعات الحسانات ... التي تجمعت في أحسن الصنع طال ندى التذكار في مدة ... لخاطري في النظم أو طبع مرهفة كالقضيب هندية ... تحيل بين الأصل والفرع تسطو على أرقش ماضي السنا ... مؤهل الضر والنفع إذا جرى في طرسه مسرعاً ... فات وميض البرق في اللمع عذرك في تاريخها واضح ... وذاك محمول على الوضع لو وصت كنت معجباً ... لأنها من آلة القطع فحلها واستحل عينيه ... تفرق عن السفح والجزع وقال أيضاً رحمه الله تعالى: وما زالت الركبان تخبر عنكم ... أحاديث كالمسك الذكي بلا مين إلى أن تلاقينا فكان الذي وعت ... من القول أذني دون ما أبصرت عيني

стр. 1670

عبد العزيز بن عبد المتعم بن علي بن الصيقل أبو العز عز الدين الحراني. كان مسند وقته، وله السماعات العالية، انفرد بها، وكان رجلاً جيداً خيراً، توفي بالقاهرة ظهر يوم الثلاثاء رابع عشر رجب، ودفن بالقرافة ﵀. عبد الله بن محمد بن محمود بن الفقاعي صفي الدين المقريء. كان نادرة وقته في القراءة لم يسمع له ند بحسن قراءته وطيبها. وكان قد بلغ الثمانين ولم يتغير صوته، وكان يقرأ عشراً بدار الحديث كل ميعاد، والعجب أنه ما يقرأ الا ما يناسب ما يقرأ من الأحاديث، وهذا يعد من مناقبه، وكان إمام مقصورة الحنفية بدمشق، والناس يزدحمون على قراءته، وكانت وفاته يوم الأحد ثاني عشرين المحرم، ودفن من يومه بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى. علي بن يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب علاء الدين ابن الملك الناصر. كان شاباً حسناً، توفي في تاسع عشرين المحرم يوم الخميس، وأخرج ميتاً من قلعة الجبل بالقاهرة، ودفن بالقرافة، وكان محبوساً بها رحمه الله تعالى. محمد بن عباس بن محمد بن أحمد بن عبد بن صالح أبو عبد الله الربعي الدنيسري المنعوت بالعماد. مولده بدنيسر في سنة ست وست مائة، وتوفي بدمشق في يوم الثلاثاء ثامن صفر سنة ست وثمانين وست مائة، ودفن يوم الأربعاء بمقابر باب الصغير. روى عن ابن المقير، وعن جماعة من أصحاب السلفي وغيرهم. وله معرفة بالطب، وإلمام بالأدب، وينظم الشعر،

стр. 1671

وعنده حسن المحاضرة، ومداخلة للرؤساء والأعيان، وعلى ذهنه قطعة من التاريخ وأيام الناس، ولازم بهاء الدين زهير المقدم ذكره ﵀، وكان له به اختصاص، اجتمعت به مراراً، ومن شعره: من أعلم القلب أنى كلفت به ... حتى غدا منه في حزن وفي كرب يشكو الغرام ولا يشكو مرارته ... مبلبل البال بين الجد واللعب رام العواذل سلواني فقلت لهم ... والدمع يقطر من جفني عن لهب يا للرجال أنا المضني بفرط هوى ... فلم عذولي لا تحملوا من التعب لم أنس ليلة وافى وهي في يده ... حمراء قد عصرت من رائق العنب جنى بها بعد ما جنى بطلعته ... وذاقها فحلت من ذلك الشنب ودار بالطاس والكأسات في يده ... قد زينت بالحميا ثم بالحبب ونحن في مجلس حف السرور به ... كأننا منه فوق الأنجم الشهب ظبي أقام بقلبي وهو يطلبه ... مع الزمان وهذا غاية العجب مورد الخد معسول المراشف ممشوق القوام كثير الدل والغضب وقال أيضاً رحمه الله تعالى: كم ليلة بت أستحلي المادم على ... وجه الحبيب وبدر التم في السجف حتى إذا أخذت منه المدامة ... والواشون في غفلة عنا فلم نخف عانقته عندما قبلت مبسمه ... حباً له كاعتناق اللام للألف محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك أبو عبد الله الطائي الكناني الأصل بدر الدين. الإمام العلامة في علوم النحو والعربية والبيان مع الذكاء المفرط

стр. 1672

وجودة الذهن، ولطافة الأخلاق، وحسن العشرة، وله مشاركة جيدة في الفقه، والأصول وغير ذلك، أقام ببعلبك مدة سنين ثم سكن دمشق وتصدر للاشتغال بعد وفاة والده الشيخ جمال الدين ﵀. وكان والده إمام عصره في هذا الشأن، وقد تقدم ذكره في سنة اثنتين وسبعين وست مائة، وسمعت جماعة من الفضلاء العارفين بهذا الفن إن ولده الشيخ بدر الدين المشار إليه التحق به، وبرز عليه في بعض هذه العلوم. وكان كثيراً ما يعتريه قولنج فيجد منه ألماً شديداً، واعتراه قبل وفاته بأيام فكان سبب موته، وتوفي بدمشق يوم الأحد ثامن المحرم. وكان دفنه يوم الاثنين، ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى ولم يترك بعده في هذا العلم مثله في الشام مما علمنا. وله تصانيف مفيدة مختصرة، وشروح حسنة رحمه الله تعالى. محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن الميمون القيسي الشاطبي المعروف بابن القسطلاني، قطب الدين أبو بكر بن أبي العباس ابن أبي الحسن التوريزي الأصل، المصري المولد، المكي المنشأ، الشافعي الفقيه المحدث الإمام العلامة مجموع الفضائل. كان إماماً عالماً فاضلاً ورعاً زاهداً، لم يكن في وقته مثله. وكان في وقته مثله، وكان له صيت حسن، وتوجه وانقطاع إلى الله تعالى، وكان شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة، وبيده الوظائف الدينية، وكان من مشايخ العصر المشهورين بسعة العلم. مولده يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع عشرة وست مائة، وتوفي يوم السبت ثامن عشر المحرم بالقاهرة ودفن من الغد

стр. 1673

بالقرافة الصغرى، وكان قد سمع من مشايخ عصره، ونظم الشعر الحسن، فمنه ما أنشده الأمير علم الدين سنجر الدويداري في شهور سنة سبع وخمسين وست مائة: إذا كان أنسى في التزامي لخلوتي ... وقلبي عن كل البرية خال فما ضرني من كان لي الدهر قالياً ... ولا سرني من كان في موال وقال أيضاً رحمه الله تعالى: ألا هل لهجر العامرية إقصار ... فتقضي من الوجد المبرح أوطار ويشفي عليل من عليل موله ... لنجم من الجوزاء في الليل سمار أغار عليه السقم من جنباته ... وأعزاه بالأحباب نأي وتذكار ورق له مما يلاقي عذوله ... وأرقه دمع يرقرق مدرار يحن إلى برق الأبيرق قلبه ... ويخفق إن ناحت حمائم وأطيار عسى ما مضى من حفظ عيشي على الحمى ... يعود قلبي فيه نجوم وأقمار عدمت فؤادي إن تعلقت غيرها ... وإن زين السلوان لي فهو غدار ولي من دواعي الشوق في السخط والرضى ... على الوصل والهجران ناه وأمار أأسلو وفي الأحشاء من لاعج الأسى ... لهيب أسال الروح فالصبر منهار كان والده قطب الدين من سادات المشايخ وزهادهم، روى عن ابن بري وغيره. سئل عن مولده فقال: في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وخمس مائة بمصر.

стр. 1674

وتوفي ﵀ بمكة شرفها الله تعالى في ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وست مائة، ودفن من الغد بالمعلى، وسمع من مشايخ الطريق، وأخذ عنهم، وكان خصوصه بالشيخ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم القرشي الهاشمي الصالح العارف المشهور الذي لم يكن في زمانه مثله. وكان كثير الابتلاء والرضى به، وروى عنه شيئاً كثيراً من كلامه مما رواه عنه أنه قال: من لم يدخل في الامور بالادب لم يدرك مطلوبه وسمعه يقول: الذم الأدب وحدك من العبودية، ولا تتعرض لشيء، فإن أرادك لشيء هيأك له. وسمعه يقول: العاقل يأخذ من الأمور ما صفا، ويدع التكلف فإنه تعالى يقول: " وإن يردك بخير فلا راد لفضله "، وسمعه يقول: إذا أخذت في الأمور فاختر أيسرها، وإلا أسأت الأدب. وسمعه يقول: النافلة لمن أكمل الفريضة. وسمعه يقول: من لم يعرف الزيادة من النقصان في هذه الدار فهو محجوب. وسمعه يقول: من لم يراع حقوق الإخوان يترك حقوقه وحرم بركة الصحبة. وسمعه يقول: من لم يكن له مقام من التوكل، كان ناقصاً في توحيده. وسمعه يقول: لا يصلح التعلم في هذا الشأن إلا لمن يعز عليه فرضه، وخاف العقوبة من ترك الكلام. وسمعه يقول: من نظر إلى المشايخ بعين العصمة حجب رؤيتهم. وروى عنه شيئاً كثيراً رحمة الله عليه. وكان الشيخ أبو عبد الله من السالكين الأبرار الأولياء، ذكره المرحوم تاج الدين بن الأثير في مختصره، فقال:

стр. 1675

أبو عبد الله محمد بن أحمد القرشي الهاشمي المغربي من أهل الجزيرة الخضراء، توفي بالقدس الشريف سنة تسع وتسعين وخمس مائة، وعمره خمس وخمسين سنة، وقبره بالقدس، والجزيرة الخضراء في بر الأندلس. مفضل بن إبراهيم بن أبي الفضل رضي الدين الدمشقي الطبيب المشهور بالفضيلة التامة. كان طبيباً حاذقاً، حسن المعالجة ديناً ورعاً صالحاً، حسن الاعتقاد، كثير المحبة للخير، سافر إلى البلاد بركة وخدمة، وحصل منه أموالاً كثيرة نهبت عند عوده إلى دمشق، وعرضت عليه رياسة الأطباء فأباها، وكان روى عن مشايخ وقته، وخطه في الإجازات كثير، ومولده سنة عشر وست مائة، وتوفي ليلة الأربعاء ثالث عشر صفر، ودفن من الغد بسفح قاسيون رحمه الله تعالى، وكان له في النظم يد، فمن ذلك: الشمعة قالت بلسان الحال ... البعد عن الشهد برء أوصالي ها قلبي كيف حاله أنت ترى ... النار به تذيب قلبي البالي آخر الجزء السابع عشر من ذيل تاريخ مرآة الزمان يتلوه الجزء الثامن عشر: السنة السابعة والثمانون وست مائة استهلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة. كان الفراغ من كتابة هذا الجزء في يوم الخميس لثمان خلون من شوال سنة ١١١٥ من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فغفر الله لكاتبه، ولقارئه، ولسامعه، ولوالديه، وللمسلمين، ومن دعا له بالمغفرة، آمين آمين آمين؛ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم!