Полный текст (1 675 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
أنتم معانيها فإن غبتموا ... فليس فيها حسن يُرمق
لولاكم ما هاجني بارق ... ولا شجاني بالحمى أبرق
ولا لوى لي عنقاً في الفلا ... عيسٌ إذا جدّ السرى العنق
ما عرّض الحادي بذكراكم ... إل اوسمعي نحوه يسبق
ولا سرى ركبٌ إلى أرضكم ... إلا تلاه قلبي الشيّق
فُكّوا أسيراً لكمُ مُوثقاً ... عليه في حفظ الهوى موثق
فؤاده قيّده حبّكم ... وجسمه بين الورى مطلق
قد كنت من قبل النوى إن جرى ... فراقكم في خاطري أفرق
وكنت نُصباً لعيني فهل ... طيفُ خيال منكمُ يطرق
أحببتكم طفلاً وقد أخلقت ... شبيبتي والود لا يخلق
أنّي أشوب الآن صفو الهوى ... وعارضي قد شاب والمفرق
يليق بي صبري على حكمكم ... ولكن العطف بكم اليق
هل عائد لي والمُنى ضلّةٌ ... ظلٌ وورد سائغ ريّق
يا أرض نعمان ووادي مِنى ... والخيف لو أن المنى تصدق
وهل بذاك الشعب لي وقفةً ... في حرم أنواره تُشرق
وربّة الستر لنا تُجلتلى ... وعوُد وصلي مثمرٌ مورق
وأكبر الآمال لو ضمّني ... بسفح سلع مربع مونق
فبالقباب البيض لي مطلب ... عرف الرضا من تربه يُنشق
стр. 317
محجب بالعزّ لا بالظُبا ... به سناه لا القنا مُحدق
تقطع بالأشواق أرواحُنا ... إليه ما لا تقطع السبّق
حاز كنوز الفضل بالمصطفى ... ذاك الجناب العطر المشرق
وكلّ فجٍّ أرجٍ بالتقى ... فإنه من طيبه يعبق
أتى بدين قيّم واضحٍ ... بين ضلال وهدى يَفُرق
يَنمى ويزداد ودينُ العدى ... أئمة الزيغ به تمحق
كذلك الحق إذا ما علا ... على محالٍ باطل يزهق
طوى الطباق السبع حتى انتهى ... إلى مقام قطّ لا يُلحق
قام مقاماً لودنا غيره ... منه لأضحى بالسنا يُحرق
وعاد ليلاً وأساريره ... بنظرةٍ قدسيةٍ تُبرق
يا ويل من كذبه بعد ما ... كان أميناً فيهم يصدق
لو لم يقل إني رسول أما ... شاهدُه في وجهه يَنطق
سبحان من صوّره صورةً ... أكمل معناها الذي يَخلق
كأن فاه باسماً ناطقاً ... بجوهر الغوّاص مستحدق
فالشفة الياقوت والؤلؤ ال ... رطب الثمين الثغر والمنطق
جبينه الصبحُ ومن فوقه ... الفرع الدجى والفلك المفرق
كأنما قد صيغ من فضّة ... بنانه والكفّ والمرفق
стр. 318
وخصّه بالخُلُق المرتضى ... سمحٌ حليم خاشع مُشفق
يسمو ويعلوها بهاء إذا ... ما قال والتوقير إذ يطرق
كان على الأعداء ذا قوّة ... وبالذي يبغي الهُدى يَرفق
في صلب نوح كان مستودعاً ... فهو على الأمواج لا يغرق
وصلب إبراهيم من أجله ... له ضرام النار لا تحرق
وكان من معجزه أن غدا ... ماء رواً من كفه يدفق
كما حوى كفّاه تمراً به ... أشبع جيشاً ضمّه الخندق
ومرود الدوسيّ فأعجب له ... إذ زودت من تمره الأوسق
فرسانه أخنت على فارسٍ ... فزال عنها التاج والمنطق
وجاهه متصلٌ بعد ما ... يصعق بالنفخة من يصعق
غداً له الحوض وفي كفّه ... لواء حمدٍ شاملٍ يخفق
وهو شفيع منقذ في غدٍ ... مَن بالخطايا في لظىً موثق
يا من له في منصّات العُلى ... وفي البرايا نسبٌ مُعرق
وتعرف الخضراء آثاره ... وتعرف الغبراء والمشرق
ووصفُه يعجز عن حصره ... نظماً ونثراً ماهرٌ مُفلق
قد مسني الضرّ وما لي سوى ... جاهك أسباب بها أعلق
كن لي مجيراً في زمانٍ به ... قوارع أسهمها ترشق
стр. 319
واسأل لي الرحمن روحاً إذا ... ضمّ عظامي برزخ ضيّق
ورحمةً توصلني جنّة ... لبأسها الفاخر استبرق
لا زال في ربعك أملاكه ... سبعون ألفاً حوله تحدق
تهدي إلى تربك طول المدى ... توافحُ المسك به تفتق
وقال يمدحه ﷺ :
يا ربة الستر لا انجابت غواديكي ... عن جو مغناك أو يخضرّ واديكي
وزدت في كل صبح عزةً وسناً ... ولا خلا من رجال الحيّ ناديكي
لا زال مربعك الداني الظلال حمىً ... رحباً لعاكفك الناوي وباديكي
وأنت يا عذبات الباني لا برحت ... تهيج أشواقنا ألحانُ شاديكي
وماس من كل غصن منك من طرب ... عطف وتهت دلالاً في تهاديك
ويا مياه الحمى لا زلت طيبة ... يروي بشرب الزلال العذب صاديكي
ويا نسيم صبا بجد لقد عرفت ... روحي بمسراك وهناً عرف مهديكي
وياليالينا لله عيش هوىً ... معى البدور تقضي في دياريكي
ويا فوارط أيامي بخيف منىً ... لو كان يُفدى زمانٌ كنت أفديكي
ويا رسائل وجدٍ لا أبوح بها ... إلى الأحبة عنّي من يؤديكي
أخفيك من عّذلي صوناً ومكرمة ... بل المدامع والأنفاس تبديكي
ويا ركاب الحجاز القُود لا نقبت ... من السرى أبداً أخفافُ أيديكي
ولا عدلت عن النهج القويم ولا ... مالت إلى غير أحبابي هواديكي
стр. 320
كم ذا التمادي دعى التعليل وابتدرى ... إلى الحمى فعنائي في تماديكي
ويا قباب حمى سلع حويت على ... رقى بما أسلفت عندي أياديكي
فتحت بالرشد لي عيني بعد عمىً ... واسمع السر من قلبي مناديكي
حق علي أوالي من بك اعتقلت ... أسبابه وأعادي من يعاديكي
أني وإن تكن أضحت عنك نازحة ... داري لأرعى بظهر الغيب واديكي
لا زال سكانك القطان في دعة ... وفاز رائحك الساري وغاديكي
وأنت لا تجزعي يا نفس من بدع ... مضلة ورسول الله هاديكي
أجارك الله لولا درع سنته ... لكان سهم الهوى الفتان مرديكي
لا تخلفي موعدي في حفظ منهجها ... فلست أخلف في حفظيه وعديكي
وقال يمدحه ﷺ
يا حداة الركب الحجازي ميلوا ... فبنعمان للركاب مقيل
فأريحوا فيها المطايا قليلاً ... من وجاها فقد براها النحول
وانزلوا الخفيف من منىً فيه ظل ... للأماني للنازلين ظليل
واستقلوا نحو الأباطح إن كا ... ن إلى ربة الستور سبيل
بأبي ذلك الجناب فوجدي ... وغرامي به عريض طويل
داره طال ما تبلج فيها ... للمحبين وجه عطف جميل
عشت فيها مع الأحبة حيناً ... لم يرع مسمعي لديها عزول
ثم غارت يد الجلال فصانت ... عزة ربعها فعز الوصول
стр. 321
غير أني على المودة لا الطر ... ف نسئ ولا الفؤاد ملول
أتمنى الدنو منها وقد حا ... ل عن القرب وعرها والسهول
أين منا سمراء دون حماها ... ذبل السمر شرعاً والنصول
ذات خدر لها البهاء وشاح ... ولها العز والسنا أكليل
ليس في تربها لذي العز والسل ... طان إلا الخضوع والتقبيل
هل لظمأن نحو منهلها العذ ... ب ورد به يبل الغليل
يوم تضحي وللنياق حنين ... في رباها وللجياد صهيل
وإذا ما سرت لها نحو سلع ... خبب تارةً وطوراً ذميل
ترتمي في الفلا لها الشوق حاد ... ولها نشرمن تحب دليل
فلها اليمن والسعادة والنص ... رة والبشر والرضا والقبول
بجناب رحب حوى كل فضل ... وفخار مذ حل فيه الرسول
أحمد الهاشمي أكرم خلق ال ... له أصلاً إذا تعد الأصول
شيبة الحمد جده هطل الغي ... ث به والربيع وإن كان كليل
سل من هاشم بن عبد مناف ... كاسر الجوع والجدوب تصول
نسب حل في قريش ذراها ... دون مرساه شامة وطفيل
حاز فيه بنو كنانة من عد ... نان مجداً بناه أسمعيل
ولقد طاب والمهيمن ربي ... منبت أصله الخليل الجليل
ولعمري به قريش استفادت ... شرفاً لم ينله قبل قبيل
стр. 322
وصفع المرتضى لموسى وعيسى ... بينته التوراة والإنجيل
وبه أحسن البشارة شعياً ... وعزيز وبعده حزقيل
واهتدى تبع بما بين الأح ... بار من نعته الذي لا يحول
وتصدى كعب لآل لؤي ... ولديه شبانها والكهول
قبل خلق النبي بالحقب الخم ... س خطيباً وهو اللبيب النبيل
ذاكراً مبعث النبي وود الن ... صر لو كانت الحياة تطول
وجلاه لشيبة الحمد سيف ... لحلاه وما إليه يؤل
ولقد قام في المواسم قس ... شاهداً أنه نبي رسول
ورأى الراهب النبوة قد لا ... حت عليه كأنها قنديل
إذ رأى فوقه الغمامة ظلاُ ... ويميل الظلال أنى يميل
ولنعت الرهبان أفضل هاد ... كان سلمان في البلاد يجول
فرأى عنده العلامات حقاً ... فاغتدى وهو قابل مقبول
وكفاه من الفخار مقام ... كان في القرب دونه جبريل
وهو الخاتم المخصص بالتك ... ليم والرؤية الحبيب الجليل
يا حبيب الرحمن أنت المرجى ... والوجيه المشفع المأمول
قد قصدناك في حوايج فاسأل ... ربك اليسر فهو نعم الوكيل
وقال يمدحه ﷺ :
ألا يارسول الله يا خير مرسل ... تخيرك الرحمن للرسل خاتما
стр. 323
ويا من إذا المشتاق أبصر وجهه ... فأن له البشرى وإن كان نائما
تعطف على ضعفي برؤية وجهك ال ... كريم فرؤياه تحط المأثما
ولست بأهل لاجتلاء جماله ... ولكن فقير يسأل البر راحما
وهذا ربيع أبرك الأشهر الذي ... ظهرت به في مطالع السعد قادما
كساك به الله المهيمن حلة ال ... جمال وقلدت المهابة صارما
فهب لي فيه خلعة الفوز والرضا ... برؤياك يامن كان بالحق حاكما
وسل لي رب العرش منه معونة ... من الله تغنيني إذا كنت عادما
وسل لعيالي صونهم وصلاحهم ... عسى أن يكونوا صالحين أكارما
وقال يمدحه ﷺ :
إذا صار قلب العبد للسر معدنا ... تلوح على أعطافه بهجة السنا
وإن فاته المعنى علته كثافة ... وأصبح في أفعاله متلونا
وعدت بأمر ليس عندي ريبة ... ولا شك فيمن قاله متيقنا
وكنت أظن الأربعين مظنة ... لوعدي فجازتني ولم أبلغ المنى
وأربت على الستين مدة عيشتي ... كذلك لم أعرف لنفسي موطنا
فإن كان ما أرجو قد أصبح واقعاً ... فكل الذي لاقيت أصبح هينا
وإلا فيا حزني وطول ندامتي ... وحق لمثلي أن يهيم ويحزنا
وما عاقني إلا هوىً يحجب الفتى ... عن الخطة المثلى ويورثه العنا
فإن كان يمحو العذر زلتي التي ... حرمت بها الأمر الذي لي عينا
стр. 324
فها أنا منها تائب متنصل ... إلى الله ذو السلطان والعز والغنى
وإني إليه خاضع متوجه ... بأحمد أزكى شافع لفتىً جنى
محمد المختار من آل هاشم ... نبياً رسولاً للصواب مبينا
له الجاه والزلفى إذا قيل من لها ... فقال مجيباً دون كل الورى أنا
فينجي جميع الخلق من كرب موقف ... به كل وجه للمهيمن قد عنا
وتنقذ من نار الجحيم عصاتنا ... شفاعته ممن أسر وأعلنا
وفي هذه الدنيا فإن بجاهه ... علينا لظلاً شاملاً طيب الجنى
وفي كل يوم اثنين يعرض كسبنا ... عليه وفي يوم الخميس مدونا
فما كان من خير فيحمد ربه ... وما كان من سوء فيسأله لنا
فيا خير مبعوث إلى خير أمةً ... به أصبحت في الخلق شامخة إلينا
أجرني فما لي غيرك اليوم ناصر ... على كيد غاو شره قد تبينا
طليعته نفسي وسلطان جيشه ... على هوىً يلقى اللبيب مفتنا
فخذ بيدي يا أمنع الناس معقلا ... وأعظمهم جاهاً وأقوى تمكنا
ولا تدعني نهبة لجنوده ... وكن لي بحسن الحفظ منه محصنا
فأنت عمادي في حياتي وعدتي ... لموتي وذخري في المعاد إذا دنا
سقى جدثاً رحباً حللت بجوه ... فأصبح للإحسان والحسن معدنا
غمائم قرب تكسب الروح الرضا ... فينبت روض الأنس فيه فيجتني
وقال يمدحه ﷺ :
ألا يا رسول الله المليك الذي ... هدانا به الله من كل تيه
стр. 325
سمعت حديثاً من المسندا ... ت يسر فؤاد الفقيه النبيه
رواه ابن إدريس شيخي الذي اس ... تقام على منهج يرتضيه
باسناده عن شيوخ ثقا ... ت نفوا عن حديثك زور السفيه
ومعنا أنك قلت أطلبوا ال ... حوايج عند حسان الوجوه
ولم أر أحسن من وجهك ال ... كريم فجد لي بما أرتجيه
فجاهك جاه عظيم ولم ... يخب من رجا جاه مولى وجيه
وقال يمدحه ﷺ :
أقل عثراتي واعف يا حسن العفو ... عن عمدي من مسطور ذنبي والهفو
وصف من الأكدار قلبي واهدني ... من البر والتقوى إلى المورد الصفو
فكم لي من سوء اجتراح نسيته ... واحصاه محروس الحفاظ من السهو
شقيت به أيام أمرح في الصبا ... وأسحب أذيال البطالة واللهو
فيا ملكاً زان السماء بأنجم ... على الفلك الأعلى طفت أحسن الطفو
وسخر ما بين السماء وأرضه ... سحائب يخفو برقها أحسن الخفو
وأبقى على شمس النهار ضياؤها ... وخص بنقص آية الليل بالمحو
ولما دحى الأض اقتداراً وحكمةً ... على الماء أرسى الشم في اثر الدحو
أغثني بتوفيق ينور باطني ... وينحو إلى الخيرات في أرشد النحو
فأني مقر أنك الله ربنا ... تعاليت عن شرك الغطاة أولى العدو
بأات جميع الكائنات بقدرة ... على غير أمثال تضاهى ولا حذو
стр. 326
وله لغز في فهد:
ومتصف بالفتك يوم اكتسابه ... على ظفره أثر الدماء ونابه
كأن مهاة الفلك لما انتهى بها ... مداه إلى سرب المها وأنتهابه
رمته بشهب الجو خوف انتقامه ... فأطفأها في عسجد من إهابه
الصاحب مؤيد الدين إبراهيم بن يوسف بن إبراهيمالمقدسي الشافعي تفقه وبرع ودرس وكان أحد الفقهاء المشهورين بدمشق سمع من أبي عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي وغيره وحدث وتوفي بدمشق ليلة السادس عشر من شهر ربيع الآخر ودفن من الغد بمقابر الصوفية وكانت له جنازة حفله رحمه الله تعالى.
عيسى بن طاهر بن نصر الله بن جهبل بن أحمد الشيباني المعروف بابن القفطي الحلبي الوزير كان من الرؤساء الأكابر الفضلاء مولده ببيت المقدس سنة أربع وتسعين وخمسمائة وسمع من الافتخار الهاشمي وغيره وحدث وتولى نظر حران في أيام وزارة أخيه القاضي الأكرم جمال الدين
стр. 327
عفر الخد وقبل تربة ... حل فيها أكرم الناس قبيلا
حجة الرحمن مفتاح الهدى ... أحمد المبعوث بالحق رسولا
جدد الأيمان اضحت جدداً ... بسنا أنواره بيضاً سهولا
ونجوم الدين زهراً لا ترى ... أبد الدهر لساريها أفولا
هديه يهدي التقى للمهتدي ... وهداه يورث العلم الجهولا
لم تزل أنسابه ساميةً ... في قرون سلفت جيلاً فجيلا
من لدن آدم حتى حتى هاشم ... فهو خير الناس إن عدوا الأصولا
خصه الله بأصحاب فنوا ... بالقنا في نصرة المجد الأثيلا
ذبحوا الكفر فأضحى بهم ... كل صعب من بني الشرك ذلولا
لبسوا درع التقى سابغة ... وانتضوا للمجد صمصاماً ثقيلا
غرر الأحياء ضاهوا بالنوا ... ل الحيا طولاً وجازوا النجم طولا
منهم الصديق أولاهم به ... إذ هو السابق قوالاً فعولاً
لو أراد المصطفى من صحبه ... خلا اختار أبا بكر خليلاً
ثم لو كان نبياً بعده ... أصبح الفاروق بالأمر كفيلا
وارتضى عثمان من أصحابه ... لابنتيه كفؤاً براً نبيلا
وكسى عطفي على حلة ... لا تضاهى حين أعطاه البتولا
ولأهل البيت منه شرف ... وهو في الآيات باق لن يزولا
стр. 328
وبه آمنة نالت من الفض ... ل والفخر منالاً مستطيلا
يا رسول الله يا من مدحه ... في القوافي أقوم الألفاظ قيلا
مسني ضر غطاء ساتر ... من ذنوب غادرت قلبي كليلا
أنا منها تائب مستغفر ... فاسأل الرحمن لي صفحاً جميلا
وقال يمدحه ﷺ :
سرى صوب الحيا إلهامي فأحيا ... مرابع بالحمى غزت عليا
مررت على رباها بالعشايا ... فيكسوها من الأزهار وشيا
إذا نشرت مطارفه عليها ... طوت عنها برود الجدب طيا
تعلق حبها قلبي فأضحت ... أحب الأرض في الدنيا إليا
وساكنها أحب الناس طرا ... إلى قلبي وأحظاهم لديا
فقل لعيشة قضيت فيها ... فداء كل شيء في يديا
شربت بها من المعنى كؤوساً ... يصول بها الوقار على المحيا
إذا ما خالطت سراً مصوناً ... سمت عزماته فوق الثريا
وما حيا نديم الشرت ميتاً ... بها إلا غدا في الحال حيا
مبرقعة المحاسن ما اجتلاها ... بخيل عد رشد الجود غيا
وتأنف أن يلم بها جبان ... يرى أحجامه في الحرب بقيا
ولكن من رأى الأمساك فقراً ... وعد الموت في العلياء محيا
стр. 329
حقائق ليس فيها من نصيب ... لمن لم يتبع السنن المهيا
شرائع سنها خير البرايا ... وأحكم عقدها أمراً ونهيا
فكيف يزيغ عنها ذو تقاة ... وقد نزلت من الرحمن وحيا
على المختار أحمد خير هاد ... وأزكى الناس أخلاقاً وهديا؟
حوى قصب السباق إلى المعالي ... فرتبة فضله في السبق عليا
تبين فضله والناس ذر ... إلى أن شاع عن موسى وشعيا
وقلد فخره مضراً وأعطى ... لواء المنصب السامي لؤيا
وأعلى كعب كعب في البرايا ... وأقصى الفخر بلغه قصيا
وشاد لهاشم أعلى مناراً ... فأضحوا أشرف الأحياء حيا
وأشرق نوره إذ كان حملاً ... على الجبهات للإبصار رئيا
وزاد البيت ذو الحرمات نوراً ... به لما بدا يمتص ثديا
وتم شبابه الريان يجري ... إلى حلبات أقصى الفخر جريا
وسلم كل مخلوق صموت ... عليه عند مبعثه وحيا
ونال بليلة المعراج شأوا ... لمن رام المصير إليه أعيا
أبر الناس ف قول وفعل ... وأثبت عزمةً وتقىً ورأيا
وأطول بالحسام العضب باعاً ... وأطعن بالقنا وأشد رميا
حليم صابر راض وفي ... جواد باسم طلق المحيا
стр. 330
فلم يحدث لأمر فات لوا ... ولم يمزج بوعد منه ليا
كريم طيب الأعراق سهل ... يذيق محبه بالبشر أريا
فإن ظهرت بسالته لقوم ... تجرع خصمه بالبأس شريا
له كف على العافين غيث ... وصاعقة على من صد بغيا
وقلب من قلوب الأسد أقوى ... ووجه من ذوات الخدر أحيا
يموت ببأسه في الحرب حزب ... وآخر بالندى في السلم يحيى
أتى بالحق والشيطان يسعى ... بباطل كيده في الناس سعيا
فاسمع بالهدى والذكر صماً ... وقاد إلى سبيل الحق عميا
وأوجب طاعة ونفى خلافاً ... فتم الأمر إيجاباً ونفيا
وأضحى الدين مذكوراً شهيراً ... به من بعد ما قد كان نسيا
ألا يا فاتح الخيرات فتحاً ... وباني قاعدات الشرع بنيا
ومن نرجوه في سر وجهر ... لكل أمورنا ديناً ودنيا
سل الرحمن في يسر وحج ... أموت على تقاضيها وأحيا
زيارة ربعك المعمور سقياً ... له من مربع رحب ورعيا
ورؤية وجهك الميمون طوبى ... لمشغوف جلتك عليه رؤيا
وخاتمة متوجةً بحسنى ... يفوز بها عبيد البر يحيى
يرى نظم المدايح فيك ذخراً ... إذا حثي التراب عليه حثيا
стр. 331
فذكرك في قريض الشعر مسك ... ووصفك يلبس الأوزان حليا
عليك من المهيمن كل وقت ... سلام لا يحاول عنك نأيا
ولا زالت لك الأنوار تهدى ... وفي الآخرى لك الزلفى تهيا
وقال ﵀ وكتب بها إلى والدي ﵀
ألا يا حليف البيد يخترق الفلا ... يخوض نواح الأحتيناب المفاوز
إذا جئت أرض الشام أبرك بقعةً ... وأفتك جند بالعدو المناجز
فقف بالفقيه الحنبلي محمد ... حليف المعالي والخلال والغرائر
أمام الحسن البشر والبر باذل ... وللزهد والإخلاص والذكر كانز
فبلغ سلام العبد يحيى بن بوسف ... ولاتك عن حمل السلام بعاجز
وسلم عليه من قديم وداده ... علي بن وضاح تكن خير فائز
وقال وقد بلغه أن والدي ﵀ قد حصل له مرض وبرئ فكتب إليه:
يا من غدا فهمه بالعلم مدرعاً ... وعقله برداء الحلم مقتنعا
وقلبه بشمال الدين مشتملاً ... وصدره بالها والرحب متسعا
ووجهه بسنا الأنوار مبتهجاً ... وكفه باللهى والجود مترعا
إن ألتقى والحجى والعلم والعمل ال ... مبرور والزهد والخيرات والورعا؟
من بعض أوصاف من أخفيت ... سنن وأبديت بدع قد أخفا البدعا
стр. 332
وأبدأ السنة الغراء مجتهداً ... لله حين أضحى الحق منقشعا
بمنصل كان شرع الله صيقله ... وما انتضى بدعة إلا لها قطعا
لما سمعت بداء قد عراك إذا ... وجدته في حشائي مولماً وموجعا
خوفاً على المذهب الهادي لمرتشد ... أن لا يرى بعد أهليه قد انصدعا
فشتت البدعة الظلماء حين ترى ... نجماً من السنة الغراء قد وقعا؟
لأنها قمر سار وأنت لها ... فلك ومنك سنا أنوارها طلعا
كذلك العلم روض زهره ثمر ... وأنت تجني المعاني منه ممترعا
قد كنت من قبل نظم الشعر فيك إذا ... يممت نظماً أراني مفتحاً لكعا
فحين ما جال فكري فيك خلت بأ ... ن كل نظم ونثر قد حويت معا
يوسف بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن جمادي بن أحمد بن محمد بن جعفرالجوزي بن عبد الله بن القاسم بن نصر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضوان الله عليه أبو المظفر محي الدين القرشي التيمي البكري البغدادي الحنبلي المعروف بابن الجوزي مولده في يوم ليلة السبت ثاني عشر ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة تفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وسمع من أبيه الإمام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن ومن أبي القاسم يحيى بن أسعد بن بوش وأبي الفرج عبد المنعم بن كليب وجماعة آخرين
стр. 333
وترسل عن الديوان إلى مصر والروم والشام والشرق والموصل والجزيرة وغير ذلك عدة دفوع في الأيام المستنصرية والأيام المستعصمية وتولى أستاذية الدار ببغداد مدة وكان إماماً عالماً فاضلاً رئيسا أحد صدور الإسلام وفضلائهم وأكابرهم أجلائهم ومن بيت الفضيلة والرواية والدراية وحدث ببغداد ومصر وغيرهما من البلاد والده الإمام جمال الدين أوحد علماء المسلمين وحفاظ المحدثين صاحب التصانيف المشهورة والفضائل المذكورة في فنون العلم وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره.
وكان وصل محي الدين المذكور رسولاً من المستنصر بالله إلى حلب سنة أربع وثلاثين وملكها يومئذ الملك العزيز فتوفي في شهر ربيع الأول من السنة ثم توجه إلى الروم رسولاً فمات الملك علاء الدين سلطان الروم في شوال من السنة ثم توجه رسولا إلى الملك الأشرف ابن العادل وأخيه الملك الكامل فتوفي الأشرف في المحرم سنة خمس وثلاثين وتوفي الكامل في شهر رجب منها فعمل الأمير أبو القاسم بن محمود بن الأرشح بن الحسين بن محمود بن إبراهيم السنجاري المولد الحنفي المذهب
قل الخليفة رفقاً ... لك البقاء الطويل
أرسلت فيهم رسولاً ... سفيره عزرئيل
لم يبق من رعا البلاد ... إلا القليل
стр. 334
تلقاه حيث استقلت ... به الركاب عويل
فليت شعري هذا ... مغسل أم رسول
سموه باسمين كانا ... صديق فيما يقول
محيي تصدى مميتاً ... ويوسفاً وهوغول
وللملك الناصر داود بن المعظم عيسى في هذه الواقعة:
يا إمام الهدى أبا جعفر المن ... صور يا من له الفخار الطويل
ما جرى من رسولك الشيخ محي ال ... دين في هذه البلاد قليل
جاء والأرض بالسلاطين تزهو ... وانثنى والقصور منهم طلول
أقفر الروم والشآم ومصر ... أفهذا مغسل أم رسول
كان محي الدين المذكور قد ولاه الإمام الناصر لدين الله حسبة بغداد وأنعم عليه إنعاماً عظيماً ورزق منه حظا ولم يزل في عرق إلى أن ولي أستاذية الدار للخليفة وترسل عنه إلى ملوك الأقاليم وحصل له الوجاهة التامة ووعظ وله علم بالتفسير والحديث والفقه ونظم الشعر وله المدايح في الخلفاء خاصة قال المبارك بن أبي بكر بن حمدان في قلائد الفرائد قدم إربل رسولاً من ديوان الخلافة إلى خوارزم شاه منكيرني بن محمد بن تكش فاجتمعت به بعد عوده من الرسالة بأربل في أواخر شعبان سنة سبع وعشرين وستمائة وذكر لي أن مولده في ذي القعدة سنة ثمانين وخمسمائة وأن له عدة تصنيفات في الخلاف والجدل والمذهب والوعظ وأنه قرأ القرآن الكريم
стр. 335
بالقراآت على أبي بكر الباقلاني وله كتاب سماه معادن الأبريز في تفسير الكتاب العزيز ومما قرأت عليه لنفسه من قصيدة مدح بها الناصر لدين الله ﵀:
وإذا طرف المشوق كبا ... لك تقل والله عثرته
وممات الصب صدكم ... وغداة الوصل بغيته
قصة المحزون سطرها ... في ظلام الليل غصته
صفحة الخدين رقعتها ... ودواة الصب مقلته
ويراع الوجد يعربها ... من مداد الشوق مدته
وإلى المحبوب يحملها ... من صبا الأسحار نسمته
وإذا حن الحزين أسى ... كحنين العيس حنته
وسلاف الحب تطربه ... فتذيع السر نشرته
مثل ما في النظم يطربني ... لإمام العصر مدحته
لوفود الجود قد كفلت ... بالأماني أريحته
من ندى كفيه تابعه ... حجة الإحسان عمرته
فعلت بالحق دولته ... فعلت في الخلق دعوته
يخجل الوطفاء هاميةً ... حين تهمى الجود مزنته
وأسود الغاب خاسئة ... قد كساها الخوف سطوته
فإذا ما البحر قيس به ... أشبه الغدران لجته
ومن الطين الورى خلقوا ... ومن العلياء طينته
стр. 336
ولنا منه الندى وله ... من إله العرش نصرته
وله رق الورى وله ... من رسول الله بردته
ومنانا أن يدوم لنا ... لتنال السول دولته
إن ميت الجود عاش به ... بعد ما ضمته حفرته
وإذا ما الله عمره ... كملت للجود بغيته
فلمن عاداه نار لظىً ... ولمن والاه جنته
وقال أيضاً:
يا نفس ويحك قد دهاك ... قهر الغير هداك حين دهاكي
فكأنني بك قد أنال ... يلقاك منه الذل إذ يلقاكي
فلئن ركنت إلى سرور زائل ... فلقد رضيت بخادع أفاك
ولئن نظرة مرة لمسرةً ... فلتنظرن غداً بمقلة باكي
أتراك مالك عبرة في من مضى ... ممن علمت من الورى أتراكي
إن الذين بنوا مشيداً وانثنوا ... يسعون سعي القاهر الفتاك
من كل من ضاق الفضاء بجيشه ... وسمته همته على الأفلاك
نقلوا إلى ضيق اللحود وقد غدوا ... في الأسر ليس لهم سبيل فكاك
ولقد علمت بأن سبلك سبلهم ... فعلام لا تتأهبين فما أشقاك
جدي فأيام الحياة قصيرة ... وكأنني بالموت قد فاجأكي
العز ذل والحياة منية ... والقرب بعد هكذا دنياكي
لا تحسبي المأخوذ في يوم الجزا ... أخذاً بما كسبت يداك سواك
стр. 337
فتزودي ما شئت من حسن ومن ... سوء فذلك كله يلقاك
ويلاه من نصب الصراط ووضعه ... وشهادة الأعضاء والأملاك
قد طال ما وافقت رأيك في الهوى ... وعصيت عقلي طائعاً لرضاكي
ورأيت أعدا صاحب لي ناصحاً ... وأخي الموافق لي على بلواك
فالآن حين مضى الشباب بشرخه ... وأتى المشيب مبادراً ينعاكي
وأبيض من فودي ما لو يفتدى ... لفديته بكرائم الأملاك
أدعوك للأمر الرشيد فتنفري ... بدلت غيرك قبل يوم هلاكي
لا تجعليني قائلاً لك في غد ... كم كنت من هذا البلا أنهاكي
وأرى شقياً من أطاعك جاهلاً ... ولو أهتدى لرشاده لعصاك
فاستغفري بالله العظيم لما مضى ... وعليك فيما فات باستدراك
وذكر ابن المستوفي في تاريخ أربل أن محي الدين المذكور تولى حسبة بغداد وعقد بها مجالس الوعظ وقيل أنه كان يعمل في كل أسبوع قصيدة يمدح بها الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين.
وقال قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن خلكان رحمه الله تعالى في كتابه الموسوم بوفيات الأعيان حكى لي الوجيه أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن سويد التاجر التكريتي قال كان الشيخ محي الدين أبو المظفر يوسف بن الجوزي ﵀ قد توجه رسولاً من بغداد إلى الملك العادل بن الكامل بن العادل بن أيوب سلطان مصر في ذلك الوقت وكان أخوه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محبوساً في قلعة الكرك يومئذ
стр. 338
فلما عاد محي الدين راجعاً إلى بغداد وقدم دمشق وكنت بها فدخلت عليه أنا والشيخ أصيل الدين أبو الفضل عباس بن عثمان بن نبهان الأربلي وكان رئيس التجار في عصره وجلسنا نتحدث معه فقال حلفت الملك الناصر داود صاحب الكرك أن لا يخرج الملك الصالح نجم الدين من الحبس إلا بأمر أخيه الملك العادل قال فقال له الأصيل يا مولانا هذا بأمر الديوان العزيز فقال محي الدين وهل هذا يحتاج إلى أذن؟ هذا أقتضته المصلحة لكن أنت تاريخ يا أصيل الدين فقال يعني مولانا أني قد كبرت وما أدري ما أقول وأنا أحكي لمولانا حكاية في هذا المعنى أعرفها من غرائب الحكايات قال هات فقال كان ابن رئيس الرؤساء ناظر واسط يحمل في كل شهر حملاً من واسط وهو ثلاثون ألف دينار لا يمكن أن يتأخر يوماً عن العادة فتعذر في بعض الأشهر كمال الحمل فضاق صدره لذلك وذكره لنوابه فقالوا له يا مولانا هذا ابن زيادة عليه من الحقوق أضعاف ذلك ومتى حاسبته قام بما يتم الحمل وزيادة فاستدعاه وقال له أنت لم لا تؤدي كما يؤدي الناس فقال أنا معي خط الإمام المستنجد بالمسامحة قال فهل معك خط مولانا الإمام الناصر قال لا قال قم واحمل ما يجب عليك قال ما ألتفت إلى أحد وما أحمل شيئاً ونهض من المجلس فقال النواب لابن رئيس الرؤساء أنت صاحب الوسادتين
стр. 339
وناظر النظار وما علي يدك يد ومن هو هذا حتى يقابلك بمثل هذا القول ولو كسبت داره وأخذت ما فيها لما قال لك أحد شيئاً وحملوه عليه حتى ركب بنفسه وأجناده وكان ابن زيادة يسكن قبالة واسط وقدموا لابن رئيس الرؤساء السفن حتى يعبر إليه وإذا بزبزب قد قدم من بغداد فقال ما قدم هذا إلا في مهم ننظر ماهو ثم نعود إلى ما نحن بسببه فلما دنا من الزبزب فإذا فيه خدم من خدام الخليفة فصاحوا به الأرض الأرض فقبل الأرض وناولوه مطالعة وفيها قد بعثنا خلعة ودواة لابن زيادة فتحمل الخلعة على رأسك والدواة على صدرك وتمشي إليه راجلاً وتلبسه الخلعة وتجهزه إلينا وزيراً فحمل الخلعة على رأسه والدواة على صدره ومشى إليه راجلاً فلما رأه ابن زبادة انتشده ابن رئيس الرؤساء
إذا المرء حي فهو يرجى ويتقى ... وما يعلم الإنسان ما في المغيب
وأخذ يعتذر إليه فقال له ابن زبادة لا تثريب عليكم اليوم وركب في الزبزب إلى بغداد وما علم أن أحداً أرسلت إليه الوزارة غيره فلما وصل إلى بغداد أول ما نظر فيه أن عزل ابن رئيس الرؤساء عن واسط وقال هذا ما يصلح لهذا المنصب ثم قال الأصيل المصلحة يا مولانا أن تخرج الملك الصالح وتملك وتعود إليه ويقع وجهك في وجهه وتستحي منه فأنشده محي الدين:
وحتى يؤب القارظان كلاهما ... وينشر في الموتى كليب لوائل
стр. 340
فما كان إلا مديدة حنتى خرج الملك الصالح من حبس الكرك وملك مصر وقبض على العادل فخرج محي الدين للقائه وكان بها رسولاً إلى العادل.
قلت ومولد قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن علي بن زبادة الشيباني يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة وتوفي ليلة الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين وخمسمائة ببغداد ﵀.
وأما جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محي الدين يوسف المذكور فمولده سنة ست وستمائة سمع ووعظ وترسل عن الديوان إلى مصر وولي الحسبة ببغداد ودرس بالمدرسة المستنصرية على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى وكان رئيساً معظماً من أعيان الدولة وأماثلها وله ديوان شعر حدث بمصر وببغداد وقتل ببغداد شهيداً في صفر سنة ست وخمسين وكان والده بكر به فأسمعه من الشيخ أبي محمد عبد العزيز وغيره من شيوخ بغداد ومن شعره في النبي ﷺ من أبيات:
فضل النبيين الرسول محمد ... شرفا يزيد وزادهم تعظيما
در يتيم في الفخار وإنما ... خير اللآلي ما يكون يتيما
стр. 341
ولقد شاي الرسل الكرام فكلهم ... قد سلموا لجلاله تسليما
وأما أخوه شرف الدين فهو الذي كان أرسله المستعصم بالله إلى هولاكو لما قصد بغداد يبذل له الأموال وكان من الرؤساء الأعيان الفضلاء وأما أخوه تاج الدين فكان رئيساً فاضلاً عالماً متديناً من أعيان رؤساء بغداد فقتل الجميع شهداء على يد التتر ببغداد في شهر صفر ﵏.
стр. 342
السنة السابعة والخمسين وستمائة
دخلت هذه السنة والملك الناصر صاحب الشام وغيره ففي أوائلها رحل بالعساكر متتبعاً آثار البحرية فاندفعوا بين يديه إلى الكرك فنزل بركة زيزاء ليحاصر الكرك وصحبته الملك المنصور صاحب حماة فجاء إلى الملك الناصر رسل المغيث ودار القطبية ابنة الملك المفضل قطب الدين بن العادل يتضرعون إليه ويطلبون رضاه عن المغيث فشرط عليه أن يقبض على من معه من البحرية فأجاب إلى ذلك وقبض عليهم وجهزهم إلى الملك الناصر على الجمال وهو نازل ببركة زيزاء فحملوه إلى حلب واعتقلوا بها ولما أحس الأمير ركن الدين البندقداري بما وقع عليه الإتفاق هرب من الكرك في جماعة من البحرية ووصل إلى خدمة الملك الناصر فتلقاهم وأحسن إليهم وعفا عنهم ولما تم الصلح رجع الملك الناصر إلى دمشق وصحبته الأمير ركن الدين البندقداري وتوجه صاحب حماة إليها.
وفيها دخل هولاكو ديار بكر قاصداً حلب ونزل على آمد وبعث رسله إلى الملك السعيد نجم الدين أيلغازي صاحب ماردين يستدعيه فسير إليه الملك المظفر قرا أرسلان وقاضي القضاة مهذب الدين محمد بن مجلي والأمير سابق الدين بلبان وكان أكبر أمرائه وعلى أيديهم
стр. 343
هدية وحملهم رسالة تتضمن الإعتذار عن الحضور بمرض منعه من الحركة ووافق وصولهم إليه أخذه لقلعة اليمانية وإنزاله من بها من حريم الملك صاحب ميافارقين ﵀ وأولاده وأقاربه وهم ولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف جفتاي والملك السعيد عمر وابن أخيه الملك الأشرف أحمد وابن تاج الملوك علي بن الملك العادل وينعت بالصالح نجم الدين أيوب فلما رأوهم هلعوا وجزعوا وأدوا الرسالة فقال ليس مرضه بصحيح وإنما هو متمارض مخافة الملك الناصر فإن انتصرت عليه اعتذر إلى بزيادة المرض وإن انتصر على كانت له اليد البيضاء عنده إذ لم يجتمع بي فلو كان للملك الناصر قوة يدفعني لم يمكني من دخول بلاده وقد بلغني أنه بعث حريمه وحريم أمرائه وكبراء رعيته إلى مصر ولو نزل صاحبكم إلى رعيت له ذلك ثم أمر برد القاضي وحده فعاد وأخبر الملك السعيد بصورة الحال وعرفه أنه رأى عند هولاكو عز الدين وركن الدين ملوك الروم فتألم وندم على إرسال ولده وبعث رسلاً إلى البرية إلى الملك الناصر يستحثه على الحركة إلى حلب ويعرفه أنه متى وصل إليها رحل إليه برجاله وماله وسير الأمير عز الدين يوسف السماع رسولاً في الظاهر إلى هولاكو بهدية وإلى ولده وإلى ولدي غياث الدين صاحب الروم باطناً يحرض ولده على الهروب وينكر على ولدي صاحب الروم في مجيئهما
стр. 344
فيكما فأوسعا الحيلة في الإنفصال عنه والحذر منه فشكراه وقال عز الدين والله ما خرجت البلاد عن أيدينا إلا بتخاذل بعضنا عن بعض فلو كانت الكلمة مجتمعة لم يجر علينا ما جرى.
وفيها توفي محمد بن ملي بن محمد بن الحسن بن عبد الله أبو عبد الله بهاء الدين القرشي الدمشقي العدل المعروف بابن الدجاجية الصالحي مولده في ثاني شعبان سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وتوفي في ثاني المحرم وقيل في رابعه من هذه السنة بدمشق ودفن من الغد بمقابر الباب الصغير كان فاضلاً شاعراً حسناً مطبوع الشعر ووالده يلقب حفظ الدين كان فقيهاً شافعياً نظم المهذب قصيدة ودرس ببصرى ومولده ثامن المحرم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة بدمشق ومات لها ليلة الخميس ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وعشرين وستمائة ﵀ وللبهاء المذكور يقول:
عن حبكم قط لا أحول ... ولو برى جسمي النحول
جمالكم قال أني ... مهما فعلتم بي هو الجميل
دلالكم ما خفي علينا ... بأنه للجفا دليل
يا كاحلاً بالسهاد طرفي ... يتمنى طرفك الكحيل
تنكسف الشمس حين تبدو ... ويخجل الغصن إذ تميل
لا تسمعوا في المحب قولاً ... زوره المبغض العذول
واحيرتي وانقطاع ظهري ... إن لم يكن لي بكم وصول
стр. 345
وله أيضاً:
من أين لقدك ذا الهيف ... قد حار الواصف ما يصف
الرمح الأسمر يحسده ... والغصن الأخضر والألف
فتبارك من أنشاك لقد ... في الخلق تفاضلت الطيف
قسماً بهواك وما أحلا ... قسم العشاق إذا حلفوا
وبمن خاضوا غمرات منىً ... وحصى الجمرات بها حذفوا
لا حلت عن المشتاق ولو ... أودى بحشاشتي التلف
يلحاني قوم ما فهموا ... ما شأني فيك ولا عرفوا
وله يمدح الملك الناصر يوسف:
دعوا دماً ضيعه أهله ... لا ستمر الجزع ولا أثله
ولا لبيناه ولا مية ... ولا سليماه ولا جمله
لو غض طرفاً ما ارتقت ... له ثم دماً ورى قتله
أحبابنا لئن توسعوا ... عذراً لمن ضاقت به سبله
وطرفه إن كان لما رنا ... جنى فقد حاق به فعله
ويلاه يا أهل الحمى لم يكن ... يعهد منكم ذا الجفا كله
صار طفيلياً على وصلكم ... من شاب في حبكم طفله
لم يك يوم الضال جمعي بكم ... إلا خيالاً زائلاً ظله
حلو التثني والتجني لوى ... عني ديناً لم يجز مطله
стр. 346
إن كان قد أحزنني هجره ... فطالما أفرحني وصله
كفرحة الدينا بسلطانها ال ... ناصر من عم الورى عدله
وله دوبيت:
بالله قفوا بعيسكم في الربع ... كي نسأل عن سكان وادي الجزع
إن لم أرهم أو أستمع ذكرهم ... لا حاجة لي في بصري أو سمعي
وقال:
يا أيها الصاحب الصدر الكبير ومن ... إليه قد طال إيرادي وإصداري
تركت قولي ومحض الشرع فهو معي ... وملت عني إلى قول ابن بندار
ما أنت إلا كما قد قال بعضهم ... وما علي بهذا القول من عار
المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
وله دوبيت:
ما عذر فتىً ما مد للهو يداً ... والروح قد اكتسى ثيابا جددا
مالت طرباً أغصانه راقصةً ... لما صدح الطير عليها وشدا
عرته غرته لما سرى ... ظن بأن الصبح قد أسفرا
اقبل يسعى خفراً خائفاً ... على ذمام الوعد أن يخفرا
زار محبا بات مستطولاً ... من ليله ما راح مستصغرا
يحق يا قوم لمن قده ال ... خطاران لا يرهب إلا خطرا
ضمته إذ قد نام سماره ... كما يضم البطل الأسمرا
بتنا وما في ليلنا من كرى ... كأنما النوم غدا مسكرا
стр. 347
وقال:
إلى سلم الجرعاء أهدى سلامه ... فماذا علي من قد لحاه ولامه
غريم الأسى أمسى فلا تمنعوه أن ... يبث إذ ذكر الحبيب غرامه
تجلد حتى لم يدع معظم الجوى ... لرائيه إلا جلده وعظامه
ولا عجب من فرط سقم بجسمه ... وصحة ود المرء يبدي سقامها
أاحبابنا الشاكين جدب وهادهم ... وعهدي به يروي العهاد إكامه
إذا لم يجد قطراً على منحناكم ... دمعا يقوم مقامه
ترى هل يعيد الله للصب وصلكم ... بذاك الحمى من قبل يلقى حمامه
ليهدي بكم قلب أطلتم خفوقه ... وينظركم طرف سلبتم منامه
وبي ظالم في الحكم لو أن وجهه ... تجلى بجنح الليل جلى ظلامه
يقوم بعذري فيه عند عواذلي ... إذا ما انثنى تيهاً يهز قوامه
تزرد خوفاً سالفاه للحظه ... بأنهما لا يِأمنان سهامه
وقال:
إلا مالقى قلبي وياما بكم لقي ... فيا ليتني ما عشت لم أعرف العشقا
نأت داركم من بعد قرب عن الغضا ... فلي دمع عين لا يفيض ولا يرقى
وقال الأعادي إنني قد سلوتكم ... لعمري لقد قال العدو وما أبقا
هوى من كساني السقم غير هواكم ... وفرقه من قد شبيت منى الفرقا
стр. 348
ووالله لو لم ينزلوا برق الحمى ... لما شمت من تلقاء ساحته برقا
المظفر بن محمد بن ألياس بن علي بن أحمد بن عبد الله بن علي أبو غالب نجم الدين الأنصاري الدمشقي المعروف بابن الشيرجي مولده بدمشق في شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة وسمع من أبي طاهر الخشوعي وابن طبرزد وحنبل وغيرهم وحدث وكان من العدول الأكابر الأعيان الرؤساء ولي الحسبة بدمشق ونزل الجامع بها وتوفي ليلة سلخ ذي الحجة ﵀ وبيته مشهور بالرئاسة والتقدم والعدالة.
يوسف القميني كان مأواه القمامين والمزابل بدمشق وغالب أوقاته يكون بقمين حمام نور الدين ﵀ بسوق القمح ويلبس ثيابا طوالا تكنس الأرض وهو حاف مكشوف الرأس طويل الصمت قليل استعمال الماء ولكثير من الناس فيه عقيدة جميلة ويحكون عنه أنه كان يكاشفهم في كثير من الأوقات وكان بعض من يعتقد فيه يحضر له شيئاً من المأكول والمشروب ويجتهد به فيتناول منه قدراً يسيراً ولازم هذه الطريقة الشاقة إلى أن توفي في سادس شعبان بدمشق ودفن بسفح قاسيون في تربة المولعين ﵀، وكانت له جنازة حافلة لم يتخلف عنها إلا القليل وكان من غرائب العالم يترنح في مشيته ولا يلتفت إلى أحد ولا يعبأ به.
стр. 349
أبو بكر بن الملك الأشرف أبي الفتح محمد بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الدين شاذي ﵀ مولده بمصر في النصف الآخر من شعبان سنة سبع وتسعين وخمسمائة سمع من حلب من ابن طبرزد وحنبل ودخل بغداد وسمع بها من أصحاب أبي الوقت السجزي وحدث بدمشق وغيرها وكانت وفاته في الثاني والعشرين من ذي الحجة بالياروقية بحلب ﵀.
؟؟ السنة الثامنة والخمسون والستمائة
أولها يوم الخميس فيها كثر الإرجاف بوصول التتار إلى البلاد العربية فجفل الناس من بين أيديهم إلى الديار المصرية والجبال والأماكن المتوعرة وفي منتصف صفر ورد الخبر إلى دمشق باستيلاء التتار على بلاد حلب بالسيف وكان نزولهم على حلب في ثاني صفر واستولوا عليها في تاسعه وأمنوا أهلها ثم غدروا بهم فقتلوهم ولما اتصل ذلك بالملك الناصر ﵀ سار عن دمشق بأمرائه نحو القبلة وكان رسل التتار بقرية حرستا فدخلوا دمشق ليلة الأثنين سابع عشر صفر وقرئ في يوم الأثنين بعد صلاة الظهر فرمان جاء من عند ملكهم يتضمن الأمان لأهل دمشق وما حولها وشرع أكابر البلد في تدبير أمرهم معهم وفي سابع عشر ربيع الأول وصل إلى دمشق نواب التتار فلقيهم كبراء البلد أحسن ملتقى وقرئ ما معهم من الفرمان المتضمن الأمان بالميدان الأخضر ووصلت عساكرهم من جهة الغوطة مارين وراء
стр. 350
الضياع إلى جهة الكسوة وأهلكوا في ممرهم جماعة كانوا قد تجمعوا وتخرموا وعدم بسبب ذلك جماعة من غيرهم وفي السادس والعشرين منه جاء منشور من هولاكو للقاضي كمال الدين عمر بن العديم بتفويض قضاء القضاة إليه بمدائن الشام والموصل ومارين وميافارقين والأكراد وغير ذلك وتفويض جميع الأوقاف إلى نظيره ووقف الجامع وغيره وكان القاضي قبله صدر الدين أحمد بن سنى الدولة من جمادى سنة ثلاث وأربعين وكان كمال الدين ينوب عنه في الحكم بدمشق وفي ربيع الآخر رجعت عساكر التتار التي كانت عبرت على دمشق بعد ما عاثت في بلاد حوران وأرض نابلس وما حولها وكان الأمير محي الدين إبراهيم بن أبي زكري بنابلس فقاتلهم قتالاً شديداً وأبلى بلاء حسناً بحيث قتل بيده منهم عشرة نفر ثم قتل ﵀ فلما بلغ الملك الناصر ﵀ ذلك وهو بغزة توجه نحو الديار المصرية فنزل العريش ثم قطيا ثم تفرق عسكره عنه فتوجه معظم العسكر إلى الديار المصرية مع الأثقال وعاد الملك الناصر في طائفة من خواصه لشئ بلغه عم ملك مصر ونزل بوادي موسى ثم نزل بركة زيزاء فكبسه التتار بها وتفرق عنه معظم أصحابه ثم
стр. 351
أستأمن له بعض أصحابه وصار إليهم فكان معهم في ذل وهوان إلى أن قتل على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
وأما العساكر التترية فبلغت غارتهم أرض غزة وبلد الخليل صلوات الله عليه والصلت وبركة زيزاء وموجب الكرك ونحو ذلك فقتلوا الرجال وسبوا النساء والصبيان واستاقوا من الأسرى والأبقار والأغنام والمواشي شيئاً كثيراًَ وأخذوا من الأسلاب والأثاث ما لا يحصى فلما وصلوا دمشق اشترى من الأسرى شئ كثير وأطلقوا وهرب بعضهم واستصحبوا معهم من بقي وقد كانت قلعة دمشق امتنع بها الأمير بدر الدين محمد بن فريجار واليها وجمال الدين بن الصيرفي نقيبها في جمع كثير بها واحتيج إلى حصارها فجاءها من التتر خلق كثير وصلوا يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى فما يأتوا تلك الليلة حتى قطعوا من الأخشاب ما احتاجوا إليه فكانوا أستصحبوا معهم أكثر من عشرين منجنيقاً تجرها الخيل وهم ركاب عليها وقدموا قبل ذلك بأسلحة تجرها البقر على العجل وأصبحوا يوم الاثنين يجمعون الحجارة لرمي المجانيق فاخربوا حيطاناً كثيرةً وأخذوا حجارتها من أساسها وأخربوا طرفاً من القنوات بسبب الحجارة وهيؤها للرمي ونصبت المجانيق ليلة الثلاثاء وأصبحوا يرمون بها رمياً فأخربوا كثيراً من القلعة من غربيها فما أمسوا حتى طلبوا الأمان فأمنوهم وخرجوا من الغد ونهب ما في القلعة وأحرق
стр. 352
فيها مواضع كثيرة وهدم من أبراجها وأعاليها ثم ساروا إلى بعلبك وكان قبل ذلك حضر عند هولاكو تقي الدين الحديثي الحشائشي وكان هذا تقي الدين أصله من قرية حديثا من بقاع بعلبك وربي ببعلبك بين أهلها كأحدهم ثم سافر إلى الديار المصرية وفاق أهل عصره في معرفة الحشائش والأعشاب وخواصها ومنافعها ومضارها وتقدم عند الملك المعز أيبك التركماني وأعطاه أقطاعاً جيداً ثم جهزه إلى الملك الناصر في بعض مهماته فاتفق قتل الملك المعز وهو بالشام فأقام بدمشق فورد كتاب هولاكو على الملك الناصر ﵀ يطلب جماعة التقى أحدهم فسيرهم إليه فحصل له منه إقبال فلما حصل الإستيلاء على حلب سأل من هولاكو فرمان لأهل بعلبك وشحنة من التتر فأجابه إلى ذلك فوصل المذكور ومعه الفرمان والشحنة ودخل بعلبك واجتمع به أهلها وكلهم معارفه ومعظم أصحابه وتحدث معهم في الدخول في الطاعة وقبول الأمان وكان سائر أهل البلاد إلا القليل قد صعدوا إلى القلعة بأموالهم وحريمهم مصممين على العصيان وكان نائب السلطنة بالأعمال البعلبكية الأمير ناصر الدين محمد بن البتيني ﵀ فعندما بلغ أهل البلد منازلة التتر لحلب سألوه المقام عندهم والذب عنهم وتدبير أمورهم فأجابهم وأصعد إلى القلعة شيئاً كثيراً فلما بلغه أخذ حلب وتوجه إلى الملك الناصر من دمشق رجع عن الصعود إلى القلعة وسافر من جهة بانياس والصبيبة وكانت تحت نظره وولايته وسافر معه جماعة من أهل بعلبك فلما اتفق بعد ذلك قدوم التقى
стр. 353
تحللت العزائم وجنحت إلى قبول الأمان فقال لهم ينزل معي جماعة من أعيان البلد إلى دمشق لأحضرهم عند نواب الملك وأعرفهم بدخولهم في الطاعة فتعوجه صحبته جماعة من الأعيان قريب خمسة عشر نفراً فلما وصلوا دمشق أنزلوا في مدرسة الأمير ناصر الدين القيمري ورتب لهم راتب متوفر من الطعام والحلواء والفاكهة وغير ذلك وأحسن إليهم غايةالإحسان وخلع عليهم خلع سنية وهذا لم يجر لغيرهم مع التتر فرجعوا إلى بعلبك صحبة التقى على أن تسلموا القلعة وينزل الناس إلى بيوتهم فاتفق يوم وصولهم إلى بعلبك وصول بدر الدين يوسف الخوارزمي إلى بعلبك من عند هولاكو ومعه فرمان بولاية بعلبك وأعمالها، وكان هذا بدر الدين ﵀ قد ولي مدينة بعلبك في الأيام الناصرية ورفق بأهلها وعاملهم أجمل معاملة وصادق كثيراً منهم وعاشرهم ثم عزل وولي ولايات أخر ثم عزل عنها واعتقل بدمشق وأنقضت الدولة الناصرية وهو بالاعتقال فخرج من الحبس وقصد هولاكو وكان عنده وتوصل ومعرفة بسائر الألسن، وهو مقبول الصورة وله معرفة بابن كشلوخان وكان ابن كشلوخان مع التتر وله صورة عندهم فلما حضر بدر الدين المذكور عند هولاكو ذكر معرفته ببعلبك وأهلها وتكفل بتسهيل ما تعسر منها وكان لبعلبك عند التتر صورة كبيرة لحصانة قلعتها ونجدة رجالها فكتب له فرمان بولايتها واتفق وصوله على ما تقدم فتحلل لقدومه معظم العزائم ودخل
стр. 354
البلد وأمر ونهى وأنس به الناس لقديم المعرفة وتمسك بالعصيان شجاع الدين إبراهيم والي القلعة ومن عنده من المستخدمين وقريب نصف أهل البلد
وقد كتب شجاع الدين إلى الملك الناصر ﵀ يعرفه صورة الحال واستأذنه في ما يفعل وسير الكتاب مع شخص يعرف بالمقرئ إبراهيم فوجده ببركة زيزاء فأعطاه المطالعة فقرأها وقال داروا عن أنفسكم وكتب الجواب بمثل ذلك. كتب شجاع الدين إلى الملك الناصر ﵀ يعرفه صورة الحال واستأذنه في ما يفعل وسير الكتاب مع شخص يعرف بالمقرئ إبراهيم فوجده ببركة زيزاء فأعطاه المطالعة فقرأها وقال داروا عن أنفسكم وكتب الجواب بمثل ذلك.
حكى لي المقرئ إبراهيم المذكور قال لما قرأ المطالعة وأمر بكتب الجواب حصل له في خلال ذلك رعاف يسير فمسح أنفه بمنديل كان في يده ورماه وطلب غيره فلم يكن عنده غيره فغسل بيده موضع الدم منه وحمله قال ولم أجد معه إلا نفراً يسيراً جداً إن في ذلك لعبرة.
وأما أهل القلعة فتمسكوا بالعصيان وأنتظار ما يرد به جواب الملك الناصر فعاد كتبغا نوين بالعساكر وكان عند توجهه إلى دمشق اجتاز بعلبك ولم يتعرض لقتالها فلما عاد بعد أخذ قلعة دمشق أحضر معه بدر الدين محمد بن قريجار وجمال الدين بن الصيرفي ليتحدثا مع أهل القلعة فتحدثوا فلم يفد وحضر إبراهيم بجواب الملك الناصر فحلل ما بقي من العزائم غير أن الوثوق بأمان التتر غير محقق فلما رأى كتبغا أصرارهم نازل القلعة ونصب عليها عدة مجانيق في يوم الأحد وجميعها تضرب في برج واحد لعله من أحصن الأبراج بحيث فتحت فيه المجانيق طاقة كبيرة كالباب الكبير فِأذعن أهل القلعة بتسليمها وطلبوا
стр. 355
الأمان فأمنهم كتبغا على أنفسهم وأن يخرج كل أنسان بما يستطيع أن يحمله من ماله فخرجوا على هذه الصورة بعد عصيان يوم واحد ووفي لهم بذلك ولم يرق لأحد محجمة دم ثم بعد خروج الناس من القلعة دخلها كتبغا فرآها وصعد قلتها ونهبها التتر وأخذوا ما وجدوا فيها ورحلوا وقد بقي فيها من القمح والشعير والحبوب والدبس واللبن وغير ذلك من الطعومات شئ كثير فتلطف بدر الدين يوسف الخوارزمي وأحسن السياسة فيه بحيث شاور كتبغا وتلطف به حتى أجاب إلى أن يقرر عن هذا الطعم درهم معلوم فقرر على ذلك قريب خمسين ألف درهم بحيث ناب غرارة القمح عشرين درهما وغرارة الشعير عشرة دراهم وقنطار الدبس الشديد عشرين وقنطار اللبن ثلاثون درهما فحصل للناس بذلك رفق كثير.
ثم أن كتبغا أمر باعتقال شجاع الدين إبراهيم والي القلعة ببعلبك وديوانها فاعتقلوا خلا شاهد القلعة فإنه كان خرج منها قبل حصرها وطلع إلى جبل الكسروانيين فاعتقلوا ثم أستدعوا إلى مرج يرغوث وضربت رقابهم وضربت رقبة ولد الشجاع وصهره معه ولذلك ضرب هناك رقبة بدر الدين محمد بن فريجار وابن الصيرفي نقيب قلعة دمشق وجرى بألطاف الله تعالى بأهل بعلبك ما لم يكن في الحساب فلله الحمد على ذلك.
وفي غرة شعبان حضر الملك الأشرف موسى بن صاحب حمص
следующие страницы →