Полный текст (1 675 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وكانت جدتي في قيد الحياة فقالت لوالدي كنت أشتهي زيارة هذا الأثر الشريف فزره عني فلما قدم دمشق وزار الأثر الشريف أخبر الملك الأشرف بما قالته والدته فجهز الأثر الشريف إلى بعلبك لأجلها فزارته وقضت وطرها من ذلك وكان جرى لهذا الأثر الشريف قصة أوجبت انتقاله إلى الملك الأشرف وذلك أن صاحبه ابن أبي الحديد كان يسافر به إلى الملوك فيعطوه الأموال وانتجع للملك الأشرف ﵀ في بعض السنين وكان يجزل له العطاء فقال له الملك الأشرف أشتهي أن تعطيني من هذا الأثر الشريف بقدر الحمصة لأجعله في كفني إذا مت فأجابه إلى ذلك وأعطاه ثلاثين ألف درهم وتقرر أنه في غد ذلك اليوم يحضر العلماء والمشايخ ويقطع من ذلك مطلوبه واغتبط ابن أبي الحديد بذلك فلما كان في الليل انثنى عزم الملك الأشرف وسير إلى ابن أبي الحديد بذلك فسقط في يده لتوقعه فوات المبلغ الذي سمح له به فلما أصبح حضر بين يديه وسأله عن السبب الموجب لذلك فقال فكرت في أنني متى أخذت من هذا الأثر الشريف هذا القدر تشبه بي الملوك فيفضي الحال إلى عدم هذا الأثر الشريف من الوجود وأكون أنا السبب فتركته لله تعالى وأما القدر الذي سمحت لك به فخذه لا أرجع فيه فاستطار فرحاً وأخذ تلك الجملة وسافر إلى بلاد الشرق فأدركه أجله أظن في حران فأوصى قبل وفاته بالأثر الشريف للملك الأشرف فصار إليه بحسن نيته فبنى لأجله دار الحديث المجاورة
стр. 457
للقلعة وجعله فيها يزار في عصر الاثنين والخميس وكان والدي ﵀ إذا جمعه وعلماء عصره مثل الشيخ تقي الدين بن العز والشيخ شرف الدين ابن الشيخ أبي عمر والشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين بن الصلاح وقاضي القضاة شمس الدين بن سنى الدولة وقاضي القضاة شمس الدين الخوى والشيخ أبي عمرو بن الحاجب والشيخ الحصيري وغيرهم من تلك الطبقة بالغوا في التأدب معه ولا يترفع أحد منهم عليه في الجلوس ولا الكلام ويرجعون إلى قوله وكذلك كان حال أكابر مشايخ عصره من الزهاد يتمثلون بين يديه ويمتثلون أمره حدثني غير واحد من أعيان الفقراء أن الشيخ عثمان العدوي ﵀ قدم مرة دمشق وكان والدي بها فدخل أمين الدولة وزير الملك الصالح على علي والدي في أنه يعمل للشيخ عثمان ومن معه من الفقراء ضيافة فأجابه والدي فعمل ضيافة احتفل لها واستدعى إليها مشايخ البلد فلما حضر والدي والشيخ عثمان ومد السماط شرع والدي يأكل وامتنع الشيخ عثمان من الأكل فقال له أمين الدولة في ذلك فقال والدي المقصود بركة الشيخ عثمان ويترك في الأكل على اختياره فلما خرج الجماعة قال بعض الفقراء للشيخ عثمان يا سيدي أنت ليس لك
стр. 458
من تقتدي به في أمور دنياك وآخرتك إلا الشيخ وقد رأيته أكل فلم امتنعت والله لما مد السماط شاهدته وهو نار تشتعل فكان سيدي الشيخ الفقيه يمد يده ويأخذ اللقمة من السماط ويرفعها فتستحيل وما تصل إلى فمه إلا وهي نور يتلألأ وأنا فلم يكن لي هذا التمكين فامتنعت.
وحكى لي القاضي تاج الدين عبد الخالق ﵀ ما معناه قال قدم بعلبك في الأيام الأمجدية شخص كاتب وادعى أنه من ذرية شاور وزير العاضد بمصر أو من أقاربه فولاه الملك الأمجد المواريث الحشرية ببعلبك واتفق غيبة الملك الأمجد فمات شخص وله أولاد عم فاحتاط على تركته فطلبه الشيخ وقال له هذا الرجل له وارث وأنا أعرف أنهم أولاد عمه ومستحقي ميراثه فليس لكم عليه اعتراض فقال السلطان أمرني أن من مات احتاط على تركته وأنا ما أفرج من هذه التركة فغضب الشيخ وقال له قم قطع الله يدك ويد السلطان معك فقام ذلك الشخص وتوجه إلى الملك الأمجد بالمكان الذي كان فيه وشكا إليه فقال له كنت امتثلت ما أمرك به فأنت تراني لا أخالفه وأنكر عليه فما وسعه المقام ببعلبك فتوجه إلى دمشق وأقام بها مدة وعثر عليه أنه زور توقيعاً فقطعت يده وأما الملك الأمجد فبعد أخذ بعلبك منه نزل إلى دمشق وأقام بدار السعادة وهي داره فضربه مملوك له بالسيف على يده فقطعها وجرحه جرحاً آخر وبقي يومين ومات ﵀ ومما
стр. 459
يقارب هذا أن خالي تاج الدين يعقوب بن سنى الدولة ﵀ قدم بعلبك في الأيام الناصرية زائراً ونزل في دار ابن عمه الشرف خضر وكان والدي كثير البر بأقارب والدتي فاتفق أنه قصد رؤيته وأنا معه فلما دخل قام خالي وقبل يده وقعد بين يديه وهناك فقير موله يقال له علي وقد أحسن خالي فيه الظن فلما دخل والدي قعد ذلك الفقير في الصفة فحضر الشمس محمد بن داود خادم والدي ومعه رأس مشوي ومدت السفرة وطلبوا على الفقير ليأكل فوضع يده على أنفه وقال أفوه أفوه وجعل يكرر هذا القول فلما سمعه والدي زعق فيه وقال قم قطع الله أنفك فخرج من البيت لوقته وطلب طريق الزبداني فلما كان بعد المغرب صادفه جندي سكران في الرمانة فضربه بالسيف فاصطلم أنفه بالكلية فعاد من الغد وهو على هذه الصورة وخولط في عقله فلم ينتفع بنفسه إلى أن مات.
ولما قصد التتر الشام في أوائل سنة ثمان وخمسين وستمائة وكثر الإرجاف بهم قال والدي ﵀ للشيخ محمود بن الشيخ سلطان وكان الشيخ محمود يجتمع برجال لبنان قد جمع بينه وبينهم والده فقال له والدي سلم عليهم وسلهم عن أمر هذا العدو وما يكون عاقبة الناس معهم فسألهم وحضر عند والدي فقال له ما الذي أجابوك به فقال قالوا قل له يسألنا عن مثل هذا ونحن لا نعلم إلا ما يفضل عنه وسمعت الشيخ محمود ﵀ يقول غير مرة ما توفي سيدي الشيخ الفقيه
стр. 460
إلا بعد أن قطب اثنتي عشرة سنة أو قال فوق ذلك الشك مني في المدة وكان شرف الدين محمد بن عطاء حنبلي المذهب وكان يحب والدي محبة مفرطة بحيث ترك وطنه وانتقل إلى بعلبك لمحبته فيه وأقرأ ولده قاضي القضاة شمس الدين عبد الله الحنفي ﵀ القرآن الكريم فلما فرغ منه قال له ولدي يا سيدي يقرأ المقنع أو مختصر الخرقى فقال والدي يقرأ في القدوري ويشتغل على مذهب ابن حنيفة فإنه يسود فيه فاشتغل وساد كما قال وكذلك قال لجماعة أخر من الشافعية وغيرهم فجرى الأمر كما قال ﵀ وقال كنت عزمت على السفر إلى حران للاشتغال بالفرائض على شخص بلغني تفرده بهذا العلم وتبحره فيه وأريد السفر في غد ذلك اليوم فجاءني كتاب الشيخ عبد الله قال أو رسالته أنني أمضي إلى القدس فشق علي ذلك وأردت إمضاء ما عزمت عليه فاستفتحت في المصحف الكريم فظهر قوله تعالى: " اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون " فقلت هذا الشيخ لا يسألني أجراً ولا شك أنه مهتدي فسافرت إلى القدس كما أمرني وحضر عندي جماعة من أهل القدس يشتغلون علي بالفرائض وغيرها فأشغلتهم مدة وإلى جانبي رجل لا أعرفه فلما كان بعد مدة أيام سألته من أي البلاد هو فذكر أنه من حران فسألته عن ذلك الشخص الذي كنت عزمت على قصدة فوجدته هو بعينه فقلت يا سبحان الله وأنا أشغل بالفرائض بحضرتك ولا تقول لي شيئاً فقال لم تخط وإنما تسلك طريقاً بعيدة وتترك ما هو أقرب منها
стр. 461
فلازمته وأخذت جميع ما عنده حتى ظننت أني قد صبرت أخبر بذلك منه ثم سألته عن سبب قدومه إلى القدس فذكرانه توفي له نسيب بالقدس ومعه تجارة احتاط عليها ديوان القدس وحضر لاستخلاصها وكان ناظر القدس وتلك الأعمال المنصرف فيها جمال الدين عبد الرحيم ابن شيث ﵀ وهو صاحبي جداً ولا ينقطع عني فلما حضر قلت له بسببه فسلم إليه التركة بكمالها فما بات في القدس تلك الليلة وسافر إلى بلده وكان جمال الدين المذكور يحب والدي محبة شديدة وله صحبة مع الشيخ عبد الله.
وحكى والدي ﵀ قال أقمت بالقدس مدة زمانية وكان ثم فقير يخدمني فلم أشعر إلا بشخص قد حضروا حضر عشرة دراهم وشرع يعتذر ويسأل الصفح فقلت له ما خبرك فقال الصاحب جمال الدين أمرني أن أعطي لهذا الشخص الذي يخدمك كل يوم عشرة دراهم برسم النفقة منذ قدمتم وكل يوم يحضر يأخذها من بكرة النهار فلما كان في هذا اليوم حضر وما معي دراهم فخاصمني وقال أنه يشكوني إلى جمال الدين فقلت له طيب قلبك ما عليك بأس وإذا عاد إليك يطلب منك شيئاً لا تعطه وقل له أنني أمرتك بذلك فأخذ الدراهم العشرة وراح وحضر ذلك الفقير عندي فلم أقل له شيئاً وعاد إلى ذلك الشخص يطلب منه الدراهم فأخبره أنه قال لي وأنني أمرته أن لا يعطيه شيئاً فسافر الفقير لوقته من القدس فكان آخر العهد به وحضر جمال الدين
стр. 462
فقال لمن تأمر بقبض تلك النفقة قد كفى ما تفضلت والله لا عدت تناولت منه شيئاً فتألم لذلك فلاطفته إلى أن طاب خاطره بقطعها.
وكان لوالدي ﵀ ابن عم يدعى إدريس وكان مشوه الخلق زري الشكل ليس له قوت إلا ما يعطيه والدي فركب والدي والملك الصالح إسماعيل إلى ظاهر البلد فصادفه داخلاً من قرية يونين إلى المدينة فحين رأهم تنكب الطريق وأبعد فطلبه والدي وسلم عليه ورحب به وسأله عن حاله وقال للملك الصالح هذا ابن عمي ولولا شرف العلم والتقوى لكنت مثله فتعجب الملك الصالح من ذلك وعظم في صدره وقال والدي ﵀ مرضت في حال شبابي بذات الجنب والشقيقة ونالني من ذلك شدة عظيمة فدخل علي فقيران عاداني وسألاني عما أجد فأخبرتهما فقال أحدهما لصاحبه اختر أحد المرضين وأنا الآخر فقال أنا أحمل عنه ذات الجنب وقال صاحبه وأنا أحمل الشقيقة فتلبس كل واحد منهما لوقته بالمرض الذي اختاره وبرئت أنا بالكلية لوقتي فأما الذي أصابه ذات الجنب فبقي أياماً ومات ﵀ وأما صاحب الشقيقة فبقي مدة وعوفى.
وحكى لي العماد محمد بن عوضة ﵀ ما معناه أنه قال كنت يوماً في خدمة سيدي الشيخ بجامع دمشق وقد أحضر شخص له دارهم قريب ثلاثمائة درهم من ضمان بستان كان له بدمشق فأخذتها وجعلتها
стр. 463
تحت طرف السجادة فمر في صحن الجامع رجل أعمى فقال لي يا عماد خذ هذه الدراهم أعطها لهذا الرجل فأخذت الدراهم وقمت إلى الأعمى ودفعتها إليه وجعلتها في مئزره فدعا لي وتوهم أنها فلوس فقلت له هذه الدراهم فاضطرب من السرور إلى أن كادت تسقط منه فقلت له هذه سيرها لك الشيخ الفقيه فدعا وانصرف ثم أن شخصاً أهدى للشيخ ثوب صوف نادر المثل فسألته أن أخيطه له ففصلته وخيطته وتأنقت فيه وأحضرته إليه وهو بجامع دمشق فلبسه وصلى فيه ركعتين وقعد وهو على أكتافه وذلك الأعمى مار في الجامع فقال لي يا عماد خذ هذه الفرجية أعطها لهذا الرجل ففعلت ذلك قال ثم كنت عنده يوماً آخر وذلك الأعمى عابر فأعطاني شيئاً له جنب وقال أعطه إياه فأعطيته ذلك وبقيت متعجباً من تخصيصه بذلك فلما رأيته منشرحاً سألته عن سبب ذلك فقال جئت مرة من جبل الصالحية ودخلت من باب الفراديس وأنا محتاج إلى الخلاء فدخلت الطهارة التي بين البابين عند الأزبهارية وقضيت حاجتي واغترفت غرفة من الجرن استعملتها ثم تأملت الجرن فوجدت فيه بعر فأر والماء مقطوع فورد علي ما ضيق صدري وكان هذا الرجل يسكن في المجاهدية وما كف بصره فلم أشعر به إلا وقد فتح علي باب بيت الطهارة وناولني إبريقاً مملوؤاً ماء من النهر فسررت بذلك وتطهرت بالماء وخرجت وأعطيته الإبريق ولم يكن لي في ذلك الوقت ما أعطيه فأنا لا أراه وعندي ما يمكنني أن أبره به إلا بررته مجازاة لفعله.
стр. 464
قال العماد فعجبت من هذه المكارم والمجازاة على ما أيسر شيء بمثل هذا، فكان والدي ﵀ يبالغ في مجازاة من يخدمه ولو بايسر شيء بما يمكنه ولا يرى أنه وفي ذلك الشخص حقه.
وسمعته ﵀ يحكي أن الشيخ عبد الله نزل دمشق وأقام بالربوة والملك العادل غائب عن دمشق ونائبه بها المعتمد ﵀ فجعل نساء الملك العادل وبناته وإخواته يترددن إلى زيارة الشيخ وكثر ذلك ولا يقدر المعتمد على منعهن وخشي من الملك العادل وأن ذلك يبلغه فينكر عليه تمكينهن فحضر إلى عندي وكان صديقي وهو من أصحاب الشيخ ومحبيه وعرفني الصورة وطلب مني أن أحسن للشيخ السفر فوعدته بذلك هذا والشيخ في الطهارة وقام المعتمد ركب ودخل البلد وخرج الشيخ فتوضأ للصلاة وصلى ركعتين ولبس الجمجم وقال تم بنا وسافر لوقته ولم أحدثه بشيء مما قال المعتمد وكان عادة المعتمد أن يسير للشيخ في كل سنة فرجية قرض يصلي بها في الشتاء وتوهم المعتمد أن سفر الشيخ كان لقوله فكتب إلي يسألني أن أطيب قلب الشيخ عليه وسير الفرجية القرض فأحضرتها عند الشيخ وقلت يا سيدي المبارز المعتمد يقبل يدك وقد سير هذه الفرجية فقال يا محمد أنا إذا أحسن الشخص علي في العمر مرة واحدة وأساء بقية عمره ما أراه إلا محسناً وهذا المعتمد عمره يخدمني وقد أخطأ مرة واحدة وعرفني أن طيب القلب عليه أو ما هذا معناه.
стр. 465
حدثني الشمس محمد بن داود ﵀ ما معناه قال وجدت ابن الشهاب على النهر ببعلبك وهو يشتم الشيخ شتماً قبيحاً وطلعت إلى القلعة ووجدت الملك الأمجد في شباك مجلس السماط فحين رآني من بعيد طلبني فحكيت له الصورة فسير جندارية وأمرهم بإحضاره ورميه في الجب إلى بكرة النهار يوقع فيه الفعل ويشهره فأحضروه عند غلوق باب القلعة وحبسوه وحكيت للشيخ ﵀ فخاصمني وأنكر فعلي وسير فتوح الباب إلى الملك الأمجد وطلب منه إطلاقه وأنه لا يتعرض إليه بأذية وأكد في ذلك فتألمت أنا والجماعة لذلك وظهر علينا الأذى وشرعنا نعدد ما صدر منه غير مرة وأنه يستحق غاية العقوبة والنكال فقال صدقتم وإنما له والدة عجوز ما آذتني ومتى فعل به شيء مما قلتم تألمت فأنا أترك مقابلته لذلك.
دخل على الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل رحمهما الله تعالى الشيخ جمال الدين بن الحافظ المقدسي ﵀ وبيد الملك المعظم مجلد فيه أحاديث غير معزوة فقال له أشتهي أن تعزي هذه الأحاديث إلى الكتب الصحاح وتعين ما اتفق عليه وما وقع لبعض المصنفين دون بعض ويكون ذلك بسرعة فقال له هذا يحتاج إلى مدة ويكشف من الأطراف وغيرها وأقل ما يكون ذلك في شهرين فاستطال المدة ودخل عليه في إثر ذلك الشيخ شمس الدين سبط ابن
стр. 466
الجوزي ﵀ وهم في الحديث فقال للملك المعظم تعطيني هذا الكتاب والمقصود يحصل في عشرة أسام فأعطاه الكتاب فركب من وقته وحضر إلى بعلبك واجتمع بوالدي وقال له أشتهي أن تعزو هذه الأحاديث فأخذ الكتاب منه وعزاها على ما اقترح المعظم في مدة ثلاثة أيام وعثر على ألفاظ سقطت فألحقها بخطه وكان ذلك المجلد في نهاية حسن الخط، فلما فرغ منه أخذه الشيخ شمس الدين وعاد به إلى دمشق وحمله إلى الملك المعظم فسر بذلك وأثنى على الشيخ شمس الدين وفضيلته فلما عاد وحضر عنده الشيخ جمال الدين بن الحافظ عرفه أن الشيخ شمس الدين عزا تلك الأحاديث في مدة يسيرة وأوقفه على المجلد فتعجب من ذلك لأن الحديث لم يكن في الشيخ شمس الدين وتصفح المجلد فوجد تلك الإلحاقات التي بخط والدي فقال إنما عزا هذه الأحاديث الشيخ الفقيه اليونيني فقال وكيف صنع قال هو يحفظ هذه الأحاديث جميعها ويعرف مظانها فما يتعذر عليه ذلك وهذا خطه فقال اشتهى أن اجتمع به فقال ما يفعل يجئ إلى هنا.
وكان والدي ﵀ لا يتناول من وقف شيئاً ولا يقبل بر أحد ولا أكل في عمره صدقة ولا ما يجري مجراها وكان يقبل الهدية من بعض الناس ممن يتيقن حل ما له ويكافي عليها، وحدثني أخي أبو الحسن علي ﵀ أن والده ﵀ أخبره قبل وفاته أنه من ذرية
стр. 467
جعفر الصادق بن محمد الباقر ﵄ وإنما أخبره بذلك ليعلم ما يحرم عليه من الصدقة وما يترتب على ذلك وكان لا يصرح بذلك وإنما أظهره قبل وفاته لولده خاصة لهذا المعنى والله أعلم، ووقفت على ورقة بخط أخي ﵀ يذكر فيها نسبه ومن مضمونها محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد ابن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين شهيد كربلا بن علي المرتضى أمير المؤمنين ﵃ أجمعين ابن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف وذكره الحافظ عز الدين عمر بن الحاجب الأميني ﵀ في معجمه فقال محمد بن أبي الحسين بن عبد الله بن عيسى بن أبي الرجال الشيخ الفقيه الزاهد يكنى أبا عبد الله أصله ومولده بقرية يونين قرية من بعلبك وترعرع ونشأ في ستر وسلامة وصحب الشيخ الزاهد عبد الله اليونيني وأظنه نسيبه وتتلمذ له وعرف بصحبته واختص بخدمته وعادت أنوار الشيخ وبركته عليه وتخلق بأخلاقه وقرأ واشتغل بالفقه والحديث وغيرهما إلى أن صار إماماً عالماً حافظاً ثقة زاهداً ورعاً وقوراً وصار متقدم الطائفة وسالك الطريقة ولم ير في زمانه مثل نفسه في كماله وبراعته جمع بين علمي الشريعة والحقيقة وكان مليح الشيبه فصيح اللهجة حسن الوجه والشكل ظريف الشمائل مليح الحركات
стр. 468
والسكنات له القبول التام في تلك الديار حميد المساعي والآثار وله الصيت المشهور والأفضال على المنتابين وكان من المقبولين المعظمين عند الملوك لكماله وفضله وحسن سيرته حسن الخلق والخلق نفاعاً للخلق مطرحاً للتكلف كريم النفس بشوش الوجه وكان من جملة محفوظاته الجمع بين الصحيحين للحميدي وغيره مليح الخط وذكر غير ذلك، ثم قال حكى لي الشيخ الفقيه رحمه الله تعالى قال مكثت مدة أريد أن أسأل شيخنا الإمام العلامة موفق الدين بن قدامة ﵀ عما يقال عن الحنابلة في التشبيه والتجسيم هل هو مجرد شناعة أو قال به بعضهم فحصلت به الشناعة على الجميع أو هو شيء يخفيه المشايخ فلا يظهره إلا لمن يثق إليه إلى أن صعدت معه إلى جبل قاسيون وخلت الطريق وهو بين يدي وأنا خلفه فقلت الآن أسأله عما في نفسي فقلت يا سيدي وما زدت على ذلك فالتفت إلي وقال التشبيه مستحيل فقلت لم قال لأن من شرط التشبيه أن ترى الشيء ثم تشبهه من الذي رأى الله تعالى ثم شبهه لنا.
قال وحكى لي أيضاً قال حضرت مجلس شيخي عبد الله اليونيني ﵀ وقد سأله ابن خاله حميد بن برق فقال زوجتي حامل إن جاءت بولد ما اسميه قال سم الواحد سليمان والآخر داود فأتت زوجته بتوأم فسمى الواحد سلميان والآخر داود قال وأنشدنا لنفسه:
стр. 469
خذ مليك الناس قولاً شافياً ... شافياً قولاً مليك الناس خذ
؟ لذ بباب الله صباً مغرماً مغرماً صباً بباب الله لذ
إذ شباب المرء ظل زائل ... زائلاً ظل شاب المرء إذ
قال وحكى لي أيضاً أنه حفظ صحيح مسلم جميعه وكرر عليه في أربعة أشهر وكان يكرر على الجمع بين الصحيحين وأكثر مسند الإمام أحمد ﵁ من حفظه وأنه كان في الجلسة الواحدة يحفظ ما يزيد على السبعين حديثاً، انتهى ما نقلته مختصراً من معجم الأميني ﵀ وأورد له الشيخ عز الدين أحمد بن علي بن معقل الأزدي المهلبي ﵀ أبياتاً في الروضة في وصف بعلبك وكان نظمها في أيام الشبيبة من أولها:
لله بلدة بعلبك بقعة ... رق النسيم بها وراق الماء
فتغردت أطيارها وتمايدت ... أشجارها وامتدت الأفياء
فالجو صاف والنسيم معطر ... والماء ناف ما جناه غذاء
طابت مآكلها وقد طابت بها ... أمواههاً والترب والأهواء
؟ صحت جسوم رجالها وثمارها فتولدت عنها قوى وذكاء
من أبيات، ووقفت على جزء ألفه بعض المقادسة جمع فيه شيئاً من أحوال الشيخ عبد الله الكبير اليونيني وذكر بعض أصحابه وذكر والدي ﵀ وذكر بعض مضمون ما تقدم فلم أذكره للاستغناء عن إعادته وذكرت مختصراً بعض ما لم أذكره في هذه الأوراق. قال ومنهم يعني
стр. 470
أصحاب الشيخ عبد الله الكبير رحمة الله عليه قطب الإسلام وقدوة الأنام الشيخ محمد بن أبي الحسين الفقيه كان إماماً عالماً علامة قطب ثمان عشرة سنة وكان أحسن أهل زمانه خلقاً وخلقاً.
ذكر بدايته
قيل: إنه كان بين يدي الشيخ عبد الله رحمة الله عليه فقال له أنت تكون فقيهاً وأرسله إلى الشيخ موفق الدين فقرأ عليه الفقه وعلى الإمام الحافظ عبد الغني ﵀ الحديث وقرأ القرآن الكريم على الشيخ عماد الدين إبراهيم المقدسي ﵀ وجمع الله له بين الحديث والفقه وكان يكرر الجمع بين الصحيحين وأعطاه الله الحال في صغره قال أبو الحسن علي بن الإمام أبي العباس أحمد بن عبد الدائم وكان يخدمه مدة سنين كثيرة وكان للشيخ الفقيه أوراد لو جاء ملك من الملوك ما أخرها عن وقتها.
نبذة من كراماته
قال أبو العباس أحمد بن محمد بن سعد كان بين يدي الشيخ الفقيه جماعة فذكروا السرقة فقال الشيخ أنا سرقت كنت صغيراً وكان لوالدتي في طاقة ثلاثة عشر درهماً فحدثتني نفسي أن آخذ منها درهماً فأخذته ثم لم أزل آخذ درهماً بعد درهم حتى آخذ منها درهما فأخذته ثم لم أزل آخذ درهماً بعد درهم حتى أخذت الجميع فلما كان بعد مدة احتاجت والدتي إلى ثوب فقال لي والدي لأمك في الطاقة
стр. 471
ثلاثة عشر درهماً خذها واشتر لها بها ثوباً قال الشيخ فبقيت حائراً أتفكر وقمت إلى الطاقة فوجدت الخرقة وفيها ثلاثة عشر درهما أو كما قال.
وقال المؤلف حدثني أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الدائم قال كنت أخدم الشيخ الفقيه فلما كان في بعض الأيام ورد الشيخ عثمان من دير ناعس وكان الشيخ عند صغاره أو في مكان آخر قال فقال الشيخ عثمان كنت اشتهى يكشف الشيخ الفقيه صدره وأعانقه بصدري ويعطيني الثوب الذي عليه قال فلما جاء الشيخ عثمان ومن معه من الفقراء وأحضر الطعام فلما أكلوا وفرغوا قال لأصحاب الشيخ عثمان قوموا الشيخ عثمان ما يخرج الساعة فلما خرجوا قال قم يا شيخ عثمان فلما قام كشف عن صدره وعانقه ونزع الثوب الذي كان عليه وأعطاه للشيخ عثمان وقال كلما تقطع أعطيتك غيره أو ما هذا معناه.
قال المؤلف وأخبرني أبو الحسن علي بن أحمد المذكور قال ما كان الشيخ الفقيه يرى إظهار الكرامات ويقول كما أوجب الله على الأنبياء ﷺ إظهار المعجزات أوجب على الأولياء إخفاء الكرامات قال وذكروا عنده الكرامات فقال ويلكم إيش الكرامات كنت وأنا صغير عند الشيخ عبد الله يعني ببعلبك وكان عنده بغاددة يعملوا مجاهدات وكنت أرى من يخرج من باب دمشق وأرى الدنيا قدامى مثل الوردة فكنت أقول للشيخ يا سيدي يجيء إلى عندك من دمشق أناس
стр. 472
ومعهم كذا وكذا ومن حمص ومن مصر فإذا جاء ما أقول يقولون يا سيدي نحن نعمل مجاهدات وما نرى وهذا يرى فيقول هذا ما هو بالمجاهدات هذا من الله تعالى أو ما هذا معناه، قال وحدثني الشيخ إسرائيل ابن إبراهيم قال كان وقع لبعض أصحاب الشيخ الفقيه أمر كره الشيخ وقوعه فلما كان بعد مدة ورد الشيخ عثمان من دير ناعس فلما حضر عند الشيخ الفقيه سأله مسألة غليظة أن يمكنه بجعل قدمه على وجهه فقال له يا شيخ عثمان إيش هذا الخاطر فقال أنا قد سألتك فلما مكنه من ذلك قال له يا شيخ عثمان أعاد الله على المسلمين بركتك أشتهي زوال كذا وكذا فلما صلى العشاء رمق الشيخ عثمان فما كان إلا قليلاً وانقضت الحاجة فلما بلغ الشيخ الفقيه قال أحسنت يا شيخ عثمان أحسنت يا شيخ عثمان فسأل بعض الجماعة الشيخ عثمان فقال له أنت ما عندك أحد مثل الشيخ الفقيه فلم لا قام هو في هذا الأمر بنفسه فقال الخليفة إذا أراد شغلاً أو قال أمراً من الأمور ما يقوم هو فيه بنفسه ولكن يأمر بعض من عنده يقوم فيه أو ما هذا معناه.
قال وكان الشيخ الفقيه يكرر على الجمع بين الصحيحين وعلى أسماء الرجال فشذ عنه بعض الأسماء فنظر إلى السماء فعرفه فسأله خادمه ابن باقي فقال له يا سيدي رأيتك إذا نسيت الاسم ترفع رأسك إلى السماء فتذكره فقال له إذا نظرت إلى السماء رأيته مكتوباً في الهواء أو كما قال قال وأخبرني المعري عامر قال غضب الشيخ الفقيه على خادمه ابن باقي وروحه من خدمته فسافر إلى حلب وأقام بها مدة ورجع في
стр. 473
يوم عيد والشيخ يخطب للعيد عند ضريح الشيخ عبد الله اليونيني والشيخ عثمان يومئذ حاضر فسأل ابن باقي الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله والشيخ عثمان أن يشفعا فيه عند الشيخ الفقيه وكان للشيخ عادة إذا صلى العيد يأخذ الجماعة إلى منزله قال فلما صرنا في منزله غمز ابن باقي للشيخ محمد فنظر إلى الشيخ الفقيه وقال يا سيدي أشتهي تصفح عن خادمك أبي بكر وكان حاضراً وكشفنا نحن رؤوسنا فاحمر وجه الشيخ الفقيه وأطرق وقال إذا كان الإنسان نحس إيش أعمل أنا ما يدخل أحد إلى المسجد إلا وأبصر قلبه مثل هذا الثوب وأمسك كمه ونظر إلينا وصاح غطوا رؤوسكم من فعل هذا حتى تفعلوه أنتم وأما الشيخ عثمان فإنه ما تكلم والتفت إلى ابن باقي فما رايته أو ما هذا معناه.
قال وأخبرني الفقيه أبو الحسن علي بن عثمان بن عمر الموصلي الشافعي قال أخبرني المقرئ نصر المرداوي قال كنت أقرئ القرآن بمسجد الحنابلة ببعلبك وقد تجمع على عشرة دراهم دين ضاق منها صدري فخطر لي أخرج إلى بعض الأماكن واعمل واحصلها فلما صليت الصلح وكنت بالزاوية الغربية من المسجد والشيخ الفقيه بالشرقية فلما صلى طلبني فجئت إليه فقال روح إلى فلان وخذ منه عشرة دراهم أو ما هذا معناه، قال وأخبرني إبراهيم بن محمد بن حمدان قال أرسلت بكتاب من جهة الملك الصالح إسماعيل إلى عند الشيخ الفقيه فوصلت بعلبك ورحت إلى الشيخ وناولته الكتاب فقرأ بعضه ونظر إلي وقال ما جاءك أولاد قلت يا سيدي خليت
стр. 474
المرأة على ليالها وتم قراءة الكتاب وقال لا رأى لحاقن وقام وتوضأ للصلاة فلما كان العصر من يوم الاثنين والمؤذن يقول أشهد أن محمداً رسول الله رفع يديه وقال اللهم خلصها قال فلما رجعت إلى المزة أخبروني أنني جاءني صغيرة فسألت متى جاءت قالوا يوم الاثنين ومؤذن العصر يقول أشهد أن محمداً رسول الله أو كما قال.
قال وحدثني الشيخ إسماعيل بن علي بن إبراهيم قال كنت عند الشيخ الفقيه فنظر إلي وقال رحم الله والدك فلان وأمك فلانة قال فحصل عندي شيء فقلت له يا سيدي اسمع يقولون كرامات الفقراء وقد سمعتها منك وإذا إنسان ينادي على الباقلاء فقال الشيخ خذ قرطاس واشتر به باقلاء وخذه إلى حجرك وكل ما قلت لك كرامة أعطني باقلاه، ثم قال والله أيراد حديث واحد عن النبي ﷺ ينتفع به الناس أحب إلي من ملء الأرض كرامات أو ما هذا معناه، قال وحدثنا أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الوهاب قال جاءني فقيران من حلب يسالان الشيخ الفقيه عن أحاديث حتى استأذن لهما عليه فلما استأذنت بالدخول وكان بالزاوية التي قبلي المسجد ببعلبك فلما دخلنا عليه سلموا وتحادثوا فابتدأ الشيخ وحدثهم بمعنى الأحاديث وذكرها لهم فحصل عند أحدهما شيء فقال الشيخ لا إله إلا الله لو أراد الفقيران يكون كل كلامه كرامات فعل أو ما هذا معناه.
стр. 475
قال وأخبرني أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن محمد قال أخبرني الشيخ عثمان قال كان في خاطري ثلاث مسائل أريد أن اسأل الشيخ الفقيه عنها قال فأجابني عنها قبل أن أسأله أو ما هذا معناه، وقال أبو محمد عبد الرحمن المذكور طالعت في كتاب الترغيب والترهيب في باب الاستغفار ثم سألت الشيخ الفقيه عن الاستغفار فقال ذكر البخاري كذا وذكر مسلم كذا وما اتفقا عليه كذا ثم ذكر ما في الترغيب من فضائل الاستغفار قال: قال الشيخ حسن بن إبراهيم الحداد حضرت مجلس الشيخ الفقيه بجامع دمشق وقد سئل عن اختلاف الأئمة الأربعة فقال هذا الجامع الذي نحن فيه له أربعة أبواب فإذا دخل كل إنسان من باب صار فيه وهكذا الأئمة وكلهم على الحق.
قال المؤلف قرأت في سيرة الشيخ موفق الدين تأليف الشيخ الضياء محمد المقدسي قال سمعت الفقيه الإمام الزاهد أبا عبد الله محمد بن أبي الحسين اليونيني قال ومع ما رأيت منه وسمعت منه يعني الشيخ موفق الدين ﵀ ما أعلم أنه أشكل على موضع في أصول الدين وفروعه إلا رأيته في المنام ورفع عني الإشكال مرة جاءتني فتيا مشكلة في الفروع فتحيرت في الجواب فرأيته في المنام فقال لي الجواب.
قال المؤلف قرأت في بعض الكتب ما صورته سمعت من لفظ شيخنا الفقيه الإمام العالم محمد بن أبي الحسين بن عبد الله اليونيني أثابه الله الجنة بكرمه ببلده بعلبك فيما رفعه إلى الجنيد رحمة الله عليه قال كان
стр. 476
في نفسي مسألة في التوحيد فسألت عنها جماعة من أهل العلم فما شفي أحد فؤادي فرأيت النبي ﷺ في المنام فسألته عنها فشفى فؤادي قلت يا رسول الله ما التوحيد قال كل ما حده فكرك وأحاط به علمك أو أدركه حسك أو أصبته بفهمك فالله تعالى بخلاف ذلك وإنما يسأل العبد يوم القيامة عن الشك والشرك والتشبيه والتعطيل قلت يا رسول الله فما العقل قال أدناه ترك الدنيا وأعلاه ترك التفكر في ذات الله تعالى قلت يا رسول الله ما التصوف قال ترك الدعاوى وكتمان المعاني.
؟ ذكر قطبيته ﵀
قال المؤلف أخبرني الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ عثمان بدير ناعس قال أخبرني والدي قال قطب الشيخ الفقيه ثماني عشرة سنة أو كما قال: قال المؤلف حدثنا الشيخ محمود بن الشيخ سلطان بمنزلة ببعلبك قال: قال لي الشيخ الفقيه حاجة فلما سألت عنها أخبرت أنه قطب من اثنتي عشرة سنة فلما سألني عن الجواب قلت له من يكون قطب من اثنتي عشرة سنة يسألني عن حاجة فاحمر وجهه ولبس مداسه وخلاني وخرج أو كما قال.
قال المؤلف وحدثني علي بن أحمد بن عبد الدائم قال قدم علينا فقير بغدادي اسمه عبد الله وكان إمام قرية زحلة وأخبرنا أنه رأى خلقاً وسمع نقارات فسأل إيش هذا فقيل له قد قطب الشيخ محمد الفقيه قال
стр. 477
فما كان إلا قليلاً وإذا بالشيخ عثمان قد أقبل من دير ناعس فقلنا له يا سيدي ما تسمع ما يقول هذا الفقير فقال وأيش قال قلنا قال كذا وكذا فقال الشيخ عثمان صدق لأجل هذا جئت أو ما هذا معناه، قال المؤلف وأخبرني الشيخ تقي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن فضل الواسطي قال رأيت للشيخ الفقيه رؤيا تدل على أنه أعطى ولاية أو كما قال.
ذكر أدب الملوك والوزراء بين يديه
قال المؤلف سمعت قاضي القضاة أبا المفاخر محمد بن عبد القادر الأنصاري الشافعي يقول سأل الملك الأشرف الشيخ محمد الفقيه فقال له يا سيدي اشتهى أبصر شيئاً من كرماتك فقال له الشيخ إيش يكون هذا فلما أراد الشيخ الخروج بادر الملك الأشرف إلى مداس الشيخ وقدمه فقال له الشيخ يا فلان هذا الذي كنت تطلبه قد وقع قال كيف يا سيدي قال أنت الملك الأشرف بن الملك العادل وأنا ابن رجل من أهل يونين تقدم مداسي قال فاطرق الملك الأشرف أو ما هذا معناه.
قال المؤلف حدثني إسرائيل بن إبراهيم قال كنت مرة عند الشيخ الفقيه وعنده ولده عبد القادر فإذا بأمين الدولة وزير الملك الصالح قد دخل فلم يقم له الشيخ فقال لي ولده عبد القادر ما الشيخ إلا عجيب يدخل عليه مثل هذا ما يقوم له فلما خرج أمين الدولة وانبسط الشيخ قال له ولده يا سيدي يدخل عليك مثل هذا الوزير ما تقوم له إيما
стр. 478
أميز هذا أو الملك الأشرف كان إذا دخل علي وأنا متكئ على جنبي يسألني أني لا أقعد ويقف يقول ما أراد ويخرج وكان ابن الملك العادل وهذا من هو أو كما قال.
وقال المؤلف أخبرني الأمير سيف الدين بكتمر الساقي العزيزي قال لما عبر التتار إلى الشام قصدت زيارة الشيخ الفقيه فلما حضرت عنده ذكرت له التتار فأخبرني أنهم ينكسروا فلما أردت أودعه قلت له يا سيدي اشتهى تدعو لي قال فرفع يديه ورفعت يدي ودعا بدعاء لا هو بالعربي ولا بالتركي وقال لي ما بقيت بعدها تراني قال فلما انكسر التتار رجعت إلى دمشق وطلعت إلى بعلبك وسألت عن الشيخ قالوا توفى أو كما قال، قال المؤلف أخبرني الشيخ يوسف بن محمد بن موسى قال رأيت الشيخ الفقيه والشيخ عبد الله بن عزيز في المنام وفي حجر الشيخ الفقيه دنانير ودراهم وفلوس وفي حجر الشيخ عبد الله أيضاً قال فمست التي في حجر الشيخ الفقيه فوجدتها مسكوكة ولمست التي في حجر الشيخ عبد الله فوجدتها بلا سكة فسالت الشيخ الفقيه كما أنا من هذا في النوم فقال حالي ظاهر وباطن وحال الشيخ عبد الله باطن قال فلما رأيته في اليقظة أخبرته بما رأيت فقال صحيح أو ما هذا معناه.
قال وأخبرني أحمد بن عباس قال أخبرني الشيخ إبراهيم بن الشيخ عثمان بدير ناعس قال رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقلت له يا رسول الله أنا مشتاق إليك فقال لي زر قبر الشيخ الفقيه وقال
стр. 479
أبو الفداء إسماعيل بن علي بن إبراهيم الفراء درت أطراف الحجاز والعراق ومصر وما رأيت مثل الشيخ الفقيه وكنت مرة عنده فنظر إلي وقال يا شيخ إسماعيل أراك بعض الأوقات تؤذن على سجادتي وعلى باب المسجد وعلى باب داري وأنا قد عجزت عن الركوب فحج عني ولا تروح على البر إلا على البحر فإنك تروح طيباً فخالفته وشارطت عرباً وأعطيتهم مائة وخمسين درهماً فأخذوها وراحوا فلما طلعت إليه قال لي ما قلت لك ما تروح على البر فقلت يا سيدي وإيش أدراك فقال قولك إيش أدراك أعجب من مخالفتي قال فتجهزت ورحت على البحر فلما طلعت من البحر جئت إلى مكان فيه عين ونخل ورجل أسمر شديد السمرة فلما رآني سلم علي وقال لي طيب قلبك تروح طيباً فلما رجعت ودخلت على الشيخ سألني عن طريقي وقال إيش حسن المكان والنخل والرجل الأسود يوم فارقك جاء إلي وأخبرني إنك طيب وكان أحد الأبدال أو ما هذا معناه. قال وأرسلني الشيخ الفقيه مرة إلى مصر في حاجة فما وردت منزلة إلا وخرج إلى إنسان وخدمني إلى أن جئت إلى سفط الحنى ظاهر بلبيس فرأيت بها مسجداً وسفرة وأباريق فدخلته فقال شخص هذا مكان للصلاة ما هو للقعود فبينا
стр. 480
نحن كذلك وإذا شيخ قد أقبل فقال لي يا أخي من أين أنت فقلت من دمشق فقال من تعرف قلت أعرف مشايخ الصالحية فلان وفلان ومشايخ بعلبك الشيخ الفقيه فصاح وقال هذا الشيخ الذي أخذت عنه أمور دينكم فاعتذر إلي وأكرمني تلك الليلة ودخلت القاهرة وقضيت حاجتي ورجعت فلما دخلت على الشيخ سألني عن طريقي فقلت له ما جئت إلى مكان إلا وخرج إلي من يخدمني فاغرورقت عينه بالدموع وقال يا إلهي ما هذا الإحسان وأنا ابن فلان من يونين قال وقلت له يا سيدي اشتهى أبصر الشيخ فلان فقال كان فقيراً يخدم الشيخ فقال له يا سيدي اشتهى أبصر القطب فقال له القطب يحضر في المكان الفلاني في السنة مرة وعند جماعة فسافر الفقير إلى ذلك المكان ورأى أولئك الجماعة فقالوا له مالك فقال جئت أبصر القطب فقالوا له اليوم راح من ههنا فبقي عندهم سنة، فلما كانت تلك الليلة التي عادة القطب يجئ فيها قاموا فقال لهم الفقير ما لكم قالوا الساعة يجيء القطب فقام معهم وإذا به قد أقبل فتلقوه وإذا هو شيخه فقال له يا سيدي وأنت هو قال نعم لو قلت لك إني هو ما سلمت لي أو ما هذا معناه.
قال المؤلف سمعت الشيخ عبد الدائم بن أحمد يقول كان الشيخ الفقيه في مبتدأه زاهداً وفي منتهاه عارفاً أو ما هذا معناه قال المؤلف وذكره سيف الدين أحمد بن مجد الدين عيسى بن الشيخ موفق الدين ممن سمع بقاسيون فقال محمد بن أبي الحسين اليونيني
стр. 481
وذكر مولده وغير ذلك وقال كان عالماً سريع الحفظ كثير المحفوظ سمعته يقول حفظت أكثر مسند الإمام أحمد ﵁ وكرر على الجمع بين الصحيحين وحفظ سورة الأنعام في يوم واحد وحفظ صحيح مسلم في أربعة أشهر وحفظ ثلاث مقامات من مقامات الحريري إلى نصف نهار الظفر انتهى ما نقلته من الجزء تأليف بعض المقادسة.
قلت وتزوج والدي ﵀ في عمره ست زوجات ورزق عدة أولاد درج منهم في حياته جماعة وتوفي إلى رحمة الله تعالى وفي عقده والدتي رحمها الله تعالى أما بقية النساء فددجن إلى رحمة الله في حياته لم يفارق أحداً منهم ولا جمع بين زوجتين وخلف من الأولاد أخي أبا الحسين علي وخديجة وآمنة، أمهم ابنة الهمام تركمانية وموسى وأمة الرحيم وأمهما زين العرب بنت نصر الله بن هبة الله بن الحسن بن يحيى ابن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة بن الخياط التغلبية وجدها الحسن ابن يحيى هو المعروف بسنى الدولة فأبو الحسين ﵀ استشهد يوم الخميس حادي عشر شهر رمضان المعظم سنة إحدى وسبعمائة كان وثب عليه من جرحه في رأسه بكرة يوم الجمعة خامس شهر رمضان المذكور بمسجد الحنابلة ودفن بباب سطحاً وكان سيداً كبيراً إماماً عالماً حافظاً متقناً محققاً ﵀ ورضي عنه ومولده في شهر رجب سنة إحدى وعشرين وستمائة ببعلبك، وأما خديجة فكانت امرأة صالحة كثيرة العبادة والخير توفيت إلى رحمة الله تعالى في شهر رجب سنة ثمانين وستمائة
стр. 482
ببعلبك ودفنت في تربة الشيخ عبد الله اليونيني الكبير رحمه الله تعالى وزين العرب والدتي رحمها الله تعالى توفيت سحر ليلة الجمعة خامس عشري شوال سنة ثلاث وتسعين وستمائة بمنزلي ببعلبك ودفنت بعد صلاة الجمعة في مقابر باب سطحا وقد نيفت على الثمانين سنة من العمر وكانت امرأة صالحة كثيرة العبادة وقيام الليل.
محمد بن خليل بن عبد الوهاب بن بدر أبو عبد الله البيطار المعروف بالأكال أصله من جبل بني هلال ومولده بقصر حجاج خارج دمشق سنة ستمائة وتوفي بدمشق في خامس شهر رمضان من هذه السنة ﵀ وكان رجلاً صالحاً كثير الإيثار وحكاياته في أخذ الأجرة على ما يأكله وما يقبله من بر الأمراء والملوك وغيرهم مشهور ولم يسبقه إلى ذلك أحد ولا اقتفى أثره من بعده ولا شك أنه كان له حال ينفعل له بها ذلك وجميع ما يفتح به عليه على كثرته يصرفه إلى القرب ويفقد المحابيس وغيرهم من المحاويج والأرامل والمنقطعين وكان بعض الناس ينكر على من يعامله بهذه المعاملة وينسبه إلى التهور في فعله فإذا اتفق اجتماعه به انفعل له انفعالاً كلياً ولا يستطيع الامتناع من إعاطئه كل ما يروم وكان مع هذا حسن الشكل مليح العبارة حلو الحديث له قبول تام من سائر الناس وكان كثير المحبة في والدي ﵀ والتردد إليه لما نزل دمشق في سنة خمس وخمسين والأكل عنده بغير أجرة وهو مطلق عنده دون غيره ﵀.
стр. 483
محمد بن عبد الله بن أبي بكر أبو عبد الله القضاعي البلنسي المعروف بابن الآبار الكاتب الأديب المحدث ذو الفضائل الجمة كان إماماً عالماً عارفاً بأنواع كثيرة من العلوم ومولده ببلنسية من شرقي بلاد الأندلس في أحد الربيعين من سنة خمس وتسعين وخمسمائة ونشر بتلك البلاد علماً كثيراً وصنف تصانيف مفيدة في علوم متعددة وتوفي بتونس في يوم الثلاثاء العشر من المحرم هذه السنة ﵀.
محمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر أبو عبد الله شمس الدين المقدسي الصالح العالم العابد المسند سمع من محمد بن حمزة بن أبي الصقر وغيره وأجاز له أبو طاهر السلفي والكاتبة شهدة رحمهما الله وهو آخر من روى عنهما فيما علم بالإجازة المعينة واستشهد بيد التتار في قرية ساوية من عمل نابلس في شهر جمادى الأولى ودفن بها وقد نيف على المائة سنة رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد الواحد بن عبد الجليل بن علي أبو بكر زكي الدين المخزومي اللبنى الشافعي كان فقيهاً عالماً فاضلاً خبيراً بالأحكام وعنده مشاركة جيدة في الأدب وغيره وله نظم حسن ولي القضاء ببانياس مدة وببصرى وولي إعادة المدرسة الناصرية بدمشق وتدريس المدرسة القليجية الشافعية بدمشق وغير ذلك ثم ولي القضاء ببعلبك
بعد وفاة صدر الدين عبد الرحيم قاضيها ﵀ واستمر بها إلى أن
стр. 484
جفل الناس من التتر في أول هذه السنة فتوجه إلى قلعة الصبيبة صحبة الأمير ناصر الدين التبنيني ﵀ فلما سلمت إلى التتر دخل دمشق وأقام بها إلى أن انقضت دولة التتر وسأل العود إلى بعلبك فأعيد إليها فتوجه نحوها وهو متمرض فأقام بها أياماً وتوفي إلى رحمة الله تعالى في ذي القعدة ودفن في مقابر باب سطحاً ظاهر باب دمشق من مدينة بعلبك هو في عشر الثمانين وكان كريم الأخلاق حسن العشرة لطيف المحاضرة على ذهنه من الأشعار والحكايات والنوادر شيء كثير وكان شديداً في أحكامه مشكور السيرة في ولاياته متفننا في فضائله ﵀ وكان يزعم أنه من ذرية خالد بن الوليد ﵁ واللبن قربة بين القدس ونابلس وأنشدني من نظمه أشعاراً كثيرة لم يعلق بذهني الآن منها شيء وسألت ولده معين الدين عن شيء من شعره فكتب لي هذه القطعة:
سل سائل العبرات في الأطلال ... كم قد خلوت بها بذات الخال
وجنيت باللحظات من وجناتها ... ما غض منه الغض من عذالي
وهممت ارتشف اللمى فترنحت ... فحمت جنى المعسول بالعسال
لو لم تكن مثل الغزالة لم تكن ... بمنى لها عني نفور غزال
صدت ولولاها تصدت لي لما ... وصل الغرام حبالها بحبالي
وبروض خديها تنعم ناظري ... ولنار وجنتها فؤادي صالي
فاعجب لجذوة خدها ولمائه ... ضدان مجتمعان من صلصال
стр. 485
أنا في هجير محرق من هجرها ... فمتى أطفيه ببرد وصالي
؟ إن كان أعرض أو تعرض طيفها فمدامعي كالعارض الهطال
ومن المحال نزور من عبراته ... طوفانها قد طم طيف خيالي
قلت وقد جدت العقيق بمثله ... هلا بد معك جدت وهو لآل
فأجبتها ذي مهجتي من مقلتي ... سألت فكيف زعمت إني سالي
فتضاحكت فبكيت من فرط الجوى ... شوقاً فما رقت لرقة حالي
فعليلها ما أن يبل وغلتي ... ما أن تبل بريقها الجريال
ومنها في مديح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد رحمهما الله تعالى.
رفعت عوامله لمجرور الظبي ... قمماً بها نصبت بحكم الحال
ورماحه رقصت فنقطها الظبي ... يوم الوغى بجماجم الأبطال
وسألت معين الدين المذكور عن عمر والده ﵀ حال وفاته فقال كان نيف على ست وستين سنة من العمر وكنت أنا أتوهم أن عمره فوق ذلك بسنين عدة وولده أخبر بحاله والله أعلم.
محمد بن غازي بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذى أبو المعالي الملك الكامل ناصر الدين صاحب ميافارقين وتلك البلاد ملك في سنة اثنتين وأربعين وستمائة عقيب وفاة والده الملك المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل وكان أولاً يداري التتر فلما خبر باطن أمرهم
стр. 486
وأن المداراة لا تفيد معهم انجذب منهم فلما علم أنهم على عزم قصده قدم على الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ بدمشق مستغيثاً ومستنجداً على التتر فوعده بالنجدة بعد أن أكرمه غاية الإكرام وقدم له من التحف والخيول وغيرها ما يجل مقداره وعاد الملك الكامل إلى ميافارقين ولم يمكن الملك الناصر إنجاده لما رأى من تخاذل أصحابه وضعف قلوبهم عن مقابلة التتر لكثرتهم ولأنه لم يتفق إلى تلك الغاية من انتصف منهم وقد ملكوا العراق والعجم والروم وغير ذلك من الأقاليم والبلاد وسير هولاكو أشموط لمحاصرة الملك الكامل فحصره حصراً شديداً وبقي الملك الكامل ﵀ مجاهداً للتتر صابراً لقتالهم حتى فني أكثر أهل ميافارقين وعمهم الموت قتلاً وفناء لكثرة الغلاء وعدم الأقوات وبقي محصوراً دون سنتين فعند ذلك ضعفت القوى عن محاربة العدو فاستولوا على ميافارقين واستشهد الملك الكامل قدس الله روحه وحمل رأسه على رمح وطيف به في البلاد فوصلوا به إلى حلب ثم إلى حماة وحمص وبعلبك وشاهدته ﵀ وهو يطاف به بمدينة بعلبك ثم وصلوا به إلى دمشق يوم الاثنين سابع وعشرين جمادى الأولى وطافوا به بالمغاني والطبول ثم علق الرأس بسور باب الفراديس فلم يزل معلقاً في شبكة إلى أن عادت دمشق إلى المسلمين فدفن بمشهد الرأس داخل باب الفراديس وقد ذكرنا كيفية دفنه وما قيل في ذلك فأغنى عن إعادته.
وكان ﵀ ملكاً جليلاً ديناً خيراً عادلاً عالماً محسناً إلى رعيته
стр. 487
وسائر من في خدمته كثير التعبد والخشوع لم يكن في البيت الأيوبي من يضاهيه في ديانته وحسن طريقته ﵀ ورضي عنه وكان التتار قد استولوا على جميع بلاده ومعاقله ومعظم أولاده وحرمه وأهله وهو محصور بميافارقين ثم ختم له بالشهادة على هذا الوجه الجميل بعد أن أفنى في مدة الحصار من التتار ما لا يحصى كثرة رحمه الله تعالى.
أبو علي بن محمد بن أبي علي بن باساك الأمير حسام الدين الهذباني كان أميراً كبيراً جليل المقدار قوي النفس حسن التدبير كثير الرياسة عنده تعاظم وتعدد حكى لي الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ ما معناه إن الأمير حسام الدين لما حضر إلى دمشق في الأيام الناصرية طلبه الملك الناصر لحضور مشورة فظهر عليه كراهية الحضور وقال كنت أود لو عاجلني الموت في هذه الساعة فقلت لم يا خوند فقال قد طلبني السلطان إلى مجلسه العام وعنده ناصر الدين القيمري عن يساره وجمال الدين بن يغمور عن يمينه وهما عنده في المنزلة العليا فيقتضى الحال القعود دون أحدهما وهذا أرى الموت دونه فهونت عليه ذلك وقلت يا خوند مكانتك معروفة لا ينقصها ذلك فقال لكن على كل حال إذا كان ولا بد اشتهى أن يقعدوني في جهة الأمير ناصر الدين فهو كردي ثم أمرني بالتوجه إلى باب دار السلطان لكشف الخبر فلما صرت بباب دار السلطان وجدت بعض من كان حاضراً قد خرج فحدثني إن بعد توجه الرسول لطلبه تشاوروا أين يقعدونه إذا حضر فقال
стр. 488
الأمير ناصر الدين هذا رجل كبير القدر وقادم على مولانا السلطان فيقعد بين مولانا السلطان وبين المملوك وتقرر أنه يقعد فوق الأمير ناصر الدين القيمري فعدت إليه مسرعاً فصادفته عند باب القلعة فعرفته ما جرى فتهلل وجهه ودخل فاحترمه الملك الناصر احتراماً كثيراً وأقعده إلى جانبه بينه وبين الأمير ناصر الدين القيمري فلما خرج قلت له يا خوند أجلسك السلطان إلى جانبه فوق الأمير ناصر الدين فقال نعم ما كان يمكن غير هذا وهذا التعاظم والمنافسة في مثل ذلك وما يجري مجراه إنما اقتبسه من مخدومه الملك الصالح نجم الدين فإنه كان اتصل بخدمته في حياة الملك الكامل ولازمه واختص به اختصاصاً كبيراً وجعله أستاذ داره وكان يعتمد عليه في مهماته ويثق به وثوقاً عظيماً ويسكن إليه بخلاف وثوقه بسائر من في خدمته ولما أمسك الملك الصالح واعتقل بالكرك أراد الأمير حسام الدين المذكور التوصل إلى آمد بإشارة من الملك الصالح إليه عند ما أمسك فعمل على ذلك فقبضه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل واعتقله في حبس الخيالة بقلعة دمشق ثم نقله إلى قلعة بعلبك فحبس في جب مظلم لا يفرق فيه بين الليل والنهار وهو مضيق عليه وينزل إليه في كل يوم قليل خبز وقليل من الماء وربما أنزل إليه مع الخبز جرزة بقل في بعض الأوقات قال الأمير حسام الدين فكنت أحسب في نفسي أنني ربما أمنع الطعام والشراب لأموت فكنت أدخر من الخبز المرتب شيئاً قليلاً وكذلك من الماء أجمعه في جرة طلبتها فاجتمع عندي من ذلك شيء كثير ثم طين على
стр. 489
الجب ومنعت من الطعام والشراب فارتفقت بذلك الذي جمعته مدة إلى أن فتح الجب وأنزل إلي ما كان يجري علي أولاً إلى أن فرج الله تعالى عني ولما أخرج من الجب سنة إحدى وأربعين حمل إلى دمشق ونزل في برج كان الملك المغيث بن الملك الصالح نجم الدين معتقلاً فيه ثم أذن له في الانتقال من القلعة وأن يتجهز للمسير إلى الديار المصرية فخرج من البرج ومضى إلى مدرسة الأمير عز الدين أيبك المعظمي صاحب صرخد التي على شرف الميدان وأطلق له ما كان أخذ له من القماش والخيول والمماليك وغير ذلك وخلع عليه وأطلق له مال فتوجه إلى مخدومه وحكى لي ناصر الدين علي بن قرقين أن الأمير حسام الدين المذكور لما نقل إلى قلعة بعلبك حبس في بيت مفرد ولم يكن يدخل عليه كل أحد قال ناصر الدين المذكور وكنت أدخل عليه في كثير من الأوقات وأطيل الجلوس عنده والحديث معه وهو غير مضيق عليه فاتفق أن الملك الصالح عماد الدين سير أسد الدين الزرزاري بكتاب منه إلى والي القلعة بأن يمكنه من قتل حسام الدين فعظم ذلك على والي القلعة وكان رجلاً ديناً خيراً فطلبني وعرفني ما ورد به من المرسوم فقلت له وللزرزاري إذا قتلتموه إيش في عزمكم تفعلون به بعد القتل قالوا ندفنه قلت ادفنوه وهو حي ولا تتلوثوا بدمه واجعلوه في الجب وشاوروا السلطان قال فكتبوا إلى الملك الصالح عماد الدين وشاوروه على ذلك ففسح فيه وأمر أن ينزل
стр. 490
إليه في كل أسبوع رغيفاً خبز وجرة ماء فامتثل المرسوم وكان ينزل له رغيفان كبيران ولم يزل على ذلك إلى أن أفرج عنه وفي سنة ثلاث وأربعين فوض إليه الملك الصالح نجم الدين النيابة بدمشق فمضى إليها وأقام بها، وفي سنة أربع وأربعين توجه إلى
بعلبك بمن معه من العسكر ونازل قلعتها وضايقها وكان بها الملك المنصور شهاب الدين محمود بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل وإخوته فاشتد عليهم الحصار فسلموها إلى الأمير حسام الدين بالأمان فرتب أمورها وسار إلى دمشق وأولاد الملك الصالح عماد الدين معه فاعتقلهم بدمشق ثم بعث بهم إلى ابن عمهم الملك الصالح نجم الدين قال الأمير حسام الدين لما كنت في الجب بقلعة بعلبك لا فرق بين الليل والنهار حدثتني نفسي يوماً وأنا في تلك الحال التي تشعر باليأس من الحياة بالكلية أنني أخرج من الحبس وأرجع إلى منزلتي التي كانت لي عند الملك الصالح نجم الدين وأنه يسيرني إلى بعلبك وأفتحها واحتاط على أولاد الملك الصالح إسماعيل وأحملهم بين يدي إلى دمشق فقلت لنفسي هذا من الأماني الكاذبة التي تبعد في العقل أن تكون فما كان الأمد يسيرة وحصل لي ما تمنيته عياناً لم يخرم منه شيء، وفي سنة أربع وأربعين أيضاً أطلق صاحب حمص الأمير بدر الدين محمد بن أبي علي والد الأمير حسام الدين وكان الملك المجاهد حبسه بقلعة حمص مع الأمير سيف الدين ابن أبي علي وجماعة الحمويين فقدم بدر الدين على والده حسام الدين وهو يومئذ نائب السلطنة بالديار المصرية في سنة خمس وأربعين ثم توفي بعد قدومه بمدة يسيرة فدفنه ولده بالرصد وبنى عليه تربة، وفي سنة ست وأربعين تقدم الملك الصالح نجم الدين إلى الأمير حسام الدين المذكور بالمسير إلى الصالحية مقدماً على العساكر المتوجهة إلى الشام واستناب الملك الصالح بالديار المصرية عوضه الأمير جمال الدين موسى بن يغمور فخرج وأقام بالصالحية أربعة أشهر ثم رجع إلى القاهرة ثم سار إلى الشام مقدماً على الحلقة السلطانية ومعه الدهليز السلطاني إلى حمص. بعلبك بمن معه من العسكر ونازل قلعتها وضايقها وكان بها الملك المنصور شهاب الدين محمود بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل وإخوته فاشتد عليهم الحصار فسلموها إلى الأمير حسام الدين بالأمان فرتب أمورها وسار إلى دمشق وأولاد الملك الصالح عماد الدين معه فاعتقلهم بدمشق ثم بعث بهم إلى ابن عمهم الملك الصالح نجم الدين قال الأمير حسام الدين لما كنت في الجب بقلعة بعلبك لا فرق بين الليل والنهار حدثتني نفسي يوماً وأنا في تلك الحال التي تشعر باليأس من الحياة بالكلية أنني أخرج من الحبس وأرجع إلى منزلتي التي كانت لي عند الملك الصالح نجم الدين وأنه يسيرني إلى بعلبك وأفتحها واحتاط على أولاد الملك الصالح إسماعيل وأحملهم بين يدي إلى دمشق فقلت لنفسي هذا من الأماني الكاذبة التي تبعد في العقل أن تكون فما كان الأمد يسيرة وحصل لي ما تمنيته عياناً لم يخرم منه شيء، وفي سنة أربع وأربعين أيضاً أطلق صاحب حمص الأمير بدر الدين محمد بن أبي علي والد الأمير حسام الدين وكان الملك المجاهد حبسه بقلعة حمص مع الأمير سيف الدين ابن أبي علي وجماعة الحمويين فقدم بدر الدين على والده حسام الدين وهو يومئذ نائب السلطنة بالديار المصرية في سنة خمس وأربعين ثم
стр. 491
توفي بعد قدومه بمدة يسيرة فدفنه ولده بالرصد وبنى عليه تربة، وفي سنة ست وأربعين تقدم الملك الصالح نجم الدين إلى الأمير حسام الدين المذكور بالمسير إلى الصالحية مقدماً على العساكر المتوجهة إلى الشام واستناب الملك الصالح بالديار المصرية عوضه الأمير جمال الدين موسى بن يغمور فخرج وأقام بالصالحية أربعة أشهر ثم رجع إلى القاهرة ثم سار إلى الشام مقدماً على الحلقة السلطانية ومعه الدهليز السلطاني إلى حمص.
وفي المحرم سنة سبع وأربعين دخل الأمير حسام الدين إلى الديار المصرية نائباً بها وتوجه الأمير جمال الدين موسى بن يغمور إلى الشام نائباً بدمشق فالتقيا في الرمل واستمر في نيابة السلطنة بالديار المصرية إلى حيث مات الملك الصالح فبلغه أن الأمير فخر الدين بن الشيخ قد عزم استدعاء الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل بن الملك الكامل من عند عماته القطبيات ويفوض السلطنة إليه ويكون أتابكه فتقدم الأمير حسام الدين إلى شمي الدين بن باخل وإلى القاهرة إذ ذاك أن ينقل المغيث إلى قلعة الجبل وأمر بالاحتياط عليه وسير قصاده إلى حصن كيفا يستحثوا الملك المعظم توران شاه على سرعة
стр. 492
الوصول ويعرفوه المفاسد المترتبة على تأخره بخروج الأمر عنه إلى الملك المغيث فلما وصلت قصاده إلى الملك المعظم سار مجداً لإحدى عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وترك بالحصن ولده الملك الموحد عبد الله وعمره نحو عشر سنين وعنده من يقوم بتدبيره وسار يعتسف القفار خوفاً من الملوك الذين في طريقه فوصل دمشق واستقر بقلعتها فامتدحه بعض الشعراء بقصيدة مطلعها:
قل لنا كيف جئت من حصن كيفا ... حين أرغمت للأعادي أنوفاً
فأجابه الملك المعظم في الوقت:
الطريق الطريق يا ألف نحس ... مرة آمناً وطوراً مخوفاً
فاستظرف الناس ذلك من الملك المعظم ولما توجه استصحب معه شرف الدين الفائزي ولما وصل الرمل أسلم علي يديه نشو الدولة ابن حشيش كاتب إنشائه ولقبه معين الدين ورشحه لأن يكون وزيره كما كان معين الدين بن الشيخ وزير أبيه فكان الأمير حسام الدين آكد الأسباب في حضور الملك المعظم وسلطنته بالديار المصرية والعجب منه كيف اجتهد في ذلك بعد ما سمع من الملك الصالح نجم الدين ما يقتضي العمل على خلافه فإنه قال لما ودعت الملك الصالح حين سفره إلى الشام قال لي أنا مسافر إلى الشام وأخاف أن يعرض لي موت وأخي الملك العادل بقلعة مصر فيأخذ البلاد وما يجري عليكم منه خير فإن عرض لي في سفري هذا مرض ولو أنه وجع
стр. 493
إصبع أو حمى فاعدمه فإنه لا خير فيه لكم وولدي توران شاه لا يصلح للملك فإن بلغك موتي لا تسلم البلاد لأحد من أهلي بل سلمها إلى الخليفة المستعصم بالله وقال الأمير حسام الدين قلت للملك الصالح وهو مريض مشرف ما يسير مولانا السلطان يطلب ولده الملك المعظم فما أجاب فلما ألححت عليه قال أجيبه إليهم يقتلوه فكان الأمر كما قال وفي جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين استأذن الأمير حسام الدين الملك المعز في الحج فأذن له وأمر له بحراقة يسافر عليها إلى قوص وبألف دينار وطلب من الملك المعز الأمير عز الدين أزدمر الجمدار ليحج صحبته فأذن له ودخلا مكة في أواخر شعبان ونزل الأمير حسام الدين بدار الضيافة التي بقرب الصفا وقضى الحج وعاد إلى المدينة صلوات الله وسلامة على ساكنها فزار وتوجه إلى ينبع وأقام بها أياماً لأمر بلغه ثم عاد إلى الديار المصرية على الهجن وفي سنة إحدى وخمسين استأذن الملك المعز في التوجه إلى الشام وكان قد ترك الخدمة فأذن له وسافر إلى دمشق فاقطعه الملك الناصر خبزاً جليلاً واحترمه غاية الاحترام وقام عنده مكرماً معظماً، ثم توجه إلى الديار المصرية فتوفي بها وورد الخبر إلى دمشق بوفاته في أواخر شهر شعبان من هذه السنة ﵀ ودفن بالرصد عند والده رحمهما الله وكان الأمير حسام الدين قد عرض له صرع قبل وفاته بسنين ثم تزايد به وكثر فكان سبب وفاته ومولده بحلب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة وأصله من إربل وكان فاضلاً وله نظم جيد قال الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ أنشدني
стр. 494
الأمير حسام الدين المذكور بالمدينة الشريفة النبوية صلوات الله على ساكنها وسلامه لنفسه:
بتنا على حالة ما شابها ريبه ... لم نعدما سنه المدفون في طيبه
حتى بدا الصبح يرفل في ضياشيبه ... وفارق الليل مشكوراً على طيبه
وأنشدني الأمير عز الدين المذكور للأمير حسام الدين أيضاً:
لبيت داعي هواكم حين ناداني ... وقلت شأن الهوى العذرى من شأني
حفظى لعهد الهوى ديني مع إيماني ... وحبكم صاحبي في طي أكفاني
وأنشدني الأمير عز الدين للأمير حسام الدين أيضاً:
؟ أهوى رشأ من خالص الترك رشيق في الحصو معربد وفي السكر مفيق
في فيه لعاشقيه در وعقيق ... ما أحسنه عندي عدو وصديق
وقد تقدم في هذه الترجمة أن صاحب حمص أطلق بدر الدين محمد والد حسام الدين وأن الملك المجاهد كان حبسه بقلعة حمص مع الأمير سيف الدين بن أبي علي وشرح القصة في ذلك أن الأمير سف الدين كان هو المشار إليه من بني أبي علي ولما ملك الملك المظفر تقي الدين محمود حماة سنة ثمان وعشرين وستمائة اجتذبه إليه واقطعه سلمية وزوجه أخته وجعله عديل روحه والمتصرف في جميع ما تحويه يده وكان الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص كثير التعدي على صاحب حماة وبينهما عداوة عظيمة ثم بعد موت الملك الكامل اتفق معه الملك الصالح عماد الدين على مثل ذلك فضعف عنهما فاستنجد بالفرنج وحضر إليه جماعة
стр. 495
من خيالتهم وبنى لهم في حماة كنيسة ولبس الغفارة تقرباً إليهم ليعتضد بهم على دفع الملك المجاهد والملك الصالح واتفق حضور الملك الصالح نجم الدين من المشرق وتسلمه دمشق من الملك الجواد على ما هو مشهور وعزم على قصد حمص وانتزاعها من صاحبها فحضر إليه جماعة من الأمراء المصريين فطلبوه ليملكوه الديار المصرية وقالوا له لا تشتغل بحمص إذا ملكت مصر كانت حمص وغيرها لك فتوجه إلى نابلس وأقام بها في انتظار عمه الملك الصالح وكان الملك الصالح والملك المجاهد قد اتفقا على أخذ دمشق وكان الملك الصالح نجم الدين مصافياً للملك المظفر صاحب حماة فسير إليه يقول أنا متوجه إلى الديار المصرية وتبقى دمشق شاغرة وأخاف من الملك الناصر داود ومن غيره من المجاورين فاحفظها كيف شئت فاقتضى رأيه أن يجهز إليها الأمير سيف الدين وخشي عليه من صاحب حمص فأظهرا منافرة وقال له سيف الدين في ملأ من الناس أنت تواطئ الفرنج وتريد تسليم البلاد إليهم وأنا ما بقيت أقيم عندك وقام خرج على غضب وتوجه في قريب أربعمائة فارس وجماعة كثيرة من أعيان الحمويين وجاؤوا إلى حمص ونزلوا على البحيرة فخرج الملك المجاهد إلى الأمير سيف الدين وهنأه بالسلامة وسير له الإقامات وسأله عن سبب حركته فأخبره فشرع صاحب حمص يشتم صاحب حماة ويلعنه بكل لسان ويشكر سيف الدين على مفارقته وصار يركب إليه كل يوم ويسيران ويتحدثان فعمل صاحب حمص حسابه ورتب له جماعة كثيرة وركب معه وسايره وأشغله بالحديث
следующие страницы →