← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

توفي بعد قدومه بمدة يسيرة فدفنه ولده بالرصد وبنى عليه تربة، وفي سنة ست وأربعين تقدم الملك الصالح نجم الدين إلى الأمير حسام الدين المذكور بالمسير إلى الصالحية مقدماً على العساكر المتوجهة إلى الشام واستناب الملك الصالح بالديار المصرية عوضه الأمير جمال الدين موسى بن يغمور فخرج وأقام بالصالحية أربعة أشهر ثم رجع إلى القاهرة ثم سار إلى الشام مقدماً على الحلقة السلطانية ومعه الدهليز السلطاني إلى حمص. وفي المحرم سنة سبع وأربعين دخل الأمير حسام الدين إلى الديار المصرية نائباً بها وتوجه الأمير جمال الدين موسى بن يغمور إلى الشام نائباً بدمشق فالتقيا في الرمل واستمر في نيابة السلطنة بالديار المصرية إلى حيث مات الملك الصالح فبلغه أن الأمير فخر الدين بن الشيخ قد عزم استدعاء الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل بن الملك الكامل من عند عماته القطبيات ويفوض السلطنة إليه ويكون أتابكه فتقدم الأمير حسام الدين إلى شمي الدين بن باخل وإلى القاهرة إذ ذاك أن ينقل المغيث إلى قلعة الجبل وأمر بالاحتياط عليه وسير قصاده إلى حصن كيفا يستحثوا الملك المعظم توران شاه على سرعة

стр. 492

الوصول ويعرفوه المفاسد المترتبة على تأخره بخروج الأمر عنه إلى الملك المغيث فلما وصلت قصاده إلى الملك المعظم سار مجداً لإحدى عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة سبع وأربعين وترك بالحصن ولده الملك الموحد عبد الله وعمره نحو عشر سنين وعنده من يقوم بتدبيره وسار يعتسف القفار خوفاً من الملوك الذين في طريقه فوصل دمشق واستقر بقلعتها فامتدحه بعض الشعراء بقصيدة مطلعها: قل لنا كيف جئت من حصن كيفا ... حين أرغمت للأعادي أنوفاً فأجابه الملك المعظم في الوقت: الطريق الطريق يا ألف نحس ... مرة آمناً وطوراً مخوفاً فاستظرف الناس ذلك من الملك المعظم ولما توجه استصحب معه شرف الدين الفائزي ولما وصل الرمل أسلم علي يديه نشو الدولة ابن حشيش كاتب إنشائه ولقبه معين الدين ورشحه لأن يكون وزيره كما كان معين الدين بن الشيخ وزير أبيه فكان الأمير حسام الدين آكد الأسباب في حضور الملك المعظم وسلطنته بالديار المصرية والعجب منه كيف اجتهد في ذلك بعد ما سمع من الملك الصالح نجم الدين ما يقتضي العمل على خلافه فإنه قال لما ودعت الملك الصالح حين سفره إلى الشام قال لي أنا مسافر إلى الشام وأخاف أن يعرض لي موت وأخي الملك العادل بقلعة مصر فيأخذ البلاد وما يجري عليكم منه خير فإن عرض لي في سفري هذا مرض ولو أنه وجع

стр. 493

إصبع أو حمى فاعدمه فإنه لا خير فيه لكم وولدي توران شاه لا يصلح للملك فإن بلغك موتي لا تسلم البلاد لأحد من أهلي بل سلمها إلى الخليفة المستعصم بالله وقال الأمير حسام الدين قلت للملك الصالح وهو مريض مشرف ما يسير مولانا السلطان يطلب ولده الملك المعظم فما أجاب فلما ألححت عليه قال أجيبه إليهم يقتلوه فكان الأمر كما قال وفي جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين استأذن الأمير حسام الدين الملك المعز في الحج فأذن له وأمر له بحراقة يسافر عليها إلى قوص وبألف دينار وطلب من الملك المعز الأمير عز الدين أزدمر الجمدار ليحج صحبته فأذن له ودخلا مكة في أواخر شعبان ونزل الأمير حسام الدين بدار الضيافة التي بقرب الصفا وقضى الحج وعاد إلى المدينة صلوات الله وسلامة على ساكنها فزار وتوجه إلى ينبع وأقام بها أياماً لأمر بلغه ثم عاد إلى الديار المصرية على الهجن وفي سنة إحدى وخمسين استأذن الملك المعز في التوجه إلى الشام وكان قد ترك الخدمة فأذن له وسافر إلى دمشق فاقطعه الملك الناصر خبزاً جليلاً واحترمه غاية الاحترام وقام عنده مكرماً معظماً، ثم توجه إلى الديار المصرية فتوفي بها وورد الخبر إلى دمشق بوفاته في أواخر شهر شعبان من هذه السنة ﵀ ودفن بالرصد عند والده رحمهما الله وكان الأمير حسام الدين قد عرض له صرع قبل وفاته بسنين ثم تزايد به وكثر فكان سبب وفاته ومولده بحلب سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة وأصله من إربل وكان فاضلاً وله نظم جيد قال الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ أنشدني

стр. 494

الأمير حسام الدين المذكور بالمدينة الشريفة النبوية صلوات الله على ساكنها وسلامه لنفسه: بتنا على حالة ما شابها ريبه ... لم نعدما سنه المدفون في طيبه حتى بدا الصبح يرفل في ضياشيبه ... وفارق الليل مشكوراً على طيبه وأنشدني الأمير عز الدين المذكور للأمير حسام الدين أيضاً: لبيت داعي هواكم حين ناداني ... وقلت شأن الهوى العذرى من شأني حفظى لعهد الهوى ديني مع إيماني ... وحبكم صاحبي في طي أكفاني وأنشدني الأمير عز الدين للأمير حسام الدين أيضاً: ؟ أهوى رشأ من خالص الترك رشيق في الحصو معربد وفي السكر مفيق في فيه لعاشقيه در وعقيق ... ما أحسنه عندي عدو وصديق وقد تقدم في هذه الترجمة أن صاحب حمص أطلق بدر الدين محمد والد حسام الدين وأن الملك المجاهد كان حبسه بقلعة حمص مع الأمير سيف الدين بن أبي علي وشرح القصة في ذلك أن الأمير سف الدين كان هو المشار إليه من بني أبي علي ولما ملك الملك المظفر تقي الدين محمود حماة سنة ثمان وعشرين وستمائة اجتذبه إليه واقطعه سلمية وزوجه أخته وجعله عديل روحه والمتصرف في جميع ما تحويه يده وكان الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص كثير التعدي على صاحب حماة وبينهما عداوة عظيمة ثم بعد موت الملك الكامل اتفق معه الملك الصالح عماد الدين على مثل ذلك فضعف عنهما فاستنجد بالفرنج وحضر إليه جماعة

стр. 495

من خيالتهم وبنى لهم في حماة كنيسة ولبس الغفارة تقرباً إليهم ليعتضد بهم على دفع الملك المجاهد والملك الصالح واتفق حضور الملك الصالح نجم الدين من المشرق وتسلمه دمشق من الملك الجواد على ما هو مشهور وعزم على قصد حمص وانتزاعها من صاحبها فحضر إليه جماعة من الأمراء المصريين فطلبوه ليملكوه الديار المصرية وقالوا له لا تشتغل بحمص إذا ملكت مصر كانت حمص وغيرها لك فتوجه إلى نابلس وأقام بها في انتظار عمه الملك الصالح وكان الملك الصالح والملك المجاهد قد اتفقا على أخذ دمشق وكان الملك الصالح نجم الدين مصافياً للملك المظفر صاحب حماة فسير إليه يقول أنا متوجه إلى الديار المصرية وتبقى دمشق شاغرة وأخاف من الملك الناصر داود ومن غيره من المجاورين فاحفظها كيف شئت فاقتضى رأيه أن يجهز إليها الأمير سيف الدين وخشي عليه من صاحب حمص فأظهرا منافرة وقال له سيف الدين في ملأ من الناس أنت تواطئ الفرنج وتريد تسليم البلاد إليهم وأنا ما بقيت أقيم عندك وقام خرج على غضب وتوجه في قريب أربعمائة فارس وجماعة كثيرة من أعيان الحمويين وجاؤوا إلى حمص ونزلوا على البحيرة فخرج الملك المجاهد إلى الأمير سيف الدين وهنأه بالسلامة وسير له الإقامات وسأله عن سبب حركته فأخبره فشرع صاحب حمص يشتم صاحب حماة ويلعنه بكل لسان ويشكر سيف الدين على مفارقته وصار يركب إليه كل يوم ويسيران ويتحدثان فعمل صاحب حمص حسابه ورتب له جماعة كثيرة وركب معه وسايره وأشغله بالحديث

стр. 496

إلى أن قربوا من المدينة فتوقف سيف الدين وقال للملك المجاهد بسم الله يدخل المولى مدينته فقال لي بك اجتماع في المدينة وأشتهي أتحدث معك في مهم لي وأطلعك على ما في نفسي منه وهذا ما يمكن إلا في المدينة ولا بد من دخولك على كل حال فرأى الأمير سيف الدين أنه مقهور معه فدخل ونزلوا في دار بالمدينة وقال له الأمير سيف الدين ما هو المهم الذي ذكره المولى قال لي شغل أريد أقضيه وأشتهي تعيرني جماعتك يجيئون معي مدة ثلاثة أيام أستعين بهم على قضاء شغلي وأعود بهم إلى خدمتك خذهم ورح قال فأنا وهم نجئ معك قال ما يمكن المولى كبير المقدار وإنما تقيم أنت هنا إلى أن نعود فما أمكنه مخالفته وقد صار في قبضته فقال له الملك المجاهد تسير إليهم وتستدعي فلان وفلان وفلان جماعة عينهم منهم الأمير بدر الدين محمد والد الأمير حسام الدين فاستدعاهم فحضروا فقال تكتب إلى بقية العسكر أن يتوجهوا صحبتي فكتب إليهم فأخذهم وتوجه بهم هو والملك الصالح عماد الدين إلى دمشق فهجموها على الصورة المشهورة، فلما عاد صاحب حمص قال لعسكر الأمير سيف الدين من أراد أن يخدمني استخدمته ومن أراد يروح فيروح حيث شاء فخدم عنده جماعة يسيرة وراح الباقون ونقل الأمير سيف الدين ومن معه إلى قلعة حمص وضيق عليهم ولم يزل الأمير سيف الدين في حبسه إلى أن مات فيه ﵀، ومات الملك المجاهد وجميع أصحاب الأمير سيف الدين ومن كان في صحبته من الحمويين

стр. 497

في الحبس ثم أفرج عن الأمير بدر الدين كما ذكرنا وأفرج عن من سلم منهم بعد طول مدة ومشقة عظيمة ومصادرة نالت من هو متهم بمال وكان هذا الفعل من سوء التدبير وضعف الرأي فإنهم لو توجهوا على البرية لوصلوا دمشق وحفظوها بمشيئة الله تعالى ولو لم يغرر الأمير سيف الدين بنفسه لما قدر صاحب حمص عليه فإنه كان معه عسكر يضاهي عسكر حمص ويزيد عليه لكن إذا أراد الله أمراً لا مرد عليه وكان الشيخ شرف الدين عبد العزيز وزير صاحب حماة إذا جرى عنده ذكر الأمير سيف الدين وما تم عليه يقول دعونا من دم ضيعه أهله. ؟؟ السنة التاسعة والخمسون وستمائة أولها يوم الاثنين لأيام خلون من كانون الأول دخلت هذه السنة وليس للمسلمين خليفة وصاحب مكة حرسها الله تعالى نجم الدين أبو نمى بن أبي أسعد بن علي بن قتادة الحسني وعمه إدريس بن علي بن قتادة ومكة بينهما بالسوية وصاحب المدينة الشريفة صلوات الله وسلامه على ساكنها الأمير عز الدين جماز بن شيحة الحسيني وصاحب دمشق وبعلبك وبانياس والصبيبة الأمير علم الدين الحلبي الملقب بالملك المجاهد وصاحب الديار المصرية ومعظم الشام السلطان الملك الظاهر والمستولي على حلب وأعمالها الأمير حسام الدين لاجين الجوكندار وهو في طاعة

стр. 498

الملك الظاهر وصاحب الموصل الملك الصالح إسماعيل بن بدر الدين لؤلؤ وصاحب جزيرة ابن عمر أخوه الملك المجاهد سيف الدين إسحاق وصاحب ماردين الملك السعيد نجم الدين إيلغازي بن أرتق وصاحب بلاد الروم ركن الدين قليج أرسلان بن السلطان غياث الدين كيخسرو ابن علاء الدين السلجوقي وأخوه عز الدين كيكاووس والبلاد بينهما مناصفة وصاحب صهيون وبرزية مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس وصاحب الكرك والشوبك الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن الملك الكامل وصاحب حماة الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين محمود، وصاحب حمص وتدمر والرحبة الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن الملك المنصور ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذى والمستولي على حصون الإسماعيلية الثمانية التي بالشام من أعمال حلب رضي الدين أبو المعالي ابن أبي المنصور ونجم الدين إسماعيل الشعراني وصاحب مراكش أبو حفص عمر بن أبي إبراهيم بن يوسف ويلقب بالمرتضى، وصاحب تونس أبو عبد الله محمد بن أبي زكريا يحيى بن أبي محمد بن الشيخ أبي حفص عمر بن يحيى، وصاحب اليمن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور

стр. 499

نور الدين عمر، وصاحب ظفار موسى بن إدريس بن محمود بن محمد الحضرمي وصاحب دلى ناصر الدين محمود بن شمس الدين ايلتمش وصاحب كرمان تركان خاتون زوجة الحاجب براق وولدا قطب الدين براخمه وصاحب بلاد فارس أبو بكر بن أتابك سعد بن زنكى ابن دكلا. متجددات الأحوال في هذه السنة في المحرم منا جاء الخبر إلى دمشق بحفل أهل حلب وما والاها وسبب ذلك تجمع التتار الذين كانوا بحران وغيرها من بلاد الجزيرة وانضم إليهم من سلم من كسرة عين جالوت وضعفوا لشدة الغلاء عندهم فألجأتهم الضرورة إلى الغارة على بلد حلب فأجفل الناس من بين أيديهم. وفيها في أوائل المحرم كانت كسرة التتار على حمص وكانوا في ستة آلاف فارس فلما وصلوا حمص وجدوا عليها الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزي ومن معه والملك المنصور صاحب حماة والملك الأشرف صاحب حمص في ألف وأربعمائة فارس فحملوا على التتار حملة

стр. 500

رجل واحد فهزموهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب بيدرة في نفر يسير وأتى القتل على معظمهم وكانت الوقعة عند قبر خالد بن الوليد ﵁ ولما عاد فل التتار إلى حلب أخرجوا من فيها من الرجال والنساء ولم يبق إلا من اختفى خوفاً على نفسه ثم نادوا من كان من أهل حلب فليعتزل فاختلط على الناس أمرهم ولم يعلموا المراد فاعتزل بعض الغرباء مع أهل حلب جماعة من أقارب الملك الناصر ﵀ ثم عدوا من بقي من أهل حلب وسلموا كل طائفة منهم إلى رجل من الأكابر ضمنوهم له ثم أذنوا لهم في العود إلى البلد وأحاطوا بها ولم يمكنوا أحداً من الخروج منها ولا من الدخول إليها أربعة أشهر فغلت الأسعار وبلغ رطل اللحم سبعة عشر درهماً ورطل السمك ثلاثين درهماً ورطل اللبن خمسة عشرة درهماً ورطل الشيرج سبعين درهماً ورطل الأرز عشرين درهماً ورطل حب الرمان ثلاثين درهماً ورطل السكر خمسين درهماً والحلواء كذلك ورطل العسل ثلاثين درهماً ورطل الشراب ستين درهماً والجدي الرضيع أربعين درهماً والدجاجة خمسة دراهم والبيضة درهماً ونصفاً والبصلة نصف درهم والحسك نصف درهم وباقة البصل درهماً والبطيخة أربعين درهماً والتفاحة خمسة دراهم حتى أكلت الميتة من شدة الغلاء.

стр. 501

وأما الأمير حسام الدين الجوكندار والأمير نور الدين علي بن مجلى ومن معهما من الناصرية لما تحققوا عود التتر إلى حلب ساقوا على حمية وعبروا المرج ولم يقربوا دمشق وقصدوا الغور ثم إلى مصر فأقبل الملك الظاهر عليهم وكتب لهم المناشير بالأخباز بحلب ودمشق وعادوا بعد ما استولى الملك الظاهر على دمشق. وفي يوم الاثنين سابع صفر ركب الملك الظاهر من قلعة الجبل بأبهة الملك ونزل من وراء القاهرة ودخل من باب النصر وشق البلد وخرج من باب زويلة عائداً إلى القلعة والأمراء وأعيان الأجناد مشاة بين يديه وكان هذا أول ركوبه في دست السلطنة ثم استمر بعد ذلك على الركوب للعب بالكرة وغيره. ذكر انتزاع دمشق من يد الأمير علم الدين الحلبي كان الملك الظاهر قد كتب إلى الأمراء الذين بدمشق يستميلهم إليه ويحضهم على منابذة الأمير علم الدين والقبض عليه فأجابوه وخرجوا عن دمشق منابذين له وفيهم الأمير علاء الدين البندقدار والأمير بهاء الدين بغدى فتبعهم الأمير علم الدين الحلبي بمن بقي معه من الأمراء والجند فهزموه والجأوه إلى القلعة فأغلقها دونهم وذلك يوم السبت حادي عشر صفر ثم خرج من القلعة تلك الليلة وقصد بعلبك فدخل قلعتها ومعه قريب عشرين نفراً من مماليكه ودخل علاء الدين البند قدار دمشق

стр. 502

واستولى عليها وحكم فيها نيابة عن الملك الظاهر وجهز إلى بعلبك لمحاصرة الأمير علم الدين الحلبي بدر الدين محمد بن رحال والأمير ... التركماني فحال وصلوهما دخلا المدينة ونزلا بالمدرسة النورية وكان الأمير علم الدين الحلبي عند ما وصل جعل عنده في القلعة طائفة كبيرة من أهل نحله مقدمهم علي بن عبود فسير إليهم بدر الدين بن رحال وأفسدهم فتدلوا من القلعة ليلاً ونزلوا وترددت المراسلات بين الحلبي والبند قدار واستقر الحال على نزوله وتوجهه إلى خدمة الملك الظاهر حسبما يختار فخرج من القلعة راكباً حصانه وفي وسطه عدته وفي قربانه قوسان وهو كالأسد الهصور فحال ما بعد عن القلعة قدم له بغلة فتحول إليها وقلع العدة ووصل إلى دمشق وسار منها إلى الديار المصرية فأدخل على الملك الظاهر ليلاً بقلعة الجبل فقام إليه واعتنقه وأدنى مجلسه وعاتبه عتاباً لطيفاً ثم خلع عليه ورسم له بخيل وبغال وجمال وقماش وغير ذلك. وفي يوم الاثنين ثامن ربيع الأول فوض الملك الظاهر أمر الوزارة وتدبير الدولة إلى الصاحب بهاء الدين علي بن محمد. وفي ربيع الآخر حضر عند الملك الظاهر أحد أجناد الأمير عز الدين الصيقلي وأنهى إليه أنه فرق ذهباً في جماعة من حاشيته وقرر

стр. 503

معهم الوثوب على السلطان واتفق معه الأمير علم الدين الغتمي وبهادر والشجاع بكتوت فقبض الملك الظاهر عليهم. وفي ربيع الآخر بعث الملك الظاهر عسكراً إلى الشوبك فتسلمه من نواب الملك المغيث بباطن كان بينهم وبين الملك الظاهر. وفيه قبض الملك الظاهر على الأمير بهاء الدين بغدي الأشرفي بدمشق وحمل إلى قلعة الجبل فلم يزل محبوساً بها إلى أن مات. ذكر نزوح التتار عن حلب وما حدث بعد نزوحهم كان الملك الظاهر جهز الأمير فخر الدين الطنبا الحمصي والأمير حسام الدين لاجين العينتابي في عسكر لترحيل التتار عن حلب فلما وصلوا غزة كتب الفرنج من عكا إلى التتار يخبرونهم فرحلوا عنها في أوائل جمادى الأولى فتغلب عليها جماعة من أحداثها وشطارها منهم نجم الدين أبو عبد الله بن المنذر وعلي بن الأنصاري وأبو الفتح ويوسف بن معالي فقتلوا ونهبوا ونالوا أغراضهم ثم وصل إليها فخر الدين الحمصي والعينتابي بمن معهما من العسكر فخرجوا هاربين ولما دخلها العينتابي صادر أهلها وعذبهم حتى استخرج منهم ألف ألف وستمائة ألف درهماً بيروتية وأقام بها إلى أن وصل إليها الأمير شمس الدين آقوش البرلي في جمادى الآخرة فخرج لتلقيه ظناً منه أنه جاء نجدة له وكان قد خرج من دمشق هارباً لما استشعر من الملك الظاهر فلما دخلها تغلب عليها فخافه فخر الدين الحمصي فأعمل الحيلة

стр. 504

في الخلاص منه بأن طلب السفر إلى الملك الظاهر ليستميله إليه فمكنه من الخروج فلما توجه أخذ البرلي في مصادرة من كان في صحبة الحمصي وأبقى على العينتابي وأمر وأقطع ووقد عليه زامل بن علي بن خذيفة في أصحابه ففرق عليهم تسعة آلاف مكوكاً مما احتاط عليه من الغلال التي كانت مطمورة بحلب وفرق في التركمان أربعة آلاف مكوكاً أخرى. وفي يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى عرض الملك الظاهر ولاية القضاء بالديار المصرية على القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن القاضي الأعز أبي القاسم خلف بن القاضي رشيد الدين أبي الثناء محمود بن بدر العلامي فشرط شروطاً أغلظ فيها فأجابه السلطان إليها وصلى به الظهر وحكم بقية النهار وعزل القاضي بدر الدين أبو المحاسن يوسف بن علي السنجاري وعوق عشرة أيام ثم أفرج عنه. وفي الثامن والعشرين منه ولي الأمير جمال الدين موسى بن يغمور ولاية البحر وشد العمائر والجيزة وولي الأمير صارم الدين قايماز المسعودي القاهرة وولي شجاع الدين جلدك الفائزي شد الدواوين. ذكر وصول المستنصر بالله إلى القاهرة ومبايعته كان هذا وهو أبو القاسم أحمد بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد ابن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد محبوساً ببغداد مع جماعة من بني

стр. 505

العباس فلما ملكت التتار بغداد أطلقوهم فصار المستنصر إلى عرب العراق واختلط بهم فلما ملك الملك الظاهر وفد عليه مع جماعة من بني مهارش وهم عشرة أمراء مقدمهم ابن قبيتا والأمير ناصر الدين مهنا وكان وصوله إلى القاهرة في ثامن رجب فركب السلطان للقائه ومعه الوزير بهاء الدين وقاضي القضاة تاج الدين والشهود والرؤساء والقراء والمؤذنون واليهود بالتوراة والنصارى بالإنجيل في يوم الخميس فدخل من باب النصر وشق القاهرة وكان يوماً مشهوداً، ولما كان يوم الاثنين ثالث عشر الشهر جلس السلطان والخليفة في الإيوان بقلعة الجبل وحضر الصاحب بهاء الدين وولده فخر الدين وقاضي القضاة تاج الدين والأمراء والناس على طبقاتهم وقرئ نسب الخليفة على القاضي وشهد عنده بصحته فأسجل عليه بذلك وحكم به وبويع وركب من يومه وشق القاهرة في وجوه الدولة وأعيانها. باب في مبايعته وهو الثامن والثلاثون من خلفاء بني العباس ﵁ وهو الإمام المستنصر بالله أبو القاسم أحمد بن الإمام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن أبي المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد أمير المؤمنين بويع بالخلافة في قلعة الجبل ظاهر القاهرة من الديار المصرية يوم

стр. 506

الاثنين ثالث عشر شهر رجب سنة تسع وخمسين وستمائة وأول من بايعه قاضي الديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب بن خلف الشافعي عند ما ثبت نسبه عنده ثم بايعه الملك الظاهر والشيخ عز الدين عبد العزيز ابن عبد السلام والأمراء والأعيان من أولى الحل والعقد وكانت بيعته في الأيوان الكبير بالقلعة المذكورة وكان المسلمون بغير خليفة منذ قتل التتار ابن أخيه الإمام المستعصم بالله أبا أحمد عبد الله بن المستنصر بالله أبي جعفر المنصور بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد ﵀ في أوائل سنة ست وخمسين مدة ثلاث سنين ونصف وكان المستنصر بالله شديد السمرة جسيماً وسيماً عالي الهمة شديد القوى عنده شجاعة وإقدام وهو أخو المستنصر بالله أبي جعفر المنصور ونعت بنعته وهذا ما لم يجربه العادة فيما تقدم أن خليفة يلقب بلقب خليفة تقدمه من أهل بيته وقد ولى الخلافة إخوان وثلاثة إخوة إما أربعة أخوة ولوا الخلافة فأولاد عبد الملك بن مروان لا غير وثلاثة إخوة الأمين والمأمون والمعتصم أولاد هارون الرشيد والمستنصر والمعتز والمعتمد أولاد المتوكل والمكتفي والمقتدر والقاهر أولاد المعتضد والراضي والمتقي والمطيع أولاد جعفر المقتدر وإخوان فالسفاح والمنصور ولدا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ﵁ والهادي والرشيد ابنا المهدي والواثق والمتوكل ابنا المعتصم والمسترشد والمقتفي ابنا المستظهر والمستنصر منصور والمستنصر هذا ابنا الظاهر ومنه إلى العباس ﵁ أربعة وعشرون نفراً وولي

стр. 507

الخلافة بعد ابن أخيه ولم يل أحد بعد ابن أخيه قبله إلا جده المقتفي بن المستظهر فإنه ولي أيضاً بعد الراشد بن المستظهر، وأما من ولى الخلافة بعد عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك من بني أمية ولي بعد عمه هشام ابن عبد الملك والمعتضد ابن الأمير الناصر بن المتوكل ولي بعد عمه المعتمد ابن المتوكل والراضي بالله بن المقتدر بن المعتضد ولي بعد عمه القاهر بالله ابن المعتضد ومدة خلافة المستنصر منذ بويع إلى أن فقد خمسة شهور وعشرون يوماً فمدة خلافته أقصر المدد من أهل بيته، أما من بني أمية فمعاوية بن يزيد بن معاوية ﵀ مدة خلافته أربعون يوماً ويزيد ابن الوليد خمسة أشهر وأخوه إبراهيم بن الوليد سبعون يوماً، ومن بني العباس ﵁ لم يستكملوا سنة أولهم المستنصر بن المتوكل بقي في الخلافة ستة أشهر والمهتدي بن الواثق بقي فيه أحد عشر شهراً وأياماً والحسن بن علي ﵄ بقي في الخلافة منذ بويع بعد قتل أمير المؤمنين ﵁ إلى أن نزع نفسه وبايع معاوية ﵁ سبعة شهور وأحد عشر يوماً وقيل غير ذلك. ولما كان يوم الجمعة ركب من البرج الذي كان مقيماً به في القلعة وعليه ثياب سود إلى الجامع بالقلعة للصلاة فصعد المنبر وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس ثم استفتح وقرأ سورة الأنعام حتى بلغ قوله تعالى: " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ثم صلى على النبي صلى الله عليه

стр. 508

وسلم وترضى عن الصحابة ﵃ ودعا للسلطان ثم نزل وصلى بالناس. وفي مستهل شعبان تقدم الخليفة بتفضيل خلعة سوداء وبعمل الطوق وقيد من ذهب وبكتب تقليد السلطنة للملك الظاهر ونصب خيمة ظاهر القاهرة، فلما كان يوم الاثنين رابعه ركب الخليفة والسلطان والوزير ووجوه الدولة والأمراء والقضاة والشهود إلى الخيمة فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده وطوقه وقيده وصعد فخر الدين إبراهيم بن لقمان رئيس الكتاب منبراً نصب له فقرأ التقليد وهو من إنشائه وبخطه ثم ركب السلطان بالخلعة والطوق والقيد ودخل من باب النصر وشق القاهرة وقد زينت له وحمل الصاحب بهاء الدين التقليد على رأسه راكباً والأمراء يمشون بين يديه وكان يوماً يقصر اللسان عن وصفه. نسخة التقليد الحمد لله الذي أضفى على الإسلام ملابس الشرف، وأظهر بهجة درره وكانت خافية بما استحكم عليها من الصدف، وشد ما وهي من علائه حتى أنسى ذكر من سلف، وقيض لنصره ملوكاً اتفق عليهم من اختلف، أمده على نعمه التي رتعت الأعين منها في الروض الأنف، وألطافه التي وقف الشكر عليها فليس له عنها منصرف، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة توجب من المخاوف أمناً، وتسهل

стр. 509

من الأمور ما كان حزناً، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي جبر من الدين وهنا، ورسوله الذي أظهر من المكارم فنوناً لا فنا، صلى الله عليه وعلى آله الذين أصبحت مناقبهم باقية لا تفنى، وأصحابه الذين أحسنوا في الدين فاستحقوا الزيادة من الحسنى، وبعد فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقهم أن يصبح القلم راكعاً وساجداً في تسطير مناقبه وبره، من سعى فأضحى بسعيه الحميد متقدماً، ودعا إلى طاعته فأجابه من كان منجد أو متهماً، وما بدت يد في المكرمات إلا كان لها زنداً ومعصماً، ولا استباح بسيفه حمى وغي إلا أضرمه ناراً وأجراه دماً. ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالي المولوي السلطاني الملكي الظاهري الركني شرفه الله وأعلاه ذكرها الديوان العزيز النبوي الإمامي المستنصري أعز الله سلطانه تنويهاً بشريف قدره، واعترافاً بصنعه الذي تنفد العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره، وكيف لا وقد أقام الدولة العباسية بعد أن أقعدتها زمانة الزمان، وأذهب ما كان لها من محاسن وإحسان، وعتب، دهرها المسيء لها فأعتب، وأرضى عنها زمنها وقد كان صال عليها صولة مغضب، فأعاده لها سلماً بعد أن كان عليها حرباً، وصرف إليها اهتمامه فرجع كل متضايق من أمورها واسعاً رحباً، ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنواً وعطفاً، وأظهر من الولاء رغبة في ثواب الله ما لا يخفى، وأبدى من الاهتمام

стр. 510

بأمر البيعة أمراً لو رامه غيره لامتنع عليه، ولو تمسك بحبله لانقطع به قبل الوصول إليه، لكن الله أدخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه ويخفف بها يوم القيامة حسابه، والسعيد من خفف من حسابه، فهذه منقبة أبى الله إلا أن يخلدها في صحيفة صنعه، ومكرمة قضت لهذا البيت الشريف بجمعه بعد أن حصل إلا يأس من جمعه، وأمير المؤمنين يشكر هذه الصنائع، ويعترف أنه لولا اهتمامك لاتسع الخرق على الراقع، وقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية والديار البكرية، والحجازية واليمنية والفراتية وما يتجدد من الفتوحات غوراً ونجداً وفوض أمر جندها ورعاياها إليك حين أصبحت بالمكارم فرداً، ولا جعل منها بلداً من البلاد ولا حصناً من الحصون مستثنى، ولا جهة من الجهات تعد في الأعلى ولا في الأدنى، فلا حظ أمور الأمة فقد أصبحت لها حاملاً، وخلص نفسك من التبعات اليوم ففي غد تكون مسئولاً عنها لا سائلاً، ودع لاغترار بأمر الدنيا فما نال أحد منها طائلاً، وما رآها أحد بعين الحق إلا رآها خيالاً زائلاً، فالسعيد من قطع منها آماله الموصولة، وقدم لنفسه زاد التقوى، فتقدمة غير التقوى مردودة لا مقبولة، وابسط يدك بالإحسان والعدل فقد أمر الله بالعدل والإحسان، وكرر ذكره في مواضع من القرآن، وكفر به عن المرء ذنوباً كتبت عليه وآثاماً، وجعل يوماً واحداً منه كعبادة العابد ستين عاماً، وما سلك سبيل العدل

стр. 511

إلا واجتنيت ثماره من أفنان، ورجع الأمن بعد تداعي أركانه مشيد الأركان، وتحصن من حوادث الزمان فكانت أيامه في الأنام أبهى من الأعياد، وأحسن في العيون من الغرر في أوجه الجياد، وأحلى من العقود إنما حلى بها عطل الأجياد، وهذه الأقاليم منوطة بنظرك تحتاج إلى نواب وحكام، وأصحاب رأي من أصحاب السيوف والأقلام، فإذا استعنت بأحد منهم في أمورك فنقب عليه تنقيباً واجعل عليه في تصرفاته رقيباً، وسل عن أحواله ففي يوم القيامة تكون عنه مسئولاً وبما اجترم مطلوباً، ولا تولى منهم إلا من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوباً ومرهم بالأناة في الأمور والرفق ومخالفة الهوى إذا ظهرت لهم أدلة الحق، وإن يقابلوا الضعفاء في حوائجهم بالثغر الباسم والوجه الطلق وإن لا يعاملوا أحداً على الإحسان والإساءة إلا بما يستحق، وإن يكونوا لمن تحت إيديهم من الرعية إخواناً، وأن يوسعوهم براً وإحساناً وأن لا يستحلوا حرماتهم إذا استحل الزمان لهم حرماناً، فالمسلم أخو المسلم وإن كان أميراً عليه وسلطاناً، فالسعيد من نسج ولاته في الخير على منواله، واستنوا بسنته في تصرفاته وأحواله، وتحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله، ومما يؤمرون به أن يحمي ما أحدث من سيء السنن، وجدد من المظالم التي هي على الخلائق من أعظم المحن، وإن يشتري بإبطالها المحامد فإن المحامد رخيصة بأغلى ثمن، ومهما جبى منها من الأموال فإنها باقية في الذمم وإن كانت حاصلة، وأجياد الخزائن

стр. 512

وإن أضحت بها حالية، فإنها هي على الحقيقة عاطلة، وهل أشقى ممن احتقب إثماً، واكتسب بالمساعي الذميمة ذماً، وجعل السواد الأعظم يوم القيامة له خصماء وتحمل ظلم الناس فيما صدر عنه من أعماله وقد خاب من حمل ظلماً، وحقيق بالمقام الشريف السلطاني الملكي الظاهري الركني أن تكون ظلامات الأنام مردودة بعدله، وعزائمه تخفف عن الخلائق ثقلاً لا طاقة لهم بحمله، فقد أضحى على الإحسان قادراً، وصنعت له الأيام ما لم تصنعه لمن تقدم من الملوك وإن جاء آخراً، فأحمد الله على أن وصل إلى جنابك إمام هدى أوجب لك مزية التعظيم، ونبه الخلائق على ما خصك الله به من هذا الفضل العظيم، وهذه الأمور ينبغي أن تلاحظ وترعى، وإن يوالي عليها حمد الله فإن الحمد يجب عليها عقلاً وشرعاً، وقد تبين أنك صيرت في الأمور أصلاً، وغيرك فرعاً، ومما يجب تقديم ذكره الجهاد الذي أضحى على الأمة فرضاً، وهو العمل الذي يرجع به مسود الصحائف مبيضاً، وقد وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم، وأعد لهم عنده المقام الكريم، وخصهم بالجنة التي لا لغو فيها ولا تأثيم، وقد تقدمت لك في الجهاد، يد بيضاء أسرعت في سواد الحساد، وعرفت منك عزمة هي أمضى مما تجنه ضمائر الأغماد، واشتهرت لك مواقف في القتال هي أبهى وأشهى إلى القلوب من الإغماد، واشتهرت لك مواقف في القتال هي أبهى وأشهى إلى القلوب من الأعياد، وبك صان الله حمى الإسلام من أن يبتذل، وبعزمك حفظ على المسلمين نظام هذه الدول، وسيفك الذي أثر في قلوب الكافرين قروحاً لا تندمل، وبك يرجى أن يرجع مقر الخلافة المعظمة إلى ما كان عليه في الأيام الأول، فأيقظ لنصرة الإسلام جفناً ما كان غافياً ولا هاجعاً، وكن في مجاهدة أعداء الله إماماً متبوعاً لا تابعاً، وأيد كلمة التوحيد فما تجد في تأييدها إلا مطيعاً سامعاً، ولا تخل الثغور، من اهتمام بأمرها تبتسم له الثغور، واحتفال يبدل ما دجا من ظلماتها بالنور، واجعل أمرها على الأمور مقدماً، وشيد منها ما غادره العدو متداعياً متهدماً، فهذه حصون بها يحصل الانتفاع، وبها تحسم الأطماع، وهي على العدو داعية افتراق لا اجتماع وأولاها بالاهتمام ما كان البحر له مجاوراُ، والعدو إليه ملتفتاً ناظراً، لا سيما ثغور الديار المصرية فإن العدو وصل إليها رابحاً ورجع خاسراً واستأصلهم الله فيها حتى ما أقال منهم عاثراً، وكذلك الأسطول الذي ترى خيله كالأهلة وركائبه سائرة بغير سائق مستقلة، وهو أخو الجيش السليماني فإن ذك غدت الرياح له حاملة، وهذا تكفلت بحمله المياه السائلة، وإذا لحظها الطرف جارية في البحر كانت كالأعلام، وإذا شبهها قال هذه ليال تطلع في أيام وقد سبى الله لك من السعادة كل مطلب، وأتاك من أصالة الرأس الذي يريك المغيب، وبسط بعد القبض منك الأمل، ونشط بالسعادة ما كان من كسل، وهداك إلى مناهج الحق وما زلت مهتدياً إليها، وألهمك المراشد فلا تحتاج إلى تنبيه عليها، والله يمدك بأسباب نصره، ويوزعك شكر نعمه فإن النعم تستثمر بشكره. اخصك الله به من هذا الفضل العظيم، وهذه الأمور ينبغي أن تلاحظ وترعى، وإن يوالي عليها حمد الله فإن الحمد يجب عليها عقلاً وشرعاً، وقد تبين أنك صيرت في الأمور أصلاً، وغيرك فرعاً، ومما يجب تقديم ذكره الجهاد الذي أضحى على الأمة فرضاً، وهو العمل الذي يرجع به مسود الصحائف مبيضاً، وقد وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم، وأعد لهم عنده المقام الكريم، وخصهم بالجنة التي لا لغو فيها ولا تأثيم، وقد تقدمت لك في الجهاد، يد بيضاء أسرعت في سواد الحساد، وعرفت منك عزمة هي أمضى مما تجنه ضمائر الأغماد، واشتهرت لك مواقف في القتال هي أبهى وأشهى إلى القلوب من الإغماد، واشتهرت لك مواقف في القتال هي أبهى وأشهى إلى القلوب من الأعياد، وبك صان الله حمى الإسلام من أن يبتذل، وبعزمك حفظ على المسلمين نظام هذه الدول، وسيفك الذي أثر في قلوب الكافرين قروحاً لا تندمل، وبك يرجى أن

стр. 513

يرجع مقر الخلافة المعظمة إلى ما كان عليه في الأيام الأول، فأيقظ لنصرة الإسلام جفناً ما كان غافياً ولا هاجعاً، وكن في مجاهدة أعداء الله إماماً متبوعاً لا تابعاً، وأيد كلمة التوحيد فما تجد في تأييدها إلا مطيعاً سامعاً، ولا تخل الثغور، من اهتمام بأمرها تبتسم له الثغور، واحتفال يبدل ما دجا من ظلماتها بالنور، واجعل أمرها على الأمور مقدماً، وشيد منها ما غادره العدو متداعياً متهدماً، فهذه حصون بها يحصل الانتفاع، وبها تحسم الأطماع، وهي على العدو داعية افتراق لا اجتماع وأولاها بالاهتمام ما كان البحر له مجاوراُ، والعدو إليه ملتفتاً ناظراً، لا سيما ثغور الديار المصرية فإن العدو وصل إليها رابحاً ورجع خاسراً واستأصلهم الله فيها حتى ما أقال منهم عاثراً، وكذلك الأسطول الذي ترى خيله كالأهلة وركائبه سائرة بغير سائق مستقلة، وهو أخو الجيش السليماني فإن ذك غدت الرياح له حاملة، وهذا تكفلت بحمله المياه السائلة، وإذا لحظها الطرف جارية في البحر كانت كالأعلام، وإذا شبهها قال هذه ليال تطلع في أيام وقد سبى الله لك من السعادة كل مطلب، وأتاك من أصالة الرأس الذي يريك المغيب، وبسط بعد القبض منك الأمل، ونشط بالسعادة ما كان من كسل، وهداك إلى مناهج الحق وما زلت مهتدياً إليها، وألهمك المراشد فلا تحتاج إلى تنبيه عليها، والله يمدك بأسباب نصره، ويوزعك شكر نعمه فإن النعم تستثمر بشكره.

стр. 514

ولما تمت البيعة أخذ السلطان في تسييره إلى بغداد ورتب له الطواشي بهاء الدين صندل الصالحي شرابياً والأمير سابق الدين بوزبا أتابكا والأمير الشريف نجم الدين جعفر أستاذ دار والأمير فتح الدين ابن الشهاب أحمد أمير جاندار والأمير ناصر الدين محمد بن صرم خازندار والأمير سيف الدين بلبان والشمسي وفارس الدين أحمد بن أزدمر اليغموري دويدارية والقاضي كمال الدين بن عز الدين السنجاري وزيراً وشرف الدين محمد بن علي بن أبي جرادة كاتباً وعين له خزانة وسلاح خاناة ومماليك كباراً وصغاراً عدتهم أربعون مملوكاً رتب منهم جمدارية وسلاح دارية وزرد كاشية ورمح دارية وأمر له بمائة فرس وعشرة قطر بغال وعشرة قطر جمال وفراش خاناة وطبل خاناة وطست خاناة وشراب خاناة وحوائج خاناة وإماماً ومؤذناً وكتب لمن وفد معه من العراق تواقيع باقطاعات، واستتب هذا الحال إلى أن تجهز الملك الظاهر إلى الشام لسبب يذكر فيما بعد، فبرز في تاسع عشر شهر رمضان إلى بركة الجب فأخرجه معه ورغب إليه في إلباسه سراويل الفتوة فألبسه ثم سافرا. ؟ ذكر ولاية الأمير علم الدين الحلبي نيابة السلطنة بحلب لما خرج فخر الدين الحمصي من حلب كما قدمنا ذكره وبلغ الرمل

стр. 515

كتب إليه الملك الظاهر يأمره بالعود وكان البرلي لما تغلب على حلب خرج منها في حشد من التركمان والعربان لشن الغارة على عيسى بن مهنأ وكان على حمص فلما مر البرلي بحماة طلب من صاحبها موافقته فأبى وأغلق دونه أبواب البلد فأحرق غلالاً للعشر بالباب الغربي وعاث في نواحيها وأفسد وذلك في نصف رجب وبلغ الملك الظاهر فولى الحلبي نيابة السلطنة بحلب وأقطعه ما يقوم بوظائف المملكة ورتب معه علاء الدين بن نصر اله مدبر الأمور وبعث معه عسكراً لمحاربة البرلي وقدم عليه الأمير جمال الدين آقوش المحمدي فسار الحلبي ومن معه وقصد الرقة ودخل الحلبي حلباً وسار المحمدي يتبع البرلي فأدركه بالرقة فركب ودخل على المحمدي خيمته وقال له أنا مملوك السلطان وما هربت إلا خوفاً منه وقد رغبت إليك في أن تستعطفه بحيث يبقى على حران فإني طردت نواب التتر عنها ووليت فيها ومتى لم يسمح بالإبقاء علي لم أجد بداً من التجائي إلى التتار فتكفل له المحمدي بما التمسه ورحل عائداً وعبر البرلي إلى حران وكان ذلك خديعة منه. ذكر أخذ البرلي البيرة وعوده إلى حلب كان الحلبي قد كاتب الأسد حاجب الجوكندار والبهاء على أن يسلمها إليه وكان ولاه بها علاء الدين بن صاحب الموصل فطلب ذهباً يقرروا عينه فأجابه الحلبي وسير إليه المال ولم يسلمها ثم استدعى البرلي من حران فسار إليه وتسلمها ثم قصد حلب فلما كان بتل باشر خرج عن طاعة الحلبي أكثر من كان معه ولحقوا بالبرلي فخرج الحلبي من حلب ليلاً فلما علم البرلي بذلك بعث إليها علم الدين طقصبا الناصري

стр. 516

وسيف الدين كيكاري الحلبي فتسلماها ثم دخلها في أوائل شهر رمضان وبعث طائفة ممن كان معه في أثر الحلبي فلم يدركوه. ذكر وصول ولدي صاحب الموصل إلى القاهرة في العشر الأخر من شهر رجب خرج الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بن صاحب الموصل منها واستخلف فيها زوجته التترية ولم يستصحب معه شيئاً من المال وسبب خروجه خوفه من التتار فإنهم كانوا قد أخذوا يختلقون له ذنوباً يريدون بذلك القبض عليه فاستشعر منهم، فلما وصل قرقيسيا كتب إلى أخيه الملك المجاهد سيف الدين إسحاق وكان بالجزيرة يعرفه بحركته ويشير عليه بقصد الملك الظاهر ثم ساروا فوصل القاهرة في أواخر شهر رجب فخرج الملك الظاهر إلى لقائه وأكرمه واحترمه وأمر له بمال وثياب وأنزله في دار الفائزي خارج باب القنطرة بمصر ثم وصل أخوه الملك المجاهد في ثاني شهر رمضان فخرج السلطان للقائه وفعل معه كما فعل مع أخيه وأنزله بجواره في دار أنشأها معين الدين ابن الشيخ ورتب لمن وصل معهما من الحريم راتباً مجرى عليهم في كل شهر. ذكر توجه الخليفة والسلطان إلى الشام لما وردت الأخبار بأخذ البرلي البيرة وعوده إلى حلب وخروج

стр. 517

الحلبي عنها برز السلطان بالعساكر إلى بركة الجب ومعه الخليفة وأولاد صاحب الموصل في تاسع عشر شهر رمضان بعد أن رتب الأمير عزك الدين أيدمر الحلبي نائب السلطنة بقلعة الجبل والصاحب بهاء الدين مدبر الأمور وخرج مع السلطان الأمير بدر الدين بيليك الخزندار بعد أن فوض إليه أمور الجيوش وأقامه مقام نفسه وفخر الدين بن الصاحب بهاء الدين وزير الصحبة وأقام ببركة الجب إلى عيد الفطر وخلل هذه الأيام وصل المحمدي فأنكر عليه إبقاءه على البرلي وانخذاعه له ووصل رسول الملك المغيث صاحب الكرك بكتاب يتضمن الاعتذار وطلب الصفح عنه وإبقاء الكرك عليه وكان سبب الغضب عليه إنه كتب إلى يعقوب بن بدل وإلى جمال الدين أغل وإلى جماعة من أمراء الشهرزورية بعد أن تسلطن الملك الظاهر وهم بالقاهرة يستميلهم إليه فخرجوا عن الطاعة ثم إن العرب عثروا على قصاد منه إلى التتر وعلى أيديهم كتب مضمونها إنه مستمر على طاعتهم فلما ورد كتابه أجابه بالرضا عنه فقصر في حق الشهرزورية ففارقوه ثم رحل السلطان في ثالث شوال وفيه ولي قاضي القضاة برهان الدين الخضر السنجاري قضاء مصر وعزل عنها تاج الدين المعروف بابن بنت الأعز. ذكر مصاهرة الخزندار المواصلة لما وصل الملك الظاهر غزة في ثالث عشر شوال استدعى أولاد صاحب الموصل وعرفهم مكانة الأمير بدر الدين الخزاندار عنده ومحله منه وطلب منهم أن يزوجوه بأختهم فأجابوا فعقد عقده وملكه بانياس

стр. 518

وقلعة الصبيبة بعقد البيع والشراء. ذكر وصول الخليفة والسلطان إلى دمشق وخروج الخليفة منها ثم رحل السلطان من غزة فدخل دمشق يوم الاثنين سابع ذي القعدة وقدم عليه الملك الأشرف صاحب حمص فخلع عليه وأعطاه ثمانين ألف درهم وحملين ثياباً وزاده من البلاد تل باشر وكان الملك المظفر ﵀ قد حلها عنه وقدم عليه الملك المنصور صاحب حماة فخلع عليه وأعطاه ثمانين ألف درهم وحملين ثياباً وكتب له توقيعاً ببلاده التي بيده ثم جهز الخليفة وأولاد صاحب الموصل صحبته فكان الذي غرم على تجهيز الخليفة وأولاد صاحب الموصل فوق الألف ألف دينار عيناً وجهز الأمير علاء الدين أيدكين البند قداري لنيابة السلطنة بحلب وأعمالها وبعث معه عسكراً لمحاربة البرلي وقدم عليه الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي فخرجا من دمشق في منتصف ذي القعدة فلما وصلا حماة خرج البرلي من حلب وقصد حران فتبعه الرشيدي ودخل البند قداري حلب ولما وصل الرشيد الفرات رحل البرلي عن حران وقصد قلعة القرادي فحاصرها حتى أخذها من نواب التتار عنوة ونهبها وعاد الرشيدي بعسكره إلى أنطاكية فشن الغارة على بلدها ودام ذلك سنة حتى بذلوا له مالاً في طلب المهادنة فأبى ثم بلغه أن الملك الظاهر خرج من دمشق قاصداً مصرفي سبع عشر ذي الحجة فرحل عن أنطاكية.

стр. 519

ذكر توجه الخليفة إلى العراق وأولاد صاحب الموصل لما سير الملك الظاهر البند قداري والرشيدي كما تقدم أشار على الخليفة بالتوجه إلى العراق واعتنى بتجهيزة فرغب أولاد صاحب الموصل وهم الملك الصالح وولده علاء الملك والملك المجاهد سيف الدين صاحب الجزيرة والملك المظفر علاء الدين صاحب سنجار والملك الكامل ناصر الدين محمد في العود إلى بلادهم فخرجوا من دمشق في الحادي والعشرين من ذي القعدة فلما وصلوا الرحبة وافوا عليها الأمير بريد بن علي بن حذيفة من آل فضل وأخاه الأخرس في أربعمائة فارس من العرب وفارق الخليفة أولاد صاحب الموصل من الرحبة وكان التمس منهم المسير معه فأبوا وقالوا ما معناه مرسوم بذلك فاستمال من مماليك والدهم نحو ستين نفراً فانضافوا إليه ولحقهم بالرحبة الأمير عز الدين ابن كر من حماة ومعه ثلاثون فارساً ثم رحل الخليفة بمن معه عن الرحبة بعد مقام ثلاثة أيام فنزلوا مشهد علي ﵁ ثم رحل إلى زاوية الشيخ بري ثم إلى قائم عنقه ثم إلى عانة فوافوا الإمام

стр. 520

الحاكم بالله على عانة من ناحية الشرق ومعه نحو سبعمائة فارس من التركمان وكان البرلي قد جهزهم من حلب فبعث المستنصر بالله إليهم واستمالهم فلما جاوزوا الفرات فارقوا الحاكم فبعث المستنصر بالله يطلبه إليه ويؤمنه على نفسه ويرغب إليه في اجتماع الكلمة فأجاب ورحل إليه فوفى له وأنزله معه في الدهليز وكان الحاكم لما نزل على عانة امتنع أهلها منه وقالوا قد بايع الملك الظاهر خليفة وهو واصل فما نسلمها إلا إليه فلما وصل المستنصر بالله نزل إليه واليها وكريم الدين ناظرها وسلماها إليه، وحملا له إقامة فأقطعها للأمير ناصر الدين اغليش أخى الأمير علم الدين الحلبي ثم رحل الخليفة عنها إلى الحديثة ففتحها أهلها له فجعلها خاصاً له ثم رحل عنها ونزل على شط قرية الناووسة ثم رحل عنها قاصداً هيت، ولما اتصل ذلك بقرابغا مقدم عسكر المغل بالعراق وبهادر على الخوارزمي شحنة بغداد خرج قرابغا بخمسة آلاف من المغل على الشط العراقي وقصد الأنبار فدخلها إغارة وقتل جميع من فيها ثم ردفه بها در بمن بقي ببغداد من العساكر وكان قد بعث ولده إلى هيت متشوفاً لما يرد من أخبار المستنصر بالله وقرر معه إنه إذا اتصل به خبره بعث بالمراكب إلى الشط الآخر وأحرقها، فلما وصل الخليفة هيت أغلق أهلها الباب دونه فنزل عليها وحاصرها حتى

стр. 521

فتحها ودخلها في التاسع والعشرين من ذي الحجة ونهب من فيها من اليهود والنصارى ثم رحل عنها فنزل الدور وبعث طليعة من عسكره مقدمها الأمير أسد الدين محمود بن الملك المفضل موسى نائباً عن بوزبا فبات تجاه الأنبار تلك الليلة وهي ليلة الأحد ثالث المحرم سنة ستين وستمائة وكان ينبغي ذكر تتمة هذه الواقعة في حوادث سنة ستين وإنما لارتباط الحديث وسياقته ذكرتها في هذه السنة، فلما رأى قرابغا الطليعة أمر من معه من العساكر بالعبور إليها في المخائض والمراكب ليلاً، فلما أسفر الصبح أفرد قرابغا من معه من عسكر بغداد مسلماً ناحية، ورتب الخليفة اثنى عشر طلباً فجعل التركمان والعربان ميمنة وميسرة وباقي العسكر قلباً ثم حمل بنفسه مبادراً وحمل من كان معه في القلب فانكسر بهادر ووقع معظم عسكره في الفرات ثم خرج كمين من التتار فلما رآه التركمان والعرب هربوا وأحاط الكمين بعسكر الخليفة فصدق المسلمون الحملة فأفرج لهم التتر فنجا الحاكم وناصر الدين بن مهنا وناصر الدين بن صيرم وبوزبا وسيف الدين بلبان الشمسي وأسد الدين محمود وجماعة من الجند نحو الخمسين نفراً وقتل الشريف نجم الدين جعفر أستاذ الدار وفتح الدين بن الشهاب أحمد وفارس الدين أحمد بن ازدمر اليغموري ولم يوقع للخليفة على خبر فقيل قتل في الوقعة وعفى أثره وقيل نجا مجروحاً

стр. 522

في طائفة من العرب فمات عندهم وقيل سلم واضمرته البلاد. وفيها بعث الملك المظفر صاحب ماردين بعد موت أبيه الملك السعيد ﵀ عز الدين يوسف بن الشماع إلى التتر ليتعرف له ما أضمرته نفوسهم فلما اجتمع بمقدميهم وهما قطزنوين وجرمون قالا له بين الملك المظفر وبين أيل خان يعنون هولاكو وعد أن والده متى مات دخل في طاعته فقال لهم عز الدين هذا صحيح لكن أنتم أخربتم بلاده وقتلتم رعيته فبأي شيء يدخل في طاعته حتى يدارى عنه فقالا نحن نضم له أن أيل خان يعوضه عما خرب بلاداً عامرة مما جاوره، فلما عاد عز الدين وأخبره رده إليهم برسالة مضمونها إن أردتم أن أسير رسلي إلى أيل خان فابعثا لي رهائن من جهتكما تكون عندي إلى أن يرجعوا وترددت الرسل إلى أن بعث قطزنوين ولده وبعث جرمون ابن أخيه، فلما صعدا القلعة بعث الملك المظفر نور الدين محمود بن كاجار أخا الملك السعيد لأمه وأصحبه قطزنوين من جهة سابق الدين بلبان فوصلا إلى هولاكو وهو بمراغة وادياً الرسالة فأجاب إلى ما ضمنه قطزنوين وجرمون وكتب لهم بذلك فرامين وبعث بها من جهته مع قصاد وأبقى الرسل عنده وأمر بالرحيل عن ماردين، فرحلوا في شهر رجب ثم بعث هولاكو الرسولين وأصحبهما كوهداى فوصلوا إلى ماردين وانتظم الصلح والهدنة بين الملك المظفر والتتر وأسلم كوهداى على يد الملك المظفر فأزوجه أخته.

стр. 523

ثم توجه الملك المظفر في شهر رمضان إلى هولاكو واستصحب معه هدية سنية من تحف أدخرها أبوه وأجداده من جملتها باطية مجوهرة قيمتها أربعة وثمانون ألف دينار، فاجتمع به بصحراء إدرنة بنهر الباع من أعمال سلماس فأقبل عليه وأكرمه وقال له بلغني أن أولاد صاحب الموصل هربوا إلى مصر وأنا أعلم أن أصحابهم كانوا السبب فأترك أصحابك الذين وصلوا صحبتك عندي فإني لا آمن أن يحرفوك عني ورغبوك في النزوح عن بلادك إلى مصر وإذا دخلت أنا البلاد استصحبتهم معي فأجابه إلى ذلك ثم انفصل عنه عائداً إلى بلده فلما كان في أثناء الطريق لحقته رسل تأمره بالعود فعاد وجلاً فقال له هولاكو أخبرني أصحابك أن لك باطناً مع صاحب مصر وقد رأيت أن يكون عندك من جهى من يمنعك التسحب إليه ثم عين له أميراً يدعى أحمد بغا ورده إلى ماردين وزاده نصيبين والخابو وأمره بهدم شراريف القلعة ثم ضرب بعد مفارقته له رقاب الجماعة وكانوا سبعين رجلاً منهم الملك المنصور ناصر الدين أرتق بن الملك السعيد ونور الدين محمد وأسد الدين البحى وحسام الدين عزيز البحى وفخر الدين ابن جاجري وعلاء الدين والي القلعة وعلم الدين بن حيدر ولم يكن لأحد منهم ذنب لكن قصد بقتلهم قص جناح الملك المظفر. وفيها كان المصاف بين الأخوين ركن الدين وعز الدين صاحبي الروم على قوم من قونية في الخامس والعشرين من شهر رمضان فكسره

стр. 524

ركن الدين لأنه كان معه نجدة من التتر وخامر على عز الدين العربان واحداً مقدمي التركمان وتأخر محمد بك إلا وحي عنه وقتل من أصحاب عز الدين خلق كثير وأمسك منهم جماعة فشنقوا على الأسوار وانحاز عز الدين إلى أنطاكية وأقام بها وترك في بلاده شمس الدين أرتاش نائباً عنه. وفيها وصل رسول رضي الدين أبي المعالي ونجم الدين إسماعيل ابن الشعراني المستوليين على حصون الإسماعيلية إلى الملك الظاهر بدمشق وعلى يده هدية ومعه رسالة مضمونها التهديد والوعيد وطلب ما كان لهما من الإقطاعات في الدولة الناصرية والرسوم فأجابهما إلى ذلك فلما عزم على التوجه إلى مرسلاه وحضر لوداع الملك الظاهر قال له بلغني أن الرضا قد مات وقد رأيت أن أولئك مكانه ولم يكن اتصل به شيء من ذلك فكان ذلك سبباً لاستنزاله له عن سره ثم كتب له توقيعاً بالولاية فتوجه المذكور فوجد الرضى في عافية فكتم التوقيع ولم يلبث إلا عشرة أيام حتى مرض الرضا أياماً قلائل ثم مات فولى مكانه فلم ترض به الإسماعيلية وقتلوه فنقم عليهم الملك الظاهر قتله وشرع في أعمال الحيلة عليهم إلى أن استأصل شأفتهم واحتوى على بلادهم، قلت هذا خلاصة ما كان على خاطري وما نقلته من مسودات كانت عندي من حوادث هذه السنة وقد ذكر القاضي جمال الدين محمد ابن واصل بعض الحوادث المتقدمة على وجه آخر ربما هو أتم من

стр. 525

ذلك فذكرت ما قاله واثبته هنا والله أعلم. قال القاضي جمال الدين أبو عبد الله محمد بن واصل في حوادث هذه السنة لما وصل عسكر حلب وحماة إلى حمص على ما تقدم شرحه في حوادث سنة ثمان وخمسين اجمعوا بالملك الأشرف صاحبها وعزم عسكر حلب على التوجه إلى دمشق وقارب التتر حمص فلام الملك الأشرف الجوكندار على هذا الرأي وقال له ما يقال عنا في البلاد وبأي وجه نلقى صاحب مصر وأخذ في تثنيته هو وصاحب حماة وحرضاه على لقاء العدو وكان قد وقع بين الجوكندار وبعض خشداشيته منافرة من أجل الأموال التي أخذت من ابن صاحب الموصل فما زال بهم الملك الأشرف والملك المنصور حتى أصلحا بينهم، ووصل التتر فحمل عليهم المسلمون يوم الجمعة خامس المحرم ورزقهم الله النصر عليهم فبددوا شملهم وأخذتهم سيوف المسلمين وكان فيهم جماعة كثيرة من شجعان المغل، قال مبارز الدين أستاذ دار صاحب حماة كان من بهادرية المغل في هذه الوقعة أكثر من الذين كانوا منهم في وقعة عين جالوت بالغور وانهزم من سلم من التتر والمسلمون في آثارهم ومدح الصاحب شريف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ ﵀ الملك المسعود صاحب حماة وهنأه بهذا الفتح بقصيدة مطلعها: لك في الندى وردى ذوي الأشراك ... شيم تفوق بها على الأملاك

стр. 526

ومنها: لما شكا دين الهدى اشكيته ... بشديد باسك والسلاح الشاكي دعت المعالي يا أباها دعوة ... لامت عليك فقلت لبي فاك جردت يوم الأربعاء عزيمة ... خفيت عواقبها عن الإدراك وأقمت في يوم الخميس مبالغاً ... في الجمع بين طوائف الأتراك ووقفت في يوم العروبة موقفاً ... أوسعت فيه الفتك بالفتاك قيدت ابطال التتار بصولة ... تركتهم كالصيد في الأشراك وأطرت منهم هام كل مدجج ... لله كل موحد سفاك فالطعن والطاعون أسلمهم إلى ... ضرب كا شداق المخاض دراك بردت أكباد الورى بقواضب ... قذفت عليهم كالضرام الذاكي أضحكت سن ثغورنا من بعد ما ... ظفروا بها فبكى عليها الباكي غادرتهم صرعى كأن كماتهم ... في المرج من سلاف جناك ثم ارتحلت إلى دمشق موضحاً ... سبل الرشاد المحض للسلاك ورجعت في غرر الجيوش معاجلاً ... منا رهان نفوسنا بفكاك فلقد أنمت المحصنات أو أمنا ... ولقد أقمت شعائر النساك سلمت مهجة كل بر مسلم ... وهزمت كل معاند أفاك نوهت باسمك في سماء مدائح ... أعلته فوق مجرة وسماك تسبي العقائل والعقول جميعها ... من صائغ لنضارها سباك فلك الهناء بما منحت ولا تزل ... يجري بسعدك دائر الأفلاك

стр. 527

ولما بلغ خبر هذه الوقعة إلى حماة وكان بها جماعة يميلون إلى التتر وربما أراد بعضهم أن ينقب من السور إليهم موضعاً يدخلون منه إلى البلد فثار أهل حماة عليهم فقتلوا بعضهم منهم رجل من أطراف الناس يقال له ابن دخان فقتله العامة واعتقل بعضهم ووصل الملك المنصور إلى حماة وبعد هذه الوقعة رجع التتر ونازلوا حماة وكانت قواهم تضعف لقلتهم والرعب الذي داخلهم عن المقام على حصار البلد فرحلوا ولم يقيموا إلا يوماً واحداً وأراد الملك المنصور السفر إلى دمشق ليستصحب عسكراً يتقوى به على التتر فمنعته العامة من ذلك حتى استوثقوا منه بأنه يعود إليهم عن قرب فمكنوه من السفر بطائفة قليلة من خواصه ومماليكه وترك عندهم الطواشي شجاع الدين مرشداً والعسكر وسار إلى دمشق، وتوجه الملك الأشرف صاحب حمص إلى دمشق أيضاً والمتولي عليهم علم الدين الحلبي الملقب بالملك المجاهد وكان حين ورد الخبر إلى دمشق بهذا الفتح زين البلد وضربت البشائر ووصل إلى دمشق رؤوس التتر محمولة في الشرائح فرميت في الطرق ووصل الأمير حسام الدين الجوكندار ومن معه من العزيزية والناصرية ونزلوا المرج ولم يدخل دمشق خوفاً من الحلبي ثم رحل إلى الكسوة وتوجه إلى الديار المصرية بمن معه وكان يتوهم أن الملك الظاهر يقلده حلب وأعمالها نيابة عنه فلم يتم له ذلك، وأما التتر فإنهم اندفعوا إلى ناحية أفامية ونزلوا في تلك الأرض وطمع فيهم المسلمون ودخل عليهم

стр. 528

الشتاء واشتد البرد وورد إلى أفامية الأمير سيف الدين الدبيلي الأشرفي ومعه جماعة فأقام بها وواتر الإغارة عليهم والقتل والنهب ثم رحلوا طالبين الشرق. ؟ ذكر القبض على علم الدين الحلبي في أوائل هذه السنة قدم عسكر من الديار المصرية مقدمهم الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري وهو من أكابر الأمراء الصالحية وإليه ينسب الملك الظاهر قبل السلطنة وكان علاء الدين هذا مملوكاً قبل الملك الصالح نجم الدين للأمير جمال الدين بن يغمور وورد الأمر من مصر إلى الأمير شمس الدين البرلي ومن معه من العزيزية والناصرية أن يقدموا إلى دمشق فقدم بهم، فلما قدمت العساكر خرج الحلبي بأصحابه ومماليكه وحمل العسكر المصري فانهزم من مع الحلبي وجرح وقتل من مماليكه جماعة وعاد إلى القلعة فأقام بها إلى أن أجنه الليل وهرب إلى جهة بعلبك فاتبع وقبض عليه ثم حمل إلى الديار المصرية واعتقل بها ثم أطلق بعد ذلك. وكان ورود العسكر المصري إلى دمشق في ثالث عشر صفر واستقرت العساكر الظاهرية بدمشق وأقيمت الخطبة بها وببلادها وبحماة وحمص وحلب للملك الظاهر وكان قبل ورود العسكر المصري قد سير الملك المنصور صاحب حماة وهو مقيم بدمشق ابن عمه الأمير ناصر الدين محمد بن الملك المسعود عثمان بن الملك المنصور وكانت منزلته عالية عنده رسولاً إلى الملك الظاهر فأنزل باللوق وأكرم إكراماً

стр. 529

كثيراً وأجيب بما طاب به قلب الملك المنصور ورجع إلى صاحبه مكرماً، وكان ناصر الدين هذا متميزاً عنده فضيلة وله نظم جيد منه: لله در عصابة تغشى الوغى ... تهوى الخياطة لا إليه تنتمى ذرعوا الفوارس بالوشيج وفصلوا ... بالمرهفات وخيطوا بالأسهم ذكر خروج الأمير شمي الدين البرلي والعزيزية من دمشق على حمية واستيلائهم على حلب لما استقرت العزيزية مع مقدمهم الأمير شمس الدين بدمشق وكان التتر قد نازلوا البيرة وضايقوها من غير محاصرة والأمير علاء الدين البندقداري مقيم بدمشق وقد جرد إلى حلب الأمير فخر الدين الحمصي مقدماً وصحبته جماعة من الأمراء فوصولا حلب وحكم الأمير فخر الدين فيها وضم بها شمل الرعية وتوجه الملك المنصور والملك الأشرف إلى بلديهما واشتدت مضايقة التتر البيرة فكتب فخر الدين الحمصي إلى الملك الظاهر وطلب إيجاده على التتر فكتب الملك الظاهر إلى البندقداري بأن يكون على أهبة المسير إلى حلب بجميع من عنده من العسكر وأن يقبض على شمس الدين البرلي وبهاء الدين بغدي وعلى جماعة من العزيزية والناصرية وبلغ ذلك هؤلاء الأمراء واتفق رأيهم على الخروج من دمشق يداً واحدة على حمية وإن يتوجهوا إلى حلب ويقبضوا على فخر الدين الحمصي ويقيموا في تلك الجهات

стр. 530

وتحالفوا على ذلك فتوجه بهاء الدين بغدي إلى الأمير علاء الدين البندقداري رجاء أن يسلم بذلك ويتقدم عنده فحين دخل إليه قبض عليه وقيده ورسم عليه جماعة، وورد الخبر بذلك إلى الأمير شمس الدين البرلي ومن معه من العزيزية والناصرية فركبوا وخرجوا من دمشق ليلاً ووقع بسبب هذه الحركة انزعاج شديد بدمشق ونزل البرلي بأصحابه في المرج فبعث إليه البندقداري يلومه على ذلك وحلف له أن الأمر ما ورد إلا بقبض بهاء الدين خاصة وأرسل إليه مثالاً ورد من مصر بما يرضيه وكان الأمير شمس الدين قد تحقق أن الأمر بخلاف ذلك من جهة من ورد إليه من مصر فتوجه بأصحابه طالباً حلب، ولما وصل إلى حمص راسل الملك الأشرف بأن يتفق معه فلم يجبه إلى ذلك وكان قد كاتب بعض أمراء حماة بأن يفتح له أحد أبواب حماة ليدخل إليها ويستولي عليها فأجابه إلى ذلك وكان في معسكر البرلي وهو نازل بظاهر حمص ناصر الدين ناصر الجذامي وهو من أصحاب صاحب حماة ومختص بخدمته وإنما كان في عسكر البرلي ليكشف الأخبار لصاحبه فحين بلغه ذلك سار مسرعاً إلى حماة وأخبر الملك المنصور بذلك وكان الذي كاتبوا البرلي على الباب الذي واعدوه الدخول منه فجعل الملك المنصور على الباب غيرهم، ووصل الأمير شمس الدين إلى حماة فنزل ظاهرها وقد فاته ما طلب ولم يظهر الملك المنصور تغيراً على الذين كان منهم ذلك ولا غير أخبازهم ولا أشعرهم أنه عرف شيئاً من أمرهم ولما نزل الأمير شمس الدين ظاهر حماة أرسل إلى الملك المنصور يدعوه إلى الاتفاق
следующие страницы →