Полный текст (1 675 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
السنة الستون وستمائة
دخلت هذه السنة والخليفة المستنصر بالله المتوجه إلى العراق وملوك الأطراف على القاعدة في السنة الخالية وقد استولى الملك الظاهر على دمشق وبعلبك والصبية وحلب وأعمالها خلا البيرة فإنها بيد البرلي مع ما كان مستولياً عليه وخلا الملك السعيد صاحب ماردين فإنه توفي وولي ولده الملك المظفر قرا أرسلان وخلا مظفر الدين صاحب صهيون فإنه توفي أيضاً وولي بعده ولده سيف الدين محمد والملك الظاهر على غيثاء من أعمال الشرقية عائداً من الشام ووصل يوم السبت ثاني المحرم وفي الثالث منه خلع على الأمراء ومقدمي الحلقة والصاحب بهاء الدين وقاضي القضاة تاج الدين وأكثر الحاشية وهو اليوم الذي كان فيه المصاف بين الخليفة ﵀ والتتار على ما تقدم في حوادث السنة الخالية.
وفي الثالث والعشرين منه أعرس الأمير بدر الدين بيليك الخزندار على بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وأمر السلطان بعمل العرس في الميدان الأسود تحت القلعة واحتفل به احتفالاً لم ير مثله وبسط يده بعد أيام في الجيوش والإقطاعات والنظر في أمر الرعية.
وفي ثالث شهر صفر استدعى الملك الظاهر القاضي برهان الدين قاضي القضاة بمصر وأعمالها وطلب منه محاققة بأرباب الودائع المختصة بالصاحب شرف الدين الفائزي فتوقف عن ذلك فغضب الملك الظاهر
стр. 562
لتوقفه وعزله عن القضاء وأضاف ما كان إليه منه إلى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز.
ذكر عود البرلي إلى حلب وخروجه عنها
كان المشار إليه قد انهزم بين يدي الرشيدي وعبر الفرات إلى حران وشن الغارات على البلاد التي كانت في يد نواب التتر حتى وصل آمد، فلما عاد الرشيدي إلى مصر عاد البرلي إلى البيرة وبعث جماعة من أصحابه إلى حلب فلما اتصل بالبندقداري قربهم خرج من حلب وقصد حماة فأقام في بلدها ودخل البرلي حلب مظهراً طاعة الملك الظاهر وأقام بها إلى أن كتب إليه الملك الصالح صاحب الموصل يعلمه بنزول التتر عليه ويستنجده فكتب إلى الملك الظاهر يستأذنه في التوجه لنصرته فأجابه وأمره بالتربص بحران إلى أن يصل إليه عسكر من جهته ينجد به صاحب الموصل فلما وصل حران أقام بها ثم خاف من العسكر الواصل من مصر أن يقبض عليه فتوجه إلى سنجار وأما الملك الظاهر فتقدم إلى الأمير شمس الدين سنقر الرومي بالمسير إلى حلب ثم إلى الموصل وجهز معه عسكراً وكتب إلى الأمير علاء الدين طيبرس نائب السلطنة بدمشق وإلى الأمير علاء الدين البندقداري يأمرهما أن يكونا معه بعسكرهما إذا وصل إليهما حيث توجه فلما وصلت العساكر تل السلطان واتصل بهم توجه البرلي إلى سنجار بعثوا إلى حلب من تسلمها نيابة عن
стр. 563
البندقداري ثم عادت العساكر إلى أنطاكية فنزلوا عليها وشنوا الغارات على نواحيها فداراهم بها بإقامة وضيافة وسألوهم أن يرحلوا عنهم وإن يحملوا إليهم ما لا مصانعة فوقع الخلف في تقرير المال بين الأمير علاء الدين طيبرس والأمير شمس الدين سنقر فرحلا بالعسكر ونزلا على تل السلطان فأتاهم أمر السلطان أن يتوجه البندقداري إلى حلب ويعود طيبرس إلى دمشق وسنقر الرومي إلى مصر فعاد الرومي في شهر رمضان فلما اجتمع بالسلطان أوغر صدره على طيبرس فكان ذلك أحد الأسباب في عزله وحبسه بقلعة القاهرة وكان ما قيل عنه اختلاق لا أصل له، وفي السابع والعشرين من ربيع الآخر وصل إلى القاهرة الإمام الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن الأمير أبي علي القبني ابن الأمير علي بن الأمير أبي بكر بن الإمام المسترشد بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد وصحبته زين الدين صالح بن محمد بن أبي الرشيد الأسدي الحاكمي المعروف بابن البناء وأخوه شمس الدين محمد بن نجم الدين محمد بن المشاء واحتفل الملك الظاهر بلقائه وأنزل بالبرج الكبير داخل القلعة ورتب له ما تدعو حاجته إليه ووصل معه ولده.
وفي ربيع الآخر عزل الأمير جمال الدين آقوش النجيبي عن أستاذ دارية الملك الظاهر وولي الأمير عز الدين أيدمر السعدي أحد مماليك الملك الظاهر.
стр. 564
وفي يوم الثلاثاء تاسع شهر رجب حضر الملك الظاهر في محاكمة إلى قاضي القضاة تاج الدين بدار العدل وسبب ذلك أنه كان في أيام الملك المعز حفر بئراً عند زاوية الشيخ أبي السعود وبنى بعضها ثم خرج إلى الشام فاستولى عليها جمال الدين محمود أستاذ دار بهادر وأتمها وبنى حوضاً يأتي إليه الماء من البئر واتفق موت بعض مماليك الملك الظاهر فدفنه قريباً من الزاوية وذكر أمر البئر فأخبر بقصتها فاستدعى جمال الدين المذكور وقال له البئر ملكي وأنا أنشأتها فقال يا خونداني أتممتها وبنيت إلى جانبها حوضاً ووقفتهما ولا يمكنني أفعل إلا ما يقتضيه الشرع فحضر الملك الظاهر دار العدل لمحاكمة المذكور فقام من فيها وأراد القاضي القيام فقال له لا تقم فإني جئت محاكماً ووقف مع الغريم وادعى بالبئر فأنكر الغريم وأحضر الملك الظاهر من شهد له فتقدم القاضي إلى الغريم بتسليم البئر إليه.
وفي شهر رجب خرج جماعة من الإسماعيلية على الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري وهو راكب على جسر العاصي نهر حماة وجرحوه وسبب ذلك أنه لما خرج من حلب عند مجيء البرلي إليها مر على سرمين وكان بها وال من قبل الدعوة يدعى شرف الدين ثابت بن مدس فأخرج له ضيافة على يد نقيب الدعوة فلما حضر بين يديه قال له أين سكينك؟ قال سكاكيننا مخبأة لأعداء السلطان الملك الظاهر فأمر بضربه فضرب ضرباً مبرحاً وأمر به فرمى في مسيل ماء
стр. 565
فجاء أهله وأخذوه فمات من ليلته فاجتمع أقاربه وقصدوا الحصون وطلبوا من الرضا ثأرهم فدافعهم وقالوا إن لم تأخذ بثأرنا دخلنا بلاد الفرنج وتنصرنا، فسير في وثب عليه فقبض على جماعة منهم فقتلهم وحبس جماعة وأخذ أموالهم، ووصل الخبر إلى الملك الظاهر فقبض على من بمصر من نوابهم ورتب له طبردارية يركبون بين يديه فوصلت إليه كتب الرضا يستعطفه ويتضرع إليه ويتنصل فرضي عنه.
وفي شوال رتب الأمير علاء الدين أيدكين الشهابي نائباً عن السلطنة بحلب، وفيها أغار عسكر سيس ورجالة إنطاكية على الفوعة من بلد حلب ونهبوا وأفسدوا فركب إليهم الشهابي وصحبته عسكر فكسرهم وأخذ منهم جماعة فسيرهم إلى مصر فوسطوا.
وفي شوال سير الملك الظاهر الأمير عز الدين الدمياطي والأمير علي الدين الركني فقبضا على الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري وحمل إلى القاهرة وباشر الركنى النيابة بدمشق إلى أن قدم الأمير جمال الدين النجيبي متولياً.
وفي ذي القعدة خرج مرسوم الملك الظاهر إلى قاضي القضاة تاج الدين أن يستنيب من المذاهب الثلاثة فاستناب صدر الدين سليمان الحنفي والشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ العماد الحنبلي وشرف الدين عمر السبكي المالكي.
стр. 566
وفي يوم الخميس رابع وعشرين ذي الحجة وصلت طائفة من التتر إلى القاهرة مستأمنين وهم أول من وصل إليه منه فغير زيهم وأقطعهم أخبازاً وأنفق فيهم وأضاف كل جماعة منهم إلى مقدم ثم تواتروا بعد ذلك طائفة بعد أخرى.
ذكر ما آل إليه أمر أولاد صاحب الموصل
بعد فراقهم المستنصر بالله
لما فارقوه وصلوا سنجار وكاتب الملك الصالح لمن بالموصل يستشيرهم فأشاروا إليه بالتوجه إليهم فسار إليهم في العشرين من ذي الحجة من السنة الخالية ومعه نحو ثلاثة مائة فارس وكان بالموصل أربعمائة فارس فدخل الموصل وبقي اخوته بسنجار، فلما اتصل بهم قتل الخليفة ونزول التتر على الموصل لحصار أخيهم الملك الصالح خرجوا من سنجار وتوجهوا إلى الملك الظاهر فأحسن إليهم واقطع الملك المجاهد سيف الدين إسحاق فوق المائة ألف درهم لخاصته ولأولاده كل منهم على انفراده إقطاعاً جزيلة ورتب لأخواته الثلاث راتباً وأقطع لمماليكه الذين معه أيضاً وأضافهم إليه وكذلك اعتمد مع أخيه الملك المظفر علاء الدين لخاصته ومماليكه أيضاً.
ذكر حصار الموصل
في أوائل المحرم قصدت التتر الموصل ومقدمهم صندغون ومعهم
стр. 567
الملك المظفر صاحب ماردين بعسكره وشمس الدين ابن يونس المشذ وسيف الدين بيبرس أمير شكار البدري ونصب عليها التتر أربعة وعشرين منجنيقاً وضايقوها أشد مضايقة ولم يكن بها سلاح يقاتلون به ولا قوت يمسك رمق من بها وغلا فيها السعر حتى بلغ المكوك بها ومقداره ربع أردب مصري أربعة وعشرين ديناراً فاستصرخ الملك الصالح بالبرلي فخرج من حلب وسار إلى سنجار فلما اتصل بالتتر وصوله عزموا على الهرب واتفق وصول الزين الحافظي إليهم من عند هولاكو يعرفهم أن الجماعة التي مع البرلي قليلة والمصلحة أن تلاقوهم فقوى عزمهم الحافظي قاتله الله فسار صندغون بطائفة ممن كان على حصار الموصل عدتها عشرة آلاف فارس وقصد سنجار وبها البرلي ومعه تسع مائة فارس غزى وأربعمائة من التركمان ومائة من العرب فخرج إليهم بعد أن تردد في ملتقاهم يوم الأحد رابع عشر جمادى الآخرة فكانت الكرة عليه فانهزم جريحاً في رجله وقتل ممن معه جماعة منهم الأمير علم الدين الوباش والأمير عز الدين أيبك السليماني من العزيزية والأمير بهاء الدين يوسف بن طرنطاي أمير جاندار الظاهري وسيف الدين كيكلدى الحلبي الناصري وعلم الدين سنجر الناصري وهؤلاء من أيعان الأمراء وشجعانهم وفرسانهم وقاتلوا في ذلك اليوم قتالاً عظيماً وأبلوا بلاء حسناً وأنكوا في العدو نكايات عظيمة ثم تكاثر التتر عليهم فاستشهدوا إلى رحمة الله تعالى واستشهد معهم من أولي البصائر جماعة يطول ذكرهم وأسر الأمير
стр. 568
علم الدين جلم الأشرفي وولده والأمير سيف الدين بكتوت الحراني الناصري وغيرهم ونجا الأمير شمس الدين البرلي في جماعة يسيرة من العزيزية والناصرية منهم الأمير بدر الدين أزدمر الدوادار العزيزي وعلاء الدين آق سنقر الدوادار الناصري فوصلوا إلى البيرة ففارقه أكثرهم ودخلوا الديار المصرية ولما حل بالبيرة وصله قونو بن خاله وزين الدين قراجا الجمدار الناصري وكان أخذ أسيراً من حلب رسلاً من هولاكو يطلبونه إليه ليقطعه البلاد فقال أنا مملوك السلطان الملك الظاهر وما يمكنني مفارقته واختيار هولاكو عليه ثم سير الكتب إلى الملك الظاهر وكتب يطلب منه أماناً فسير إليه كتاباً بما سأل ويأمره فيه بالمصير إلى مصر فتوجه من البيرة في تاسع عشر شهر رمضان واجتمع بالبندقداري بعد توثق كلاهما بالأمان ثم وردت كتب الملك الظاهر إلى جميع نواب الشام أن يخلوا البلاد وينضموا إلى دمشق ودخل البرلي مصر يوم الاثنين غرة ذي الحجة فأنعم عليه الملك الظاهر وعين له سبعين فارساً.
ذكر استيلاء التتر على الموصل
وقتل الملك الصالح صاحبها
لما انهزم البرلي من التتر عاد صيدغون إلى الموصل بالأسرى فأدخلهم من النقوب إلى الملك الصالح ليعرفوه بكسرة البرلي وانهزامه
стр. 569
ويشيروا عليه بالدخول في الطاعة ثم استمر الحصار إلى مستهل شعبان فطلبوا علاء الملك بن الملك الصالح وأوهموا أنه وصل إليهم كتاب هولاكو مضمونه أن علاء الملك ما له عندنا ذنب وقد وهبناه ذنب أبيه فسيره إلينا لنصلح أمرك معه وكان الملك الصالح قد ضعف وغلبت المماليك على رأيه فأخرج إليهم علاء الملك ولده فلما وصل بقي عندهم اثنى عشر يوماً ووالده يظن أنهم سيروه إلى هولاكو ثم كاتبوه بعد أيام يأمرونه بتسليم البلاد وإن لم يفعل لا يلوم إلا نفسه إذا دخلنا البلد بالسيف وقتلنا من فيه فجمع الملك الصالح أهل البلد والجند وشاورهم فأشاروا إليه بالخروج فقال تقتلوا لا محالة وأقتل بعدكم فصمموا على خروجه فخرج إليهم يوم الجمعة خامس عشر شعبان بعد الصلاة وقد ودع الناس ولبس البياض فلما وصل إليهم احتاطوا به ووكلوا عليه وعلى من معه وحملوه إلى الجوسق وأمروا شمس الدين بن يونس الباعشيقي بالدخول إلى البلد فدخل ومعه الفرمان ونادى بالأمان فظهر الناس بعد اختفائهم وشرع التتر في خراب الأسوار فلما اطمأن الناس وباعوا واشتروا ودخلوا البلد وأجالوا البلد وأجالوا السيف على من فيه تسعة أيام وكان دخولهم في السادس والعشرين من شعبان وهدموا السور ووسطوا علاء الملك وعلق على باب الجسر ثم رحلوا في سلخ شوال فقتلوا الملك الصالح في طريقهم وهم متوجهون إلى بيوت هولاكو.
وفي شهر ذي الحجة ظهر باب بين القصرين عند الركن المخلق
стр. 570
بالقرب من رحبة العيد بالقاهرة وفيه حجر مكتوب عليه هذا مسجد موسى بن عمران ﵊ فجددت عمارته وهو الآن يعرف بمعبد موسى ﷺ .
ذكر رسل الملك الظاهر إلى السلطان عز الدين
صاحب الروم
لما بلغ الملك الظاهر خلف السلطان عز الدين لأخيه السلطان ركن الدين وخروجه عن بلاده وانحيازه إلى أنطاكية بعث إليه عماد الدين عبد الرحيم الهاشمي والأمير شرف الدين الجاكي فوافياه بإنطاكية فأنهيا إليه رسالة الملك الظاهر ومضمونها تثبيت جنانه وترغيبه في انحيازه إليه ليعاضده ويساعده بخيله ورجله ويبذل نفسه لقصد البلاد الرومية حتى يتسخلصها كلها له فاعتذر بأعذار ظهر فيها التلوم والتوقف والتأني والتأفف ووعدانه متى لم يستتب له حال وضايقته التتر لم يكن له إلا حرم السلطان ملجأ ففارقاه على ذلك وعادا ثم اختل حاله وتلاشت أموره بمضايقة التتر بلاده وذلك أنه لما خرج عنها وقصد أنطاكية قصد التتر نائبه الأمير شمس الدين أرتاش البكلربكي مع مقدمهم على جق نوين فهزموا عسكره وقتلوه واستولوا على ما كان بيده من البلاد خلا بلاد أوج فلم ير السلطان عز الدين بداً من قصد الأشكرى فلما وصل إليه
стр. 571
سأله المساعدة فوعده وسوفه فتقاضاه فقال مبعداً له أن تنصرت أزوجتك ابنة أختي وساعدتك على عدوك فهم أن يفعل ذلك ليبلغ غرضه من نصرته على أخيه فأشار عليه من معه أن لا تفعل فإنه متى فعل ذلك نفرت قلوب من معه من الجند وخذلوه فأمسك وتغير باطن الأشكري عليه فبعث إليه مخادعاً له أنه قد ظهر لي رأي في معونتك ولا بد من الاجتماع بك فخرج من قسطنطينية فمر في طريقه على قلعة فنزل جانبيها منها وقبض عليه بوصية تقدمت من الأشكري فلم يزل محبوساً إلى أن أغارت طائفة من أصحاب بركة على أطراف بلاد الأشكري وحاصروا القلقة التي فيها السلطان عز الدين فوقع الاتفاق بينهم على أنهم إن سلموه لهم يرحلوا عنها فسلموه إليهم فانطلقوا به إلى بركة.
ذكر الخلف الواقع بين هولاكو وبركة
قال عز الدين محمد بن شداد ﵀ حكى لي علاء الدين علي بن عبد الله البغدادي قال أخذت أسيراً من بغداد لما أخذتها التتر وكنت معهم مختلطاً بهم مطلعاً على أخبارهم فلما كانت سنة ستين ورد من عند بركة رسولان أحدهما يدعى بلاغا والآخر ططر برسالة مضمونها ما جرت به العادة من حمل ما كان يحمل إلى بيت باتو مما يفتح من البلاد وكانت العادة أن جميع ما يحصل في البلاد التي يملكونها ويستولون عليها من نهر جيحون مغرباً يقسم خمسة أقسام قسمان لا لقان وهو الملك الأعظم وقسمان للعسكر وقسم لبيت باتو فلما مات باتو وجلس
стр. 572
بركة على التخت بدلاً منه لم يوصل إليه هولاكو مما أخذه من العراق ولا من الشام شيئاً مما كان يوصله إلى باتو ولما بعث بركة رسله بعث معهم سحرة ليفسدوا سحرة هولاكو وكان عند هولاكو ساحر يسمى تكتا فأعطوه هدية أرسلها بركة إليه معهم فلما وصلت الرسل بعث إليهم هولاكو من يخدمهم وساحرة من الخطا يتسمى كمشتا لتطلعه على أحوالهم فتعرفت أحوالهم وأخبرته فقبض عليهم وحبسهم في قلعة تلاثم قتلهم بعد خمسة عشر يوماً وقتل ساحره تكتا معهم فلما بلغ بركة ذلك أظهر العداوة وبعث رسله إلى الملك الظاهر يحرضه على اجتماع الكلمة على قتاله وسيأتي إن شاء الله.
وفي هذه السنة بعث هولاكو إلى مقدم عسكر المغل بالروم يأمره بقتل من ارتاب منه من التركمان فقصد طائفة منهم وقتل منهم خلقاً كثيراً وكان هذا سبب انحياز بقيتهم إلى الشام.
وفيها اشتد الغلاء بالشام فأبيع الرطل اللحم بالدمشقي بستة دراهم وبسبعة دراهم والغرارة القمح بأربع مائة وخمسين درهماً والشعير بمائتي وخمسين درهماً والمكوك القمح بحماة وبحلب بأربعمائة درهم واللحم الرطل بالحلبي بثمانية دراهم ورطل الخبز بثلاثة دراهم ثم بلغ خمسة ثم اشتد الغلاء في جميع الأصناف ومات خلق كثير من الجوع بحلب وحماة وغيرهما.
وفيها في أولها وصل إلى الديار المصرية رسول يدعى جمال الدين
стр. 573
حسن بن ثابت من جهة رضي الدين أبي المعالي ونجم الدين إسماعيل بن الشعراني المستوليين على حصون الإسماعيلية بالبلاد الشامية برسالة تتضمن طلب أملاك الدعوة في الديار المصرية والبلاد الشامية وطلب الإقطاعات المعروفة بهم وعلى يده هدية كجاري العادة وأحضر أيضاً السكين والثوب والأمان إلى بين يدي الملك الظاهر فأجابه إلى جميع مطلوبه وقال له قد ثبت عندي أنك من أكابر أمراء الجبل وقد بلغني أن رضي الدين قد مات وقد اخترت أن أجعلك نائباً عني في سائر حصون الدعوة وتكون في مقام الرضي فأجابه إلى ذلك وكتب له الملك الظاهر تقليداً فأخذه وعاد إلى الحصون فوجد رضي الدين مريضاً فكتم الحال إلى أن توفي الرضي في أواخر هذه السنة فأظهر التقليد وقرأه على أهله وأقاربه بحصن الكهف وعرف به ابن الشعراني فما أمكنه إلا موافقته فخالفه جمال الدين واتفق معه وفي العين قذى وسمع صارم الدين مبارك ولد رضي الدين بذلك فعصى عليهما في قلعة العليقة.
فصل
فيها درج إلى رحمة الله تعالى الإمام المستنصر بالله
أبو القاسم أحمد أمير المؤمنين ابن الإمام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد وبقية نسبه إلى العباس بن
стр. 574
عبد المطلب ﵁ مذكور في ترجمة ابن أخيه المستعصم بالله ﵀ في سنة ست وخمسين وستمائة فلا حاجة إلى إعادته.
وقد ذكرنا قدومه إلى الديار المصرية وثبوت نسبه ومبايعته وتجهيز الملك الظاهر له ووصلوه إلى العراق وملتقاه عسكر التتار وكسرهم لعسكره في حوادث السنة الخالية وإن كان المصاف الذي فقد فيه وقع في هذه السنة لكن ذكرته هناك لارتباط الحديث واتصاله وكان المستنصر بالله شجاعاً بطلاً مقداماً جواداً ممدحاً حسن الطريقة محمود السيرة قاتل يوم المصاف قتالاً شديداً وأبلى بلاء حسناً وفقد فلم يطلع له على خبر ولا ذكر أحد أنه رآه بعد المصاف وظاهر أمره والله أعلم أنه استشهد إلى رحمة الله تعالى في المصاف ولحق بربه على الوجه الحسن ﵀ وكان المصاف في ثالث المحرم من هذه السنة وقد ذكرناه ومدة خلافته خمسة أشهر وعشرون يوماً لأنه بويع له في ثالث عشر رجب سنة تسع وخمسين.
إسماعيل بن لؤلؤ بن عبد الله الملك الصالح ركن الدين بن الملك الرحيم بدر الدين صاحب الموصل قد ذكرنا وفوده على الملك الظاهر وعوده صحبة الخليفة المستنصر بالله ومفاقته له وتوجه إلى بلاده ولما فرغ التتر من أمر الخليفة المستنصر بالله حصروه في هذه السنة بالموصل وضيقوا عليه إلى أن ظفروا به على ما تقدم شرحه فقتلوا ولده قبله بأيام ثم قتلوه في ذي القعدة وهم متوجهون إلى أردو هولاكو في طريقهم ﵀ وكان ملكاً عادلاً لين الجانب لم يكن على طريقة والده في السفك
стр. 575
والقطع وما كان يسلكه من ذلك ورزقه الله تعالى الشهادة على أيدي التتر.
بلبان بن عبد الله سيف الدين الزرد كاش كان من أعيان الأمراء بالشام وكان الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري ﵀ نائب السلطنة بالشام إذا غاب عن دمشق في بعض المهمات استنابه عنه في دار العدل ونيابة السلطنة لكبر قدره ولما يعلم من سداده وحسن طريقته وكان ديناً خيراً يحب العدل والصلاح وتوفي بدمشق في ثامن ذي الحجة ﵀.
الحسن بن محمد بن أحمد بن نجا الغنوي أبو محمد الضرير الأربلي المنشأ والملقب بالعز المشهور بعدم الدين والزندقة كان فاضلاً في العربية والنحو والأدب وعلوم الأوائل منقطعاً في منزله يتردد إليه من يشتغل عليه في تلك العلوم التي يعرفها فيتردد إليه جماعة من المسلمين وأرباب العقائد المفسودة واليهود والنصارى والسامرة وكان يصدر منه من الأقوال ما يشعر بانحلاله وفساد عقيدته ولم يكن يصلي ولا يفعل شيئاً من الفرائض فيما قيل عنه واشتهر وله مع ذلك حرمة وافرة عند كثير من الناس وإذا حضر إليه بعض الأكابر لا يعتني بهم ولا يوفيهم حقهم ويهينهم بالقول وفيما يعاملهم به وهم مع ذلك لا يرجعون عن التردد إليه وابتلى مع العمى بطلوعات وقروح في بدنه وكان قذرا زري الشكل قبيح المنظر لا يتوقى النجاسات لكنه كان ذكياً جيد الذهن
стр. 576
حسن المحاضرة بالحكايات والنوادر والأشعار وعلى ذهنه من ذلك شيء كثير وله نظم جيد ولما ورد قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان ﵀ إلى دمشق في أواخر السنة الخالية ذهب إليه للبلدية وللفضيلة فيم ينصفه وعامله بما كان يعامله في حال صغر سن القاضي شمس الدين وقبل ترقيه بالعلوم والفضائل التي بذ بها الأقران وتوليه المناصب الجليلة فأهمله القاضي شمس الدين بالكلية ولم يعد إليه لنفسه الأبية وشرفها وكانت وفاة العز الضرير في أواخر ربيع الآخر بدمشق ودفن بسفح قاسيون قال عماد الدين الخضر بن دبوقا ﵀ أنشدني العز الضرير لنفسه:
توهم واشينا بليل مزاره ... فهم ليسعى بيننا بالتباعد
فعانقته حتى اتحدنا تعانقاً ... فلما أتانا ما رأى غير واحد
وقال العماد أنشدني أيضاً لبعضهم:
اصبر إذا نازلة أقبلت ... فهي سواء والتي ولت
وأرهف العزم فليس الظبي ... تفري وتبري كالتي كلت
وأنشدني الفقيه عز الدين أحمد الأربلي للعز الضرير المذكور:
لو كان لي الصبر من الأنصار ... ما كان عليك هتكت أستاري
ما ضرك يا أسمر لو كنت لنا ... في دهرك ليلة من السمار
وأنشدني الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ للعز الضرير:
لو يسعدني على هواه صبري ... ما كنت ألذ فيه هتك الستر
حرمت على السمع سوى ذكرهم ... ما لي سمر غير حديث السعر
وأنشدني أيضاً له:
стр. 577
إن أجف تكلفاً وفى لي طبعاً ... أو خنت عهوده عهودي يرعى
يبغي لي في ذاك دوام الأسر ... هذا ضرير يحسبه لي نفا
قال ومولد العز بقرية يقال لها أفشا من أعمال نصيبين في سنة ست وثمانين وخمسمائة وكان عالماً بالنحو والأدب والفقه والخلاف والأصولين والمنطق والطبيعي والألاهي والمجسطي وشعره منحط عن فضيلته أقام بإربل مدة طويلة واشتغل بها على الشيخ شرف الدين المذكور بالحكميات ثم انتقل إلى الموصل ثم سافر إلى الشام سنة أربع وعشرين وستمائة وتصدر لقراءة العلوم والحكميات والأدبيات والأصولين والخلاف وكان حسن الأخلاق طيب العشرة لا تمل مفاكهته ولما أنشدت بيتيه المشهورة: توهم واشينا بليل مزاره، بحضرة الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ استحسن الحاضرون ما أشار إليه من ضيق العناق وشدته فقال الملك الناصر لا تلوموه بزمه لزوم أعمى فلما بلغ العز قول الملك الناصر قال والله هذا الكلام أحلى من شعري وقد ألم غرس الدين أبو بكر الأربلي تلميذ العز بهذا المعنى فقال:
هم الرقيب ليسعى في تفرقنا ... ليلاً وقد بات من أهواه معتنقي
عانقته فاتحدنا والرقيب أتى ... فمذ رأى واحداً ولى على حنق
стр. 578
وحكى لي الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ ما معناه قال لازمت العز الضرير بوم وفاته فقال اشتهى آكل أرزاً بلبن فقال له الكمال الحكيم رحمه وابن القف ما يوافق فقال هذه البنية التي لي قد تحللت وما بقي يرجى بقاؤها فدعوني آكل ما أشتهي فعمل له ذلك وأكل منه ولما أحس بشروع خروج الروح منه قال قد خرجت الروح من رجلي ثم قال قد وصلت إلى صدري فلما أراد المفارقة بالكية تلا: " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير "، صدق اله العظيم وكذب ابن سينا كذب ثم خرجت روحه وكان هذا آخر كلامه قال الأمير عز الدين فحكيت ذلك فيما بعد للشيخ شمس الدين المقدسي الحنبلي ﵀ فسر له وقال فرحتني بذلك وحكى لي الأمير عز الدين أن العز كان يصرح بتفضيل على رضوان الله عليه على الثلاثة الخفاء مع المبالغة في تعظيمهم ﵃ أجمعين وللعز يمدح عز الدين أحمد بن معقل:
علا الحبر عز الدين في العلم والندى ... على قومه مع فضلهم وعلى مضر
عرفنا به كيف الطريق إلى العلا ... وأنسى عظيم الخبر من أمره الخبر
إذا كان بيت في القصيدة غرة ... فأشعار عز الدين أجمعها غرر
هو البحر فاق الدر نظم قريضه ... ولا عجب للبحر إن قذف الدر
أملي علي نسب العز على هذه الصورة الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀، ثم رأيت بخط الشيخ تاج الدين عبد الرحمن برحمة الله قصائد عدة منسوبة إليه وكتب في أولها للشيخ عز الدين الحسن بن علي النصيبيني.
стр. 579
ورأيت أيضاً بخط الشيخ نجم الدين أمد بن صصرى أيده الله وقد كتب شعراً منسوباً إليه وقال في أوله للشيخ عز الدين الحسن بن علي النصيبيني المكفوف والله أعلم.
وحكى لي نجم الدين موسى الشقراوي ما معناه أن العز الضرير حدثه أنه كان في مجلس سيف الدين الآمدي وهناك جماعة من العلماء منهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام ﵀ فجري البحث في الإمامة ومن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام ﵀ فجرى البحث في الإمامة ومن الخليفة بعد رسول الله ﷺ فقال بعض الحاضرين قد روى أن علي بن أبي طالب ﵁ بايع لأبي بكر ﵁ مكرهاً وإن أبا عبيدة بن الجراح ﵁ قال له بايع وإلا قتلت فالتفت على رضى الله عنه إلى قبر رسول الله ﷺ وقال: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " قال العز فبكى السيف الآمدي فقال له ابن عبد السلام هذا لم يجر وليس بصحيح وإنما هو من اختلاق الرافضة، فقال سيف الدين الآمدي ما قلت أنه صحيح وإنما وقع في خاطري شيء أبكاني قال العز فقلت للسيف يا مولانا قد احتملوك أهل دمشق على الكفر والزندقة تريد انهم يحتملوك على محبة أهل البيت هذا ما يصير، وكان للعز المذكور هجو خبيث فمنه، في العماد بن أبي زهران:
تعمم بالظرف من ظرفه ... وقام خطيباً لندمانه
стр. 580
وقال السلام على من زنى ... ولاط وقاد لإخوانه
فردوا جميعاً ﵇ ... وكل يترجم عن شأنه
وقال يجوز التداوي بها ... وكل عليل بأشجانه
فأفتى بحل الزنى واللوا ... ط فقيه الزمان ابن زهرانه
وله في العماد المذكور وكان يلقب أولاً بالشجاع فلما تفقه لقب بالعماد فقال:
شجاع الدين عمدتا ... فهلا كنت شمسنا
خطيباً قمت سكراناً ... وبالزكوة عممتا
ومن أبيات، وللعز يهجو مجد الدين الروذراوري رحمه الله تعالى:
الروذراوري تلعنونه ... وما أتى في زعمه ببدعه
هل نال الإجازة في حجرها ... في رمضان الظهر يوم الجمعة
الخضر بن أبي بكر بن أمد أبو العباس كمال الدين الكردي قاضي المقس كان الملك المعز عز الدين أيبك التركماني ﵀ قد قربه وأدناه في زمن سلطنته فعلق به حب الرياسة والتقدم عند الملوك وكان عنده أقدام وهوج وقلة فكر في العواقب فصنع خاتماً وجعل تحت فصه ورقة لطيفة فيها أسماء جماعة ممن قصد أذاهم وإن عندهم ودائع لشرف الدين الفائزي وأظهر أن ذلك الخاتم كان لشرف الدين المذكور
стр. 581
وأنه جعل تلك الورقة فيه تذكرة بما له من الودائع ورام بذلك التقرب إلى السلطان وضرر أولئك القوم لإحن قديمة بينه وبينهم وأظهر ذلك الخاتم وجرى في أمره خطوباً آخرها أنه اتضح أمره فأهين الكمال وصفع فقال فيه بعض الأدباء:
ما وفق الكمال في أفعاله ... كلا ولا سدد في أقواله
يقول من أبصره يصك تأ ... ديباً على ما كان من محاله
قد كان مكتوباً على جبينه ... فقلت لا بل كان في قذاله
ثم حبس وكان في الحبس شخص يدعى أنه ولد الأمير الغريب وكان ورد إلى إربل في أيام الإمام الناصر شخص يسمى الأمير الغريب ويزعم أنه ولد الإمام الناصر ثم توفي في سنة أربع عشرة وستمائة فادعى هذا الشخص أنه ولده وكانت الشهرزورية أرادت مبايعته بغزة فلما تبدد شملهم للأسباب التي تقدم شرحها من استيلاء التتر على الشام وغير ذلك أمسك هذا الشخص العباسي واعتقل فلما اعتقل الكمال معه وجمعهما الحبس تحدث الكمال معه على أن يسعى له في إتمام ذلك الأمر الذي كان الشهرزورية راموا فعله ويكون الكمال وزيره فاتفق موت العباسي، فلما خرج الكمال سعى في إتمام الأمر لابنه وتحدث في ذلك مع جماعة من الأعيان وغيرهم وكتب مناشير وتواقيع واتخذ بنود أشعار الدولة فنمى الخبر إلى الملك الظاهر وكان وزيره الصاحب بهاء الدين وقاضي قضاة الديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب وله المكانة العلية والوجاهة العظيمة والكلمة المسموعة وكلاهما من أشد الناس
стр. 582
عداوة وبغضاً للكمال لذاته وتوثبه ولكونه من أصحاب القاضي بدر الدين السنجاري والمعروفين به فحصل التحريض عليه فشنق بالديار المصرية والتواقيع والبنود معلقة في عنقه، وذلك في ثامن عشر جمادى الآخرة من هذه السنة ﵀.
عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذب أبو محمد عز الدين السلمي الدمشقي الشافعي الإمام الفقيه العلامة شيخ الإسلام ومولده سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، حضر أبا الحسين أحمد بن حمزة بن الموازيني وأبا طاهر الخشوعي وسمع من الحافظ أبي محمد القاسم بن علي الدمشقي وابن طبرزد وحنبل وعبد الصمد بن الحرستاني وغيرهم وحدث ودرس في عدة مدارس بالشام والديار المصرية وأفتى سنين متطاولة وكانت الفتاوى تأتيه من الأقطار وكان في آخر عمره لا يتقيد في فتاويه بما يقتضيه مذهب الإمام الشافعي رحمة الله عليه بل يفتي بما يؤدي إليه اجتهاده ويترجح عنده بالدليل، وصنف التصانيف المفيدة النافعة وتولى الحكم بمصر والوجه القبلي مدة مع الخطابة بجامعها العتيق وكان ولي الخطابة بجامع دمشق مدة وكان علم عصره في العلم جامعاً لفنون متعددة عارفاً بالأصول والفروع والعربية والتفسير معاً جبل عليه من ترك التكلف والصلابة في الدين ولما كان مباشراً للخطابة والإمامة بجامع دمشق سلم الملك الصالح عماد الدين ﵀ إلى الفرنج صفد والشقيف سنة تسع وثلاثين
стр. 583
وهما من الفتوحات الصلاحية ليعتضد بهم فأنكر الشيخ عز الدين هذا الفعل غاية الإنكار وبسط لسانه بالقول ووافقه على ذلك الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب المالكي ﵀ وكن كبير القدر أيضاً في العلم والدين وبلغ الملك الصالح عماد الدين إنهما ينالان منه بسبب ذلك فغضب غضباً شديداً ففارقا دمشق فمضى الشيخ جمال الدين إلى الكرك فأقام عند الملك الناصر داود ﵀ مدة فأقبل عليه وأحسن إليه ثم سافر إلى الديار المصرية وأقام بها إلى أن مات ﵀ وأما الشيخ عز الدين فمضى إلى الديار المصرية فأقبل عليه الملك الصالح نجم الدين غاية الإقبال لفضيلته وديانته ومكانته ولتشنيته على عمه الملك الصالح عماد الدين واتفقت وفاة القاضي شرف الدين بن عين الدولة قاضي القاهرة والوجه البحري فنقل الملك الصالح القاضي بدر الدين إلى القاهرة وما معها وولاه قضاءها وولى الشيخ عز الدين القضاء لمصر والوجه القبلي مع الخطابة بجامع مصر وبقي على ذلك مدة واتفق أن بعض غلمان الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ وزير الملك الصالح نجم الدين بنى على سطح بعض المساجد بمصر بنياناً وجعل فيه طبلخاناة معين الدين وبلغ ذلك الشيخ عز الدين فأنكره ومضى بنفسه وأولاده فهدم ذلك البناء وأمر بنقل ما على سطح ذلك المسجد وتفريغه مما فيه وعلم الشيخ
стр. 584
عز الدين أن ذلك يغضب الملك الصالح ووزيره فأحضر شهوداً وأشهدهم على نفسه أنه قد اسقط عدالة معين الدين وأنه قد عزل نفيه عن القضاء بمصر وما معهما فعظم ذلك على الملك الصالح وأبقى نواب الشيخ عز الدين فقيل للملك الصلاح إن لم تعزله عن الخطابة فربما يبدو منه تشنيع على المنبر كما فعل بدمشق لما سلم الملك الصالح عماد الدين صفد والشقيف فعزله عن الخطابة فأقام في بيته بالقاهرة يشغل الناس بالعلم وقال الأمير حسام الدين ابن أبي علي ﵀ كان عندي شهادة تتعلق بالملك الصالح نجم الدين فقال لي السلطان والشيخ عز الدين متولي القضاء بمصر تؤدي الشهادة عنده فقلت يا خوند ما يقبل شهادتي فألح علي فقلت يا خوند خذ لي منه دستوراً فبعث إلى الشيخ عز الدين في ذلك فقال ما أقبل له شهادة فتوقفت القضية إلى أن ولي القاضي بدر الدين السنجاري فذهبت إليه فتلقاني إلى الباب فشهدت عنده فقبل الشهادة وانقضى الشغل فكان الشيخ عز الدين ﵀ لا يحابي أحداً في الحق ولما حضرته الوفاة سير إليه الملك الظاهر ﵀ يفتقده ويقول له من تختار أن يتولى مناصبك من أولادك فقال ما في أولادي من يصلح لشيء من ذلك وهذه المدرسة يعني مدرسة الملك الصالح التي بين القصرين يصلح لتدريسها القاضي تاج الدين عبد الوهاب يعني ابن بنت الأعز ففوضت إليه بعده وكان بالديار المصرية رجل يعرف بالمبارز العارونة وهو كثير المال وكان يكثر التردد إلى الشيخ عز الدين وهو صاحبه فحكى للشيخ عز الدين
стр. 585
عقيب كسرة المنصورة الأخيرة وكان قد صودر قبل ذلك على قريب خمسين ألف درهم قال صودرت على ذلك المبلغ فما مضى إلا مدة يسيرة حتى كانت وقعة المنصور فحصلت من مكاسبها قريب خمسين ألف دينار فقال له الشيخ عز الدين هذا المبلغ في ذمتك لأن الغنائم لم
تخمس ولا قسمت على الوجه الشرعي فلما مرض الشيخ عز الدين مرض الموت أشهد على نفسه أنه يشهد على إقرار المبارز بما أقربه من ذلك واتصل الأمر بالملك الظاهر فالزم المبارز بغرم ما أقربه فقال إنما شهد على شاهد واحد فقال الملك الظاهر الشاهد الذي شهد أكثر من ألف شاهد وكان الشيخ عز الدين ﵀ معماً هو عليه من هذه الأوصاف عنده رقة حاشية ويحضر السماع ويرقص ويتواجد ويستحسن الصور الجميلة ويحاضر بالحكايات والنوادر والأشعار ويستشهد بها في مواضعها مر على دار من دور القصر بالقاهرة وهي خراب وانقاضها تنقل فأنشد متمثلاً: تخمس ولا قسمت على الوجه الشرعي فلما مرض الشيخ عز الدين مرض الموت أشهد على نفسه أنه يشهد على إقرار المبارز بما أقربه من ذلك واتصل الأمر بالملك الظاهر فالزم المبارز بغرم ما أقربه فقال إنما شهد على شاهد واحد فقال الملك الظاهر الشاهد الذي شهد أكثر من ألف شاهد وكان الشيخ عز الدين ﵀ معماً هو عليه من هذه الأوصاف عنده رقة حاشية ويحضر السماع ويرقص ويتواجد ويستحسن الصور الجميلة ويحاضر بالحكايات والنوادر والأشعار ويستشهد بها في مواضعها مر على دار من دور القصر بالقاهرة وهي خراب وانقاضها تنقل فأنشد متمثلاً:
أهادمها شلت يمينك خلها ... لمعتبر أو واقف أو مسايل
منازل قوم حدثتنا حديثهم ... ولم أر أحلى من حديث المنازل
وهذا البيتان لعبد الواحد بن الفرج المعري الشاعر قالهما من جملة أربعة أبيات في قصر كان بالمعرة في محلة شيات فأمر صاحب المعرة بنقضة فاجتاز عبد الواحد بالفعلة وهم بخربونه فقال بديهاً:
стр. 586
مررت بقصر في سيات فساءني ... به زجل الأحجار تحت المعاول
تناولها عبل الذراع كأنما ... جرى الحرب فيما بينهم حرب وائل
فقلت له شلت يمينك خلها
البيتين المتقدمين.
توفي عبد الواحد المذكور في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وكانت وفاة الشيخ عز الدين ﵀ في العاشر من جمادى الأولى بالقاهرة ودفن من الغد بسفح المقطم ونزل الملك الظاهر لشهود جنازته وكذلك سائر أرباب الدولة والجند والعوام وغيرهم ولم يتخلف عن شهود جنازته غلا القليل من الناس وشهرته تغني عن الأطناب في ذكره ﵀.
عبد العزيز بن يوسف بن قزأوغلى أبو محمد عز الدين الحنفي الواعظ قد أشرنا إليه في ترجمة والده الشيخ شمس الدين أبي المظفر يوسف سبط الشيخ جمال الدين ابن الجوزي ﵀ في سنة أربع وخمسين وكان درس بعد أبيه بالمدرسة العزية ووعظ وكان فاضلاً عنده أهلية جيدة وتوفي في سلخ شهر شوال ودفن بمقبرة أبيه بسفح قاسيون ﵀.
عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين أبو الحسن تاج الدين الدمشقي الشافعي المعروف بابن عساكر سمع الكثير من الخشوعي وابن طبرزد وحنبل وزيد والكندي وعبد الصمد الحرستاني وغيرهم وحدث بدمشق ومصر وغيرهما وتولى
стр. 587
مشيخة دار الحديث النورية وغيرهما بدمشق ومولده بدمشق ليلة عيد الفطر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وكانت وفاته في حادي عشر جمادى الأولى بمكة شرفها الله ودفن بالحجون رحمه الله تعالى.
علي بن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس بن الحسن بن العباس ابن الحسن بن الحسين بن علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو الحسن بهاء الدين بن أبي الجن الحسيني نقيب الأشراف بدمشق وأعمالها، مولده ليلة الثامن عشر من شعبان سنة تسع وسبعين وخمسمائة بدمشق سمع من أبي عبد الله محمد بن علي بن صدقة وأبي الفرج يحيى بن محمود الثقفي وأبي الفوارس بن شافع وغيرهم وحدث بدمشق ومصر، وكان رئيساً جليل المقدار كريماً ممدحاً وتوفي بدمشق في ليلة الثاني والعشرين من شهر رجب ودفن بها بمنزله بدرب الديماس ﵀ وولى النقابة بعده فخر الدين أبو محمد الحسن ابن نظام الدين أبي الحسن علي البعلبكي.
عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر بن أبي جرادة بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل أبي القاسم كمال الدين العقيلي الحلبي الفقيه الحنفي الكاتب المجيد المعروف بابن العديم مولده بحلب في العشر الأول من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة سمع من أبيه أبي الحسن وعمه ابن غانم محمد وأبي هاشم عبد المطلب
стр. 588
ابن الفضل الهاشمي وعمر بن طبرزد وأبي اليمن الكندي وأبي القاسم عبد الصمد بن محمد الحرستاني وجمعة كثرة غيرهم وحدث بالكثير في بلاد متعددة ودرس وأفنى وصنف وكان إماماً عالماً فاضلاً مفنناً في العلوم جامعاً لها أحد الرؤساء المشهورين والعلماء المذكورين وترسل إلى الخليفة والملوك مراراً كثيرة وكان له الوجاهة العظيمة والحرمة الوافرة عند الخلفاء والملوك وغيرهم وهو مع الوجاهة العظيمة والحرمة الوافرة عند الخلفاء والملوك وغيرهم وهو مع ذلك كثير التواضع ولين الجانب وحسن الملتقى والبشر لسائر الناس مع ما هو منطو عليه من الديانة الوافرة والتحري في أقواله وأفعاله، وأما خطه ففي غاية الحسن والجودة باع الناس منه شيئاً كثيراً على أنه خط علي بن هلال بن البواب الكاتب المشهور، وله معرفة بالحديث والتاريخ وأيام الناس وجمع لحلب تاريخاً كبيراً أحسن فيه ما شاء ومات وبعضه مسودة لم يبيضه ولو تكمل تبييضه كان أكثر من أربعين مجلداً، وكان حسن الظن بالفقراء والصالحين كثير البر لهم والإحسان إليهم وحضر عند الشيخ عبد الله اليونيني الكبير قدس الله روحه وطلب منه أن يلبسه خرقة فأعطاه قميصه كأنه تفرس فيه الخير والصلاح، وكانت وفاته في العشرين من جمادى الأولى بظاهر مصر ودفن من يومه بسفح المقطم ﵀، ولما وصل إلى الديار المصرية رسولاً في بعض سفراته إليها حمل إليه الشيخ أيدمر مولى وزير الجزيرة والمسمى فيما بعد بإبراهيم الصوفي ديوان شعره ليطالعه فتصفحه وطالعه وكتب عليه لنفسه:؟
стр. 589
وكنت أظن الترك تختص أعين لهم إن رنت بالسحر منها وأجفان
إلى أن أتاني من بديع قريضهم ... قواف هي السحر الحلال وديوان
فأيقنت أن السحر أجمعه لهم ... يقر لهم هاروت فيه وسحبان
فكتب إليه أيدمر يشكره ويسأله أن يكتب اسمه تحت الشعر الذي كتبه على الديوان:
لك الفضل أولى الناس بالحمد منعم ... تعرف بالإحسان إذ رث عرفان
وبارقة من أفق علياك خبرت ... بأن سحاب الفضل عندك هتان
انثنى على الديوان أبياتك التي ... يفضل منها للبلاغة ديوان
فدلت وإن قلت على ما وراءها ... كما شف عن سر الصحيفة عنوان
فلو عاينت عيناً ابن مقلة خطكم ... لغض أتاه أو رنا وهو خزيان
فكيف يكون السحر فينا وعندنا ... وخطك هاروت ولفظك سحبان
فيا مالك أبدي ندى كان متمماً ... لتشفع من يمناك بالحسن إحسان
وتوجه والمأمور غيرك باسمك الكريم فأسماء الأكارم تيجان
يحوك الحياوشي الرياض وينجلي ... وتبقى شهيداً عندها منه غدران
على أنه الصبح المنور شهرة ... وليس بمطلوب على الصبح برهان
وإن أمرأً أضحى الكمال يعينه ... فمن أين يعروه وحاشاه نقصان
محمد بن داود بن ياقوت الصارمي أبو عبد الله ناصر الدين كان رجلاً صالحاً فاضلاً عالماً مفيداً لطلبة الحديث باذلاً كتبه وخطه للمشتغلين
стр. 590
سمع كثيراً وكتب مجلدات وأجزاء كثيرة وطباق السماع التي بخطه من أحسن الطباق وأنورها وأصحها، وكانت وفاته بدمشق في السادس والعشرين من جمادى الآخرة ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى.
محمد بن عبد الحق بن خلف أبو عبد الله جمال الدين الحنبلي كان فاضلاً ظريفاً حسن الأخلاق يؤرخ الوقائع والمتجددات والوفيات ويتولى الحسبة بجبل الصالحية وكانت وفاته بالجبل المذكور ودفن به في سادس وعشرين جمادى الآخرة ﵀.
يوسف بن عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد أبو الفضل شرف الدين الموصلي الأصل ويعرف بابن اللباد كان فاضلاً أديباً شاعراً مترسلاً وله معرفة بالطب وتوفي يوم الجمعة خامس ذي القعدة بالقاهرة ودفن بالقرافة وهو في حدود الخمسين سنة ﵀ ووالده موفق الدين عبد اللطيف بغدادي المولد كان عالماً بالنحو واللغة وعلم الكلام والطب ولد بدار جده بدرب الفالوذج سنة سبع وخمسين وخمسمائة وغاب عن بغداد مقدار خمس وأربعين سنة ودخلها عازماً على الحج فأدركته منيته بها في يوم الأحد ثاني عشر المحرم سنة تسع وعشرين وستمائة ودفن بالوردية، وله نحو مائتي مصنف ما بين مطول ومختصر وطاف البلاد ودخل دمشق والبيت المقدس والديار المصرية وغير ذلك ﵀.
стр. 591
يوسف بن يوسف بن يوسف بن يوسف بن سلامة بن إبراهيم ابن الحسن بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن سلميان بن محمد الفأفا الزينبي بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أبو العز وقيل أبو المحاسن محي الدين الهاشمي العباسي الموصلي المعروف بابن زيلاق مولده بالموصل قي إحدى الربيعين سنة ثلاث وستمائة وقتلوه التتر حين ملكوا الموصل بها في عاشر شعبان هذه السنة، وكان شاعراً مجيداً فاضلاً حسن المعاني ﵀، ومن شعره:
إني لأقضي نهاري بعدكم أسفاً ... وطول ليلي بتسهيد وتعذيب
جفن قريح وقلب حشوه حرق ... فمن رأى يوسفاً في حزن يعقوب
وله:
بدا لنا من جبينه قمر ... يضل في ليل شعره الفكر
أحور يجلو الدجى تبسمه ... أسمر يحلو بذكره السمر
حديث عهد الشباب ما حف بالريحان ... ورد في خده نضر
ولا رعت مقلة نبات عذا ... ريه فيحتاج عنه نعتذر
جوامع الحسن فيه كاملة ... فالقلب وقف عليه والبصر
خصر كما آثر التفرق في ... جسمي وثغر رضابه خصر
وقامة لدنة إذا خطرت ... هان علنيا في حبها الحظر
стр. 592
وله:
أغري جفون المحب بالسهر ... أغيد حالي الجفون بالحور
رخيم لفظ جاءت شمائله ... بكل معنى في الحسن مبتكر
مؤنث الدل كاسر جفنه الساجي على نصل صارم ذكر
حديث عهد السباب طلعته ... محية من طلائع الشعر
حياه وحدي ماء بوجنته ... ما اغترفت صفوة بذا الخضر
أن يطل الفكر في توردها ... فذاك والله موضع النظر
يا مالكي شافعي إليك هوى ... مذهب وردي فيه بلا صدر
أفوت ليلى بالطول واشتملت ... أجفان عيني به على القصر
حالين أشكو إليك بينهما ... وفاء دمع وعذر مصطبر
وله:
هل أنت يا وفد الصبا مخبري ... مربع أحبابي متى روضا
وهل أقام الحي من بعدنا ... مخيماً بالجزع أم قوضا
وأنت يا بارق نجد إذا ... أضأت جيراناً بذات الأضا
فقل لهم ذاك الغريب الذي ... أمرضتموه بجفاكم قضى
حاشا لذاك الوجد أن ينقضي ... وعهدنا بالخيف أن ينقضي
ويا شفاء النفس لو أنه ... كان طبيب الداء من أمرضي
أحبابنا منذ وداع اللوى ... لم ألق عيشاً بعدكم يرتضى
ولا رأت عيناي مذ غبتم ... يوماً كأيامي بكم أيضاً
стр. 593
وله:
يفيدك جفن بمائه شرق ... جار عليه البكاء والأرق
ومهجة لم تزل حشاشتها ... منك بنار الجفاء تحترق
يا رشأ أصبحت محاسنه ... تسلب ألبابنا وتسترق
تجمعت فيك للورى فتن ... على تلاف النفوس تتفق
طرف كحيل ووجنة كسيت ... حمرة دمعي ومبسم يقق
جالت علي عطفه ذوائبه ... كالغصن زانت فروعه الورق
حسن أسر الصديق لي حسداً ... على هواه وخان من أثق
رأوه لي جنة معجلة ... ما وجدوا مثلها ولا رزقوا
فأكثروا وافتروا كأنهم ... لغير قول المحال ما خلقوا
هم حسدوني عليه فاختلفوا ... بكل زور إليه واختلقوا
سعوا بتفريقنا فلا اجتمعوا ... على وصال يوماً ولا اتفقوا
بمن كسا وجنتيك من حلل ال ... حسن رياضاً نسيمها عبق
واطلع الصبح من جبينك محفوظاً بصدغ كأنه غسق
لا تثن عطفاً إلى الوشاة فما ... سلاك قلبي لكنهم عشقوا
أنت بحالي أدري وحالهم ... قد وضحت في حديثنا الطرق
стр. 594
ما كنت يوماً إليك معتذراً ... لو أنهم في حديثهم صدقوا
وله:
كذب الواشون قلبي ما سلا ... وفؤادي من هواكم ما خلا
لا تظنوني إن طال المدى ... ناسياً ذاك الغرام الأولا
لست ممن إن نأت دار به ... أسخط الشوق وأرضى العذلا
يا ولاة الحسن ما آن لمن ... جار في عشاقه أن يعدلا
أخذ الإشراق عن بدر الدجى ... وروى النفرة عن ظبي الفلا
أي شهد ريقه لو يجتني ... وهلال وجهه لو يجتلي
يحمد الليل إذا ولى ولا ... يعدم الصبح إذا ما أقبلا
ناعم الأطراف ما أسعد من ... ضمه معتنقاً أو قبلاً
ليس يأتي نعم في لفظه ... قوله في جده والمزح لا
أحياة أترجى بعدما ... حكمت ألحاظه أن أقتلا
وله:
يريك قوام السمهر يقوامها ... ويجلو عليك النيرين لثامها
ويفتنا منها جفون تضمنت ... لواحظها أن لا تطيش سهامها
وليلة أعطينا المنى من وصالها ... وعهدي لا يهدي إلينا سلامها
توقد ناراً خدها وحليها ... وخمرتها فأنجاب عنها ظلامها
وطافت بكأسات الرحيق كأنما ... يفض عن المسك السحيق ختامها
إذا ما ظللنا في غياهب شعرها ... هدانا إلى صبح الغرام ابتسامها
стр. 595
سألتكما أي الثلاثة درها ... أمبسمها أم عقدها أم كلامها
وأي الثلاث المسكرات سلبنني ... أريقها أم لحظها أم مدامها
وله:
أدمشق لا زالت تجودك ديمة ... ينمي بها زهر الرياض ويؤنق
أهوى لك السقيا ولو ضن الحيا ... أغناك عنه ماؤك المتدفق
ويسر قلبي لو تصيح إلى المنى ... أني أنال بك المقام وأرزق
وإذا امرؤ كانت ربوعك حظه ... من سائر الأمصار فهو موفق
أني التفت فجدول متسلسل ... أو جنة مرضية أو جوسق
يبدو لطرفك حيث ملت حديقة ... غناء نور النور منها يسرق
تشدو الحمام بدوحها فكأنما ... في كل عود منه عود يخفق
وإذا رأيت الغصن ترقصه الصبا ... طرباً رأيت الماء وهو يصفق
لبست جنان النيرين محاسناً ... وقفت عليها كل طرف يرمق
فحمامها غرد ونبت رياضها ... خضل وركب نسيمها مترفق
وله:
وإذا شكوت من الزمان ومسني ... ضيم ونكس صعدتي أعسار
وعلمتم أني بكم متعلق ... فعلى علاكم لا على العار
ومن شعره أيضاً:
بعثت لنا من سحر مقلتك الوسنى ... سهاداً يذود الجفن أن يألف الجفنا
وأبصر جسمي حسن خصرك ناحلاً ... فحاكاه لكن زاد في دقة المعنى
стр. 596
وأبرزت وجهاً أخجل الصبح طالعاً ... ومالت بقد علم الهيف الغصنا
حكيت أخاك البدر في حال تمه ... سنى وسناء إذا تشابهتما سنا
أسمراء إن أطلقت بالهجر عبرتي ... فإن لقلبي من تباريحه سجنا
وإن تحجبي بالبيض والسمر فالهوى ... يهون عند العاشق الضرب والطعنا
وما الشوق إلا أن أزورك معلناً ... فلا مضمراً خوفاً ولا طالباً أذنا
وألقاك لا أخشى الغيور فأنثني ... ولو منعت أسد الشرى ذلك المعنى
السنة الحادية والستون وستمائة
دخلت هذه السنة والخليفة المستنصر بالله قد قتل وملوك الأطراف على حالهم في السنة الخالية والملك الظاهر بقلعة البل من الديار المصرية.
فمن المتجددات فيها مبايعة الحاكم بأمر الله، باب في مبايعته وهو التاسع والثلاثون من خلفاء بني العباس ﵁ وهو الإمام الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن الأمير أبي علي القبي بن الأمير علي ابن الأمير أبي كبر بن الإمام المسترشد بالله أبي منصور الفضل بن الإمام المستظهر بالله أبي العباس أحمد بويع بالخلافة في قلعة الجبل ظاهر القاهرة يوم الخميس تاسع المحرم سنة إحدى وستين وستمائة، وكان وصل إلى قلعة الجبل في السنة الخالية على ما تقدم شرحه.
стр. 597
فلما كان في التاريخ جلس الملك الظاهر مجلساً عاماً فيه أعيان الناس من القضاة والأمراء والعلماء وجماعة من التتار الوافدين وحضر الإمام الحاكم إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل راكباً وبسط له إلى جانب السلطان وذلك بعد ثبوت نسبه وأمر الملك الظاهر بعمل شجرة نسب له فعملت وقرئت على الناس، ثم أقبل الملك الظاهر إليه وبايعه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والأمر بالمعرف والنهي عن المنكر والجهاد وأخذ أموال الله بحقها وصرفها في مستحقها والوفاء بالعهود وإقامة الحدود وما يجب على الأئمة فعله من أمور الدين وحراسة المسلمين، فعند ذلك أقبل الخليفة على الملك الظاهر وقلده أمور البلاد والعباد ثم أخذ الناس على اختلاف طبقاتهم في المبايعة فلم يبق أحد ممن يشار إليه من أرباب السيوف والأقلام وغيرهم إلا وبايعه، وكان المسلمون بغير خليفة منذ استشهد الإمام المستنصر بالله في أوائل السنة الخالية ولم يل الخلافة من والده وجده غير خليفة بعد السفاح والمنصور إلا الحاكم هذا فإن والده وجده وجد والده لم يلوا الخلافة أما من ولي الخلافة ولم يكن والده خليفة بعد السفاح والمنصور من بني العباس فالمستعين أحمد بن محمد بن المعتصم والمعتضد بن طلحة بن المتوكل والقادر بن أحمد بن المقتدر والمقتدى بأمر الله بن الذخيرة بن القائم وبقي اسم الخلافة على الإمام الحاكم بأمر الله المذكور ويخطب له على المنابر وتضرب السكة باسمه إلى أوائل جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعمائة درج إلى رحمة الله تعالى بالديار المصرية وصلى عليه في جامع
стр. 598
دمشق بالنية يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة.
وكانت وفاته ﵀ في أواخر جمادى الأولى رحمه الله تعالى فكان مدة وقوع اسم الخلافة عليه أربعين سنة وأشهر وبويع ولده أبو الربيع سليمان ولقب بالمستكفي وحصل الحديث من الإمام الحاكم في إنفاذ رسل إلى بركة فوافق على ذلك وانفصل المجلس، ولما كان يوم الجمعة ثاني ويوم المبايعة اجتمع الناس وحضر الرسل إلى الملك بركة وخطب الخليفة بالناس فقال: الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركناً وظهيراً، وجعل لهم من لدنه سلطاناً نصيراً، أحمده على السراء والضراء، وأستعينه على شكر ما أسبع من النعماء، واستنصره على دفع الأعداء وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه نجوم الاهتداء وأئمة الإقتداء الأربعة الخلفاء وعلى العباس عمه وكاشف غمه أبي السادة الخلفاء الراشدين والأئمة المهذبين وعلى بقية الصحابة والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، أيها الناس أعلموا أن الإمامة فرض من فروض الإسلام والجهاد، محتوم على جميع الأنام ولا يقوم علم الجهاد إلا باجتماع كلمة العباد، ولا سبيت الحرم إلا بانتهاك المحارم ولا سفكت الدماء إلا بارتكاب المآثم، فول شاهدتم أعداء الإسلام حين دخلوا دار السلام واستباحوا الدماء والأموال وقتلوا الرجال والأطفال وهتكوا حرم الخلافة والحريم، وأذاقوا من استبقوا العذاب
стр. 599
الأليم، فارتفعت الأصوات بالبكاء وعلت الضجات من هول ذلك اليوم الطويل، فكم من شيخ خضبت شيبته بدمائه وكم من طفل بكى فلم يرحم لبكائه فشمروا عن ساق الاجتهاد في أحياء فرض الجهاد: " فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون فلم يبق معذرة في القعود عن أعداء الدين والمحاماة عن المسلمين.
وهذا السلطان الملك الظاهر السيد الأجل العالم العادل المجاهد المؤيد ركن الدنيا والدين قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار فأصبحت البيعة باهتمامه منتظمة العقود، والدولة العباسية به متكاثرة الجنود، فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة وأخلصوا نياتكم تنصروا وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا ولا يروعنكم ما جرى، فالحرب سجال والعاقبة للمتقين والدهر يومان والآخر لمؤمنين جمع الله على التقوى أمركم وأعز بالإيمان نصركم، واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه أنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية: الحمد لله حمداً يقوم بشكر نعمائه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عدة عند لقائه وأشهد أن محمداً سيد رسله وأنبيائه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه عدد ما خلق في أرضه وسمائه، أوصيكم عباد الله بتقوى الله أن أحسن ما وعظ به الإنسان كلام الملك الديان: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر
стр. 600
منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً نفعنا الله وإياكم بكتابه وأجزل لنا ولكم ثوابه وغفر لي ولكن وللمسلمين أجمعين.
وكتب بدعوته إلى الآفاق وتعلل بذكرها الرفاق. وكتب الله للسلطان هذه الحسنة التي يجدها يوم ينفد كل شيء وما عند الله باق، وكتب السلطان إلى الملك بركة يعلمه بذلك.
وفي ليلة الأربعاء ثالث شهر رمضان سأل السلطان الخليفة هل لبس الفتوة من أحد من أهل بيته الطاهرين أو من أوليائهم المتقين فقال: لا والتمس من السلطان أن يصل سببه بهذا المقصود، وسنخ هذا الأمر الذي من بيته بدا وإليه يعود، فلم يمكن السلطان إلا طاعته المفترضة وإن يمنحه ما كان ابن عمه قرضه، وإن يحلى بالجواهر منضده، وإن يقلد بالسيف مجرده وأن يعطي القوس لباريها، ويسلم الصهوة لراقيها، ويكون في ذلك كمحبب الحلة للابسها، ويقتدح بالجذوة لقابسها، ولبس في الليلة المذكورة بحضور من يعتبر حضوره في مثل ذلك وباشر ذلك الأتابك فارس الدين أقطاي بطريق الوكالة المعتبرة عن السلطان، وقال السلطان الملك الظاهر أبا للإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين ولد الإمام الظاهر وأبوه لجده الناصر لعبد الجبار لعلي بن دغيم لعبيد الله ابن القتر لعمر بن الرصاص لأبي بكر بن الجحيش لحسن بن السارمار
следующие страницы →