Полный текст (1 675 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ومنها:
لما شكا دين الهدى اشكيته ... بشديد باسك والسلاح الشاكي
دعت المعالي يا أباها دعوة ... لامت عليك فقلت لبي فاك
جردت يوم الأربعاء عزيمة ... خفيت عواقبها عن الإدراك
وأقمت في يوم الخميس مبالغاً ... في الجمع بين طوائف الأتراك
ووقفت في يوم العروبة موقفاً ... أوسعت فيه الفتك بالفتاك
قيدت ابطال التتار بصولة ... تركتهم كالصيد في الأشراك
وأطرت منهم هام كل مدجج ... لله كل موحد سفاك
فالطعن والطاعون أسلمهم إلى ... ضرب كا شداق المخاض دراك
بردت أكباد الورى بقواضب ... قذفت عليهم كالضرام الذاكي
أضحكت سن ثغورنا من بعد ما ... ظفروا بها فبكى عليها الباكي
غادرتهم صرعى كأن كماتهم ... في المرج من سلاف جناك
ثم ارتحلت إلى دمشق موضحاً ... سبل الرشاد المحض للسلاك
ورجعت في غرر الجيوش معاجلاً ... منا رهان نفوسنا بفكاك
فلقد أنمت المحصنات أو أمنا ... ولقد أقمت شعائر النساك
سلمت مهجة كل بر مسلم ... وهزمت كل معاند أفاك
نوهت باسمك في سماء مدائح ... أعلته فوق مجرة وسماك
تسبي العقائل والعقول جميعها ... من صائغ لنضارها سباك
فلك الهناء بما منحت ولا تزل ... يجري بسعدك دائر الأفلاك
стр. 527
ولما بلغ خبر هذه الوقعة إلى حماة وكان بها جماعة يميلون إلى التتر وربما أراد بعضهم أن ينقب من السور إليهم موضعاً يدخلون منه إلى البلد فثار أهل حماة عليهم فقتلوا بعضهم منهم رجل من أطراف الناس يقال له ابن دخان فقتله العامة واعتقل بعضهم ووصل الملك المنصور إلى حماة وبعد هذه الوقعة رجع التتر ونازلوا حماة وكانت قواهم تضعف لقلتهم والرعب الذي داخلهم عن المقام على حصار البلد فرحلوا ولم يقيموا إلا يوماً واحداً وأراد الملك المنصور السفر إلى دمشق ليستصحب عسكراً يتقوى به على التتر فمنعته العامة من ذلك حتى استوثقوا منه بأنه يعود إليهم عن قرب فمكنوه من السفر بطائفة قليلة من خواصه ومماليكه وترك عندهم الطواشي شجاع الدين مرشداً والعسكر وسار إلى دمشق، وتوجه الملك الأشرف صاحب حمص إلى دمشق أيضاً والمتولي عليهم علم الدين الحلبي الملقب بالملك المجاهد وكان حين ورد الخبر إلى دمشق بهذا الفتح زين البلد وضربت البشائر ووصل إلى دمشق رؤوس التتر محمولة في الشرائح فرميت في الطرق ووصل الأمير حسام الدين الجوكندار ومن معه من العزيزية والناصرية ونزلوا المرج ولم يدخل دمشق خوفاً من الحلبي ثم رحل إلى الكسوة وتوجه إلى الديار المصرية بمن معه وكان يتوهم أن الملك الظاهر يقلده حلب وأعمالها نيابة عنه فلم يتم له ذلك، وأما التتر فإنهم اندفعوا إلى ناحية أفامية ونزلوا في تلك الأرض وطمع فيهم المسلمون ودخل عليهم
стр. 528
الشتاء واشتد البرد وورد إلى أفامية الأمير سيف الدين الدبيلي الأشرفي ومعه جماعة فأقام بها وواتر الإغارة عليهم والقتل والنهب ثم رحلوا طالبين الشرق.
؟ ذكر القبض على علم الدين الحلبي
في أوائل هذه السنة قدم عسكر من الديار المصرية مقدمهم الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري وهو من أكابر الأمراء الصالحية وإليه ينسب الملك الظاهر قبل السلطنة وكان علاء الدين هذا مملوكاً قبل الملك الصالح نجم الدين للأمير جمال الدين بن يغمور وورد الأمر من مصر إلى الأمير شمس الدين البرلي ومن معه من العزيزية والناصرية أن يقدموا إلى دمشق فقدم بهم، فلما قدمت العساكر خرج الحلبي بأصحابه ومماليكه وحمل العسكر المصري فانهزم من مع الحلبي وجرح وقتل من مماليكه جماعة وعاد إلى القلعة فأقام بها إلى أن أجنه الليل وهرب إلى جهة بعلبك فاتبع وقبض عليه ثم حمل إلى الديار المصرية واعتقل بها ثم أطلق بعد ذلك.
وكان ورود العسكر المصري إلى دمشق في ثالث عشر صفر واستقرت العساكر الظاهرية بدمشق وأقيمت الخطبة بها وببلادها وبحماة وحمص وحلب للملك الظاهر وكان قبل ورود العسكر المصري قد سير الملك المنصور صاحب حماة وهو مقيم بدمشق ابن عمه الأمير ناصر الدين محمد بن الملك المسعود عثمان بن الملك المنصور وكانت منزلته عالية عنده رسولاً إلى الملك الظاهر فأنزل باللوق وأكرم إكراماً
стр. 529
كثيراً وأجيب بما طاب به قلب الملك المنصور ورجع إلى صاحبه مكرماً، وكان ناصر الدين هذا متميزاً عنده فضيلة وله نظم جيد منه:
لله در عصابة تغشى الوغى ... تهوى الخياطة لا إليه تنتمى
ذرعوا الفوارس بالوشيج وفصلوا ... بالمرهفات وخيطوا بالأسهم
ذكر خروج الأمير شمي الدين البرلي والعزيزية من دمشق على حمية
واستيلائهم على حلب
لما استقرت العزيزية مع مقدمهم الأمير شمس الدين بدمشق وكان التتر قد نازلوا البيرة وضايقوها من غير محاصرة والأمير علاء الدين البندقداري مقيم بدمشق وقد جرد إلى حلب الأمير فخر الدين الحمصي مقدماً وصحبته جماعة من الأمراء فوصولا حلب وحكم الأمير فخر الدين فيها وضم بها شمل الرعية وتوجه الملك المنصور والملك الأشرف إلى بلديهما واشتدت مضايقة التتر البيرة فكتب فخر الدين الحمصي إلى الملك الظاهر وطلب إيجاده على التتر فكتب الملك الظاهر إلى البندقداري بأن يكون على أهبة المسير إلى حلب بجميع من عنده من العسكر وأن يقبض على شمس الدين البرلي وبهاء الدين بغدي وعلى جماعة من العزيزية والناصرية وبلغ ذلك هؤلاء الأمراء واتفق رأيهم على الخروج من دمشق يداً واحدة على حمية وإن يتوجهوا إلى حلب ويقبضوا على فخر الدين الحمصي ويقيموا في تلك الجهات
стр. 530
وتحالفوا على ذلك فتوجه بهاء الدين بغدي إلى الأمير علاء الدين البندقداري رجاء أن يسلم بذلك ويتقدم عنده فحين دخل إليه قبض عليه وقيده ورسم عليه جماعة، وورد الخبر بذلك إلى الأمير شمس الدين البرلي ومن معه من العزيزية والناصرية فركبوا وخرجوا من دمشق ليلاً ووقع بسبب هذه الحركة انزعاج شديد بدمشق ونزل البرلي بأصحابه في المرج فبعث إليه البندقداري يلومه على ذلك وحلف له أن الأمر ما ورد إلا بقبض بهاء الدين خاصة وأرسل إليه مثالاً ورد من مصر بما يرضيه وكان الأمير شمس الدين قد تحقق أن الأمر بخلاف ذلك من جهة من ورد إليه من مصر فتوجه بأصحابه طالباً حلب، ولما وصل إلى حمص راسل الملك الأشرف بأن يتفق معه فلم يجبه إلى ذلك وكان قد كاتب بعض أمراء حماة بأن يفتح له أحد أبواب حماة ليدخل إليها ويستولي عليها فأجابه إلى ذلك وكان في معسكر البرلي وهو نازل بظاهر حمص ناصر الدين ناصر الجذامي وهو من أصحاب صاحب حماة ومختص بخدمته وإنما كان في عسكر البرلي ليكشف الأخبار لصاحبه فحين بلغه ذلك سار مسرعاً إلى حماة وأخبر الملك المنصور بذلك وكان الذي كاتبوا البرلي على الباب الذي واعدوه الدخول منه فجعل الملك المنصور على الباب غيرهم، ووصل الأمير شمس الدين إلى حماة فنزل ظاهرها وقد فاته ما طلب ولم يظهر الملك المنصور تغيراً على الذين كان منهم ذلك ولا غير أخبازهم ولا أشعرهم أنه عرف شيئاً من أمرهم ولما نزل الأمير شمس الدين ظاهر حماة أرسل إلى الملك المنصور يدعوه إلى الاتفاق
стр. 531
معه وأنه يقيم الملك المنصور سلطاناً ويكون في خدمته.
قال الملك المنصور ﵀ أرسل إلى الأمير شمس الدين يقول ينبغي أن تقوم وتحيى بيتك الكريم فما بقي في البيت الأيوبي من يصلح لهذا الأمر سواك ونكون بين يديك ونقاتل معك ونملكك البلاد فأرسلت إليه ناصر الدين البدوي أقول له متى وفيتم أنتم لأحد من بيت أستاذكم حتى تفوا لي وأنا ما لي حاجة بالملك وإنما أنا قانع بهذه البلدة وأكون فيها مطيعاً لمن يكون مالكاً للديار المصرية، ولما يئس الأمير شمس الدين من إجابة الملك المنصور غضب وأمر بإحراق بيدر الشعير غربي البلد فاحترق وأعقب ذلك جدب وغلاء شديد ثم توجه الأمير شمس الدين ومن معه إلى شيزر ونازلوها أياماً ثم ساروا إلى حلب فلما وصلوا الوضيحى جمع الأمير شمس الدين أصحابه واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بأن يكون الدخول في صبيحة الغد وأنهم لا يلبسون لأمة الحرب ولا يظهرون إلا طاعة الملك الظاهر ويقولون أنا خفنا على أنفسنا لما سمعنا تغير خاطره علينا فالتجأنا إلى أطراف البلاد إلى أن يصلنا أمانه ونعود إلى خدمته فوافقهم على ذلك وفي صبيحة الغد رحلوا إلى حلب وقد خرج فخر الدين الحمصي ومن معه من العسكر لابسين لأمة الحرب مستعدين للقاء وجاء البرلي ومن معه ودخلوا بينهم واختلطوا جميعاً بهم ودخلوا حلب ونزل الأمير شمس الدين في دار الأمير شمس الدين لؤلؤ ونزل أمراء العزيزية والناصرية حوله ثم طلبوا من فخر الدين الحمصي أن يتوجه إلى الملك الظاهر ويطلب لهم الأمان
стр. 532
والرضا بشرط أن يكون الأمير شمس الدين مقدم العساكر بحلب والأمراء الذين في صحبته عنده ويصلهم المناشير من الديار المصرية بما يختاره الملك الظاهر ويكون الأمير شمس الدين مستقلاً بنيابة السلطنة ولا يكلف الاجتماع بالملك الظاهر وتوجه فخر الدين إلى مصر ليدبر هذه القاعدة فلما وصل إلى الرمل وجد الأمير جمال الدين الحمدي قد جرد معه عسكراً ليتوجهوا إلى الأمير شمس الدين البرلي حيث كان ويقاتلوه فكتب فخر الدين إلى الملك الظاهر يخبره بما قدم لأجله فورد عليه الجواب ينكر عليه غاية الإنكار ويأمره أن ينضم إلى المحمدي بمن معه من العسكر ويقصلون البرلي ثم رضي الملك الظاهر عن الأمير علم الدين الحلبي وجهزه وراءهم في جمع من العسكر ثم جهز بعدهم الأمير عز الدين الدمياطي في جمع آخر وتوجهوا كلهم إلى جهة حلب ليقبضوا على الأمير شمس الدين البرلي أو يطردوه عن حلب وكان الأمير شمس الدين لما توجه فخر الدين الحمصي علم أن الملك الظاهر لا يوافقه على ما طلب فأخرج من عنده من العسكر المصري واستبد بالأمرو جمع إليه من العربان والتركمان وأخرج ما كان مخبأ في حلب وبلادها من الغلال وفرقه على الشود وكان قصده إخلاء حلب من الغلال لئلا تبقى ميرة لعسكر مصر واستعد للقاء عسكر مصر وبلغه توجههم إلى قتاله وانقضت هذه السنة والأمر على ذلك.
وفي السابع من جمادى الأولى عقد عزاء بجامع دمشق للملك الناصر
стр. 533
صلاح الدين يوسف ﵀ وذلك لما ورد الخبر بمقتله.
ذكر بيعة المستنصر بالله أبي القاسم أحمد بمصر
ورد إلى مصر في رجب من هذه السنة أبو القاسم أحمد ومعه جماعة من العرب وذكروا أنه ابن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر وهو أسود اللون وذكروا أنه خرج من دار الخلافة لما ملكها التتر فأراد الملك الظاهر أن يقلده الخلافة فعقد له مجلس بقلعة الجبل وحضر الأعيان والأكابر والشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام ﵀ والقاضي تاج الدين عبد الوهاب بن خلف وكان الملك الظاهر قد عزل القاضي بدر الدين السنجاري عن قضاء الديار المصرية في أوائل هذه السنة وقلد القضاء لتاج الدين المذكور فشهد أولئك العربان بأن أبا القاسم هذا هو ابن الظاهر بأمر الله وعم المستعصم بالله وأقام القاضي تاج الدين جماعة من الشهود اجتمعوا بأولئك العرب وسمعوا شهادتهم ثم حضروا عند القاضي تاج الدين فشهدوا بالنسب بحكم الاستفاضة فقام القاضي تاج الدين على قدميه وقال ثبت عندي نسب أبي القاسم هذا وأنه ابن الإمام الظاهر بأمر الله فبايعه الملك الظاهر والشيخ عز الدين والقاضي تاج الدين والحاضرون ونودي بالقاهرة ومصر بخلافته ولقب المستنصر بالله لقب أخيه ويوم الجمعة التالية لهذه البيعة حضر الملك الظاهر والأكابر والقضاة وخطب الخليفة خطبة مختصرة وصلى بالناس صلاة العصر ونثرت الدراهم والدنانير باسمه وخلع على الملك الظاهر خلعة
стр. 534
سوداء وعمامة مذهبة وطوق ذهب وركب بالخلعة.
ذكر تبريز الملك الظاهر والخليفة للمسير إلى الشام
في شهر رمضان برز الملك الظاهر وضرب دهليزه خارج باب النصر وبرزت العساكر للتوجه إلى الشام وكان قد قدم إلى خدمة الملك الظاهر الملك الصالح ابن صاحب الموصل وأخوه صاحب الجزيرة فنزلا في المخيم السلطاني خارج البلد، كنا ذكرنا أن الملك المظفر ﵀ لما كسر التتر وقدم دمشق عزل القاضي محي الدين يحيى بن الزكي وولى عوضه القاضي نجم الدين ابن سنى الدولة واستمر إلى أثناء هذه السنة فتحدث الناس فيه بأمور نسبت إليه وبلغ الملك الظاهر ذلك فاستشار الأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي فأشار عليه أن يولى القضاء بدمشق القاضي شمس الدين أحمد ابن خلكان وكان ينوب عن القاضي بدر الدين السنجاري بالديار المصرية زمن ولايته لها فأجاب الملك الظاهر إلى ذلك وتقدم بان يسافر القاضي شمس الدين صحبته.
وفي هذه الأيام ولى الملك الظاهر القاضي برهان الدين الخضر ابن الحسن القضاء بمدينة مصر وعملها وهو الوجه القبلي وبقيت القاهرة وعملها وهو الوجه البحري في ولاية القاضي تاج الدين.
وفي هذه الأيام والملك الظاهر مبرز بالعساكر خارج القاهرة عزم
стр. 535
على إنفاذ رسول إلى منفريد بن الانبرطور فرديك وكان الملك الكامل أرسل إلى أبيه الانبرطور الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ يطلب منه القدوم إلى الشام ليشغل سر أخيه الملك المعظم وذلك لما انتمى الملك المعظم إلى السلطان جلال الدين سلطان العجم فقدم إلى الشام بعد موت الملك المعظم وندم الملك الكامل على استقدامه إذ لم يبق له حاجة إليه وجرت المراسلات بينه وبين الملك الكامل واتفقا على أن يتسلم الانبرطور البيت المقدس فتسلمه ثم رحل إلى بلاده ثم توفي الملك الكامل وصارت مصر لابنه الملك العادل ثم لأخيه الملك الصالح نجم الدين بن الكامل فأرسل إليه الملك الصالح نجم الدين الشيخ سراج الدين الأرموي قريب الشيخ أفضل الدين الخونجي قاضي مصر وكان إماماً في المعقولات وكان الانبرطور محباً للفضائل والعلوم الحكمية وغيرها فأقبل على سراج الدين وأقام عنده مدة طويلة وصار بين الانبرطور وبين الملك الصالح نجم الدين مودة عظيمة كما كانت بينه وبين أبيه الملك الكامل ثم عاد سراج الدين إلى الديار المصرية ولما توفي الانبرطور ملك بعده أنبولية والأنبردية وجزيرة صقلية ولده كنراد ثم توفي وملك منفريد أخوه وكان كنراد وأخوه منفريد يريان رأي أبيهما في محبة الفضائل العلمية وبينهما وبين البابا خليفة الإفرنج العداوة الشديدة.
стр. 536
فصل
وفيها توفي إبراهيم بن عبد الله بن هبة الله بن أحمد بن علي بن مرزوق أبو إسحاق صفي الدين العسقلاني الكاتب التاجر مولده في شهر رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة سمع بمصر من أبي محمد عبد الله بن محمد بن بجلي وأجاز له غير واحد وحدث وكان أحد الرؤساء المعروفين بالثروة وسعة ذات اليد وله الوجاهة الوافرة والتقدم عند الملوك وأرباب الدول وله بر ومعروف وأوقاف منسوبة إليه وتوفي في ثاني عشر ذي القعدة بمصر ودفن من الغد بسفح المقطم ﵀.
إسحاق بن يعيش بن علي بن يعيش بن أبي السرايا بن علي بن المفضل أبو إبراهيم الحلبي الكاتب كان من الفضلاء الرؤساء ومولده بحلب في ثالث شهر رجب سنة إحدى وستمائة وتوفي بالقاهرة في السادس والعشرين من ربيع الآخر هذه السنة ودفن من يومه بالقرافة ﵀.
إسماعيل بن شيركوه بن محمد بن شيركوه الملك الصالح نور الدين ابن صاحب حمص كان له اختصاص كبير بالملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ وقرب منه وكان عنده حزم وعزم وسياسة وكان من رأيه مداراة التتر وعدم مشاققتهم وكان يعضد الزين الحافظي عند الملك الناصر ويثني عليه ويشكره فكان يقال إن الزين الحافظي أحضر له فرماناً من هولاكو وإن للملك الصلاح باطناً مع التتر وأنه لم
стр. 537
يدخل الديار المصرية مع العساكر لذلك لا محافظة للملك الناصر وتوهم أنه إذا وصل إلى هولاكو أبقى عليه ووفى له بما في الفرمان فعاد مع الملك الناصر من قطيا وحسن له قصد هولاكو وتوجه صحبته إليه فلما أمر هولاكو بقتل الملك الناصر ومن معه على ما سيأتي في ترجمة الملك الناصر ﵀ إن شاء الله أمر بقتل الملك الصالح أيضاً فقتل في أطراف بلاد العجم وكان يلقب السيس ومولده ومرباه حمص وإنما انتقل عنها بعد موت والده الملك المجاهد أسد الدين شيركوه وكان مقتله في أوائل هذه السنة وقيل في أواخر سنة ثمان وخمسين وستمائة رحمه الله تعالى وحكي أنه قال يوماً للأمير عماد الدين إبراهيم بن المحبر ﵀ وهما في مجلس السلطان الملك الناصر نريد أن نعمل مشوراً وكان عماد الدين رأيه قتال التتر وعدم مداراتهم فقال له لم هذا المفشر فقال له الملك الصالح أنت كما قيل طويل ولحيتك طويلة فقال له عماد الدين ألا أني ما ربيت في حمص أشار الملك الصالح إلى أن الطويل القامة واللحية غالباً يكون قليل العقل وأشار عماد الدين ﵀ إلى أن من ربى بحمص يكون أجدر بقلة العقل وهذا إنما هو على ما يقوله العوام لا على الحقيقة.
إسماعيل بن عمر بن قرناص أبو العرب مخلص الدين الحموي كان فقيهاً متأدباً وله شعر حسن وعنده معرفة بطرف من العربية وكان يدرس بحماة في مدرسة نسيبة مخلص الدين بن قرناص ومدرسة الشيخ
стр. 538
تقي الدين ابن البققي ويقرئ العربية بالجامع ومولده سنة اثنتين وستمائة وتوفي في جمادى الآخرة هذه السنة بحماة وله أشعار حسنة منها قوله:
فقد إلا حبة مولم وبنا إذا ... غاب شخصك فوق ذاك المولم
إذ أنت بين الأحبة منعم ... وأحقهم بالشوق وجه المنعم
وله:
أما والله لو شقت قلوب ... ليعلم ما بها من فرط حبي
لأرضاك الذي لك في فوأدي ... وأرضاني رضاك بشق قلبي
أيل غازي الملك السعيد نجم الدين صاحب ماردين توفي في سادس عشر صفر هذه السنة وقيل في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وقد ذكرناه هناك.
الحسن بن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر أبو محمد شرف الدين المقدسي الحنبلي مولده سنة خمس وستمائة سمع الكثير من أبي اليمن الكندي وغيره وكان من العلماء الفضلاء وهو من أولاد المشايخ الأئمة من بيت الحفظ والحديث حدث هو وأبوه وجده وكانت وفاة شرف الدين المذكور في ليلة الثامن من المحرم بدمشق ﵀ وجده الإمام الحافظ عبد الغني رحمة الله عليه صاحب التصانيف والفوائد وإليه انتهى علم الحديث ومعرفة الآثار النبوية في وقته ﵀.
стр. 539
عبد الرحمن بن محمد بن عبد القاهر بن موهب أبو البركات زين الدين الحموي الشافعي خطيب الجامع الأعلى بحماة كان فاضلاً عالماً حسن الخطابة متمولاً وله وجاهة كبيرة وكرم ومعروف مشهور وكان الملك المظفر صاحب حماة يحترمه كثيراً وترسل بعد وفاة الملك المظفر إلى الملك الصالح نجم الدين بالديار المصرية فأكرمه واحترمه وبنى زين الدين المذكور بحماة مدرسة جليلة ووقف عليها وقفاً كثيراً ودفن بها لما توفي ومولده في سنة ثمانين وخمسمائة وتوفي بحماة صبح يوم الجمعة ثالث شهر ربيع الأول وقيل توفي ليلة الثامن والعشرين منه حدث عن عمر بن أبي اليسر وغيره وكان من المشايخ المشهورين بالخير والصلاح والعلم والنبل والجلالة ﵀ وقيل في نسبه هو عبد الرحمن بن محمد ابن عبد القاهر بن موهوب والله أعلم.
عثمان بن منكورس بن خمردكين الأمير مظفر الدين صاحب صهيون وبرزية كان حازماً يقظاً مهيباً كثير السياسة والنهضة تملك صهيون وما معها بعد وفاة والده الأمير ناصر الدين منكورس في جمادى الأولى سنة ست وعشرين وجده بدر الدين خمردكين كان عتيق الأمير مجاهد الدين بزان صاحب صرخد وكانت وفاة مظفر الدين المذكور في ثاني عشر ربيع الأول بقلعة صهيون ودفن بها عند والده وقد نيف على تسعين سنة ﵀ وولى بعده الأمير سيف الدين محمد مكانه.
стр. 540
علي بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذى الملك الظاهر سيف الدين كان جميل الأوصاف حسن الصورة كريم الأخلاق شجاعاً جواداً ممدحاً وهو شقيق الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ أمهما أم ولد تركية وكان الملك الناصر يحبه محبة شديدة ولما كان في أواخر سنة سبع وخمسين أعطاه الملك الناصر أماكن من جملتها الصلت وقلعتها واتفق أن جماعة من الناصرية والعزيزية مالوا إليه وأرادوا تمليكه والقبض على الملك الناصر فأوجب ذلك وحشة اقتضت أن الملك الظاهر فارق الملك الناصر في أوائل سنة ثمان وخمسين وتوجه بحريمه إلى قلعة الصلت تركهم بها وقصد غزة فاجتمع على طاعته الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري بمن معه من البحرية وجماعة من الناصرية والعزيزية والشهرزورية وسلطنوه عليهم ثم لما بلغهم أن التتر قد دهموا البلاد وملكوا قلعة حلب اتفق هو والأمير ركن الدين أن يرسلا إلى الملك المظفر قطز ﵀ ويقررا معه الاتفاق معهما ليكون عضداً لهما فأرسلا رسولين أما رسول الأمير ركن الدين فكان الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري وحمله رسالة باطنة مضمونها أن يستوثقوا له من الملك المظفر ليقدم عليه وظاهرها ما اتفقا عليه فلما وصلا إلى الملك المظفر أجاب الملك الظاهر سيف الدين بأنه عضده وأن ألجأته ضرورة إلى دخول الديار المصرية وآواه وأحسن إليه وأجاب الأمير ركن الدين إلى ما طلب وحلف له فعند ما عاد بالجواب توجه الأمير ركن الدين
стр. 541
إلى الديار المصرية وقدم في أثر ذلك الملك الناصر إلى غزة فانضاف إليه أخوه الملك الظاهر ومن معه فصفح عنهم وصاروا في خدمته وتوجه الملك الظاهر مع أخيه الملك الناصر إلى قطيا وعاد معه ولولا اتسامه بالسلطنة تلك الأيام لدخل الديار المصرية لكنه خاف أن يتخيل منه الملك المظفر فيقبضه ولما توجه الملك الناصر إلى هولاكو كان معه فلما قتل قتل معه أيضاً وكان قتله في أوائل هذه السنة أو في أواخر سنة ثمان وخمسين وخلف الملك الظاهر ولداً ذكراَ اسمه زبالة كان مفرط الجمال وأمه تعرف بوجه القمر كانت من حظايا الملك الناصر فوهبها لأخيه الملك الظاهر فلما قتل تزوجها الأمير جمال الدين ايدغدي العزيزي فلما مات عنها تزوجها الأمير بدر الدين بيسرى الشمسي ثم درج الولد زبالة المذكور رحمه الله تعالى بالديار المصرية.
علي بن يوسف بن أبي المكارم بن أبي عبد الله بن عبد الجليل أبو الحسن نور الدين الأنصاري المصري العطار كان شاعراً فاضلاً وتوفي في هذه السنة ولم يبلغ الأربعين سنة من العمر، ومن شعره لغزاً في كوز الزير:
وذي أذن بلا سمع ... له قلب بلا لب
مدى الأيام في خفض ... وفي رفع وفي نصب
إذا استولى على الحب ... فقل ما شئث في الحب
محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن سيد الناس أبو بكر
стр. 542
اليعمري الأندلسي مولده في صفر سنة سبع وتسعين وخمسمائة، سمع الكثير وحصل جملة من الكتب وحدث وصنف وجمع وكان أحد حفاظ المحدثين المشهورين وفضلائهم المذكورين وبه ختم هذا الشأن بالمغرب، وكانت وفاته في الرابع والعشرين من شهر رجب بمدينة تونس ﵀.
محمد بن صالح بن محمد بن حمزة بن محمد بن علي أبو عبد الله التنوخي الفقيه الشافعي، لقي بدمشق عمر بن طبرزد وزيد بن الحسن الكندي وعبد الصمد الحرستاني وولي نظر ثغر الإسكندرية وجميع أمورها من الأحباس والمساجد والجوامع والمدارس وحدث بالثغر وكان ذا سيرة مرضية ومولده بمدينة المحلة من غربية مصر سنة ثمان وسبعين وخمسمائة قال أبو المظفر منصور بن سليم أنشدنا القاضي أبو عبد الله محمد بن صالح لنفسه بمنزله بالثغر:
سلام على ذاك المقر فإنه ... مقر نعيمي وهو روحي وراحتي
فإن تسمح الأيام مني بنظرة ... إليه فقد أوتيت مأمول منيتي
قال وأنشدنا أيضاً لنفسه مكاتبة:
لو بقدر الحنين أرسل كتبي ... كنت أفنى الأوراق والأنفاسا
غير أني أرجو اللقاء قريباً ... في سرور ويبتدى الأعراسا
قال أنشدنا لنفسه في ولايته الثالثة بالثغر:
أصبحت من أسعد البرايا ... في نعم الله بالقناعه
стр. 543
مع بلغة من كفاف عيش ... وخدمة العلم كل ساعه
طلقت دنياهم ثلاثاً ... بلا رجوع ولا شناعه
وارتجى من ثواب ربى ... حشري مع صاحب الشفاعه
قال وأنشدنا لنفسه:
أقول لمن يلوم على انقطاعي ... وإيثاري ملازمة الزوايا
أأطمع أن تجدد لي حياة ... وقد جاوزت معترك المنايا
توفي القاضي تاج الدين أبو عبد الله محمد بالثغر في ليلة الأحد خامس صفر سنة تسع وخمسين وستمائة ودفن في محرس سوار جوار الشيخ أبي العباس الرأس رحمهما الله تعالى.
محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عيسى بن معتبر بن علي بن يوسف أبو عبد الله الإسكندري الفقيه المالكي العدل من أهل العلم والحديث كان صالحاً ثبتاً ثقة وكان ينظم، ومن شعره كتب بها في الإجازة:
أجزت لهم على المهيمن قدرهم ... وحلاهم ذكراً جميلاً معطرا
رواية ما أرويه شرقاً ومغرباً ... وما قلته نظماً ونثراً محبرا
على شرط أهل العلم والصنعة التي ... يكون بها معنى الإجازة مظهرا
وهذا جوابي ثم واسمي محمد ... عفا الله عنه ما مضى وتأخرا
أقول وعبد الله اسم لوالدي ... وإبراهيم جدي قد نصصت مخبرا
ويعرف بالمتيجى نسبة بلده ... وسطرت خطى بالقريض معبرا
стр. 544
توفي أبو عبد الله المتيجي ليلة الاثنين الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وستمائة ودفن يوم الاثنين بجوار والده بمحروسة ثغر الإسكندرية ﵀.
محمد بن عبد الله بن موسى أبو عبد الله شرف الدين الحوراني المتاني الشيخ الفاضل العارف الزاهد كان له رياضات وخلوات وانقطاع ومعرفة جيدة بفنون متعددة من العلوم وكانت وفاته في هذه السنة بمدينة حماة وعمره مقدار سبعين سنة ﵀، ومتان بضم الميم قرية من عمل حوران.
محمد بن عبد الملك بن درباس أبو حامد كمال الدين الضرير الماراني الشافعي العدل مولده في ثاني عشر ربيع الأول سنة ست وسبعين وخمسمائة سمع من القاسم بن علي الدمشقي والبوصيري وغيرهما ودرس بالمدرسة السيفية بالقاهرة مدة وكان من الفضلاء ووالده صدر الدين عبد الملك قاضي قضاة الديار المصرية في الأيام الصلاحية كان كبير القدر وافر العلم والفضل، توفي كمال الدين المذكور في خامس شوال بالقاهرة ودفن من يومه بسفح المقطم ﵀.
يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذى أبو المظفر السلطان الملك الناصر صلاح الدين ومولده في يوم الأربعاء تاسع شهر
стр. 545
رمضان المعظم سنة سبع وعشرين وستمائة بحلب بقلعتها ولما ولد زين البلد ولبس العسكر أحسن زي وأظهر من السرور والابتهاج بمولده ما جاوز الحد، وتوفي والده الملك العزيز غياث الدين أبي المعالي محمد بن الملك الظاهر في عنفوان شبابه وعمره ثلاث وعشرون سنة وشهور وكان قد توجه إلى جارم للتنزه وكان له بها جوسق تحته نهر وإلى جانبه بستان فنزل به ثم حضر الحلقة لرمي البندق واغتسل بماء بارد فحم ودخل حلب وهو موعوك ودامت به الحمى وقوي مرضه فاستحلف الناس لولده الملك الناصر وأرسل كمال الدين ابن العديم إلى أخيه الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر صاحب عين تاب فاستحلفه لابنه بعد نفسه، وكان الملك العزيز عادلاً رقيق القلب رحوماً مشفقاً على رعيته متودداً إليهم مائلاً إلى أهل الخير محباً لأهل العلم والفضل وخلف من الولد الملك الناصر المذكور والملك الظاهر علي وقد تقدم ذكره وأمهما أم ولد تركية وشقيقتهما تزوجها الملك الأمجد مجد الدين الحسن ابن الملك الناصر داود ﵀ فمات عنها بعد أن أولدها الأمير صلاح الدين محمود ثم ماتت وخلف ابنتين غيرها إحداهما عائشة خاتون وأمها فاطمة خاتون بنت الملك الكامل تزوجها الملك المنصور صاحب حماة وأولدها الملك المظفر تقي الدين محمود والأخرى غازية خاتون أمها أم ولد فقد عقدها بحلب على السلطان غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ ملك الروم فمات ولم تحمل إليه ثم تزوجها الملك السعيد فتح الدين
стр. 546
عبد الملك بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل فماتت عنده، وكان الملك العزيز عالي الهمة كريم الأخلاق واسع الصدر كثير الصفح والتجاوز حازم الرأي جواداً ممدحاً مدحه جماعة من الشعراء فكان يجيزهم الجوائز السنية ولما أخذ شيزر في سنة ثلاثين وستمائة من الأمير شهاب الدين يوسف بن عز الدين مسعود بن سابق الدين عثمان بن الداية قال شهاب الدين يحيى بن خالد بن القيسراني يهنئه:
يا مالكاً عم أهل الأرض نائله ... وخص إحسانه الداني مع القاصي
لما رأت شيزر رايات نصرك في ... أرجائها ألقت العاصي إلى العاصي
فأعطاه حملة عظيمة وكان عمر الملك الناصر لما أفضى إليه الملك بعد وفاة والده نحو سبع سنين وقام بتدبير مملكته الأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني والأمير عز الدين عمر بن مجلى ووزير الدولة جمال الدين القفطي ويحضر معهم جمال الدولة إقبال الخاتوني في المشورة فإذا اتفق رأيهم على شيء دخل جمال الدولة إلى الصاحبة ضيفة خاتون بنت الملك العادل والدة الملك العزيز وعرفها ما اتفق الجماعة عليه فكانت الأمور منوطة بها، ولما تقررت هذه القواعد توجه القاضي زين الدين ابن الأستاذ وبدر الدين بدر بن أبي الهيجاء رسولين إلى الملك الكامل واستصحبا معهما كزاغند الملك العزيز وزرديته وخوذته ومركوبه فلما وصلا إلى الديار المصرية واجتمعا بالملك الكامل وأديا الرسالة وأحضرا
стр. 547
ما معهما أظهر الألم والحزن وقصر في إكرامهما وعطائهما وحلف للملك الناصر على الوجه الذي اقترح عليه وخاطب الرسولين بما يشير به من تقدمة الملك الصالح أحمد بن الملك الظاهر على العسكر وإن يقوم بتربية ابن أخيه الملك الناصر فلما رجع الرسولان إلى حلب وأنهيا إلى الصاحبة ذلك لم تره صوابا، وكذلك الجماعة القائمون بترتيب الدولة ثم بعد مدة يسيرة سير الملك الكامل خلعة للملك الناصر بغير مركوب وسير عدة خلع لأمراء الدولة وسير مع رسول آخر خلعة للملك الصالح أحمد صاحب عين تاب على أن يمضي بالخلعة إليه فاستشعرت الصاحبة وأرباب الدولة من ذلك وحصل عند الصاحبة وحشة من أخيها الملك الكامل بسبب ذلك فاتفق رأي الجماعة على أن يلبس الملك الناصر خلعة الملك الكامل ولم يخلع على أحد من الأمراء شيء مما سير إليهم ورد الرسول الوارد إلى الملك الصالح بخلعته ولم يمكنوه من الوصول إليه واستحكمت الوحشة في قلوبهم من الملك الكامل وفي سنة أربعين توفيت الصاحبة ضيفة خاتون بنت الملك العادل صاحبة حلب أم الملك العزيز فاستقل ابن ابنها الملك الناصر بالسلطنة وأشهد على نفسه بالبلوغ وله نحو ثلاث عشرة سنة وأمر ونهى وقطع ووصل وجلس في دار العدل والإشارة للأمير شمس الدين لؤلؤ ولجمال الدولة إقبال الخاتوني والوزير القاضي الأكرم جمال الدين القفطي، وفي سنة ست وأربعين خرجت عساكر حلب مع الأمير شمس الدين لؤلؤ إلى حمص فنازلوها ونصبوا عليها المجانيق
стр. 548
وضايقوها شهرين ورسل الملك الأشرف صاحبها ووزيره مخلص الدين ابن قرناص تتردد إلى الأمير فخر الدين بن الشيح وهو بدمشق وإلى الملك الصالح نجم الدين وهو بالديار المصرية يطلب النجدة وكان الملك الصالح بأشمون طناج وقد عرض له ورم في مأبضه ثم فتح وحصل له منه ناصور تعسر بربوه وحصل في رئته بعد ذلك قرحة تيقن الأطباء أنه لا خلاص له منها لكنه لم يشعر بذلك فأشغله ما به عن أنجاد صاحب حمص ولما ضاق الأمر بصاحب حمص راسل الأمير شمس الدين لؤلؤ وطلب منه العوض فعوضه عن حمص تل باشر مضافاً إلى ما بيده من الرحبة وتدمر وتسلم حمص منه واطلع الأمير شمس الدين في أثناء ذلك على كتاب لمخلص الدين إلى الأمير فخر الدين ابن الشيخ يستعجله ليقدم ويدفع عسكر حلب وقد بسط القول في الكتاب فغضب الأمير شمس الدين وحمل الملك الأشرف على القبض على مخلص الدين فقبض عليه وعذبه حتى مات بتل باشر وتسلم الملك الأشرف تل باشر ولما بلغ ذلك الملك الصالح نجم الدين عظم عليه جداً وتوجه إلى دمشق في محفة لما به من المرض وتقدم إلى الأمير فخر الدين بالمسير بالعساكر إلى حمص لانتزاعها من يد نواب الملك الناصر فسارت العساكر ونازلوها وضايقوها ونصبوا عليها المجانيق ومنها منجنيق مغربي حجره مائة وأربعون رطلاً بالشامي
стр. 549
وجدوا في حصارها لأن الزمان كان شتاء وخرج الملك الناصر من حلب في منتصف رمضان فنزل بأرض كفر طاب ولم يزل الحصار مستمراً إلى أن ورد الشيخ نجم الدين الباذراني للإصلاح بين الملك الصالح نجم الدين والملك الناصر صاحب حلب على أن يقر حمص بيد الملك الناصر فوقع الاتفاق على ذلك ورحلوا عنها وكان سبب انتزاع الملك الناصر حمص من الملك الأشرف أنه سلم قلعة شميميس في سنة خمس وأربعين إلى الملك الصالح نجم الدين بسفارة مخلص الدين فعظم ذلك على الملك الناصر والأمير شمس الدين لؤلؤ وكرها مجاورة الملك الصالح لحلب وما والاها وخشياً أن تسلم إليه حمص ولهذا انتصر الملك الصالح للملك الأشرف وجهز العساكر لنجدته لكن فات الأمر فأمرهم
بمحاصرة حمص وانتزاعها فجرى الأمر على ما ذكرنا. صرة حمص وانتزاعها فجرى الأمر على ما ذكرنا.
وفي يوم الاثنين لعشر مضين من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين تسلم الملك الناصر صلاح الدين يوسف دمشق صفواً عفواً بغير ممانعة ولا قتال ثم تسلم سائر الأعمال والقلاع المضافة إليها بعد ذلك.
وفي سنة اثنتين وخمسين قدمت ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ ابن كيخسرو إلى دمشق وفي خدمتها الشريف عز الدين المرتضى وهي التي عقد عليها عقد الملك الناصر في بلاد الروم وكانت في تجمل عظيم يقصر عنه الوصف وأمها ابنة الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد
стр. 550
ابن أيوب، وفي سنة ثلاث وخمسين أولدها الملك الناصر ولده علاء الدين.
ذكر سيرة الملك الناصر
﵀
كان ملكاً جليلاً جواداً كريماً كثير المعروف غزير الإحسان حليماً صفوحاً حسن الأخلاق كامل الأوصاف جميل العشرة طيب المحادثة والمفاكهة قريباً من الرعية يؤثر العدل ويكره الظلم وزاد ملكه على ملك أبيه وجده فإنه ملك بلاد الجزيرة كحران والرها والرقة ورأس عين وما معها من البلاد وملك حمص كما ذكرنا ثم ملك الشام كما ذكرنا بعد قتل الملك المعظم فملك دمشق وبعلبك والأغوار والسواحل والمعاقل والحصون إلى غزة وصفا له الشام والبلاد الشرقية وأطاعه صاحب الموصل وصاحب ماردين وعظم شأنه جداً، ثم دخل بعساكره إلى الديار المصرية سنة ثمان وأربعين وكسر عساكرها وخطب له بمصر وقلعة الجبل وكان يملك الإقليم ويستولي على الممالك الصلاحية كلها لولا ما قدره الله من ظهور طائفة من عسكر مصر وانهزامه إلى الشام ومقتل مدبر دولته الأمير شمس الدين لؤلؤ وقد أشرنا إلى ذلك في ترجمة الملك المعز عز الدين أيبك التركماني ﵀ فيما تقدم، وأقام الملك الناصر بدمشق عشر سنين حاكماً على الشام والشرق إلى أن قدر الله تعالى ما قدر من استيلاء التتر على البلاد وذهابه إليهم ومقتله ﵀ ولم يكن لأحد من الملوك قبله مثل ما كان له من التجمل بكثرة الطعام وغيره فإنه كان يذبح فقي مطبخه كل يوم أربعمائة رأس من الغنم وأما غير ذلك من الدجاج وفراخ
стр. 551
الحمام والخراف الرضع والأجدية فلا يحصى فكانت تنزل فضلات السماط ويبيعها الفراشون والطباخون وأرباب النوالات والجرايات عند باب قلعة دمشق بأبخس الأثمان فكانت تعم أهل دمشق وكان أكثر الناس بدمشق يغنيهم ما يشترونه منها عن الطبخ في بيوتهم، وقال علاء الدين علي بن نصر الله جاء السلطان الملك الناصر ﵀ إلى داري بغتة ومعه جماعة كثيرة من أصحابه فمددت له في الوقت سماطاً فيه من الأطعمة الفاخرة ومن أنواع الدجاج المحشو بالسكر والمقلوبات شيء كثير فبقي متعجباً وقال في أي وقت تهيأ لك عمل هذا كله فقلت والله هذا كله من نعمتك ومن سماطك ما صنعت لك شيئاً منه؟ وإنما اشتريته من عند باب القلعة وحكيت له ما يباع من ذلك، ومثل هذا لم يتفق لملك قبله وكان يصل إلى الرسل والوافدين إليه والقاصدين بابه من إحسانه وعطاياه وبره ما لم يصل من أحد من الملوك إلى من يقصدهم.
وحكى لي بهاء الدين عبد الله بن محبوب ﵀ وكان متولياً نظر الحوائج خاناة التي له بدمشق أن نفقة مطابخه وما يتعلق بها في كل يوم فوق عشرين ألف درهم، وكان الملك الناصر ﵀ حليماً إلى الغاية عظيم العفو عن الزلات لا يرى المؤاخذة والانتقام بل سجيته الصفح والتجاوز تجاوز الله عنه وعفا عن سيآته، اعترضه شخص يوماً بورقة فأمر بأخذها منه وقرأها فوجد فيها الوقيعة فيه وذمه فقال لبعض غلمانه
стр. 552
قل له يخرج من دمشق إلى حيث شاء فأنا ما أوذيه ولا أقابله على فعله، وتقرب إليه جماعة من الأدباء والفضلاء فكان يحاضرهم أحسن محاضرة وكان على ذهنه شيء كثير من الأدب وأشعار العرب وغيرهم من المتأخرين، وينظم نظماً حسناً وله نوادر حلوة وأجوبة مسكتة ولما بنى الشيخ نجم الدين الباذراني ﵀ مدرسته بدمشق وذكر فيها الدرس بنفسه حضر الملك الناصر ﵀ والأكابر من الأمراء والفقهاء وغيرهم وجرت المناظرة بين الفقهاء، وكان ممن حضر تاج الدين الإسكندري المعروف بالشحرور وكان كثير الصياح قليل الفوائد فصاح في ذلك اليوم صياحاً كثيراً والفقهاء معرضون عن جوابه فقال مالي نوبة وكرر ذلك مراراً فأشار الملك الناصر بأصابعه الثلاث يعني نوبة حمى ربع وهي المعروفة عند العوام بالمثلثة، وكان ﵀ حسن المباسطة مع جلسائه وكان في خدمته جماعة كثيرة من الفضلاء والعلماء والأدباء والشعراء وغيرهم ولهم عليه الرواتب السنية وكان حسن العقيدة والظن بالصالحين يكرمهم ويبرهم ويجري عليهم الرواتب ولما توجه والدي ﵀ إلى دمشق سنة خمس وخمسين قصد زيارته إلى جبل الصالحية بزاوية الشيخ علي القرشي ﵀ ولما دخل عليه بالغ في التأدب معه وحسن الاستماع لحديثه ولم يستند إلى الحائط في جلوسه، ثم لما عزم والدي ﵀ على العود إلى بعلبك جهز له محفة وعدة بغال وجماعة من المحفدارية وغيرهم فركب بها إلى بعلبك وأجرى للناس من
стр. 553
الفقراء والعلماء وأرباب البيوت من الرواتب ما يجل مقداره ويعظم مبلغه هذا أنشأه هو خارجاً عما استمر به مما أطلقه الملوك قبله وكان إذا مات من له من ذلك شيء لا يخرج به عن ولده ومن مات من أرباب المناصب وله ولد فإن كان كافياً رتبه عوض أبيه وإن كان صغيراً استناب عنه إلى حيث يتأهل للمباشرة، وكان الصاحب شرف الدين عبد العزيز بن محمد الأنصاري ﵀ يتردد إلى دمشق في مهمات مخدومه الملك المنصور صاحب حماة وكان الملك الناصر يكرمه ويعظمه جداً وكان يقيم في خدمته المدة الطويلة، وبره الكثير واصل إليه ويحضر عنده في غالب الأوقات ويحاضره ويقع بينهما في حال الغيبة مكاتبات كثيرة وللشيخ شرف الدين فيه مدائح نادرة وكان سافر في خدمته إلى مصر سنة ثمان وأربعين وكتب إليه الملك الناصر ﵀ مرة كتاباً بخط نظام الدين بن المولى وكتب الملك الناصر بخطه بين أسطر الكتاب من شعره:
إن طال ليلك يا عبد العزيز لقد ... أسهرت في وصفك الشبان والشيبا
وإن رميت لأجلي إن عرضك لم ... يعرض له دنس يوماً ولا شيبا
وصبر يوسف أدناه إلى شرف ... فاصبر ألست من الأنصار منسوبا
وأكرم به نسباً عز النبي به ... وصار في النيرات الزهر محسوبا
وكتب بخطه إلى وزيره مؤيد الدين القفطي ﵀.
стр. 554
أيا راكباً يطوي الفلا بشملة ... عذافرة وجناء من نسل شدقم
إذا حلبا وافيتها حي أهلها ... وقل لهم مشتاقكم لم يهوم
ومن شعره ﵀:
الأهل يعيد الله وصل الحبائب ... فقد طال حزني من دموعي السواكب
كمجمر جرت في حلة الشوق من دمى ... وحرث دموعي الشهب مثل الجنائب
يروم اللواحي من سواي تصبراً ... وكم خاب مني من عدو وصاحب
قضى الصبر في توديع بعض ترائبي ... وأودع ناراً في سويدا ترائبي
جفا النوم عيني حين فاضت مدامعي ... وخاف هلاكاً في خلال السحائب
وكيف أرجى النوم بعد بعادكم ... وفي قلبي الأشواق من كل جانب
وقيل إنه إنما قتل بالسيف كما قتل من معه رحمهم الله تعالى وخلف عدة أولاد ذكوراً وإناثاً درج أكثرهم بعده إلى رحمة الله تعالى وتزوج الملك المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة لإحدى بناته، وقيل كان قتله في الخامس والعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين وستمائة وعمل عزاؤه في سادس وعشرين ربيع الأول سنة تسع وخمسين وستمائة بقلعة الجبل من الديار المصرية ﵀، ورثاه غير واحد من شعراء دولته وغيرهم فممن رثاه أمين الدين علي بن عثمان بن علي بن سليمان بن علي السليماني ﵀ وسيأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى فقال حين توجه الملك الناصر إلى التتار وانقطعت أخباره والتبس أمره:
стр. 555
بكى الملأ الأعلى على الملك الأعلى ... وأصبحت الدنيا لفقدانه ثكلى
تولى صلاح الدين يوسف وانقضت ... محاسنه الحسنى وسيرته المثلى
وفارق ملك الشام والشرق عنوة ... فريداً كما جردت من غمده نصلا
فأضحى أسيراً في التتار مروعاً ... فبكوا عزيزاً لم يعرف الذلا
وإني لأرجو أن يكون كصارم ... يجرده قين ليحكمه صقلا
تناقضت الأخبار عنه لبعده ... فيا لحديث ما أمر وما أحلى
فيا ليت عيني عاينت كنه حاله ... لقد شفني حزني عليه وقد أبلى
أبكيه في الأسرى وأرجو خلاصه ... رجاء بعيد أو أرثيه في القتلى
ابن مخبراً يا يوسف بن محمد ... أحي ترجى أنت أم ميت تسلى
ووالله يسلوك قلب ابن حرة ... جعلت له من طولك الفرض والنفلا
علام ثنيت العزم عما قصدته ... ولم لا تبوأت السماوة والرملا
وكنت كطير طالب غير وكره ... فحيث يحل الليل من وجهه حلا
وداومت أكل الأيم والضب برهة ... وثورت في البر النعامة والصعلا
إلى أن يؤوب الحظ أو ينجلي لنا ... دجى الخطب أو أن تأمن الخوف والخبلا
وقد كان محض الرأي قبل عواملا ... ملا مشرعة عرصانها تسبق النبلا
ترى لهم عند اللقاء تسرعاً ... إلى الطعن صعباً عاينوا الأمرا وسهلا
стр. 556
كما فعلت أبطال مصر وقيلها ... فيا طيب ما أبقى ويا حسن ما أبلى
غزوا في سبيل الله غزوة واحد ... فما قفلوا الأوقد دمروا الكلا
وجاؤا بهم قتلى وأسرى رؤوسهم ... على قصب المران تحسبها أثلا
وأول ما أرضي الإله ورسله ... وكان دليل النصر أن قتل الرسلا
فلو بادرت أقيالك الحرب مثلهم ... ظفرتم ولم يهتز عرش ولا ثلا
لحا الله قوماً أسلموك إلى العدى ... فما حفظوا عهداً ولا راقبوا إلا
جعلت إليهم أمر ملكك برهة ... فما أحسنوا قولاً ولا أحسنوا فعلا
وما عذر قوم خلفوك بقفرة ... ومروا كما نفرت عن محرم رجلا
وحاق بهم ما أضمروه وصادفوا ... على أثر ذاك النهب والسبي والقتلى
لقد أفسدوا آراءهم وحلومهم ... وأموالهم والأرض والحرث والنسلا
وما لعبيد فارقوك جهالة ... لقد واصلوا من بعدك الويل والخبلا
زوى ملك مصر عنهم وجه بره ... فخابوا ولا علا أصابوا ولا نهلا
وكم أهيف يبدي لنا الذل قده ... وقد كان قبل اليوم يبدي لنا الدلا
وكم وجنة صفراء بعد احمرارها ... وكم مقلة قرحاء عهدي بها كحلى
وكم راكب نعليه بعد مطهم ... من الجرد لا يرضى الهلال له نعلا
وعلمك بالستر العلائي أنها ... مروعة من يوم فارقتها ثكلى
تضم علاء الدين ضم غريبة ... زوى الدهر عنها الملك والآل والبعلا
فهل رقة أو رحمة لغريبة ... غدت بعد ملك الشام كافلة طفلا
فؤادي وطرفي منزلاك على النوى ... فغيرك لا يحلو لدي ولا يحلى
وها أنا قد أعرضت عن كل منعم ... فلا أحد أدعوه بعدك للجلى
стр. 557
ضممت يميناً تعرف البذل دونه ... وما صنت محباقل ما عرف البذلا
قنعت فما لي حاجة غير ما دعت ... إليه ضروراتي ومن قنع استعلى
فما نازع النمل الرحال بقوة ... ذخيرته لكنهم نازعوا النملا
ولما بلغه أن التتار قتلوه ﵀ وتحقق وفاته قال يرثيه:
رمت الخطوب فاقصدتك نبالها ... والأرض من بعدك زلزلت زلزالها
أأبا المظفر يوسف بن محمد ... لا قلت بعدك للحوادث يا لها
خذلتك أسرتك الذين ذخرتهم ... للنائبات وقد وقفت حيالها
ماذا تقول جحافل ملمومة ... ملأت سهول بلادها وجبالها
رهبت وما شهدت وغي فاستسلمت ... من قبل أن تضع الحروب سجالها
تركوك منفرداً بقطية ذاهلا ... تسفى عليك العاصفات رمالها
تبكيك ولولة الحريم حواسراً ... من كل معولة تضم عيالها
ومصونة في خدريها ما شاهدت ... قبل الرزية ما يروع بالها
برزت ولم تك برزة من قبلها ... كيما يشاهد ذو الحمية حالها
والقوم إرسالاً يوالي بعضهم ... بعضاً كسرب مهاً رات رئبا لها
حتى إذا دنت الجياد مغيرة ... ووقفت فرداً لا تطيق نزالها
стр. 558
أقبلت وجه الأعوجى مغارة ... تردي الملحج راكباً أهوالها
ونزلتم بعد الكلال بقفرة ... عذراء يذعر جنها وغوالها
صرت جنادبها وهجر يومها ... واشتف حر هجيرها أو شالها
والخيل غائرة العيون من الظمأ ... صبراً يقل على الوجى أمثالها
فإذا وردت بها المياه نواضبا ... جثمت تشف بركتها صلصالها
وطئت سنابكها مواقد حره ... لولا الحميم إذاً لذاب نعالها
حتى إذا الكرك استبان منارها ... متأمل ورأى الغلام قلالها
وافيتها فرأيت أمر مليكها ... وقفاً كما سمت اليمين شمالها
في حيث يطرح المروع سيفه ... أمناً وتنبذ قينة خلخالها
حتى إذا ضاقت عليك برحبها ... ورأيت أبعد خطة أميالها
جنح الشقي إلى مسالمة العدى ... ليريك عاجل صرعة ووبالها
وطعمت في عود الممالك عامداً ... نحو التتار فكان ذاك زوالها
كيف الخلاص من المنية لامرئ ... من بعد ما نصبت عليه حبالها
عظم المصاب فلو رآها شامت ... لبكى لها أو حاسد لرثى لها
أأبا المظفر يوسف بن محمد ... جرعت نفسي صابها وحبالها
إن الملوك إذا تخاذل بعضها ... عن بعضها ففعالها أفعى لها
ذكرى مصيبات الملوك تعللاً ... إذ كان حالك في المصيبة حالها
إني لاجتنب المراثي طامعاً ... ببقاء نفسك بالغاً آمالها
стр. 559
وقال السيف الشطرنجي يرثيه:
كل حي مصيره للفناء ... ثم لم يبق غير رب السماء
مالك قادر رؤوف رحيم ... باسط الرزق كافل بالعطاء
حامل للمقل كهف لذي الفا ... قة أرجوه عند يوم اللقاء
هو ربي وراحمي ومجيري ... ومعيني في بكرتي وعشائي
فالسعيد الذي يؤمل نعما ... هـ بحسن اليقين في الابتغاء
فانتهز فرصة التقى غير وانٍ ... لتكن في غدٍ من الأتقياء
ما الغنى السعيد والبائس المس ... كين حاليهما إذاً بسواء
من له الله فهو عبد منيب ... ومن احتال فهو في الأشقياء
إنما هذه الحياة غرور ... ومتاع الدنيا لنا كالهواء
بينما المرء راتع في رياض ... من شباب جار على الاستواء
غافل في نهاره وليال ... يه مجد في أخذه والعطاء
إذ أتاه داع من الموت يدعو ... هـ إلى حفرة من الغبراء
منها:
أين من كان للأنام جمال ... ومعيناً على بلوغ الرجاء
أين من كان جوده يخجل السحب وأين المرجو بالشهباء
أين كانت الملوك لديه ... تتوارى من خيفة وحياء
سلبته أيدي المنون فأمسى ... ثاوياً لا يعد في الأحياء
لم ترد الجيوش عنه قضاء ... لا وما قد أعد للأنكاء
стр. 560
هتكت بعده وجوه نساء ... كن من قبل في حمى وخباء
واستبيحت دماؤهم في ديار ... جمعتهم في ساعة السراء
فلهم أسوة بآل رسول ال ... له في حال شدة ورخاء
كان والله مالكاً طاب أصلاً ... وهو فرع متوج بالبهاء
ناصر الحق مالك الأرض طراً ... جامع الفضل أوحد في الذكاء
هو مولى أدعوه بالملك النا ... صر ملك سما على الجوزاء
ما رأى الناس مثله في زمان ... نحن فيه فكيف لي بالبقاء
كان والله للمقلين كنزاً ... وجواداً يغني عن الأغنياء
ورؤوفاً بكل قاص ودان ... في دنو خال من الكبرياء
فعليه من الإله تعالى ... رحمة أنزلت على الأولياء
وله الحور في جنان أعدت ... لأولي العزم شاكر للعطاء
قد سقى يوسف الناس كأس صبر ... مرة لا تقر في الأحشاء
بفراق وبعد عهد وهجر ... وشتات خلا من الالتقاء
فهم في محل يعقوب في الحز ... ن وأجراء جمعهم بالبكاء
فسقى الله تربة هو فيها ... مزنة في صباحه والمساء
كي ترى تربها عبيراً سحيقاً ... طبن نشراً عن روضة غناء
لست أرجو من بعده اليوم خلقاً ... خاب سعي إذاً وقل رجائي
كدت من حرقة الفؤاد عليه ... أجري دمعاً من مقلتي كالدماء
فسقى عهده عهاد سحاب ... من رضا الحق لا من الأنداء
стр. 561
السنة الستون وستمائة
دخلت هذه السنة والخليفة المستنصر بالله المتوجه إلى العراق وملوك الأطراف على القاعدة في السنة الخالية وقد استولى الملك الظاهر على دمشق وبعلبك والصبية وحلب وأعمالها خلا البيرة فإنها بيد البرلي مع ما كان مستولياً عليه وخلا الملك السعيد صاحب ماردين فإنه توفي وولي ولده الملك المظفر قرا أرسلان وخلا مظفر الدين صاحب صهيون فإنه توفي أيضاً وولي بعده ولده سيف الدين محمد والملك الظاهر على غيثاء من أعمال الشرقية عائداً من الشام ووصل يوم السبت ثاني المحرم وفي الثالث منه خلع على الأمراء ومقدمي الحلقة والصاحب بهاء الدين وقاضي القضاة تاج الدين وأكثر الحاشية وهو اليوم الذي كان فيه المصاف بين الخليفة ﵀ والتتار على ما تقدم في حوادث السنة الخالية.
وفي الثالث والعشرين منه أعرس الأمير بدر الدين بيليك الخزندار على بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل وأمر السلطان بعمل العرس في الميدان الأسود تحت القلعة واحتفل به احتفالاً لم ير مثله وبسط يده بعد أيام في الجيوش والإقطاعات والنظر في أمر الرعية.
وفي ثالث شهر صفر استدعى الملك الظاهر القاضي برهان الدين قاضي القضاة بمصر وأعمالها وطلب منه محاققة بأرباب الودائع المختصة بالصاحب شرف الدين الفائزي فتوقف عن ذلك فغضب الملك الظاهر
стр. 562
لتوقفه وعزله عن القضاء وأضاف ما كان إليه منه إلى القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز.
ذكر عود البرلي إلى حلب وخروجه عنها
كان المشار إليه قد انهزم بين يدي الرشيدي وعبر الفرات إلى حران وشن الغارات على البلاد التي كانت في يد نواب التتر حتى وصل آمد، فلما عاد الرشيدي إلى مصر عاد البرلي إلى البيرة وبعث جماعة من أصحابه إلى حلب فلما اتصل بالبندقداري قربهم خرج من حلب وقصد حماة فأقام في بلدها ودخل البرلي حلب مظهراً طاعة الملك الظاهر وأقام بها إلى أن كتب إليه الملك الصالح صاحب الموصل يعلمه بنزول التتر عليه ويستنجده فكتب إلى الملك الظاهر يستأذنه في التوجه لنصرته فأجابه وأمره بالتربص بحران إلى أن يصل إليه عسكر من جهته ينجد به صاحب الموصل فلما وصل حران أقام بها ثم خاف من العسكر الواصل من مصر أن يقبض عليه فتوجه إلى سنجار وأما الملك الظاهر فتقدم إلى الأمير شمس الدين سنقر الرومي بالمسير إلى حلب ثم إلى الموصل وجهز معه عسكراً وكتب إلى الأمير علاء الدين طيبرس نائب السلطنة بدمشق وإلى الأمير علاء الدين البندقداري يأمرهما أن يكونا معه بعسكرهما إذا وصل إليهما حيث توجه فلما وصلت العساكر تل السلطان واتصل بهم توجه البرلي إلى سنجار بعثوا إلى حلب من تسلمها نيابة عن
стр. 563
البندقداري ثم عادت العساكر إلى أنطاكية فنزلوا عليها وشنوا الغارات على نواحيها فداراهم بها بإقامة وضيافة وسألوهم أن يرحلوا عنهم وإن يحملوا إليهم ما لا مصانعة فوقع الخلف في تقرير المال بين الأمير علاء الدين طيبرس والأمير شمس الدين سنقر فرحلا بالعسكر ونزلا على تل السلطان فأتاهم أمر السلطان أن يتوجه البندقداري إلى حلب ويعود طيبرس إلى دمشق وسنقر الرومي إلى مصر فعاد الرومي في شهر رمضان فلما اجتمع بالسلطان أوغر صدره على طيبرس فكان ذلك أحد الأسباب في عزله وحبسه بقلعة القاهرة وكان ما قيل عنه اختلاق لا أصل له، وفي السابع والعشرين من ربيع الآخر وصل إلى القاهرة الإمام الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن الأمير أبي علي القبني ابن الأمير علي بن الأمير أبي بكر بن الإمام المسترشد بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد وصحبته زين الدين صالح بن محمد بن أبي الرشيد الأسدي الحاكمي المعروف بابن البناء وأخوه شمس الدين محمد بن نجم الدين محمد بن المشاء واحتفل الملك الظاهر بلقائه وأنزل بالبرج الكبير داخل القلعة ورتب له ما تدعو حاجته إليه ووصل معه ولده.
وفي ربيع الآخر عزل الأمير جمال الدين آقوش النجيبي عن أستاذ دارية الملك الظاهر وولي الأمير عز الدين أيدمر السعدي أحد مماليك الملك الظاهر.
стр. 564
وفي يوم الثلاثاء تاسع شهر رجب حضر الملك الظاهر في محاكمة إلى قاضي القضاة تاج الدين بدار العدل وسبب ذلك أنه كان في أيام الملك المعز حفر بئراً عند زاوية الشيخ أبي السعود وبنى بعضها ثم خرج إلى الشام فاستولى عليها جمال الدين محمود أستاذ دار بهادر وأتمها وبنى حوضاً يأتي إليه الماء من البئر واتفق موت بعض مماليك الملك الظاهر فدفنه قريباً من الزاوية وذكر أمر البئر فأخبر بقصتها فاستدعى جمال الدين المذكور وقال له البئر ملكي وأنا أنشأتها فقال يا خونداني أتممتها وبنيت إلى جانبها حوضاً ووقفتهما ولا يمكنني أفعل إلا ما يقتضيه الشرع فحضر الملك الظاهر دار العدل لمحاكمة المذكور فقام من فيها وأراد القاضي القيام فقال له لا تقم فإني جئت محاكماً ووقف مع الغريم وادعى بالبئر فأنكر الغريم وأحضر الملك الظاهر من شهد له فتقدم القاضي إلى الغريم بتسليم البئر إليه.
وفي شهر رجب خرج جماعة من الإسماعيلية على الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري وهو راكب على جسر العاصي نهر حماة وجرحوه وسبب ذلك أنه لما خرج من حلب عند مجيء البرلي إليها مر على سرمين وكان بها وال من قبل الدعوة يدعى شرف الدين ثابت بن مدس فأخرج له ضيافة على يد نقيب الدعوة فلما حضر بين يديه قال له أين سكينك؟ قال سكاكيننا مخبأة لأعداء السلطان الملك الظاهر فأمر بضربه فضرب ضرباً مبرحاً وأمر به فرمى في مسيل ماء
стр. 565
فجاء أهله وأخذوه فمات من ليلته فاجتمع أقاربه وقصدوا الحصون وطلبوا من الرضا ثأرهم فدافعهم وقالوا إن لم تأخذ بثأرنا دخلنا بلاد الفرنج وتنصرنا، فسير في وثب عليه فقبض على جماعة منهم فقتلهم وحبس جماعة وأخذ أموالهم، ووصل الخبر إلى الملك الظاهر فقبض على من بمصر من نوابهم ورتب له طبردارية يركبون بين يديه فوصلت إليه كتب الرضا يستعطفه ويتضرع إليه ويتنصل فرضي عنه.
وفي شوال رتب الأمير علاء الدين أيدكين الشهابي نائباً عن السلطنة بحلب، وفيها أغار عسكر سيس ورجالة إنطاكية على الفوعة من بلد حلب ونهبوا وأفسدوا فركب إليهم الشهابي وصحبته عسكر فكسرهم وأخذ منهم جماعة فسيرهم إلى مصر فوسطوا.
وفي شوال سير الملك الظاهر الأمير عز الدين الدمياطي والأمير علي الدين الركني فقبضا على الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري وحمل إلى القاهرة وباشر الركنى النيابة بدمشق إلى أن قدم الأمير جمال الدين النجيبي متولياً.
وفي ذي القعدة خرج مرسوم الملك الظاهر إلى قاضي القضاة تاج الدين أن يستنيب من المذاهب الثلاثة فاستناب صدر الدين سليمان الحنفي والشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ العماد الحنبلي وشرف الدين عمر السبكي المالكي.
следующие страницы →