Полный текст (1 675 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
في أيام التتر فطلب لذلك إلى الديار المصرية فأدركته المنية بها في أوائل صفر ﵀.
محمد بن أحمد بن الموفق بن جعفر أبو القاسم علم الدين الأندلسي المرسي اللورقي مولده سنة خمس وسبعين وخمسمائة سمع من عبد العزيز ابن الأخضر وأبي اليمن الكندي وغيرهما واشتغل بالقرآت والنحو والعربية وبرع في ذلك وشرح كتاب المفصل ومقدمة الجزولي وقصيدة الشاطبي وكان إماماً عالماً فاضلاً أحد المشايخ الصلحاء الجامعين بين العلم والعمل وكانت وفاته في سابع شهر رجب بدمشق ودفن من الغد بمقابر باب توما ﵀ وكان يسمى القاسم أيضاً.
محمد بن عبد الرحيم بن.... أبو عبد الله شهاب الدين المعروف بابن الضياء ويعرف بأجير البهاء كاتب الشروط كان قد فاق كتاب عصره في ذلك وكان الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام ﵀ يفضله في ذلك على غيره فصار له بذلك شأن عظيم وهو أخذ هذه الصناعة عن الشريف بهاء الدين عبد القاهر بن عقيل العباسي ﵀ لكنه فاق عليه وتوفي في السابع والعشرين من شهر رجب هذه السنة بدمشق ولم يكن يشهد على الحكام ولا يتعاطى ذلك لاستغنائه بصناعته وبما يتحصل له من الأجر الوافرة قيل أنه كان يكتب في اليوم الواحد ما يتحصل له فيه من الأجرة فوق المائة درهم ولعل هذا كان يقع له
стр. 632
في غالب الأوقات ومات وهو في عشر الستين رحمه الله تعالى.
محمد بن نصر الله بن المظفر بن أسعد بن حمزة بن أسد بن علي ابن حمزة أبو الفضل جمال الدين التميمي الدمشقي المعروف بابن القلانسي مولده بدمشق في ذي الحجة سنة ست وستمائة سمع من أبي اليمن الكندي وغيره وحدث هو وغير واحد من أهل بيته وكان من العدول الرؤساء الأعيان ومن أولي الثروة والوجاهة بدمشق وتوفي في الرابع والعشرين من جمادى الأولى ودفن بسفح قاسيون ﵀.
إلياس بن عيسى بن محمد الأربلي الشيخ الصالح الفاضل كان مقيماً بدمشق وأكثر نهاره بالجامع في رواق الحنابلة وكان على ذهنه من الحكايات والنوادر والوقائع شيء كثير من حسن الحديث والمحاضرة وكان مليح الشكل ظريفاً لطيفاً وكان والدي ﵀ يحبه ويؤثر سماع حديثه فكان لا يكاد يفارقه إذا كان والدي بدمشق وله على والدي رسم من النفقة يسيره إليه في كل سنة وكان يجلس عليه الأعيان والصدور لصلاحه وحسن شكله وسمته وحديثه ثم سكن جبل قاسيون في آخر عمره وبه توفي في ثالث عشر شعبان وهو في عشر الثمانين رحمه الله تعالى.
أبو الهيجاء بن عيسى بن خشترين الأمير مجير الدين الأزكشي الكردي الأموي كان من أعيان الأمراء وأكابرهم وشجعانهم وكان له في مصاف التتار بعين جالوت اليد البيضاء والأثر العظيم ولما قدم الملك المظفر
стр. 633
قطن ﵀ دمشق بعد الوقعة رتب الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائباً عنه وجعل الأمير مجير الدين المذكور مشاركاً له في الرأي والتدبير ويجلس معه في دار العدل وأقطعه بالشام خبزاً جليلاً فبقي مقيماً بالشام إلى أن درج إلى رحمة الله تعالى في تاسع عشري شعبان بدمشق ودفن بجبل قاسيون ﵀ قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة ﵀ ووالده مات في حبس الملك الأشرف بن الملك العادل ببلاد الشرق هو وعماد الدين أحمد بن المشطوب رحمهما الله.
وإذ قد جرى ذكر هما فلا بأس بشرح شيء من خبرهما كان الأمير حسام الدين عيسى بن خشترين من أعظم أمراء الملك الظاهر بحلب فلما توفي الملك الظاهر وترك ولده الملك العزيز صغيراً حصل الطمع في بلاده لصغر سنه فسيرت والدته الصاحبة بنت الملك العادل باتفاق الأتابك شهاب الدين طغريل إلى الملك الأشرف واستدعته فحضر إلى حلب واجتمع بأخته وبالأتابك شهاب الدين فقررا معه القيام بنصرة الملك العزيز فأجاب إلى ذلك وأقام بحلب مدة وصار الحاكم المنصرف فخاف الأمراء الظاهرية من استيلائه واستقلاله وقالوا كيف العمل فقل حسام الدين دعوني وإياه فركب يوماً وهم في خدمته على العادة فلما عادوا إلى ظاهر البلد ترجل حسام الدين بن خشترين ووقف
стр. 634
بين يديه وقال يا خوند هذا اليتيم قد ضيقت عليه بمقامك في حلب ونشتهي أن تتوجه إلى بلادك فما تحملك هذه البلاد ومنعه من دخول حلب وظهر للملك الأشرف أن ذلك باتفاق من سائر الأمراء فلم يسعه إلا التروح عن حلب وبقي في قلبه من حسام الدين كونه تجاسر عليه بهذه المخاطبة وأوجهه بها واتفق أنه ظفر به بعد ذلك بمدة فحبسه وضيق عليه فمات في حبسه ﵀.
وأما عماد الدين أبو العباس أحمد بن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن أبي الهيجاء بن عبد الله بن أبي الخليل بن مرزبان الهكاري فكان أميراً كبيراً جليلاً شجاعاً جواداً واس العطاء عالي الهمة يضاهي كبار الملوك في كثرة الحشم والغلمان والأتباع تهابه الملوك وله وقائع مشهورة في الخروج علهم وكان ولده يعرف بالأمير الكبير ذلك علماً عليه لا يشاركه فيه غيره وجده أبو الهيجاء صاحب العمادية وعدة قلاع من بلاد الهكارية وكان سيف الدين كبير القدر عند السلطان صلاح الدين ﵀ وكتب إليه يخبره بولادة عماد الدين وان عنده امرأة أخرى حاملاً فكتب القاضي الفاضل عن السلطان جوابه وصل كتاب الأمير الأعلى الخبر بالولدين الحال على التوفيق، والسائر كتب الله سلامته في الطريق، فسررنا بالغرة الطالعة من لثامها وتوقعنا المسرة بالثمرة الباقية في كمامها، وكان سيف الدين في عكا لما حاصرها الفرنج فلما أخذوها وخلص وصل إلى صلاح الدين وهو بالقدس يوم الخميس
стр. 635
مستهل جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة فدخل عليه بغتة وعنده الملك العادل فنهض إليه صلاح الدين واعتنقه وسر به سروراً عظيماً وأخلى المكان وتحدث معه طويلاً، وقال قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان ﵀ رأيت بخط القاضي الفاضل ورد الخبر بوفاة الأمير سيف الدين المشطوب أمير الأكراد وكبيرهم وكان وفاته يوم الأحد الثاني والعشرين من شوال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بالقدس وخبزه يوم وفاته نابلس وعبرتها ثلاثمائة ألف دينار وكان بين خلاصه من أسره وحضور أجله دون مائة يوم، فسبحان الحي الذي لا يموت وتهدم به بنيان قوم، والدهر قاض ما عليه لوم، وقوله تهدم به بنيان قوم حل به بيت عبدة بن الطبيب في مرثية قيس بن عاصم المنقري سيد أهل الوبر من ثلاثة أبيات وهو الآخر منها:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من غادرته غرض الردى ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
وأما الأمير عماد الدين فكان السلطان صلاح الدين أقطعه معظم خبز والده بعد وفاته وبقي إلى سنة ست عشرة وستمائة فاتفق مع الملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل على الملك الكامل واستحلف جماعة من العسكر وكان مطاعاً فيهم وعرف الملك الكامل فرحل إلى أشمون وعزم على التوجه إلى اليمن ويئس من البلاد واطلع على ذلك
стр. 636
الملك المعظم فقال له لا بأس عليك وركب آخر النهار وجاء إلى خيمة ابن المشطوب وقال قولوا لعماد الدين يركب حتى نسير فأخبروه فخرج من الخيمة بغير صباغات وركب ولحق الملك المعظم فأبعد به عن العسكر وقال له الملك الأشرف قد طلبك وهو محتاج إليك فتسير إليه الساعة فقال ما في رجلي صباغات فقلع الملك المعظم صباغاته وأعطاه إياها ووكل به جماعة وأعطاه خمس مائة دينار وقال كل مالك يلحقك والله ما يضيع لك خيط واحد وسار به الموكلون ورجع الملك المعظم إلى خيمته فوقف حتى جهز خيله وغلمانه وثقله ولم يبق له خيطاً واحداً وساروا خلفه وعاد الملك المعظم إلى دهليزه فحضر إليه الملك الكامل وقبل رجله وشكره على ما فعل، وأما عماد الدين فوصل إلى حماة فأقام بها فبعث له الملك الأشرف منشوراً بأرجيش وغيرها وسير إليه الخلع والإنعام فسار إليه فأكرمه وأحسن إليه فصار يركب بالشبابة ويعمل في السلطنة أعظم مما يعمل الملك الأشرف ثم خامر على الملك الأشرف وعاث في بلاده وساعده صاحب ماردين ثم اتفق الملك الشرف وصاحب ماردين واصطلحا فدخل عماد الدين تل أعفر فسار إليه فارس الدين بن صبرة من نصيبين وبد الدين لؤلؤ من الموصل فحصراه وأنزله بدر الدين لؤلؤ بالأمان وحمله إلى الموصل ثم بعد مدة قريبة قيده وحمله إلى الملك الأشرف فألقاه في الجب وبقي فيه إلى أن مات ﵀ في شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة بحران ونبت له ابنته قبة على باب مدينة رأس عين ونقلته
стр. 637
من حران إليها ودفنته بها ﵀، وكانت ولادته في سنة خمس وسبعين وخمسمائة تقديراً ولما كان في السجن كتب بعض من كان متعلقاً بخدمته إلى الملك الأشرف دوبيت وهو.
يا من بدوام سعده دار الفلك ... ما أنت من الملوك بل أنت ملك
مملوكك ابن المشطوب في السجن هلك ... أطلقه فإن الأمر لله ولك
ولما كان في السجن كتب إليه بعض الأدباء:
يا أحمد ما زلت عماد للدين ... يا أشجع من أمسك رمحاً بيمين
لا تيأسن أن جعلت في سجنهم ... ها يوسف قد أقام في السجن بضع سنين
وهذا مأخوذ من قول البحتري من جملة أبيات.
أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوساً على الظلم والأفك
قام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك
وقد رثي الأمير جمال الدين أبو الطيب خشترين بن تليل الحكمي الأميرين المشار إليهما عماد الدين وحسام الدين رحمهما الله بقصيدة طويلة مطلعها:
نعى الناعي فاعلن في النحيب ... ففت كبود شبان وشيب
نعى عيسى وأحمد فاستهلت ... غريبات الدموع من الغروب
стр. 638
نعى كسرى الملوك بكل أرض ... وقيصر في الجلالة والمهيب
نعى قس بن ساعدة الأيادي ... وقيس الرأي في دفع الكروب
من أبيات طويلة، وهذا الشاعر هو خشترين بن تليل بن أبي الهيجاء ابن أفشين بن خشترين الكردي الحكمي الأربلي من بني مروان بن الحكم ولد بمصر سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وتوفي ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة تسع عشرة وستمائة بإربل وتخرج على المهذب سالم بن سعادة الحمصي، وله أشعار حسنة، فمنها قصيدة مدح بها نسيبه الأمير حسام الدين عيسى بن خشترين:
شاقني بالغوير ربع يباب ... ظعنت عنه زينب والرباب
منزل طالما سقاه سحاب ... من جفوني إن ضن عنه السحاب
وغدا في ربوعه كل يوم ... للغوادي وللدموع انسكاب
شمرت نحوه الخطوب فأضحى ... لذيول السحاب فيه انسحاب
ولعهدي به وفيه شموس ... مشرقات أفلاكهن القباب
كل مرتجة الروادفقد رف عليها الصباوراق الشباب
لست أدري وقد رشفت لماها ... أمدام بثغرها أم رضاب
وشقيق زها على وجنتيها ... عند وقت العتاب أم عناب
أظهرت ساعة السلام بنانا ... قد نمى من دمي عليه الخضاب
حجبوها وما دروا أن من أسياف أجفانها عليها حجاب
فلم ذا أعلل القلب منها ... بغرور الوعود وهي سراب
стр. 639
بعد أن حط باز شيب عذاري ... في ربوع الصبا وطار الغراب
وإذا أول الشبيبة أخطأ ... فبعيد على الأخير الصواب
لا زمان الشباب يبقى على العهد مقيماً ولا الحسان الكعاب
وإذا جارت النوائب وامتد لدهري إلى ظفر وناب
؟ حسم النائبات عني حسام حكمي له القلوب قراب من أيبات، وله من جملة قصيدة:
خليلي إن العيش في الدهر عارة ... فناهبه الدهر الذي هو ناهبه
وبادر إلى يوم ترن قيانه ... فلا بد من يوم ترن نوادبه
وقال من أبيات:
ضحكت ثغور البيض لما إن بكت ... حدق السوابغ بالنجيع القاني
أبداً تريك من الأسنة ألسناً ... تتلو عليك مقاتل الفرسان
؟؟
السنة الثانية والستون وستمائة
دخلت هذه السنة والخليفة الحاكم بأمر الله وملوك الطوائف على القاعدة المستقرة في السنة الخالية خلا الملك الصالح ركن الدين إسماعيل صاحب الموصل فإن التتر قتلوه واستولوا على الموصل.
متجددات السنة
في أولها انتهت عمارة المدرسة الظاهرية التي بين القصرين بالقاهرة ورتب في تدريس الإيوان القبلي القاضي تقي الدين محمد بن الحسين
стр. 640
ابن رزين الشافعي وفي تدريس الإيوان الذي يواجهه القاضي مجد الدين عبد الرحمن ابن العديم والشيخ شرف الدين الدمياطي لتدريس الحديث في الإيوان الشرقي والمقرئ كمال الدين المحلى في الإيوان الذي يقابله لإقراء القرآن بالروايات والطرق ورتب جماعة يقرؤون السبع بهذا الإيوان أيضاً بعد صلاة الصبح ووقف بها خزانة كتب وبنى إلى جانبها مكتباً لتعليم الأيتام وأجرى عليهم الخبز في كل يوم وكسوة الفصلين وسقاية تعين على الطهارة وجلس للتدريس بهذه المدرسة يوم الأحد سادس عشر صفر وحضر الصاحب بهاء الدين بن حنا والأمر جمال الدين بن يغمور والأمير جمال الدين أيدغدي العزيزي وغيرهم.
وفي صفر لما توفي الملك الأشرف صاحب حمص تسلم الأمير بدر الدين بيليك العلائي حمص عشية الاثنين رابع عشرة ثم وصل بعد يومين بدر الدين يونس بن دلدرم الياروقي متولياً لها ومعه كمال الدين إبراهيم بن شيث وللرحبة وكان بها علاء الدين على الكرجاوي وتدمر سلمت بعد شهرين من وفاة الملك الأشرف.
وفي صفر فوض الملك الظاهر قضاء القضاة بحلب وأعمالها إلى
стр. 641
القاضي كمال الدين بن الأستاذ علي ما كان عليه فتوجه من القاهرة يوم الجمعة السابع والعشرين منه ولم يطل مقامه بحلب وتوفي ﵀. وفيها سمر جماعة من المعربين بالقاهرة فتكوا في المسلمين، ومما جرى لهم أنهم طلبوا طبيباً حسن الملبس فقتلوه فلما سمر أحدهم للنجار أرفق بي فإني مريض فقال له النجار فآتيك بطبيب آخر.
وفي يوم الثلاثاء العشرين من ربيع الآخر جاءت بالقاهرة زلزلة عظيمة جداً.
وفيها استدعى الملك الظاهر لعلاء الدين أيدكين الشهابي إليه وأمره أن يرتب الأمير نور الدين علي بن مجلى نائباً عنه في حلب فلما وصل علاء الدين إلى القاهرة عزله وأقر ابن مجلى في نيابة السلطنة فأحسن السيرة وعمر البلاد ورفق بالرعية وأفرد الخاص على ما كان عليه في الأيام الناصرية.
وفيها أمر الملك الظاهر بإنشاء خان بالقدس الشريف لابن السبيل وفوض بناءه ونظره إلى جمال الدين محمد بن نهار ونقل إليه من القاهرة باباً كان على دهليز بعض قصور الخلفاء ولم تم أوقف عليه قيراطاً ونصفاً بالطرة وثلث وربع قرية المشيرفة من بلد بصري ونصف
стр. 642
قرية لفيا من أعمال القدس يصرف ربع ذلك في خبز وفلوس وإصلاح نعال من يرد عليه من المسافرين وبنى به طاحوناً وفرناً.
وفيها اشتد الغلاء بمصر وأعمالها فبلغ الأردب القمح مائة وخمسة دراهم نقرة والشعير وسبعين درهماً وثلاثة أرطال خبز بالمصري بدرهم نقرة ورطل اللحم بالمصري وهو مائة وأربعة وأربعون درهماً بدرهم وثلث نقرة ففرق الملك الظاهر الصعاليك على الأغنياء والأمراء وألزمهم بإطعامهم وفرق من شونة القمح على أرباب الزوايا ورتب أن يفرق كل يوم في الفقراء مائة أردب مخبوزة بجامع ابن طولون ودام ذلك إلى أن دخلت الغلال الجديدة في شهر رمضان وبيع القمح بالإسكندرية الأردب بثلاثمائة وعشرين درهماً ورقاً وانحط في يوم واحد إلى أربعين درهماً ورقاً.
وفيها أحضر إلى بين يدي الملك الظاهر طفل ميت له رأسان وأربع أعين وأربع أيد وأربع أرجل فأمر بدفنه.
وفي آخر هذه السنة قتل الزين سليمان الحافظي وسنذكره إن شاء الله تعالى.
؟ فصل
وفيها توفي أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان بن عبد الله بن علوان بن رافع أبو العباس كمال الدين الأسدي الحلبي الشافعي
стр. 643
المعروف بابن الأستاذ قاضي القضاة بحلب وأعمالها مولده ليلة الثامن عشر من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وستمائة سمع من أبي هاشم عبد المطلب بن الفضل الهاشمي ومن جماعة كثيرة غيره وحدث ودرس وولى الحكم بحلب وأعمالها سنة ثمان وثلاثين وستمائة وهو في عنفوان شبابه فحمدت سيرته وشكرت طريقته كان سديد الإحكام وله المكانة العظيمة عند الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ وسائر أرباب الدولة وكلمته نافذة وحرمته وافرة ومكارمه مشهورة ومناقبه مذكورة ولم يزل على ذلك حتى تملك التتر حلب وقلعتها في سنة ثمان وخمسين ومن الله تعالى بكسرهم في رمضان من السنة المذكورة، وكان قاضي القضاة كمال الدين قد نكب وأصيب بأهله وماله بولده فقدم الديار المصرية ودرس بالمدرسة المعزية بمصر وبالمدرسة الكهارية بالقاهرة وأقام على ذلك إلى أول هذه السنة ففوض إليه الحكم بحلب على عادته فحمله حب الوطن على إجابة فعاد إلى حلب وأقام بها مدة أشهر وتوفي بها في نصف شوال ودفن من الغد ﵀، وكان رئيساً جليلاً عظيم المقدار جواداً سمحاً ديناً تقياً نقياً حسن الاعتقاد بالفقراء والصالحين كثير المحبة لهم والميل إليهم والبر لهم والإيمان بكراماتهم لا ينكر ما يحكى عنهم مما يخرق العادات وكان أحد المشايخ الإجلاء المشهورين بالفضل والدين وحسن الطريقة ولين الجانب وكثرة التواضع
стр. 644
وجمال الشكل وحلاوة المنطق حضر إلى زيارة والدي ﵀ ببعلبك فترجل عن بغلته من أول الدرب، ولما دخل الدار قعد بين يدي واليد متأدباً إلى الطرف الأقصى ولم يستند إلى الحائط وسمع عليه شيئاً من الحديث النبوي، وكان من حسنات الدولة الناصرية بل من محاسن الدهر وهو من بيت معروف بالعلم والدين والحديث، وأبوه القاضي زين الدين أبو محمد عبد الله تولى القضاء بحلب وأعمالها مدة وسمع من غير واحد وحدث وكان من العملاء الفضلاء الصدور الرؤساء، وجده عبد الرحمن أحد المشايخ المعروفين بالزهد والدين رحمهم الله تعالى وبيتهم أحد البيوت المشهورة في حلب بالسنة والجماعة.
أحمد بن محمد بن صابر بن محمد بن صابر بن منذر أبو العباس ضياء الدين القيسي المالقي مولده في المحرم سنة خمس وعشرين وستمائة، وتوفي يوم الخميس ثامن شعبان ودفن يوم موته بالقرافة، وكان إماماً عالماً فاضلاً ﵀.
سليمان بن المؤيد بن عامر زين الدين العقرباني المعروف بالحافظي قد ذكرنا فيما تقدم طرفاً يسيراً من خبره وتوجهه إلى التتر وأقامته عندهم، فلما كان في أواخر هذه السنة أحضره هولاكو إلى بين يديه وقال له ما معناه أنت قد ثبت عندي خيانتك وتلاعبك بالدول فإنك خدمت صاحب بعلبك طبيباً فخنته واتفقت مع غلمانه على قتله حتى قتل، ثم انتقلت إلى خدمة الملك الحافظ الذي عرفت به فلم تلبث أن خنته
стр. 645
وباطنت عليه الملك الناصر حتى أخرجت قلعة جعبر من يده ثم انتقلت إلى خدمة الملك الناصر ففعل معك من الخير ما فعل فخنته معي حتى جرى عليه ما جرى ثم انتقلت إلي فأحسنت إليك إحساناً لم يخطر ببالك فأخذت تكافيني بالأفعال الردية وتعاملني بما كانت تعامل به الملك الناصر وشرعت في مكاتبة صاحب مصر فأنت معي في الظاهر خارجاً عني في الباطن وعدد له ذنوباً كثيرة من خيانته في الأموال التي كان سيرها لاستجبابها من البلاد ثم أمر بقتله وقتل إخوته وأولاده وأقاربه ومن يلوذ به، فكان مجموعهم نحو الخمسين نفراً ضربت أعناقهم صبراً ولم ينج منهم إلا ولده مجير الدين محمد وولد لأخيه شهاب الدين اختفيا في السوق.
فمن الأسباب المؤكدة لقتله أن الملك الظاهر استدعى أخاه العماد أحمد المعروف بالأشتر من دمشق إلى الديار المصرية وعوقه أياماً ثم أفرج عنه وأنعم عليه وقرر له في الشهر خمسمائة درهم ورتب له خبزاً ولحماً وغير ذلك وأمره أن يكتب إلى أخيه المذكور كتاباً يعرفه فيه نية الملك الظاهر له وشكره منه ونه يعرفه أن ما له ذنب وأنه برئ مما نسب إليه وأن الملك الظاهر عالم بأن مقامه عند التتر على غير اختيار منه بل خوفاً لما شاع عنه ويضمن له عنه أنه متى وافق الملك الظاهر على ما في نفسه من المواطأة على التتر فله ما يقترحه من الإقطاع ويكون بعد ذلك على حسب اختياره في التوجه إلينا والإقامة عند
стр. 646
هولاكو فكتب إليه فلما وصلته الكتب حملها إلى هولاكو وقال هل أن صاحب مصر إنما يكتب إلي بمثل هذا النقع ليقع في يديك فيكون سبباً لقتلي وقد عزمت أن أكاتب أعيان دولته ورعيته بمثل ما كاتبني لأكيده كما كادني فلم ير هولاكو ذلك صواباً فعاوده مراراً فأذن له فكتب كتباً لجماعة فوقعت في يد الملك الظاهر فعلم أنها مكيدة فكتب إليه يشكره على عرض الكتب على هولاكو واستصوب رأيه في ذلك لنزول التهمة عنه وبعث هذه الكتب مع قصاد وقرر معهم إذا وصولا شاطئ جزيرة ابن عمر يتجردون من ثيابهم على أنهم يسبحون ويختالون في إخفاء أنفسهم ليظن أنهم غرقوا وتكون الكتب ففي ثيابهم ففعلوا ذلك ورأى نواب التتر فأخذوها فوجدوا فيها الكتب فحملت إلى هولاكو فوقف عليها وأسرها في نفسه وأضمر قتله.
والسبب الآخر أن هولاكو كان سيره لكشف الموصل وأعمالها وماردين والجزيرة وكان نائب هولاكو بالموصل شمس الدين الباعشيقي فدفع للحافظي ستة عشر ألف دينار رشوة لترك محاققته والكشف عنه وكذلك اعتمد نواب الجزيرة وماردين وديار بكر كلها، وكان الزكي الإربلي مقيماً بالموصل وعلم بما أخذه من الرشا فتوجه إلى هولاكو ورفع إليه وعلى الباعشيقي فعقد لهم مجلساً فظهر صدق الإربلي فقتل الباعشيقي وزادت هذه الحالة هولاكو الإغراء بقتل الحافظي فقتله ومن معه كما تقدم ومخازي الحافظي وخياناته على الإسلام أكثر من
стр. 647
أن تحصر منها إغراء التتر بالمسلمين وتطميعهم في بلادهم وممالكهم بحيث أن كل دم سفكوه في الشام هو شريكهم فيه، ولما توجه الملك العزيز ابن الملك الناصر إلى هولاكو في أواخر سنة خمس وخمسين انفرد الحافظي بهولاكو وقال له من جملة ما قال بعد أن أخذت بغداد، بغداد قد أخذتها والشام بلا ملك ومتى قصدته أخذته وأنا المساعد فيه فإن أكثر من بدمشق أهلي وأقاربي فأعطاه هولاكو سكاكيناً وقال متى جاءني أحد ومعه من الهدية لهولاكو شيئاً كثيراً وأخذ يغلغا للصالح إسماعيل ابن صاحب حمص بحمص، وكذلك لأمير حاجب وللوجيه ابن سويد ولغيرهم.
وقرر مع الملك الناصر أن هولاكو قال له أن وصل الملك الصالح إلى أبقيت عليه بلاده وإن تعذر وصوله خوفاً من عسكره فليهرب بني يدي إلى أن يتفرق عسكره ويعود فإني أبقى عليه بلاده، فلما أخذت حلب وخرج الملك الناصر من دمشق لم يصحبه الحافظي فبعث إليه يطلبه فلم يجب فسير وراءه الأمير سابق الدين بيبرس أمير مجلس ومعه عسكر لإخراجه فغلق أبواب البلد وعصى فيه ورحل الملك الناصر على ما تقدم شرحه وتفرقت جموعه فكتب إليه الحافظي إن الذي قررته معك أنا بلق عليه ومتى عدت عادت البلاد إليك وقصده بذلك إيقاعه في يد التتر، فلما عاد الملك الناصر إلى دمشق سير إليه من استدعاه فقال لرسوله قل له ما اقدر أحضر عندك فإني كنت
стр. 648
بالأمس غلامك وأنا اليوم غلام هولاكو وأنت عدوه.
ولما خرج الملك الناصر من دمشق أولاً واستولى عليها الحافظي قصد القلعة فامتنع وإليها بدر الدين محمد بن قزلجا ونقيبها جمال الدين محمد بن الصيرفي من تسليمها إليه وكذلك امتنع الشجاع إبراهيم والي قلعة بعلبك من تسليمها إليه ولم يزالوا كذلك إلى أن وصل كتبغا بالعساكر فتحققوا العجز بعد أن قاتلوه فضمن لهم كتبغا سلامتهم وسلامة من بالقلعتين من المسلمين وأموالهم أن سلموا فسلموا وأمنهم ووفي لهم بالأمان، فحملت الحافظي نفسه الكافرة كونهم لم يسلموا القلعتين إليه على أن كتب إلى هولاكو يغريه بهم فوصله الجواب بقتلهم فحضر مجلس كتبغا بالمرج وأوقفه على الكتاب فاستدعى بدر الدين محمد بن قزلجا وجمال الدين محمد بن الصيرفي وشجاع الدين إبراهيم وولده ونسيباً له فلما حضروا قال كتبغا للحافظي كيف قدمت على أن تكاتب في حق من أمنتهم ومع هذا فلا يسعني مخالفة مرسوم هولاكو فقم أنت اقتلهم وإلا صار لك عندنا ذنب نقتلك به فقام إليهم وضرب رقابهم ولم يزل الحافظي بدمشق إلى أن كسروا التتر على عين جالوت فهرب وتوجه إلى حلب واستصحب معه اخوته وأولاد أخيه وتحدث معهم في الطريق فكان من جملة الكلام أن قال ما كنت أظن أن الإسلا بقي يقوم له قائمة فقال له أخوه شرف الدين ما تعلم أن اله غار على الإسلام وقد أصبحت وإن أحماك من الملوك
стр. 649
وكان عند الحافظي فضيلة ومشاركة ولم تكن الإمرة لا ثقة به وقتل وهو في عشر السبعين وقدم على ما قدم وما ربك بظلام للعبيد.
صالح بن أبي بك بن أبي الشبل بن سلامة بن شب لبن سلامة أبو البقاء تقي الدين الفقيه الشافعي الحاكم بمدينة حمص مولده بمصر في ذي القعدة سنة سبعين وخمسمائة سمع ببغداد من الحسين بن سعيد بن شنيق وغيره وبدمشق من أبي اليمن الكندي وغيره وحدث بحمص مدة وولي القضاء بها وكان حس السيرة محمود الطريقة فقيها عالماً فاضلاً توفي صفر رحمه الله تعالى.
عابدة بنت الشيخة الصالحة كانت مقيمة برباط زهرة خاتون بدمشق وهي شيخة وكانت امرأة كبيرة وهي عذراء مقعدة عمياء مشهورة بالخير والصلاح والعبادة وكانت وفاتها بدمشق في جمادى الأولى رحمها الله.
عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن بن محمد بن منصور بن خلف أبو محمد الصاحب شرف الدين الأنصاري الأوسي الدمشقي الأصل والمولد الحموي الدار والوفاة الإمام العلامة مجموع الفضائل شيخ الشيوخ قرأ القرآن الكريم بالروايات واشتغل بالأدب على أبي
стр. 650
اليمن زيد بن الحسن الكندي وسمع منه كثيراً وسمع ببغداد من أبي الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب وغيره وحدث بحماة ودمشق ومصر وغير ذلك ومولده ضاحي نهار يوم الأربعاء ثاني وعشرين جمادى الأولى سنة ست وثمانين وخمسمائة بدمشق بدرب كشك وكان أحد الفضلاء المعروفين وذوي الأدب المشهورين جامعاً لفنون من العلوم ومعارف حسنة ذا سمت ووقار وجد وحسن خلق وإقبال على أهل العلم وطلبته وتقدم عند الملوك وترس عنهم غير مرة وكانت له الوجاهة التامة والمكانة المكينة وله النظم الفائق واليد الطولى في الترسل والأصالة في الرأي مع الدين المتين ومكارم الأخلاق ولين الجانب وحسن المحاضرة والمباسطة والإفضال على سائر من يعرفه والكرم على من يقصده، وكان بينه وبين والدي ﵀ مودة أكيدة وصحبة كثيرة وسمعت عليه بدمشق وكان لي من إقباله وبشره أوفر نصيب لما بينه وبين والدي رحمهما الله من الاتحاد، وتوفي بحماة ليلة الجمعة الثامن من شهر رمضان ودفن من الغد ظاهر حماة في تربة كان أعدها لدفنه، ومن شعره:
عاتبت أنسان عيني في تسرعه ... فقال لي: خلق الإنسان من عجل
يا عاذلي ليس مثلي من تخادعه ... وليس مثلك مأمونا على عذلي
стр. 651
ما دمت خلواً فلا تنفك متهما ... فاعشق وقولك مقبول علي ولي
؟ وقال:
لها معاطف تغريي برقتها ... ولينها أن أقاسي قلبها القاسي
باتت موسدة رأسي على يدها ... عطفاً وكانت يدي منها على رأسي
؟ وقال:
أتطمعني سلمى بتقبيل خالها ... غروراً وقد ضنت بطيف خيالها
؟ وإني وما أرجوه منها بوعدهات كراق إلى شمس الضحى ليناها وقال:
أعني في المحبة وأعدني ... من العذل الذي يغري ودعني
أفرق بين أجفاني وغمضي ... واجمع بين أحشائي وحزني
على عيش تقضي لي حميداً ... نعمت به وزايلني كأني
رأيت الوصل منه في منام ... تصرم وقته وفتحت جفني
فلم أر غير وجدي واشتياقي ... وأشجاني التي تتقي وتفني
قراري واصطباري فاعتراني ... نفيك في الوقار فإن فنى
ملازمة الخلاعة في غزال ... أغن إذا نظرت إليه يغني
عن القمر المنير على قضيب ... تمايل في كثيب فهو يثني
إليه عنان قلبي بالتثني ... ويسلب لبه لولا تمني
وصال منه زادت نار شوقي ... إلى فوزي به فبللت ردني
стр. 652
بدمع كان خوف الهجردرا ... فصيره عقيقاً بالتجني
علي وما جنيت إليه ذنباً ... سوى إفراط حبي فليزدني
عذاباً مرة في القلب عذب ... يباعد سلوتي عني ويدني
غراماً لا يغيره ملام ... فإن قلدتني فالعم بأني
صديقك إن عذرت على هواه ... وإلا فاطرحني واتخذني
وقد ألم بقول القائل:
فأما أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثى من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني ... عدواً أتقيك وتتقيني
وقال:
أعجم السكر لفظه ... فغدا معرياً عن ال
عذر لي في تهتكي ... بهواه فقلت لل
عاذب المستطيل وي ... حك ماذا صنعت بال
؟ مستهام الذي يزيد به الوجد عند إل
حاح لوامه فلا ... يلزم العذل بعد إل
؟ زامك الحجة التي لاح برهانها لذل
عقل فاعذر فلا تلم ... أو فلم أن أردت في أل
؟ حب للشادن الذي شفني طرفه الثمل وقال:
شيطان عذل نزغا ... في بدر تم بزغا
стр. 653
بالغ لكن ساءني ... فسؤله ما بلغا
أفتى الهوى باثمه ... لما تعدى ولغا
هيهات أن يشغل عن ... إلف لصبري فرغا
ذي ملح أوصافها ... تعجز أصناف اللغا
الثغ أضحى عند ... كل فصيح الثغا
إن قلت يا ظبي الفلا ... قال أنا ليث الشغا
أو قلت صلني قال لي ... أين الثغيا والثغا
أو قلت أسلو بسوا ... ك قال مثلي ماتغا
سبحان من بلغه ... من دله ما بلغا
وجل عن أضفي برو ... د حسنه وأسبغا
وعقرب العقرب إذ ... صدغ منه الصدغا
فاعجب لها لذيغها ال ... آمن من أن تلدغا
تيمني بمقلة ... أصمت فؤادي فصغا
فقرى إلى إنسانها ... أبدي غناه فطغا
ذو وجنة في صحتها ... ماء الشباب أفرغا
دون اقتباس نارها ... تشب نيران الوغى
لاطفني حتى إذا ... أصلح شأني أوتغا
وما بدا لي نه ... يسر حسواً في ارتغا
стр. 654
مولاي وجدي فيك ما ... أشده وأبلغا
وعيني العبرا فما ... أغزرها وأرزغا
فاحكم بما أوجبه ... شرع الهوى وسوغا
إن كان في قتلك لي ... رضاك فهو المبتغى
وقال:
لا تنسى وجدي بك يا شادنا ... بحبه أنسيت أحبابي
مالي إلى هجرك من طاقة ... فهل إلى وصلك من باب
وقال:
شكوت إليها أليم الجوى ... فأصغت له أدنا واعيه
وقالت بعيني ما قد لقي ... ت فقلب على عينك الواقيه
وقال يمدح الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله تعالى:
لنأمن ربة الخالين جاره ... تواصل تارة وتصول تاره
تؤانسني وتنفر عن قريب ... وتعرض ثم تقبل في الحراره
وتقلتني بما يحلي سلوي ... ولكن ليس في جوفي حراره
ومالي في الغرام بها شبيه ... وليس لها نظير في النضاره
وفي الوصفين من كُحل وكَحل ... حوت حسن البداوة والحضاره
وفي خلخالها خرس ولكن ... إذا أومأت تفهم بالإشاره
وقتل العمد قد قتلته عمداً ... وما وصلت إلى باب الإجاره
وقالوا قد خسرت الروح فيها ... فقلت الربح في تلك الخساره
بأيسر نظرة أسرت فؤادي ... كما نشأ اللهيب من الشراره
стр. 655
أطارت شمل حسن الصبر مني ... بأحسن شمله من فوق طاره
وقلت لها قفي أن لم تزوري ... فقالت والوقوف من الزياره
شمرت إزارها عنها فصدت ... فقلت تقدمي ودعي الشماره
جسرت فتلت ما أملت منها ... وما نيل المنى إلا جساره
أدرت على مزررها عناقي ... فبت ومعصمي للبدر داره
ترى في خدها آثار عضي ... كغصن بنفسج في جلناره
إذا استشفى بريقتها ند ... أزالت خمرها عنه خماره
ويهتك ستر صبر الصب عنها ... إذا أعنته من خلف الستاره
ويفتك طرفها فيقول قلبي ... أشن ترى صلاح الدين غاره
ومنها:
إذا ما حج بيت نداه وفد ... رمى في قلب حاسده جماره
؟ قال: يعرض براجح الحلى وعز الدين بن معقل من أبيات:
وما زال جود ابن المعز يمدني ... فيرحل في ركبي وينزل منزلي
إلى أن غما مالي كنقصان راجح ... وأعهده قدماً كعقل بن معقل
وقال في الزهد:
نل فوق ما ناله سيف بن ذي يزن ... وأفخر بما شئت من قيس ومن يمن
стр. 656
وأعط نفسك أقصى ما تلذ به ... من مركب فاره أو ملبس حسن
أليس غاية هذا قعر مظلمة ... تفري أديمك بين القطن والكفن
فابتت علائق دنياً أنت منتقل ... عنها ولا تسكنن منها إلى سكن
لا تغلون في تمني رتبة عظمت ... قدواً فكم منح أنكى من المحن
وأثبت على سنن الأخلاص منتهياً ... إلى الفرائض تقفوهن بالسنن
واحلم ولا تستشر في حالة غضباً ... فإنه مستشار غير مؤتمن
واركن إلى واجب التفويض متكلاً ... ولا تفيضن في عتب على الزمن
وقال في مغني رومي يلقب بالموزون:
نفسي فداؤك يا موزون من قمر ... تهتكي فيه معدود من الفرص
ظبي من الروم نسج العنكبوت له ... عهد فكم زمر قد ساق في غصص
أضللت أحزابنا يا سين غرته ... فأعجب لمقتبس للنور مقتنص
سبحان مورثه من حسن يوسف ما ... لم يبق في الحجر لي والصبر من حصص
أقام للشعراء العذر عارضه ... فكم لهم في دبيب النمل من قصص
قال الشيخ شرف الدين ﵀ ونشدت والدي الأبيات فاستحسنها وقال بديها:
بادر إلى توبة عنه تنيلك من ... ذي الطول في الحشر جر أغير منتقص
وقال:
قم فاصطبحنا. وأرح سركا ... صبحك الله بما سركا
وعاطني منها المدام التي ... أشرب منها دائماً سركا
يا يوسف الحسن الذي وصفه ... إن يملك الناس ولا يملكا
стр. 657
يا بدر تم منذ سايرته ... لم ألق لي في سلوتي مسلكاً
يا من رمى لما رنا مقلتي ... إليك من ألحاظك المشتكي
إن دمعت عيني فمن أجلها ... أبكي على قلبي من لا بكى
أوقعني إنسانها في الهوى ... يا أيها الإنسان ما غركا
وقال:
بعين الله أحباب جفوني ... وعهد هم على الأيام عوني
فإن أنكر بهم أفراح قلبي ... فليس بغيرهم قرار عيني
وقالوا كيف يصبح من يراناً ... ونعرض عنه قلت كما تروني
فيا مولى أراه بعين قلبي ... وآمل أن أراه بقلب عيني
كملت إذا انفردت بكل زين ... وأنت منزه عن كل شين د
عدمت لك الشبيه فما احتفالي ... بوجه البدر أو قد الرديني
غلوت تعززاً ورخصت ذلاً ... فبعتك مهجتي نقداً بدين
وثبتني على خفقان قلبي ... غرام طار بي في الخافقين
ألا فابسط يديك إلى وصالي ... فما لي بالقطيعة من يدين
وقال ﵀:
أحبابنا هل علمتم ... من بعد كم كيف حالي
قلبي وطرفي جميعاً ... لبينكم في قتال
لأن قلبي خال ... بكم وطرفي خالي
فخففوا عن جفوني ... من دمعها الهطال
стр. 658
في يقظتي بكتاب ... وفي الكرى بخيال
وقال ﵀ ملغزاً في حمزة:
من لي بمن سميه ... سما به سفك دمه
تصحيفه في خده ... وفي فؤادي وفمه
وقال:
إن دام حبيكم على بغضكم ... فإننا في منصب واحد
ما الأم الزاهد في راغب ... ومثله الراغب في الزاهد
وقال كتب إلى الأمير سيف الدين أبو الحسن علي بن محمد الهذباني رقعة في مهم وطلب جوابها في ظهرها فكتبت إليه الجواب في غيرها وسيرت ورقته عطف الجواب وكان في صدر جوابي له:
يا مالكاً ملكته ... من رق حمدي ما أحب
وأنالني رتباً أنل ... ت بها المناصب والرتب
أحللت لي ظهر الكتا ... ب ولم أخل بما وجب
فكتبت في درج ورا ... قبت الذي لك من إرب
فدرجت خطك طيه ... وخلصت من سوء الأدب
وقال في شاعر ردئ النظم قبيح الوجه:
وجهم الوجه رذل الشعر منه ... رجوت النفع حيث يخاف ضير
بدا لي وجهه فخشيت شراً ... وأنشدني فقلت خرا وخير
стр. 659
وأخذه من قول دعبل الخزاعي:
وكنت مبكراً من سر من رى ... أبادر حاجة فإذا عمير
فلم أدع الطريق وقلت أمضي ... فإنك يا عمير خرا وخير
وقال الشيخ شرف الدين:
لعيني كل يوم فيك عبره ... تصيرني لأهل العشق عبره
فعسجد جفنها لا نقص فيه ... وكم جهزت منه جيش عسره
اغفل الوشاة أسلت دمعي ... فيغدو مرسلاً في وقت فتره
وزيادة صبوتي نقصت ملامي ... وكفت زيده عني وعمره
علامة شقوتي في الحب أني ... ثقلت عليك لا عن طول عشره
ووتر الوصل لم يشفع بثان ... وهجرك زمرة من بعد زمره
وجفنك أكحل من غير كحل ... وخدك أحمر من غير حمره
وصبري عنك ليس له وجود ... ووجدي فيك لا أحصيه كثره
وبيت الحزن بيتي حين تنأى ... وحين تزوره دار المسره
وقالوا كم ترى غضبان راض ... فقلت رضيت زنبوراً وتمره
سألزم باب.... الثنايا ... ليطلق لي ولو في العمر سكره
وقدماً كنت مستوراً إلى أن ... لبست من الخلاعة ثوب شهره
اطلعت غوايتي وعصيت رشد المناصح ... مرة من بعد مره
وما تنقى من الأدناس نفسي ... ولو غسلت بصابون المعره
стр. 660
وأعجب حادثات الدهراني ... أحاول طاعة فتعود حسره
وأطمع في خلاصي يوم بعثي ... وما أخلصت في مثقال ذره
وهذه الأبيات على وزن أبيات القاضي الفاضل ﵀ مطلعها:
لعينيه على العشاق أمره ... وليس لهم إذا ما جار نصره
إذا ما سره قتلي فأهلاً ... بما قد ساءني إن كان سره
ولم أره على الأيام إلا ... عقدت بوده وحللت صره
صببت عليه لما زار دمعي ... فأنكره فقلت الماء نشره
بكيت عليك يا مولاي حتى ... وقعت وليس في عيني قطره
أيا قمر الكناس بقيت إني ... بقبيت بأدمعي في الشمس عصره
فلو قبلتني وقبلت مني ... فقال أخاف بعد الحج عمره
ومنها:
وأما سوء حظي من صديقي ... فذاك من الأمور المستقره
وللقاضي الفاضل ﵀ في كحال وكله رجل:
توكل لي وكحلني ... فذهبت في عيني وفي عيني
قال الشيخ شرف الدين ﵀ يمدح سيدنا النبي المصطفى: رسول الله ﷺ وهي أول مدحة قالها فيه وأنشده إياها تجاه حجرته الشريفة بكرة الجمع خامس عشري ذي القعدة سنة تسع عشرة وستمائة وفي طرتها مدحة العبد الضعيف عن حسن تدبيره القوي
стр. 661
في سوء تقصيه. المستوحش من انفراده، بذنبه، المستأنس إلى شفاعة نبيه المشفوعة برحمة ربه، عبد العزيز بن محمد الأنصاري جعل الله عاجل جائزته مواصلة صالح العمل، ومقاطعة كاذب الأمل، والغني عن الضارعة بالقناعة، والتوفيق لتلقي أوامره بالسمع والطاعة، وآجله استقامته على الصراط المستقيم، وأقامته في جنات النعيم، وإدخاله برحمته في عباده الصالحين، والمغفرة له ولوالديه ولجميع المسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين وعلى التابعين. لهم بإحسان إلى يوم الدين آمنين اللهم آمين.
هو موطن الشرف العريض الأطول ... فأرح قلوصك من ركوبك وانزل
يا صاح ها بحر الهدى فتمل من ... ري وها بدر الهدى فتأمل
فلطالما أرسلت دمعك سافحاً ... شوقاً إلى هذا النبي المرسل
عفر جبينك في صعيد وصيده ... فثراه أطيب من رطيب المندل
واحطط ذنوبك في رحيب جنابه ... وارحل وأيقن أنها لم ترحل
ودع القنوط فقد سألت شفاعة ... من ليس يهمل أمر من لم يسأل
أمرتني الهمم الرفاع بقصده ... فأطعتها وعصيت عذل العذل
وغريرة باتت تغمغم رأيها ... فتركته وأخذت بالأمر الجلي
بكرت تخوفني أعاريب الفلا ... وتخال أرجافاً تشين توكلي
وتقول لي أني لاؤجل أن تسر ... عنا فقلت الأمن لي أن توجلي
لا بد من حرم الآله ولو بدا ... من دون ذاك الشهد مر الحنظل
стр. 662
أني وقد قطعت إليه عقلها ... خوص الركاب ومثلها لم يعقل
تحدي بأوصاف النبي محمد ... فتكاد تسبق أيديا بالأرجل
وتبيت يهديها سناه سبيلها ... والليل اليلُ كالرداء المسبل
ويعيرها الحادي بذكر حبيبها ... فتظل تقذفه بصم الجندل
قبلت أخفاف المطي كرامة ... لما نزلت بهن أكرم منزل
وشفي سراها غلتي فشغلتني ... عن كل ذات مسور ومخلخل
إني لأصفيها الوداد وربما ... غادرت منها معلماً في مجهل
وبسرعتي في قصده أوردتها ... من منهل وعللتها من منهل
يا ناظم الدر الثمين ومهدي ال ... نظم الرصين لفاضل أو مفضل
جانب مخادعة الملوك عن اللهي ... فالمال يذهب والخصاصة تنجلي
وأصرف مديحك عن كثير تطاول ... بزخارف الدنيا قليل تطول
وأمدح نبياً آخراً فخرت به الش ... مّ الأنوف من الطراز الأول
من جوده وافٍ بكل مؤمل ... ورجاؤه كافٍ لكل مؤمل
من اصطفاه الله من دون الورى ... فأحله فوق الكواكب من على
وحباه بالقرب الذي أضحى له ... جبريل عن حجب الجلال بمعزل
وعلا عن الأمثال فهو لمن علا ... في الوصف أقصى غاية المتمثل
وغزا العدى من نفسه وصحابه ... ومن الملائكة الكرام بجحفل
كم لمة صبغ الحذار سوادها ... يققا فانصل صبغها بالمنصل
стр. 663
ولكم أباد نكاله في مأزق ... ولكم أفاد نواله في محفل
ولكم أبان هدى بخطبة فيصل ... ولكم أبار عدي بطعنة فيصل
ما زال فوق المنبر السامي الذري ... يبري الضنا ويبير تحت القسطل
حتى استقام الدين وانتصر الهدى ... فنهى الكمي عن اضطهاد الأعزل
يا خاتم الرسل الكرام وفارج ال ... كرب العظام بفعله والمقول
بك أكمل الله النبيين الأولى ... كملوا وخصك بالفخار الأكمل
أظهرت فينا المعجزات فحققت ... صدق الرسول بلطف صنع المرسل
فأطاع من سبقت له الحسنى ومن ... جاد القبول له بجد مقبل
وعصاك من كبت الآله شقاءه ... فطغى وأمهله ولما يهمل
زحزحت عن طرق المظالم عادلاً ... فينا ومن للعدل إن لم تعدل
وقرنت بالشرس الليان فأتربت ... كف المحق وخاب سعى المبطل
تلك النبوة لأسيادة مالك ... أمر الأنام بمشرب أو مأكل
ولطالما ملك البسيطة معشر ... خملوا وذكرك نابه لم يخمل
سرنا نشق إليك أجواز الفلا ... ونسوق نحوك كل حرف معمل
فالعيس بين مجعجع ومجرجر ... والقوم بين مكبر ومهلل
حتى وردنا من ضريحك مورداً ... نشفي به من كل داء معضل
أدعوك للجلي وتلك شفاعة ... لم ترض لي أني أخاف وأنت لي
إن لم يكن عملي زكياً فارع لي ... قطع الفلا وتلذذي بتذلل
أحسن واحمل بي لعلي أنني ... في الفعل لم أحسن ولما أجمل
стр. 664
وانظر إلي بعين عونك نظرة ... أهدي بها سنن الطريق الأمثل
فلقد ضلت عن الرشاد وأنني ... بك أستنير وأنت هادي الضلل
وإليك من دون الأنام توجهي ... وعليك من بين الكرام معولي
ولقد أتيتك مادحاً لتجزني ... في الحشر كأسات الرحيق السلسل
وإذا مدحتك مجملاً قصرت في ... وصفي فكيف تعرضى لمفصل
فلان غدوت ببعض وصفك قائماً ... فهداك والتوفيق انطق مقولي
ولأن عجزت فإن فضلك مكتف ... بثناء آيات الكتاب المنزل
وقال أيضاً من قصيدة طويلة يمدح بها النبي ﷺ ويذكر بعض معجزاته وأولها:
تشرف بذكر حميد الثناء ... على أحمد أشرف الأنبياء
على موضع الرشد بعد العمى ... على مظهر الحق بعد الخفاء
على خاتم الرسل السابقين ... وأولهم في قديم الفضاء
فكان نبياً نبيه المقام ... وآدم بين الطين والماء
تشفع به فهو نعم الشفيع ... وسله المنى فهو بحر السخاء
وقل عبدك القن عبد العزيز ... رهين البلا وقرين البلاء
أمت العمى قلبه فاغتدى ... دليل المقام عزيز العراء
فعطفا على من تناهت به ال ... خطايا وعطفت لانتهاء
بتحقيق إخلاصه في رجاء ... علاك وتحقيق ذاك الرجاء
وبالعفو عنه وعن والدي ... هـ وأعقابهم من أليم الشفاء
стр. 665
فأنت النبي الوجيه الذي ... حوى في الشفاعة خضل الجزاء
فشرفه الله مختاره ... بخير صلاة وأزكى ثناء
وصلى الإله على الأكرمين ... وأصحابه الصفوة الأتقياء
وخص ضجيعيه من بينهم ... بألطاف رضوانه الأتقياء
وخص ضجيعيه من بينهم ... بألطاف رضوانه والحباء
ومن لهما كان ملكاً مطاعاً ... وكانا لديه خليلي صفاء
وحيا ابن عفان صهر النبي ... وخدن السماح وترب الحياء
وزاد أبا حسن زلفة ... على مجده الهاشمي البناء
شقيق الرسول وزوج البتول ... ومردي العدى ومزيل العداء
وأعفى ابن عوف بإحسانه ... والحف مبغضه بالعفاء
وصلى على طلحة والزبير ... كما أغنيا عنه حين الغناء
وأولى سعيداً وسعداً يدا ... على بسط أيديهما بالولاء
وأرضى أمين البرايا أبا ... عبيدة رب التقى والوفاء
وأعقب عميه أصفى النعيم ... بما أسلفا من جميل البلاء
وسبطيه عم وأمهما ... وازواجه منه أنسى عطاء
سيرفع عني عبء الذنوب ... هوى الخمسة الغر أهل العباء
أعد ولاءهم عدتي ... وأبرأ من قائل بالبراء
وإن أنا قصرت في مدحهم ... فقد بالغت همتي في هجائي
وقال:
يا رب أن سؤال الباخلين ثني ... وجهي وكفى بلا ماء ولا مال
стр. 666
فاصرف بلطفك قلبي عن رجائهم ... ولا تصل بسوى نعماك آمالي
وقال رحمه الله تعالى:
حتام تعذلني وحتى ... هو ما علمت وما جهلتا
حب لو أنك ذقته ... لعذرت فيه وما عذلتا
فدع السفاهة لي أنا ... وخذ الرشاد إليك أننا
أو لا فاسعدني على ... شوقي سهرت به وبمتا
وتأت للراحات وانتهب ... السرور فقد تأنى
أدن المدام لعلني ... أنسى به البين المشتا
راح هويت صريحاً ... فمنحت ماء المزن مقتا
فإذا شربت مشوبها ... لا تسقني مما شربتا
إن التي ناولتني ... فرددتها قتلت قتلتا
أرح المزاج من المزا ... ج وهات صرف الراح بحتا
عمل القاضي تاج الدين يحيى بن الشهرزوري في بعض ولاة الجور وقد سقط من الفرس:
إلى النار يا ولد الزانية ... وهذا الهوى إلى الهاوية
وقعت فيا بردها في القلوب ... فيا ليتها كانت القاضية
فنظم الشيخ شرف الدين ﵀ أبياتاً ألم فيها بهذه القافية وإن كان معنى الأبيات غير متحد وهي:
سروري بساقية حاريه ... ووجدي بحارية ساقيه
أهز بها تيك عطف القريض ... ليثنى على هذه الثانية
стр. 667
مهاة نشأت على حبها ... كما هي في حسنها ناشئه
على الجسم حاكمة بالضنا ... وفي القلب آمرة ناهيه
سبتني كاسية بالجمال ... فروحي عندي لها عاريه
تعالى عن الند نشر لها ... يطيب به الند والغاليه
وأولت من الوصل أضعاف ما ... رجوت ولم تكفني كافيه
فؤادي علي رقيب لها ... تطالعها عينه الصافيه
تراني إذا لم أزر بيتها ... كأني بيت بلاد قافيه
تقربني فأجوز الفلا ... وأجلس في بيت بلاد قافيه
تقربني فأجوز الفلا ... وأجلس في الدست والحاشيه
وتنأى فأخنس في مسجدي ... وحيداً والتف في البارية
فطوراً بخفي حنين أعود ... وطوراً بقرطين من ماريه
فهل من معين على عاذلي ... فيأخذه أخذهة رابيه
تجسر إذ لم أطع أمره ... فيا ليتها كانت القاضيه
ولست أبالي بسخط العذول ... إذا أنا ألفيتها راضيه
ولما شكوت خفي الجوى ... وعته لها أذن واعيه
وقالت بعيني ما قد لقيت ... فقلت على عينك الواقيه
أضاحكة السن لو زرتين ... عجبت لمقلتي الباكيه
وانقذتني من أسى زادني ... فلم تبق في جلدي باقيه
وإني وإن نال مني الأذى ... معافي إذا كنت في عافيه
стр. 668
أنشد الشيخ شرف الدين عبد العزيز ﵀ لضياء الدين علي بن نصر بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة ﵀:
مولاي عبدك ذو انقباض يرتجى ... من لطف صنعتك أن تمن ببسطه
ليجوز من شرف التأنس قسمه ... ويفوز من شكر العبيد بقسطه
وأنشد للمذكور أيضاً:
لا حظ في الدينا لمسيتقظ ... يلمحها بالفكرة الباصره
إن كدرت مشربه ملها ... وإن صفت كدرت الآخره
وقال من قصدية يمدح بها الملك الأمجد ﵀ وأولها:
رفقاً بصب يرى سلوانكم عاراً ... ما كان منحرفاً عنكم ولا صارا
لم ينسه البعد روح الأنس عندكم ... فلم يجدد لعهد القرب تذكارا
أقصاه صرف النوى منكم إلى نوب ... أقلها أنه ما سر مذ سارا
سنا هواكم إلى لبنان أرشده ... ولم يقل يا لبيني أو قدي النارا
وإن يزركم على قرب فذو كلف ... لو أفرط البعد لم يستبعد الدارا
يا ربة الخدر لو غادرتني شبحاً ... ما سمت حلقاً ولا سميت غدارا
عاقبتني بجحيم الشوق واجدة ... وأنت حملتني للبين أوزارا
؟ وضقت ذرعاً بحبي واعتذرت به ذنباً فأوسعت ذاك الذنب إصرارا
إذا اجتنى بك من روض الرضا زهراً ... أو اجتلى في سماء العز أقمارا
لله وصلك ما أغلاه يوم شرى ... وشهد ريقك ما أحلاه مشتارا
стр. 669
فيك الغنى لي عن طيب وعن سكر ... كأن في فيك عطاراً وخمارا
وهبت روحي لآلام الغرام كما ... أنهبت قلبي طرفاً منك سحارا
عيناك للقتل لا نصل ولا ظبة ... والأمجد الملك لا كسرى ولا دارا
وقال:
ألا يا مالكي مالي ... إلى غيرك من ميل
أما تنظر في حالي ... فقد اضعفت من حيلي
ووجدى فيك لا يحصى ... بميزان ولا كيل
وأما دمع أجفاني ... فلا تسأل عن السيل
وما نس فلا أنسى ... مراحي ساحباً ذيلي
وإجلابي على اللذا ... ت بالرجل وبالخيل
من الليل إلى الليل ... إلى الليل إلى الليل
وقال:
تثعلبت ذلا ً في غزال تأسدت ... له لحظات بصرت بالتغزل
وكم نظرة في نضرة من نعيمه ... رأيت بها من مقلتي عين مقتلي
وقال الشيخ شرف الدين ﵀ قال ظهير الدين المبارك بن يحيى الشهرزوري ممازحاً لابن الحكيم وقد جلس في الشتاء إلى جانب بكرة علها سبع من ثلج:
وسبع كوعظ ابن الحكيم رأيته ... على بركة تحكيه عند مجونه
يصففها مر النسيم إذا سرى ... ورق عليها مثل رقة دينه
стр. 670
وأحسن من هذا الاستطراد قول الخباز البلدي:
وليل كوجه البرقعيدي ظلمةً ... وبرد أغانيه وطول قرونه
سريت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه
على أولق فيه إعوجاج كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه
وقال:
ما لطرفي حين أعذل ... يطلق الدمع المسلسل
أدبر العاذل عني ... موقناً أن لست أقبل
وجد الصبر جميلاً ... ووجدت الوجد أجمل
؟ فتنتي عين غزال بصرت من يتغزل
منع العاشق خدا ... يتعالى أن يقبل
حسد الصدغ عليه ... فتلوى وتبلبل
خلت فيه الخال قلبي إن ... غدا في النار يشعل
كيف أسلوه وليلي ... جعل الآخر أول
следующие страницы →