← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فاصرف بلطفك قلبي عن رجائهم ... ولا تصل بسوى نعماك آمالي وقال رحمه الله تعالى: حتام تعذلني وحتى ... هو ما علمت وما جهلتا حب لو أنك ذقته ... لعذرت فيه وما عذلتا فدع السفاهة لي أنا ... وخذ الرشاد إليك أننا أو لا فاسعدني على ... شوقي سهرت به وبمتا وتأت للراحات وانتهب ... السرور فقد تأنى أدن المدام لعلني ... أنسى به البين المشتا راح هويت صريحاً ... فمنحت ماء المزن مقتا فإذا شربت مشوبها ... لا تسقني مما شربتا إن التي ناولتني ... فرددتها قتلت قتلتا أرح المزاج من المزا ... ج وهات صرف الراح بحتا عمل القاضي تاج الدين يحيى بن الشهرزوري في بعض ولاة الجور وقد سقط من الفرس: إلى النار يا ولد الزانية ... وهذا الهوى إلى الهاوية وقعت فيا بردها في القلوب ... فيا ليتها كانت القاضية فنظم الشيخ شرف الدين ﵀ أبياتاً ألم فيها بهذه القافية وإن كان معنى الأبيات غير متحد وهي: سروري بساقية حاريه ... ووجدي بحارية ساقيه أهز بها تيك عطف القريض ... ليثنى على هذه الثانية

стр. 667

مهاة نشأت على حبها ... كما هي في حسنها ناشئه على الجسم حاكمة بالضنا ... وفي القلب آمرة ناهيه سبتني كاسية بالجمال ... فروحي عندي لها عاريه تعالى عن الند نشر لها ... يطيب به الند والغاليه وأولت من الوصل أضعاف ما ... رجوت ولم تكفني كافيه فؤادي علي رقيب لها ... تطالعها عينه الصافيه تراني إذا لم أزر بيتها ... كأني بيت بلاد قافيه تقربني فأجوز الفلا ... وأجلس في بيت بلاد قافيه تقربني فأجوز الفلا ... وأجلس في الدست والحاشيه وتنأى فأخنس في مسجدي ... وحيداً والتف في البارية فطوراً بخفي حنين أعود ... وطوراً بقرطين من ماريه فهل من معين على عاذلي ... فيأخذه أخذهة رابيه تجسر إذ لم أطع أمره ... فيا ليتها كانت القاضيه ولست أبالي بسخط العذول ... إذا أنا ألفيتها راضيه ولما شكوت خفي الجوى ... وعته لها أذن واعيه وقالت بعيني ما قد لقيت ... فقلت على عينك الواقيه أضاحكة السن لو زرتين ... عجبت لمقلتي الباكيه وانقذتني من أسى زادني ... فلم تبق في جلدي باقيه وإني وإن نال مني الأذى ... معافي إذا كنت في عافيه

стр. 668

أنشد الشيخ شرف الدين عبد العزيز ﵀ لضياء الدين علي بن نصر بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن رواحة ﵀: مولاي عبدك ذو انقباض يرتجى ... من لطف صنعتك أن تمن ببسطه ليجوز من شرف التأنس قسمه ... ويفوز من شكر العبيد بقسطه وأنشد للمذكور أيضاً: لا حظ في الدينا لمسيتقظ ... يلمحها بالفكرة الباصره إن كدرت مشربه ملها ... وإن صفت كدرت الآخره وقال من قصدية يمدح بها الملك الأمجد ﵀ وأولها: رفقاً بصب يرى سلوانكم عاراً ... ما كان منحرفاً عنكم ولا صارا لم ينسه البعد روح الأنس عندكم ... فلم يجدد لعهد القرب تذكارا أقصاه صرف النوى منكم إلى نوب ... أقلها أنه ما سر مذ سارا سنا هواكم إلى لبنان أرشده ... ولم يقل يا لبيني أو قدي النارا وإن يزركم على قرب فذو كلف ... لو أفرط البعد لم يستبعد الدارا يا ربة الخدر لو غادرتني شبحاً ... ما سمت حلقاً ولا سميت غدارا عاقبتني بجحيم الشوق واجدة ... وأنت حملتني للبين أوزارا ؟ وضقت ذرعاً بحبي واعتذرت به ذنباً فأوسعت ذاك الذنب إصرارا إذا اجتنى بك من روض الرضا زهراً ... أو اجتلى في سماء العز أقمارا لله وصلك ما أغلاه يوم شرى ... وشهد ريقك ما أحلاه مشتارا

стр. 669

فيك الغنى لي عن طيب وعن سكر ... كأن في فيك عطاراً وخمارا وهبت روحي لآلام الغرام كما ... أنهبت قلبي طرفاً منك سحارا عيناك للقتل لا نصل ولا ظبة ... والأمجد الملك لا كسرى ولا دارا وقال: ألا يا مالكي مالي ... إلى غيرك من ميل أما تنظر في حالي ... فقد اضعفت من حيلي ووجدى فيك لا يحصى ... بميزان ولا كيل وأما دمع أجفاني ... فلا تسأل عن السيل وما نس فلا أنسى ... مراحي ساحباً ذيلي وإجلابي على اللذا ... ت بالرجل وبالخيل من الليل إلى الليل ... إلى الليل إلى الليل وقال: تثعلبت ذلا ً في غزال تأسدت ... له لحظات بصرت بالتغزل وكم نظرة في نضرة من نعيمه ... رأيت بها من مقلتي عين مقتلي وقال الشيخ شرف الدين ﵀ قال ظهير الدين المبارك بن يحيى الشهرزوري ممازحاً لابن الحكيم وقد جلس في الشتاء إلى جانب بكرة علها سبع من ثلج: وسبع كوعظ ابن الحكيم رأيته ... على بركة تحكيه عند مجونه يصففها مر النسيم إذا سرى ... ورق عليها مثل رقة دينه

стр. 670

وأحسن من هذا الاستطراد قول الخباز البلدي: وليل كوجه البرقعيدي ظلمةً ... وبرد أغانيه وطول قرونه سريت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه على أولق فيه إعوجاج كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه وقال: ما لطرفي حين أعذل ... يطلق الدمع المسلسل أدبر العاذل عني ... موقناً أن لست أقبل وجد الصبر جميلاً ... ووجدت الوجد أجمل ؟ فتنتي عين غزال بصرت من يتغزل منع العاشق خدا ... يتعالى أن يقبل حسد الصدغ عليه ... فتلوى وتبلبل خلت فيه الخال قلبي إن ... غدا في النار يشعل كيف أسلوه وليلي ... جعل الآخر أول

стр. 671

فاعذروا فيه عذولي ... فهو من باب محول وقال ﵀: دعني وشأني من وجدي ومن تعبي ... فراحتي في الذي أنكرت من نصبي أضنى فؤادي فتان الجمال إذا ... طلبت شبهاً له في الناس لم أصب قرأت خط عذاريه فأطمعني ... بواو عطف ووصل منه عن كثب وأعربت لي نون الصدغ معجمة ... بالخال عن نجح مقصودي ومطلبي حتى رنا فسبت قلبي لواحظه ... والسيف أصدق أنباء من الكتب لم أنس ليلة طافت بي عواطفه ... فزارني طيفه صدقاً بلا كذب حيا بما شئت من ورد بوجنته ... نهبته بالتثامي وهو منتهبي وكان ثغر شهي منذ فزت به ... قلت العفاء على كأس ابنة العنب ورحت لم أدر عقلي هل فجعت به ... من نخوة العز أم من نشوة الطرب أقسمت ما في ضروب السكر أبلغ من ... سكري بريق له أحلى من الضرب نشوان أسأل عن قلبي فينكره ... تيهاً ويسأل عني وهو أعرف بي وكلما قال ممن أنت قلت له ... ممن إذا عشقوا جاؤك بالعجب لا تسألوا ميتكم عن حيه فله ... من الإضافة ما يغني عن النسب وراقبوا منه حالاً غير حائلة ... عما عهدتم وقلباً غير منقلب قال الشيخ شرف الدين ﵀ من طريق الاتفاق أنني نظمت أبياتاً في زمن الصبا في بعض رحلي عن حماة منها: أمل كتمان الهوى وهو واضح ... ودمعي يوم البين بالسر بائح

стр. 672

لعمري لقد حاولت مالاً أناله ... كما حاولت إمساك قلبي الجوارح لعل بعادي عن حماة يعيدني ... تخاف السطي مني وترجى المنائح لأهزم جيش المال وهو عرمرم ... وأدفع صدر الخطب والخطب فادح على أني قد كنت فيها مكرماً ... تراع لكراتي القروم الجحاجح مقيماً بربع الدير جسمي وصحبتي ... وقلبي بربع القصر غاد ورائح يهيج أشجاني به كل ليلة ... وتصرفني عما تقول النواصح ؟ بدور من الباب المصرع طلع ومسك من الباب المصرع فائح فحفظ الأبيات بعض السفارة وحفظت عنه في الشرق، ثم قدم شاعر من أهل الموصل يقال له البدر محمد بن روضة وكانت والدته تتردد إلى دارنا أيام مقامنا بالموصل فأنزله والدي وأكرمه وكن يجلس على حانوت الفخر عبد الرحمن بن الصياد بسوق العطر في كثير من أوقاته يذاكره ويناشده ويخرج معه في آخر النهار إلى ظاهر البلد للتنزه والرياضة فاتفق أنه خرج معه يوماً يريدان المصلى فاجتازا بباب ذي مصراعين وقد ولد في الدار مولود والطيب ينفح والبخور يتضوع وفي الباب صبيات كالبدور الطلع وأصوات القيان في باطن الدار وظاهرها يطرب السامع فوقفا مع النظارة، فلما رأى ابن روضة ذلك أنشد متمثلاً:؟ بدور من الباب المصرع طلع البيت، فضحك الفخر بن الصياد وقال له أتعرف هذا الشعر لمن؟

стр. 673

فقال لا والله بل هذه الأبيات سمعتها في الشرق لا أعرف قائلها، فلما رأيت الصورة تمثلت بالبيت فقال له إن البيت لفلان الذي أنت نزيله ونزيل والده وهذا البيت بعينه هو الذي عناه بهذا البيت فتعجب من ذلك وأطرفاني بالقصة فعجبت من هذا الاتفاق. وقال الشيخ شرف الدين حدثني بعض خلاني قال أبتليت بهوى بعض أبناء الأماثل ولم يكن من أبناء جنسي ولا لي به سابقة خلطة فأعملت الحيلة في التعرف إليه وبذلت البذول السنية لمن جمع بيني وبينه بتوصلات متعته إلى أن التقينا راكبين في خلوة بمكان مشرق على أنهار حماة وبساتينها فتسالمنا ثم حرصت على أن أباسطه بشيء من النظم والنثر أو بث وجد واستجلاب ود فحصرت عن المنطق بكلمة واحدة ولم أزد على أن قلت له أنت ما تصلي فقال بلى ويكون مسلم ما يصلي ثم افترقنا، قال الشيخ شرف الدين فحكيت هذه القصة للملك المظفر صاحب حماة ﵀ فاستظرفها، ثم أشار إلى بعض فتيانه ممن له معه هوى وقال أيش تقول في هذا يصلي فقلت سيماهم في وجوههم من أثر السجود فاستطار طرباً بقولي من أثر السجود وقال أيضاً ﵀: ملكت رقي غلاماً ... به سلوت الغلامه عاملت فيه عذولي ... بالكيد لا بالكرامه وقال ﵀ في الزهد: كل داء لك داء ... ما لبواك انتهاء

стр. 674

طول آمال وحرص ... ونفاق ورياء وذنوب جل فيها ال ... خطب إذ عز العزاء فتنصل من خطيا ... ت لها النار جزاء واسل عن دنيا يقضي ... ها صباح ومساء وابغ أخرى دائم ... فيها نعيم وشقاء لا يقطنك ولا يؤ ... منك خوف ورجاء سابق الفوت إلى ال ... فوز فقد جد الجزاء وانفرد فهو على دين ... ك والعرض وقاء واعف عن كل الورى أن ... احسنوا أو إن أساؤا فبنو حواء فيما دو ... ن تقواهم سواء فاز بالراحة ذو ألف ... هم وللغز العناء وإذا صح لك القو ... ت على الدنيا العفاء جفت الأقلام بالكا ... ئن ونبت الفضاء كل ما في هذه الدن ... يا قصاراه الفناء ولأهل الخلد في الخل ... د ولله البقاء وقال الشيخ شرف الدين ﵀: هي الدنيا تحب ولا تحابي ... وتصحب ثم تغدر بالصحاب دهتني في شباب خولته ... ولم يفجع بمنع مثل حاب

стр. 675

فلا تعجب من الأضداد وانظر ... إلى ضحك المشيب مع انتحابي فلا تثقن وأقل بنيها ... جرائم ضيقت سعة الرحاب وعاشرهم بأخلاق عذاب ... طواهر مثل أمواه السحاب وقال: دخلت حمامكم فجاشت ... بألف كرب لكشف كربه فقلت تباً لحب دنيا ... نعيمها بالشقاء أشبه وقال: رفقاً بروحي فهي لك ... وعلى السخي بما ملك أفضل بحق من اصطفا ... ك على الملاح وفضلك فكأن ربك بالجما ... ل على اقتراحي مثلك أحظاك منه بمنصب ... سواك فيه وعدلك من فر من ذل السؤا ... ل فعزتي أن أسألك إن يحم طرفي أن يرا ... ك جعلت قلبي منزلك إني أغار إذا أرا ... ك دنا إليك فقبلك ويروعني واشي النس ... يم إذا ثناك وميلك ما أقبح الصبر الجميل ... بعاشقيك وأجملك ما انقص اللوام في ... ولهي عليك وأكملك قال الشيخ شرف الدين حدثني شمس الدين حسن بن صالح السلمي خادم ملك النحاة أبي نزار ﵀ ببعلبك قال رأيته في المنام بعد

стр. 676

موته فقلت له ما لقيت من ربك فقال لي ويك ارفع صوتك ما أسمع ما تقول فقلت يا مولانا ما لقيت من ربك فقال ويك ارفع صوتك ما أسمع فأعدت عليه القول ثالثاً فقال ليه ويك وما ذكرته لك فقلت لا فقال والله أنشدته قصيدة ما في الجنة مثلها ثم أنشد: يا هذه أقصري عن العذل ... فلست في الحل ويك من قبلي إلى أن قال فيها: يا رب ها قد أتيت معترفاً ... بما جنته يداي من زلل ملآن كف بكل مأثمة ... صفر يد من محاسن العمل فكيف أخشى ناراً مسعرة ... وأنت يا رب في القيامة لي وقال ﵀ ملغزاً في اسم عبد القادر ثم قال والله ما سمعت حسيس النار ما اسم تعلقته مضافاً ... إلى انفرادي وطول فكري فشطره عند من بغاه ... مصحفاً باله بخبر فلا تظننه وصف جمع ... من سنح في الفلاة عفر ولا نظيراً ليوم وصل ... أمنت فيه عناد دهري وشطره الآخر المرجى ... لكل عفو وكل غفر قسمان فعل ماض وحال ... بغير أمر وفعل أمر رأيته جائزاً لقلبي ... إذ قلبه مثل قلب هجري

стр. 677

وإن تلخص فالشطر وصفي ... والشطر وصف عليه تجري وقال: أهلاً بطيفكم وسهلاً ... لو كنت للإغفاء أهلاً لكنه وافى وقد ... حلف السهاد علي إلا إن لم تزوروا فاجمعوا ... بخيالكم في النوم شملا ولقد قنعت بوعدكم ... فبرى أفوز بذاك أم لا ؟ أطوى الزمان تعللاً عنكم بليت ولو وعلا وأكرر الشكوى عسا ... ي يعينني من كان إبلا قالوا سلوتهم فقل ... ت كذبتم حاشي وكلا إني فطرت على النهى ... وتفطر العذال جهلا راموا فطامى عن هوى ... عذيته طفلاً وكهلا فوضعت في جيبي يد ... ي وقلت خلوني وإلا يا من يتيه بناظر ... عز التصبر إذ تولى يا حاكماً في صبوتي ... وتصبري عقداً وحلا ؟ قلبي لديك ومهجتي تفنيهما أسراً وقتلا خاطبتني ولحظتني ... فسحرتني قولاً وفعلا الغصن أنت إذا تثنى ... والبدر أنت إذا تجلى بهرت محاسنك العقو ... ل فعز خالقنا وجل وقال كتبت إلى والدي ﵀ ملغزاً للثلج في أوائل ما نظمت:

стр. 678

ما بالكم في مأكل طيب ... ومشرب عذب يزيل الأوام نضربه من فرط إشفاقنا ... عليه أن يسلب ثواب الدوام ودفنه فيه صلاح له ... مع إنه من نجل قوم كرام وإن تصحفه فتصحيه ... مدينة من بعدها لا ترام وهو إذا صفحته ثانياً ... جنس من الأثمار قبل التمام وعكسه من بعد تصحيفه ... بلدة ملك من بلاد الشام فكتب تحتها وأعادها إلي ولم يجف الخطان لسرعة النظم وقرب المكان: يا ملغزاً في شعره شعره ... حسبك قد أثلجتنا يا غلام وقد فطنا وأجبناك عن ... تفسيره فافطن لهذا الكلام وقال كتبت إلى والدي ملغزاً للباب: يا قائم في مخرج ... يذهب طوراً ويجي لست تخاف شره ... ما كان غير مرتج فكتب لي في ظهر الورقة ذهاب ومجئ وخوف شر هذا باب خصومة ولو قلت يخاف منعه كان أجود وأليق وخيراً من الشر وأصدق. وقال ﵀: صب لخديه بالدموع يشي ... من جور واشٍ بكم عليه يشى ومولع تنطوي أضالعه ... على حشى من جوى الغرام حشى تيمه الواصل القطوع فقد ... هيمه بين ما رجا وخشى

стр. 679

ظبي من الأنس كم لنفرته ... والأنس من مدنف ومنتعش لا يطمع البدر أن يقاس به ... وهو معيب بالنقص والنمش بدا فأبديت غير معتمد ... هواه لكن دهيت من دهشى عقرب صدغاً كالنون عرقها ... في آخر السطر كف مرتعش ويعين الشعر كي أراع فلا ... وقيت من لسع ذلك الحنش راق جمالاً ورق محتضناً ... فكدت أشتفه من العطش ضممت أعطافه فبات على ... موسد من يدي ومفترش وافى على أدهم الدجى ومضى ... ركضاً على أشهب من الغبش طاش وقارى له وأي فتى ... فإز بما نلته فلم يطش مولاي عش وادعاً فعبدك إن ... دام به ذا السقام لم يعش وأنشد الشيخ شرف الدين لضياء الدين محمد بن المنصور بن الشهرزوري كتب بها إلى ضياء الدين القاسم بن يحيى الشهرزوري ضمن هدية سيرها إليه: أيا من حوى سبل المكارم كلها ... وزف إليه الصعب منها واسناها وأصبح فرداً في المعالي فلن أرى ... نظيراً له في العالمين وأشبالها بحكم انبساطي قد بعثت هدية ... وما كنت لولاه لمثلك أرضاها بقيت ودامت لي حياتك أنها ... بقية آمالي التي أتمناها وأنشد الشيخ شرف الدين المذكور لابن التلميذ في ولده: أشكو إلى الله صاحباً شرساً ... تسعفه النفس وهو يسعفها

стр. 680

كأننا الشمس والهلال معاً ... تكسبه النور وهو يكسفها وأنشد لشرف الدين عبد الله بن أبي عصرون: ومروحة تفرد كل كرب ... ثلاثة أشهر لا بد منها حزيران وتموز وآب ... ويغني الله في إيلول عنها وله: أومل أن أحيا وفي كل ساعة ... تمر بي الموتى تهز نعوشها وهل أنا إلا مثلهم غير أن لي ... بقايا ليال في الزمان أعيشها وقال ﵀ الشيخ شرف الدين عبد العزيز: قفا نبك من ذكرى هوى ذلك الخشف ... وإن كانت الذكرى تشف وتشفي غزال غزا الآساد في جيش حسنه ... فصادهم بين السوالف والشنف وبدر دجى لم ينتقل كسميه ... ولكنه ما زال في القلب والطرف يلوح لعيني ما شقا نون صدغه ... فأعبد خلاقي على ذلك الحرف تعرى ولم ينصف فؤادي إذ غلا ... بحبيه والمغلي يرد إلى النصف وأقدم زحفاً خارجي عذاره ... فهل عنده أني أفر من الزحف ولي ثوب سقم محرق من جفونه ... معار وأثواب العواري لا تدفي ألأم ولي كف لو أكف مدمعي ... تكف وأخرى من ملامي تستعفي وأنفي أساءات الوشاة بحسنه ... فيرجع كل منهم راغم الأنف

стр. 681

ويرجو فلاحاً عذلي فأحيلهم ... على آخر العشرين من سروة الكهف وقال كتبت إلى والدي ملغزاً للسراج: ولي صاحب أختاره وأجالس ... يؤانسني إن أوحشتني الوساوس يدين بطوعي منه رب هداية ... على العرش والكرسي للخلق جالس أراجعه محض الفوائد جاهداً ... فأقبسه طوراً ولي منه قابس له من يدي جود ولي من لسانه ... هدى كلما التفت علينا المجالس أغار من الأنفاس صوناً لنفسه ... فأحرص في إحرازه وأنافس إذا نام عني أسرتي فهو ساهر ... وإن ضيعتني صحبتي فهو حارس فصحفه وأعكسه تجده مفسراً ... وفي الوصف كاف أن تفطن حادس فكتب إلي جواباً: فديتك يا وتراً لشافعه عما ... فلم أبق خالاً في الفداء ولا عما تقارنتما نجمي ضياء شركته ... بما خص منه وانفردت بما عما أتتركه نهباً لفهمي بحارس ... يبيح حماه ثم تسألني عما فإن عبس الإظلام عند ابتسامه ... كفاك بإيضاح لمشكله عما يريد عم يتساءلون لما في السورة من ذكر السراج وقال: لا تبخلن بدمع منه مدرار ... من فارق الإلف قسرا غير مختار ولا يروي ذو جهل تصبره ... ليس المشوق على بعد بصبار استودع الله في الغادين بدر دجى ... ودعت منه لباناتي وأوطاري ظبي يقنص من طرفي كراه ولم ... أحفل بمسراه لولا طيفه الساري

стр. 682

إذا تثنى عن طوع لائمتي ... خواطري بقوام منه خطار وإن رنا قيل يا لله صنعت ... عين الغزال بقلب الضيغم الضاري كمن نلت في وصله من فرحة ذهبت ... عني ودام لها حزني وتذكاري وغض ورد بخديه لعزته ... لم يجن إلا بأسماع وأبصار وقبلة لم يطرق نحوها دنس ... إذا لم يكن غير تقدير وإضمار وخلوة في التقى والأنس مخلية ... جفني من الماء وقلبي من النار أحبابنا كيف حلت من حبالكم ... حبالنا بعد إحكام وإمرار وكيف ضيعتم عهداً حفظت له ... ودائع الحب في جهر وأسرار أبان غدركم هجري وما عرفت ... عصابة البغي لولا قتل عمار وخان عهدي نصيح لج في عذلي ... فقلت دعني وإيرادي وإصداري فما بقلبك أشجاني ولا ذرفت ... عيناك دمعي ولا حملت أوزاري الأم فيكم ولا تجدي الملامة في ... وجدي بكم غير إغرائي وإصراري إن كنت لم أفتقد غمضي لفقدكم ... فلا وجدت من الأنصار أنصاري أو كنت أجرمت جرماً أستحق به ... بعداً فلا قربت من داركم داري أو كان ما ضيقوه من مسالكنا ... ظلماً فلا وسعتهم رحمة الباري عابوا خلالي واغتابوا فوقرني ... علمي بأنهم ليسوا بأنظاري إن يفعلوا فكفاهم شاهداً لهم ... بالنقص جهلهم في الفضل مقداري لولا هواكم لما عاثت ذئابهم ... في سرح عرضي ولا مروا بأفكاري

стр. 683

وقال ﵀: إذا رمت أمراً فاعتمد في بلوغه ... على صاحب ذي حكمة وتجارب ولا تتخذ فيما ينوبك مسعداً ... سوى عزمات كالنجوم الثواقب وكن كأبي الأشبال غير مصاحب ... صحاباً سوى أنيابه والمخالب ولا تغترر بالخل إن لاح بشره ... فإن الأفاعي لينات الجوانب وقال أيضاً ﵀: عن ملامك قد أكثرت تعذالي ... ليست شعاب الهوى من طرق أمثالي بارية الخال كفى عن عتاب فتى ... جم الوفاء كريم العم والخال لم يثنه عنك بأن من حديث هوى ... ولا مغاداة غزلان بأغزال لكن أنار زناد الشيب مفرقة ... بشعلة بصرته يقظة السالي وأصلنه قاطعات عن وصالكم ... واعتاض عن شغله فيكم بإشغالي فقر ما جاش من عذر ومن عذل ... وما يعارض من قيل ومن قال ولو أنست إلى لهو لنفرني ... ما نفر الغيد من شيب وإقلال خذي إليك ابنة البكري معذرتي ... أودي شبابي وحالت بعدكم حالي لولا ثلاثون يحدوها ثمانية ... لكان مثلك من مثلي على بال أصبوة بعدان أضربت عن طربي ... وقارع الموت اضرابي وإشكالي طول التفكر في التقصير أقعدني ... عنكم وسكن بالإقصار بلبالي فالآن فليعتزل هزلي مصاحبتي ... وليكثر الجد في إصلاح أعمالي

стр. 684

وقال ﵀: ونادمت من أهوى على قهوة ... خلت سرور القلب في أسر بدر لشمس الراح في وجهه ... أضعاف نور الشمس في البدر وريقه العذب إذا صح لي ... سلوت عن رائقها المر وقال: أسرفت في ذا الصدود فاقتصد ... إن لم تعدني يا مسقمي فعد لا تبخلن بالمقال منك إذا ... كنت ببعض الفعال لم تجد وقل غدا موعد الوصال ولا ... تقصد لإنجازه ولا ت كد علك تحنو علي بعد غد ... أو فلعلي أموت قبل غد وقال: ومعرب اللفظ لي من نحونه أبداً ... حذف وصرف وأعلال وتنكير وجدي به وافر والدمع منسرح ... والصبر والغمض منقوص ومقصور وحسنه كامل والعهد مقتضب ... والوصل والصد مقطوع وموفور ولحظه ساكن والقد منتصب ... والقرط مرتفع والمرط مجرور وقال ﵀: إلا موت يباع إلا حمام ... فابذل فيه ما ملكت يميني فإن الموت خير من حياة ... تواضع رتبتي فيها قريني إذا ما نال من دوني مراداً ... أحاول دونه فيحال دوني وأنشد الشيخ شرف الدين للعماد الكاتب رحمهما الله ملغزاً

стр. 685

في غلبك: لي حبيب نصف اسمه غل قلبي ... وأميري باقيه بالتركيه أنا في ذلة العبودة منه ... وهو مني في عزة ملكيه وأنشد للعماد أيضاً: مرضى من هوى اللحاظ المراض ... أنا راض به وما أنت راضي أنت يا عاذلي خلى من الوج ... د وقلبي شج فخلى اعتراض حويت خلالاً على المخزيات ... جمعن وأخلاق ذا الخلق شتى اما أمرت بخير صددت ... وإن تنه عن ورد شر وردتا وما قيل تنشط إلا كسلت ... ولا قيل تصلح إلا فسدتا يخالف قولك منك الفعال ... ويكثر ذا عند ذي العرش مقتا أتفعل والذر يحصى عليك ... فليتك في الذر لا كنت كنتا جعلت البطالة شغلاً لديك ... تقضي بها الدهر وقتاً فوقتا إذا قيل جاف الخنا قلت قد ... وإن قيل ناف الدنا قلت حتى وهبك تركت زمان الحيا ... ة فأين المفر إذا أنت متا وكيف الفرار إذا ما الجبا ... ل نسفن فلم ترفيهن أمتا سرى المتقين لكسب الفلاح ... ففيمن أقمت وفيما أقمتا تضرع إلى الله في توبة ... نصوح مكفرة ما اقترفتا وقلبك فاستفته مخلصاً ... مطيعاً إذا غيره الغر أفتى

стр. 686

متى يتجلى ظلم الظلم عنك ... إذا لم تناد نداء ابن متى فيا رب أنت الغني الحليم ... أجرني من النار فيمن أجرتا فما بك ضر إذا ما عصيت ... ولا بك نفع إذا ما أطعتا وإن كنت أسرفت فيما عملت ... فعفوك والصفح عما عملتا وقال: أغراه إفراط إقبالي بجفوته ... وما درى أن أعراضي كإقبالي إن الصدود لعذب مر مورده ... عندي لمن لم يوافق حاله حالي وقال: مولاي لا بت مبيتي على ... أخلاف ميعادك بالأمس فأسعف اليوم بإنجازه ... فديت بالمال وبالنفس فإن مضى حين على جفوتي ... مضى بي الحين إلى رمس ما لي سوى هجرك من مأتم ... ولا سوى وصلك من عرس سلطك الحسن على مهجتي ... والقلب في الإطلاق والحبس فكيف تلبيس على عاذلي ... وليس في حالي من لبس ما نور عيني في الدجى والضحى ... غيرك يا بدري ويا شمسي يخرسني خوفك عن حجتي ... وإنني أفصح من قس وتظهر الحبسة في منطقي ... حتى كأني حسن البرسي

стр. 687

وقال: ربع اصطباري دمنه ... وسيوف عذالي كليه فارعى جملي يا بثين ... وأسلفي عندي جميله وللشيخ شرف الدين ﵀ أشعار كثيرة لا يجمعها ديوان وكان من حسنات الدهر ومحاسنه وكان والده من الأعيان إلا فاضل العلماء الرؤساء متفننا في العلوم وله معرفة بالفقه والإحكام ولي القضاء غير مرة نيابة واستقلالاً وصحب القاضي ضياء الدين محمد بن المنصور بن الشهرزوري وكن له به اختصاص كثير وناب عنه في الحكم وفي نظر الأوقاف وغير ذلك، ووقفت على كتاب جمع فيه الشيخ شرف الدين المذكور ﵀ أشياء من أخبار والده القاضي زين الدين محمد بن عبد المحسن المشار إليه ﵀، فمما علقت منه: قال الشيخ شرف الدين حضرت بني يدي والدي ﵀ وقد قاربت خمس عشرة سنة فسألته عن عمره فقال خذ في شأنك هكذا ورد في حديث مسلسل فالححت عليه فأمرني فأحضرت كتاباً من كتب القراآت فأراني صفحة في آخره مكتوب عليه بخط جدي ﵀ ولد الولد المبارك محمد في الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وستين وخمسمائة وتحته بخط والدي ﵀ ولد الولد المبارك عبد العزيز ضحوة نهار الأربعاء ثاني وعشرين جمادة الأولى سنة ست وثمانين وخمسمائة فأخذنا نتعجب من هذا الاتفاق في السنة والشهر والجزء من الشهر، ثم انصرفت من بين يديه إلى حجرة كنت أخلو فيها بنفسي ففكرت أنه في يوم

стр. 688

مولدي كان قد أكمل والدي عشرين سنة فنظمت بيتين وكتبت بهما إليه وهما: يا رب قد أوجدت قبلي أبي ... في هذه الدنيا بعشرينا فاجعله بعدي باقياً مثلها ... وارحم محباً قال آمينا فكتب إلي في الحال: لا بل أموت وتحيا ... في غبطة وخير محيا حتى تصرف صرف ال ... زمان أمراً ونهيا ثم كتب إلي بعدها. لا بل أموت وتبقى ... من الخطوب موفى ويرحم الله خلاً ... يقول آمين حقا وما عهدك ممن ... أراد براً فعقا وكتب تحتها إنما أردت بقافية البيت الثاني دعائ حقيقة بخلاف دعائك وجعلت قدحي في إدعائك عقوبة على اعتدائك ثم بات تلك الليلة فلما أصبح كتب إلي ليعلم الولد، أسلكه الله الجدد، وهيأ له الرشد، أني فرقت الليلة وفارقت واستشعرت من مضمون شعره فنظمت: أيها النجل الشفيق ... كيف أخطاك الطريق راعني منك دعاء ... لم يسغ لي منه ريق قدك قد كلفت سمعي ... منه ما ليس يطيق لم أخلك الدهر تلقا ... ني بشيء لا يليق

стр. 689

أعدو أنت أخبر ... ني بصدق أم صديق سني من شعرك البا ... رد حر بل حريق ما له لفظ جليل ... لا ولا معنى دقيق لم يصح لي منه ... الأمقة منك وموق اعف من برك هذا ... فمن البر عقوق قال الشيخ شرف الدين ﵀ حفظ والدي القرآن العظيم وعمره تسع سنين وصلى التراويح بجامع دمشق برواق الحنابلة وتلقنه من صالح المقرئ وتأدب على الشيخ يوسف البوني ثم على الشيخ العالم الحكيم أبي محمد عبد المنعم بن عمر بن حسان الغساني الأندلسي ثم على شيخنا تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي وتفقه على الشيخ شرف الدين عبد الله بن أبي عصرون ثم على الشيخ ضياء الدين الدولعي ونظم الشعر وأنشأ الرسائل وعمره عشر سنين وما حولها ومما نظمه في صباه: وذات قوام إذا ما انثنى ... رأيت القلوب به في عنا تراءت لنا كهلال السماء ... وظبي الفلاة إذا ما رنا كشفنا لها بلسان الجفون ... ونطق الحواجب ما عندنا فأفهمنا لحظها أنها ... تروم التواصل لو أمكنا ولازمنا طرفها ناظراً ... يخبر أن بها مثلنا

стр. 690

ولولا محاذرة الكاشح ... حين وشرهم نولتنا المنا ألم بها ما بنا من هوى ... ألم فيتمنا كلنا ومن ذلك: كأن الهلالي هلال السماء ... وقد لاح في قمص من سواد حبيب أمات بهجرانه ... محباً وداري بلبس الحداد وقال ملغزاً للبيضة: ها أنا السابق أو واضعتي ... خبروا سابقنا بالتبديه إن تكن مني فمن أين أنا ... أو أكن منها فمن أين هيه وقال في السواك: ومصحوب به أمر الرسول ... له لوني المغير والتحول تنعم في مكان ما لخلق ... سواه إلى تقحمه سبيل وقال الشيخ شرف الدين أنشدني شيخنا تاج الدين الكندي في التضمين: يا ذا الذي في الحب يلحي أما ... والله لو حملت منه كما حملت من حب رخيم لما ... لمت على الحب فذرني وما أطلب أني لست أدري بما ... قتلت إلا أنني بينما أنا بباب القصر في بعض ما ... أطلب من قصرهم إذ رما شبه غزال بسهام فما ... أخطأ سهماه ولكنما

стр. 691

عيناه سهمان له كلما ... أراد قتلي بهما سلما قال فأنشدتها والدي فقال أحسن منها أبيات حفظتها من أبيات من شعر ابن المعتز وهي: يا نفس ويحك طالما ... أبصرت موعظة وما نفعتك فأخشى وانتهي ... وعليك بالتقوى كما فعل الأناس الصالحو ... ن وبادرى فلربما سالم المبادر فاحذري ... يا نفس من سوف فما خدع الشقي بمثلها ... إياك منها كلما باحت مكايدها ضمير ... ك إنما هي إنما خطر وكم قتلت واه؟؟ ... لكت النفوس وقلما تغنى أما نيهاً إذا ... حضر الردى وكأنما لم يجي من لاقى منيته فيا عجباً أما في ذاك معتبر ولا ... شاف يقصر من عما يا ذى المنى يا ذى المنى ... عش ما بدا لك ثم ما ولجمال الدين همام الدولة الحسن بن علي بن نصر بن عقيل بن أحمد ابن علي العبدي الأمير الموصلي: وهب المدامة للمى ... واعتاض عن كأس فما ظام إلى رشفات ما ... لولاه ما عرف الظما

стр. 692

يا برد ما أذكى الجوى ... بين الضلوع وأضرما وكتب زين الدين محمد بن عبد المحسن المذكور إلى شمس الدولة ابن جميل وقد أهدى له ورقاً: حبذا يا ابن جميل حبذا ... ورق أهديته لكن إذا كان من خطك موشياً بما ... معتدي الطف شيء يعتذا لنفوس تتمارى فيه هل ... يحتذى أو يحتدى أو يحتذا وكتب إلى الشيخ تقي الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر الهروي الخراط الموصلي نزيل حلب يطلب منه ثوباً من ملبوسه يتبرك به فأنفذه إليه وكتب معه: قميص عبد مذنب غافل ... زمانه في صفقة خاسره فابك على من ظل في غفلة ... قد خسر الدنيا مع الآخره ثم كتب الهروي إلى زين الدين يطلب منه ثوباً فأنقذه إليه وكتب معه: قل لتقي الدين يا من هدى ... إلى العلى منهاجه الواضح وافاك ثوبي فاطرحه فما ... يجتمع الصالح والطالح ألبسه أدنى خادم مثلما ... يطعم كسب الحاجم الناصح وقال زين الدين المذكور: اقنع بأيسر ميسور من الزمن ... واشكر لربك ما أولاك من منن واذكر ملابس من عدن يخص بها ... ذوو التقى واهجر الأبراد من عدن

стр. 693

إن شئت أن تدخل الجنات مجتنياً ... قطوفها فتوق النار بالجنن وعاشر الناس بالمعروف مجتهداً ... وراقب الله في سر وفي علن وقال أيضاً: يا مولعاً بالأماني غير معتبر ... كيف الإقامة والدنيا على سفر لا تركنن إلى دار الغرور ولا ... تسكن إلى وطن فيها ولا وطر وسالم الناس تسلم من مكايدهم ... مسلماً لقضاء الله والقدر كم منحة بدرت ما كنت تأملها ... ومحنة لم تكن منها على حذر وقال أيضاً: أبناء دهرك موتى ... فاعظم الله أجرك لا ترج منهم حراكاً ... فالميت لا يتحرك لا تعجبن لمسيء ... وأعجب لمن كان سرك فانفر من الناس مهد ... عند الآله مقرك وإن تصاونت عنهم ... فإن لله درك وقال: لو نفرنا عن السكون إلى الدن ... يا هدينا إلى سواء السراط دار غدر وحسرة وانقطاع ... وبلاء وقلعة واشتطاط أبداً تسترد ما وهبته ... كخليل ابن يونس الخياط ومعناه أن عبد الله بن محمد بن سالم بن يونس الخياط كان له خليل يدعوه لمنادمته فإذا سكر خلع عليه ثوباً فإذا صحا من الغد بعث

стр. 694

إليه فاستعاده منه وكان ابن الخياط هذا منقطعاً إلى الزبيريين فقال في ذلك: كساني قميصاً مرتين إذا انتشى ... وينزعه عني إذا كان صاحيا فلي فرجة في سكره بقميصه ... وروعاته في الصحو حصت جناحيا فيا ليت حظى من سروري وروعتي ... يكون كفافاً لا علي ولا ليا وكتب ضياء الدين بن الشهرزوري إلى زين الدين المذكور ورقة في مهم وطلب كتب جوابها في ظهرها فكتب في غيرها وسير ورقة ضياء الدين عطفها وكتب في ابتداء الجواب بديها: ضياء الدين كم انهضت جدى ... فلم أنهض بأنعمك الجسيمه أتاني خطك المرسوم نوراً ... بمرسوم عظيم في عظيمه ورمت جوابه في الظهر منه ... لتأمن فيه غائلة النميمه فلم أر أن أطيعك في ابتذالي ... له والرقم في طرس الرقيمة فأرسلت الإجابة في سطور ... عطفن على المشرفة الكريمة وللفقيه عمارة اليمنى مقطعات في طلب الأجوبة في الظهور منها: أعد لي جوابي في ظهور رقاعي ... ليرجع سرى وهو غير مذاع وإن عقتها عني لتصبح حجة ... علي فقد عاملتني بخداع ولعمارة أيضاً: إن شئت أن أكتب مسترسلاً ... إليك فيما عن من أمري فأكتب على الظهر ولا تعتذر ... فإنه أكتم للسر

стр. 695

ولعمارة: أتاني جوابك عن رقعتي ... على غيرها فأسأت الظنونا فلا تعتذر عن جواب الظهور ... فبعض الظهور يفوق البطونا ولا ترتهني بإمساكها ... فلست بتارك خطي رهينا ولعمارة: لم أرد الجواب في الظهر إلا ... عامداً في خفاء شكواك حالك ولأن لا تبقى فيكشف بالي ... من خطوب كشفن بالفقر بالك قال زين الدين كنت جالساً بسوق الخواصين بدمشق في حدود سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وأنا إذ ذاك أجمع بين التجارة ونيابة ضياء الدين بن الشهرزوري في الأوقاف فوقف علي شاب، رث الحال والثياب، ظاهر الاكتئاب، عليه إثر المرض والفاقة مائل السمرة إلى السواد فناولني ورقه: فيها أبيات شعر يشكو فيها حاله، فقلت هذا شعرك؟ فقال نعم فرحمته وقلت له أنظم أبياتاً في ضياء الدين بن الشهرزوري لأحملها إليه واستمنحه لك وخذ هذا الدينار فتنفق في العاجلة، فسر سروراً ظهر عليه ثم مضى وأتاني في اليوم الثاني بأبيات رائية في ضياء الدين، فركبت ومشى معي يحادثني ويدعو ويشكر إلى أن وصلت إلى دار ضياء الدين فأوصلته إليه فسلم عليه ولم أكلفه إنشاد الأبيات لما هو عليه من الضعف وسوء الحال، ثم أخذت له من ضياء الدين خمسة دنانير وانصرف فرحاً مسروراً، ثم لم أره بعدها ولا علمت له نسباً ولا اسماً ومضت على ذلك مدة طويلة وانتقلت إلى جحماة ووليت بها نظر الأوقاف وقدم حماة الرشيد المصري

стр. 696

المعروف بالصفوي بعد انصرافه عن خدمة الملك الأشرف، فتعصب له جماعة من الدولة المنصورية حتى ولي وزارة المال للملك المنصور الكبير فرام مني الحضور عنده فامتنعت فشكاني إلى الملك المنصور فقال له هذا ليس لك عليه اعتراض وما وليته إلا بالإكراه ليكون ناظر أوقاف الخليفة ناظر أوقافي فترك الرشيد معارضتي ثم أخذ في استمالتي ومباسطتي المودة فلم أنبسط إليه وفاء لزين الدين بن فويج لأن أمور الديوان كانت إليه قبل ولاية الرشيد، فلما تغير الملك المنصور على الرشيد وعزله واعتقله بجامع القلعة نفذت ولدي عبد العزيز إليه فعرض عليه من المعونة والمساعدة على نكبته بكل ما يليق بالحال فشكر وأثنى والتمس التلطف في خلاصه فسعيت بما أمكن ولم يكن عليه تعلق بل خدم في مكانه بحملة كبيرة فتحنى له الملك المنصور ذنباً وقال إنك لم تخدمنا خدمة تستحق عليها معلوماً فأردد ما أخذته في مدة ولايتك فرده، ثم حبس نوابه وطلب أن يسترجع ما أخذته في مدة ولايتك فرده، ثم حبس نوابه وطلب أن يسترجع ما أخذه من معاليمهم، فقال الرشيد إن هؤلاء حبسوا بسببي وأنا الذي عوقتهم عن مكاسبهم وأنا أقوم بما يطلب منهم فأدى عنهم نيفاً عن أربعة آلاف درهم وأخرجهم، وكانت هذه الفعلة من مكارمه التي حببته فزرته وصادقته وهاديته وباسطته فقال لي في خلوة مرة والله يا مولاي ما كان طلبي لك عند ولايتي لما توهمته من استضاقتك إلي ولا للتحكم عليك بك في عملك بل لأتعرف إليك وأتشرف بك وأكافئك على جميلك، فشكرته وقلت وأي جميل كان

стр. 697

مني إليك فقال ما تعرف ذلك الأسود الفقير الأصفر الرث الحال والهيئة الذي وقف عليك بالخواصين وأعطاك ورقة فيها أبيات منها: يا أجمل الناس في خلق وأخلاق ... عليك معتمدي من بعد خلاقي أسعد مريضاً غريب الدار مفتقراً ... أبكى أعاديه من ضر وإملاق فأحسنت إليه وعطيته وأمرته بمدح ابن الشهرزوري فنظم فيه أبياتاً منها: غرة الظبي الغرير ... من هواها من مجيرى ؟ فلاءن صد حبيبي ونفى عني سرورى وأماتني الليالي ... موت ذي سقم فقير فحياتي بأخي الجو ... دا بن يحيى الشهرزوري أيها المولى ضياء ال؟ ... دين يا صدر الصدور مسني الضر فاسعد ... ني على مشي أموري فأوصله إليه وأخذت له جائزته منه أنا والله ذلك الشخص فذكرت القصة وأطرقت خجلاً واستحييت غاية الحياء فقال لي لا تطرق ولا تخجل فمن كانت حاجته إلى مثلك ما عليه عار ولا غضاضة وأعرفك أني بعد ذلك الوقت ما وقت في فاقة ولا احتجت إلى بذلة ولا رأيت أبرك مما صار إلي من مالك وجاهك فنبل في عيني غاية النبيل وصار بيني وبينه من المودة ما أربى على مودات غالب من تقدمه من الأصدقاء بهذا السبب ولو لم يعرفني بنفسه ما عرفته البتة، وكان يصلي الجمعة في المقصورة التي أصلي فيها فانقطع في بعض الجمع لعذر عرض

стр. 698

فكتبت إليه: يا ماجداً ألسن الورى أبداً ... بشكره المستفاض منطلقه ومن مداناته مروحة ... إذ هو روح الفؤاد والحدقه ومن أكف الزمان تكتب ما ... أمليه من شكره على الطرقه ومن أغاث العافين من يده ... سحابة بالنوال منبعقة إذا سحاب السماء جاد لهم ... بالقطر جادت بعسجد ورقه ومن معاني مديح حضرته ... مأخوذة من علاه مسترقه تؤمل سراقها إذا وصلوا ... إليه والقطع مقتضى السرقه كان لنا كل جمعة منح ... بين المعالي والطول مفترقه نقوم بالفرض ثم يلطفنا ... بحسن خلق سبحان من خلقه فلم قطعت الإيناس عن نفر ... أهواؤهم في هواك متفقه نعد إلى العادة القديمة كي ... تجمع بين الصلاة والصدقه وأسلم ودم في سعادة وعلا ... تشمل هذي الشمائل العبقه فكتب الجواب وكان اعتذر عني إلى الملك المنصور في أمر لبس عليه فأشار إليه: جادت عليك السحائب الغدقه ... بكل بيت علاه متفقه وأنت ذو فطنة لها حكم ... غزيرة لا تبيد بالنفقه وليس شعري كفواً لشعركم ... بل هو شكر الأنعام بالصدقه وما تكلفت باعتذاري عن ... ما كذب المدعي وما صدقه

стр. 699

ما الثانية في معنى النفي، فكتبت إليه: يا ذا الأيادي الغر والمنبت ال ... حلو الجني والمنهل المستطاب ومن حوى من كل فن فقد ... ناط إلى الحكمة فصل الخطاب إن قمت بالمعضل فينا وقد ... غاب عن الخدمة كل الصحاب فليس بالبدع الذي جئته ... منفرداً فيه ولا بالعجاب مثلك من ساس عظيماً ومن ... قام بأعباء الأمور الصعاب وهل لدفع الخطب مهما عرا ... جليله إلا الجليل اللباب شرفني شعرك لما أتى ... منتظماً نظم لآلي السخاب فراقي من لفظه رقة ... تقضي لعلياك برق الرقاب فلم أؤخر خدمتي هذه ... تأخير جان يستحق العتاب وإنما الشامي من بيته ... يأتي إذا كلمته بالجواب فاسمع ثناء عنك ألفاظه ... أعذب من رشف الثنايا العذاب وعش سعيد الجد حتى ترى ... غرابة الشيب وشيب الغراب فكتب إلي مجيباً عنها: رأيت أبياتاً قصوراً وما ... فيها قصور لا ولا ما يعاب سكنت منها جنة زخرفت ... بطيب ألفاظ حسان عذاب وقلت من أنشأ لنا هذه ... لقد أتى من كل شيء عجاب قالت أنا أنشأني سيد ... يأخذ من كل المعاني اللباب له رياضات وأخلاقه ... أعذب من رشف اللمى والرضاب

стр. 700

يستفتح الأمر بتدبيره ... فيفتح المغلق من كل باب يميد من يسمع ألفاظه ... حتى كأن اللفظ منه شراب فقلت هذا وصف زين الد ... نا والدين أعلى كل مولى نصاب إن عاق سوء الحظ عن قربه ... فإن قلبي عنده في اقتراب أو خانه الدهر فلا تكترث ... فكل ما فوق التراب تراب وكان لزين الدين المذكور اليد الطولي في الترسل فمن أنشأته مما كتب عن نفسه: كان الخادم أدام الله سعادات المجلس دواماً يستنفد مدد الأيام، ويستمد دواعي الأنعام، ويسترق له أحرار الأنام، ويستحق بأنوار سعده أ، يمحو آيات الظلم والإظلام، وأنهى ما أحاطت به العلوم المولوية من تلزمه بأستار كعبة المكارم الأكرمية، واكتفائه الأخطار في تعلقه بأذيال المفاخر الخطيرية، واستيرائه زناد العزائم الوزيرية واستمطاره سحب الهمم الأفضلية، المفضلية مستجيراً بقبلة إقبالها ومستعيذاً بحرم جلالها، من عدوان دهر، وانهضام وفر، وانقسام فكرن وشتات أمر وثقل ظهر، وحرج صدر، ومن حادثات كلما قلت أقصرت عظائمها عني وولت توالت وما قولي كذا ومعي صبر ثم وقف بعد ذلك محففاً عن الخواطر من التكرار، وعالماً أن المولى بالمعتبة مستغن عن التذكار ثم قد جدد الآن تعلقه بأذيال كرمه، وتمسكه وتعبده في مشاعر حرمه وتنسكه شاكياً من نبوة الدهر، وكرات الليالي، ولعمري أن الشكوى عنوان الخور، ونتيجة الضجر، وتظلم على القضاء والقدر، لكن:

стр. 701

ولا بد من شكوى إلى ذي حفيظة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع ومن شكا إلى غيره فقد ملكه من نفسه رقاً وأوجب لها عليه حقاً، فالشكوى على هذا القياس مجلبة رق، يجب لأجله اختيار السيد وموجبة حق، يتعين بسببه ارتياد الغريم الجيد، وقد اختار الخادم لرقه سيداً حفياً، وارتاد لحقه غريماً ملياً وفياً: فشكا إلى الماء الزلال أوامه ... وشكا السقام إلى الطبيب الماهره وأجل شكواه من المولى بصدر واسع الصدر، ناصع الفخر، قادر على النفع والضر، مبسوط اليد بالخير وحاشاه من الشر: يرد الحادثات على الموالي ... ويغريها بإرداء المعادي تصرف في صروف الدهر حتى ... غدت وحزونها أسلس القياد مقتضياً منه وعداً هو عليه دين قضاؤه واجب، وحق له من أريحيته مطالب، إذا أهمل اقتضاه الطالب، وقد علم المولى من طريقته العزلة في الغزلة والنفار عما يقضي بذله من البذله، والآن فقد نزل به من الضرورات ما أباح له ركوب المحظورات، فإن رأى المولى تصريفه في بعض الخدم اللائقة وإن لم تكن الفائقة ولا الرائقة، فقد استكتب في مثل بغداد فكتب ورسل فانجب وولى بها وبغيرها الولايات الجليلة، وعذق بنظره فيها وفي سواها حفظ الأموال الجزيلة، فنهض في الولاية النهضة المرضية، وسعى في الكفاية على الطريق المضيئة، فالمشير به آمن من أن يخطي، والشفيع له معط سلطانه ضعاف ما استعطى

стр. 702

والخادم قد خرج من لائمة العقل والعقلاء، وقام بوظيفة الفضل عند الفضلاء وسلك بملتمسه جد التوفيق، وتوخى لمقصوده أسهل طريق وجرد لمطلوبه حسام النجاح من قرابه، وأتى بيت حبائه بمحبوبه من بابه واستسقى لظمائه الزلال العذب، واسترهف لنصرته الجراز العضب واستنهض لمهمته الهمام الندب، فإن ظفر بمرامه، وانتصرن على أيامه فغير بعيد أن ينال مراده من اتخذ المولى وسيلة قصده وإن استمر حول حاله التي شرحت ودامت عليه عقلة أموره التي جنحت، وجمحت وطاشت كفة حظه التي كانت قديماً رجعت، واستفحل فساد حركاته التي طالما استقامت وصلحت: فذاك لحظي لا لعجز محكم ... إذا أمر الأيام في إطاعت ووجه الشكر متوجه إلى المولى في الحالين، وأيدي الدعاء بدوام أيامه مبسوطة على كلا التقديرين، وبالعناية المتعينة والكفاية المتبينة يرتفع المن والعتب من البين، والرأي اسماً إن شاء الله تعالى، وندب لعقد نكاح ببغداد لبعض مماليك الخليفة على بعض جواريه، فقال بديهاً: الحمد لله الذي خلق من الماء بشراً، فجعله نسباً وصهراً، وشرع النكاح لعباده وأثابهم عليه أجراً، أحمده على نعمه التي أوجب التوثيق بحمدها شكراً، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة أعدها للمعاد ذخراً، وأشد بها للرشاد أزراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث إلى العالم طراً، الموروث عنه من الحكم ما يطبق الآفاق براً وبحراً، ويدعو إلى التناكح

стр. 703

والتناسل ليعود قل المؤمنين كثراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة هم بها أحق وأحرى، وعلى عمه العباس بن عبد المطلب الذي فاق الأعمام شرفاً وقدراً، وأولد من الأئمة المهديين نجوماً زهراً، جد مولانا وسيدنا الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين الذي أوسع الإسلام إنجاداً ونصراً، وأوسع الأنام إرفاداً وبراً، وقمع أهل الكفر والعناد إرغاماً وقهراً، صلى الله عليه صلاة ترفع له في الدارين رتباً وذكراً، وبعد فالنكاح من السنن المنوه بها شرعاً وعقلاً والأعمال المفضلة عند الحاجة إليها على أفضل العبادات إذا كانت نفلاً وبه تمت الحكم الإلاهية، ووردت الشريعة المحمدية، ونسخت المسافحة الجاهلية ورسخت أقدام المناسب الطاهرة الزكية، وقد رسم أعلى اله المراسم وأمضاها وأنفذها في أقصى الأرض وأدناها أثناء عقدة النكاح بين فلان وفلانة مملوكي الخدمة الشريفة المكتفيين بهذه العبودية في التلقيب شرفاً، وبهذه المملوكية ملكاً عظيماً مؤتنفاً على صداق مبلغه كذا وكذا فخاراً لله لأمير المؤمنين صلوات الله عليه صلاة دائمة إلى يوم الدين في هذا المرسوم المبين ولمملوكيه في هذا العقد المتين، وجعله مقروناً لأمير المؤمنين، بالنصر والتمكين ولمملوكيه المذكورين بالرفاء والبنين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين. وكان لزين الدين أخ يدعى نجم الدين أحمد وعنده سقوط همة ففارقه وصار وكيلاً عند القاضي زكي الدين الطاهر بدمشق وبلغ

стр. 704

زين الدين رعاية القاضي له بسببه وسأله النجم أن يكتب إلى القاضي يشكره على إحسانه إليه فكتب: أولي الأنعام أدام الله سعادات المجلس العالي الزكوي وجددها، ومدمدة أيامه وأبدها، وبسط يد اقتداره وأيدها، وأبقى على أوليائه مواهب الآئه وخلدها، وحرس الشريعة المطهرة بحسن نظره وعضدها، وهيأ للأمة بواضح هديه وأرشدها، بأن يذكر ويشكر ويظهر، ويشهر، ويذاع وينشر، ويعترف بعوارفه ولا ينكر، أنعام لم يخدم المنعم به على ابتدائه بسالف خدمة ولا تقدمت له نهضة في مهمة وككان فاعله متبرعاً بفعله متطوعاً بما فرضه على مكارمه من مغله كأنعام المولى على مملوكه أحمد أخي الخادم فإن المولى أسبغ الله ظله شمله بأنعامه، ورعاه بطرف عنايته واهتمامه، من غير تقدم خدمة يرعى لأجلها، ولا سابق موالاة يمت مثله بمثلها وهكذا أنعام ذوي الأصول الكريمة والمكارم الأصيلة ما زال عارياً عن الأسباب الموجبة والموجبات المسببة، وقد كان الخادم قاطعه مقبحاً عليه ما اختاره لنفسه من الحرفة التي هي كاشتقاقها، والمهنة التي تفضي إلى انخرام الحرمة وانخراقها، حتى ورد كتابه أنه بين يدي المولى محفوظاً بعنايته، وملحوظاً برعايته، ومنتظماً في سلك خدمه، ومعتصماً بركن حرمه، وملازماً لبابه ومعدوداً من جملة خدمه وأصحابه فعدل الخادم، عن استقباح اختياره إلى استحسانه وعن استيهان رأيه إلى استمتانه، فإن من جمع الله له ما جمعه للمولى من كرم المولد وشرف المحتد وطيب الأصول والتفنن

стр. 705

في علم الفروع والأصول، ومواظبة اقتباس العلم، وإيناس الأتباع بالتواضع والحلم، إلى غير ذلك من الفضائل التي يضيق عنها العد، ولا يحصرها الحد، كان للمتعلم منه فضيلة العالم، وللوكيل، بين يديه رتبة الحاكم، وللقائم في خدمته منزلة القاعدة المتصدر، وللماشي في ركابه مكانة الراكب المتأمر، فنه لا نقص في خدمة كامل، ولا وهن في قبول الأفضال من فاضل، ولقد أصبح أنعام المولى عليه مسترقاً للخادم وجاراً لولائه وباسطاً لسان دعائه، وثنائه، وما سمع قبل المولى بمسترق سرى الرق إلى أخيه ولا بعبد أنجز إلى مولاه ولا أقاربه وذويه، وإنما المعهود في مواضع الوفاق العمل بالسراية في العتق لا في الاسترقاق وجر المولى من جهة مخصوصة بعد وجود الحرية ومع بقاء العبودية فلا زال المولى مما يوليه من الرغائب مخصوصاً بفضائل الغرائب، ولقد وصل الخادم في كتابه ما تواترات به الأخبار على كل لسان مجملاً من خصائص فضائل المولى وحسن سيرته وغزارة إحسانه ومروءته ما تمنى معه الكون في الخدمة المولوية متشرفاً بمشاهدتها، ومتنمياً بمرافدتها ومستعيناً بمعاضدتها ومستديلاً من الأيام بمساعدتها، والله تعالى يقرب من ذلك ما يقوم للخادم برفع قدره وللمخدوم بواجب شكره إن شاء الله تعالى. عبد الكريم بن جمال الدين بن عبد الصمد بن محمد بن
следующие страницы →