Полный текст (1 675 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ولا بد من شكوى إلى ذي حفيظة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
ومن شكا إلى غيره فقد ملكه من نفسه رقاً وأوجب لها عليه حقاً، فالشكوى على هذا القياس مجلبة رق، يجب لأجله اختيار السيد وموجبة حق، يتعين بسببه ارتياد الغريم الجيد، وقد اختار الخادم لرقه سيداً حفياً، وارتاد لحقه غريماً ملياً وفياً:
فشكا إلى الماء الزلال أوامه ... وشكا السقام إلى الطبيب الماهره
وأجل شكواه من المولى بصدر واسع الصدر، ناصع الفخر، قادر على النفع والضر، مبسوط اليد بالخير وحاشاه من الشر:
يرد الحادثات على الموالي ... ويغريها بإرداء المعادي
تصرف في صروف الدهر حتى ... غدت وحزونها أسلس القياد
مقتضياً منه وعداً هو عليه دين قضاؤه واجب، وحق له من أريحيته مطالب، إذا أهمل اقتضاه الطالب، وقد علم المولى من طريقته العزلة في الغزلة والنفار عما يقضي بذله من البذله، والآن فقد نزل به من الضرورات ما أباح له ركوب المحظورات، فإن رأى المولى تصريفه في بعض الخدم اللائقة وإن لم تكن الفائقة ولا الرائقة، فقد استكتب في مثل بغداد فكتب ورسل فانجب وولى بها وبغيرها الولايات الجليلة، وعذق بنظره فيها وفي سواها حفظ الأموال الجزيلة، فنهض في الولاية النهضة المرضية، وسعى في الكفاية على الطريق المضيئة، فالمشير به آمن من أن يخطي، والشفيع له معط سلطانه ضعاف ما استعطى
стр. 702
والخادم قد خرج من لائمة العقل والعقلاء، وقام بوظيفة الفضل عند الفضلاء وسلك بملتمسه جد التوفيق، وتوخى لمقصوده أسهل طريق وجرد لمطلوبه حسام النجاح من قرابه، وأتى بيت حبائه بمحبوبه من بابه واستسقى لظمائه الزلال العذب، واسترهف لنصرته الجراز العضب واستنهض لمهمته الهمام الندب، فإن ظفر بمرامه، وانتصرن على أيامه فغير بعيد أن ينال مراده من اتخذ المولى وسيلة قصده وإن استمر حول حاله التي شرحت ودامت عليه عقلة أموره التي جنحت، وجمحت وطاشت كفة حظه التي كانت قديماً رجعت، واستفحل فساد حركاته التي طالما استقامت وصلحت:
فذاك لحظي لا لعجز محكم ... إذا أمر الأيام في إطاعت
ووجه الشكر متوجه إلى المولى في الحالين، وأيدي الدعاء بدوام أيامه مبسوطة على كلا التقديرين، وبالعناية المتعينة والكفاية المتبينة يرتفع المن والعتب من البين، والرأي اسماً إن شاء الله تعالى، وندب لعقد نكاح ببغداد لبعض مماليك الخليفة على بعض جواريه، فقال بديهاً: الحمد لله الذي خلق من الماء بشراً، فجعله نسباً وصهراً، وشرع النكاح لعباده وأثابهم عليه أجراً، أحمده على نعمه التي أوجب التوثيق بحمدها شكراً، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة أعدها للمعاد ذخراً، وأشد بها للرشاد أزراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث إلى العالم طراً، الموروث عنه من الحكم ما يطبق الآفاق براً وبحراً، ويدعو إلى التناكح
стр. 703
والتناسل ليعود قل المؤمنين كثراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة هم بها أحق وأحرى، وعلى عمه العباس بن عبد المطلب الذي فاق الأعمام شرفاً وقدراً، وأولد من الأئمة المهديين نجوماً زهراً، جد مولانا وسيدنا الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين الذي أوسع الإسلام إنجاداً ونصراً، وأوسع الأنام إرفاداً وبراً، وقمع أهل الكفر والعناد إرغاماً وقهراً، صلى الله عليه صلاة ترفع له في الدارين رتباً وذكراً، وبعد فالنكاح من السنن المنوه بها شرعاً وعقلاً والأعمال المفضلة عند الحاجة إليها على أفضل العبادات إذا كانت نفلاً وبه تمت الحكم الإلاهية، ووردت الشريعة المحمدية، ونسخت المسافحة الجاهلية ورسخت أقدام المناسب الطاهرة الزكية، وقد رسم أعلى اله المراسم وأمضاها وأنفذها في أقصى الأرض وأدناها أثناء عقدة النكاح بين فلان وفلانة مملوكي الخدمة الشريفة المكتفيين بهذه العبودية في التلقيب شرفاً، وبهذه المملوكية ملكاً عظيماً مؤتنفاً على صداق مبلغه كذا وكذا فخاراً لله لأمير المؤمنين صلوات الله عليه صلاة دائمة إلى يوم الدين في هذا المرسوم المبين ولمملوكيه في هذا العقد المتين، وجعله مقروناً لأمير المؤمنين، بالنصر والتمكين ولمملوكيه المذكورين بالرفاء والبنين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين.
وكان لزين الدين أخ يدعى نجم الدين أحمد وعنده سقوط همة ففارقه وصار وكيلاً عند القاضي زكي الدين الطاهر بدمشق وبلغ
стр. 704
زين الدين رعاية القاضي له بسببه وسأله النجم أن يكتب إلى القاضي يشكره على إحسانه إليه فكتب: أولي الأنعام أدام الله سعادات المجلس العالي الزكوي وجددها، ومدمدة أيامه وأبدها، وبسط يد اقتداره وأيدها، وأبقى على أوليائه مواهب الآئه وخلدها، وحرس الشريعة المطهرة بحسن نظره وعضدها، وهيأ للأمة بواضح هديه وأرشدها، بأن يذكر ويشكر ويظهر، ويشهر، ويذاع وينشر، ويعترف بعوارفه ولا ينكر، أنعام لم يخدم المنعم به على ابتدائه بسالف خدمة ولا تقدمت له نهضة في مهمة وككان فاعله متبرعاً بفعله متطوعاً بما فرضه على مكارمه من مغله كأنعام المولى على مملوكه أحمد أخي الخادم فإن المولى أسبغ الله ظله شمله بأنعامه، ورعاه بطرف عنايته واهتمامه، من غير تقدم خدمة يرعى لأجلها، ولا سابق موالاة يمت مثله بمثلها وهكذا أنعام ذوي الأصول الكريمة والمكارم الأصيلة ما زال عارياً عن الأسباب الموجبة والموجبات المسببة، وقد كان الخادم قاطعه مقبحاً عليه ما اختاره لنفسه من الحرفة التي هي كاشتقاقها، والمهنة التي تفضي إلى انخرام الحرمة وانخراقها، حتى ورد كتابه أنه بين يدي المولى محفوظاً بعنايته، وملحوظاً برعايته، ومنتظماً في سلك خدمه، ومعتصماً بركن حرمه، وملازماً لبابه ومعدوداً من جملة خدمه وأصحابه فعدل الخادم، عن استقباح اختياره إلى استحسانه وعن استيهان رأيه إلى استمتانه، فإن من جمع الله له ما جمعه للمولى من كرم المولد وشرف المحتد وطيب الأصول والتفنن
стр. 705
في علم الفروع والأصول، ومواظبة اقتباس العلم، وإيناس الأتباع بالتواضع والحلم، إلى غير ذلك من الفضائل التي يضيق عنها العد، ولا يحصرها الحد، كان للمتعلم منه فضيلة العالم، وللوكيل، بين يديه رتبة الحاكم، وللقائم في خدمته منزلة القاعدة المتصدر، وللماشي في ركابه مكانة الراكب المتأمر، فنه لا نقص في خدمة كامل، ولا وهن في قبول الأفضال من فاضل، ولقد أصبح أنعام المولى عليه مسترقاً للخادم وجاراً لولائه وباسطاً لسان دعائه، وثنائه، وما سمع قبل المولى بمسترق سرى الرق إلى أخيه ولا بعبد أنجز إلى مولاه ولا أقاربه وذويه، وإنما المعهود في مواضع الوفاق العمل بالسراية في العتق لا في الاسترقاق وجر المولى من جهة مخصوصة بعد وجود الحرية ومع بقاء العبودية فلا زال المولى مما يوليه من الرغائب مخصوصاً بفضائل الغرائب، ولقد وصل الخادم في كتابه ما تواترات به الأخبار على كل لسان مجملاً من خصائص فضائل المولى وحسن سيرته وغزارة إحسانه ومروءته ما تمنى معه الكون في الخدمة المولوية متشرفاً بمشاهدتها، ومتنمياً بمرافدتها ومستعيناً بمعاضدتها ومستديلاً من الأيام بمساعدتها، والله تعالى يقرب من ذلك ما يقوم للخادم برفع قدره وللمخدوم بواجب شكره إن شاء الله تعالى.
عبد الكريم بن جمال الدين بن عبد الصمد بن محمد بن
стр. 706
أبي الفضل بن علي بن عبد الواحد أبو الفضائل عماد الدين الأنصاري الخزرجي الدمشقي الشافعي المعروف بابن الحرستاني، مولده في سابع عشر شهر رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة بدمشق سمع من ابن أبي القاسم عب الصمد ومن رجب الخشوعي والقاسم بن علي الدمشقي وحنبل وغيرهم وتولى قضاء دمشق نيابة واستقلالاً بعد أبيه ثم تولى الخطابة والإمامة بجامعها الأعظم إلى أن توفي ودرس بزاوية الغزالي وغيرها، وتولى مشيخة دار الحديث الأشرفية وكان من الأعيان وتوفي بدمشق في التاسع والعشرين من جمادى الأولى ودفن من يومه بجبل قاسيون وشهده خلق عظيم لا يحصون كثرة ووالده جمال الدين قاضي قضاة الشام كان أحد الفقهاء المشهورين بالعلم والمشايخ المذكورين بالدين والصلاح والحكام المعروفين باتباع الحق وتوخيه والصلابة في الأحكام والوقوف عند ما توجبه الشريعة الهادية.
وكان يعرف وينعت بتقي القضاة وولي القضاء بدمشق مدة نيابة واستقلالاً وسمع من جماعة كثيرة وعمر حتى تفر بأشياء من مروياته وكانت الرحلة إليه في وقته ﵀.
علي بن محمد بن علي بن محمد بن علي أبو الحسن ضياء الدين أحد كتاب الحكم بدمشق كان فاضلاً من أعيان العدول، وله اشتغال بسماع الحديث وكتابته وسافر إلى الديار المصرية لشهادة تحملها فأدركه أجله هناك وتوفي بالقاهرة ليلة السبت رابع صفر ودفن خارج باب
стр. 707
النصر شرقي القاهرة وقد نيف على الستين ﵀.
عمر بن محمد بن محمد بن محمد بن أيوب بن شاذى الملك المغيث فتح الدين أبو الفتح صاحب الكرك وقد ذكرنا في حوادث السنة الخالية حضوره إلى الملك الظاهر وقبضه عليه وأخذ الكرك منه وإنفاذه إلى الديار المصرية وكان والده الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن الملك الكامل قد ملك الديار المصرية بعد وفاة أبيه وصار الشام أيضاً في حكمه وابنه الجواد نائباً عنه، واتفق حضور الملك الصالح نجم الدين وأخذه دمشق من الجواد وأنه قصد التوجه إلى الديار المصرية ليملكها، وجرى ما قدمنا ذكره من خروج دمشق عنه وإمساكه وإعتقاله بالكرك ثم خروجه وتملكه الديار المصرية، وكل هذا مشهور وبقي الملك العادل معتقلاً بقلعة الجبل فلما عزم الملك الصالح على السفر إلى الشام في أواخر سنة خمس وأربعين تقدم بتسييره إلى الشوبك ليعتقل بقلعتها فضربت له خيمة ظاهر القاهرة ليخرج إليها ثم يمضي به إلى الشوبك ليعتقل بقلعتها فضربت له خيمة ظاهر القاهرة ليخرج إليها ثم يمضي به إلى الشوبك فامتنع من ذلك وقال ما أروح أصلاً ومهما اردتم فعله فافعلوه هنا فغضب الملك الصالح ومعه نفر يسير من مماليك الملك الصالح وتقدم إليهم بخنقه فخنقوه بقلعة الجبل وجهز وأخرج إلى مقبرة شمس الدولة ابن صلاح الدين خارج باب النصر فدفن بها ﵀ وذلك في شوال
стр. 708
سنة خمس وأربعين فكانت مدة اعتقاله بعد القبض عليه قريباً من ثمان سنين وعمره نحو ثلاثين سنة لأنه ولد سنة خمس عشرة عقيب وفاة جده الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب وكان جواداً كثير البذل أنفق الخزائن التي جمعها والده في السنين المتطاولة في مدة يسيرة وكانت أيامه زاهية زاهرة والأسعار في غاية الرخص لكنه لم يكن فيه سياسة يضبط بها الجند ولا معرفة يدبر بها المملكة وقدم الأراذل وآخر الأكابر ولما مات كان الملك المغيث صاحب هذه الترجمة صغيراً فأنزل إلى القاهرة وجعل عند عمات أبيه القطبيات بنات الملك العادل الكبير وإنما عرفن بالقطبيات لأنهن أشقاء الملك المفضل قطب الدين بن الملك العادل فبقي عندهن إلى أن مات الملك الصالح فقيل أن الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ أراد أن يسلطن الملك المغيث ويكون هو أتابكه وعزم على ذلك والأمير فخر الدين يومئذ بالمنصورة قبالة الفرنج وبلغ ذلك الأمير حسام الدين بن أبي علي وهو إذ ذاك نائب السلطنة بالقاهرة فتقدم بأخذ الملك المغيث من عند عمات أبيه واعتقاله بقلعة الجبل والاحتراز عليه فبقي في القلعة معتقلاً فلما وصل الملك المعظم إلى المنصورة أمر بقتل الملك المغيث من قلعة الجبل إلى قلعة الشوبك واعتقاله بها فنقل إليها وكان الملك الصالح نجم الدين لما تسلم الكرك من أولاد الملك الناصر داود ﵀ سير إليها الطواشي بدر الدين بدر الصوابي نائباً بها وبالشوبك فلما وصل إليه الملك المغيث اعتقله بالشوبك كما رسم، فلما قتل الملك المعظم وبلغ
стр. 709
الصوابي أخرج الملك المغيث وملكه الكرك والشوبك وأعمالهما وتولى تدبير أموره وقد ذكرنا من تفاصيل أحواله نبذة فيما مضى وكان ملكاً كريماً حليماً شجاعاً عادلاً محسناً إلى رعيته غير أنه لم يكن عنده حزم ولا حسن تدبير فإنه أنفق جميع ما كان عنده من المال على البحرية والشهرزورية في طمع تملك الديار المصرية ولم يحصل له ذلك وذهب ذلك المال العظيم في غير فائدة وكان جملاً عظيمة فإن الملك الصالح نجم الدين لما تسلم الكرك حمل إليها مائة ألف دينار عيناً غير الدراهم والأقمشة وغيرها وألجأت الضرورة للملك المغيث بذهاب ذلك إلى النزول من الكرك وخروجها من يده وذهاب روحه.
وكان الملك المغيث على مذهب أبيه في تقريب الأراذل والإصغاء إليهم وقد ذكرنا في السنة الماضية كيفية إمساكه وما نسب إليه والله أعلم بحقيقة ذلك وقيل إن جميع ما نسب إليه لم يكن له أصل بل مجرد شناعة ليقوم عذر الملك الظاهر عند الأمراء والناس فيما فعله فن سائر الأمراء في ذلك الوقت إلا القليل منهم كانوا غلمان بيته.
وحكى لي أن الملك الظاهر قال للأمير عز الدين أيدمر الحلى نائب السلطنة بالديار المصرية في ذلك الوقت دع من يقتل المغيث صاحب الكرك ممن تثق به غاية الوثوق وتوكد عليه في كتمان ذلك وطيه عن جميع الناس وأدفع إليه ألف دينار فأحضر الأمير عز الدين المذكور لأستاذ داره وكان رجلاً ديناً فيه خير وعنده تقوى وقال له أريد أن أندبك في أمر مهم تفعله وتكتمه عن جميع الناس ولا تطلع
стр. 710
عليه أحداً من خلق الله فقال السمع والطاعة قال هذه ألف دينار مصرية تأخذها لك وتدخل إلى الملك المغيث صاحب الكرك تقتله فقال والله لو أعطيتني ملء هذه الدار دنانير ما فعلت هذا ولو ضربت رقبتي بل يأمرني الأمير بغير هذا ويبصر ما أفعل فانتهزه وحاوله بكل طريق فلم يجبه إلى ذلك فأعرض عنه وطلب شخصاً آخر من أصحابه فيه شر وعنده شهامة وإقدام وقال له ذلك فبادر إليه ودخل على الملك المغيث فتقله خنقاً وأخذ الألف دينار وشرع يشرب في دار له على بركة الفيل ويخرج من الذهب فقال له ندماؤه في حال سكره من أين لك هذا الذهب فأخبرهم أنه قتل صاحب الكرك وأعطى ألف دينار ﵁ فشاع ذلك واتصل بالملك الظاهر وكان حريصاً على كتمانه ويظهر للأمراء أن المغيث في قيد الحياة موسعاً عليه فعظم ذلك على الملك الظاهر وأنكر على الأمير عز الدين الحلى وطلب الشخص القاتل منه فأحضره إليه فأمر باستعادة الألف دينار منه وقتله.
وكان قتل الملك المغيث في أوائل هذه السنة وقيل في أواخر سنة إحدى وستين ﵀.
لاجين بن عبد الله الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزي كان من أكبر الأمراء وأعظمهم مكانة في وقته وأعلاهم قدراً وأوسعهم صدراً وأكثرهم تجملاً وكان شجاعاً بطلاً جواداً حازماً وله في الحروب المواقف المشهورة واليد البيضاء والآثار الجميلة خصوصاً في وقعة التتر ظاهر حمص في أول سنة تسع وخمسين فإنه فاز بأجرها وشكرها وقد أشرنا
стр. 711
إلى شيء من أحواله يما تقدم من هذا الكتاب.
وكان له في الفقراء والصالحين عقيدة حسنة ويكثر من الإحسان إليهم والبر بهم وافتقادهم بالنفقة والكسوة وغير ذلك وكان يعمل لهم السماعات ويحضر فيها من المآكل والمشارب والأراييح الطيبة والشموع ما يبهر العقل ويتجاوز الحد فكان يقدر ما يغرمه على السماع الواحد تقريب ثمانية آلاف درهم وكنت أسمع باحتفاله في مر السماع وعلو همته فأحمل الأمر على المجازفة في القول من الحاكي فاتفق أنه طلبني ليلة لحضور ذلك فحضرت عنده فكان الأمر على ما بلغني وأكثر فإنني لما دخلت داره التي بالعقيبة رأيت من الشموع الكافوري الكبار في الأتوار الفضة والمطعمة ما يقصر عنه الوصف ثم مد بعد صلاة المغرب سماطاً عظيماً يشتمل على قريب مائة زبدية عادلية كبار في كل زبدية منها خروف صحيح رضعي وقريب ثلاثمائة زبدية دون تلك في كل زبدية ثلاثة طيور دجاج وغير ذلك من أنواع الأطعمة، فلما فرغ الناس من الأكل صلوا العشاء الآخرة وشرع المغني في الغناء ورقص هو بنفسه بين الفقراء كأحدهم وكان يسلك من الأدب معهم والتواضع لهم ما لا مزيد عليه.
فلما فرغ المغني من النوبة الأولى مد سماطاً عظيماً يشتمل على عدة أطباق وصحون خزافية حلوى سكب وقطائف رطبة ومقلوة ومشبك وغير ذلك مما جميعه بالسكر المكرر المصري والفستق والمسك فأكل
стр. 712
الناس من ذلك ما أمكنهم وحملوا بحيث شيل معظم ذلك في خرق الحاضرين فلما فرغوا من ذلك شرع المغني في الغناء من النوبة الثانية فرقص هو وغلمانه ومن حضر من الفقراء والمشايخ وغيرهم فلما فرغ المغني من النوبة الثانية مد سماطاً عظيماً من الفواكه النادرة من السفرجل والتفاح الفتحي والكمثرى الرحبي والرمان اللفان والحلو والعنب النادر والبطيخ الأخضر وكانت هذه الفاكهة التي حضرت معدومة في مثل ذلك الوقت يتعذر وجودها على غيره لأن ذلك كان في أواخر فصل الشتاء وإنما كان يدخر له ذلك بالقصد فإن قرية كفر بطنا وزبدين وعدة قرى من الغوطة كانت جارية في إقطاعه وبها الفواكه النادرة فأكل الناس من ذلك ما أمكنهم ثم غنى المغني النوبة الثالثة ورقص الجمع فلما فرغوا مد لهم سماطاً من المكسرات على اختلاف أنواعها من القصب العراقي والفستق والبندق والزبيب الجوزاني والفستق المملح والخشكنان والكعك المحشو والبقسماط المعمول بالسكر والسمن وغير ذلك فأكل الناس من ذلك وحملوا وجميع ما يمد على كثرته لا يرفع منه بقية البتة بل يؤكل منه ما يمكن ويتفارق الحاضرون ما بقي وينهب وجميع ما شرب في تلك الليلة من أولها إلى آخرها من الماء المصنوع بالثلج والسكر وماء الخلاف والورد والمسك والسقاة يملأون الكيزان من ذلك على الدوام ويسقون الناس والمباخر تعمل بالند والعنبر والعود الهندي النادر المعلى من أول الليل إلى آخره.
стр. 713
فلما كان وقت السحر أغلى حمام ابن السرهنك المجاورة لداره ودخل إليه ومعه معظم الجمع ولم أدخل أنا.
فحكى لي الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ محمد اليونيني ﵀ وكان حاضراً قال بعد خروجك دخلنا الحمام فجعل الأمير يخدم الفقراء بنفسه وغلمانه فلما خرجوا كان منهم جماعة خلعوا قمصانهم ودلوقهم فأحضر لهم قمصاً جدداً وثياباً جدداً في نهاية الحسن والمناسبة لما يليق بهم ثم خرج واستدعاهم إلى داره وسقاهم من الأشربة ما يناسب الحمام ويلائمه ومد لهم سماطاً عظيماً من الططماج وأحضر لهم حلوى سخنة فأكلوا وانصرفوا وأما هو فإنه خلع على المغني من ملبوسه عدة بغالطيق تساوي جملة كبيرة وكذلك غلمانه وكان هذا السماع في آخر سنة تسع وخمسين والغرارة القمح بدمشق فوق ثلثمائة درهم والرطل اللحم بالدمشقي بمبلغ سبعة دراهم والدجاجة بمبلغ ثلاثة دراهم. وجميع الأشياء غالية جداً وكانت وفاته ﵀ في رابع عشر المحرم ودفن بسفح قاسيون مجاوراً لقبر الشيخ عبد الله البطائحي رحمة الله عليه وقد ناهز خمسين سنة من الممر وقيل أنه سم وإن مملوكه جمال الدين كندغدي واطأ عليه وقابل إحسانه العظيم المفرط بذلك فإنه كان قد خوله وموله وهو عنده أعز ومن الولد فباعه بأبخس الأثمان والله أعلم بحقيقة ذلك وخلف الأمير حسام الدين تركة جليلة المقدار من الخيول والعدة والأموال وغير ذلك ﵀.
стр. 714
محمد بن حمدان بن جراح بن الحسن بن محمد بن أحمد بن مال وعبد الله شرف الدين النميري كان فاضلاً ينظم العشر على طريقة العرب وتلقب نفسه زعيم نمير وكان شيخاً لطيفاً رأيته غير مرة عند والدي ﵀ بدمشق وسمعته ينشد مقاطيع من شعره وكانت وفاته بقرية كفر بطنا في ثاني شهر رمضان المعظم ودفن بها وهو في عشر السبعين رحمه الله تعالى.
محمد بن علي بن عبد الوهاب بن محمد بن أبي الفرج أبو الفرج زين الدين الإسكندري سمع من الحافظ علي بن المفضل المقدسي وغيره وتولى القضاء والخطابة ببلده مدة وكان أحد رؤسائها ومن ذوي بيوتها ولأهله بها الآثار الجميلة من الأوقاف على أبواب..... وغير ذلك وكان زين الدين عاملاً فاضلاً سقط عليه بعض جدار داره فمات في العاشر من شهر رجب رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحسين بن سراقة أبو بكر محي الدين الأنصاري الأندلسي الشاطبي مولده في شهر رجب سنة اثنتين وتسعين وخمسماية بشاطبة سمع الكثير وولى مشيخة دار الحديث البهائية بحلب ثم قدم الديار المصرية وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة إلى حين وفاته وحدث وكان أحد الأئمة المشهورين بغزارة الفضل
стр. 715
وكثرة العلم والجلالة والنبل وأحد المشايخ المعروفين بمعرفة طريق القوم وله في ذلك الكلام الحسن والإشارات اللطيفة مع ما جبل عليه من كرم الأخلاق واطراح التكلف ورقة الطبع ولين الجانب، وكانت وفاته في يوم الثلاثاء العشرين من شعبان بالقاهرة ودفن من الغد بسفح المقطم ﵀، ومن قلائد الجمان: الشيخ محي الدين من أبناء القضاة الفقهاء حفظ الكتاب الكريم وتفقه على مذهب مالك بن أنس رحمة الله عليه ورحل إلى المدينة السلام في طلب الحديث فلقي بها جماعة من مشايخها كأبي حفص عمر بن كرم الدينوري وأبي علي الحسين بن المبارك ابن محمد الزبيدي وأبي الفضل عبد السلام بن عبد الله بن أحمد بن بكران وغيرهم وقدم مدينة إربل وقرأ على أبي الخير بدل التبريزي في سنة ست وعشرين وستمائة، وكان محي الدين رجلاً فاضلاً متنسكاً عاقلاً ذا دين وعفاف وبشر ووقار جيد المعرفة بمعاني الشعر صالح الفكرة في حل التراجم ومن شعره:
إلى كم أمني النفس ما لا تناله ... فيذهب عمري والأماني لا تقضى
؟ وقد مر لي خمس وعشرين حجة ولم أرض فيها عيشتي فمتى أرضى
وأعلم أني والثلاثون مدتي ... حر بمغاني اللهو أوسعها رفضا
فماذا عسي في هذه الخمس أرتجي ... ووجدي إلى أوب من العسر قد أفضى
стр. 716
فيا رب عجل لي حياة لذيذة ... وإلا فبادر بي إلى العمل الأرضى
وكتب إلى بعض ملوك المغرب:
لقاؤك عيد بالنجاح بشير ... وتقبيل بمني راحتيك حبور
بهاؤك في لحظ المواسم موسم ... ونشرك في ريا العبير عبير
وما عادنا من عيدنا غير وافد ... يحول عليه الحول ثم يزور
له أمل في لثم لقياك مدرك ... وطرف بها يرنو إليك قرير
سرى نحوكم مذ عام أول جاهداً ... يجوب عراض البيد وهي شهور
فبشراه وفي النفس ملء فؤادها ... سروراً وإن أعيت وطال مسير
وناجيت نفسي والهوى يبعث الهوى ... وطال بي التسويف وهو غرور
أأترك موسى ليس بيني ويبنه ... سوى ليلة إني إذن لصبور
فملت بودي وانحياشي وهمتي ... إليك وفيها عن سواك نفور
وأيقنت أني إذ أخذت بحبلكم ... على ريب دهري من أشاء أجير
هما منثني الأعناق نحو علائه ... كمال بأهواء النفوس جدير
ينوب عن الدر النفيس كلامه ... وما ناب عن جدوى يديه بحور
إذا اصفرت أيدي السحاب فكفه ... سحاب بآفاق السماح دروز
وقال محي الدين أيضاً وقيل كنيته أبو القاسم:
وصاحب كالزلال يمحو ... صفاؤه الشك باليقين
لم يحص إلا الجميل مني ... كأنه كاتب اليمين
وهذا عكس قول الشهاب المنازي وهو:
стр. 717
وصاحب خلته خليلاً ... وما جرى عذره ببالى
لم يحص إلا القبيح مني ... كأنه كاتب الشمال
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن علي ابن الحسين بن قرناص أبو عبد الله ناصر الدين الحموي الخزاعي وبقية نسبه مذكور في ترجمة عمه الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن قرناص في سنة أربع وخمسين، مولده في سنة ثلاث عشرة وستمائة وتوفي إلى رحمة الله تعالى ليلة الثلاثاء لثلاث وعشرين ليلة خلت من شوال هذه السنة وكان عالماً فاضلاً زاهداً عابداً ورعا كريم الأخلاق حسن الأوصاف جميل العشرة جم الفوائد، ومن شعره في ترتيب حروف كتاب المحكم في اللغة لابن سيده:
عليك حروفاً هن خير غوامض ... قيود كتاب جل شاناً ضوابطه
صراط سوي زل طالب دحضه ... تزيد ظهوراً ذا ثبات روابطه
لذلكم نلتذ فوزاً بمحكم ... مصنفه أيضاً يفوز وضابطه
وهذه الأبيات أنسب من الأبيات التي عملها بعض أدباء المغرب في مثل ذلك وأليق بالكتاب والأبيات القديمة:
علقت حبيباً همت خيفة غدره ... قليل كرى جفن شكا ضر صده
سبي زهوه طفلاً ديانة تائب ... ظلامته ذنب ثوى ربع لحده
نواظره فتاكة بعميده ... ملاحته أجرت ينابيع وجده
وكتاب المحكم في اللغة كتاب نفيس في خمس عشرة مجلدة لم يصنف
стр. 718
في بابه مثله وهو تأليف أبي الحسن علي بن أحمد المعروف بابن سيده قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر ابن عبد الله الحميدي عنه كان إماماً في اللغة والعربية حافظاً لهما على أنه كان ضريراً وقد جمع في ذلك جموعاً، وله مع ذلك في الشعر حظ وتصرف كان منقطعاً إلى الأمير أبي الجيش مجاهد بن عبد الله العامري ثم حدث له نبوة بعد وفاته في أيام إقبال الدولة بن الموفق خافه فيها فهرب إلى بعض الأعمال المجاورة لأعماله وبقي بها مدة ثم استعطفه بقصيدة أولها:
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى ... سبيل فإن الأمن في ذاك واليمنا
ضحيت فهل من برد ظلك نومة ... لذي كبد حري وذي مقلة وسنا
ونضو هموم طلحته طياته ... فلا غارباً أبقين ولا متنا
هجان نأى أهلوه عنه وشفه ... قراف فأمسى لا يدس ولا يهنا
فيا ملك الأملاك إني محوم ... على الورد لاعنه أذاد ولا أدنا
تحيفني دهر وأقبلت شاكياً ... إليك أمأذون لعبدك أم يثنا
وإن تتأكد في دمي لك نية ... بسفك فإني لا أحب له حقنا
دم كونته مكرماً تك والذي ... يكون لا عتب عليه إذا أفنى
إذا ما غدا من حرسيفك بارداً ... فقد ما غدا من برد برك لي سخنا
стр. 719
وهل هي إلا ساعة ثم بعدها ... ستقرع ما عمرت من ندم سنا
ولله دمعي ما أقل استنانه ... إذا في دمي أمسي سنانك مستنا
ومالي في دهري حياة الذها ... فيعتدها نعمي علي ويمتنا
إذا قتلة أرضتك منا فهاتها ... حبيب إلينا ما رضيت به عنا
وهي طويلة صرف فيها القول ووقع عنه الرضا بوصولها، ومات بعد خروجي من الأندلس قريباً من سنة ستين وأربعمائة ﵀، وذكره قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ﵀ في وفيات الأعيان فقال الحافظ أبو الحسن علي بن إسماعيل المعروف بابن سيده المرسي كان إماماً في علم اللغة والعربية حافظاً لهما وقد جمع في ذلك جموعاً من ذلك كتاب المحكم في اللغة وهو كتاب كبير جامع مشتمل على أنواع اللغة، وله كتاب المخصص في اللغة وكتاب الأنيق في شرح الماسة في ست مجلدات وغير ذلك وكان ضريراً وأبوه ضرير، قال أبو عمر الطلمنكي دخلت مرسية فتشبث بي أهلها يسمعون علي غريب المصنف فقلت لهم انظروا من يقرأ لكم وأمسك أنا كتابي فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيده فقرأه على من أوله إلى آخره فعجبت من حفظه، وكان له في الشعر حظ وتصرف وتوفي بحضرة دانية عشية يوم الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وعمره ستون سنة أو نحوها، قال قاضي القضاة ﵀ ورأيت على ظهر مجلد من المحكم بخط بعض فضلاء الأندلس أن ابن
стр. 720
سيده المذكور كان يوم الجمعة قبل الصلاة صحيحاً سوياً إلى وقت صلاة المغرب فدخل المتوضأ فأخرج منه وقد سقط لسانه وانقطع كلامه فبقي على تلك الحال إلى العصر من يوم الأحد ثم توفي إلى رحمة الله وقيل سنة ثمان وأربعين وأربعمائة والأول أصح وأشهر ودانية مدينة في شرق الأندلس.
محمد بن أبي بكر بن سيف أبو عبد الله شمس الدين التنوخي الموصلي الوتار ولد بالموصل في سابع عشر ذي الحجة سنة تسع وسبعين وخمسمائة واشتغل بالأدب وكان فاضلاً وله نظم جيد وسكن دمشق مدة وتولى خطابة المزة وخطب بها إلى أن توفي بها في ثامن عشر ذي الحجة ﵀، ومن شعره في المشيب والخضاب:
وكننت وإياها مذ اختط عارضي ... كروحين في جسم وما نقضت عهدا
فلما أتاني الشيب يقطع بيننا ... توهمته سيفاً فألبسته غمدا
موسى بن إبراهيم بن شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذى أبو الفتح الملك الأشرف مظفر الدين ملك بعد وفاة أبيه الملك المنصور ناصر الدين إبراهيم في سنة أربع وأربعين حمص وتدمر والرحبة وزلوبية وهو صغير السن وقام بتدبير دولته وزيره مخلص الدين
стр. 721
إبراهيم بن إسماعيل بن قرناص فسلم قلعة شميميس إلى الملك الصالح نجم الدين ليعتضد به بإشارة وزيره مخلص الدين فعظم ذلك على الملك الناصر صلاح الدين يوسف وجهز إليه العساكر مع الأمير شمس الدين لؤلؤ وأخذ حمص وعوضه عنها تل باشر وقد أشرنا إلى ذلك، ولما قصد الملك الناصر ﵀ التوجه إلى الديار المصرية في سنة ثمان وأربعين كان في خدمته فلما كسر العسكر بالسابح كان الملك الأشرف فيمن أسر وحمل إلى قلعة الجبل بالقاهرة فحبس بها إلى، وقع الصلح بين الملك الناصر والملك المعز في المحرم سنة إحدى وخمسين بسفارة الشيخ نجم الدين البادرائي فأطلق مع من أطلق من أصحاب الملك الناصر وقدم عليه طامعاً في أن يعيد عليه حمص، فلما يئس من ذلك توجه إلى تل باشر وكتب إلى الملك الناصر يستأذنه في مراسلة صاحب الموصل وصاحب ماردين وقال إنهما كتبا إلي يهنياني بخلاصي وذكر أن صاحب الموصل يضايقه في الرحبة ويلزمه بعمل جسر قرقيسيا فأذن له فراسلهما وجعل ذلك وسيلة إلى إرساله قصاده إلى التتر ثم طلب إذناً ثانياً أن يبعث إلى بلاد الروم جواسيس يكشفون له أخبار التتر ويطالعونه بها ليكون المسلمون على يقظة منهم فأجابه إلى ذلك وكل ذلك وسيلة إلى مراسلتهم لحقد كامن في صدره للملك الناصر بسب أخذه حمص منه ولم تزل كتبه واردة على الملك الناصر بما
стр. 722
يحدث به الرهبة وكتب التتر تصل إليه بما يعتمده من تثبيط عزم الملك الناصر ولما استولت التتر على حلب خرج مع الملك الناصر من دمشق يوم الجمعة خامس عشر صفر سنة ثمان وخمسين إلى الصنمين ثم فارقه منها وتوجه إلى تدمر وقصد هولاكو وهو على قلعة حلب يحاصرها فأقبل عليه هولاكو وأمره بالحديث مع أهل قلعة حلب فتوسط بينه وبينهم حتى سلموها في تاسع ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وبقي عنده يسفر بينه وبين من في القلاع حتى سلمها له، فلما أراد هولاكو العود إلى بلاده ولاه الشام بأسره نيابة عنه وأعاد إليه حمص مع تدمر والرحبة وغيرها مما كان في يده، ولما توجه الملك الناصر إلى هولاكو نزل عليه في طريقه فلم يلتفت إليه ولا احتفل به وأغلظ له في التوبيخ والتقريع، ولما عزم الملك المظفر قطز ﵀ على لقاء التتر كتب إليه كتاباً يسفه رأيه فيه على ما اعتمده من ميله إلى التتر وانحيازه إليهم واختياره لهم على المسلمين ويعده أنه متى خرج عنهم ومال إليه بشرط أن لا يقاتل معهم إذا كان بينه وبينهم مصافاً أبقى عليه ما في يده من البلاد فأجابه إلى ذلك ولما عزم كتبغا على لقاء الملك المظفر ﵀ طلبه إليه فاعتذر وتمارض وبعث ابن عمه الملك المعظم وصارم الدين أزبك الحمصي مقدم عسكره فلما من الله تعالى بكسرة التتر وهرب من كان من اتباعهم كان الملك الأشرف بدمشق فهرب مع الزين الحافظي ونواب التتر بدمشق فلما وصلوا قارا فارقهم
стр. 723
وتوجه إلى تدمر وراسل الملك المظفر فحلف له على ما كان بيده من البلاد خلا تل باشر ثم وصل دمشق وافداً على الملك المظفر ﵀ فأكرمه وتقدم إليه بالمسير إلى حمص والتصرف في بلاده التي حلف له عليها، فلما قتل الملك المظفر وولي الملك الظاهر واستولى الأمير علم الدين الحلبي على دمشق حلف للملك الظاهر باطناً وللأمير علم الدين الحلبي ظاهراً ولما قصدت التتر حلب في أواخر سنة ثمان وخمسين وخرج منها من بها من العزيزية والناصرية قصدوا حمص فآواهم وأحسن إليهم وقام لهم بالضيافات والإقامات وخرج التتر من حلب في طلبهم. فلما وصلوا حمص في أوائل شهر المحرم سنة تسع وخمسين خرج إليهم وحاربهم مع العزيزية والناصرية وصاحب حماة فكسروهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وكان التتر زهاء ستة آلاف فارس وهرب من سلم منهم ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد وكان الملك الأشرف في هذه الوقعة أعظم غناء فرأى له الملك الظاهر ذلك ونبل قدره عنده وأعاد إليه تل باشر لما خرج إلى الشام في شوال سنة تسع وخمسين مع ما في يده ولم يزل ملحوظاً منه بعين الرعاية إلى أن حصل عنده تخيل عن الملك الظاهر عند عوده إلى حمص من خدمته لما كان على
الكرك وقبض على صاحبها فتواتر الأخبار عنه بإظهار أمور كامنة كانت في نفسه فعزم الملك الظاهر على الوثوب به واستئصاله بالكلية فعاجله المرض وتوفي في حادي عشر صفر أو عاشره من هذه السنة بحمص قبل صلاة الجمعة ودفن ليلاً على جده الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بالمدرسة التي أنشأها بباطن حمص ﵀ وكان ملكاً جليلاً حازماً خبيراً مدبراً متيقظاً شجاعاً ساوساً على الهمة كبير النفس أبيها له باطن وغور وتحيل ودهاء وتأتى في بلوغ مقاصده وأغراضه وافر العقل قليل البسط والحديث مقيداً لألفاظه ملازماً للناموس في سائر أوقاته حتى في خلواته مع غلمانه وخواصه يحذو في ذلك حذو الملك الصالح نجم الدين، ولما توفي إلى رحمة الله وجد له من الصين المصري والدراهم والجواهر والذخائر ما يعظم خطره ويكثر بعضه على مثله ولم يخلف ولداً وتسلم الملك الظاهر سائر بلاده وحواصله عقيب موته خلا قلعة تدمر فإن تسليمها تأخر إلى بعد شهرين من وفاته ثم سلمت وهو آخر الملوك من بيت شيركوه رحمه الله تعالى ومولده في أواخر سنة سبع وعشرين وستمائة. رك وقبض على صاحبها فتواتر الأخبار عنه بإظهار أمور كامنة كانت في نفسه فعزم الملك الظاهر على الوثوب به واستئصاله بالكلية فعاجله المرض وتوفي في حادي عشر صفر أو عاشره من هذه السنة
стр. 724
بحمص قبل صلاة الجمعة ودفن ليلاً على جده الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بالمدرسة التي أنشأها بباطن حمص ﵀ وكان ملكاً جليلاً حازماً خبيراً مدبراً متيقظاً شجاعاً ساوساً على الهمة كبير النفس أبيها له باطن وغور وتحيل ودهاء وتأتى في بلوغ مقاصده وأغراضه وافر العقل قليل البسط والحديث مقيداً لألفاظه ملازماً للناموس في سائر أوقاته حتى في خلواته مع غلمانه وخواصه يحذو في ذلك حذو الملك الصالح نجم الدين، ولما توفي إلى رحمة الله وجد له من الصين المصري والدراهم والجواهر والذخائر ما يعظم خطره ويكثر بعضه على مثله ولم يخلف ولداً وتسلم الملك الظاهر سائر بلاده وحواصله عقيب موته خلا قلعة تدمر فإن تسليمها تأخر إلى بعد شهرين من وفاته ثم سلمت وهو آخر الملوك من بيت شيركوه رحمه الله تعالى ومولده في أواخر سنة سبع وعشرين وستمائة.
نصر بن تروس بن قسطة بن عبد الله الإفرنجي الأصل الحاج أبو محمد العضوي الزكوي، سمع من أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي وحدث وكان رجلاً خيراً ديناً سليم الصدر ملازماً للصلوات الخمس في الجماعة مثابراً على قضاء حوائج المعارف ذا ثروة وجدة وتوفي في جمادى الأولى بدمشق ﵀ وخلف عدة من الأولاد ذكوراً وإناثاً.
يحيى بن علي بن عبد الله بن علي بن مفرج بن أبي الفتح أبو الحسين رشيد الدين القرشي الأموي النابلسي الأصل المصري المولد والدار
стр. 725
والمالكي العطار مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وخمسمائة وتوفي بمصر في ثاني جمادى الأولى من هذه السنة ودفن من الغد بسفح المقطم سمع من خلق كثير وحدث بالكثير وخرج تخاريج مفيدة وجمع جموعاً حسنة، وكان إماماً عالماً فاضلاً حافظاً ثبتاً عارفاً بالصناعة الحديثية وإليه انتهت رئاسة الحديث بالديار المصرية بعد الحافظ زكي المنذري ﵀ وكتب بخطه الكثير وكان خطه حسناً ووقف جملة من كتبه على من ينتفع بها من المسلمين وكنت قصدت رؤيته في منزله بمصر في شهر رمضان المعظم سنة تسع وخمسين وستمائة فخرج إلي وناولني كتاباً من مروياته وأجاز لي ما تجوز له روايته ويجوز لي روايته عنه ﵀.
أبو القاسم بن منصور بن يحيى اللكى الإسكندراني الشيخ الصالح الزاهد المعروف بالقباري كان أحد العباد المشهورين بكثرة الورع والتحري في المأكل والمشرب والملبس معروف بالانقطاع والتخلي وترك الاجتماع بأبناء الدنيا والإقبال على ما يعنيه من أمر نفسه وطريقه الذي سلكه قل أن يقدر أحد من أهل زمانه عليه وخشونة عيشه وما أخذته نفسه من الوحدة وعدم الاجتماع بالناس والجد والعمل والاحتراز من الرياء والسمعة لا يعلم في وقته من وصل إليه
стр. 726
وكان يقصد زيارته ورؤيته والتبرك به الملوك ومن دونهم فلا يكاد يجتمع بأحد منهم وأخباره في الورع والعبادة مشهورة فلا حاجة إلى الإطالة بشرحها وتوفي في ليلة الاثنين السادس من شعبان ببستانه بجبل الصيقل ظاهر الإسكندرية ودفن به بوصية منه، وقبره يزار ويتبرك به وزرته في شهر ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وستمائة ودعوت الله تعالى عند قبره بدعوات توسلت به فيه وظهر لي أثر بركة زيارته والتوسل به في إجابة دعائي في بعض ما سألته وأرجو الإجابة في جملته إن شاء الله تعالى وبيع الأثاث الموجود في منزله وقيمته دون خمسين درهماً ورقاً بما يزيد عن عشرين ألف درهم تزايد الناس فيه رجاء البركة حتى بلغ الإبريق الذي كان يستعمله ويتوضأ فيه للصلاة جملة كبيرة وقيمة مثله لا يبلغ ثلاثة فلوس وكان قد تناهى في الورع ولما رأى ما ينال الناس من الظلم في كرى الخليج الواصل إلى الإسكندرية من النيل أعرض عن مائه وحمله التدقيق في الورع على أن حفر له بئراً كان يشرب منها وينقل الماء منها بالجرار على دابة ليسقي بستانه وكان إذا وجد رطبة ساقطة تحت نخلة ولم يشاهد سقوطها منه لا يرفعها ولا يأكلها لاحتمال أن طائراً جناها من نخل غيره وسقطت منه تحت نخله، وبالجملة لم يخلف بعده مثله ﵀ وأعاد علينا من بركاته وأوصى أن يطمس قبره، ومولده في سنة سبع وثمانين وخمسمائة وعمى في آخر عمره قدس الله روحه.
؟
стр. 727
السنة الثالثة والستون وستمائة
دخلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة في السنة الخالية خلا الملك الأشرف صاحب حمص فإنه توفي وانتقل ما كان بيده إلى الملك الظاهر وكان الملك الظاهر بقلعة القاهرة.
متجددات هذه السنة
في العشر الآخر من المحرم بلغ الملك الظاهر أن جماعة من الأمراء والأجناد اجتمعوا على أكل ططماج في دار فزادوا في الكلام بما معناه القدح في الدولة وغالى في ذلك ثلاثة نفر فسمر أحدهم وكحل الآخر وقطعت رجل الثالث فانحسمت مادة الاجتماعات بعد ذلك.
وفي تاسع عشري ربيع الأول قطعت أيدي جماعة من نواب بهاء الدين يعقوب بن حاتم وإلى القاهرة والخفراء وأصحاب الأرباع والمقدمين وكانوا ثلاثة وأربعين رجلاً وسبب ذلك ظهور شلوح ومناسر بالقاهرة وضواحيها فنهبوا وقتلوا وانتهى بهم الفساد إلى التعرض بالعربان النازلين تحت القلعة ليلاً فكثر اللغط والصياح وسمعهم الملك الظاهر فسأل فأخبر بصورة الحال فقال تنتهك الحرمة إلى هذا الحد، فلما أصبح حمل الوالي رقع الصباح ولم يذكر فيها ما فعله المنسر بالعريان فوبخه وانتهره وأخبره بما اتفق فقال ما لي ذنب فإن النواب والخفراء لم يطلعوني على ذلك فأمر السلطان بما ذكرناه آنفاً
стр. 728
فمات بعضهم وبقي بعضهم.
وفيها وردت الأخبار بنزول التتر على البيرة وحصارهم لها فجهز الملك الظاهر في شهر ربيع الآخر عسكراً قدم عليه الأمير عز الدين يغان الركني المعروف بسم الموت والأمير جمال الدين آقوش المحمدي وتقدم إلى صاحب حماة بالتوجه معهم بعسكره وكذلك إلى عسكر حلب فسارت العساكر وعبرت الفرات وكان الملك الظاهر قد أمر عيسى بن مهنا بعد أن بعث إليه أجناداً بسلوك البرية إلى حران والغارة عليها فلما بلغ التتار عبور العساكر وغارة ابن مهنا رحلوا عن البيرة وعادت العساكر إلى الديار المصرية.
وفي يوم السبت رابع ربيع الآخر توجه الملك الظاهر بعساكره قاصداً قيسارية فنزل عليها وحاصرها إلى أن فتحها عنوة في ثامن جمادى الأولى وعصت عليه قلعتها بعد فتحها عشرة أيام ثم فتحها وهرب من كان بها إلى عكا فأخرب الملك الظاهر المدينة والقلعة وتركهما دمنة وملك لأعيان الأمراء الذين كانوا معه والغائبين عنه بالبيرة لكل واحد منهم نصف قرية وملك ولدي صاحب الموصل سيف الدين وعلاء الدين وملك الأمير ناصر الدين القيمري وقدمه على العسكر ورتبه نجيبين وأعطاه خبزاً وملك الأمير شرف الدين بن أبي القاسم وهو بطال نصف قرية ثم رحل إلى أرسوف ونزل عليها ونصب المجانيق ورمى
стр. 729
أبراجها فعبثت بها وعاثت فيها وأخذتها النقوب من جهاتها وتكرر عليها الزحف إلى أن تداعى برج من أبراجها تجاه الأمير بدر الدين الخزندار فهجم البلد منه بمن معه من العسكر على غفلة من أهلها فوقع القتل فيهم والأسر واقتسم العسكر ما كان بها من الحواصل، وذلك يوم الخميس ثاني عشر شهر رجب ثم خربت أيضاً وأصدرت كتب البشائر من السلطان بالفتوح فمن ذلك مكاتبة إلى قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان ﵀ من إنشاء فتح الدين عبد الله بن القيسراني من مضمونها: جدد الله البشائر الواردة على المجلس السامي القضائي وأسره بما أسمعه، وأبطل ببركته كيد العدو ودفعه، وجاء بها سبب الخير وجمعه، ولا زالت التهاني إليه واردة، والمسرات عليه وافدة، ونعم الله وبركاته لديه متزايدة، هذه المكاتبة تبشر بنصر من الله وفتح قريب، وهناء يأخذ له المجلس منه أوفر نصيب، وتوضح لعلمه الكريم أنه لما كان يوم الاثنين التاسع من شهر رجب المبارك قدمنا خيرة الله تعالى وزحفنا على مدينة أرسوف بعساكرنا المنصورة وأدرنا بها الأطلاب للزحف، وكانت مرتبة على أحسن صورة وتناولناها مناولة القادم إذا ضم ضمة المشتاق، واستولينا على جميع أهلها فأضحى كل منهم من القيد في وثاق، وأضرمنا بها النيران فعجل الله لهم بها في الدنيا قبل الآخرة الإحراق، وجرعناهم غصص الموت فتجرعوها مرة المذاق،
стр. 730
وكانت مدة القتال ثلاثة أيام آخرها يوم الخميس ثاني عشر شهر رجب المبارك فلم يفلت منهم أحد. وعاجلناهم في هذه المدة القريبة فلم يغنهم ما فعلوه في تحصن البلد ولم يمس أحد منهم في ليلة الجمعة وقد نجا من القتل إلا وهو أسير، واحتطنا بها فما نجا منهم بحمد الله صغير، ولا كبير وعجلنا للمجلس بهذه البشارة ليأخذ منها حظاً وافراً، ويقرأ آيات نصر الله على أصحابه من الفقهاء والعدول ويحدث بها فيكون تالياً لها بين الأنام وذاكراً، ويكتب بمضمون ذلك إلى نوابه من الحكام، وليشهر هذا الخبر السعيد بين الأنام، ويواصلنا بدعائه فإننا نرجو به الزيادة والله تعالى يجزينا ويجزيه من ألطافه على أجمل عادة، بمنه وكرمه إن شاء الله تعالى: كتب ثاني عشر شهر رجب المبارك وبين الأسطر وعدة الأسرى ألف أسير وما القتل فكثير لأن القلعة أخذت بالسيف.
وعاد الملك الظاهر إلى القاهرة وزينت لدخوله فدخلها في ثاني عشر شعبان من باب النصر وخرج من باب زويلة وعبر بالأسرى على الجمال وكان يوماً مشهوداً، وفي جمادى الآخرة وقعت نار بحارة الباطلية بالقاهرة فأحرقت ثلاثة وستين داراً جامعة ثم كثر الحريق بعد ذلك بمصر حتى أحرق ربع فرج وكان وقفاً على أشراف المدينة النبوية صلوات الله على ساكنها وسلامه بحيث لم يبق فيه مسكن والوجه المطل على النيل من ربع العادل وكان وقفاً على تربة الإمام الشافعي رحمة الله عليه وكانت توجد لفائف مشاق فيها النار والكبريت على
стр. 731
أسطحة الآدر وعظم هذا الأمر على المسلمين ورتب بالشوارع والأزقة دنان الماء واتهم بذلك النصارى الكركيين والملكيين، فلما قدم الملك الظاهر الديار المصرية عزم على استئصال النصارى واليهود بسبب الحريق فأمر بوضع الأحطاب والحلفاء في حفرة كانت في وسط القلعة وإن تضرم فيها النار ويطرح فيها النصارى واليهود فجمعوا على اختلاف طبقاتهم حتى لم يبق إلا من هرب وذلك يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان وكتفوا ليرموا في الحفرة فشفع فيهم الأمراء فأمر أن يشتروا أنفسهم فقرر عليهم خمسمائة ألف دينار يقومون منها في كل سنة بخمسين ألف دينار يؤخذ منهم بحسب قدرة كل واحد منها في كل سنة بخمسين ألف دينار يؤخذ منهم بحسب قدرة كل واحد منهم وضمنهم راهب يعرف بالحبيس كان مبدأ أمره كاتباً في صناعة الإنشاء ثم ترهب وانقطع في جبل حلوان فيقال أنه وجد في مغارة منه مالاً للحاكم أحد الخلفاء المصريين، ولما وجد المال وأسى به الفقراء والصعاليك من كل ملة واتصل خبره بالملك الظاهر فطلبه إليه وطلب منه المال فقال أما أني أعطيك من يدي إلى يديك فلا ولكنه يصل إليك من جهة من تصادره وهو لا يقدر على ما تطلبه منه فلا تعجل، وشفع فيه فلما كانت هذه الواقعة ضمنهم وحضر موضع الجباية منهم فمن قرر عليه شيء وعجز عن أدائه ساعده ومن لم يكن معه شيء أدى عنه سواء كان نصرانياً أو يهودياً وكان يدخل الحبوس ويطلق منها من عليه دين ومن وجده ذا هيئة رثة واساه ومن شكا إليه ضرورة أزاحها عنه فانتفعت به سائر الطوائف، ولما طلب من أهل الصعيد المقرر على الذمة الذين
стр. 732
بها سافر إليهم وأدى عنهم وكذلك سافر إلى الإسكندرية وغيرها.
وفي يوم السبت ثاني شوال خرج الملك الظاهر من القاهرة لحفر بحر أشموم وفرقه على الأمراء وحفر فيه بنفسه.
وفي ثامنه طلع من الشرق نجم له ذؤابة وبقي إلى نصف ذي القعدة وغاب وهو كوكب الذنب.
ووصل رسول صاحب سيس يبشر الملك الظاهر بهلاك هولاكو ثم ورد الخبر بأن عساكره اجتمعت على ولده أبغا وأن بركة قصده فكسره فعزم الملك الظاهر على التوجه إلى العراق ليغتنم الفرصة فلم يتمكن لتفرق العساكر في الإقطاعات، ولما فرغ من حفر الخليج ركب في الحراقة وأخذ معه زاد أيام قلائل وأدلاء البلاد ومضى ليسد فم جسر على بحيرة تنين انفتح منه مكان خرج منه المياه فغرق الطريق بين الورادة والعريش وأقام هنا يومين وحصل له توعك فعاد إلى مصر في حادي عشر شوال.
وفي ثاني عشر شوال يوم الخميس سلطن الملك الظاهر ولده الملك السعيد ناصر الدين محمد بن بركة قاآن وأركبه بأبهة الملك في القلعة وحمل الغاشية بين يديه بنفسه من باب السر إلى السلسلة ثم عاد وسير الملك السعيد على ظاهر القاهرة ودخل من باب النصر وشق البلد وخرج
стр. 733
من باب زويلة وسائر الأمراء مشاة بين يديه والأمير عز الدين الحلي راكب إلى جانبه والوزير بهاء الدين والقاضي تاج الدين راكبان أمامه وعليهم الخلع والأمير بدر الدين بيسري حامل الجتر على رأسه.
وفي يوم الخميس خامس ذي العقدة ختن الملك السعيد باكراً وختن معه جماعة من أولاد الأمراء والخواص وحضر الملك الظاهر ذلك بنفسه وحصل للحكماء خلع كثيرة وأموال جمة.
وفي هذه الشهور ورد على الملك الظاهر عز الدين أيبك الأغاجري من الإسكندرية وكان قد سير إليها لشنق الشريف حصن الدين بن ثعلب وسبب ذلك أن الشريف السرسنائي أحد عدول الثغر كان يتردد إلى ابن ثعلب لتأنيسه وقضاء حوائجه فذكر عنه أنه أعمل الحيلة في هروبه وسفر له عند من يعينه ويساعده وكان السرسنائي بمصر في بعض حوائجه فأخذ من جامعها وأحضر إلى القلعة وسئل عما ذكر عنه فأنكر فأرى الخطوط الواردة من الإسكندرية بالشهادة عليه فأمر بشنقه تحت القلعة وبشنق ابن ثعلب في الإسكندرية فشنقا.
ذكر قبض الملك الظاهر على سنقر الأقرع
وسبب ذلك أن رسولاً ورد من بركة على الملك الظاهر في ذي القعدة ومعه رجل ادعى أنه الملك الأشرف بن الملك المظفر شهاب الدين غازي فشهد له سنقر الأقرع وغيره فاستكشف الملك الظاهر عن أمره فظهر له أن سنقر الأقرع بعث إليه واستدعاه لغرض له فأمر الملك الظاهر بالقبض عليه وحبسه وحبس من شهد له في خزانة
стр. 734
البنود في ذي الحجة.
وفي ذي الحجة كتب توقيع وخلد في بيت المال بالديار المصرية يتضمن إسقاط بواقي تعذر استخراجها والمسامحة بها.
وفي رابع وعشرين منه قبض الملك الظاهر على الأمير شمس الدين سنقر الرومي وسببه أنه غضب على مملوكين له فشفع الملك الظاهر فيهما عنده فأجاب، فلما كان تلك الليلة قتل أحدهما فهرب الآخر وأعلم الملك الظاهر فأمر بالقبض على سنقر الرومي ولم يتعرض إلى ماله وأجرى على أولاده وحريمه وأتباعه رواتب.
وفيها ولي من كل مذهب قاضي قضاة مستقل بالديار المصرية وسبب ذلك كثرة توقف قاض القضاة تاج الدين في تنفيذ الأحكام وكثرة الشكاوي منه في يوم الاثنين ثاني عشري ذي الحجة والأمير جمال الدين أيدعذى العزيزي في المجلس وكان يكره القاضي تاج الدين فقال الأمير جمال الدين نترك مذهب الشافعي لك ونولي معك من كل مذهب قاضياً فمال الملك الظاهر إلى قوله وكان له منه محل عظيم فولى الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ العماد الحنبلي والشيخ صدر الدين سليمان الحنفي والقاضي شرف الدين عمر السبكي المالكي وفوض إلى كل منه أن يستنيب في الأعمال وأبقى على تاج الدين
стр. 735
النظر في مال الأيتام والأمور المختصة ببيت المال وكتب لهم تقاليد وخلع عليهم ثم فعل ذلك في الشام.
وفي هذه السنة أحضر بين يدي الملك الظاهر نعجة قد ولدت خروفاً على صورة الفيل له خرطوم طويل وأنياب.
وفيها قوي اهتمام الملك الظاهر بتمام عمارة الحرم الشريف النبوي وجهز الأخشاب والحديد والرصاص ومن الصناع ثلاثة وخمسين رجلاً وما يمونهم وأنفق فيهم قبل سفرهم وبعث معهم جمال الدين محسن الصالحي وشهاب الدين غازي بن فضل اليغموري مشداً والرضى ناظراً ومجير الدين أحمد بن أبي الحسين بن تمام طبيباً ومعه أدوية وأشربة، وكان سفرهم في سابع عشر شهر رجب فوصلوا المدينة في ثاني عشر شوال وأخذوا في العمارة وكلما عازهم شيء من الآلات والنفقات سير إليهم من الديار المصرية ودامت العمارة إلى سنة سبع وستين.
فصل
وفيها توفي إبراهيم بن عبد الملك بن يونس المعروف بمريد الله الشيخ الصالح وهو ابن أخت سيدنا الشيخ عبد الله اليونيني الكبير قدس الله روحه أدركه وصحبه وانتفع به وسافر إلى البلاد وعاد إلى بعلبك وسكن زاوية أنشأها مقاربة لتربة خاله الشيخ عبد الله ﵁ ظاهر بعلبك وتوفي بها في ثاني عشر ذي الحجة ودفن بحريمها ﵀ وقد نيف على سبعين سنة وكان حسن المجالسة كثير النقل عن المشايخ والفقراء كريم الأخلاق معاتقاً للفقراء متوفراً على العبادة
стр. 736
رحمه الله قال كتب في هذه السنة سهواً ووفاته في التاريخ المذكور من الشهر في سنة أربع وستين وستمائة.
إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز بن الحسن بن علي بن محمد بن يحيى ابن علي بن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن القاسم بن الوليد بن القاسم ابن الوليد بن أبان بن أمير المؤمنين عثمان رضوان الله عليه أبو إسحاق معين الدين القرشي الأموي، مولده في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة بدمشق، سمع الكثير وكتب بخطه ولم يزل يسمع ويكتب إلى أن توفي فجأة بدمشق في ثامن ربيع الأول ودفن بسفح قاسيون، وكان عدلاً مبرزاً فاضلاً متيقظاً حسن الخط من بيت العلم والقضاء والتقدم والرئاسة ﵀.
حمزة بن محمد بن حمزة بن الحسين بن حمزة أبو يعلي محي الدين البهراني الحموي الشافعي تولى الحكم بحماة مدة وكان فاضلاً سمع وحدث وتوفي بحماة رحمه الله تعالى ولي القضاء بحماة سنة اثنتين وأربعين وستمائة وعزل عنه سنة اثنتين وخمسين.
خال بن يوسف بن سعد بن الحسن بن مفرج بن بكار أبو البقاء زين الدين النابلسي الشافعي مولده بنابلس سنة خمس وثمانين وخمسمائة، سمع الكثير وحفظ من غريب الحديث جملة وقطعة جيدة من المختلف والمؤتلف من أسماء الرواة وحصل كتباً حسنة وأصولاً جيدة كان فاضلاً وتوفي في سلخ جمادى الأولى بدمشق ودفن من يومه بمقابر باب الصغير ﵀.
стр. 737
عبد الله بن يحيى بن الفضل بن الحسين بن أحمد بن سليمان أبو محمد نظام الدين الحميري الدمشقي المعروف بابن البانياسي كان من العدول الأعيان بدمشق ومولده في منتصف ربيع الأول سنة تسع وسبعين وخمسمائة سمع من أبي طاهر الخشوعي وحنبل بن سكينة وغيرهم وحدث بدمشق وبينه مشهور بالحديث والرئاسة والتقدم وتوفي إلى رحمة الله في شهر صفر ببستانه بكفر سوسة ظاهر دمشق ودفن بسفح قاسيون عثمان بن عبد الوهاب بن يوسف بنمعالي أبو عمرو شرف الدين التغلبي المعروف بابن السائق كاتب الحكم العزيز بدمشق مولده في ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة بدمشق سمع من الكندي وغيره وحدث وكان من العدول الأعيان المبرزين، وله صدقة وبر ومعروف وعنده ديانة وافرة وخطه حلو ومحاضرته حسنة ولديه فضيلة وتوفي بدمشق في مستهل شعبان وقيل في خامسه ودفن بسفح قاسيون ﵀.
فتح بن موسى بن حماد بن عبد الله بن علي بن يوسف أبو نصر نجم الدين الأموي المعروف بالقصري ولد في رجب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بالجزيرة الخضراء من بلاد الأندلس ونقله والده إلى قصر ابن عبد الكريم المعروف بقصر كتامة وعمره مقدار خمس سنين فنشأ
стр. 738
بالقصر فلهذا نسب إليه ولما بلغ خمس عشرة سنة عاد إلى الجزيرة الخضراء واشتغل بها في النحو، ثم عاد إلى القصر وورد عليهم الشيخ أبو موسى عيسى الجزولي صاحب المقدمة فقرأها عليه سماعاً لا بحثاً في القصر ثم سافر بعد ذلك إلى بلاد الشرق في سنة سبع وستمائة فوصل إلى إفريقية وأقام بها مدة في تونس ثم توجه إلى الديار المصرية ثم انتقلالى الشام في سنة عشر وستمائة واشتغل بحماة علىالشيخ سيف الدين الآمدي ﵀ بالأصولين والخلاف ثم انتقل إلى بلاد الشرق وتولى التدريس بمدرسة الأمير عماد الدين ابن المشطوب ﵀ التي بمدينة رأس عين سنة سبع عشرة وستمائة وأقام بها سنين كثيرة ثم تولى وكالة بيت المال لما ملك الكامل ﵀ بلاد الشرق ونظم كتاب المفصل للزمخشري وكتاب الإشارات للرئيس أبي علي بن سينا ولما انفصل إلى الديار المصرية نظم بها سيرة سيدنا رسول الله ﷺ في اثني عشر ألف بيت وكلها على حرف الراء وله عدة تواليف وتولى التدريس بالمدرسة الفائزية بمدينة سيوط زماناً ثم تولى القضاء بها أيضاً وكان دخوله إلى الديار المصرية في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة وتوفي يوم الأحد رابع جمادى الأولى من السنة بسيوط من صعيد مصر ﵀ قال قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ﵀ أنشدني لنفسه بقلعة
стр. 739
الجبل من الديار المصرية في يوم السبت الرابع من شهر رجب سنة تسع وخمسين وستمائة بيتين كتبهما من حلب إلى بعض أصدقائه برأس عين وهما:
حلب مذ حللتها حل فيها ... عين رأسي والقلب في رأس عين
هي في القلب لا بل القلب فيها ... جمع الله بين قلبي وعيني
فراس بن علي بن زيد بن معروف بن أحمد بن مهنا أبو العشائر نجيب الدين الكناني العسقلاني الأصل الدمشقي المولد والدار والوفاة، مولده في ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، سمع من الخشوعي والكندي وغيرهما وكان من العدول الأعيان ذوي الثروة واليسار، والوجاهة والرئاسة وتوفي في الخامس والعشرين من شعبان ودفن بمقابر باب الصغير ظاهر دمشق ﵀.
محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن الحسن بن عبد الله بن أحمد أبو عبد الله القسطلاني التوزري المولد المكي الدار والوفاة المالكي المذهب إمام حطيم المالكية بمكة شرفها الله تعالى ومولده سنة ثمان وتسعين وخمسمائة سمع من أبي حفص عمر بن محمد بن الهروروي وغيره وحدث وكان شيخاً صالحاً عالماً فقيهاً فاضلاً له نظم جيد وتوفي بمكة شرفها الله تعالى في الثامن والعشرين من شوال ودفن من الغد بالمعلى ﵀.
محمد بن الحسين بن علي المعروف بابن امرأة الشيخ علي الفرنثي
стр. 740
رحمه الله كان شيخاً صالحاً حسناً مليح الشكل حلو المحادثة سليم الصدر علي آثار الخير والصلاح بادية زاويته بسفح قاسيون على نهر يزيد من أحسن الزوايا وأنضرها وفي جانبها الشرقي قبة بها ضريح الشيخ علي الفرنثي وكن والده ﵀ يحب الشيخ محمد ويؤثره وبنى في زاويته المذكورة مكاناً يختص به على النهر ولما نزل دمشق في شهور سنة خمس وخمسين وستمائة صعد إلى مكانه الذي بناه بالزاوية وأقام به أياماً وحضر السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف إلى زيارته وهو به وكان الشيخ محمد كثير التردد إلى بعلبك لزيارة والدي والاجتماع به وتوفي الشيخ محمد المذكور في الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول في زاويته ودفن بها وهو في عشر الثمانين ﵀ وخلف أولاداً جماعة درجوا إلى رحمة الله عن أخرهم وآخر من توفي منهم أحمد في أول سنة تسعين بظاهر عكا.
موسى بن يغمور بن جلدك بن يلمان بن عبد الله أبو الفتح جمال الدين مولده في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالقرية قرية بالقرب من سمنهود من أعمال قوص وهو ياروقي الأصل سمع من جماعة وحدث وتوفي في مستهل شعبان بالقصير من أعمال الفاقوسية بين الغرابي والصالحية وحمل إلى تربة والده بسفح
следующие страницы →