Полный текст (1 675 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الجواز القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز وجماعة وممن أجازها الشيخ شمس الدين الحنبلي وجماعة فعمل بقول من جوز ذلك وحضر الصلاة الصاحب وجماعة كثيرة من العلماء والأمراء.
وفيها ورد الملك المنصور صاحب حماة إلى القاهرة فخرج الملك الظاهر لتلقيه واحتفل به فسأل التوجه إلى الإسكندرية فأجيب وسير معه الأمير شمس الدين الفارقاني وتقدم إلى شمس الدين بن باخل متولي الثغر أن يحمل إليه في كل يوم من بيت المال مائة دينار وإن ينسج له في دار الطراز ما يقترحه وينفق عليه من بيت المال أيضاً.
وفيها شرع في بناء جامع الحسينية في ميدان قراقوش في منتصف جمادى الآخرة والمتولي لذلك الصاحب بهاء الدين وعلم الدين سنجر المسروري متولي القاهرة إذ ذاك فبنى أحسن بناء وزخرفت جهة القبلة وعمل على جهة المحراب قبة عظيمة وتمت عمارته في شوال سنة سبع وستين ورتب به إمام حنفي ووقف عليه حكر ما بقي من الميدان.
وفي يوم السبت العشرين من جمادى الآخرة توجه الملك الظاهر إلى الشام وصحبته صاحب حماة عازماً على عمارة صفد واستصحب معه البنائين والنجارين فأقام عليها مدة ووصله لخبر بأن طائفة من التتار قصدت البيرة فسار مبادراً إلى دمشق فبلغه عودهم فعاد إلى صفد وعمر الباشورة وجدد في القلعة أبراجاً ثم رحل عنها وقصد الكرك.
стр. 772
وفي تاريخ خروجه من الديار المصرية إلى الشام وصل فارس الدين آقوش عائداً من الرسالة التي كان توجه فيه سنة إحدى وستين إلى بركة فاستولى عليه وعلى من معه وأعاقه مدة ثم أفرج عنه بعد أن أخذ جميع موجوده.
وفي شعبان ولي الخطابة بمصر عز الدين بن الشهاب بحكم وفاة خطيبها شرف الدين عبد القادر الطوخي وولي قضاء القضاة بالقاهرة والوجه الشرقي تقي الدين محمد بن الحسين بن زرين في التاسع من شعبان وولي القضاء بمصر والوجه القبلي محي الدين أبو محمد عبد القادر بن قاضي القضاة شرف الدين محمد المعروف بابن عين الدولة الإسكندري وولي النظر في ديوان الأحباس تاج الدين علي بن القسطلاني وولى تدريس الشافعية بالمدرسة الصالحية صدر الدين بن قاضي القضاة تاج الدين وولى النظر في الخانكاه الشيخ شمس الدين الحنبلي وفوض النظر في مدرسة الشافعي ﵁ بالقرافة لبهاء الدين علي بن عيسى نيابة عن الصاحب فخر الدين بن الوزير بهاء الدين وهذه المناصب جميعها كانت بيد تاج الدين خلا الخطابة وفي ثامن ذي القعدة توجه الأمير عزالدين الحلي إلى الحجاز وباشر نيابة السلطنة بالديار المصرية الخازندار.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشر ذي الحجة وصل الملك الظاهر من الشام إلى القاهرة وفي العشرين منه أمر بتسمير جماعة كانوا محبوسين
стр. 773
بخزانة البنود منهم الملك الأشرف بن شهاب الدين غازي والناصح ضامن بلاد الواحات وغيرهما.
وفيها توفي بركة ملك التتار وقام مكانه منكوتمر بن طغان بن صرطق بن باتو بن تولي بن جنكز خان فجمع عساكره وقدم عليها مقدماً وسيره إلى بلاد أبغا فجمع أبغا عساكره وساق إلى أن نزل على نهر كور وأحضر المراكب والسلاسل وعمل جسرين على النهر وعدا إلى جهة منكوتمر وما زال سائراً حتى نزل على النهر الأبيض فعدا منكوتمر بعساكره من شماخي وشروان وهما جبلان وما زال إلى أن وصل إلى النهر الأبيض ونزل من الجانب الشرقي وعسكر أبغا في الغرب ولبسوا آلة الحرب وتراسلوا وبعد ثلاث ساعات من النهار حرك أبغا كوساته وقطع النهر الأبيض وحمل على منكوتمر وكسره ولم يزل في طلبه والسيف يعمل إلى جبلي شماخي وشروان فرد عسكر منكوتمر إلى عسكر أبغا فلم يتحرك أبغا وثبت لهم ولم يزالوا كذلك إلى العشاء الآخرة وهرب منكوتمر إلى بلاده ورجع أبغا بعد أن كسب كسباً عظيماً وعدا من الجسور المنصوبة ونزل على نهر كور وجمع كبراء دولته وشاورهم على عمل سور من خشب على نهر كور فقالوا مصلحة فقام وقاس البحر من حد تفليس إلى حد كسيس فكان جزء كل مقدم مائة فارس عشرين ذراعاً بالعمل فقام السور في سبعة أيام ورحل ونزل حاجى وعان وبلغان فشتى تلك السنة هناك.
стр. 774
فصل
وفيها توفي إسحاق بن خليل بن فارس أبو يعقوب كمال الدين الشافعي المعروف بالسقطي كان فقيهاً عالماً فاضلاً عارفاً بالمذهب اشتغل على الشيخ فخر الدين ابن عساكر وغيره وأفتى ودرس وسمع وحدث تولى الحكم بزراً مدة وناب في الحكم بدمشق مدة أخرى وتوفي بدمشق في العشرين من شهر رجب وهو في عشر الثمانين ودفن بسفح قاسيون ﵀.
إسماعيل بن محمد بن أبي بكر بن خسرو الكوراني الشيخ الصالح توفي بمدينة غزة وهو قافل من الديار المصرية إلى القدس الشريف ودفن بظاهرها وكانت وفاته في الثاني والعشرين من شهر رجب وكان من المشايخ المعروفين بالزهد والورع والعبادة والجد والعمل منقطعاً عن الناس مؤثراً للتخلي مشتغلاً بنفسه وعبادة ربه والإقبال على أخرته كثير التحري في ملبسه ومأكله ومشربه يسأل العلماء عما يشكل عليه من أمر دينه قل أن يوجد مثله في زمنه ﵀.
بركة بن تولي بن جنكز خان ملك التتار وهو ابن عم هولاكو المقدم ذكره وبلاده متسعة جداً وهي بعيدة عنا وله عساكر عظيمة وافرة العدد ومملكته تفوق مملكة هولاكو بكثرة البلاد والعساكر والأموال لكن جند هولاكو استغنوا بما نهبوه من الأقاليم التي استولوا عليها وكان بركة يميل إلى المسلمين كثيراً ويعظم أهل العلم ويعتقد في الصلحاء من المسلمين ويتبرك بمشايخهم ويرجع إلى أقوالهم وكلمتهم
стр. 775
عنده مسموعة وحرمتهم في ممالكه وافرة وكان أعظم أسباب لوقوع الحرب بينه وبين هولاكو كون هولاكو قتل الخليفة المستعصم بالله ومكان يميل إلى مودة الملك الظاهر ركن الدين ويعظم رسله وكان جماعة من أهل الحجاز يتوجهون إليه فيبرهم ويعطيهم المال الكثير ويبالغ في احترامهم والإحسان إليهم وكان قد أسلم هو وكثير من جنده والمساجد الخيام المحمولة معه ولها الأئمة والمؤذنون ومتى نزل في مكان ضربها وأقيمت فيها الصلوات الخمس وكان شجاعاً جواداً حازماً عادلاً حسن السيرة في رعاياه يكره الإكثار من سفك الدماء والإفراط في خراب البلاد وعنده رأفة وحلم وصفح وتوفي ببلاده في هذه السنة وهو في عشر الستين وقام مكانه منكوتمر بن طغان بن صرطق بن باتوبن تولى ابن جنكز خان وعند ما استقل بالملك جمع عساكره وقدم عليها مقدما سيره إلى بلاد أبغا بن هولاكو.
الجنيد بن عيسى بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان أبو القاسم ظهير الدين الزرزاري الأربلي الشافعي، مولده سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة باربل في شهر صفر سمع من ابن طبرزد وحنبل وغيرهما وحدث وولي عدة جهات وكان مشكور السيرة فيما يتولاه عدلاً أميناً ضابطاً وعنده رياسة ومكارم أخلاق ولين جانب وحسن عشرة ومحاضرة حسنة وعنده فضيلة وأدب وتوفي في الرابع والعشرين من شوال بدمشق ودفن من الغد بسفح قاسيون ﵀.
стр. 776
الحسين بن عزيز بن أبي الفوارس أبو المعالي الأمير ناصر الدين القيمري كان من أعظم الأمراء وأجلهم قدراً وأكبرهم شاناً وله المكانة المكينة والوجاهة التامة والكلمة النافذة والإقطاعات الجليلة وكان شجاعاً كريماً عادلاً حازماً رئيساً كثير البر والصدقة وهو الذي سلم دمشق والشام إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بعد قتل الملك المعظم توران شاه وكان هو وأقاربه معظم عسكر الشام في الأيام الناصرية وكان الملك الظاهر ركن الدين قد أقطعه إقطاعاً جيداً وجعله مقدم العساكر بالساحل قبالة الفرنج فتوفي به مرابطاً في يوم الأحد ثالث عشر ربيع الأول وعمل عزاؤه بجامع دمشق يوم الجمعة ثامن عشر الشهر المذكور وهو الذي عمر المدرسة المعروفة به بناحية مأذنة فيروز وهي من أجل مدراس دمشق وأحسنها وعمل على بابها ساعات لم يسبق إلى مثلها قيل أنه غرم عليها ما يزيد على أربعين ألف درهم وكان عالي الهمة يضاهي الملوك في موكبه وتجمله وكثرة غلمانه وحاشيته وخيوله وبيوتاته وما يجري هذا المجرى رحمه الله تعالى، ووالده الأمير شمس الدين عزيز كان جليل القدر وكان الأمير ناصر الدين كثير العقل والمداراة والاحتمال سمع مرة بعض الأمراء الأكراد يقع في البحرية وينتقصهم فسبه وانتهره فقال يا خوندهم أعداؤنا فقال بئس ما قلت ليس بيننا وبينهم عداوة وكلمة الإسلام تجمعنا ونحن وهم شيء واحد وإنما القوم في خدمة ملك ونحن في خدمة ملك آخر وبين الملكين وحشة كما جرت العادة أن
стр. 777
تكون بين بعض الملوك فلو زالت الوحشة من بين الملكين صرنا نحن وهم كالنفس الواحدة وهذا الكلام يدل على عقل كثير وسداد رأي وحسن تأن ﵀.
عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن عباس ابن محمد أبو القاسم شهاب الدين المقدسي الأصل الدمشقي المولد والدار والوفاة الفقيه الشافعي المعروف بابن أبي شامة مولده في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر بدمشق سنة تسع وتسعين قرأ القرآن والعربية وتفقه وسمع وحدث واختصر تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر وصنف في فنون كثيرة وكان عالماً فاضلاً متقناً متفنناً عنده مشاركة في كثير من العلوم واستقلال ببعضها لكنه كان كثير الغض من العلماء والأكابر والصلحاء والطعن عليهم والتنقص بهم وذكر مساوئ الناس وثلب أعراضهم ولم يكن بمثابة من لا يقال فيه فقدح الناس فيه وتكلموا في حقه وكان عند نفسه عظيماً فسقط بذلك من أعين الناس مع ما كان عليه من ثلب العلماء والأعيان وذكر ما يشينهم به وله نظم متوسط وفيه كثرة وكانت وفاته في التاسع عشر من شهر رمضان سحراً ودفن من يومه بمقابر باب الفراديس ﵀ وكان ولي في آخر عمره مشيخة دار الحديث الأشرفية رحم الله واقفها بدمشق بعد القاضي عماد الدين عبد الكريم بن الحرستاني ﵀ ودرس وأفتى ومن شعره:
стр. 778
قلت لمن قال ألا تشتكي ... ما قد جرى فهو عظيم جليل
يقيض الله تعالى لنا ... من يأخذ الحق ويشفي الغليل
إذا توكلنا عليه كفى ... فحسبنا الله ونعم الوكيل
وكان قد وقف معظم كتبه وشرط شروطاً ضيق فيها فأوجب ذلك الغاء شروطه بالكلية وعدم التقيد بشيء منها، وبالجملة فكان غير موفق في معظم حركاته رحمه الله تعالى وإيانا وسامحه بما نال من أعراض المسلمين وتجاوز عنا وعنه ومن تواليفه شرح مدائح النبي ﷺ مجلد، شرح قصيدة الشاطبي مجلدين، مختصر تاريخ دمشق الأكبر خمسة عشرة مجلداً، المختصر الأصغر خمس مجلدات، الروضتين مجلدين، شرح حديث المبعث، تفسير آية الإسراء، ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري، المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول، كتاب البسملة، مختصر، الروضتين، الباعث على إنكار البدع والحوادث، كشف حال بني عبيد، الواضح الجلي في الرد على الحنبلي، مقدمة في النحو، نظم مفصل الزمخشري القصيدة الدامغة للفرقة الزائغة، قصيدتان في وصف أفعال الحاج، وذكر منازل الطريق من جهة الشام، وغير ذلك.
عبد العزيز بن إبراهيم بن علي بن علي بن أبي حرب أبو الفضل مهاجر أبو محمد تاج الدين ويعرف بابن الوالي الموصلي وكان أصلهم أجناداً وكان شرف الدين إبراهيم والد تاج الدين المذكور قد وزر لمظفر الدين صاحب إربل ﵀ ثم قبض عليه سنة ثمان وعشرين وستمائة.
стр. 779
واستوزر بعده شرف الدين المبارك بن المستوفي ﵀ وكان تاج الدين عبد العزيز المذكور رئيساً عالي الهمة عنده مكارم وعفة وهو مشكور السيرة في ولاياته، حسن التأني في تصرفاته، تنقل في المناصب الجليلة وآخر ما ولى وزارة الشام بعد أن صرف عنها عز الدين عبد العزيز بن وداعة الآتي ذكره فقدم دمشق وباشر ما عذق به من ذلك ولم تطل مدته ودرج إلى رحمة الله في هذه السنة بدمشق ﵀ وقد نيف على الستين سنة من العمر، وناب تاج الدين عن أبيه أيام تقلده وزارة إربل وسير رسولاً غير مرة إلى الديوان ببغداد فأكرم وأنعم عليه وكان متجملاً في زيه ومتنعماً يتأنق في مأكوله وملبوسه ومولده ليلة الأربعاء سابع عشر شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة قال المبارك بن أبي بكر بن حمدان أنشدني لنفسه:
إذا أمت الآمال كعبة رفدكم ... فلا عجب أن تنتحي بالرغائب
ومن عذبت منه الموارد أجمعت ... عليه رجال الوفد من كل جانب
عبد الوهاب بن خلف بن محمود أبو محمد تاج الدين العلامي الفقيه الشافعي المعروف بابن بنت الأعز قاضي القضاة بالديار المصرية كان إماماً عالماً فاضلاًُ متبحراً انتقلت به الأحوال وولي المناصب الجليلة كنظر الدواوين والوزارة وقضاء القضاة ودرس بالمدرسة الصالحية النجمية للطائفة الشافعية وبالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي رحمة الله
стр. 780
عليه وبغيرها وتقدم عند الملوك تقدماً عظيماً وكانت له الحرمة الوافرة والمكانة العظيمة عند الملك الظاهر ركن الدين وهو أحد العلماء المشهورين والرؤساء المذكورين ذا ذهن ثاقب وحدس صائب وجد وعزم وحزم ورأي سديد مع النزاهة المفرطة وحسن الطريقة وجميل السيرة والصلابة في الدين والتثبت في الأحكام وتخير الأكفاء لولاية المناصب لا تأخذه في الله لومة لائم ولا يعدل عما يوجبه الشرع الشريف من الأحكام والناس كلهم عنده في ذلك سواء لا يراعى أحداً ولا يداهنه ولا يقبل شهادة من يوجب الشرع الشريف التوقف في قبول شهادته ومن ارتاب منه أسقطه وكان قوي النفس عالي الهمة ومولده في مستهل شهر رجب سنة أربع عشرة وستمائة وتفقه وسمع من أبي الفضل جعفر بن أبي الحسن الهمذاني وغيره وحدث وأفتى وكانت وفاته في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب ودفن من الغد بسفح المقطم ﵀ وكان لقوة نفسه وعظم محله يترفع في قعوده على الصاحب بهاء الدين وزير الملك الظاهر ولا يحتفل بأمره فكان ذلك يعظم على الوزير ويقصد نكايته فلا يقدر على ذلك ولا يستطيعه ولا يجد عليه مطعناً فكان يوهم الملك الظاهر أن للقاضي أموالاً ومتاجر كبيرة ويقصد تقرير ذلك في ذهن الملك الظاهر واتفق أن بعض التجار ورد الإسكندرية وذكر لأرباب الزكاة ما معه من المتجر والمال وقام بما جرت به العادة ثم وجد معه ألف دينار غير ما اعترف به فأنكر عليه ذلك فقال
стр. 781
ما هي لي وإنما هي معي وديعة للقاضي تاج الدين فكتب بذلك إلى الوزير فقال للملك الظاهر ليحقق ما قرره عنده فسأل الملك الظاهر القاضي تاج الدين عن ذلك فما رأى أن يعترف ليحصل غرض الوزير ولا أمكنه أن ينكر لكونها له فقال الناس يقصدون التجوه بالناس ليراعوا وإن كانت هذه الألف دينار لي فقد خرجت عنها لبيت المال فأخذت وسهل عليه ذهابها مع كثرة شحه ولا يبلغ الوزير مقصوده منه، وحكى أن الوزير بهاء الدين كان يختار أن يحضر القاضي تاج الدين إلى داره ولو عائداً له فاتفق أن مزاجه تغير وانقطع عن القلعة أياماً وتردد إليه الناس لعيادته ولم يفتقده القاضي تاج الدين فقال له أصحاب الوزير المختصون به لما يعلمون من إيثار الوزير لحضور القاضي لعيادته يا مولانا الصاحب بهاء الدين في شدة عظيمة وهو منقطع فلو عاده مولانا ما كان به بأس فقال إلى يوم الأربعاء وكان من عادته أن يتوجه إلى مصر في كل يوم أربعاء للحكم فيها بنفسه فلما كان يوم الأربعاء وأراد التوجه إلى مصر سلك الطريق الذي يمر فيها على دار الوزير فلما قرب من الباب أخبر الوزير بحضوره فقام من فراشه ونزل من الإيوان متلقياً له فلما دخل وجده في أرض الدار قائماً قال بلغنا أنك في شدة عظيمة وأنت تقوم سلام عليكم وعطف راجعاً ولم يزد على ذلك.
علي بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أحمد بن ميمون
стр. 782
أبو الحسن تاج الدين القيسي المصري المالكي المعروف بابن القسطلاني مولده ليلة السابع عشر من جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بمصر، تفقه وسمع من جماعة كثيرة وحدث بالكثير مدة ودرس بالمدرسة المالكية المجاورة للجامع العتيق بمصر وتولى مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة إلى حين وفاته وكان أحد المشايخ المشهورين بالفضل والدين والعدالة وحسن الخلق ولين الجانب ومحبة الحديث وأهله والتواضع والصلابة في الدين وتوفي بكرة السابع والعشرين من شوال بمصر ودفن من يومه بسفح المقطم ﵀ وكانت جنازته متوفرة الجمع.
محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك وهو عمرو أبو الفضل بن أبي عبد الله ابن أبي الفتوح بن أبي سعد بن أبي سعيد شرف الدين القرشي التيمي البكري مولده بالقاهرة سنة تسعين وخمسمائة سمع من جماعة وأجاز له جماعة وحدث هو وأبوه وجده وأخوه صدر الدين البكري تقدم ذكره ونسبه إلى الصديق رضوان الله عليه فأغنى عن إعادته هنا توفي شرف الدين المشار إليه في الرابع من المحرم بالقاهرة ودفن من الغد بسفح المقطم ﵀.
ملكشاه بن عبد الملك شمس الدين الحنفي المعروف بقاضي بيسان كان فقيهاً عالماً فاضلاً تولى نيابة الحكم بدمشق مدة ودرس بالمدرسة المعينية وكانت وفاته في سادس عشر صفر بدمشق ودفن بمقابر باب الصغير ﵀.
стр. 783
يعقوب بن نصر الله بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي ابن صدقة أبو يوسف تاج الدين التغلبي الدمشقي المعروف بابن سنى الدولة وهو خالي شقيق والدتي مولده بدمشق في السابع من جمادى الأولى سنة ست وتسعين وخمسمائة سمع من حنبل وغيره وكان من الرؤساء العدول تولى عدة مناصب وكان موصوفاً بمعرفة صناعة الكتابة وتوفي ببعلبك وهو ناظرها وما أضيف عليها من الأعمال وكانت وفاته في العشر الآخر من ذي الحجة ودفن في حجرة الشيخ عبد الله اليونيني قدس الله روحه وكان تاج الدين سليم الصدر حسن الظن بالفقراء والصلحاء رحمه الله تعالى.
يعقوب بن ... أبو يوسف شهاب الدين المعروف بابن الأنباري كان فاضلاً أديباً حسن النظم توفي في هذه السنة بحماة وقد جاوز سبعين سنة ومن شعره في الصفي بن الدجاجية وقد ولي الأهراء:
ألا قل لسيف ملوك الزمان ... ومن هو إلب على من قسط
وكلت وأنت امرؤ حازم ... إلى ابن الدجاجة رعى الحنط
وأنت العليم به أنه ... إذا جاع وهو عليها لقط
السنة السادسة والستون وستمائة
دخلت هذه السنة والخليفة والملوك على ما كانوا عليه في السنة الخالية والملك الظاهر بقلعة الجبل.
وفي ثالث صفر قدم الأمير عز الدين الحلى من الحج فخرج
стр. 784
الملك الظاهر لتلقيه إلى البركة ثم توجه الحلى لزيارة القدس والخليل ﵇ وعاد في سادس عشر ربيع الآخر فأعيدت إليه نيابة السلطنة بالديار المصرية.
وفي عاشر صفر عقد مجلس بين يدي الملك الظاهر للضياء بن الفقاعي بحضور الصاحب بهاء الدين وجرى فيه ما اقتضى صرف الضياء والحوطة عليه وأخذ خطه بجملة من المال ولم يزل يضرب إلى أن مات وأحصيت السياط التي ضربها في نوب متفرقة فكانت سبعة عشر الفاونيف وسبعمائة سوط.
وفيها وصل رسول المظفر شمس الدين يوسف صاحب اليمن إلى مصر ومعه فيل وحمار وحش معمد بأبيض وأسود وخيول وصيني ومسك وعنبر وغير ذلك من التحف وطلب معاضدة الملك الظاهر له وشرط أنه يخطب له في بلاده فجلس الملك الظاهر بقلعة الجبل يوم الأربعاء حادي عشر ربيع الأول واستدعى الرسول وقبل الهدية وبعث في جواب الرسالة الأمير فخر الدين إياز المقزي وعلى يده خلع وسنجق وتقليد بالسلطنة.
وفي يوم السبت ثاني جمادى الآخرة خرج الملك الظاهر إلى بركة الجب عازماً على قصد الشام وترك نائباً عنه للسلطنة الأمير بدر الدين الخازندار ورحل في رابع الشهر فوردت عليه رسل صاحب يافا بضيافة فاعتقلهم وأمر العسكر بلبس العدة ليلاً وسار فصبح يافا فأحاط بها من كل جانب فهرب من كان بها إلى القلعة فملكت المدينة
стр. 785
وطلب أهل القلعة الأمان فأمنهم وعوضهم عما نهب لهم أربعين ألف درهم فركبوا في المراكب إلى عكا وملكت القلعة في الثاني والعشرين منه وهدمت والمدينة وكانتا من بناء ريدا فرنس لما نزل الساحل بعد كسرته وخلاصه من الأسر سنة ثمان وأربعين وستمائة وأصدرت كتب البشائر عن السلطان بفتحها فمن ذلك مكاتبة إلى قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ﵀ من إنشاء القاضي محي الدين عبد الله ابن عبد الظاهر مضمونها: هذه المكاتبة إلى المجلس السامي اسمعه الله من البشائر أجملها، ومن التهاني أشملها، ومن تحيات النصر أفضلها، ومن سور الإتحاف بالظفر منزلها، تعلن ببشرى بفتح حسن استفتاحه، وتساوى في الجلالة غرره وأوضاحه، وأتى بسملة لهذه الغزاة المباركة التي بها تتبرك المهارق، ومفتاحاً لمغلق الحصون التي إن فتحها الله فلا مغلق، وإن سهلها فلا عائق، وذاك لأن يافا كانت قد كثر عدوان من فيها، وحصل من إضرارهم ما لا يقدر أحد على تدارك تحيفاتها ولا تلافيها، وصارت لعكا يسر الله فتحها طليعة مكر، ومادة كفر، منها يمتارون من كل ممنوع، وربما يأمنون من خوف ويشبعون من جوع، ويتطلعون إلى دار الإسلام منها من وراء زجاجة، ويجعلونها لهم باباً يتوصلون منه عند الإجاحة إلى ما في نفوسهم من حاجة، فلما توجهنا هذه الوجهة المباركة، وتعوضنا فيها عن إنجاد الملوك بالملائكة حرفنا إليها العنان يسيراً، وعرجنا عليها تعريج مستروح ثم يستأنف مسيراً، وطرقناها بكرة يوم الأربعاء
стр. 786
العشرين من جمادى الآخرة فما مضى إلا بقدر ما جردت السيوف من الإغماد، أخذت المعاول في العويل على أهل الإلحاد، ونطقت ألسن الأعلام بالنصر المبين، وتلقى النصر رايتنا باليمين، وطفنا بها طواف المناطق بالخصور، والشفاه بالثغور، وإذا بأهلها يطلبون الأمان على النفوس خاصة وإنهم يبذلون لنا كل ما لهم من مال وعلال وسلاح وغير ذلك فأجبناهم إلى ذلك وما فتحوا الأبواب إلا والرجال قد فتحت النقوب، ولا جيبوا الأطواق إلا والسيوف قد فتقت الجيوب، ولا خرجوا من قلتها إلا والابطال عليها قد علت، ولا طلعوا منها إلا والأولياء إليها وما حصلوا خارجها إلا والمقاتلة بها قد حصلت وتسلمناها وقلعتها فتحاً قريباً، وتسنمناها مرتعاً مريعاً ومربعاً خصيباً، وسطرناها في الساعة التي قام لسان العلم قبل سان القلم على منبرها خطيباً، فيأخذ حظه من بشرى جاءت طليعة لما بعدها من البشائر، وأقبلت مقهمة بأن لا بد بعدها من فتوحات تتبع الأوائل منها الأواخر والله تعالى يوفقه في الموارد والمصادر، إن شاء الله تعالى.
فلما فرغ من هدم يافا رحل يوم الأربعاء ثاني عشر شهر رجب طالباً للشقيف فنزل عليه يوم الثلاثاء ثامن عشر الشهر وظفر بكتاب من الفرنج الذين بعكا يتضمن أعلام النواب بالشقيف إن المسلمين لا يقدرون على أخذ الحصن إن احتفظوا به وجدوا في تحصينه وينبهونهم على أماكن يخاف على الحصن منها إن أهملت فاستدعى ببعض من يكتب بالفرنجي
стр. 787
وأمره أن يكتب كتاباً يذكر فيه إمارات بينهم وبين أهل عكا استفادها من الكتاب ويحذر الكمندور المقيم بالشقيف من الوزير المقيم عنده ومن جماعة كانت اسماؤهم في الكتاب وكتاباً آخر إلى الوزير يحذره من الكمندور ويأمره إن احتاج إلى مال يأخذه من فلان وسمى شخصاً كان اسمه في الكتاب وتحيل في وصول الكتابين إليهم فلما وقفوا عليهما اختلفوا مع شدة الحصار بالزحف والمنجنيقات فالجأهم الخلف إلى أن أرسلوا إلى الملك الظاهر وقرروا تسليم الحصن وإن لا يقتل من فيه فتسلمه يوم الأحد تاسع عشرين شهر رجب وكان ملك الباشورة بالسيف في سادس وعشرين منه واصطنع الكمندور وكانت عدة من كان فيه أربعمائة وثمانين رجلاً واثنين وعشرين أخاً فأركبهم الجمال إلى صور وسير من معهم يحفظهم ممن يؤذيهم وأنشئت كتب البشائر إلى الأطراف فمنها كتاب إلى قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ﵀ من إنشاء كمال الدين أحمد بن العجمي ﵀ مضمونه: صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي القضائي لا زالت البشائر تحل به ربعاً، وتصنع لديه في الإبلاغ حسناً وتحسن صنعاً، وتسر بالإفهام والإلمام والإعلام له قلباً وبصراً وسمعاً، تعلمه بفتح أمست وجوه البشائر ببشره متهللة، وأسماع المنابر لوعيه متبتلة وفروض الجهاد به مؤداة ولكنها مشفوعة بالسيوف المسنونة والغزوات المنتفلة وهو فتح الشقيف الذي جاء بتناوب الإتحاف إلى القلوب، ويتناسب أنباؤه كالرمح أنبوب على
стр. 788
أنبوب، ويتعاقب مسراته إلى الإسلام كما تتعاقب الأنواء لنفع الثرى المكروب، وأقبل بعد فتح يافا كما تقبل البكر التي لا بد لها بعد سهولة الهداء من الامتناع عند الافتراع وتهادى تهادي الغيث الذي لا بد له عند نزوله من الرعد المرعج والبرق اللماع، كان نزولنا عليها في تاسع عشر شهر رجب المبارك سنة ست وستين وستمائة بعد أن سلكنا إليها في أوعار تتعثر بها ذيول الرياح، وهبطنا في أودية لا يأنس فيها إلا بمجاوبة الصدى لقعاقع السلاح، وصعدنا في جبال لا يرى الأشباح، منها إلا كالذر والذري إلا كالأشباح، وهذه القلعة من وجه هذه الشواهق بمكان الغرة، ومن كتابها بمنزلة الطرة، كأنها سمع تناجيه النجوم بأسرارها، أو راحة بما بسطته من أصابع شرفاتها وتلك البواشير منها بمنزلة سوارها، يكاد الطرف ينقلب عنها خاسئاً وهو حسير، وكل ذي جناح يغدو دون منالها يطير، قد أحكم بناؤها فلا أيدي المعاول لأطراف أسوارها مجاذبة، وحصن فناؤها فلا غير الغمائم لها مجاورة ولا غير الرعود لها مجاوبة قد تحصن بها من الكفر كل مستقتل، وتوطنها منهم كل جاهل يرجع في التحصن بها إلى منعتها وكيف لا وهو لها مستعمل، وقد انتخبهم الفرنج من بينهم انتخاب المناصل بسريع سهامه والمفاضل لبديع كلامه وحلوا منه ذروة بعيدة المنال، وتوقلوا صهوة لا تتخطى إليها الآمال، وكنا كما قد علم المجلس السامي أعزه الله قد سيرنا إليها العساكر الشامية تمسك
стр. 789
منها الخناق، وتأخذ منها بمجامع الأطواق، فخفت بها كما حفت الخواتم بالخناصر، أو كما حفت بالعيون الأهداب ودارت حولها سوراً ما له غير الخود من شرفات وغير نواهد الخيل من أبراج وغير حنايا السيوف من أبواب، وأحدقت بثغرها كما تحدق الشفاه بالثغور، وأطافت بها قبل إطافتنا كما يطوف البند قبل المنطقة بالخصور، وأقامت السمهرية ترمقهم بزرق عيونها والمشرفية، تتناعس لاستنامتهم بتغميض جفونها، وبقيت السنة الصناجق في أفواه غلفها صامتة لسماع الزحافات مصغية، وكواسر الآساد في آجامها من الرماح السمهرية مقعية، وصارت السهام في كنائنها تقلق، وأخشاب المجانيق لتفرق أجزائها تفرق، إلى أن بعثنا الله من فتحها إلى المقام المحمود، وانقضت مدة أرجائها في يد الكفر وما كان تأخيره إلا لأجل معدود، ونزلنا ربعها بالعساكر التي سيوفها مفاتيح الحصون، ورماحها أرشية المنون، فما نزلنا من ظهر جوادنا إلا على ظهر جبلها الذي حرته عن يمينه جنيبا، ولا ألقينا عصى
التسيار حتى حملنا أعواد المجانيق على عاتقنا لنقدمها إلى الله تقرباً وإليهم تقريباً، وللوقت نفخ أمرنا في صور الإيعاز بالمضايقة، ونشر العالم في صعيد وأخذ للمسابقة إلى صعودها والمساوقة، وفي الوقت الحاضر اجتمعت أغضاء المجانيق المنفصلة، وتخطت في الهواء كفالها المنتعلة، واعتزلت كل فرقة من أوليائنا بمنجنيق يقيمه وأعجب شيء أنها الظاهرية وأصبحت المعتزلة، وعن قريب أهوت إلى الأعداء محلقة صقور الصخور وتتابعت حجارتها إليهم عند ما حصلت من المجانيق في الصدور، فبعثرت من أجسادهم المرسومة بالقلعة ما في القبور، وكانت هذه القلعة المذكورة قد قسمها العدو قسمين، وخاصم الإسلام منها بخصمين، وجعلها قلعة دون قلعة، وصيرها ملكاً مقسوماً حتى لا تكون فيه شفعة، وجعل أحديهما مهبط قباله ومحط نزاله، ومأوى رجاله، والأخرى مستودع نفسه وماله، فلما أحسوا بأسنا ورأوه شديداً وشاهدوا حزمنا عتيداً، وعزمنا مبيداً، واقتحموا الأسوار بتسورها الرجال، والمجانيق تحف بهم عن اليمين وعن الشمال، وضعفوا عن أن يحموا من تلك القلل جهتين، أو أن يقتسموا بهما فئتين، أو يجمعوا مع كفرهم إلا ما قد سلف بين الأختين، أو أن يغدو بخس شركهم إلا وهو فيما دون القلتين حرقوا ما بالقلعة من مصون، وأضرموا بها نيراناً أعجب شيء كونها لم تطف بما أجروه من الجفون، وغالبتهم اليد الإسلامية قبل تركها، ودخلتها عليهم قبل الخروج عن ملكها، وذلك يوم الأربعاء سادس وعشرين شهر رجب المذكور وكانت المجانيق ترمي عليها فصارت ترمي منها، وتصدر حجارتها إليها فصارت تصدر عنها، وتملكناها معقلاً شيده لنا العدو وبناه، وحصناً منيعاً دافع عنه حتى تعب فلما تعب أخلاه وخلاه، وأصبح بحمد الله شك فتوحها لنا يقيناً، وما كان من خنادقها وأسوارها يقي الكفار وغداً يقي عساكرنا ويقيناً وصارتا جارتين تتحاسدان على قربنا وما زال يغري بين الجيرة الحسد، ورأساً وجسداً فرق بينهما النصر ولا بقاء للرأس بعد زوال الجسد، ولما أمكن الله من القلعة الواحدة لم نر أن نبشر بالأولى، حتى نبشر بالأخرى، ولا أن نقصر الأعلام على الأعلان بالبطشة الصغرى، حتى نجمع إليه الأعلام بالبطشة الكبرى، ولما جاز القصر والجمع في الفروض المؤداة في هذه السفرة المباركة قصرنا وجمعنا في أداء هذه البشرى، وكتابنا هذا وقد من الله بهما علينا، وقال الإسلام هذه بضاعتا ردت إلينا وذلك في سابعه يوم الأحد سلخ شهر رجب المبارك وبحمد الله قد أصبحت تلك الضالة التي فقدها الإسلام منشودة، وتلك العارية التي استولت عليها يد الكفر مردودة، فشكراً لسيف رد الضالة وأردت الضلالة، ومضى لا يكل حتى استفتى في الكلالة، وأحاله فرض الجهاد على الكفر بحق فاستخلص بحول الله وقوته تلك الحوالة، فليأخذ المجلس السامي حظه من هذه البشرى بما جعله الله للمتقين من عقبى الدار، وبما قدره من انقياد الكافرين صاغرين في قبضة الأسار، وبما سهله من عتق من كان فيها من الحرم والأطفال والصغار، وليملأ بحسن هذا الخبر المسامع، وليعمر بذكره المجامع، والجوامع، فطالما اشتاقت إليه أعواد المنابر، وانتظرت إيداعه في سرائر السر السنة الأقلام وأفواه المحابر، والله تعالى يوفق المجلس فيما يحاول ويجاور، إن شاء الله تعالى. لتسيار حتى حملنا أعواد المجانيق على عاتقنا لنقدمها إلى الله تقرباً وإليهم تقريباً، وللوقت نفخ أمرنا في صور الإيعاز بالمضايقة، ونشر العالم في صعيد وأخذ للمسابقة إلى صعودها والمساوقة، وفي الوقت الحاضر اجتمعت أغضاء المجانيق المنفصلة، وتخطت في الهواء كفالها المنتعلة، واعتزلت كل فرقة من أوليائنا بمنجنيق يقيمه وأعجب شيء أنها الظاهرية وأصبحت المعتزلة، وعن قريب أهوت إلى الأعداء محلقة صقور الصخور وتتابعت
стр. 790
حجارتها إليهم عند ما حصلت من المجانيق في الصدور، فبعثرت من أجسادهم المرسومة بالقلعة ما في القبور، وكانت هذه القلعة المذكورة قد قسمها العدو قسمين، وخاصم الإسلام منها بخصمين، وجعلها قلعة دون قلعة، وصيرها ملكاً مقسوماً حتى لا تكون فيه شفعة، وجعل أحديهما مهبط قباله ومحط نزاله، ومأوى رجاله، والأخرى مستودع نفسه وماله، فلما أحسوا بأسنا ورأوه شديداً وشاهدوا حزمنا عتيداً، وعزمنا مبيداً، واقتحموا الأسوار بتسورها الرجال، والمجانيق تحف بهم عن اليمين وعن الشمال، وضعفوا عن أن يحموا من تلك القلل جهتين، أو أن يقتسموا بهما فئتين، أو يجمعوا مع كفرهم إلا ما قد سلف بين الأختين، أو أن يغدو بخس شركهم إلا وهو فيما دون القلتين حرقوا ما بالقلعة من مصون، وأضرموا بها نيراناً أعجب شيء كونها لم تطف بما أجروه من الجفون، وغالبتهم اليد الإسلامية قبل تركها، ودخلتها عليهم قبل الخروج عن ملكها، وذلك يوم الأربعاء سادس وعشرين شهر رجب المذكور وكانت المجانيق ترمي عليها فصارت ترمي منها، وتصدر حجارتها إليها فصارت تصدر عنها، وتملكناها معقلاً شيده لنا العدو وبناه، وحصناً منيعاً دافع عنه حتى تعب فلما تعب أخلاه وخلاه، وأصبح بحمد الله شك فتوحها لنا يقيناً، وما كان من خنادقها وأسوارها يقي الكفار وغداً يقي عساكرنا ويقيناً وصارتا جارتين
стр. 791
تتحاسدان على قربنا وما زال يغري بين الجيرة الحسد، ورأساً وجسداً فرق بينهما النصر ولا بقاء للرأس بعد زوال الجسد، ولما أمكن الله من القلعة الواحدة لم نر أن نبشر بالأولى، حتى نبشر بالأخرى، ولا أن نقصر الأعلام على الأعلان بالبطشة الصغرى، حتى نجمع إليه الأعلام بالبطشة الكبرى، ولما جاز القصر والجمع في الفروض المؤداة في هذه السفرة المباركة قصرنا وجمعنا في أداء هذه البشرى، وكتابنا هذا وقد من الله بهما علينا، وقال الإسلام هذه بضاعتا ردت إلينا وذلك في سابعه يوم الأحد سلخ شهر رجب المبارك وبحمد الله قد أصبحت تلك الضالة التي فقدها الإسلام منشودة، وتلك العارية التي استولت عليها يد الكفر مردودة، فشكراً لسيف رد الضالة وأردت الضلالة، ومضى لا يكل حتى استفتى في الكلالة، وأحاله فرض الجهاد على الكفر بحق فاستخلص بحول الله وقوته تلك الحوالة، فليأخذ المجلس السامي حظه من هذه البشرى بما جعله الله للمتقين من عقبى الدار، وبما قدره من انقياد الكافرين صاغرين في قبضة الأسار، وبما سهله من عتق من كان فيها من الحرم والأطفال والصغار، وليملأ بحسن هذا الخبر المسامع، وليعمر بذكره المجامع، والجوامع، فطالما اشتاقت إليه أعواد المنابر، وانتظرت إيداعه في سرائر السر السنة الأقلام وأفواه المحابر، والله تعالى يوفق المجلس فيما يحاول ويجاور، إن شاء الله تعالى.
ثم رحل بعد أن رتب بها عسكراً في عاشر شهر شعبان منها
стр. 792
وبعث أكثر الأثقال إلى دمشق وسار إلى طرابلس فشن عليها الغارة وأخرب قراها وقطع أشجارها وغور أنهارها وذلك في رابع عشر الشهر ورحل إلى حصن الأكراد ونزل المرج الذي تحته فحضر إليه رسول من فيه بإقامة وضيافة فأعادها عليهم وطلب منهم دية رجل من أجناده كانوا قتلوه مائة ألف دينار ثم رحل إلى حمص ثم إلى حماة ثم إلى أفامية ثم سار ونزل منزلة أخرى ثم رحل ليلاً وتقدم إلى العسكر بلبس العدة فنزل إنطاكية في غرة شهر رمضان فخرج إليه جماعة من أهلها يطلبون الأمان وشرطوا شروطاً لم يجب إليها، وزحف عليها فملكها يوم السبت رابع الشهر ورتب على أبوابها من الأمراء جماعة لئلا يخرج أحد من الحرافشة بشيء من النهب ومن وجد معه شيء أخذ منه فجمع منه ما أمكن وفرق على الأمراء والأجناد بحسب مراتبهم وحصر من قتل فيها فكانوا فوق الأربعين ألفاً وأطلق جماعة من المسلمين كانوا فيها أسراء من حلب وبلدها وكان الإبرنس صاحبها وصاحب طرابلس وأنشئت كتب البشائر، فمن ذلك مكاتبة إلى قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان ﵀ من إنشاء القاضي محي الدين عبد الله بن عبد الظاهر مضمونها: أدام الله سعادة المجلس السامي القضائي ولا برح يؤثر البشائر، حشاياً المنابر، ويجزي من السرور الهاجم عيون المحابر، ويسجد لها قلم الناظم والناثر، ويتلقاها ببشر إذا تأمل قادمه قال كم ترك الأول للآخر، هذه المكاتبة تتحدث بنعمة الله التي تهلل بها
стр. 793
وجه الإيمان، وهلل بها من أهله كل لسان، وجاءت بحمد الله حلوة المجتنى، حافة بالنصر من هنا ومن هنا، وذاك بفتح إنطاكية التي لم تتطرق إليها الحوادث والخطوب، ولا طرق حديث فتحها إلا سماع ولا هجس في القلوب، وادخرها الله لنا ليخصنا بفتحها الوجيز، ويجعلها باباً لما يليها من بلاد الكفر نلج منه بمشيئة الله وما ذلك على الله بعزيز، وهو أنا لما فرغنا من فتوحاتنا التي سبق بها الإعلام، وإشاراتنا التي خصت وحصت طرابلس الشام، ثنينا العنان إلى هذه الجهة فشاهدنا منها ما يروق النواظر، ورأينا مدينة يجتمع داخل سورها الإنس والوحش والطائر، للاستيطان والبادي والحاضر، يحف بها أسوار لا يقطعها الطائف في يوم مسيراً، ولا يدرك الناظر من أولها لها أخيراً، وبها رجال غدوا إليها من كل حدب ينسلون، ومن كل هضبة ينزلون، وفي ظلال كل مطهم يتقيلون، وكان نزولنا عليها في يوم الأربعاء غرة شهر رمضان المعظم فلم يكن إلا بقدر ما نزلنا إلا ورسلهم قد حضروا ليمسحوا أطراف الرضا، ويتقاضوا من العفوا حسن ما يقتضى، فما ألوى عليهم حلمنا ولا عرج، ولا نفس عنهم كربة ولا فرج، فزحفنا عليهم في يوم السبت بكرة وهو رابع الشهر، فلم يلبثوا إلا ساعة من نهار وقد دخلت عليهم من أقطارها، وتسور العسكر المنصور من أسوارها، وامتدت ألسنة الصوارم وأسنة الرماح، وشهرت البيض الصفاح، وأريقت الدماء واستحيت النساء وغنمت الأموال، وجدلت الأبطال، ووجد العالم من التحف والنعم ما لا كان يمر في خلد ولا يخطر في بال، وكتابنا هذا واليد الإسلامية
стр. 794
لها متسلمة، وفيها متحكمة، فالمجلس يأخذ حظه من هذه البشرى، ويرى منها هذه الآية الكبرى، وما نريهم من آية إلا هي أكبر من الأخرى، ويتلقاها ببشر فقد بعثنا بها إليه في أحسن رونق النصرة، وأقبلت بحمد الله كما بدأت أول مرة، فليشعها المجلس في كل باد وحاضر، ولينشر خبرها على أكباد المنابر، والله بكرمه يجعل سعادته من أتم الذخائر، إن شاء الله تعالى: كتب رابع شهر رمضان المعظم سنة ست وستين وستمائة.
وإنطاكية مدينة عظيمة مشهورة مسافة سورها اثنا عشر ميلاً، وعدد أبراجها مائة وستة وثلاثون برجاً، وعدد شرفاتها أربعة وعشرون ألفاً، ولما ملك الملك الظاهر إنطاكية وصل إليه قصاد من بغراس يطلبون تسليمها إليه فسير شمس الدين الفارقاني بالعساكر فوصل إليها فصادف أكثر أهلها قد نزح فتسلمها في ثالث عشر شهر رمضان وكان قد تسلم دركوش بوساطة فخر الدين الجناحي في تاسع رمضان وصالح أهل القصير على مناصفته ومناصفة القلاع المجاورة له وعاد إلى دمشق فدخلها سابع عشري شهر رمضان وعيد بقلعة دمشق.
ذكر خلاص الأمير شمس الدين سنقر الأشقر
كان الملك الظاهر لما أسر ليفون ابن صاحب سيس بعث إليه أبوه يطلب منه الفداء وبذل له مالاً جزيلاً فلم يقبله وطلب منه في الفداء أن يخرج الأمير شمس الدين من بلاد التتر فبعث إليهم متوسلاً بموات طاعته
стр. 795
لهم وبذل لهم مالاً كثيراً فلم يجيبوه، فلما استولى الملك الظاهر على إنطاكية بعث إليه هيتوم صاحب سيس رسولاً يبذل القلاع التي كان أخذها من التتر عند استيلائهم على حلب وهي دربساك وبهسنا ورغبان فأبى قبول ذلك إلا أن يحتال في إخراج سنقر الأشقر فسار إليهم بحيلة الاستغاثة بهم على الملك الظاهر واستصحب معه علم الدين سلطان أحد البحرية فكان يجتمع بسنقر الأشقر سراً وعليه زي الأرمن والأشقر يخاف أن تكون دسيسة عليه فلا يصغي إلى قوله ويقول ما أعرف صاحب مصر ولا أخرج من عند هؤلاء القوم فإنهم محسنون إلي، ولم يزل سلطان يذكر له إمارات وعلامات اهتدي بها إلى صحة مرامه فأذعن للهرب فلما خرج صاحب سيس لبس زيهم وخرج معهم فلما وصل به بلده سار علم الدين سلطان إلى الملك الظاهر وعرفه فبعث إلى القاهرة وأحضر ليفون فوصل إليه وهو على إنطاكية فسار به إلى دمشق فدخلها يوم السبت سابع عشر شهر رمضان.
ثم سيره مع جماعة في سابع شوال فوصلوا به إلى سيس ووقفوا به على النهر بالقرب من دربساك ووصل الأمير شمس الدين مع جماعة من سيس ووقفوا به على جانب النهر ثم أطلق كل واحد منهما وتسلم منها نواب الملك الظاهر دربساك ورغبان ولم يبق إلا بهسنا وكان صاحب سيس سأل الأمير شمس الدين أن يشفع له عند الملك الظاهر في إبقائها عليه على سبيل الإقطاع فوعده بذاك ولما اتصل بالملك الظاهر قدوم الأشقر خرج من دمشق تاسع عشر شوال ونزل
стр. 796
القطيفة وبلغه أن الأشقر على خان المناخ فساق إليه وحده سراً فما أحس به إلا وهو على رأسه فقام إليه فترجل واعتنقا طويلاً وسارا حتى نزلا في الدهليز ليلاً، فلما أصبحا خرجا منه معاً فعجب العسكر كيف اجتمعا ولم يشعر بهما وعاد إلى دمشق في ثاني ذي القعدة وسأله الأمير شمس الدين في أمر بهسنا فتمنع فقال يا خوند قد رهنت لساني ووعدته ببلوغ قصده وقد أحسن إلي لما كنت عند التتر بما لا أقدر على مكافأته فأجابه الملك الظاهر إلى ما سأل.
ذكر قطيعة قررت على بساتين دمشق
كان الملك الظاهر قد احتاط عليها وعلى القرى الملك والوقف على أربابها وهو نازل على الشقيف وتحدث بذلك في السنة الخالية بحضور العلماء فقال القاضي شمس الدين عبد الله بن عطاء الحنفي هذا لا يحل ولا يجوز لأحد أن يتحدث فيه وقام مغضباً وتوقف الحال، ولما وقعت الحوطة على البساتين صقعت بحيث عدمت الثمار بالكلية وظن الناس أنه يرق لهم فلما أراد التوجه إلى مصر عقد مجلساً بدار العدل وأحضر العلماء وأخرج فتاوي الحنفية باستحقاقها بحكم إن عمر بن الخطاب ﵁ فتح دمشق عنوة ثم قال من كان معه كتاباً عتيقاً أجريناه وإلا فنحن فتحنا هذه البلاد بسيوفنا ثم قرر عليهم ألف ألف درهم فسألوه أن يقسطها فأبى وتمادى الحال إلى أن خرج متوجهاً إلى مصر يوم الثلاثاء ثامن عشري ذي القعدة، فلما وصل اللجون عاوده الأتابك
стр. 797
وفخر الدين بن حناء وزير الصحبة فاستقر الحال أن يعجلوا منها أربعمائة ألف درهم ويعاد إليهم ما كان قبضه الديوان من المغل ويقسط ما بقي كل سنة مائتي ألف درهم وكتب بذلك توقيع قرئ على المنبر، ودخل القاهرة آخر نهار الأربعاء حادي عشر ذي الحجة.
وفي ثاني عشر شوال خرج الركب المصري متوجهاً إلى الحجاز وسافر فيه الصاحب محي الدين أحمد بن الصاحب بهاء الدين وعاد الركب خامس عشر صفر سنة سبع.
ذكر أخذ مالك بن منيف المدينة الشريفة
كان مالك بن منيف بن شيحة الحسيني قد قصد الملك الظاهر سنة خمس وستين بهدية جليلة لعلمه ما بين الملك الظاهر وبين عمه عز الدين جماز من الوحشة فقبلها وكتب له توقيعاً بالمدينة وبعث معه سليمان بن حجى فلما عاد وجد جماز بالفلاة فهجمها في هذه السنة واستولى عليها وحلف له أهلها وخرب دار جماز واستنجد جماز بأهل مكة وينبع وسار إليها فحصرها أياماً ووقع بينهما قتال أجلى عن قتلي كثير ثم اختلف جمازو أصحابه.
وفيها قتل السلطان ركن الدين صاحب الروم وجلس ولده السلطان غياث الدين كيخسرو على التخت وعمره مناهز العشر سنين والبرواناة في نيابة السلطنة عن أبغا وجعل ابنه مهذب الدين على متكفلاً بأمر غياث الدين واستولى البرواناة على جميع البلاد ونفذ حكمه فيها لا يشاركه في ذلك غيره، ثم توجه البرواناة إلى أبغا وأخذ معه فرس
стр. 798
ركن الدين وسلاحه وهدايا جليلة لأبغا ووجوه دولته ووافى عنده صاحب سيس فجرت بينهما محاورة كل منهما يدعي على صاحبه أنه يكاتب صاحب مصر ثم عاد البرواناة ومعه أحأى أخو أبغا وصمغرا ليكونا معه في البلاد فلم تطل غيبته، فلما بلغ السلطان غياث الدين قدومهم خرج من قونية لتلقيهم فاجتمع بهم على سيواس.
وفيها توفي إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة ابن مقدام بن نصر أبو إسحاق عز الدين المقدسي الحنبلي مولده في شهر رمضان سنة ست وستمائة سمع من أبي القاسم عبد الصمد بن محمد الحرستاني وغيره وحدث وكانت وفاته في التاسع عشر شهر ربيع الأول بجبل الصالحية ظاهر دمشق ودفن من الغد بسفح قاسيون ﵀، وكان إماماً علاماً فاضلاً زاهداً عابداً ورعاً كريم الأخلاق لطيف الأوصاف لين الجانب شديد التواضع للفقراء والمساكين والضعفاء كثير الصدقة والبر والمواساة حريصاً على قضاء حوائج الناس وإدخال السرور عليهم لم يكن في هذا الوقت من يضاهيه في ذلك فيما علمنا، وهو من بيت العلم والعمل والصلاح وكان والده الشيخ شرف الدين عبد الله ﵀ شيخ الحنابلة والمشار إليه فيهم وجده شيخ الإسلام أبو عمر محمد فشهرته تغني عن الأطناب في وصفه ﵏ أجمعين.
أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحيم أبو يوسف كمال الدين الحلبي المعروف بابن العجمي، كان رئيساً عالماً فاضلاً حسن الخط والإنشاء كتب للملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ ثم كتب للملك الظاهر
стр. 799
ركن الدين وكان من أعيان الكتاب وأماثلهم واسطة خير غزير المروءة حسن العشرة كريم الأخلاق وكانت وفاته ظاهر صور من بلاد الساحل في العشر الأول من شهر ذي الحجة وحمل إلى ظاهر دمشق فدفن بمقابر الصوفية ﵀.
بولص الراهب المعروف بالحبيس، قد ذكرنا طرفاً من خبره في حوادث سنة ثلاث وستين وأنه كان كاتباً ثم ترهب وانقطع في جبل حلوان من الديار المصرية فيقال أنه ظفر بمال مدفون في مغارة فواسى به الفقراء من كل ملة وقام عن المصادرين بجمل عظيمة ولم يزل على ذلك إلى هذه السنة فأحضره الملك الظاهر وطلب منه المال وان يعرفه من أين حصل له فلم يعرفه وجعل يغالطه ويدافعه ولا يفصح له بشيء البتة وهو عنده داخل الدور فلما يئس منه وأعياه أمره حنق عليه فعذبه حتى مات في العذاب ولم يقر بشيء فأخرج من قلعة الجبل ورمى ظاهرها على باب القرافة وكانت وصلت فتاوى فقهاء الإسكندرية إلى الملك الظاهر بقتله وعللوا ذلك بخوف الفتنة على ضعفاء النفوس من المسلمين فقتله كما ذكرنا وقيل أن مبلغ ما وصل إلى بيت المال منه وما واسى به في مدة سنتين ستمائة ألف دينار محصياً بقلم الصيارف الذين كان يجعل عندهم المال ويكتب إليهم أوراقه وذلك خارج عما كان يعطيه سراً بيده ومع هذا كان لا يأكل من هذا المال شيئاً ولا يلبس منه وكان النصارى يتصدقون عليه بما يمونه ويلبسه فانظر إلى هذه
стр. 800
النفس الأبية مما هي عليه من الضلال ولم يظهر بعد موته من تلك الأموال الدينار الواحد فما يعلم هل نفدت مع نفاد أجله وخفي أمر ما بقي منها ولم يطلع عليه وقيل كان اسمه ميخائيل ولم يشتهر إلا بالحبيس الراهب والله أعلم.
عبد الخالق بن علي بن محمد بن الحسن أبو محمد تاج الدين، كان كاتباً مجيداً عارفاً بصناعة الحساب وولي عدة جهات ومناصب ببعلبك وأعمالها وكان من عدول بعلبك وأكابرها وكان ينبز بأحمر عينه لحمرة كانت في عينه.
ووالده القاضي مهذب الدين أبو الحسن علي بن محمد الأسعردي ولي الحكم ببعلبك مدة في الأيام الصلاحية وغيرها وكان مشكور السيرة مشهوراً بوفور العلم والدين والسداد في الأحكام ﵀، وكانت وفاة تاج الدين المذكور في ويوم السبت تاسع ذي القعدة من هذه السنة وهو في عشر الثمانين ودفن بالقرب من دير إلياس ﵇ ظاهر بعلبك رحمه الله تعالى.
عبد العزيز بن منصور بن محمد بن محمد بن محمد بن وداعة أبو محمد عز الدين المعروف بابن وداعة الحلبي وقيل أنه كان في بداية أمره خطيباً بجبلة من أعمال الساحل ثم اتصل بالملك الناصر صلاح الدين يوسف وصار من خواصه ولما ملك دمشق ولاه شد الدواوين بدمشق وأعمالها وكان يعتمد عليه ويثق به وكان عز الدين يظهر التنسك والدين ويقتصد في ملبسه وسائر أحواله وكانت حرمته في الدولة الناصرية
стр. 801
وافرة ولما انقضت الدولة الناصرية وأفضت المملكة إلى الملك الظاهر ركن الدين ولاه وزارة الشام فلما ولي الأمير جمال الدين آقوش النجيبي ﵀ نيابة السلطنة بالشام حصل بينهما وحشة باطنة وكان الأمير جمال الدين يكرهه. لتشيعه فإن الأمير جمال الدين المذكور كان غالباً في السنة وكان عند عز الدين تشيع فكان الأمير جمال الدين يسمعه في كل وقت من الكلام ما يؤلمه ويهينه فكتب إلى الملك الظاهر يذكر أن الأموال تنكسر وتنساق إلى الباقي ويحتاج الشام إلى مشد تركي شديد المهابة مبسوط اليد ويكون أمور الأموال والولايات والعزل راجعة إليه لا يعارض في ذلك والدرك في سائر هذه الأمور عليه ليلتزم بتثمير الأموال واستخراجها وزيادة ارتفاعاتها وكان قصده بذلك رفع يد الأمير جمال الدين عن ذلك وتوهم أن المشد الذي يتولى يكون بحكمه يصرفه كيف شاء ويبلغ به مقاصده وكان في الشد ... المسعودي وهو شيخ عاقل ساكن ليس فيه عسف ولا شر فرتب الملك الظاهر في الشد الأمير علاء الدين كشتغدي الشقيري وبسط يده حسبما اقترح عز الدين فلم يلبث أن وقع بينهما وكان الشقيري يهينه بأنواع الهوان فيشكو ما يلقى منه إلى الأمير جمال الدين النجيبي فلا يشكيه ويقول أنت طلبت مشداً تركياً وقد جاءك الذي طلبت ثم أن الشسقيري كاتب الملك الظاهر في حقه وأوغر صدره عليه فورد عليه الجواب بمصادرته فأخذ خطه بحملة عظيمة يقصر عنها ماله وأفضى به الحال إلى أن ضربه
стр. 802
وعصره وعلقه في قاعة الشد بدار السعادة وجرى عليه من المكاره ما لا يوصف فكان كالباحث عن حتفه بظلفه وباع موجوده وأماكن كان وقفها وقام بثمنها في المصادرة ثم طلب إلى الديار المصرية فتوجه وحدثته نفسه بالعود إلى رتبته فأدركته منيته في الديار المصرية عقيب وصوله إليها فإنه تمرض في الطريق ودخلها وهو مثقل فتوفي ودفن بالقرافة الصغرى قريباً من قبة الشافعي ﵁ وقد نيف على خمس وسبعين سنة ﵀ ومات في آخر ذي الحجة من هذه السنة وقيل أنه دفن في مستهل سنة سبع وستين وستمائة وهو في عشر السبعين وله وقف على وجوه البر وبنى بجبل قاسيون تربة ومسجدا وعمارة حسنة ولم يخلف ولد ولا رزقه في عمره كله ولا تزوج إلا امرأة واحدة في صباه وبقيت في صحبته أياماً قلائل ثم فارقها كذا أخبرني علاء الدين ولد أخيه بدر الدين.
علي بن عدلان بن حماد بن علي أبو الحسن عفيف الدين الموصلي النحوي المترجم كان عالماً فاضلاً أديباً مفتناً شاعراً توفي بالديار المصرية في يوم الجمعة تاسع شوال ودفن من الغد بسفح المقطم ومولده بالموصل خامس وعشرين جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة كتب إلى قاضي القضاة شمس الدين أبي العباس أحمد بن خلكان ﵀ لغزاً:
أيها العالم الذي فضل العا ... لم علماً وسؤدداً وذكاء
стр. 803
والذي إن دعاه قاص ودان ... لملم عرا أجاب الدعاء
أي لفظ عكست منه بناء ... لا ترى عكسه يحيل البناء
وهو أن زال قلبه ينظر القلب كما كان قبل ذاك سواء
هو في الأرض كلها لا ترى الربوة تخلو منه ولا البطحاء
هو في الغرب موضع وترى التص ... حيف في الشرق بقعة غناء
يدخل الحصن غادياً لا يرى الأذ ... ن ولو كان ربه عاد ياء
وله في طب الطبيب مضاف ... إن تأملته تجده دواء
إن تصحف ففرقه عطفت من ... بعد أخرى فقد كشفت الغطاء
أظلمت طرق حله فأبنه ... عادة الشمس أن تفيد الضياء
ذكر القاضي شمس الدين أنه حله فوجده سوس الطعام وكتب إليه القاضي شمس الدين من دمشق إلى مصر لغزاً في سراج:
أيها العالم الذي ... صار حبراً ممارسا
والذي موضحاته ... يجتليها عرائسا
أي شيء ترى جمي ... ع الورى منه قابسا
أن في السرب نصفه ... حيثما كان كانسا
ثم صحف تمامه ... تلق ضوءاً مؤانساً
واحذفن منه ثالثاً ... تنظرن فيه فارسا
من يصحفه عاكساً ... يلف في الليل حارسا
فكتب إليه عفيف الدين في الجواب:
стр. 804
أيها العالم الذي ... قام للدين حارسا
والذي مبدعاته ... البستنا الطيالسا
صغت لفظاً جذوته ... كان مولاي جالسا
أبداً لا برحت تج؟ ... لو المعاني عرائسا
يا ملاذي سررتني ... بعد أن كنت عابسا
والذي أنهج المعمى وإن كان طامسا
شرح الصدر لغزك ال؟ ... مستنير الحنادسا
أنت والله وصفه ... لامرئ كان قابسا
؟ صحف الشرح لفظه لا تصحفه عاكسا
فهو من مركب الرجا ... ل إذا كان فارسا
وهو إن زال ربعه ... فهو يبدي الوساوسا
جاءني بعد هجعة ... لم يخف فيه حارسا
فاقل عثرتي إذا ... كان ما قلت هاجسا
وكتب إلى قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان ﵀ من القاهرة إلى دمشق لغزاً في القطائف المحشو والمقلو وذكر أن البيتين الأخيرين منها لابن عنين:
أحاجيك يا قاضي القضاة ومن سمت ... به الهمة العليا إلى المنصب العالي
ومن قد غدا في كل فن مبرزاً ... على كل حبر كان في الزمن الخالي
وأوضح بالفكر اللطيف عوامضاً ... ثوت برهة ما بيننا ذات إشكال
بمطوية طي القباطي غذيت ... ألذ غذاء ثم علت بجريال
стр. 805
وأخت لها من جنسها هائم بها ... جميع الورى لكن لها واحد قالي
عمر بن إسحاق بن هبة الله بن صديق بن محمود بن صالح أبو حفص الأمير عمد الدين الخلاطي مولده بخلاط في منتصف شعبان سنة ثمان وتسعين وخمسمائة وكان فاضلاً عالماً حازماً جلداً خبيراً حسن التأني كريم الأخلاق جميل العشرة لطيف الحركات حلو المحادثة والمحاضرة توفي بحماة يوم الأحد الخامس والعشرين من المحرم ودفن من الغد ﵀ ومن شعره:
كلفت بوجه صاحب الحسن صاحبه ... تروي بماء الحسن فأخضر شاربه
حوى قصص العشاق خط عذاره ... ولاغرو في الإيجاز فالله كاتبه
وله:
لا تعجبن إذا ما فاتك المطلب ... وعود النفس أن تشقى وأن تتعب
إن دام ذا الفقر في الدنيا فلا تعجب ... مات الكرام وما فيهم فتىً أعقب
وله:
تجنب من الدنيا ولا تك واثقاً ... إليها وإن مالت إليك بمجهود
؟
стр. 806
فالطيب مأكول بها قيئي نحلة وأفخر ملبوس بها كفن الدود وله:
يا ليلة الحاجر هل عودة ... ترى لوصل النازح الهاجر
وهل يعيد الوصل قولي ترى ... هل عودة يا ليلة الحاجر
أحبابنا بانوا فلم يكتحل ... بالغمض من بعدهم ناظري
كان التمني فيهم أولى ... فصار يأسى منهم آخري
؟ وا حربا من عاذل عادل في الحكم عن إنصافه جائر
يأمرين بالصبر عنهم ومن ... أين لقلبي جلد الصابر
أبى شقائي في الهوى إنني ... أعيش إلا تعب الخاطر
فيا مريقاً دم عشافه ... بصارم من طرفه الساحر
بالأسود الفاتر حتى متى ... تفعل فعل الأبيض الباتر
وله:
سبت فؤاد المعنى ... لواحظ منك وسنى
يمرضننا حيث نرنو ... وهن أمرض منا
يا أكثر الناس حسناً ... أقلهم أنت حسنى
رد الرقاد لعل ال؟ ... خيال يطرق وهنا
وله:
ولما دنا ممن أؤمل قربه ... بعاداً أذاب القلب بين الحوانح
وسارت نواجي العيس عن أرض بارق ... بكل نضير الخد للبدر فاضح
стр. 807
وعاينت وخد الراقصات عشية ... وهز حدوج القوم بين الصحاصح
وألفيت أبناء الهوى شارفوا أسى ... مناياهم ما بين باك ونائح
ربحت دنو الدار دهراً قضيته ... وكنت غداة البين آخر رائح
وله:؟ سحرته ألحاظ الحسان كما ترى وغذته البان الهوى فتحيرا
وغدا يصون لذكر نجد دمعه ... فلا جل ذلك ما جرى إلا جرى
يا طرف دع شكوى السهاد جهالة ... أنت الذي في بحره غرق الكرى
وأنا الذي أصبحت أنزح ماءة ... أبغي الغريق به وها أنا لا أرى
؟ تشكو وأنت جنيت أسباب الهوى حتى حنيت بها العذاب الأكبر
ما كنت في خلدي لرائعة النوى ... قبل الحمام مقدراً ومصورا
فدنا بها زمن أساء ولم يكن ... من قبلها بنوى الأحبة أنذرا
وأبادني ببعاد أهيف خده ... كالورد أزهر فوق غصن أزهرا
فسرى الفؤاد وما أقام وحبه ... بين الجوانح قد أقام وما سرى
وله:
ومهفهف رطب المعاطف ناعم ... عذب المراشف طيب الأنفاس
جمع المحاسن وجهه فكأنما ... هو روضة راقت على منعاس
стр. 808
فالنرجس الطرف المضاعف لوعتي ... وأقاحها ثغر جني وسواسي
والخد يبدو محدقاً بعذاره ... كالورد حف به جني الآس
سبحان من أنشأه من إحسانه ... حسناً فاصبح فتنة للناس
قال كنت مجرداً مع العسكر الناصري على غزة سنة خمسين وستمائة وضجر العسكر من التجريد وطول المدة وكان الناس يقولون إن الشيخ نجم الدين الباذراني رسول الخليفة خرج من دمشق متوجهاً إلى الديار المصرية للصلح بين الملك الناصر وصاحب مصر وبعضهم يقول ما خرج فعملت:
؟ قالوا الرسول أتى وقالوا أنه ... ما رام يوماً من دمشق نزوحا
كثر الخلاف وما ظفرت بمسلم ... يروي الحديث عن الرسول صحيحا
وكان عماد الدين المذكور له حرمة وافرة عند الملوك ومكانة لطيفة منهم وكان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل شديد المحبة له والوثوق به والميل إليه والاعتماد عليه لا يفضل عليه أحداً من خواصه وأصحابه وكان مستحقاً لذلك ولما هو أبلغ منه، حكى لي الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ عنه ما معناه أنه قال لما مات الملك الأشرف ﵀ واستولى الملك الصالح عماد الدين على دمشق وما معها مما كان بيد الملك الأشرف من البلاد بالشام بلغه خروج الملك الكامل من الديار المصرية لقصده وانتزاع البلاد منه وعلم أنه يعجز عن مقاومته وأنه متى أظهر الانقياد إلى الملك الكامل تفلل عنه سائر من عنده من
стр. 809
الأمراء وغيرهم طلباً للحظوة عند الملك الكامل فلا يحصل على مقصوده منه: قال عماد الدين ما معناه فاتفقت معه في الباطن على أن يختلق لي حجة ويضربني بمحضر من الأمراء وأعيان الدولة ويعتقلني ويأخذ موجودي ففعل بي ذلك وأظهر أنه اطلع على أنني كاتبت الملك الكامل وبقيت في الجب أياماً ثم شفع في فأخرجني بعد أن قطع خبزي وأبعدني عنه فركبت وقصدت الملك الكامل فوافيته في الطريق فلما قيل له عني تعجب وقال كيف يفارق هذا لأخي مع وثوقه به ومحبته له فقيل له ما وقع في حقي فسكت وأكرمني وعدت معه فلما كان بعد يومين من وصولي إلى خدمته كتبت إليه ورقة مضمونها سؤال الحضور بين يديه خلوة فأحضرني ليلاً وأخلى مجلسه وقال لي قل فقلت لما كنت في الجب بقلعة دمشق حملت رسالة إلى مولانا السلطان وحلفت أن لا أقولها إلا بعد أن يحلف مولانا السلطان باليمين التي استحلفه بها أنه لا يطلع عليها أحداً من خلق الله تعالى فقال نعم إلا يوسف بن الشيخ " فما عن العجوز سمر محجوز " فقلت يا خوند إلا الأمير فخر الدين ابن الشيخ فأمر بإحضار المصحف الكريم واستحلفته على ما أردت فلما فرغ من اليمين قمت وقبلت الأرض وقلت يا خوند مملوك مولانا السلطان إسماعيل يقبل الأرض فعند ما ذكرت ذلك نهض قائماً وخدم وتهلل وجهه وقال قل فقلت يقول أنه ما كان يحتاج مولانا السلطان بتكلف الحركة بل كان سيزقرا غلام من بابه الكريم بمثال شريف
стр. 810
منه سلم إليه البلاد وحضر بنفسه معه وليس هو عند نفسه ممن يقاوم مولانا السلطان أو يمانعه فقال اكتب إليه واخدمه مني وقل له يطيب قلبه ويحصن مدينته ويجتهد على حفظها فإني ما أختار أكسر حرمة أخي ولا حرمة دمشق عند الملوك ولا يزال علي إلى أن أقول له ما يفعل ثم قال لي والله كنت قد سقطت من عيني بمفارقتك لأخي والآن فقد نبلت عندي وعظمت في صدري فقبلت الأرض ودعوت له: قال عماد الدين فكتبت إلى الملك الصالح وعرفته ذلك وجاءني الجواب ولم تزل المكاتبة بيننا متواصلة فكنت أوقف الملك الكامل على كتب الملك الصالح وأكتب ما يأمرني به وحضر الملك الكامل وحاصر دمشق وأنا كل وقت أتقاضاه في تسلم البلد وهو يقول اصبر فلما كان في بعض الأيام طلبني فدخلت عليه فوجدته شديد الغضب لقتل بعض الأمراء الأكابر من أصحابه فلما وقفت بين يديه انتهرني وقال وصلنا إلى هذا الحد فقلت يا خوند لو رسمت دخلت القلعة يوم وصولك لكن مولانا السلطان اقتضى رأيه الشريف أن يجري الأمر على هذه الصورة فقال اكتب إليه وقل له يخرج فقد أخذت المسألة حقها وايش يريد أعطيه حتى أحلف له عليه فقلت يا خوند هو مملوك مولانا السلطان وأخوه وما يقترح شيئاً بل مهما تصدق به مولانا السلطان عليه قبله وإن رسم أن يكون رمحه تحت ركاب مولانا السلطان في الحلقة فهو راض بذلك فقال لا والله إلا أعطيه من البلاد ما يرضيه فكتب إليه فخرج تلك الليلة بالليل فتلقاه الملك الكامل وبالغ في احترامه وإعظامه وأعطاه
следующие страницы →