← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فالطيب مأكول بها قيئي نحلة وأفخر ملبوس بها كفن الدود وله: يا ليلة الحاجر هل عودة ... ترى لوصل النازح الهاجر وهل يعيد الوصل قولي ترى ... هل عودة يا ليلة الحاجر أحبابنا بانوا فلم يكتحل ... بالغمض من بعدهم ناظري كان التمني فيهم أولى ... فصار يأسى منهم آخري ؟ وا حربا من عاذل عادل في الحكم عن إنصافه جائر يأمرين بالصبر عنهم ومن ... أين لقلبي جلد الصابر أبى شقائي في الهوى إنني ... أعيش إلا تعب الخاطر فيا مريقاً دم عشافه ... بصارم من طرفه الساحر بالأسود الفاتر حتى متى ... تفعل فعل الأبيض الباتر وله: سبت فؤاد المعنى ... لواحظ منك وسنى يمرضننا حيث نرنو ... وهن أمرض منا يا أكثر الناس حسناً ... أقلهم أنت حسنى رد الرقاد لعل ال؟ ... خيال يطرق وهنا وله: ولما دنا ممن أؤمل قربه ... بعاداً أذاب القلب بين الحوانح وسارت نواجي العيس عن أرض بارق ... بكل نضير الخد للبدر فاضح

стр. 807

وعاينت وخد الراقصات عشية ... وهز حدوج القوم بين الصحاصح وألفيت أبناء الهوى شارفوا أسى ... مناياهم ما بين باك ونائح ربحت دنو الدار دهراً قضيته ... وكنت غداة البين آخر رائح وله:؟ سحرته ألحاظ الحسان كما ترى وغذته البان الهوى فتحيرا وغدا يصون لذكر نجد دمعه ... فلا جل ذلك ما جرى إلا جرى يا طرف دع شكوى السهاد جهالة ... أنت الذي في بحره غرق الكرى وأنا الذي أصبحت أنزح ماءة ... أبغي الغريق به وها أنا لا أرى ؟ تشكو وأنت جنيت أسباب الهوى حتى حنيت بها العذاب الأكبر ما كنت في خلدي لرائعة النوى ... قبل الحمام مقدراً ومصورا فدنا بها زمن أساء ولم يكن ... من قبلها بنوى الأحبة أنذرا وأبادني ببعاد أهيف خده ... كالورد أزهر فوق غصن أزهرا فسرى الفؤاد وما أقام وحبه ... بين الجوانح قد أقام وما سرى وله: ومهفهف رطب المعاطف ناعم ... عذب المراشف طيب الأنفاس جمع المحاسن وجهه فكأنما ... هو روضة راقت على منعاس

стр. 808

فالنرجس الطرف المضاعف لوعتي ... وأقاحها ثغر جني وسواسي والخد يبدو محدقاً بعذاره ... كالورد حف به جني الآس سبحان من أنشأه من إحسانه ... حسناً فاصبح فتنة للناس قال كنت مجرداً مع العسكر الناصري على غزة سنة خمسين وستمائة وضجر العسكر من التجريد وطول المدة وكان الناس يقولون إن الشيخ نجم الدين الباذراني رسول الخليفة خرج من دمشق متوجهاً إلى الديار المصرية للصلح بين الملك الناصر وصاحب مصر وبعضهم يقول ما خرج فعملت: ؟ قالوا الرسول أتى وقالوا أنه ... ما رام يوماً من دمشق نزوحا كثر الخلاف وما ظفرت بمسلم ... يروي الحديث عن الرسول صحيحا وكان عماد الدين المذكور له حرمة وافرة عند الملوك ومكانة لطيفة منهم وكان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل شديد المحبة له والوثوق به والميل إليه والاعتماد عليه لا يفضل عليه أحداً من خواصه وأصحابه وكان مستحقاً لذلك ولما هو أبلغ منه، حكى لي الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء ﵀ عنه ما معناه أنه قال لما مات الملك الأشرف ﵀ واستولى الملك الصالح عماد الدين على دمشق وما معها مما كان بيد الملك الأشرف من البلاد بالشام بلغه خروج الملك الكامل من الديار المصرية لقصده وانتزاع البلاد منه وعلم أنه يعجز عن مقاومته وأنه متى أظهر الانقياد إلى الملك الكامل تفلل عنه سائر من عنده من

стр. 809

الأمراء وغيرهم طلباً للحظوة عند الملك الكامل فلا يحصل على مقصوده منه: قال عماد الدين ما معناه فاتفقت معه في الباطن على أن يختلق لي حجة ويضربني بمحضر من الأمراء وأعيان الدولة ويعتقلني ويأخذ موجودي ففعل بي ذلك وأظهر أنه اطلع على أنني كاتبت الملك الكامل وبقيت في الجب أياماً ثم شفع في فأخرجني بعد أن قطع خبزي وأبعدني عنه فركبت وقصدت الملك الكامل فوافيته في الطريق فلما قيل له عني تعجب وقال كيف يفارق هذا لأخي مع وثوقه به ومحبته له فقيل له ما وقع في حقي فسكت وأكرمني وعدت معه فلما كان بعد يومين من وصولي إلى خدمته كتبت إليه ورقة مضمونها سؤال الحضور بين يديه خلوة فأحضرني ليلاً وأخلى مجلسه وقال لي قل فقلت لما كنت في الجب بقلعة دمشق حملت رسالة إلى مولانا السلطان وحلفت أن لا أقولها إلا بعد أن يحلف مولانا السلطان باليمين التي استحلفه بها أنه لا يطلع عليها أحداً من خلق الله تعالى فقال نعم إلا يوسف بن الشيخ " فما عن العجوز سمر محجوز " فقلت يا خوند إلا الأمير فخر الدين ابن الشيخ فأمر بإحضار المصحف الكريم واستحلفته على ما أردت فلما فرغ من اليمين قمت وقبلت الأرض وقلت يا خوند مملوك مولانا السلطان إسماعيل يقبل الأرض فعند ما ذكرت ذلك نهض قائماً وخدم وتهلل وجهه وقال قل فقلت يقول أنه ما كان يحتاج مولانا السلطان بتكلف الحركة بل كان سيزقرا غلام من بابه الكريم بمثال شريف

стр. 810

منه سلم إليه البلاد وحضر بنفسه معه وليس هو عند نفسه ممن يقاوم مولانا السلطان أو يمانعه فقال اكتب إليه واخدمه مني وقل له يطيب قلبه ويحصن مدينته ويجتهد على حفظها فإني ما أختار أكسر حرمة أخي ولا حرمة دمشق عند الملوك ولا يزال علي إلى أن أقول له ما يفعل ثم قال لي والله كنت قد سقطت من عيني بمفارقتك لأخي والآن فقد نبلت عندي وعظمت في صدري فقبلت الأرض ودعوت له: قال عماد الدين فكتبت إلى الملك الصالح وعرفته ذلك وجاءني الجواب ولم تزل المكاتبة بيننا متواصلة فكنت أوقف الملك الكامل على كتب الملك الصالح وأكتب ما يأمرني به وحضر الملك الكامل وحاصر دمشق وأنا كل وقت أتقاضاه في تسلم البلد وهو يقول اصبر فلما كان في بعض الأيام طلبني فدخلت عليه فوجدته شديد الغضب لقتل بعض الأمراء الأكابر من أصحابه فلما وقفت بين يديه انتهرني وقال وصلنا إلى هذا الحد فقلت يا خوند لو رسمت دخلت القلعة يوم وصولك لكن مولانا السلطان اقتضى رأيه الشريف أن يجري الأمر على هذه الصورة فقال اكتب إليه وقل له يخرج فقد أخذت المسألة حقها وايش يريد أعطيه حتى أحلف له عليه فقلت يا خوند هو مملوك مولانا السلطان وأخوه وما يقترح شيئاً بل مهما تصدق به مولانا السلطان عليه قبله وإن رسم أن يكون رمحه تحت ركاب مولانا السلطان في الحلقة فهو راض بذلك فقال لا والله إلا أعطيه من البلاد ما يرضيه فكتب إليه فخرج تلك الليلة بالليل فتلقاه الملك الكامل وبالغ في احترامه وإعظامه وأعطاه

стр. 811

بعلبك وأعمالها وبصرى وغير ذلك وجميع الحواصل وأعاده في ليلته إلى القلعة فبات بها ثم خرج من القلعة وضرب دهليزه قريب دهليز الملك الكامل وكل يوم يحضر إلى الخدمة فيجد من إكرامه ما لا كان يرجوه، فلما كان بعد أيام قال لي الملك الكامل ما تقول للمولى الملك الصالح يروح إلى بلاده فقلت يا خوند يريد سنجقا وخلعة قال إيش هذا الكلام؟ الملك الصالح ملك مثلي يريد خلعة وسنجقا قلت والله يا خوند ما يروح إلا بهذا قال بسم الله وسير له خلعة عظيمة وعدة خيول وعشرة آلاف دينار مصرية وسنجقا فتوجه إلى بعلبك وودعه الملك الكامل ثم قلت للملك الكامل يا خوند مملوك مولانا السلطان ليس له مكانا يجيئه منه سكر يأكله وما يحسن به أن يشتري السكر في أيام مولانا السلطان فأطلق له قرى في الغور يتحصل منها جملة عظيمة من السكر وغيره وسافر إلى بعلبك على هذه الجملة وأعطاني من ذلك الذهب خمسمائة دينار اشتريت بها مملوكاً، ووالده أبو البشائر قاضي خلاط كان فقيهاً شافعياً عالماً أصولياً واعظاً شاعراً حسن الكلام في الوعظ والتذكير، له مصنفات في علم الأصول وكان من محاسن القضاة وظرافهم يرجع إلى عفاف ونزاهة ودين قدم مدينة إربل واستوطنها إلى أن توفي بها يوم الخميس العشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة ومن شعره ﵀: مولانا السلطان ليس له مكانا يجيئه منه سكر يأكله وما يحسن به أن يشتري السكر في أيام مولانا السلطان فأطلق له قرى في الغور يتحصل منها جملة عظيمة من السكر وغيره وسافر إلى بعلبك على هذه الجملة وأعطاني من ذلك الذهب خمسمائة دينار اشتريت بها مملوكاً، ووالده أبو البشائر قاضي خلاط كان فقيهاً شافعياً عالماً أصولياً واعظاً شاعراً حسن الكلام في الوعظ والتذكير، له مصنفات في علم الأصول وكان من محاسن القضاة وظرافهم يرجع إلى عفاف ونزاهة ودين قدم مدينة إربل واستوطنها إلى أن توفي بها يوم الخميس العشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة ومن شعره ﵀:؟ وقفت وربع العامرية داثر ودمعي ووجدي سابق متواتر وقفت وذكراها تجدد لوعتي ... وأبكي كما تبكي الغوادي البواكر

стр. 812

واذكر أياماً مضت ولياليا ... وأظهر فيها ما تجن الضمائر غداة النقا بالباهلية آهل ... وحين الصفا بالعامرية عامر وقفت أدير الطرف في عرصاتها ... وأطلالها دارت عليها الدوائر ومن حب تلك الغانيات عواطلاً ... لقد سكنت فيها المها والجآذر لنفرة أنس وانتفاء بمالكي ... تملك ربع الآنسات النوافر فخالفني الآمال في سائر المنى ... ووافقني بيت من الشعر سائر كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر فقلت لصحبي قد ثنتني عزيمة ... أوائل حزن ما لهن أواخر إلى أشرف الأملاك موسى الذي له ... إياد على وجه الزمان زواهر ومن شعره: قالوا الهلال وعندي في مجالستي ... بدر بوجه على شمس الضحى سادا وفي فؤادي لهذا البدر منزلة ... ما نالها أحد قبلي ولا كادا ليس الهلال بمحبوب لذي إرب ... وإن حببناه أحياناً وأعيادا هذا يزيد حياتي في مجالستي ... وذاك ينقص عمري كلما زادا محمد بن حامد بن كعب المنعوت بالقمر الشروي الأصل البعلبكي المولد والمنشأ والوفاة كان جسيماً وسيماً شجاعاً شديد القوى وهو مع ذلك رقيق الحاشية يذاكر بالأشعار والحكايات والنوادر وهو عنده مكارم أخلاق وفتوة ومروءة وعصبية وحسن عشرة ومعفرة بالأكابر والأعيان وكلمته مسموعة عندهم وحرمته وافرة ليدهم وكانت

стр. 813

وفاته ببعلبك في شهر المحرم ودفن بظاهرها وهو في عشر الثمانين ﵀. محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن محمد بن قاسم بن محمد ابن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبيد الله بن علي بن عبيد الله بن الحسين ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أبو عبد الله الحسيني الكوفي الأصل المصري المولد والدار المعروف والده بالحلبي مولده عشية السادس والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة بالقاهرة قرأ القرآن الكريم واشتغل بالعربية والأصول وبرع فيهما وسمع من أبي طاهر محمد بن محمد بن بيان الأنباري والشريف أبي محمد عبد الله ابن عبد الجبار العثماني وأبي محمد عبد القوي بن أبي الحسن القيسراني والأمير أبي الفوارس مرهف بن أسامة بن منقذ وآخرين غيرهم وحدث وأقرأ العربية وغيرها مدة: وكان عالماً فاضلاً رئيساً صدراً كبيراً ذا فنون متعددة ومعارف جمة مع ما هو عليه من حسن الطريقة وكرم الأخلاق وكان مؤثر الانفراد والتخلي محباً في الانقطاع والعزلة وعدم الاختلاط بالناس ذا جد وعمل وعبادة وأبوه أبو القاسم عبد الرحمن كان كان الفضلاء المشهورين وله تصانيف حسنة وطريقة جميلة ﵀ وكانت وفاة الشريف أبي عبد الله محمد المذكور ضحى نهار السادس من صفر بالقاهرة ودفن من يومه بسفح المقطم ﵀. قليج أرسلان بن السلطان غياث الدين كيخسرو بن السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج

стр. 814

أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن آتس بن إسرائيل بن سلجوق بن دقاق السلطان ركن الدين السلجوقي صاحب الروم كان ملكاً جليلاً شجاعاً كريماً لكنه لم يكن أحكمته التجارب فترك الحزم وفوض الأمور إلى معين الدين سليمان البرواناة واشتغل بلهوه فاستقل البرواناة بالتدبير واستفحل أمره ثم رام ركن الدين قتله والراحة منه واستشعر البرواناة ذلك منه فعمل على قتله حتى قتل في هذه السنة، وشرح الحال في ذلك إن البرواناة لما عظم شأنه واستولى على الممالك ولم يبق للسلطان ركن الدين معه كلمة استشعر البرواناة منه فرتب ضياء الدين محمود بن الخطير معه حريفاً ونديماً ليطلعه على سره في حال السكر ويكون عيناً للبرواناة عليه فحمل السلطان ركن الدين السكر على أن قال لضياء الدين ابن الخطير قد اتخذت سكيناً لقتل البرواناة وكانا بقونية فكتب ضياء الدين إلى أخيه شرف الدين بن الخطير يعرفه فأخبر شرف الدين البرواناة بذلك فكتب البرواناة إلى أبغا يذكر أن نية ركن الدين قد تغيرت فيك وربما كاتب صاحب مصر ليسلم إليه البلاد فعاد الجواب إذا ثبت ذلك عند نوابي المغل فافعل ما تختار ثم إن ركن الدين بعث يستدعي البرواناة فكتب إليه خواجا على الوزير يحذره من الوصول إليه فقصد البرواناة أمراء المغل وهم نابشي ويينال وكداي وبرد وأبكان ونوغاتمر

стр. 815

وغيرهم بهدية سنية ففرقها فيهم وعرفهم أن السلطان ركن الدين استدعاه ليقتله وينتمي إلى صاحب الديار المصرية ويقتلكم عن آخركم فرحلوا معه وقصدوا أقصراً فلما وصلوها كتبوا إلى السلطان ركن الدين كتاباً يطلبون الحضور ليجتمع معهم على مصلحة أمرهم بها أبغا، فلما وقف على الكتاب خرج من قونية وأشار عليه خواصه أن لا يفعل فلم يصغ إلى رأيهم فلما بلغ البرواناة قدومه ركب ومعه المغل فلما التقوا ترجل البرواناة على عادته وقبل الأرض فقال له السلطان كيف أنت يا أبي؟ فقال يا خوند تقصد قتلي وتسأل عني فقال له حاشاك ثم نزل إلى الدار وشرب مع المغل فدك عليه البرواناة سما فأدرك ذلك فخرج وقاء ما شربه وركب فرسه وانصرف لينجو بنفسه فتبعه الصاحب فخر الدين خواجا وتاج الدين مبشر وغيرهما وأشاروا عليه بالرجوع ليقرأ عليه يغلغا فقال لهم إني أخاف من القتل فحلفوا له فرجع معهم وأنزلوه بخركاه نابشي بمفرده ولم يصحبه غير مملوك واحد وجميع من كان معه من الجند والمماليك وقوف على بعد ثم دخل عليه المغل وفاوضوه في الكلام وقالوا له لم عزمت على قتل البرواناة فقال لم يكن ذلك وإن كنت قلته ففي حال السكر فقالوا: إن أردت أن تنجو فقل لنا من كان اتفق معك على قتله؟ فذكر لهم جماعة فلما سماهم لهم قام أحد المغل ووضع في حلقه وتراً وخنقه به حتى مات، وكان حول الخركاه جماعة من المغل يصفقون ويلغطون لكي لا يسمع صوته وضربه شرف الدين بن الخطير

стр. 816

فكسر يده ثم جعلوه في محفة وكتموا موته وأذاعوا أنه ضعيف ولم يزالوا يدخلون عليه في سيره بالمأكول والمشروب إلى أن وصلوا قونية فاظهروا موته وأنه وقع من على الفرس فمات وكان عمره يومئذ ثماني وعشرين سنة وأجلسوا ولده غياث الدين كيخسرو على التخت. ؟؟ السنة السابعة والستون وستمائة دخلت والخليفة والملوك على القاعدة في السنة الخالية خلا السلطان ركن الدين قليح أرسلان صاحب الروم فإنه قتل وولى بعده ولده السلطان غياث الدين كيخسرو كما تقدم. متجددات هذه السنة استهلت والملك الظاهر بقلعة الجبل وفي يوم الخميس تاسع صفر جلس في الإيوان بالقلعة وأحضر القضاة والشهود وتقدم بتحليف الأمراء ومقدمي الحلقة لولده الملك السعيد فحلفوا ثم ركب الملك السعيد يوم الاثنين العشرين من الشهر بأبهة الملك في القلعة ومشى والده أمامه في القلعة وكتب له تقليد وقرئ على الناس بين يدي الملك الظاهر بحضور الصاحب بهاء الدين وأعيان الأمراء والمقدمين. وفي يوم السبت ثالث عشر جمادى الآخرة خرج الملك الظاهر من قلعة الجبل متوجهاً إلى الشام ومعه الأمراء بأسرهم جرائد واستناب بالديار المصرية في خدمة ولده الأمير بدر الدين الخازندار ومن ذلك التاريخ علم الملك السعيد على التواقيع والمناشير وغيرها ووردت إليه

стр. 817

كتب والده وكتب نواب بسائر المملكة. ولما استقر الملك الظاهر بدمشق وصل إليه رسل من التتر مجد الدين دولة خان ابن جاقر وسيف الدين سيعد ترجمان وآخر من المغل ومعهم جماعة من أصحاب سيس فأنزلهم بالقعلة وأحضرهم من الغد وأدوا الرسالة ومضمونها: إن الملك أبغا لما خرج من الشرق تملك جميع العالم ومن خالفه قتل فأنت لو صعدت إلى السماء أو هبطت إلى الأرض ما تخلص منا فالمصلحة أن تجعل بيننا صلحاً وأنت مملوك أبعت في سيواس فكيف تشاقق ملوك الأرض فأجابهم من وقته بأنه في طلب جميع ما استولوا عليه من العراق والجزيرة والروم والشام وسفرهم. ووصل إليه الأمير سيف الدين محمد بن الأمير مظفر الدين عثمان ابن ناصر الدين منكورس صاحب صهيون باستدعاء وقدم مفاتيح صهيون فخلع عليه وأبقاه على ما في يده. وفي آخر شهر رجب خرج الملك الظاهر من دمشق فنزل خربة اللصوص فأقام بها أياماً ثم ركب ليلة الاثنين ثامن عشر شعبان ولم يشعر به أحد وتوجه إلى القاهرة على البريد بعد أن عرف الفارقاني أنه يغيب أياماً معلومة وقرر معه أنه يحضر الأطباء كل يوم ويستوصف منهم ما يعالج به متوعك يشكو تغير مزاجه ليوهم أن الملك الظاهر هو المتوعك فكان يعمل ما يصفونه ويدخل به إلى الدهليز ليوهم العسكر

стр. 818

صحة ذلك ووصل إلى قلعة الجبل ليلة الخميس حادي عشري شعبان وأقام بها أربعة أيام ثم توجه ليلة الاثنين خامس عشري الشهر على البريد فوصل إلى العسكر تاسع عشرينه وكان غرضه كشف حال ولده وغيره. وفي يوم الأحد سادس عشر شهر رمضان تسلم نواب الملك الظاهر قلعة بلا طنس وقلعة بكسراييل بن عز الدين أحمد بن مظفر الدين عثمان بن منكورس بن جيردكين صاحب صهيون وعوضه عنهما قرية تعرف بالحملة من أعمال شيزر كانت إقطاعاً لمظفر الدين في الدولة الناصرية وبعث إليهما نواباً وأموالاً وذخائر وسلاحاً. وفي يوم الخميس العشرين من رمضان توجه الملك الظاهر إلى صفد فأقام بها يومين ثم شن الغارة على بلد صور وأخذ شيئاً كثيراً وسبب ذلك أنه لما كان نازلاً على خربة اللصوص رفعت إليه قصة من امرأة تذكر أن ولدها دخل صور فقبض عليه وقتل. وفيها عيد الملك الظاهر عيد الفطر بالجابية وصلى به الشريف شمس الدين سنان بن عبد الوهاب الحسيني خطيب المدينة النبوية صلوات الله على ساكنها وسلامه وكان قد وصل رسولاً من جماز في السنة الخالية فحبسه الملك الظاهر بقلعة دمشق ثم أطلقه في شهر رمضان هذه السنة لرؤيا رآها وكتب له تواقيع بإجرائه على عادته في خطابته وقضائه وإدرار ما لمتولي المدينة بديار مصر والشام من الوقوف والرواتب

стр. 819

ثم جهزه وجهز معه الطواشي جمال الدين محسن وبعث معه خمسمائة غرارة من الكرك يفرقها فيمن بالمدنية من الضعفاء والمجاورين ثم رحل الفوار وأقام به إلى خامس عشري شوال ثم توجه إلى الكرك فوصله في أوائل ذي القعدة ثم توجه في سادسه إلى الحجاز وصحبته بدر الدين الخازندار وصدر الدين سليمان الحنفي وفخر الدين بن لقمان وتاج الدين بن الأثير ونحو ثلاثمائة مملوك وجماعة من أعيان الحلقة فوصل المدينة الشريفة في العشر الأخر من الشهر فأقام بها ثلاثة أيام وكان جماز قد طرد مالكاً عن المدينة واستقل بإمارتها فلما قدم الملك الظاهر هرب من بين يديه فقال الملك الظاهر لو كان جماز يستحق القتل ما قتله لأنه في حرم رسول الله ﷺ ، ثم تصدق في المدينة بصدقات كثيرة وخرج منها متوجهاً إلى مكة فوصلها ثامن ذي الحجة فخرج إليه أبو نمي وعمه إدريس صاحبا مكة وبذلا له الطاعة فخلع عليهما وسارا بين يديه إلى عرفات فوقف بها يوم الجمعة ثم سار إلى منى ثم دخل مكة وطاف الإفاضة وصعد الكعبة وغسلها بماء الورد وطيبها بيده ثم أقام يوم الاثنين ثالث عشر ذي الحجة ثم توجه إلى المدينة الشريفة فزار بها قبر النبي ﷺ مرة ثانية ثم توجه إلى الكرك فوصله يوم الخميس تاسع عشري منه فصلى به الجمعة ثم توجه إلى دمشق فوصل يوم الأحد ثاني المحرم سنة ثمان وستين وستمائة سحراً فخرج الأمير جمال الدين النجيبي فصادفه في سوق الخيل فاجتمع به ثم سار

стр. 820

إلى حلب فوصلها في سادس المحرم ثم خرج منها في عاشره وسار إلى حماة ثم إلى دمشق ثم إلى مصر فوصلها يوم الثلاثاء ثالث صفر وكان الركب قد خرج من مصر صحبة الأمير عز الدين الأفرم وفيه والدة الملك السعيد ووالدة الخازندار والصاحب زين الدين أحمد بن الصاحب فخر الدين والصاحب تاج الدين أخوه واتفق وصول الركب إلى البركة ووصول الملك الظاهر فدخلا يوم الأربعاء رابع صفر. وفي هذه السنة تقدم الملك الظاهر بالحوطة على أملاك حلب بأسرها وأن لا يفرج عن شيء منها إلا بكتاب عتيق من الأيام الناصرية أو ما قبلها. وفي سابع عشري ذي الحجة هبت ريح شديدة عاصف بالديار المصرية غرقت مراكب في النيل نحواً من مائتي مركب فهلك فيها خلق كثير وأمطرت قليوب مطراً غزيراً وكان بالشام من هذه الريح صقعة أحرقت الأشجار. ؟ ذكر ما تجدد في هذه السنة من حوادث بلاد الشمال والعجم منه عصيان باكودر بن عم برق وقيل أخوه على أبغا وسبب ذلك أن برق بعث إلى عمه سراً يشير عليه أن يخرج من طاعة أبغا وينضم إلى منكوتمر فاطلع أبغا على ذلك فاستدعى المذكور فامتنع من الحضور وكان بقربه طائفة من عسكر أبغا فبعث طلبهم فأجابوه خوفاً منه فرحل

стр. 821

بهم نحو بلاد منكوتمر فلما بلغوا أعمال تفليس أظهروا الخلف عليه وكانوا ثلاثة آلاف فارس وبعثوا إلى أبغا يعرفونه فجمع أكابر دولته واستشارهم فأشروا بإرسال عسكر يقفوا أثره فبعث أباطي ومعه ثلاثة آلاف فارس واستدعى البرواناة وصمغرا ومن معهما من العساكر فلما حضروا أردف بهم أباطي فلحقوه فكانت عدتهم ثلاثين ألفاً ودخلوا بلاد باباسركيس ملك الكرج وعضدهم بألفي فارس فلما التقى الجمعان كانت الكسرة على باكودر ونجا بنفسه في ثلاثمائة فارس وانحاز باقي عسكره إلى عسكر أبغا وأخذ باكودر نحو جبال الكرج وكان بها نبات مسموم فرعته دوابه فهلكت فلم يبق معه غير أربعة عشر فرساً فقصد أبغا مستسلماً فعفا عنه ثم قصد أبغا بلاد باباسركيس واستولى منها على قلاع كان قد تغلب عليها الكرج وأخذوها من الملك الأشرف بن العادل ﵀ وهي موكرى وقلعة مامرون وقلعة أولبي وكان بها بعض الكررج وطائفة من المسلمين فجلا الكرج عنها وأبقى المسلمين وعاد عسكر أبغا إلى أردوه وصمغرا والبرواناة إلى بلادهم، ولما بلغ برق ما جرى على ابن عمه باكودر جمع وحشد وقصد تبشير أخا أبغا فكسره واستأصل رجاله ونهب حريمه فبعث تبشير إلى أخيه يستصرخه ويحرضه فعزم على قصده وبعث إلى أطراف بلاده لطلب عساكره وسيأتي ذكره في سنة ثمان وستين إن شاء الله تعالى.

стр. 822

فصل وفيها توفي إبراهيم بن عيسى بن يوسف أبو إسحاق المرادي الأندلسي. كان فاضلاً عالماً عابداً ورعاً وافر الديانة كثير الضبط والتحقيق لما يكتبه سمع وحدث وباشر إمامة المدرسة الباذرانية بدمشق مدة وحصل كتباً جيدة نفيسة ووقفها على من ينتفع بها من المسلمين وجعل نظرها إلى علاء الدين محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق المعروف بابن الصائغ ﵀، وكانت وفاة الشيخ أبي إسحاق المذكور بالديار المصرية في ليلة الخامس من ذي الحجة ودفن من الغد بالقرافة الصغرى بالقرب من تربة الإمام الشافعي ﵁ وهو في عشر السبعين ﵀. إبراهيم بن ... أبو زهير المباحي كان يجني المباح من جبل لبنان وغيره ويتقوت به ولم يزل على ذلك إلى أن أقعد في آخر عمره فانقطع في مغارة ظاهر باب دمشق من مدينة بعلبك يتعبد بها إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى ليلة الثلاثاء رابع وعشرين جمادى الأولى وقد نيف على المائة سنة، وكان رجلاً صالحاً متعبداً سليم الصدر جداً ودفن بمغارته ﵀. أحمد بن عبد الواحد بن مري بن عبد الواحد أبو العباس تقي الدين المقدسي الحوراني مولده في نصف صفر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة سمع وحدث وكان من المشايخ الصلحاء العلماء الزهاد العباد الجامعين بين العلم والدين والفضيلة والزهد في الدنيا وأهلها وعنده جد واجتهاد

стр. 823

وقوة نفس وإقدام وتجرد وانقطاع ومعرفة بطريق القوم وكانت وفاته في شهر رجب بمدينة رسول الله ﷺ ودفن بها ﵀. إيدمر بن عبد الله الأمير عز الدين الحلي الصالحي النجمي كان من أكابر أمراء الدولة وأعظمهم محلاً عند الملك الظاهر وكان نائب السلطنة عنه بالديار المصرية في حال غيبته عنها لوثوقه به واعتماده عليه وسكونه إليه وكان قليل الخبرة لكن رزق من السعادة ما مشى أموره وكان محظوظاً في الدينا له الأموال الجمة والمتاجر الكثيرة والأملاك الوافرة وأما ما خلف من الخيول والجمال والبرك والعدة فيقصر الوصف عنه، وكانت وفاته بقلعة دمشق في ويوم الخميس سابع شعبان ودفن بتربته بسفح قاسيون جوار مسجد الأمير جمال الدين موسى بن يغمور ﵀ وقد نيف على الستين من العمر ﵀. الحسن بن علي بن أبي نصر ابن النحاس أبو البركات شهاب الدين الحلبي المعروف بابن عمرون منسوب إلى جهة الأم التاجر المشهور كانت له نعمة ضخمة ومتاجر كثيرة وأموال عظيمة وحرمته وافرة ومكانته عند الملك الناصر صلاح الدين يوسف وسلفه وأكابر أمراء الدولة عظيمة ومنزلته لديهم رفيعة، ولما ملك الملك الناصر دمشق كان المذكور إذا قدم عليه بالغ في إكرامه وتلقيه وإقامة حرمته وإنزاله في أجل الأماكن وترتيب الإقامة له مدة مقامه وسائر أرباب الدولة يعاملونه بما يناسب ذلك ولما استولى التتار على حلب سنة ثمان وخمسين

стр. 824

لم يتعرضوا لداره وما يجاورها من الدرب جملة كافية كأنه ضمن لهم مبلغاً كثيراً على أن يحموها من النهب ففعلوا وآوى إليها والي دربه من أهله حلب وغيرهم ومن الأموال ما لا يحصى كثيرة فشملت السلامة لذلك جميعه وقام لهم بما كان التزمه من صلب ماله ولم يستعن على ذلك بما لأحد ممن آوى إليه فكانت هذه مكرمة له وتمزق معظم أمواله وخربت أملاكه وبقي معه اليسير بالنسبة إلى أصل ماله فتوجه به إلى الديار المصرية في أوائل الدولة الظاهرية فلزمه مغرم عظيم للسلطان أتى على قطعة وافرة مما تبقى معه واستوطن ثغر الإسكندرية إلى أن توفي إلى رحمة الله تعالى بالإسكندرية في بوم الجمعة ثالث وعشرين شعبان ودفن هناك ﵀ وقد نيف على الثمانين سنة بقريب ثلاث سنين وكان عنده رياسة وسعة صدر وكرم طباع يسمح ما تشح أنفس التجار ببعضه إطلاقاً وقرضاً وأكابر الحلبيين يعرفون رئاسته وتقدمه لا ينكرون ذلك، وأبو نصر المذكور هو فيما أظن محمد بن الحسين بن علي ابن النحاس الحلبي كاتب تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس وهو صاحب المكاتبة إلى سديد الملك بن منقذ صاحب شيزر. وشرح الحال في ذلك أن سديد الملك أبا الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني كان يتردد إلى حلب قبل تملكه شيزر وصاحب حلب يومئذ محمود المذكور فجرى أمر خاف سديد الملك على نفسه منه فخرج من حلب إلى طرابلس الشام وصاحبها يوم ذاك جلال الملك بن

стр. 825

عمار فأقام عنده فتقدم محمود بن صالح إلى كاتبه أبي نصر محمد المذكور أن يكتب إلى سديد الملك كتاباً يشوقه ويستعطفه ويستدعيه إليه ففهم الكاتب أنه يقصد له شراً وكان صديقاً لسديد الملك فكتب الكتاب كما أمر إلى أن بلغ إلى أن شاء الله تعالى فشدد النون وفتحها فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن عمار ومن بمجلسه من خواصه فاستحسنوا عبارة الكتاب واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه وإيثاره لقربه فقال سديد الملك إني أرى في الكتاب ما لا ترون ثم أجابه عن الكتاب بما اقتضاه الحال وكتب في جملة الكتاب أنا الخادم المقر بالأنعام وكسر الهمزة من أنا وشدد النون فلما وصل الكتاب إلى محمود ووقف عليه الكاتب سر بما في هذا وقال لأصدقائه قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى على سديد الملك وقد أجاب بما طيب نفسي وكان الكاتب قد قصد قول الله تعالى: " إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك " فأجاب سديد الملك بقوله تعالى: " إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها " فكانت هذه معدودة من تيقظ الكاتب وفهمه تيقظ سديد الملك ابن منقذ أيضاً وإفراط ذكائه وفطنته وكلاهما غاية في ذلك وابن منقذ أشد فطنة في هذا الموطن والله أعلم. سليمان بن داود بن موسك أبو الربيع الروادي الهذباني أسد الدين ابن الأمير عماد الدين بن الأمير عز الدين من بيت الإمرة والتقدم والاختصاص بالملوك كان والده عماد الدين أخص الناس بالملك الأشرف ابن العادل وأظن بينهما قرابة من جهة النساء وجده الأمير عز الدين

стр. 826

موسك كان من أكابر أمراء صلاح الدين وذوي المكانة عنده وله به اختصاص عظيم وقرب كثير موصوف بالكرم والفطنة أما كرمه فمشهور لم يخيب مؤمله بل ينوله مقصوده بما له وجاهة، وأما فطنته فحكى لي عنه أن ركن الدين محمد الوهراني المشهور كان قدم الديار المصرية في الأيام الصلاحية وتعرض للأمير عز الدين مسترفداً له فأمر له بشيء لم يرضه فحضر مجلس الأمير عز الدين أحفل ما يكون وقال يا مولانا قد احتجت أن أحلق رأسي في هذه الساعة واشتهى أن تأمر بعض الطشت دارية أن يحلقه بحضرتك فأمر بذلك فلما حضر الحلاق فهم الأمير عز الدين ما أراد بذلك فقال لبعض مماليكه أعطه مائة دينار وقال له يا ركن الدين أحلق بها رأسك غير هنا فأخذها وانصرف وهو شاكر فقال بضع الحاضرين للأمير عز الدين في ذلك فقال أراد أن الحلاق إذا حلق يقول له يا مهتار موسك نجس فيشتمنا في وجوهنا بحضوركم فافتدينا منه بهذه الدنانير فعرف بذكائه مراد الوهراني، وكان أسد الدين صاحب هذه الترجمة عنده فضيلة وله يد جيدة في النظم وترك الخدم وتزهد ولازم مجلس العلماء ولبس الخشن من الثياب وكان له نعمة عظيمة ورثها من أبيه فأذهب معظمها ولم يبق له إلا صبابة يسيرة تقوم بكفايته يقتنع بذلك إلى حيث توفي إلى رحمة الله تعالى بدمشق في يوم الثلاثاء مستهل جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون ومولده بالقدس

стр. 827

الشريف في حدود سنة إحدى وستمائة أو ستمائة تقريباً ﵀ ومن شعره: ما الحب إلا لوعة وغرام ... فحذار أن يثنيك عنه ملام الحب للعشاق نار حرها ... برد على أكبادهم وسلام تلتذ فيه جفونهم بسهادها ... وجسومهم إذا شفها الأسقام ولهم مذاهب في الغرام وملة ... أنا في شريعتها الغداة إمام ولهم وللأحباب في لحظاتهم ... خوف الوشاة رسائل وكلام لطفت إشارتها ودقت في الهوى ... معنى فحارت دونها الأفهام وتحجبت أنوارها عن غيرهم ... وجلت لهم أسرارها الأوهام ومنها: فأليك عذلي فإن مسامعي ... ما للملام بطرقها إلمام أيروم سلواني الوشاة بنصحهم ... كلا وإن قعدوا لذاك وقاموا أننا من يرى حب الحسان حياته ... فألام في حب الحياة ألام عزى إذا كان الحبيب يذلني ... وتلذذي في الحب حين أضام وألذ ما تلقى جفوني إنها ... تمسي لنار الشوق ليس تنام كلفي بمن حمل السلاح جوارحاً ... فالقد رمح والجفون حسام بدر ولكن لا يعاب بنقصه ... شمس لها كللل النشور غمام ومنها: وإذا نظرت إلى بهاء جماله ... شاهدت منه البدر وهو تمام يفتر عن عطر لواضح دره ... برق لإلهاب الغليل بسام

стр. 828

يحوي رضاباً كالسلاف مزاجها الريحان ... والنسرين والنمام وفيها: متململ يرعى النجوم وتنطوي ... أضلاعه الحرى وهن ضرام عبد المجيد بن أبي الفرج بن محمد أبو محمد مجد الدين الروذراوري كان إماماً عالماً فاضلاً مفتناً حسن الشكل والملبس مليح العبارة فصيحاً عارفاً بأشعار العرب يحفظ من ذلك ما لا يحصى كثرة وخطه في غاية الجودة والصحة والحسن، وكان يديم تلاوة القرآن العزيز ودرس بالمدرسة الظاهرية ظاهر دمشق وبالمدرسة الأكزية وغيرها وكان وافر الفضيلة ولم يكن حظه من المناصب على مقدار فضيلته وسيره الملك الظاهر ركن الدين ﵀ رسولاً إلى بركة ملك التتر فعرض له في الطريق من المرض ما منعه من التوجه فعاد بعد أن قطع مسافة عظيمة ولم يكن عقله المعاشي بذاك، وكانت وفاته في صفر بدمشق ﵀ وهو في عشر السبعين وله نظم جيد لكنه منحط عن فضيلته فمن ذلك: أهوى العقود لأنهن تألفا ... يحكين در كلامك المنظوما وأذم أرمد لا يعد لعينه ... كحلاً تراب جنابك الملثوما وأعد أمر المكرمات مشتتا ... إن لم أجده بسعيه ملموما وإذا أجلت الفكر في أخلاقه ... لم تلق إلا روضة ونسيما وقال: نسيم الروض يشهبه أريجا ... إذا ما فاح في أعلى الروابي

стр. 829

إذا ما ديمة هطلت علينا ... ظننا جود كفك في السحاب وقال: ما عشت لا غيث السماح بمقلع ... عنا ولا روض النجاح مصوح تهمى فأنجاد الرجاء عشيبة ... منه وأغوار الأماني طفح وقال يهجو العز الضرير: أعمى البصيرة والبصر ... ضل السبيل وقد كفر ذم الأفاضل ضلة ... كالكلب إذا نبح القمر فليعلمن إذا فغر ... أني سألقمه حجر وكان العز الضرير قد هجا الشيخ مجد الدين بالبيتين المذكورين في ترجمته. علي بن أفسيس بن أبي الفتح بن إبراهيم أبو الحسن محي الدين الساوردي الأصل البعلبكي المولد والمنشاء الدمشقي الدار والوفاة كان صدراً رئيساً عاقلاً منفرداً فيما يعانيه من الحشمة والرئاسة وحسن الملبس والتأنق في المسكن والمأكل والمركب وغير ذلك وولي نظر الزكاة بدمشق مدة زمانية إلى حين وفاته وكان مشكور السيرة محبوباً إلى التجار تجلب إليه الأشياء المستظرفة من البلاد الشاسعة وله الحرمة الوافرة والكلمة المسموعة وكان كثير الصدقة والتلاوة للقرآن الكريم في كثير من الأوقات وعنده فضيلة وكلمة لينة وخلقه حسن وتوفي في ليلة الجمعة تاسع عشر ربيع الآخر بدمشق ودفن من الغد بجبل

стр. 830

قاسيون ﵀ وقد جاوز ستين سنة من العمر، حدثني بعض الأعيان ممن كان يصحبه أنه وصى الدلالين على مشترى جارية تعرف صناعة الغناء فحضر إليه بعضهم وأخبره أن بحضور شخص من بغداد وهو من الزام بن كر ومعه جاريتين على الصفة المطلوبة فقال له أحضرهم فأحضر جارية واحدة فرآها وغنت فأعجبه غناؤها وهي لابسة بغلطاق طرح ثم سيرها وطلب الأخرى فحضرت وعليها ذلك البغلطاق بعينه فجعل يتأمله وسألها عنه فذكرت أن ليس لها سواه وأن أستاذهما يحبهما وإنما الضرورة حملته على عرضهما للبيع فسأل عن منزله وأخذ معه ألف درهم وعشر قطع قماش وتوجه بنفسه إلى منزل الرجل فسلم عليه وأعطاه ذلك فكسا الجواري واستغنى عن بيعهن ولم يشتر منه محي الدين ﵀ شيئاً. علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة أبو الحسن مجد الدين العشيري المنفلوطي الأصل والمولد القوصي الدار والوفاة المالكي المذهب مولده في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة تفقه على غير واحد منهم الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي وصحبه مدة سمع منه وحدث ودرس وأفتى وصنف وانتفع به الناس وكان أحد الأئمة العلماء جامعاً لفنون من العلم معروفاً بالصلاح والدين معظماً عند الخاصة والعامة مطرحاً للتكلف كثير السعي في قضاء حوائج الناس على سمت

стр. 831

السلف الصلاح وكانت وفاته في ثالث عشر المحرم ﵀. غازي بن حسن بن.... أبو الحسن التركماني كان رجلاً متعبداً كثير الصيام منقطعاً في زاويته بقرية دورس ظاهر بعلبك ويحضر يوم الجمعة إلى بعلبك لشهود صلاة الجمعة بجامع بعلبك ويعود إلى زاويته، وكان سليم الصدر حسن الملقى وزعم أنه قد نيف على مائة سنة من العمر وكانت وفاته بزاويته المذكورة في نهار الأحد خامس وعشرين ذي الحجة ودفن بقرية دورس ﵀. محمد بن عمر بن حسن بن علي بن محمد الخميل بن فرج بن خلف ابن قومس بن مزلال بن ملال بن أحمد بن بدر بن دحية بن خليفة الكلبي أبو الطاهر شرف الدين مولده في العشر الوسط من شهر رمضان سنة عشر وستمائة بالقاهرة سمع من أبيه الحافظ أبي الخطاب عمر بن دحية وغيره وتولى مشيخة جار الحديث الكاملية بالقاهرة مدة وحدث وكان فاضلاً وتوفي في الخامس والعشرين من شهر رمضان بالقاهرة دفن بالقرافة ﵀، وهذه النسبة نقلت من خط والده ﵀ وذكر قاضي القضاة شمس الدين ﵀ والده أبا الخطاب وساق نسبه لكنه قال فلان بن بدر بن أحمد بن دحية قال وكان يذكر أن أمه أمة الرحيم

стр. 832

بنت أبي عبد الله بن أبي البسام موسى بن عبد الله بن الحسين بن جعفر ابن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵁ ولهذا كان يكتب بخطه ذو النسبين دحية والحسين ﵄ كان أبو الخطاب المذكور من أعيان العلماء ومشاهيرهم متقناً لعلم الحديث وما يتعلق به عارفاً النحو واللغة وأيام العرب وأشعارها، اشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية ولقي بها علماءها ثم رحل إلى بر العدوة ودخل مراكش واجتمع بفضلائها ثم ارتحل إلى إفريقية ومنها إلى الديار المصرية ثم إلى الشام والشرق والعراق ودخل عراق العجم وخراسان ومازندران وإربل وغيرها ومولده مستها ذي القعدة سنة أربع وأربعين وخمسمائة وتوفي يوم الثلاثاء الرابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطم ﵀ واختلف في سنة مولده أما الشهر فلا خلاف فيه وكان أخوه أبو عمرو عثمان بن الحسن أسن منه وكان حافظاً للغة العرب قيماً بها وعزل الملك الكامل أبا الخطاب عن دار الحديث التي أنشأها بالقاهرة ورتب أخاه المذكور مكانه فلم يزل بها إلى أن توفي يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وستمائة بالقاهرة ودفن بسفح المقطم، وله رسائل استعمل فيها حوشي اللغة.

стр. 833

ووقع لي رسالة بخط منشئها لا أعلم هل هو أبو الخطاب أو أبو عمر نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً: المملوك الداعي ابن دحية كان رسول الله عليه وسلم إذا جاءه أمر يسر به وسربه خر لله ساجداً رواه الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني والعتكي بعده في حديث الشفاعة الصحيح قال فأخر لله ساجداً قدر جمعة لم يخرج مسلم ولا البخاري هذه الزيادة وهي زيادة صحيحة وفيها الرد على أبي حنيفة ومالك في أنهما لا يجيزان سجود الشكر وما أدري لأي شيء قالوا ذلك والحديث مشهور رواه الترمذي والسجستاني والنسائي وجماعة غيرهم وأما زيادة حديث الشفاعة قدر جمعة فلم يروها سوى أحمد بن حنبل والعتكي وقد وافقنا السنة وفعلنا ما فعله النبي ﷺ وشكرنا الله شكراً رغداً كما قال تعالى: " فكلا منها رغداً حيث شئتما " أي دائماً لا ينقطع وذلك لما اتصل لنا من عقابيل ما كان ألم الغطريف وهو السيد العظيم السلطان الكامل الكبار الهميسع الصنديد الصنتيت الجلواخ العيذاق الهلقام اللهموم والجحجاح الوحواح وواجب علي الأخرواط في منسبان الدعاء والشكر لله فيما أزل إلى الناس أجمعين أكتعين أبصعين، بما مره عليه من الأطرغشاش والأبرعشاش والإبلال والقشقشة فأصبح صمجمجاً عنطنطا عنسطا صملاً عرداً حبعثتا سبعطريا ما به ظبظاب

стр. 834

ولا قلبه كأنما قد سيره قد مصح الله عنه العقابي وعرطن عنه العصاويد ومذ بلغتني شكاته لم يزل الدعاء له هجيراي وقد كنت فيما روى عن النبي ﷺ أنه قال حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله عنه وزاد الترمذي حتى الهم يهمه إلا كفر الله عنه، وفي الموطأ وما يدريك لعل الله ابتلاه بمرض يكفر عنه من سيئاته وفي الحديث الغريب ما من مسلم ينشط من مرضه إلا كان كيوم ولدته أمه عطلاً من الذنوب: أحمد رباً ساقني اليكا ... وأنا أمشي الدألا اليكا وكنا في هذه المدة ننظر في جنح الكافر الزبرقان فنظنه حواري وننظر العتم فنظن ذلك زغنجا وما أدري لأي شيء أنكر أبو عبيد لفظه الزعيج وقال ما أظنه من كلام العرب وقد حكاه الفراء عن العرب وهو ثقة فقال ثعلب عن يونس النحوي عن أبي عبيدة عن العرب الزغنج الزيتون والزغنج الحسن من كل شيء وقد أصاب الفراء ﵀ في ذلك: وكنت عبداً للأنام أخضعا والأخضع الذليل، والأنام البشر وكنت لا أقدر على النوم أجأر إلى الله بالدعاء في كل توة من الليل حتى كان بالأمس جاء الفرج بالرش والهنيدة وافى ذلك يوم الميعاد والناس قد إذ لعبوا من كل أوب وإتلأبوا من كل سقع قد عطل بهم النتاج والباج لم يفرنقعوا عني فسدلت علي السب السابري ولذت

стр. 835

الشوذة وسدلت السدوسي وقعدت القرفصاء وأهبنقعت وأخزأللت وارجحننت وأكمخت وتجهضمت ورفعت عقيرتي بالدعاء بوجأة صهصلق وللتأدي بالتأمين عجيج فللقد أغنيت وأقنيت وجعلتني من الأحرار وكنت مملكاً وقنجلاً وكل أحد من البرشاء جاء بمتنخة يضربني بها لحقه علي، وفي الحديث الغريب ذكر أبو عبيد قال قال رسول الله ﷺ لصاحب الحق اليد واللسان فكففت أيديهم عني وقطعت ألسنتهم دوني بنعمتك المثعنجرة الكنهور المنفيهقة المنقور قال رسول الله ﷺ في المصنفات جمع سوى الموطأ: من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا ويروى من نفس فرج الله أو نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وزاد الدارقطني فرج الله عنه سبعين كربة من كرب يوم القيامة، وقال ﷺ في الصحيح " من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته " ويروى في الصحيح إن الله يحب إعانة ويروى إغاثة اللهفان الملهوف، وقال في حديث أبي ذر وإن تفرغ في دلوك من دلو أخيك أو صاحبك وأن تلقي أخاك بوجه طلق فسرحتني من وثاقي ونشطتني من عقال الدين وفعلت ما أمرك الله تعالى به وهو قوله سبحانه

стр. 836

وتعالى: " وتعاونوا على البر والتقوى " قال ابن عمر وسالم وعطاء والشعبي أن ذلك واجب وسائر العلماء يقولون إن ذلك ليس بواجب إنما هو مندوب إليه فأخذت بقولهم ووفقت، وفي الطبراني عن فاطمة عن النبي ﷺ أن في المال لحقا سوى الزكاة وهذا صحيح بهذا الطريق والترمذي ضعفه من طريق أبي حمزة الأعور واسمه ميمون وزدت أن زينتني بالريايش الشف قال الله تعالى: " وريشاً ولباس التقوى " قال اللغويون الثقات الريش المال والريش الخصب قال الشاعر: ما لكم الليلة من إنفاش ... ولا دثار لا ولا رياش والريش ما ظهر من اللباس يقال أعطاني رحلاً بريشه أي بجميع ما فيه وقال الفراء الريش والرياش بمعنى واحد مثل الدبغ والدباغ وقد جعلت هاتيك الخلعة زينة لكل مسجد أناجي الله فيها وقد كنت لا تجديد لي إلا بالصابون، وفي الحديث الحسن خرجه الشيباني والترمذي من كسا مسلماً على عرى كساه الله من خضرة الجنة ويروى من خضر الجنة، وأنت فعلت ذلك من غير واسطة ولا تنبيه إلا صدق فراسة، وفي الحديث: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وعن قريب يجازيك الله بالخير الغطمطيط ويمكن لك في الأرض وعن قريب يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق بالرغبة والرهبة لقوله سبحانه: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " الحسنى فعلن من أسماء الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى: والسلام الكريم النفاح الأزج على حضرة الأملوك

стр. 837

السرندي ورحمة الله وبركاته. وقد تكلم الناس في أبي الخطاب ونسبوه إلى التزيد في كلامه مع ما كان يعانيه من الوقوع في بعض العلماء وكان الملك الكامل مقبلاً عليه فلما تبين له ذلك منه أعرض عنه وكان قدم مرة دمشق وسأل الصاحب صفي الدين بن شكر ﵀ أن يجمع بينه وبين الشيخ تاج الدين الكندي ﵀ فاجتمعا وتناظرا وجرى بينهما البحث في قول العرب لقيته من وراءَ وراءَ فقال ابن دحية لا يقال بالرفع بل بالنصب فقال تاج الدين أخطأت فسفه على الشيخ تاج الدين فقال له يا مدعي أنت تكتب وكتب ذو النسبين بين دحية والحسين ودحية بإجماع المحدثين ما أعقب فقد كذبت في نسبك، وحكى لي أنه قال للشيخ تاج الدين في محاورته أنا عندي كتب تسوي بغداد فقال الشيخ تاج الدين هذا محال ما في الدنيا كتب تسوي بغداد وإنما أنا عندي كتب جلودها تساوي رقبتك فخجل واستحسن الحاضرون هذا الجواب من الكندي وحكى أنه كان يدعي أن له بالمغرب أموالاً عظيمة وأملاكاً كثيرة وغير ذلك من عظم القدر والجاه والمال وذكر ذلك للملك الكامل فاستبعده فلما قدم أخوه أبو عمرو عثمان المذكور سأله الملك الكامل عن ذلك فذكر

стр. 838

أنهم قوم فقراء لا يوبه لهم في تلك البلاد وليس لهم بها ذكر فاعجب الملك الكامل قوله ونبل في عينه وسقط أبو الخطاب من عينه وتحقق تزيده في الحديث والله أعلم. محمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عربي أبو عبد الله عماد الدين كان فاضلاً سمع الكثير وسمع معناً صحيح مسلم على الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم المقدسي ﵀ وتوفي بدمشق في شهر ربيع الأول ودفن عند والده بسفح قاسيون وقد نيف على الخمسين من العمر ﵀. محمد بن وثاب بن رافع أبو عبد الله تاج الدين النخيلي الحنفي كان فقيهاً عالماً فاضلاً حسن الشكل درس وافتن وناب في الحكم بدمشق وكان سديداً في أحكامه مشكور السيرة وتوفي بدمشق في شهر ربيع الآخر وهو في عشر السبعين ﵀. مظفر بن عبد الكريم بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد الصافي بن علي بن أحمد بن إبراهيم بن يعيش بن عبد العزيز بن سعد بن عبادة أبو منصور تاج الدين الأنصاري الخزرجي الدمشقي الحنبلي مولده في السابع والعشرين من ربيع الأول سنة تسع وثماني وخمسمائة بدمشق سمع من أبي طاهر الخشوعي وعمر بن طبرزد وحنبل وغيرهم وحدث وبيته معروف بالعلم والحديث وكانت وفاته بدمشق في ثالث صفر فجأة ودفن بجبل قاسيون ﵀.

стр. 839

أبو الفضل بن ... الصحراوي الشاغوري كان من الصلحاء الأخيار العارفين ملازماً للخير والعبادة وكان كثيراً ما يرى النبي ﷺ في المنام وقيل أنه كان يجتمع بالخضر ﵇ وكان منقطعاً عن أرباب الدنيا مقيماً في منزله بالشاغور ظاهر دمشق اجتمع بجماعة من أرباب الطريق وأخذ عنهم، زرته في منزله وكانت وفاته في جمادى الأولى بدمشق ﵀ ونفعنا ببركته. أبو محمد بن سلطان بن محمود كان رجلاً صالحاً عابداً منقطعاً عن أرباب الدنيا عاكفاً عن العبادة وإشغال الناس بالقرآن العزيز لا يتكلم فيما لا يعنيه ولا يذكر أحداً إلا بخير وكان عالماً بما يحتاج إليه من أمر دينه سمع البخاري من ابن الزبيدي وسمع من الشيخ بهاء الدين أبي محمد عبد الرحمن المقدسي وغيره ولازم صحبة الشيخ إبراهيم بن جوهر البطائحي ﵀ وانتفع به وصحب والده أيضاً وكان من أصحاب والدي ﵀ قرأ عليه وسمع منه وكان والدي يحبه ويكرمه لصلاحه ودينه ولأجل والده سلطان ﵀ فإنه كان من الأولياء الأفراد، وكانت وفاة الشيخ أبي محمد المذكور ببعلبك في ليلة الخميس العشرين من شهر رمضان من هذه السنة ودفن بتربة الشيخ عبد الله اليونيني ﵀ وهو في عشر السبعين وكان متقللاً من الدنيا قانعاً منها بالكفاف سالكاً إنموذج السلف الصالح وتوفي

стр. 840

ولم يشب رأسه ولحيته إلا شطرت يسيرة جداً مع كونه نيف على سبعين سنة. السنة الثامنة والستون وستمائة دخلت والخليفة والملوك على ما كانوا عليه والملك الظاهر بالصنمين عائداً من الحجاز الشريف. متجددات هذه السنة قد ذكرنا عود الملك الظاهر من الحجاز في السنة الخالية لسِاق الحديث بعضه بعضاً فأغنى عن إعادته. وفي يوم الجمعة ثالث عشر صفر توجه الملك الظاهر إلى الإسكندرية ومعه ولده الملك السعيد وسائر الأمراء فتصيدوا أياماً وعاد إلى القلعة يوم الثلاثاء ثامن ربيع الأول وخلع في هذه السفرة على الأمراء وفرق فيهم الخيل والحوائص والسيوف والذهب والدراهم والقماش. وفي يوم الاثنين حادي عشري ربيع الأول توجه إلى الشام في طائفة يسيرة من أمرائه وخواصه ورتب لهم الإقامات والعليق لدوابهم فوصل إلى دمشق يوم الثلاثاء سابع عشر ربيع الآخر ولقي الناس في الطريق مشقة شديدة من البرد وخيم على الزنبقية وبلغه أن ابن أخت زيتون خرج من عكا في عسكر ليقصد فرقة منهم المقيمين بحنسين وفرقة منهم المقيمين بصفد من عسكر المسلمين فبعث الملك الظاهر إلى العسكرين عرفهما ثم سار فالتقى بهما في مكان عينه يوم الثلاثاء

стр. 841

حادي عشري الشهر وسار إلى عكا فصادف ابن أخت زيتون قد خرج فالتقى به فكسره واستأسره وجماعة من أصحابه وقتل منهم خلقاً وذلك في يوم الأربعاء ثاني وعشرين الشهر، ثم قصد الغارة على المرقب فوجد من الأمطار والثلوج ما منعه فرجع إلى حمص وأقام بها نحو عشرين يوماً ثم خرج إلى تحت حصن الأكراد وأقام يركب كل يوم ويعود من غير قتال إلى الثامن والعشرين من شهر رجب فبلغه أن مراكب الفرنج دخلت ميناء الإسكندرية وأخذت منه مركبين للمسلمين فرحل من فوره إلى الديار المصرية فوصلها ثاني عشر شعبان. وفيها قدم على الملك الظاهر صارم الدين مبارك بن الرضى مقدم الإسماعيلية بهدية وشفع فيه صاحب حماة فكتب له منشوراً بالحصون كلها ليكون نائباً عنه بها وكتب له بأملاكه التي بالشام جميعها على أن يكون مصباث وبلدها خاصاً للملك الظاهر وبعث معه نائباً فيها عز الدين العديمي فلما وصلا إليها عصى أهلها وقالوا لا نسلمها فإنه كاتب الاسبتار ونحن نسلمها لنائب الملك الظاهر فقال لهم عز الدين أنا نائب السلطان فقالوا له تأتينا من جهة الباب الشرقي فيما جاءهم وفتحوه هجمه الصارم وقتل منهم خلقاً وتسلم هو وعز الدين القلعة ثم غلب الصارم على البلد وأزال عنه حكم عز الدين فاتصل ذلك بالملك الظاهر واتفق إن ورد عليه نجم الدين حسن بن الشعراني وهو نازل على حصن الأكراد

стр. 842

ومعه هدية سنية فقبلها وكتب له منشوراً بالقلاع التي كتب بها لصارم الدين وهي الكهف والخوابي والعليقة والرصافة والقدموس والمينقة والقليعة ونصف أملاك الشام من جبل السماق وقرر عليه يحمل كل سنة مائة وعشرين ألف درهم، ولما عاد الملك الظاهر إلى مصر وتحقق صارم الدين إقباله على نجم الدين أخرج عز الدين من مصباث فوصل إلى دمشق فسير الملك الظاهر الجمال معالي بن قدوس على خيل البريد ومعه ونجم الدين الكنجي إلى حماة فأخرجا صاحبها في عسكره ومعهم عز الدين العديمي وتوجهوا إلى مصباث فخرج منها الصارم وقصد العليقة فتسلموا مصباث في شهر رجب وحكم بها عز الدين واستخدم أجناداً ورجالة ولما اتصل بالملك الظاهر سلامة الصارم كتب إلى صاحب حماة يلومه وألزمه بإحضاره فتحيل عليه حتى نزل من العليقة فقبض عليه وحمله إلى الملك الظاهر فحبسه في برج من أبراج سور القاهرة في ذي القعدة. وفيها عمرت القناطر على بحر ابن منحا وفي يوم الخميس رابع عشري شعبان فوض إلى الصاحب تاج الدين وزارة الصحبة على ما كان عليه والده فخر الدين. وفي شعبان لعبت الشواني في نيل مصر وحضرها الملك السعيد في الحراقة ولما دخلت البر ازدحم الناس في مركب منها فغرق ثم سافروا في الشهر إلى دمياط ووافاهم من الإسكندرية أربعة أخرى وخرجوا إلى الغزاة جميعاً فوجدوا بطشة هائلة وبها شجعان حموها وعلقوا من

стр. 843

مراكب المسلمين مركباً فقاسوا الجهد فأطلقوه وقتل منهم خمس وعشرون رجلاً ثم عادوا ولم يظفر بطائل. وفي العشرين من شوال ورد البريد من الشام مخبراً أن الفرنج قاصدون البلاد والمقدم عليهم شرون أخو ريدا فرنس وربما كان محطهم عكا فتقدم إلى العسكر بالتجهز إلى الشام وورد الخبر من الإسكندرية بأن اثني عشر مركباً للفرنج عبروا على الإسكندرية ودخلوا ميناءها وأخذوا مركباً للتجار واستأصلوا ما فيه وأحرقوه ولم يجسر الوالي أن يخرج الشواني من الصناعة لغيبة رئيسها في مهم استدعاه الملك الظاهر بسببه ولما بلغ الملك الظاهر ذلك بعث فأمر الملك الظاهر بقتل الكلاب في الإسكندرية وأن لا يفتح أحد حانوتاً بعد المغرب ولا توقد نار في البلد ليلاً ثم تجهز وخرج نحو دمياط يوم الخميس خامس ذي القعدة في البحر. وفي ذي الحجة أمر بعمل جسرين أحدهما من مصر إلى الجزيرة والآخر من الجزيرة إلى الجيزة على مراكب لتجوز العساكر عليها إلى الإسكندرية إن دهمها عدو وبقي منصوباً إلى أن تواترات الأخبار بقصدهم تونس ونزولهم عليها. وفي المحرم قتل أبو العلاء إدريس بن عبد الله بن محمد بن يوسف صاحب مراكش في حرب كانت بينه وبين أبي مرين على مراكش

стр. 844

والذي يرجعون إليه أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق بن حمامة وانقرضت دولة بني عبد المؤمن. وفيها سير الدرابزين للحجرة الشريفة صلوات الله على ساكنها من الديار المصرية صحبة الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الخليلي فمرض وحصل له طرف فالج فتعلق بالحجرة الشريفة بعد أن تصدق بجميع ما معه وتشفع بالنبي ﷺ فعوفي في المدينة وصحب الركب إلى مكة ناقته. ذكر كسرة أبغا لبرق قد تقدم القول بتسيير رسل تبشير إلى أبغا يستصرخ به من برق فلما وصلت الرسل جمع أبغا أمراء دولته واتفقوا أن يقصدوا برق فجمع عساكره ونزل بموغان فأكلت خيولهم الزرع خمسة عشر يوماً ثم ساروا فوصلوا أردول فأمر عساكره بإخفائه وكل من ذكر ذلك قتل ورحلوا وساروا مدة خمس وخمسين يوماً وخيولهم ترعى الزراعات ونزلوا حخحخان وبينهم وبين برق خمسة أيام فحملوا زادهم مطبوخاً لأن لا يشعلوا ناراً وعينوا من كل عشرة فارس يتقدموهم بنصف نهار يتحفظوا لهم الأخبار فكانت عدتهم خمسة آلاف فارس فساروا في واد بين جبلين وقتلوا من وجدوه في طريقهم إلى أن أشرفوا على يزك برق فكبسوه سحراً واستأصلوهم عن آخرهم فلما وصل إليهم أبغا فرح بذلك وعرفوه

стр. 845

أنه بقي لهم يوم ونصف ويصلون إلى عسكر برق فساروا ليلاً فلما أصبحوا لم يشعروا إلا وعسكر برق قدامهم وكان في طرفه مرغول مقدم ثلاثة آلاف فارس فكسر وهرب ناجياً بنفسه واتصل ببرق فأخبره وسار أبغا فنزل على مدينة هرى فأقاموا اثني عشر يوماً يطعمون خيولهم الزرع وهرب شخص من عسكر برق ووصل إلى أبغا وعرفه أن سبب هروبه أنه رأى في لوح الغنم أن أبغا يضرب مصافاً مع برق ويكسره فقال أبغا إن صح ذلك ملكتك قرية تعيش فيها أنت وعقبك وأقبل عليه إقبالاً عظيماً ولما كسر برق وفي له. ذكر المصاف لما بلغ برق رجوع أبغا طمع في لقائه وعبر النهر الأسود على الجسر والتقيا فخرج مرغول من عسكر برق بألف فارس وحمل في عسكر أبغا فكسر منه تقدير ثلاثة آلاف فارس ومكان مقدمهم شكتو بن ألكانوين وأرغون بن جرماغون وعبد الله النصراني وكان يصحب العساكر ومعه الكنائس والنواقيس فوقع فيه سهم قتله وجاء إلى أبغا من عسكره أباطي وتبشير بن هولاكو وقالا نحن نلقى عسكر برق فأذن لهما فالتقياه وكسراه كسرة عظيمة وما زالا في عسكره بالسيف إلى الجسر وعجزوا عن العبور لكثرة الزحام فرموا أنفسهم في البحر فغاض الماء لكثرة عددهم وكان كل من تخلص ينزل عن فرسه ويعرقبه
следующие страницы →