← История

История · id 12722

ذيل مرآة الزمان

اليونيني، أبو الفتح

Полный текст (1 675 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وله: ليس الظريف الذي تبدو خلائقه ... للناس ألطف من النسيم سرى لكنه رجل عفّت ضمائره ... عن المحارم بالمنى ظفرا أحمد بن عثمان بن سياوش أبو العباس الأخلاطي المقرىء المنعوت بالتقى أمام الكلاسة، قرأ القرآن الكريم بالقراءات وأقرأه، وسمع من الشيخ علم الدين السخاوي ومن غيره وحدث؛ وكان مشهوراً بالخير والدين والصلاح، وتوفي في خامس شهر رمضان المعظم بدمشق، ودفن من يومه بجبل قاسيون ﵀ وقد نيف على السبعين سنة من العمر، أحمد بن علي بن حمير أبو العباس صفي الدين البعلبكي المعروف بابن معقل، كان من أماثل أهل بعلبك وله جدة متوسطة وعنده مكارمة وسعة صدر وحسن عشرة وكان متشيعاً متغالياً في ذلك؛ وتوفي بمنزله ببعلبك العصر من نهار الخميس ثالث شعبان وقد نيف على الأربعين سنة من العمر ﵀. وخال والده هو عز الدين أبو العباس أحمد بن علي بن معقل بن أبي العلاء بن محمد بن معقل الأزدي ثم المهلبي الحمصي، كان شاعراً مقتدراً على النظم، عالماً بفنون الأدب والأصول والفقه على رأي الإمامية، غالياً في التشيع، وله ديوان يختص بمدح أهل البيت ﵈ لكنه قد حشاه بثلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والتعريض بهم، والتصريح في بعض القصائد؛ وكان من شعراء الملك الأمجد صاحب بعلبك، وانتقل إلى حماة مدو ثم عاد إلى بعلبك وتزهد وانقطع إلى أن توفي بدمشق سنة أربع وأربعين وستمائة؛

стр. 912

ونظم عدة كتب من كتب النحو وغيره. وله في أهل البيت رضي الله تعالى عنهم: يا قوم كم هذا التحير والغمى ... وضح النهار لمقلة وبدا لها فاختر لنفسك أيها الإنسان ما ... يهدي النعيم لها وينعم بالها واعمد إلى بحر العلوم وخل في ... بر الجهالة والضلالة آلها متعمداً سبل الهدى متجنباً ... سبل الردى وظلامها وضلالها فالموت منتظر بلا شك لتج ... زى كل نفس قولها وفعالها وولاء آل محمد أمن لمن ... خاف الجحيم عذابها ونكالها هم حجة الله العليّ على الورى ... وبهم أبان حرامها وحلالها وهم المسيمو سرحها والممطر و ... جرازها والممسكو أحبالها لولاهم في الأرض أوتاداً لما ... ثبتت بهم وزلزلت زلزالها فعليهم صلواته سحباً غدت ... كالنيبّ ترأم بالعشي إفالها وله: رأتني سعاد حليف السهاد ... وقد كنت قدماً حليف السرور فغضت عن الشيب لما رأت ... برأسي طرفاً شديد الفتور فقلت لها قذىً في العيون ... فقالت نعم وشجىً في الصدور وله: وجنة أعطاف أغصانها ... تميس في أوراقها الخضر ظلنا وقد أهدى لنا ظلها ... يجني علينا بجنى التمر تفاحها كالراح في طعمه ... وطيبه واللون والنشر لو يحمد الخمر حكاه ولو ... يذوب أغنانا عن الخمر

стр. 913

وله: إذا رمت أمراً في ذراه صعوبة ... فرفقاً تقده ممكناً مصحباً طهرا ولا تأخذن بالعنف ذا نخوة ... وذا إباء تهج ناراً مضرمة شرا فلطمة طرف هيجت حرب داحس ... ولطمة ملك نصرت أمةً كثرا وله من قصيدة يفتخر فيها ودس فيها العظائم على عادته من ثلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين: ماذا سؤالك صم ربع مقفر ... لولا ضلالك بالغزال الأعفر منها: أنى وقوفك من سراة الأزد في اله ... امات منها والسنام الأكبر آل المهلب خير قحطان إذا ... ما عد كل متوج ومسور كانوا حلى ممالك فتخرموا ... والآن ذكرهم حلى الأعصر ولأوسهم فخر وخزرجهم ما ... نصروا النبي وغيرهم لم ينصر ووقفوا بأنفسهم جميعاً نفسه ... من كل عاد مفترى أو مقترى حتى غدا الإسلام بين بيوتهم ... بادى السنا للقابس المتنور لله در أبيهم لو أنهم ... لم يهدموا ما شيدوا من مفخر بدءوا نزيلهم بكأس لذة ... معسولة وثنوا بكأس ممقر نقضوا عهودا أبرمت أسبابها ... بتحير من بعده وتجبر فغدا به سيان رب تقدم ... من بعده يوماً ورب تأخر غن الخلافة لم تكن لتحل في ... متهود يوماً ولا متنصر ومنها: فاستحى من نسب إليهم أنهم ... غدروا لحينهم بمن لم يغدر

стр. 914

واطو الفؤاد على الذي أضمرته ... منهم ولا ينشره ما لم تنشر إذا مدحت فتىً قواداً ماجداً ... فامدح أبا حسن الجواد العسكري عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس بن محمد بن منعة بن محمد أبو القاسم تاج الدين الموصلي. مولده بالموصل سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، كان إماماً عالماً فاضلاً شافعي المذهب اختصر كتاب الوجيز للغزالي ﵀ اختصاراً حسناً وسماه التعجيز في اختصار الوجيز؛ واختصر كتاب المحصول في أصول الفقه، واختصر طريقة ركن الدين الطاووسي في الخلاف. ووالده رضي الدين من أعيان العلماء، وجده الشيخ عماد الدين أبو حامد محمد بن يونس أمام وقته في مذهب الشافعي رحمة الله عليه وفي الأصول والخلاف. وله صيت عظيم في الآفاق؛ قصده الفقهاء من بلاد الشافعية للآشتغال وتخرج عليه خلق كثير صاروا أئمة ومدرسين يشار إليهم، وصنف كتباً في المذهب، منها: كتاب المحيط في الجمع بين المهذب والوسيط، وشرح الوجيز للغزالي، وصنف جدلاً وعقيدة وتعليقة في الخلاف ولكنه لم يتممها. وترسل إلى الخليفة وإلى الملك العادل وغيره من الملوك، وناظر في ديوان الخلافة، وتولى القضاء بالموصل في رابع شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ثم انفصل عنه لضياء الدين

стр. 915

ابن الشهرزوري. وكان دمث الأخلاق، لطيف الخلوة، محاضراً بالحكايات والأشعار، مكمل الأدوات؛ وتصانيفه وإن كانت مفيدة ولكنها منحطة عن فضيلتها. وكانت ولادته بقلعة اربل سنة خمس وثلاثين وخمسمائة في بيت صغير منها. ولما وصل إلى اربل في بعض رسائله دخل ذلك البيت وأنشد: بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها وتوفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وستمائة بالموصل ﵀ وأما حفيده تاج الدين صاحب هذه الترجمة فإنه لما استولى التتار على الموصل سنة ستين وستمائة كان بها، ثم انتقل عنها إلى بغداد فدخلها في شهر رمضان سنة سبعين وستمائة؛ وتوفي في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعين وستمائة هذه السنة؛ وبيته بيت فضيلة وتقدم ورئاسة، ولما مات رثاه جماعة منهم شمس الدين محمد الواعظ المعروف بابن الكوفي قال: أرى الدهر يبدأ للبرية أسهما ... فتقصد منهم من تقصد أو رمى ويعتمد الأعيان منهم بصرفه ... وإن كان لا يبغي سواهم مصمما فما ترك الموت النبي محمدا ... ولا سالم الدهر المسيح بن مريما

стр. 916

وفي حال تاج الدين موعظة لمن ... رأى ما دهى الحبر العليم المعظما هو الحاكم العدل الذي شاع فضله ... فأنجد بالذكر الجميل وأتمها لدنياه هارون استخار مساعدا ... وموسى لأخراه شفيعاً مكرما وحاز دعاء الخلق إذ كان محسناً ... فلما قضى صار الدعاء ترحما وليس يبالي من يخلف بعده ... جميل الثنا إن لا يخلف درهما وفي الجانب الغربي كان قضاؤه ... وفيه قضى أمر له كان مبرما وجيء فما رد القضاء قضاؤه ... ولا صد عند الحكم ما فيه حكما أيا صاحب التعجيز عجزك الردى ... فلم نستطع عند الخطاب التكلما ولا معجم الأقران عند جداله ... أبى الموت أن يلقاه إلا مسلماً عنيت بتخليص العلوم مخلص ال ... ردى لك من كل العلوم معلما ومختصر سير من الأرض قد غدا ... لمختصر الكتب الطوال تحكما ألا يا غريب الدار أنى كلما ... ذكرتك زادت نار وجدى تضرما وآبى على الأحزان إلا تجلدا ... ويأبى على الحزن إلا تصرما فأمسيت من حر الفراق معذبا ... وأصبحت من برد الجنان منعما وبشرني بالفوز في حشرة اسمه ... ونسبته لما عدت أحسن اللما فعبد الرحيم من الرضي بن يونس ... بيونس في العقبى رضى وترحما ألا فليراجع قلبه كل ذي حجى ... فمن راجع العقل استكان وسلما وأيقن أن المرء يفنى وماله ... من الذخر إلا ما من الخير قدما ؟ عبد القاهر بن عبد الغني بن محمد بن أبي القاسم بن تيمية أبو الفرج

стр. 917

فخر الدين الحراني الخطيب. مولده سنة اثنتي عشرة وستمائة، سمع من جده أبي عبد الله محمد وعبد الله بن عمر بن اللتى بدمشق، وخطب بجامع حران وكان فاضلاً ديناً، وتوفي بدمشق في حادي عشر شوال ودفن من الغد بمقابر الصوفية ﵀؛ وبيته معروف بالفضيلة والعلم والحديث والرئاسة والتقدم. عبيد الله بن عمر بن عبد الرحيم بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن بن طاهر بن محمد بن محمد بن الحسين بن علي أبو صالح شهاب الدين الحلبي المعروف بابن العجمي. مولده في السابع والعشرين من ربيع الأول سنة تسع وستمائة بحلب، سمع من جماعة وحدث وكتب بخطه كثيراً، وكان فاضلاً من بيت الرئاسة والجلالة والعلم والحديث والسنة، وتوفي بحلب فجأة في تاسع عشر جمادى الأولى رحمه الله تعالى. علي بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد أبو الحسن القيسي التلمساني المالكي الفقيه الإمام العلامة جامع الفضائل الذي لا يجاري في مضماره ولا يسبح ماهر في تياره، صاحب التصانيف والمبرز بسيفه على الأقران؛ أنشده الكاتب أبو زيد عبد الرحمن الفارقاني لنفسه فيه: أنا في الوداع مقدم ... ومحبتي ما تعلم وتعصبي لك كالذي ... تدريه لا بك أكرم

стр. 918

ولدي من إجلال قد ... رك ما يجل ويعظم ويكن قلبي رقة ... ما ليس يشرحه الفم ويهيج وجدي عارض ... يبكي وبرق يبسم وصوادح تشكو الغرا ... م بنغمة لا تفهم يا من أرى تكريمه ... وهو الأعز الأكرم ومن الحضيض مكانه ... والقدر حيث الأنجم أعييت حتى قيل أن ... ك لائم متاوم وتركتني في خجلة ... عن أصلها استفهم هذا وقلبي سائل ... عن حالكم ومسلم ولئن عتبت فأنت في ... رعى الوداد مقدم فلك السماح مصور ... ولك الوفاء مسلم ولكم خبرتك قبلها ... فإذا الحسام المخذم والمرء ما لم يختبر ... فالأمر أمر مبهم ذاعت محاسنك العلى ... والمسك ما لا يكتم حسب البرية مفخرا ... إن كان مثلك منهم مات علي بن التلمساني المذكور رحمه الله تعالى بدار الحديث الكاملية من القاهرة المصرية ليلة الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة ودفن بظاهر باب النصر خارج القاهرة رحمه الله تعالى. ؟ عمر بن إبراهيم بن محمد بن أيوب بن شاذي أبو الفتح فتح الدين بن الملك

стр. 919

الفائز أبي إسحاق سابق الدين بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر. مولده في صفر سنة سبع وستمائة. حدث بالإجازة عن أبي روح عبد المعز بن محمد الهروي، وتوفي مسجوناً بخزانة البنود بالقاهرة في السابع والعشرين من ذي الحجة وأخرج منها في يومه ودفن بتربتهم المجاورة لضريح الشافعي رحمة الله عليه بالقرافة الصغرى ﵀ وكان يلقب بالمغيث. محمد بن رضوان بن علي بن أبي المظفر بن أبي الغنائم أبو عبد الله شرف الدين الحسيني المعروف بالشريف الناسخ. مولده في سابع جمادى الآخرة سنة اثنتين وستمائة، وتوفي في الساعة السابعة من يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الآخر بدمشق؛ وكان من الفضلاء، له مشاركة جيدة في كثير من العلوم، واشتغل بعلم الأدب وله اليد الطولى في النظم والنثر مع حسن المحاضرة وكثرة الاطلاع على التواريخ والوقائع وأيام الناس لا تمل مجالسته، وخطه في غاية الحسن والجودة رحمه الله تعالى. أنشدني كثيراً من شعره بدمشق وبعلبك وسمعت منه بعض تواليفه، وأشعاره كثيرة فمنها: يا من يعيب تلوني ... ما في التلون ما يعاب إن السماء إذا تلو ... ن وجهها رجي السحاب وقال أيضاً رحمه الله تعالى:

стр. 920

كرد على الغصن حديث الهوى ... على سماه بعد صحو تغيم ولا تخف أن له نفرة ... وطالما أونس ظبي الصريم ولا تقل إن له صحبة ... مع غيرنا دهراً وعهد قديم فالماء ربى الغصن في حجرة ... ومال عنه برسول النسيم وقال أيضاً رحمه الله تعالى: عقد الربيع على الشتاء مآتما ... لما تقوض للرحيل خيامه نظم الشقيق خدوده فتضرجت ... حزناً وناح على الغصون حمامه والزهر منفتح العيون إلى خيو ... ط المزن حيث تفتقت أكمامه وقال أيضاً رحمه الله تعالى: لحاظ مراض دون فتكتها الفتك ... بها صح في دين الهوى لدمى السفك ومن عجب أن اللحاظ فواتر ... ومن عادة فيها التبتت والبتك وما كل سهم من لحاظ بقاتل ... سوى رشقات ريش أسهمها الترك ولى رشأ أن فهت يوماً بسلوة ... له فهي دعوى أصلها المين والإفك فلا لوم لي أن بعت ديني وأصبحت ... سجية مثلي في محبته الشرك له مبسم عذب إذا افتر ضاحكاً ... تداعى أصيحاب الغرام ألا فابكوا تجلى لنا ليلاً فلم ندر وجهه ... أم القمر الوضاح فاعترض الشك

стр. 921

صعقت لما استنار جماله ... فطور فؤادي مذ تجلى له دك طما بحرأ جفاني فيانوح غفلتي أنت ... به فلهذا البحر يصطنع الفلك وقال أيضاً ﵀: يا نفحة البان هذي نفحة السحر ... تهدى إلينا شذى من عرفك العطر ويا بريقاً بأفق الشام مطلعه ... محرر بحقك إيماضاً على بصري ونبه الحي فالسمار قد رقدوا ... لعل بالجزع أعواناً على السهر وقال أيضاً في مليح يلقب بالجدي: رأيت في جلق أعجوبة ... ما إن رأينا مثلها في بلد جدي له في صدغه عقرب ... وفي مطاوي الجفن منه أسد وخلفه سنبلة تطلب المي ... زان لا ترضى بأخذ العدد وقال في حسين الصواف: لست أخشى حر الهجير إذا ... كان حسين الصواف في الناس حيا فببيت من شعره اتقى الحر ... وبظل من أنفه أتفيا وقال أيضاً من قصيدة: كم استعذنا بهم من شر بينهم ... فما شعرنا بهم إلا وقد بانوا وكم حرصنا أن لا نفارقهم ... ففارقونا وبعض الحرص حرمان وما ألوم النوى في قبح ما صنعت ... لأن بعدكم والقرب هجران لانت صلاد الصفا من فيح ما جزعى ... يوم الوداع ولا رقوا ولا لانوا

стр. 922

وحنت النيب من وجد أنازلها ... شوقي المبرح والمشتاق حنان وأقبلت سمرات الجفن عاطفة ... على حنيني ومال الطلح والبان وأقبل الركب كل ذاكر شجنا ... له فؤاد بحر الوجد ولهان وما النياق وأهل الركب والحجر الأ ... صم مع سمرات الحي صنوان وإنما جمعتنا مع تباعدنا ... مناسب الحب والعشاق إخوان وقال في حسين الصواف وقد خلع عليه الشمس العذار فرجية صوف وكان حسين يلازم في منزله رجلاً مقدسياً: يهنيكم الصواف أصبح عابداً ... للرب غير مداهن ومدلس خلع العذار عليه خلعة ناسك ... سوداء من شعر خشين الملبس طويت له الأرض الفسيحة فاغتدى ... يجب المهامه في ظلام الحندس فهو الصقيم بجلق وركوعه ... وسجوده أبداً ببيت المقدس وسأل بدر الدين الأسعردي الشريف الناسخ الوقوف على بيتين من الشعر عملهما. فكتب إليه الشريف يقبل اليد وينمى أنه وقف على البيتين اللذين أسسا على التقوى وخلا كل بيت غيرهما من المعاني وأقوى فوجدهما في سبكهما كالإبريز وعزا على الناظمين فأمنا من التعزيز، وأما سؤاله عن التوطئة فقد ضاقت على غيره فيها المسالك وعلم بذلك الموطأ بأنه مالك، وللشريف رحمه الله تعالى:

стр. 923

عاتقته عند الوداع وقد جرت ... عيني دموعاً كالفجيع القاني ورجعت عنه طرفه في فترة ... تملى عليّ مقاتل الفرسان وقال رحمه الله تعالى: غازلني الظبي وغازلته ... في لحظة أخفى من الطيف ومكن الإصبع من عينه ... فكدت أن أقضي من الخوف وكيف لا أجزع من ظالم ... بنانه يؤمى إلى السيف وكتب إلى عماد الدين الدنيسري يذكر حمى عرضت له: يا من نداه وحسن صورته ... يستفزعان الحسن والكرما ناديتني ورفعت منزلتي ... وأضفتني بمصيبتي عزما وأعدت عصر مشيبتي نضرا ... من بعد ما أخلفته هرما وأفدت جسمي صحة ضمنت ... أن لا يرى من بعدها سقما فغدوت أتلو عند صنعك بي ... يا ليت قومي يعلمون بما فكتب عماد الدين جواباً على غير القافية: يا من فوائده إذا ... عدت غدت مثل المطر ومهذباً في نظمه ... ومزيناً فيما نثر مولاي دعوة مغرم ... لو لاك ما عرف السهر وافاك منك مشرف ... ألفاظه تحكي الدرر

стр. 924

فنفى عن العين الكرى ... ونفى عن القلب الضجر يا سيداً أخلاقه ... قد أخجلت كل الزهر لو لاك ما عرف القري ... ض ولا رأينا من شعر أوليتني منناً بقي ... ت بها وحقك مفتخر فغدوت منها باكياً ... ومنادياً بين البشر يا ليت قومي كلهم ... لو يعلمون بما غفر وقال الشريف أيضاً رحمه الله تعالى: رب طرف أدهم سابقه ... أصفر يختال عجباً ويميل وجهه صبح وهاديه دجىً ... كيف لا يسبقه وهو الأصيل وقال أيضاً رحمه الله تعالى: حدث ولا حرج عن بانة العلم ... ففي حديثك لي برء من الألم وأجر في مسمعي ذكراك ما جر إذ ... فيها الشفاء ومنها مبدأ السقم منازل حل فيها من هويت فمذ ... فارقته فنديمي بعده ندمي معاهد هي أحلى حين أذكرها ... عندي وفي مسمعي من بانة العلم لم أنس فيها غضيض الطرف ينشدني ... سهم أصاب وراميه بذي سلم وبي من الترك ألمي قد بذلت له ... روحي وبعت وجودي فيه بالعدم جسمي إلى جفنه يشكو جنايته ... هيهات كيف يداوى السقم بالسقم رجعت فيه إلى الدين القديم وما ... زالت قريش قديماً عابدي صنم

стр. 925

طلائع الحسن تسري في مواكبه ... وسقره فوق رمح القد كالعلم قامت لواحظه عيني فمذ رقدت ... أيقنت أن جفوني فيه لم تنم إذا وردت بطرفي ماء وجنته ... جيا الرقيب فدائي البارد الشبم ليت الرقيب ابتلاه الله فانبجست ... منه الجفون بدمع هامل بدم أوليت ناظره المزور من حنق ... نحوي إذا رمت مرأى من أحب عمي إن لم أذد عن حياضي من يكدرها ... جهلاً بسمر القنا والصارم الخذم فلا عقلت بحبل الود من حسن ... رب الفضائل بدر الدين ذي الكرم محمد بن عبد المنعم بن عمار بن هامل أبو عبد الله شمس الدين الحراني - الحنبلي -، كان عالماً فاضلاً كثير الديانة والتحري في حديثه، سمع الكثير ببغداد، ودمشق، ومصر، والإسكندرية وغيرها من جماعة كثيرة من أصحاب أبي الوقت السجزي وأبي طاهر السلفي وغيرهما، وحدث بدمشق وغيرها، وكان أحد المعروفين بالطب والإفادة. وتوفي بدمشق ليلة الثامن من شهر رمضان المعظم هذه السنة ودفن بجبل قاسيون وهو في عشر السبعين - رحمه الله تعالى -. محمد بن عثمان بن منكورس بن جردكين أبو عبد الله الأمير سيف الدين

стр. 926

بن الأمير مظفر الدين بن الأمير ناصر الدين بن الأمير بدر الدين صاحب صهيون. كان تملك صهيون بعد وفاة أبيه - الأمير - مظفر الدين في سنة تسع وخمسين وست مائة في ثاني عشر ربيع الأول - منها ولم يزل مستقلاً بذلك إلى أن توفي في شهر ربيع الأول - من هذه السنة؛ فكان مدة تملكه لها اثنتي عشرة سنة، ودفن بتربة أبيه بصهيون؛ وتسلم صهيون وبرزية ولده الأمير سابق الدين وكان الملك الظاهر بدمشق؛ فطلب سابق الدين منه دستوراً ليحضر فأذن له، فلما حضر أقطعه خبز أربعين فارس وأقطع عمه جلال الدين مسعود خبز عشر طواشية، وعمه الآخر مجاهد الدين إبراهيم عشر طواشية، وتسلم صهيون وبرزية واستناب فيهما؛ وكان سيف الدين عند وفاته قد نيف على الستين - رحمه الله تعالى -. محمد بن عمر بن يوسف بن يحيى بن عمر بن كامل - بن يوسف بن يحيى بن قابس بن حابس بن عمرو بن معدي كرب - أبو عبد الله الزبيدي، المقدسي الأصل، الدمشقي الدار والمولد، الشافعي الخطيب، المنعوت بالموفق، المعروف بابن خطيب بيت الآبار. مولده ليلة العشرين من شوال سنة خمس وتسعين وخمس مائة، سمع من ابن طبرزد، وحنبل، والكندي وغيرهم؛ وحدث وهو من بيت الحديث والخطابة والعدالة، وكانت وفاته في سابع عشر صفر ببيت الآبار ودفن بها - رحمه الله تعالى -. يحيى بن محمد بن أحمد بن حمزة بن علي بن هبة الله بن الحسن بن علي

стр. 927

أبو الفضل الثعلبي الدمشقي المعروف بالتاج المحبوبي، مولده سنة عشرين وست مائة - أحضر علي أبي القاسم عبد الصمد بن الحرستاني والشريف أبي الفتوح محمد بن أبي سعد البكري؛ وسمع أبا عبد الله محمد بن غسان وأبا الحسن بن المقير وأبا الحسن بن الصابوني وأبا القاسم عبد الله بن رواحة وغيرهم، وأجاز له خلق كثير من بلاد شتى وحدث هو وجماعة من بيته وهو من بيت الحديث والرواية - ولي نظر - مخزن الأيتام بدمشق ثم ولي الحسبة مدة، ثم ولّي وكالة بيت المال في آخر عمره وباشرها مدة يسيرة، وتوفي بدمشق في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر ودفن بسفح قاسيون - رحمه الله تعالى - والثعلبي بالثاء المثلثة. يوسف بن الحسن بن بدر بن الحسن بن مفرج بن بكار أبو المظفر شرف الدين النابلسي الأصل، الدمشقي المولد والدار والمنشأ والوفاة، المشهور بعلم الحديث، روى عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن عمر بن الحسن بن خلف القطيعي بقراءته بمنزله ببغداد وغيرها، وسمع بدمشق أبا اليمن - الكندي وأبا الغنائم سالم بن الحسن - بن هبة الله بن صصرى، وأبا محمد الحسن بن علي بن البن الأسدي وأبا محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي

стр. 928

والحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي قرأ عليه الكثير، وأبا الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي وزين الأمناء أبا المكرمات الحسن بن محمد بن الحسن بن عساكر، وآخرين يطول ذكرهم: وببغداد أبا محمد عبد السلام بن بكران، وأبا حفص عمر بن كرم الدينوري، والحسن بن المبارك الزبيدي، والشيخ شهاب الدين عمر بن محمد بن عبد الله الهروردي. وقرأ عليه كتاب المعارف، وكتب عنه بخطه ولبس منه خرقة التصوف، ولهذا المذكور نظم حسن فمنه: رأى البرق نجدياً فحن بمن يهوى ... ولاحت له نار فحن إلى حزوى وهبت له من جانب الغور نفخة ... أتته برياً ساكني السفح من رضوى محب لهم مغري بهم كلف فنوى ... إلى اللوم فيهم ما أصاخ ولا ألوى يناجي نسيم الصبح عند هبوبه ... وأخبار ذاك الحي باطنها نجوى ويشكو إليهم ما يلاقي من النوى ... كذا كل صب يستريح إلى الشكوى فيا راحة الروح التي شغفت بكم ... ويا منتهى المأمول والغاية القصوى رويتم حديث الصد عال مسلسلاً ... فلم لا أحاديث التواصل لا تروى أرى كل خلق يدعيكم وينتمي ... إليكم ولكن من تصح له الدعوى مراتع ذكراكم بقلبي أواهل ... ومغنى التسلي عن محبتكم أقوى عذاب الهوى مستعذب عند أهله ... وغلته فيهم مدى الدهر لا تروى

стр. 929

سكارى قد أدارت على القوم خمرة ... سوى أن خمر الحب طرحهم نشوى سلام على أهل الغرام جميعهم ... وخفف عنهم ما يلاقوا من البلوى وقال أيضاً - رحمه الله تعالى -: عرّج بعيسك واحبس أيها الحادي ... عند الكثيب وعرّس يمنة الوادي وأقر السلام على سكان كاظمة ... منى وعز بتهيامي وتسهادي وقل محب بنار الشوق محترق ... أودي به الوجد خلفناه بالنادي وقال وكتب بها إلى الشيخ أمين الدين عبد الصمد بن عساكر المجاور للشريف - رحمه الله تعالى: على قدر أشواقي إليك سلامي ... وإن بعدت داري وعزّ لمامي تروح تحياتي عليك وتغتدي ... كأرواح مسك عند فض ختام إليك ارتياح كل حين ولحظة ... كما الوجد وجدي والغرام غرامي ألا هل يعود الشمل مجتمعاً بكم ... وأنظركم من قبل يوم حمامي وأغفر زلات الزمان التي مضت ... بفرط تناسيكم وفوت مرامي وأرتع طرفي في رياض جمالكم ... فيا نيل آمالي وبدء أوامي وقال يمدح الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام - رحمه الله تعالى -: ألا إن عز الدين ابن حقيقة ... وخير إمام في الأنام رأيناه سلكت سبيل المجتبين لربهم ... بصدق وإيمان وذاك علمناه

стр. 930

وجاهدت في ذات الإله مصمماً ... ولم تخش هولاً حين غيرك يخشاه وأرديت فيه مرة بعد مرة ... وكم نال جهداً في الذي تتبعاه فجوزيت خيراً عن شريعة أحمد ... وأعطاك رب الناس ما تتمناه السنة الثانية والسبعون وست مائة دخلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة في السنة الخالية خلا سيف الدين صاحب صهيون وبرزية - فإنه توفي وانتقلت صهيون وحصن برزية - إلى الملك الظاهر، وخلا موسى بن إدريس صاحب ظفار، فإن أخاه سالم بن إدريس قبض عليه وجلس مكانه، - والملك الظاهر بالديار المصرية -. متجددات الأحوال في يوم الاثنين سابع المحرم جلس الملك الظاهر في دار العدل وحضر إليه الأكراد الواصلون من الشرق وخلع على مقدمهم. وفي العاشر هدمت غرفة على باب قصر من قصور المصريين بالقاهرة، ويعرف هذا الباب قديماً بباب البحر، وهو من بناء الخليفة الحاكم، فوجد فيها صورة امرأة في صندوق منقوش، عليها كتابة ترجمت، فكانت اسم الملك الظاهر وصفته وبقي منها ما لم يمكن قراءته. ذكر أخذ بيلوس أمير عرب برقة كان الملك الظاهر قد جرد عسكراً من ابن عزاز وتقدم إليه بالدخول

стр. 931

إلى برقة لأخذ العداد، فوصل إلى طلميثة، وهي مدينة تسكنها اليهود، ولهم بها أموال كثيرة، فحماها منه بيلوس فقاتله، ووقع بين العسكريين وقعة، وأسر فيها بيلوس، وهو شيخ قد نيف على المائة سنة، وقد حمل إلى القلعة فاعتقل بها في ثامن المحرم وبقي إلى أن خلص بعد شروط شرطها على نفسه في غرة شهر رمضان. وفي ليلة السبت سادس عشر المحرم توجه الملك الظاهر إلى الشام وصحبته الأمير شمس الدين سنقر الأشقر والأمير بدر الدين بيسري والأمير سيف الدين أتامش السعدي وجماعة يسيرة؛ فلما وصل عسقلان بلغه أن أبغا بن هولاكو وصل إلى بغداد وخرج إلى الزاب متصيداً، فكتب إلى القاهرة واستدعى عسكراً، فخرج منها يوم السبت حادي عشر صفر أربعة آلاف فارس مع أربع مقدمين، وفيهم الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري وجمال الدين آقوش الرومي وشمس الدين آقوش المعروف بقطليجا وعلم الدين طرطج، ورحلوا قاصدين الشام. ثم برز الأمير بدر الدين الخزندار - يوم السبت ثامن عشر صفر إلى مسجد التين، وأقام الملك السعيد يقلعة الجبل، وفي خدمته الأمير شمس الدين الفارقاني، ورحل الأمير بدر الدين الخزندار - وصحبته الصاحب بهاء الدين، فوصل الدهليز إلى غزة يوم الاثنين رابع ربيع الأول وسافر فنزل بيافا يوم السبت تاسعه، فوجد الملك الظاهر قد سبق إليها في جماعة من الأمراء. ومن الغد رتب العساكر ثم توجه

стр. 932

إلى دمشق فوصلها يوم السبت سادس عشره. ورحل الأمير بدر الدين الخزندار من يافا يوم الجمعة خامس جمادى الأولى، فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشره ورد عليه سيف الدين أتامش السعدي على البريد بكتاب السلطان يأمره بعود العسكر إلى مصر، فرحل يوم الأحد الحادي والعشرين ودخل القاهرة يوم الخميس تاسع جمادى الآخرة. وفي جمادى الأولى كمل بناء جامع دير الطين وصلى فيه. ذكر قبض الملك الكرج كان قد خرج من بلاده قاصداً زيارة القدس الشريف في زي الرهبان ومعه جماعة يسيرة من خواصه، فسلك بلاد الروم إلى سيس وركب في البحر إلى عكا؛ ثم خرج منها إلى بيت المقدس فأطلع الأمير بدر الدين خزندار - وهو على يافا - على أمره، فبعث إليه من قبض عليه؛ فلما حضر بين يديه بعث به مع الأمير ركن الدين منكورس إلى السلطان. فوصل دمشق في رابع عشر جمادى الأول، فأقبل عليه السلطان وسأله واستنزله حتى اعترف، فحبسه في برج من أبراج قلعة دمشق، وأمره أن يبعث من جهته إلى بلاده من يعرفهم بأسره، فبعث نفرين. وخرج الملك الظاهر من دمشق ثالث عشر جمادى الآخرة وقدم القاهرة يوم الخميس سابع شهر رجب. وفي يوم الخميس خامس عشرين شهر رمضان أمر الملك الظاهر

стр. 933

العسكر أن يركب بالزينة الفاخرة ويلعب في الميدان تحت القلعة بالقاهرة، فاستمر ذلك إلى يوم عيد الفطر وختن السلطان الملك الظاهر ولده خضراً ومعه جماعة من أولاد الأمراء وغيرهم. وفي يوم الأربعاء ثالث شهر رمضان توجه الملك السعيد - وصحبته الأمير شمس الدين الفارقاني وأربعون نفراً من خواصه - إلى دمشق على خير البريد وعاد إلى القاهرة يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال. وفي يوم السبت عاشر ذي القعدة حضر متولي القرافة إلى الأمير سيف الدين متولي مصر واخبره أن شخصاً دخل إلى تربة الملك المعز وجلس عند القبر باكياً؛ فسأله عن بكائه من بالمكان، فأخبره أنه قال: أنا ابن الملك المعز. وقد كان قطز نفاه مع أخيه الملك المنصور إلى بلاد الأشكري لما ملك فأحضر وقيد وطولع به إلى الملك الظاهر؛ فأحضره وسأله عن أمره فذكر أن له في البلاد نحو ست سنين يتوكل الأجناد فحبس بحبس اللصوص بمصر وحنا عليه بعض مماليك أبيه فأجرى عليه نفقة. ؟؟ ذكر مراسلة دارت بين الملك الظاهر ومعين الدين البرواناة لما توجه البرواناة مع رسل الملك الظاهر - كما تقدم - واجتمع بأبغا في

стр. 934

أمر الرسالة خلا به سراً وقال له الملك عقيم؟ وإن أخاك أجاي عازم على قتلي والاستيلاء على ملك الروم والانتماء إلى صاحب مصر، وحمل البرواناة على ذلك بحيلة من أجاي، فإنه كان يكلفه ما يعجز عنه ويتوعده؛ فأمره أبغا أن يخفي ذلك وأمره أن يستدعي أجاي وصمغرا - وسرتوقونوين بدلاً منهما - فلما عاد البرواناة إلى الروم رأى أجاي أعرض إعراضاً مفرطاً؛ فاضطر إلى أن كاتب الملك الظاهر سراً وبعث إليه قاصداً وطلب منه أن يحلف له ولغياث الدين بن ركن الدين على ملك الروم وشرط أن يكون له عسكر في البلاد مقيماً يستعين به على قتال أجاي وصمغر ومن معهما من التتر؛ فوافى القاصد الملك الظاهر بمصر قد عاد من دمشق فبلغه الرسالة فقال: إذا حلفنا له على ما أراد وسيرنا عسكراً يقيم عنده فلا بد للعسكر من شيء فتعين لي بلاداً أرصدها لذلك أو ما يستخرج من الأوقاف والصدقات والأملاك التي له، فإذا كسرت التتر أفرجت عن ذلك وأعدته إلى أربابه مع أننا لا نكلف خيلنا سلوك الدرب في هذا الوقت وفي العام القابل نحن عند إن شاء الله. فلما عاد القاصد وجد أبغا قد استدعى أجاي وصمغر وحالة البرواناة قد صلحت فتلكى في إجابة الملك الظاهر إلى ملتمسه ونكل عنه. فصل وفيها توفي أحمد بن علي بن محمد بن سليم أبو العباس محي الدين بن

стр. 935

الصاحب بهاء الدين أبي الحسن بن القاضي السديد أبي عبد الله الشافعي المصري في ثامن شعبان بمصر ودفن من الغد بسفح المقطم. سمع من جماعة وحدث ودرس بمدرسة والده التي أنشأها بزقاق القناديل بمصر مدة إلى حين وفاته وكان منقطعاً عن المناصب الدنياوية، محباً للتخلي والانفراد، مؤثرأ لأهل الخير والدين، كثير الصدقة والمعروف؛ بنى رباطاً حسناً بمصر ووجد عليه والده وجداً شديداً وعملت له الأعزية والختم في سائر البلاد المعتبرة من المملكة - رحمه الله تعالى. أحمد بن محمد بن عمر بن يوسف بن عبد المنعم أبو العباس الأنصاري المعروف بضياء الدين ابن القرطبي، مولده سنة اثنتين وست مائة. سمع وحدث وكان فاضلاً، وله النظم الحسن والنثر الجيد مع ما كان عليه من الكرم والإيثار والإحسان إلى من يرد عليه، وكانت وفاته في النصف من شوال هذه السنة بقنا من صعيد مصر. ووالده الشيخ أبو عبد الله أحد المشايخ المعروفين بالعلم والصلاح وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره - رحمه الله تعالى. ومن نظمه ﵀: ما افتر عن ثغره البسام في غسق ... إلا أضاء سبيل السالك الساري يا للعجائب قد عاينت مغربة ... بيتاً من النور في أرض من النار وقال أيضاً ﵀: انظر إلى سندس في الروض حين بدا ... مطرزاً بطراز النور كالذهب

стр. 936

وفي حشا الماء من مصفره لهب ... فاعجب لضدين جمع الماء واللهب كأنه في ضمير البحر مضطرباً ... لمع من البرق في صاف من الذهب وقال أيضاً - رحمه الله تعالى -: يأبى خيالك إذ سرى متوجساً ... والأفق يسحب فضل ذيل الغيهب في حلة الخفر الذي ستر الحيا ... فتنقبت والحسن لم يتنقب فاصطاده إنسان عين ساهر ... متمكن من جفنه في مرقب أسعد بن المظفر بن أسعد بن حمزة بن أسد بن علي بن محمد بن أبو المعالي مؤيد الدين التميمي المعروف بابن القلانسي، مولده بدمشق سنة ثمان أو تسع وتسعين وخمس مائة، سمع من أبي حفص عمر بن محمد بن طبرزد وحنبل بن عبد الله بن الفرج، وحدّث بدمشق والديار المصرية، وهو من ذوي البيوتات المشهورة بالحديث والعدالة والتقدم. وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - في ثالث عشر المحرم ببستانه ظاهر دمشق - ودفن في التربة المعروفة به بجبل قاسيون بالقرب من قبة جهاركش - رحمه الله تعالى -. وكان صدراً رئيساً، وافر الحرمة، ضخم النعمة، كثير الأملاك، واسع الصدر، متأهلاً للوزارة وغيرها من المناصب الجليلة، من رجال الدهر خبرة وحزماً، وعنده قوة نفس وأهلية المناصب الجليلة غير أنه يتعاطاها في عمره، وإذا عرضت عليه يأباها ويمتنع منها كل امتناع. فلما توفي وجيه الدين

стр. 937

محمد بن سويد التكريتي في سنة سبعين وست مائة التزم مؤيد الدين بمباشرة متعلقات الملك الظاهر وأولاده وخواصه بالشام على ما كان عليه الوجيه. فباشر نظر ذلك مكرها بغير جامكية ولا جراية ولم يزل على ذلك إلى حين وفاته. وكان رجلاً سعيداً لم يتقرب إليه أحد ويلازمه إلا ونال منه نفعاً كثيراً من ماله وبجاهه، وكان باراً بأهله، يضع الأشياء في مواضعها، وهو من بيت الرئاسة والوزارة والحديث، سمع الحديث وأسمعه؛ والرئاسة في بيته قديمة، وبيته من البيوت المشهورة بالتقدم بدمشق. وجده مؤيد الدين أبو المعالي أسعد بن حمزة وزير الملك الأفضل بن السلطان صلاح الدين - رحمهما الله تعالى. وكان فاضلاً رئيساً عالماً، له كتاب الوضيئة في الأخلاق المرضية وغير ذلك. وله يد في النظم والنثر. ومولده يوم الجمعة سابع شهر رمضان المعظم سنة سبع عشرة وخمس مائة - وتوفي بها في ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وخمس مائة - ومن شعره: يا رب جد لي إذا ما ضمني جدثي ... برحمة منك تنجيني من النار أحسن جواري إذا أصبحت جارك في ... لحدي فإنك قد أوصيت بالجار ووالده حمزة بن أسد هو العميد، حدث عن سهل بن بشر وأبي أحمد حامد بن يوسف التنيسي، وكان فاضلاً أديباً، له خط حسن ونثر ونظم؛ وصنف تاريخاً للحوادث بعد سنة أربعين وأربع مائة إلى حين وفاته.

стр. 938

ومات يوم الجمعة سابع ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مائة، ودفن بسفح قاسيون - رحمه الله تعالى. إسحاق بن خليل بن غازي بن علي عفيف الدين الحموي، كان فاضلاً في الفقه والعربية، متقناً للقراآت السبع، مشاركاً في عدة علوم؛ ولّي التدريس بحماة وخطابة القلعة، وكان له حلقة يشغل بها العلوم والقراآت، وله شعر يسير. مولده سنة سبع وثمانين وخمس مائة، وتوفي في ذي الحجة بحماة - رحمه الله تعالى. إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن سليمان أبو محمد تقي الدين التنوخي المعري الأصل. الدمشقي المولد والدار والوفاة. مولده في سابع عشر المحرم سنة تسع وثمانين وخمس مائة، سمع الكثير من الخشوعي، وابن طبرزد، وحنبل، والكندي وغيرهم؛ وحدث مدة بدمشق ومصر وغيرهما، وتفرد برواية أشياء من مسموعاته. وكان شيخاً فاضلاً نبيلاً من بيت كتابة وعدالة وجلالة، توفي إلى رحمة الله تعالى في السادس والعشرين من صفر. وكان له يد في النظم والنثر، كتب الإنشاء للملك الناصر صلاح الدين داود - بن الملك المعظم - وتولى نظر المارستان النوري وغيره - ذكره الحافظ شرف الدين الدمياطي في تاريخه فقال:

стр. 939

إسماعيل بن إبراهيم بن شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أرقم بن أنجم؛ ورفع نسبه إلى عمران بن إسحاق بن قضاعة. أبو محمد بن أبي إسحاق بن أبي اليسر بن أبي محمد بن أبي المجد التنوخي الدمشقي الشافعي العدل. أنشد لنفسه: خاب رجاء امرئ له أمله ... بغير رب السماء قد وصله يفعل للمرء كل مكرمة ... ثم يثب الفتى بما فعله أيبتغي غيره أخو ثقة ... وهو ببطن الأحشاء قد كفله ذكره الصاحب كمال الدين بن العديم - رحمه الله تعالى - في تاريخ حلب، قال: نشأ أبو محمد بدمشق واشتغل بالعلم والأدب وسمع بها أبا طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي، وأبا اليمن زيد بن الحسن الكندي، والقاضي أبا القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الحرستاني، وأبا حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وسمع أباه أبا إسحاق بن أبي اليسر وجماعة غير هؤلاء من شيوخ دمشق، وكتب الإنشاء للملك الناصر داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب مدة في أيام ولايته، وسيره رسولاً إلى مصر وقدم علينا حلب في سنة أربع وأربعين وست مائة، وزارني في داري وأنشدني شيئاً من شعره وأخبرني أن مولده بدمشق يوم السبت سابع عشر المحرم سنة تسع وثمانين

стр. 940

وخمس مائة، ثم اجتمعت به بدمشق وعلقت عنه بفوائد، أنشدني لنفسه بحلب في جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وست مائة، قوله: ليلى كشعر معذبي ما أطوله ... أخفى الصباح بفرعه إذ أسبله وأنار ضوء جبينه من شعره ... كالصبح سل عن الدياجي منصله قصصي بنمل عذاره مكتوبة ... بأحسن ما خط الجمال وأجمله والله قد أهملت لام عذاره ... يا عاذلي ما كل لام مهمله اقرأ على قلبي سباً في حبه ... والذاريات لمدمع قد أهمله آيات تحريم الوصال أظنها ... وطلاق أسباب الحياة مرتله ما هامت الشعراء في أوصافه ... إلا وفاطر حسنه قد كمله ثبت الغرام بحاكم من حسنه ... وشهادة الألفاظ وهي معدله كم صاد من صاد بعين دونها ... أسياف لحظ في الجفون مسلله إن أبعدته يد النوى عن ناظري ... فله بقلبي إذ ترحّل منزله بالعاديات قد اعتدى عنا ضحىً ... وبدا له في كل قلب زلزله شمس النفوس لبينه قد كورت ... والنار في الأحشاء منه مشعله قال وأنشدني لنفسه ابتداء مكاتبة كتبها إلى القاضي بدر الدين السنجاري: لولا مواعيد آمال أعيش بها ... لمت يا أهل هذا الحي من زمن وإنما طرف آمالي به مرح ... يجري بوعد الأماني مطلق الرسن

стр. 941

وذكره أبو البركات المبارك بن أبي بكر بن حمدان المعروف بابن الشعار في كتابه عقود الجمان في شعراء هذا الزمان فقال في نسبه: أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر شاكر بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليمان بن أحمد بن سليمان - ورفع نسبه إلى قحطان التنوخي المعري الدمشقي المنشأ والدار من بيت الأدب والكتابة والشعر والقضاء - أبو محمد شاعر أديب. سأله الأمين أبو حفص بن أبي المعالي أن يحل أبيات أبي الحسن علي بن العباس الرومي في شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وست مائة: وحديثها السحر الحلال لو أنه ... ولم يجن قتل المسلم المتحرز إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز شرك النفوس وفتنة ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المتوفز فنثرها وقال: وحديثها - الحديث - لا كالحديث العذب فهو كالماء الزلال، وأسكر فأشبه العتيق من الجريال، واستملى من غير ملل ولا إملال، وشغل عن عذر من واجب الأشغال وجنى من قتل المسلم المتحرز ما ليس بحلال، وصادت بشركه النفوس، ومالت إلى وجهه الأعناق والرؤوس. فهو نزهة العيون، وعقال العقول، والموجز الذي ود المحدث أن يطول؛ ثم أنشد لنفسه:

стр. 942

حديث حديث العهد يفتح نوره ... فمن نوره قد زاد في السمع والبصر يخرّون للأذقان عند سماعه ... كأنهم من شيعه وهو منتظر يلذ به طول الحديث لسامر ... ولا يعتريه من إطالته ضجر به طرف للطرف تجنى وعقلة ... لغافل ركب سبقن إلى سفر هي البدر فاسمع ما تقول فإنه ... غريب وحدث بالرواية عن قمر - انتهى كلام ابن الشعار وقال - قال أبو محمد: كتبت رقعة على لسان سيف الدين مقلد بن الكامل بن شاور إلى الملك الأشرف أبي الفتح موسى بن الملك الكامل على سبيل الإنجاز - وكان أبطأ عليه عطاءه - وذلك في سنة ثلاث عشرة وست مائة، مضمونها: يقبل الأرض بين يدي الملك الأشرف - أعز الله نصره! وشرح ببقائه نفس الدهر وصدره! - وهو ينهي أنه وصل إلى باب مولانا، كما قال المتنبي: حتى وصلت بنفس مات أكثرها ... وليتني عشت منها بالذي فضلا ويرجو ما قاله في البيت الآخر: أرجو نداك ولا أخشى المطال به ... يا من إذا وهب الدنيا فقد بخلا فأعطاه صلة سنية وقرر له جامكية وأحسن قراه ورتب له ما كفاه. وأنشد له أو لغيره: ما لي أرى ناقتي في سرحة الوادي ... تشكو الكلال ولا يحدو لها حادي

стр. 943

إذا ونت من كلال السير أذكرها ... عهد القدوم فتحيا عند ميعادي ونقل من خطه قوله: وقال أنه عملها سنة اثنتين وستين وست مائة: لي فيك يا غاية الآمال آمال ... إذا تذكرتها أمشي وأختال أميل من طرب إن عز ذكرك لي ... كأنني ثمل تثنيه جريال وأستمد نداكم من يلاحظني ... ما عندكم من جميل فيه إجمال لا أطلب الخير إلا من معادنه ... راجي سواك له فقر وإذلال أنا الفقير إليكم والغنى بكم ... فقري غناي ولي في الغيب آمال لحبك العفو أضحت في وسائلنا ... ذنوبنا ومحب العفو مفضال عمرت بالي لما أن سكنت به ... فالآن فليتنعم منى البال وصرت أوثر قلبي وهو منزلكم ... لأنكم فيه بالإجلال نزال لا حوّل الله من قلبي محبتكم ... ما دمت حياً ولا حالت بي الحال جدتم علينا ولم نشكر نوالكم ... والشكر موهبة منكم وإفضال وهبتمونا هبات ليس نقدرها ... منها اليقين ومنها الوجد والحال وكيف ما ملت مالت بي عواطفكم ... إليكم والهوى بالصب ميال ما زلت أرفل من نعماك في حدل ... لهن من سابغ المعروف أذيال أعيش بالحب إذ مات الأنام به ... فلي حياة كما للناس آجال لا مال لي غير آمال يحقق لي ... منك الغنى فهي في التحقيق أموال هتكت ستري ببلبالي بحبكم ... وطالما هتك العشاق بلبال

стр. 944

تلذ لي فيك أقوال فتطربني ... إن الهوى لذ فيه القيل والقال لي في النهار أحاديث ملفقة ... مع الأنام ولي في الليل أحوال يا هادي الركب قد بتنا يسربنا ... قوم همو عن طريق الرشد قد مالوا لهم عيون عن الآثام مائلة ... وهم عن الرشد والإحسان ضلال وللشريعة حظ إذ نقيم به ... من سار قصداً وللمعوج أوجال أيبتغي الخير إنسان وقد كثرت ... فتونه وهو مغتال ومختال وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: إذا كنت لي لم أبك ليلي ولا سعدي ... ولا دار هند بالعقيق ولا هندا ولم أتشوق نحو بارق بارق ... ولم أتشوق لا العقيق ولا نجدا ولم يشفني مر النسيم من الجوى ... إذا اعتل مشتاق وهاج به وجدا إليك تناهى الحب وانقطع الهوى ... فلست أرى قبلاً سواك ولا بعدا وقال ﵀: كان قد ركبني دين فوق عشرة آلاف درهم وبقيت منه في قلق، فرأيت في النوم والدي فشكوت إليه ثقل الدين، فقال: امدح النبي ﷺ فقلت - يا سيدي! وماذا عسى أقول؟ قال: امدح النبي ﷺ : فقلت! قدري يعجز عن مدحه ﷺ ، فقال: امدحه يوفي الله عنك دينك؛ فعملت وأنا نائم في النوم فقلت:

стр. 945

أجد المقال وجد في طول المدى ... فعساك تظفر أو تنال المقصدا هي حلبة للمدح ليس يجوزها ... بالسبق إلا من أعين وأسعدا قال: فانتبهت فأتممت القصيدة فوفى الله عني ديني في تلك السنة ومن شعره ﵀: خرس اللسان وكل عن أوصافكم ... ماذا أقول وأنتم ما أنتم الأمر أعظم من مقالة حائر ... قد تاه فيكم أن يعبر عنكم العجز والتقصير وصفي دائماً ... والبر والإحسان يعرف منكم وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: أراك إذا ما امتد طرفي حاضر ... بكل مكان عند كل عيان ولست أرى شيئاً سواك حقيقة ... لأنك لا تفنى وغيرك فاني وقال أيضاً - رحمه الله تعالى: يا أحمد إن فترة الأجفان ... بليت بها في آخر الأزمان والمعجز منك واضح البرهان ... تحيي بالوصل ميت الهجران وأشعاره ومحاسنه كثيرة، وعمّر حتى روى معظم مسموعاته ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم الأحد السادس والعشرين من صفر - سنة اثنتين وسبعين وست مائة - بدمشق، ودفن بجبل الصالحية بتربة والده، قريباً من مغارة الجوع ﵀. أقطاي بن عبد الله بن عبد الله الأمير فارس الدين الأتابك المعروف

стр. 946

بالمستعرب الصالحي النجمي، كان مملوكاً لنجم الدين محمد بن يمن، ثم انتقل إلى ملكية الملك الصالح نجم الدين أيوب ﵀ وأمّره ثم ترقى بعد وفاته إلى أن عد من الأعيان الأمراء أكابرهم، ثم لما تملك الملك المظفر سيف الدين قطز ﵀ رفع من شأنه وجعله أتابك العساكر وعلق أمور المملكة جميعها به، فكان مدار الدولة بأسرها عليه وهو المتحكم فيها لا يضاهيه أحد ولا يعارضه فيما يفعل. ثم لما قتل الملك المظفر ﵀ على الصورة المشهورة تشوف إلى السلطنة أكابر الأمراء فقدم الأمير فارس الدين الملك الظاهر ركن الدين وسلطنه وحلف له في الوقت فلم يسع بقية الأمراء إلا الموافقة، فتم أمره ورأى له ذلك واستمر على حاله عنده في علو المنزلة ونفاذ الأمر وكثرة الإقطاع والرواتب، وبقي على ذلك مدة سنتين، لكن الملك الظاهر يختار الراحة منه في الباطن ولا يسعه ذلك لافتقاره إليه ولعدم وجود من يقوم مقامه، فإنه كان من رجال الدهر حزماً وعزماً ورأياً وتدبيراً وخبرة ومعرفة ورئاسة ومهابة، فلما نشي الملك الظاهر الأمير بدر الدين بيليك الخزندار ﵀ أمره بملازمته والاقتباس منه والتخلق بأخلاقه، فلازمه مدة. فلما علم الملك الظاهر منه الاستقلال بذلك جعله مشاركاً له في أمر الجيش، وقطع الرواتب التي كانت للأتابك واقتصر به على ما له من الإقطاعات؛ فجمع نفسه وتبع مراد الملك الظاهر، ثم قبل وفاته بمدة - لعل قريب

стр. 947

السنة أو ما حولها - أمره أن يتداوى؛ وقيل له أنه ربما ابتدأ به طرف جذام ولم يكن به شيء من ذلك، فلزم منزله وحصل له من الغبن ما كان سبباً لوفاته. ثم إن الملك الظاهر عاده قبل وفاته غير مرة، فعاتبه الأتابك - بلطف ومت بخدمته - وبكى بين يديه، فبكى الملك الظاهر لبكائه ولم يزل متمرضاً إلى أن توفي إلى رحمة الله بالقاهرة في جمادى الأولى - أظن في الثاني والعشرين - وقد نيف على السبعين سنة من العمر، رحمه الله تعالى. لما كان عند ابن يمن بدمشق كان يعاشره أحد بني بردويل، وهم ثلاثة نفر أخوة جيرانه بالقصاعين؛ لكن كان أحدهم كثير الاختصاص به يعاشره؛ ولا يكاد يفارقه. فلما انتقل إلى الملك الصالح نجم الدين كان الأتابك من جملة من كان بدمشق من مماليكه حين أخذها الملك الصالح إسماعيل، فاعتقله وتمرض بالحبس فنقل إلى البيمارستان النوري. فلما أبل أفرج عنه وفسح له بالتوجه إلى الديار المصرية وهو في عافية في رقة الحال؛ فسير غلامه بورقة إلى ابن بردويل صاحبه يطلب منه ما يستعين به على سفره قرضاً. فلما قرأ الورقة قال للغلام صاحبها: ما أعرفه فبقى الغلام كلما عرفه به ويقول هو صاحبك وعشيرك يقول ما أعرفه فرجع الغلام إليه وعرفه ذلك، فتحيل وسافر وتنقلت به الأحوال. فلما جفل الناس في سنة ثمان وخمسين كان أولاد بردويل من جملة من توجه إلى

стр. 948

الديار المصرية، فقصدوا باب الأتابك، فدخل الحاجب وأخبره بهم؛ فقال: من هم؟ قال: فلان وفلان وفلان، قال: أما فلان وفلان فأدخلهم، وأما فلان فما أعرفه. فدخل أخواه فسلم عليهما ورحب بهما؛ فقالا: يا خوند! مملوكك فلان، قال: ما أعرفه. وهو يقولون: يا خوند! مملوكك الذي كان لا يزال في خدمتك وبين يديك وهو يقول: ما أعرفه ولا أعرف أولاد بردويل إلا أنتما لا غيركما. ثم بعد جهد أذن له في الدخول فحكى له الحكاية، فخجلوا واعتذروا بما ناسب الوقت، ومع هذا أحسن إليهم كلهم إحساناً كثيراً غمرهم به - رحمه الله تعالى. أقوش بن عبد الله مبارز الدين المنصوري استاد دار الملك المنصور صاحب حماة، كان متحكماً في دولته، متمكناً منه، لا يخالفه في ما يشير به، وله الإقطاعات الوافرة والكلمة النافذة، في مملكة مخدومه، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم الخميس رابع ذي الحجة من هذه السنة، وقد نيف على الأربعين سنة من العمر ﵀ وحزن عليه مخدومه حزناً كثيراً وأقر خبزه بيد أولاده، ولم يتعرض إلى شيء من تركته. وكان المبارز موصوفاً بشجاعة، وكرم طباع، ولين جانب ﵀. الحسين بن بدران بن أحمد بن عمرو بن مفرج بن عبد الله بن الفتح بن خاقان بن شيخ السلامية أبو عبد الله نجم الدين، كان رجلاً جيداً،

стр. 949

لين الجانب، رئيساً، مسارعاً إلى قضاء الحوائج لمن يقصده؛ وولي مشارفة ديوان بعلبك وشهادته ومشارفة قلعتها سنين كثيرة، لم يشك منه أحد من خلق الله تعالى، وجميع أهل البلد يثنون عليه بحسن سيرته ومعاملته لهم. توفي إلى رحمة الله تعالى بعلبك ليلة الثلاثاء رابع شعبان وهو في عشر التسعين، ودفن بمقابر باب سطحاء ظاهر باب دمشق من مدينة بعلبك رحمه الله تعالى. سليمان بن الخضر بن بحتر شهاب الدين، كان والده الأمير سعد الدين الخضر من الأمراء الجبليين، وأمره الملك الصالح عماد الدين ﵀، واستمر على إمريته إلى حين وفاته في الأيام الناصرية الصلاحية. فأعطى خبزه لولديه شهاب الدين المذكور وأخيه شجاع الدين بحتر، وكاتن شهاب الدين هو الرئيس الكبير السن، فلما قصد التتر حلب في سنة سبع وخمسين ورجعوا منها جهز الملك الناصر ﵀ إليها جماعة، كان شهاب الدين من جملتهم وكان ممن اعتصم بقلعة حلب، فلما فتحت على الصورة المشهورة فاستحضره هولاكو في جملة من استحضر ممن كان في القلعة؛ فقيل له: هذا له صورة في بعلبك وبلادها، وربما يحصل به مقصود من تسليم القلعة واستنزال من في الجبال فإنهم أقاربه ويصغون إلى قوله، فخلع عليه وسيره إلى بعلبك صحبة بدر الدين يوسف الخوارزمي ﵀ المتولى لها من جهته، ووعد من جهتهم بأقطاع فلما لم يكن لهم أثر في حصول مقصودهم أطرحوه وبقي في بيته إلى أن فتح الملك المظفر

стр. 950

سيف الدين قطز ﵀ الشام، فلم يحصل في أيامه على طائل، وكذلك في الأيام الظاهرية إلى حين وفاته. وكان توجه إلى الديار المصرية فأدركته منيته هناك في سابع ذي القعدة، وقد نيف على الخمسين سنة من العمر رحمه الله تعالى. عبد الرحمن بن عبد الله بن بخدكين أبو محمد الجرزي المنعوت بالشمس، كان رجلاً حسناً، له معرفة بالنجوم وعلم الهيئة، ويتلو القرآن العزيز في غالب أوقاته، وكان خطيب مشهد علي ﵁ الذي ظاهر باب الفقاعية من مدينة بعلبك، وعلى ذهنه من الأشعار والحكايات والنوادر شيء كثير، حسن المجالسة لا يذكر أحداً إلا بخير. وكانت وفاته ببعلبك ليلة الأحد ثامن ربيع الآخر من هذه السنة وهو في عشر السبعين رحمه الله تعالى. عبد اللطيف بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن هبة الله أبو الفرج نجيب الدين النميري الحراني الحنبلي المعروف والده بابن الصيقل، ولد بحران سنة سبع وثمانين وخمس مائة، سمع الكثير من جماعة من الشيوخ، منهم أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، ومن جماعة من أصحاب أبي القاسم الخضر الشيباني، وأصحاب القاضي أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري؛ وأجازه جماعة من الفقهاء كأبي جعفر الطرسوسي
следующие страницы →