Полный текст (1 675 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ركن الدين ﵀ يحبه ويعتمد عليه لكفايته وشجاعته وكان الملك المنصور ناصر الدين محمد صاحب حماة ﵀ ابن أستاذه هو مخدومه لا يخالفه فيما يشير به يتصرف في مملكته كتصرفه وكان عنده إيثار وبر بالفقراء كثير الصدقة وتوفي إلى رحمة الله تعالى بحماة ودفن في تربته بقرب المدرسة التي أنشاها وهو في عشر السبعين.
السنة السبعون وستمائة
دخلت هذه السنة والخليفة والملوك على القاعدة المستقرة والملك الظاهر بقلعة الجبل بالقاهرة.
متجددات هذه السنة
في يوم الأحد رابع عشر المحرم ركب الملك الظاهر إلى الصناعة لإلقاء الشواني في البحر وركب في شينى منها ومعه الأمير بدر الدين الخازندار فلما صار الشيني في الماء مال بمن فيه فوقع الخازندار منه إلى البحر فنهض بعض رجال الشينى ورمى نفسه خلفه فأدركه وأخذ بشعره وخلصه وقد كاد فخلع عليه وأحسن إليه.
وفي ليلة السبت السابع والعشرين منه خرج الملك الظاهر إلى الشام في نفر يسير من خواصه وأمرائه ودخل حصن الكرك ثم خرج منه وقد أخذ معه الأمير عز الدين أيدمر النائب كان فيه وسار إلى دمشق فوصلها يوم الجمعة ثاني عشر صفر فعزل عنها الأمير جمال الدين آقوش النجيبي وولى مكانه الأمير عز الدين أيدمر ثم خرج منها إلى
стр. 877
حماة في السادس عشر منه ثم عاد عنها في السادس والعشرين منه.
ذكر توجه الملك الظاهر إلى حلب
وسببه أن صمغرا ومعين الدين سليمان البرواناة وعساكر المغل والروم لما عادوا من عند أبغا في السنة الخالية وردت عليهم أوامر أبغا بقصد الشام في هذه السنة فحشد وخرج صمغرا والبرواناة بعسكر عدته عشرة آلاف فارس فوصلوا إلى البلستين ثم إلى مرعش وبلغهم أن الملك الظاهر بدمشق فبعثوا ألفاً وخمسمائة فارساً من المغل ليتجسسوا الأخبار ويغيروا على أطراف بلاد حلب وكان مقدمهم إقبال بن بايجونوين فوصلت غارتهم إلى عين تاب ثم إلى قسطون ووقعوا على جماعة تركمان نازلين بين حارم وإنطاكية فاستأصلوهم فتقدم الملك الظاهر بتجفيل البلاد وأهل دمشق ليحمل التتر الطمع فيدخلوا فيتمكن منه وبعث إلى مصر فخرجت العساكر ومقدمها الأمير بدر الدين بيسرى فوصلوا إليه في خامس ربيع الآخر وخرج بهم في السابع منه فسبق إلى التتر خبره فولوا على أعقابهم ولما مر الملك الظاهر بحماة استصحب معه الملك المنصور صاحبها وكذلك الأمير نور الدين بن مجلي بمن عنده من عسكر حلب وسار حتى نزل حلب يوم الاثنين ثامن عشر الشهر المذكور فخيم بالميدان الأخضر ثم جهز الأمير شمس الدين الفارقاني في عسكر وأمره أن يدوخ بلاد حلب الشمالية ولا يتعرض لبلاد صاحب سيس وجهز الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري في عسكر وأمره بالتوجه إلى حران
стр. 878
فأما شمس الدين فإنه سار خلف التتر إلى مرعش فلم يجد منهم أحداً ثم عاد إلى حلب فوجد الملك الظاهر مقيماً بها وقد أمر بإنشاء دار شمالي القلعة كانت تعرف بالأمير سيف الدين بكتوت أستاذ درا الملك الناصر وأضاف إليها داراً تعرف بالملك الرشيد شرف الدين هارون ابن الملك المفضل موسى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ووكل بعمارتها الأمير عز الدين الأفرم.
ولما عاد الفارقاني إلى حلب رحل الملك الظاهر منها قاصداً الديار المصرية في ثامن وعشرين ربيع الآخر ودخل مصر في الثالث والعشرين من جمادى الأولى، ولما كان بحلب خرجت طائفة من الفرنج من عثليث وأغارت على قافون وأخذت التركمان على غفلة منهم فلحقهم الأمير جمال الدين أقوش الشمسي ببعض العسكر واسترد بعض الغنيمة ثم أغاروا ثانية على القرين فلحقهم واقتلع منهم عشرين فارساً وعند وصول الملك الظاهر إلى مصر قبض على الأمراء الذين كانوا مجردين على قافون غير الشمسي فشفع فيهم فأطلقهم.
وأما الأمير علاء الدين طيبرس فإنه سار ومعه عيسى بن مهنا في جماعة من العرب فخاض الفرات وسار إلى حران فخرج إليه من بها من نواب التتر فالتقاهم عيسى وطاردهم وطاردوه فخرج عليهم العسكر فلما رأوه نزلوا عن خيولهم وقبلوا الأرض وألقوا سلاحهم فقبضوا عن آخرهم وكانوا ستين رجلاً وسار الأمير علاء الدين إلى حران
стр. 879
فأغلقوا أبوابها وتركوا باباً واحداً فخرج منه الشيخ محاسن بن القوال أحد أصحاب الشيخ حياة ومعه جماعة كثيرة وذلك يوم الثلاثاء سادس عشري ربيع الآخر وأخرج له طعاماً تبركا فتلقاه الأمير علاء الدين وترجل له فأخرج له مفاتيح حران وقال له البلد للسلطان ثم عاد علاء الدين ولم يدخل حران فعبر الفرات سباحة وعاد إلى مصر.
وفي يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة عبر الملك الظاهر إلى بر الجيزة فأخبر أن ببوصير السدر مغارة بها مطلب فجمع لها خلقاً فخفروا أمداً بعيداً فوجدوا قطاطاً ميتة وكلاب صيد وطيوراً وغير ذلك من الحيوان ملفوفاً في عصائب وخرق فإذا حلت اللفائف ولاقى الهواء ما كان فيها صار هباء وأقام الناس ينقلون ذلك مدة ولم ينفد ما فيها فأمر الملك الظاهر بتركها وعاد من الجيزة يوم الثلاثاء ثالث وعشرين منه.
وفي يوم السبت سابع عشر جمادى الآخرة ركب الملك الظاهر إلى الصناعة ليرى الشواني التي عملت وهي أربعون شينياً فسر بها.
وفي الشهر المذكور ولدت زرافة بقلعة الجبل وهذا أمر لم يعهد وأرضع ولدها لبن بقرة.
وفي ثالث شهر رجب أمر الملك الظاهر جماعة منهم الأمير شرف الدين مختص وبهاء الدين أيوب أمير آخور وركن الدين منكورس الزاهدي وأسد الدين قراصقل وأسد الدين منكورس الحموي وناصر الدين
стр. 880
نصر اللالا وتوجه الأمير فخر الدين الطنبا الحمصي إلى الساحل في جماعة من الأمراء والأجناد يوم الاثنين سادس شهر رجب.
وفي يوم الجمعة ثاني شعبان أمر الملك الظاهر بالحوطة على بيت الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ العماد المقدسي الحنبلي وحمل ما فيه من الودائع فحملت إلى قلعة الجبل وسبب ذلك أنه وقع بينه وبين التقي شبيب الحراني الكحال شنآن كان أصله أن المذكور كان له أخ ينوب عن الشيخ قاضي القضاة في المحلة فعزله لأمر أوجب عزله فحمل شبيب المذكور تعصبه لأخيه أن كتب رقعة إلى الملك الظاهر ذكر فيها أن عند الشيخ شمس الدين ودائع للتجار من أهل بغداد وحران والشام وذكر جملة كبيرة قد مات بعض أهلها واستولى عليها فلما وصلت إليه استدعي الشيخ شمس الدين وسأله فأنكر فحلفه فتأول وحلف فأمر بهجم بيته فوجد فيه كثيراً مما ادعاه شبيب بعضه قد مات أهله ولهم وراث وبعضه أهله أحياء والغبار عليه عاكف لم تمسه يد فأخذ من ذلك زكاته عدة سنين وسلم لأصحابه وحنق الملك الظاهر على الشيخ وحبسه فتسلط عليه شبيب حينئذ وادعى أنه حشوي وأنه يقدح في الدولة وكتب بذلك محضراً فعقد له مجلس يوم الاثنين حادي عشر شعبان بعد سفر الملك الظاهر إلى الشام وكان المجلس بحضرة
стр. 881
الأمير بدر الدين الخازندار فاستدعي بالشهود الذين شهدوا في المحضر فنكل بعضهم عن الشهادة فأطلقوا وشهد الباقون فأخرق بهم وحرصوا وتبين للأمير بدر الدين تحامل شبيب فأمر بحبسه والحوطة على موجوده وأعيد الشيخ شمس الدين إلى الحبس فأقام به إلى أن أفرج عنه في نصف شعبان سنة اثنتين وسبعين.
وفي الثالث من شعبان توجه الملك الظاهر في جماعة من الأمراء والخواص إلى الشام وخيم بني قيسارية وأرسوف وكان مركزاً بها الأمير شمس الدين الفارقاني فرحل عنها إلى مصر ودخلها يوم الاثنين تاسع عشر شعبان وتلقاه الملك السعيد والأمير بدر الدين الخازاندار ثم إن الملك الظاهر شن الغارات على بلد عكا فخرجت إليه الرسل يطلبون منه الموادعة والصلح وترددوا في ذلك حتى تقررت الهدنة مدة عشرة سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات أولها ثاني عشري شهر رمضان ثم رحل بالعساكر التي بالساحل ونزل بهم خربة اللصوص ثم سار إلى دمشق فدخلها في الثامن من شوال.
وفي الخامس والعشرين من شهر رمضان وصل جماعة كثيرة من التتر إلى حران فأخربوا سورها وكثيراً من أسواقها ودورها ونقضوا جامعها وأخذوا أخشاب سقوفه واستصحبوا معهم من فيها فخربت ودثرت.
ذكر وصول رسل التتر إلى الملك الظاهر
كان قد وصل رسل صمغرا نوين المقيم بالروم في السابع من شوال وهم
стр. 882
مجد الدين دولات خان وسعد الدين سعيد الترجمان من جهة صمغرا ومن جهة معين الدين سليمان بن مهذب الدين بن محمد نائب السلطنة ببلاد الروم فأحضرهم وسألهم عما جاؤا فيه فقالوا صمغرا نوين يسلم عليك ويقول لك مذ جاورته في البلاد لم يصله من جهتك رسول في أمر تختاره وقد رأى من المصلحة أن تبعث إلى أبغا رسولاً بما تحب حتى يساعدك على بلوغ غرضك وتتوسط عنده فأكرم الملك الظاهر الرسل وركبهم معه في الميدان مراراً ثم عين الأمير فخر الدين إياز المقري والأمير مبارز الدين الطوري رسولين إلى أبغا وبعث معهما جوشنا له ولصمغرا قوساً فسارا مع رسل صمغرا فلما وصلا قونية حضرا جامعها يوم الجمعة فسمعا الرعية يبتهلون بالدعاء للملك الظاهر فأديا الرسالة إلى صمغرا ومضمونها شكره.
ثم أخذهما البرواناة وسار بهما إلى أبغا فلما اجتمعا به قال لهما ما الذي جئتما فيه فقالا إن صمغرا بعث إلى السلطان وأخبره أنك أحببت أن يأتي إليك من جهته رسول فأرسلنا نقول لك أن أردت أن أكون مطاوعاً لك فرد ما في يدك من بلاد المسلمين فقال هذا لا يمكن وأقرب ما في هذا أن يبقى كل واحد منا على ما في يده فحصلت بينهما مفاوضات أغلظ لهما فيها وان فصل ا عنه من غير اتفاق فوصلا دمشق في خامس عشر صفر سنة إحدى وسبعين.
وفي ذي القعدة وصل إلى دمشق رسل من بيت بركة من عند منكوتمر بن طغان بن سرطق بن باتو في البحر وكانوا لما خرجوا من
стр. 883
بلاد الأشكرى صادفهم مركب من البيسانيين فأخذهم ودخلوا بهم عكا فقبح عليهم من بها ما فعلوه ثم جهزوهم إلى دمشق ولم يرد البيسانيون ما أخذوا لهم وكان معهم هدية فلما اجتمعوا بالملك الظاهر عرفوه ما كان معهم فبعث إلى الإسكندرية ومنع من فيها من التجار البيسانيين من السفر حتى يعوضوا ما أخذ أصحابهم وكان مضمون رسالتهم أنهم أحضروا كتاباً للملك الظاهر بجميع ما كان في أيدي المسلمين من البلاد التي استولى عليها هولاكو وطلبوا منه أن ينجدهم ويعينهم على استيصال شأفته.
وفي ذي الحجة توجه الملك الظاهر من دمشق إلى حصن الأكراد لنقل حجارة المجانيق إلى القلعة ورؤية ما عمر فيها ثم سار إلى حصن عكا فأشرف عليه ثم عاد إلى دمشق فدخلها في خامس المحرم سنة إحدى وسبعين.
وفي هذه السنة وهي سنة سبعين تسلم نواب الملك الظاهر قلعة الخوابي والقليعة من بلد الإسماعيلية ولم يبق خارجاً عن مملكته من جميع حصونهم سوى الكهف والقدموس والمينقة لأن أهلها لما قبض الملك الظاهر على نجم الدين بن الشعراني وولده عصوا بالقلاع المذكورة وقدموا عليهم مقدماً.
стр. 884
فصل
وفيها توفي أحمد بن سعيد بن أحمد بن أبي بكر بن الحسين أبو العباس صفي الدين النيسابوري الأصل اللهاوري المولد والمنشأ الصوفي توفي بالقاهرة في حادي عشر شهر رمضان المعظم ودفن من الغد بمقابر باب النصر ومولده في العشرين من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وخمسمائة صحب جماعة من مشايخ الصوفية وتهذب بهم وتأدب بآدابهم وسمع وحدث وكان أحد المشايخ المشهورين بالخير والصلاح والعفة والانقطاع والمعرفة وله كلام على طريقهم وتقدم فيهم مع ما كان عليه من لطف الأخلاق ولين الجانب وحسن الملقى وجميل الطريقة ﵀.
الحسن بن داود بن عيسى ببن محمد بن أيوب بن شاذى أبو محمد الملك الأمجد مجد الدين بن الملك الناصر صلاح الدين بن الملك المعظم شرف الدين بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر رحمهم الله تعالى وقد تقدم ذكر نسبهم في ترجمة مجير الدين يعقوب بن العادل فأغنى عن إعادته كان الملك الأمجد من الفضلاء عنده مشاركة جيدة في كثير من العلوم وله معرفة تامة بالأدب غير أنه لم يكن له طبع في نظم الشعر ثم وقفت بعد ذلك على سفينة بخط عز الدين محمود الورمدي ﵀ وفيها أنشدني نجيب الدين الحجازي للملك الأمجد بن الملك الناصر داود رحمهما الله تعالى:
стр. 885
من حاكم بيني وبين عذولي ... الشجو شجوي والغليل غليلي
عجباً لقوم لم تكن أكبادهم ... لجوىً ولا أجسادهم لنحول
دقت معاني الحب عن أفهامهم ... فتأولوها أقبح التأويل
في أي جارحة أصون معذبي ... سلمت من التنكيد والتنكيل
إن قلت في عيني فثم مدامعي ... أو قلت في قلبي فثم غليلي
لكن رأيت مسامعي مثوى له ... وحجبتها عن عذل كل عذول
ومحاسنه كثيرة ومكارمه غزيرة وتنقلت به الأحوال في عمره فتزهد وصحب المشايخ وانتفع بهم وأخذ عنهم واشتغل على العلماء وحصل وكان كثير البر بمن يصحبه من المشايخ لا يدخر عنهم شيئاً وكانت همته عالية ونفسه ملوكية وعنده شجاعة وإقدام وصبر على المكاره.
حكى لي أنه لما عاد العسكر من إنطاكية مع الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري ﵀ في سنة ستين وستمائة كان المذكور في جملتهم وقد غرق أخوه شقيقه الملك الأفضل نور الدين علي ﵀ في تلك السفرة فبينا هو يساير بعض الأمراء ويحدثه مر به إلى جانبه رجل يجر جنيباً فضربه ذلك الجنيب كسر رجله فلم يتأوه ولا قطع حديثه ولا ما كان فيه فلما امتلأ الخف بالدم أمر بعض من كان معه أن ينزل ويشق أسفل الخف ليذهب منه الدم وكان يتلقى جميع ما يريد عليه من الأمور المؤلمة بالرضا والتسليم وكان له عقيدة عظيمة في الفقراء والمشايخ وكان جميع أهل بيته يعظمونه ويعترفون بتقدمه عليهم حتى عم أبيه الملك الأمجد تقي الدين بن العادل وكذلك سائر الأمراء وأرباب
стр. 886
الدولة وله اليد الطولى في الترسل مع حسن الخط وأنفق في عمره أموالاً جمة معظمها في طاعة الله تعالى وكان مقتصداً في ملبوسه ومركوبه ويتعلق بنفسه مسرفاً في فعل الخير وبر الإخوان ﵀ تزوج ابنة عم أبيه الملك العزيز عثمان ابن العادل ثم تزوج ابنة الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر. غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵏ وهي أخت الملك الناصر وأولدها ولداً سماه صلاح الدين محمود وهو باق وكان عنده من الكتب النفيسة ما لا يوجد عنده غيره فوهب معظمها لأصحابه وإخوانه وسمع الكثير وحصل الفوائد وكان مقصداً لمن يقصده يقوم معه بنفسه وماله وجاهه لا يستحيل على أصحابه ولا يتغير عن مودتهم وإن تغيروا أواسطه عقد بيتهم رحمه الله تعالى وكانت وفاته بدمشق ليلة الاثنين سادس عشر جمادى الأولى ودفن من الغد بسفح قاسيون في تربة جده الملك المعظم.
وكانت والدة الملك الأمجد المذكور ابنة الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك العادل الكبير فسمي صاحب هذه الترجمة باسمه وإلى جده المذكور ينسب الغور الأمجدي وتلقاه أولاد الملك الناصر داود بالإرث عنها وتوفي الملك الأمجد صاحب هذه الترجمة وهو في عشر الخمسين وقد نيف عليها ورثاه غير واحد من الفضلاء بعدة قصائد ومقاطيع فممن رثاه المولى شهاب الدين محمود كاتب الدرج أيده الله
стр. 887
تعالى بقوله:
هو الربع ما أقوى وأضحت ملاعبه ... مشرعة إلا وقد لان جانبه
وقفت به والشوق نحو قبابه ... يجاذبني طوراً وطوراً أجاذبه
أسايله جهلاً ومن سفه الهوى ... مخاطبة الإنسان من لا يخاطبه
أسايله والبين قد زار ربعه ... فنابت عن العيش الهنيء نوائبه
وعهدي به والعز عن كل ناظر ... يطوف به إلا عز الوفد حاجبه
لئن قلصت كف الزمان ظلاله ... وشابت هنئ العيش في هذا شوائبه
فقد كان مغني ضافيات ظلاله ... على نازليه صافيات مشاربه
عهدت به من آل أيوب ماجداً ... كريم المحيا زاكيات مناسبه
يزيد على وزن الجبال وقاره ... ويكثر ذرات الرمال مناقبه
أجار على صرف الزمان فغاله ... على غرة والثأر يحتال طالبه
قضى فاعتدت فينا الليالي وطالما ... غدت في عدانا قاضيات قواضبه
ويوم كليل الصب إذ ظل سمره ... مداه ونقع الصافنات غياهبه
حلا وجهه جلاه من حيث أنه ... هلال وأطراف الرماح كواكبه
بكاه من السمر الكعوب وغيره ... إذا مات تبكيه من السمر كاعبه
غدت بذيول الحزن تعثر خيله ... وكم سبقت ريح الجنوب جنائبه
إذا ما بكت عجم العراب فقد بكى ... من الخلق طراً عجمه وأعاربه
ترى بعده العافين شتى وطالما ... حواهم نداه والزمان مصاحبه
فمن لاثم للتراب من عتباته ... ومن متصد للزمان يعاتبه
стр. 888
إذا ما رثوه بالغرائب بعده ... فمن قبل قد عمت عليهم رغائبه
هو ابن الذي لان الشديد بعد النهى ... له فلذاً والدهر جم عجائبه
يحدث عن فصل الخطاب كتابه ... ويخبر عن فصل الخطوب كتائبه
عليكم بني الآمال باليأس بعده ... فلليأس عز يأبن الذل صاحبه
ولا ترقبوا نوء السماحة بعده ... فأفق الأماني مقشعات سحائبه
الحسين بن علي بن الحسن بن ماهد بن طاهر بن أبي الجن أبو عبد الله مؤيد الدين الحسيني كان من أعيان الأشراف ووالده نظام الدين تولى نقابة الأشراف مدة ونظر بعلبك وأعمالها مدة أخرى وكان وأسع النعمة كثير الأملاك وافر الحرمة نزهاً عفيفاً في ولاياته غير أنه كان قليل النفع وكان له مكانة عند الملك الصالح عماد الدين إسماعيل وعند وزيره أمين الدولة وأما ولده مؤيد الدين صاحب هذه الترجمة فكان شاباً حسن دمث الأخلاق كثير الاحتمال والخدمة لم يصحبه بنفسه مع عظم بيته وعدم احتياجه بل تحمله المروءة على ذلك وكان بيني وبينه صحبة أكيدة ومودة جمع الله بيننا في جنته وكان عنده تشيع يسر ولكن لم يسمع منه كلمة تؤخذ عليه وكان يعظم الصحابة رضوان الله عليهم ويترضى عنهم ويذم من يسلك غير ذلك ويبري منه وكانت وفاته يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر بقلعة بعلبك لأنه تمرض في مدينة بعلبك وحصل أراجيف وجفل أوجب انتقال معظم أهل البلد إلى القلعة فانتقل المذكور وهو متمرض في جملتهم فأدركته
стр. 889
منيته بها ودفن في مقابر باب سطحا ظاهر باب دمشق من مدينة بعلبك ولم يبلغ أربعين سنة من العمر رحمه الله تعالى.
سلار بن الحسن بن عمر بن سعيد أبو الفضائل كمال الدين الأربلي الفقيه الشافعي كان من الأئمة الفضلاء الخبيرين بمذهب الإمام الشافعي ﵁ وكان الشيخ نجم الدين الباذراني ﵀ قد جعله معيد مدرستة التي وقفها بدمشق لعلمه بغزارة علمه ولم يزل على ذلك إلى حيث توفي لم يتريد منصب آخر وكان عليه مدار الفتوى في وقته بدمشق واشتغل عليه جماعة وانتفعوا به ومن يجتمع به في النادر يصفه بشراسة الأخلاق وتوعرها فإذا أكثر الشخص من الاجتماع به وجد عنده في الخلوة دماثة وحسن مباسطة وسعة صدر وكانت وفاته ليلة الخميس الخامس من جمادى الآخرة بدمشق ودفن من الغد بمقابر باب الصغير ﵀ وهو في عشر السبعين.
سنقر بن عبد الله الأمير شمس الدين المعروف بالأقرع وهو من مماليك الملك المظفر شهاب الدين غازي بن العادل وكان من أعيان الأمراء بالديار المصرية وأكابرهم وتقدم في الدول وكان الملك الظاهر ﵀ نقم عليه لأمر بلغه عنه فاعتقله وتوفي في الثامن والعشرين من ربيع الأول هذه السنة ﵀ وقد نيف على الستين سنة من العمر.
عبد الرحيم بن عبد الرحيم بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن طاهر ابن محمد بن محمد بن الحسين بن علي أبو الحسين عماد الدين الحلبي الشافعي
стр. 890
المعروف بابن العجمي تفقه على مذهب الإمام الشافعي ﵁ وسمع وحدث ودرس وتولى الحكم بمدينة الفيوم وغيرها وناب في الحكم بدمشق مدة وكان مشكور السيرة شديد الأحكام عارفاً بفضل الخصومات وتوفي بحلب في رابع شهر رمضان هذه السنة مولده في ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وستمائة بحلب ﵀ وبيته مشهور بالعلم والحديث والرئاسة والسنة والجماعة.
علي بن عبد الخالق بن علي بن محمد بن الحسن أبو الحسن عز الدين الأسعردي الأصل البعلبكي المولد والدار والوفاة كان من الصدور الأماثل خبيراً بالكتابة وصناعة الحساب قيماً بها تولى عدة ولايات شهادة ديوان بعلبك ثم مشارفته ثم نظره وتولى نظر الأسرى بدمشق ثم ولي نظر حمص وأعمالها ولم يزل على ذلك إلى حين وفاته ببعلبك ليلة الأربعاء سابع عشر ذي القعدة وكان حسن العشرة كثير المداراة والمجاملة وجده القاضي مهذب الدين علي بن محمد الأسعردي كان من العلماء الأعيان ولي القضاء ببعلبك مدة زمانية في الأيام الصلاحية ولم يزل متولياً إلى حين وفاته وكان سديد الأحكام متحرياً فعل الحق وتوفي عز الدين المذكور وهو في عشر الستين ودفن بالقرب من دير إلياس ﵇ ظاهر بعلبك.
علي بن عثمان بن علي بن سليمان بن علي بن سليمان بن علي أبو الحسن أمين الدين السليماني الأربلي الصوفي مولده بإربل سنة اثنتين وستمائة
стр. 891
وقيل في أحد الربيعين سنة ثلاث وستمائة وتوفي إلى رحمة الله تعالى بمدينة الفيوم من أعمال الديار المصرية في العشر الأخر من جمادى الأولى كان فاضلاً مقتدراً على النظم وهو من أعيان شعراء الملك الناصر صلاح الدين يوسف ﵀ وكان في أول عمره يخدم جندياً ثم ترك الجندية وتزهد وصار أحد مشايخ الصوفية المشار إليهم ومن شعره وقد سير إلى بعض الأمراء هدية وكتب معها:
هدية عبد مخلص في ولائه ... لها شاهد منها على عدم المال
وليست على قدري ولا قدر مالكي ... ولكنها جاءت على قدر الحال
وكتب إلى شرف الدين أبي البركات بن المستوفي وزير إربل وقد طلبه علاء الدين بن صالح الأربلي وتحدث معه في أن يلي البيمارستان:
يا أيها المولى الوزير ذي الرعاية والعناية
إن العلاء أضلني ... بالقول عن طرق الهدايه
لألى لمارستانكم ... وأقوم فيه بالكفايه
إني لمحتاج إليه متى أجبت إلى الولاية
وله:
تنال نوال الناس ثم تنيله ... فدهرك مطلوب بما أنت طالبه
سخاؤك عما في يد الناس فوق ما ... تنيل من المال الذي أنت واهبه
وله:
قيل تهوى الجمال قلت لهم ما ... فيه عيب إن لم يكن فيه ريبه
كيف لا أعتني بمن يعتني الله به إن ذى عقول عجيبه
стр. 892
وله في الشربات:
عبد لكم في داركم كالدرة البيضاء إن أهملتموه تبدداً
عريان يقلقه الهواء فكلما ... مرض النسيم أتوا إليه عودا
وله:
انظر بعين عناية ... وأعطف فعطفك مستفاد
وأقل بحلمك عثرتي ... فلربما عثر الجواد
وله:
يقولون من تهواه زاد ملالة ... ومال فلا وصل لديه ولا وعد
إذا ألف ذنب من حبيب تجمعت ... يقوم بها من حسنه شافع فرد
وله في النرد:
رجال من بني سام وحام ... لهم بالضرب والإيقاع رقص
قيام في سماعهم عراة ... ليس عليهم في ذاك نقص
وله:
ارض بما قدر إلاله ولا ... تحرص فماذا يفيدك الحرص
قد قسم الرزق في العباد فلا ... زيادة تنبغي ولا نقص
وله:
إني لأعرف في الرجال مخادعاً ... يبدي الصفاء ووده ممذوق
مثل الغدير يريك قرب قرارة ... لصفائه والقعر منه عميق
وله:
كل ما تبتغيه من هذه الدنيا ... يعنيك منه ما يغنيك
стр. 893
وإذا كانت الكفاية لا تكفيك لا شيء بعدها يكفيك
وله في شربة الماء:
وخادم يخدم حتى إذا ... قصر صب الماء في حلقه
ما فسح الشارع في ضربه ... فما لكم تفتون في شنقه
وله:
وإذا ضاق قلب المرء عما يجنه ... تبين منه في اتساع لسانه
وصمت الفتى عما يجن ضميره ... أثم ولو أن اللهي في بيانه
وله:
عرفتكم فجهلت الناس عندكم ... فلم أعرج على أهل ولا وطن
وفزت منكم بما أبغي ولي أسف ... باق لسالف ما ضيعت من زمني
وله:
كف عن الناس إذا شئت أن ... تسلم من قول جهول سفيه
من قذف الناس بما فيهم ... يقذفه الناس بما ليس فيه
وله في الشربات:
وبيض الوجوه رقاق الشفاه ... تجمعن والحب في داريه
يبعن على الناس بيع الرقيق ... ولم أر فيهن من جاريه
وله من أبيات:
وسكنت قلبي يا محرك وجده ... فعجبت كيف سكنت وهو مقلقل
والقلب منزلة البدور وإنما ... خالفتها في كونها تنتقل
стр. 894
حل العزائم عقد بندك مثلما ... فتح الصبابة حاجب لك مقفل
فلأن صبرت فما اصطباري عن رضاً ... وجميل وجهك أنى أتجمل
وله من أبيات:
لعبت خلفه الذؤابة فاستكبر تيهاً ... فقبلت أقدامه
جمع العاشقين بالواو والنو ... ن ولكن جمعاً لغير السلامه
علي بن عمر بن نبا أبو الحسن نور الدولة اليونيني كان رجلاً غزير المروءة كريم الأخلاق شجاعاً بطلاً مقداماً على الأهوال كثير التعصب لمن يقصده يبذل في ذلك نفسه وماله وكان له اليد الطولى في قتل الوحوش الضارية تصدى لتقل الأدباب فأفنى منهم شيئاً كثيراً لا يحصر بحيث كان يقتل في الليلة الواحدة عدة أدباب وكان سبب تصديه لقتلهم دون غيرهم من الوحوش أنه كان له أخ صغير وكان للملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه ﵀ صاحب بعلبك دب في بيت بقلعة بعلبك فدخل أخو علي المذكور ليتفرج عليه وقرب منه فافترسه وقتله فكان نور الدولة المذكور يرى أنه يقتلهم يستوفي ثأراً وكانت وفاته بمنزله بمدينة بعلبك ليلة الأربعاء خامس وعشرين جمادى الآخرة ودفن من الغد قريباً من تربة الشيخ عبد الله اليونيني الكبير قدس الله روحه وقد نيف على ستين سنة من العمر ﵀ وهو بن عمتي وتزوج لي ثلاث أخوات كلما ماتت واحدة زوجه والدي ﵀ بأختها وتوفي وعنده الأخيرة منهن وكان عند والدي في محل الولد وهو رباه وأسمعه الحديث فسمع عليه وعلى الشيخ بهاء الدين المقدسي وابن
стр. 895
رواحة رحمهما الله وغيرهم وحكى لي ناصر الدين علي بن قرقين ﵀ ما معناه أن الخوارزمية لما طرقوا البلاد استولوا على ضواحي بعلبك ولم تبق إلا المدينة والقلعة وأما ظاهر البلد من القرايا فخرج عن الطاعة وأطاعهم فولوا على ضواحي بعلبك شخصاً من أعيانهم وتركوا عنده جماعة يسيرة منهم فكان يتصرف في البر وأهل البلاد في طاعته وهو ينتقل من مكان إلى مكان وكان متولي القلعة والمدينة إذ ذاك الأمير سيف الدين المعروف بأبي الشامات ﵀.
قال ناصر الدين فقال لي والله إن هذا غبن عظيم يستولي على بلاد بعلبك وأعمالها رجل واحد من الخوارزمية ونحن كالمحصورين معه فقلت له تشتهي أن أحضره لك بنفسه ومن معه قال ومن لي بهذا قلت أنا أسعى لك فيه إن شاء الله تعالى فسر بهذا القول ولم تطمئن نفسه إلى وقوعه فاجتمعت بنور الدولة وحدثته في ذلك وقلت له تقدر نحضره قال نعم إن شاء الله تعالى قلت متى قال الليلة أمسكه وغداً أحضره فقلت كم تختار من الخيالة والرجالة قال سير لي خمس رجالة يلقوني بعد المغرب إلى تل بسقي فجردت عشرين راجل على أنهم يتوجهون إلى حصن اللبوة في شغل وكان لنا بحصن اللبوة وال لا يتعدى أمره باب الحصن وكتبت مع مقدم الرجالة ورقة وختمتها
стр. 896
مضمونها نور الدولة بن الحرامي مقدمكم فإذا وصلتم إليه افعلوا ما يقول لكم ولا تخالفوه وقلت للمقدم إذا وصلت تل بسقى افتح الورقة وافعل ما فيها فلما وصل التل قرأها ورأى نور الدولة هناك فجاء إليه وقال قد سيرونا إليك فقال ما لي بكم كلكم حاجة يروح منكم عشرة ويبقى عندي عشرة وكان قد أخذ خبر والي الخوارزمية أنه في قرية بنحة فتوجه بالعشرة إليها وتركهم خارج القرية ودخل بمفرده إلى القرية قريب الثلث الآخر من الليل فوجد شخصاً من أهل القرية قد خرج من بيت لقضاء حاجته فسأله عن الوالي فقال هو في تلك العلية نائم سكران هو ومن معه فقصد نور الدولة العلية وفتح بابها ودخل ووجد الوالي نائماً سكران فجذب سكينه وأيقظه بهدوء ففتح عينيه فرأى السكين مشهورة على حلقه وقال له إن تكلمت ذبحتك فلم ينطق فأخذه وأخرجه إلى الرجالة وسلمه إليهم ثم عاد وفعل كذلك بمن معه من أصحابه وجاء بهم إلى القلعة فأوعدوا السجن وتصرف النواب في البر على عادتهم بأيسر مؤونة وله أمور كثيرة من هذا الجنس من الأقدام والشجاعة رحمه الله تعالى.
محمد بن سالم بن الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن الحسن بن محمد ابن الحسن بن أحمد بن الحسين بن صصرى أبو عبد الله عماد الدين الربعي التغلبي البلدي الأصل الدمشقي المولد والدار والوفاة العدل الرئيس الصدر الكبير مولده سنة ثمان وتسعين وخمسمائة تخميناً سمع من الكندي
стр. 897
وغيره وحدث وكان شيخاً جليلاً كريم الأخلاق لطيف الأوصاف حسن العشرة متفضلاً على من يعرفه باراً بمن يقصده محتملاً صبوراً كثير الإغضاء والحياء من بيت العلم والحديث والرياسة والعدالة والتقدم وقد حدث هو وأبوه وجده وجد أبيه وجد جده وغير واحد من أهل بيته وكانت وفاته في العشرين من ذي القعدة ودفن بسفح قاسيون رحمه الله تعالى.
محمد بن علي بن أبي طالب بن سويد التكريتي أبو عبد الله وجيه الدين التاجر المشهور بسعة المال والجاه ولم يبلغ أحد من أمثاله من الحرمة ونفاذ الكلمة ما بلغ بحيث كانت النجابين ترد عليه من بغداد إلى دمشق في مهمات تتعلق الخلافة فينجز ما قدموا لأجله ويسفرهم وكانت متاجره لا يتعرض لها متعرض وكتبه عند سائر ملوك الأطراف وملوك الفرنج بالساحل نافذة ومن ينتسب إليه مرعي الجانب وهو من خواص الملك الناصر ﵀ وأصحابه ويده مبسوطة في دولته وكلمته مسموعة ورسالته مقبولة عند ديوان الإنشاء ومع هذا كله فانقضت الدولة ولا يكتب له سوى الصدر الأجل وما يناسب ذلك من الألقاب لا غير وفي آخر الأيام الناصرية كانت عنده فضة كثيرة مروك وخشر فاستأذن الملك الناصر في ضربها دراهم فأذن له وجعل دار الضرب بيده فضرب منه شيء كثير جداً وهذا النقد من الدراهم التي ضربها
стр. 898
معروف ولما ملك التتار البلاد الشامية في شهور سنة ثمان وخمسين ذكر عنه أنه وصله فرمان هولاكو يتضمن الأمان له على نفسه وماله وأصحابه ولم يعرج على ذلك ولا وثق به ودخل الديار المصرية وغرم فيها جملة طائلة تقارب ألف ألف درهم فلما عاد الشام إلى المسلمين وتملك الملك الظاهر ركن الدين ﵀ قربه غاية التقريب وأدناه وعظم محله عنده بحيث أوصى إليه على أولاده وجعله ناظر أوقافه وما يتعلق به وأصغى إلى أقوله وزاد في حرمته فيما يكتب له وخوطب بالمجلس السامي وكان له من التمكن ما لا مزيد عليه غير أنه كان تمكنه في الأيام الناصرية أكثر وحكى لي الحاج فخر الدين إياز ﵀ وكان رجلاً صادقاً قال حججت في السنة التي حج فيها الملك الظاهر فلما رأني فراشينه بمكة طلبوا مني ملازمتهم لمعرفة بيني وبينهم فلازمتهم فلما كان يوم عرفة بسطت بسط كثيرة على الجبل للملك الظاهر وحضر إليه أمراء العرب وملوك الحجاز وغيرهم وقعدوا في خدمته فحضر نصير الدين ولد وجيه الدين المذكور للسلام عليه فحين وطئ البساط قام له وبالغ في أكرامه والمساءلة له عن طريقه واستعراض حوائجه وتفخيمه في المخاطبة والنصير يتشكر ويدعو بما يناسب وهو يقول أبصر مهما كان لك من حاجة حتى نقضيها ولا يقول لوجيه الدين أبصروني في مكة وما التفوا إلي فقال ما للمملوك حاجة سوى أن هذا الركب لم يكن له أمير فتعبنا بهذا السبب والمملوك يسأل أن يعين مولانا السلطان
стр. 899
للركب الشامي أميراً فقال هؤلاء المصريين والشاميين من اخترت منهم بروح في خدمتك قال أريد جمال الدين بن نهار فطلبه السلطان وقال له هذا المولى نصير الدين قد اختارك على جميع من معي فتروح معه إلى الشام وتخدمه مثل ما تخدمني ولا تزال بين يديه حتى توصله إلى والده فقال السمع والطاعة وانفصل والناس يتستعظموا ذلك من مثل الملك الظاهر وأنه لعظيم منه وكان وجيه الدين كثير المكارمة للأمراء والوزراء وأرباب الدولة يهاديهم ويقضي حوائجهم ويتجر لهم فكان مدار الأمور أو أكثرها عليه وعنده بر للفقراء وصدقة ويعمل في كل سنة من التراييق والمعاجين والأكحال ما يغرم عليه جملة كبيرة ويفرقه للثواب وكان عنده دماثة أخلاق ورقة حاشية وينظم المواليا على رأي البغاددة قال كان صبي من القيمرية حسن الصورة قد تزوج وزف ليلة عرسه بدمشق فنظمت:
لما جلو ذا الصبي كالبدر في حالو ... سبى المواشط وقالو ما قالو
صبي وكردي وكردية من أشكالو ... لولا نبات عذاره لالتبس الحالو
وأنشدته للملك الناصر فأعجبه وكان أقارب ذلك الصبي أكابر أمراء القيمرية فكانوا إذا حضروا يقول على سبيل المباسطة يا وجيه لولا يوهمني أنه ينشد البيتين قدامهم فأضع أصبعي على فمي أي أسكت عني فيضحك وكانت وفاة الوجيه ﵀ بدمشق في العشر الآخر من شوال أو الأول من ذي القعدة ودفن بسفح قاسيون وقد ناهز السبعين من العمر.
стр. 900
نصير بن تمام بن معالي أبو الذكر المقيسي المؤذن كان حسن الصوت مليح الشكل يطرب حسه السامع وهو رئيس المؤذنين في وقته بدمشق وتوفي بها في ليلة التاسع عشر من المحرم ودفن في غده بباب الفراديس ومولده سنة سبع وثمانين وخمسمائة سمع من أبي المنجا عبد الله بن عمر ابن اللتي وغيره وحدث ﵀.
يعقوب بن إبراهيم بن موسى بن يعقوب بن يوسف أبو يوسف شرف الدين بن المعتمد العادلي الدمشقي الحنفي مولده في رابع شهر رمضان المعظم سنة سبع وثمانين وخمسمائة بدمشق سمع من حنبل وحدث وتوفي في ثالث عشر شهر رجب بجبل قاسيون ودفن به رحمه الله تعالى، ووالده المبارز إبراهيم المعتمد متولي دمشق في الأيام العادلية وهو من أعيان الناس مشكور السيرة محمود الطريقة ينطوي على دين متين وبر كثير وحسن اعتقاد في الفقراء والصلحاء ومحبة لهم، صحب الشيخ عبد الله اليونيني الكبير قدس الله روحه وانتفع به وكان الشيخ يثني عليه رحمه الله تعالى.
стр. 901
//بسم الله الرحمن الرحيم
السنة الحادية والسبعون وستمائة
دخلت والخليفة والملوك على لقاعدة المستقرة والملك الظاهر بالشام متجددات الأحوال في هذه السنة.
في ثامن عشر المحرم أفرج ن الأمير عز الدين أيبك النجيبي وعز الدين أيدمر الغوري وكانا محبوسين بالقاهرة. وفي يوم الأحد سابع عشر المحرم توجه الملك الظاهر على البريد إلى الديار المصرية، وفي صحبته الأمير بدر الدين بيسري وجمال الدين آقوشي الرومي وسيف الدين جرمك الناصري؛ فوصل إلى قلعة الجبل يوم السبت ثالث وعشرين منه، فأقام إلى ليلة الجمعة التاسع والعشرين منه، ثم توجه إلى دمشق فدخل قلعتها ليلة الثلاثاء رابع صفر.
стр. 902
وفي الحادي والعشرين من المحرم وصلت جماعة من النوبة وصاحبها فهجموا ثغر عيذاب ونهبوا ما كان وصل من تجار جاؤوا من عدن ومصر وقتلوا منهم خلقاً وقتلوا واليها وقاضيها وأسروا ابن حلى، وكان مشارفاً على ما ترد به التجار. ثم ورد كتاب علاء الدين ايدغدي الحربدار متولي قوص يخبر بأنه رحل من قوص إلى أسوان فوصلها سادس عشر صفر وأقام ستة أيام؛ ثم رحل طالباً بلاد النوبة، فوصل إلى بلد يقال له الجون حادي وعشرين صفر، فقتل من به وأحرقه؛ ثم رحل منه إلى بلد أرمنا، فوصله في الخامس والعشرين منه فقتل من به وأحرقه؛ ثم رحل منه إلى اطميث فوصله في السابع والعشرين منه فقتل من فيه وأحرقه ودوخ بلادهم وأخذ بثأر من قتلوا.
وفيها خرجت العساكر من الديار المصرية إلى الشام.
وفي خامس جمادى الأولى اتصل بالملك الظاهر وهو بدمشق إن فرقة من التتر قصدت الرحبة، فبرز إلى القصير بالعساكر فبلغه أنهم عادوا عن الرحبة ونزلوا على البيرة، فسار إلى حمص وأخذ مراكب الصيادين بالبحيرة على الجمال للجسور؛ ثم سار حتى وصل إلى الباب من أعمال حلب وبعث جماعة من المماليك والعربان لكشف أخبارهم وسار إلى منبج فعادوا وأخبروا أن طائفة من التتر مقدارها ثلاثة آلاف فارس على شط الفرات مما يلي الجزيرة، فرحل من منبج يوم الأحد ثامن عشر
стр. 903
جمادى الأولى ووصل شط الفرات وتقدم إلى العسكر بخوضها، فخاض الأمير سيف الدين قلاوون والأمير بدر الدين بيسري في أول الناس؛ ثم تبعهما بنفسه وتبعته العساكر فوقعوا على التتر فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وأسروا تقدير مائتي نفس ولم ينج منهم إلا القليل وتبعهم الأمير بدر الدين بيسري إلى قريب سروج؛ ثم عادوا الذين كانوا على البيرة شرف الدين بن الخطير، وأتابك رسلان دعمش، وأمين الدين ميكائيل النائب بقونية، وأمراء الروم تقديراً ثلاثة آلاف فارس ومقدم المغل درباي؛ ولما اتصل بهم خبر الوقعة رحلوا عن البيرة بعد أن أشرفوا على أخذها وتركوا ما لهم من الأسلحة والعدد والمجانيق والأمتعة والحشارات ونجوا بأنفسهم، فسار الملك الظاهر إلى البيرة ووصلها في الثاني والعشرين من الشهر وصعدها وخلع على مستحفظها وفرق في أهلها مائة ألف درهم وأنعم عليهم ببعض ما تركه التتر عند هربهم؛ ثم رحل قاصداً دمشق. وقد ذكر خوض الفرات المولى شهاب الدين محمود الكاتب - أيده الله - في قصيدة أولها:
سر حيث شئت لك المهيمن جار ... واحكم فطوع مرادك الأقدار
منها:
لم يبق للدين الذي أظهرته ... يا ركنه عند الأعادي ثأر
لما تراقصت الرؤوس وحركت ... من مطربات قسيك الأوتار
خضت الفرات بسابح أقصى منى ... هوج الصبا من نعله الآثار
стр. 904
حملتك أمواج الفرات، ومن رأى ... بحراً سواك تقله الأنهار؟
وتقطعت فرقاً ولم يك طودها ... إذ ذاك إلا جيشك الجرار
منها:
رشت دماؤهم الصعيد فلم يطر ... منهم على الجيش السعيد غبار
شكرت مساعيك المعاقل والورى ... والترب والآساد والأطيار
هذي منعت وهؤلاء حميتهم ... وسقيت تلك وعمّ ذا الإيثار
فلأملأن الدهر فيك مدائحا ... تبقى بقيت وتذهب الأعصار
وقال ناصر الدين حسن بن النقيب الكناني ﵀ في واقعة الفرات - وأظنه حضرها -:
ولما ترامينا الفرات بخيلنا ... سكرناه منا بالقوى والقوادم
فأوقفت التيار عن جريانه ... إلى حيث عدنا بالغنى والغنائم
وعمل صاحبنا موفق الدين عبد الله بن عمر ﵀ ذكره إن شاء الله تعالى في ذلك:
الملك الظاهر سلطاننا ... نفديه بالأموال والأهل
اقتحم الماء ليطفي به ... حرارة القلب من المغل
وعند اجتياز السلطان بحمص تقدم بعمارة الدور التي بالقلعة فعمرت وجدد له طارمة وسماط وتوجه إلى مصر، وخرج ولده الملك السعيد من قلعة الجبل لتلقيه يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الآخرة، فاجتمع به
стр. 905
بين القصير والصالحية يوم الجمعة الحادي والعشرين منه فترجلا واعتنقا طويلاً؛ ثم ركبا وسارا إلى القلعة وأدخل أسراء التتر ركاباً على الخيل.
وفي سابع هذا الشهر أفرج عن الأمير عز الدين أيبك الدمياطي وكانت مدة اعتقاله تسع سنين وعشرة أيام، وفي يوم الثلاثاء ثالث شهر رجب خلع على جميع الأمراء ومقدمي الحلقة وأرباب الدولة وأعطى كل واحد منهم ما يليق به من الخيل والذهب والحوائص والثياب والسيوف، وكان ما صرف فيهم فوق الثلاث مائة ألف دينار.
وفي سادس عشر من شعبان أفرج الملك الظاهر عن الأمير علم الدين سنجر العتمي المعزي وأثبت موالي أيبك الأسمر أنه باق على ملكهم فاشتراه منهم.
وفي العشر الآخر من الشهر سفر الملك الظاهر رسل منكوتمر ابن أخي بركة وبعث معهم هدية سنية من حوائص، وسيوف محلاة، وجواهر، وثياباً منوعة، وصحبتهم بدر الدين عزيز الكردي وغيره.
وفي يوم الأربعاء ثامن شهر رمضان اشترى الملك الظاهر عز الدين أيبك النجيبي من مولاه الأمير جمال الدين آقوش النجيبي.
وفي يوم الاثنين ثاني عشر شوال استدعى الملك الظاهر الشيخ خضر إلى القلعة وأحضره بين يديه مع جماعة حاقوه على أشياء كثيرة، كثر بينه وبينهم فيها القيل والقال ورموه بفواحش كثيرة فتقدم باعتقاله، وهذا المذكور كانت له عند الملك الظاهر منزلة لم يظفر بها أحد منه بحيث
стр. 906
كان ينزل إلى عنده كل جمعة المرة والمرتين ويباسطه ويمازحه ويقبل شفاعاته ويقف عند ما يرسم به ويستصحبه في سائر سفراته. ومتى فتح مكاناً فرض له منه أوفر نصيب، فامتدت يده في سائر المملكة يفعل ما يختار ولا يمنعه أحد من النواب، ودخل إلى كنيسة قمامة وذبح قسيسها بيده وأنهب ما كان فيها تلامذته وهجم كنيسة اليهود بدمشق ونهبها، وكان فيها ما لا يعبر عنه من الآلات والفرش، وصيّرها مسجداً، وعمل بها سماعاً ومدّ بها سماطاً؛ ودخل كنيسة الإسكندرية - وهي عظيمة عند النصارى - فنهبها وصيرها مسجداً وسماها المدرسة الخضراء، وأنفق في تغييرها مالاً كثيراً من بيت المال؛ وبنى له الملك الظاهر زاوية بالحسينية ظاهر القاهرة ووقفها عليه وحبس عليها أرضاً تجاورها تحكر لمن ينبني فيها يستغلها في كل سنة جملة كبيرة، وبنى لأجله الجامع بالحسينية.
ذكر استيلاء الملك الظاهر على ما بقي من قلاع الإسماعيلية
كانت طائفة منهم عصوا بقلعة القدموس على واليها وقتلوه وعلى من بقلعة المنيقة وقلعة الكهف وكاتبوا الملك الظاهر وسلموها له، فبعث إليها نائباً وكتب إلى من بالقلعتين في تسليمها على أن يعوضهم إقطاعاً بمصر، فأجابوا، وكان المتوسط بينهم الملك المنصور صاحب حماة. فلما أجابوا بعث سيف الدين دواداره ومعه رسلهم فوصلوا قلعة الجبل يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة فخلع عليه وكتب للرسل أماناً وأعطاهم مناشير بما
стр. 907
وعدهم من الأقطاع وعادوا يوم الأحد تاسع ذي القعدة.
ذكر هرب عمرو بن مخلول من آل فضل
كان الملك الظاهر قد حبسه وحامداً قريبه في برج من أبراج قلعة عجلون، فحفرا حفيرة قريبة من السور وأداما فيها وقيد النار حتى تكلس حجر السور فنقباه وخرجا منه وكانا قد أعدّا لهما خيلاً فهربا عليها وقصدا التتر، ثم ندما فكتبا إلى الملك الظاهر يستعطفانه، فحلف أنه لا يرضى عنهما حتى يعودا بأنفسهما إلى قلعة عجلون ويجعلا القيود في أرجلهما، ففعلا ذلك، فعفى عنهما.
ذكر عزل الصاحب خواجا فخر الدين وزير الروم
وسبب ذلك أن معين الدين البرواناة بلغه أن فخر الدين سيّر كتاباً إلى السلطان عز الدين كيكاووس - وهو نازل بصوادق - وذهبا؛ فسير: أحضر الوزير إلى مجلس آجاي وصمغرا ووجوه الدولة. وذلك في شهر رمضان من هذه السنة، وقال له: أنت سيرت ذهباً إلى السلطان عز الدين وكاتبته، قال: نعم! بالأمس كان عز الدين سلطاننا وصاحب البلاد وهو الذي أنشأك وأنشأني والآن فقد كتب إلي كتاباً يشكو ضرره وأنا أقل مملوكاً له فلا أقل من مراعاة بعض نعمتهم بالقدر اليسير الذي سيرته له هذا ما اعتمدته ولم أعتمد شيئاً غيره مما يوجب الإنكار عليّ. فقبض عليه وعلى ولده تاج الدين محمد واعتقلهما في قلعة يقال لها عمان جق، واحتاط على موجوده وأملاكه وكانت عظيمة جداً، والذي قبض عليه ضياء الدين
стр. 908
بن الخطير في داره وحمله إلى البرواناة. وأما ولده الصغير نصير الدين محمود فإنه نجا بنفسه وقصد أبغا وصار من خواصه، وولى البرواناة مكان فخر الدين مجد الدين الحسين ختنه. وأما نصير الدين فأحسن التوصل واستنجز يغلغا بالإفراج عن أبيه فخر الدين وعن أملاكه والوقوف التي عليه والتي وقعها لوجوه البر وأفرج عنه. وأقام ملازماً بيت ولده بغير خبر.
وفي هذه السنة أمر الملك الظاهر بإنشاء جسورة في الساحل غرم عليها مبلغاً عظيماً وحصل للمسافرين بها الرفق الكثير.
وفي هذه السنة هلك افرناط مقدم الداوية وكان أخذ أسيراً في كسرة الداوية مع عسكر حلب على بغراس سنة أربع وأربعين وستمائة؛ ثم خلص من الأسر بسبب كسر الخوارزمية لعسكر حلب على بزاعا أطلق مع مائة فارس وتسع من الداوية والاسبتار.
وفيها قبض سالم بن إدريس بن محمود بن محمد الحضرمي على أخيه موسى صاحب ظفار واستبد بها.
فصل
وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن قرناص أبو إسحاق مخلص الدين الخزاعي الحموي، كان أديباً فاضلاً وله اليد الطولى في
стр. 909
النظم؛ وكانت وفاته بحماة يوم الأحد رابع شوال ودفن بتربة بني قرناص ظاهر حماة - رحمه الله تعالى - ومن شعره:
ليلى وليلك يا سؤلي ويا أملي ... ضدان هذا به طول وذا قصر
وذاك أن جفوني لا يلمّ بها ... نوم وجفنك لا يحظى بها السهر
وله:
ولما علا المنصور لا حطّ قدره على البلغة الدهماء سار بإسعاد
جرت تحته كالموج حرّكه الصبا ... ووجه صباح الملك من ليلها بادى
فأيقنت أن البحر تحت أبحر ... وسؤدد أهل الأرض فوق سواد
وقال على وزن قصيدة الشريف الرضي ﵀ ورويّها ولقد أجاب في ذلك:
يا جنة الطرف نار القلب مأواكي ... وما توقّدها من برد ذكراكي
ويا مهاة الدمى كل الدماء لكم ... حلّ فمن بحرام الفتك أفتاكي
حاشاك يا ظبية الأنس التي افترست ... أسد العرين من التأثيم حاشاكي
ومن تناسيك من أضحى لديك لقى ... ملق إليك فؤاداً ما تناساكي
وقد علمت غرام القلب من دنف ... ما كان يعلم ما الأشواق لو لاكي
وليس يعجبه مرأى سواك ولا ... يشفى غليلاه إلا ريّ رؤياكي
وأنت جنته يا برء علته ... مما تنوب يد الأيام مضناكي
وأنت من جوهر الأشياء صوّرك ال ... رحمان ثم بروض الحسن انشاكي
يثنى بثنيك قصب البان عابسة ... وتبسم الدر عجباً من ثناياكي
стр. 910
وما بدا البدر في أنوار بهجته ... إلا وعاد حياءً من محيّاكي
والشمس ما طلعت في الحجب وانتقبت ... بغيمها خجلاً إلا للقياكي
وعيد حبل من أثنى عليك بها ... لسانه طرباً من لفظه الحاكي
يدعى عليا يناديه فتى حسن ... يشكو إليك وما المشكى كالشاكي
فعطفه يا مناه وارحميه فمن ... يمته طرفك لا يحييه إلا كي
وواصليه قد أودى الصدود به ... وعامليه بلا مطل بحسناكي
فالله يشكر مسعاك لديه غداً ... إذا شكرت مساعي الواله الباكي
وله:
فإن لم تجدني مخلص القول صادق ال ... وداد إذا جربتني في العظائم
فلا تسدين بعدي صنيعاً إلى امرىء ... سواي وقل قد مات أهل المكارم
وله:
وإذا قصدت سواكم بشكاية ... وقف الإباء المحض لي عن مقصدي
وإذا انتقدت بني الزمان لحاجتي ... قال النجاح هدى إلي بأحمد
هبت له نسمة من نحو أرضكم ... فأنشأت سحباً خلنا بها المطرا
حتى إذا ما وردناه على ظمأ ... لم نلق ماء فأمطرنا لها النظرا
وله:
لك في الصدود عنى فدع يوم النوى ... لا تعجلن به فذاك المغرم
فلتعلمن إذا افترقنا أيّنا ... تبّت يداه ومن على من يندم
стр. 911
وله:
ليس الظريف الذي تبدو خلائقه ... للناس ألطف من النسيم سرى
لكنه رجل عفّت ضمائره ... عن المحارم بالمنى ظفرا
أحمد بن عثمان بن سياوش أبو العباس الأخلاطي المقرىء المنعوت بالتقى أمام الكلاسة، قرأ القرآن الكريم بالقراءات وأقرأه، وسمع من الشيخ علم الدين السخاوي ومن غيره وحدث؛ وكان مشهوراً بالخير والدين والصلاح، وتوفي في خامس شهر رمضان المعظم بدمشق، ودفن من يومه بجبل قاسيون ﵀ وقد نيف على السبعين سنة من العمر، أحمد بن علي بن حمير أبو العباس صفي الدين البعلبكي المعروف بابن معقل، كان من أماثل أهل بعلبك وله جدة متوسطة وعنده مكارمة وسعة صدر وحسن عشرة وكان متشيعاً متغالياً في ذلك؛ وتوفي بمنزله ببعلبك العصر من نهار الخميس ثالث شعبان وقد نيف على الأربعين سنة من العمر ﵀. وخال والده هو عز الدين أبو العباس أحمد بن علي بن معقل بن أبي العلاء بن محمد بن معقل الأزدي ثم المهلبي الحمصي، كان شاعراً مقتدراً على النظم، عالماً بفنون الأدب والأصول والفقه على رأي الإمامية، غالياً في التشيع، وله ديوان يختص بمدح أهل البيت ﵈ لكنه قد حشاه بثلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والتعريض بهم، والتصريح في بعض القصائد؛ وكان من شعراء الملك الأمجد صاحب بعلبك، وانتقل إلى حماة مدو ثم عاد إلى بعلبك وتزهد وانقطع إلى أن توفي بدمشق سنة أربع وأربعين وستمائة؛
стр. 912
ونظم عدة كتب من كتب النحو وغيره. وله في أهل البيت رضي الله تعالى عنهم:
يا قوم كم هذا التحير والغمى ... وضح النهار لمقلة وبدا لها
فاختر لنفسك أيها الإنسان ما ... يهدي النعيم لها وينعم بالها
واعمد إلى بحر العلوم وخل في ... بر الجهالة والضلالة آلها
متعمداً سبل الهدى متجنباً ... سبل الردى وظلامها وضلالها
فالموت منتظر بلا شك لتج ... زى كل نفس قولها وفعالها
وولاء آل محمد أمن لمن ... خاف الجحيم عذابها ونكالها
هم حجة الله العليّ على الورى ... وبهم أبان حرامها وحلالها
وهم المسيمو سرحها والممطر و ... جرازها والممسكو أحبالها
لولاهم في الأرض أوتاداً لما ... ثبتت بهم وزلزلت زلزالها
فعليهم صلواته سحباً غدت ... كالنيبّ ترأم بالعشي إفالها
وله:
رأتني سعاد حليف السهاد ... وقد كنت قدماً حليف السرور
فغضت عن الشيب لما رأت ... برأسي طرفاً شديد الفتور
فقلت لها قذىً في العيون ... فقالت نعم وشجىً في الصدور
وله:
وجنة أعطاف أغصانها ... تميس في أوراقها الخضر
ظلنا وقد أهدى لنا ظلها ... يجني علينا بجنى التمر
تفاحها كالراح في طعمه ... وطيبه واللون والنشر
لو يحمد الخمر حكاه ولو ... يذوب أغنانا عن الخمر
стр. 913
وله:
إذا رمت أمراً في ذراه صعوبة ... فرفقاً تقده ممكناً مصحباً طهرا
ولا تأخذن بالعنف ذا نخوة ... وذا إباء تهج ناراً مضرمة شرا
فلطمة طرف هيجت حرب داحس ... ولطمة ملك نصرت أمةً كثرا
وله من قصيدة يفتخر فيها ودس فيها العظائم على عادته من ثلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين:
ماذا سؤالك صم ربع مقفر ... لولا ضلالك بالغزال الأعفر
منها:
أنى وقوفك من سراة الأزد في اله ... امات منها والسنام الأكبر
آل المهلب خير قحطان إذا ... ما عد كل متوج ومسور
كانوا حلى ممالك فتخرموا ... والآن ذكرهم حلى الأعصر
ولأوسهم فخر وخزرجهم ما ... نصروا النبي وغيرهم لم ينصر
ووقفوا بأنفسهم جميعاً نفسه ... من كل عاد مفترى أو مقترى
حتى غدا الإسلام بين بيوتهم ... بادى السنا للقابس المتنور
لله در أبيهم لو أنهم ... لم يهدموا ما شيدوا من مفخر
بدءوا نزيلهم بكأس لذة ... معسولة وثنوا بكأس ممقر
نقضوا عهودا أبرمت أسبابها ... بتحير من بعده وتجبر
فغدا به سيان رب تقدم ... من بعده يوماً ورب تأخر
غن الخلافة لم تكن لتحل في ... متهود يوماً ولا متنصر
ومنها:
فاستحى من نسب إليهم أنهم ... غدروا لحينهم بمن لم يغدر
стр. 914
واطو الفؤاد على الذي أضمرته ... منهم ولا ينشره ما لم تنشر
إذا مدحت فتىً قواداً ماجداً ... فامدح أبا حسن الجواد العسكري
عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس بن محمد بن منعة بن محمد أبو القاسم تاج الدين الموصلي. مولده بالموصل سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، كان إماماً عالماً فاضلاً شافعي المذهب اختصر كتاب الوجيز للغزالي ﵀ اختصاراً حسناً وسماه التعجيز في اختصار الوجيز؛ واختصر كتاب المحصول في أصول الفقه، واختصر طريقة ركن الدين الطاووسي في الخلاف. ووالده رضي الدين من أعيان العلماء، وجده الشيخ عماد الدين أبو حامد محمد بن يونس أمام وقته في مذهب الشافعي رحمة الله عليه وفي الأصول والخلاف. وله صيت عظيم في الآفاق؛ قصده الفقهاء من بلاد الشافعية للآشتغال وتخرج عليه خلق كثير صاروا أئمة ومدرسين يشار إليهم، وصنف كتباً في المذهب، منها: كتاب المحيط في الجمع بين المهذب والوسيط، وشرح الوجيز للغزالي، وصنف جدلاً وعقيدة وتعليقة في الخلاف ولكنه لم يتممها. وترسل إلى الخليفة وإلى الملك العادل وغيره من الملوك، وناظر في ديوان الخلافة، وتولى القضاء بالموصل في رابع شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ثم انفصل عنه لضياء الدين
стр. 915
ابن الشهرزوري. وكان دمث الأخلاق، لطيف الخلوة، محاضراً بالحكايات والأشعار، مكمل الأدوات؛ وتصانيفه وإن كانت مفيدة ولكنها منحطة عن فضيلتها. وكانت ولادته بقلعة اربل سنة خمس وثلاثين وخمسمائة في بيت صغير منها. ولما وصل إلى اربل في بعض رسائله دخل ذلك البيت وأنشد:
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
وتوفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وستمائة بالموصل ﵀ وأما حفيده تاج الدين صاحب هذه الترجمة فإنه لما استولى التتار على الموصل سنة ستين وستمائة كان بها، ثم انتقل عنها إلى بغداد فدخلها في شهر رمضان سنة سبعين وستمائة؛ وتوفي في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعين وستمائة هذه السنة؛ وبيته بيت فضيلة وتقدم ورئاسة، ولما مات رثاه جماعة منهم شمس الدين محمد الواعظ المعروف بابن الكوفي قال:
أرى الدهر يبدأ للبرية أسهما ... فتقصد منهم من تقصد أو رمى
ويعتمد الأعيان منهم بصرفه ... وإن كان لا يبغي سواهم مصمما
فما ترك الموت النبي محمدا ... ولا سالم الدهر المسيح بن مريما
следующие страницы →