لم يكن هو الذي افتراه بل كان حدث به أبو معاوية (١)
ثم كف عنه فلعل أبا الصلت رواه عنه ولم يبلغه كفه عن التحديث به لعدم الثقة بصحته.
وقال صاحب (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على الألسنة من الحديث) :
حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) رواه الحاكم في المناقب من مستدركه عن ابن عباس مرفوعًا والترمذي من جامعه عن علي بمعناه وقال: إنه منكر، وكذا قال البخاري وقال: إنه ليس له وجه صحيح. وقال ابن معين: إنه كذب لا أصل له، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ووافقه الذهبي وغيره على ذلك، وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث لم يثبتوه وقيل: إنه باطل. اهـ.
وقد أورده الأستاذ الشيخ محمد الحوت الكبير علامة بيروت في (أسنى المطالب) وذكر بعض ما نقله الديبع عن أستاذه الحافظ السخاوي من قول الحفاظ بوضعه حتى ابن معين، ثم قال: ((قد ولع به العلماء، وذكره من دون بيان رتبته خطأ، ومثله: (أنا دار الحكمة وعلي بابها) وزاد بعضهم: ( ... وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها) ،
стр. 247
وذلك لا ينبغي ذكره في كتب أهل العلم لا سيما مثل ابن حجر الهيتمي ذكر ذلك في الصواعق والزواجر وهو غير جيد من مثله)) . اهـ
وأقول: إن ابن حجر الهيتمي هذا قد أتقن فقه الشافعية التقليدي على طريقة أهل زمنه، وهو ليس بحافظ للحديث ولا من نقاده، وإنما ينقله من الكتب، فإن لم تكن له عناية خاصة بالاحتجاج به فلا يبالي أكان صحيحًا أم ضعيفًا أم موضوعًا.
فكيف إذا كان له هوى يوافق معناه كالغلو في المدح؟! وأخطأ مَن حَسَّنَه بكثرة طرقه.
وأما حديث: (أقضاكم عليّ) (١) فقد قال الحافظ السخاوي: ما علمته بهذا اللفظ مرفوعًا، بل في مستدرك الحاكم [٣/١٤٥] عن ابن مسعود قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي، وقال: إنه صحيح ولم يخرجاه. اهـ
وأقول: إن الحافظ الذهبي أقر الحاكم على روايته له عن ابن مسعود من قوله، ولو ورد مرفوعًا إلى النبي ﷺ ولو من طريق منكر - لأورده الحاكم، ولعمري إنه لَحقٌّ في نفسه سواء كان اسم
стр. 248
التفضيل على بابه أم لا، ولكن لا ندري متى قال ابن مسعود هذا؟ هل قاله في زمن عمر أو بعده.
وأما ما ذكره صاحب مجلة العرفان من قول عمر فهو لم يروَ بسند صحيح، وإنما ذكره بعضهم فيما يتساهلون فيه من رواية المناقب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه لم يذكر عنه إلا في قضية إن صح، وكان عمر يقول مثل هذا لمن دون علي كما قال للمرأة التي عارضته في الصداق: امرأة أصابت وأخطأ عمر. (١)
وبيَّن في (منهاج السنة) بالشواهد أنه كرم الله وجهه لم يكن أقضى الصحابة ﵃، وفيه نظر.
وأما الأحاديث الدالة على علم عمر في الصحاح والسنن فهي كثيرة: منها: موافقات رأيه للقرآن وكونه من المحدَّثين (بفتح الدالة المهملة) أي الملهَمين، وغير ذلك، ولسنا بصدد تفصيل هذه المسألة، وكذلك ما رُوي في قضائه باجتهاده وفي اتباع الصحابة له في مسائل متعددة، وكذلك المسائل التي كان يستشير فيها الصحابة.
стр. 249
هذا، وإن العلم الذي يتعلق به القضاء هو الأحكام العملية من شخصية ومدنية وعقوبة، وهو أدنى علوم الدين الإسلامي، وأما أعلاها فهو العلم بالله تعالى وصفاته وبسننه في خلقه من نظام العالم، ويليه العلم بتهذيب النفس وتزكيتها بالعبادات الصحيحة، والعلم بسياسة الأمم وإقامة الحق والعدل فيها، والذين يفضلون عمر على غيره في علوم الإسلام - ولا سيما بعد أبي بكر - يفضلونه بهذه العلوم التي هي في الذروة العليا، وهي ما تثبتها له أعماله وأقواله وأحواله وسياسته وإدارته، ولم يغمطْه أحد حقه في علم الأحكام العملية القضائية أيضًا، وما روي من تفضيل علي لعمر أصح مما روي من قول عمر في علي، وما هما إلا أخوان، ومن مصائب التعصب جعْلهما خصمين يتضادان.
فإن كان قد روي عن عبد الله بن مسعود أنهم كانوا يتحدثون بأن عليًّا كرم الله وجهه كان أقضى أهل المدينة، فقد روي عنه أنه قال لما مات عمر: ((إني لأحسب أنه ذهب بتسعة أعشار العلم)) .
رواه أبو خيثمة في كتاب العلم [رقم: ٦١] عن جرير عن الأعمش عن إبراهيم
стр. 250
[بن] (١) عبد الله.
وقد أورده أبو طالب المكي في قوت القلوب والغزالي في الإحياء. قالا: فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة -وفي القوت- وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون؟!
فقال: إني لست أعني العلم الذي تذهبون إليه إنما أعني العلم بالله . اهـ
وجرير الراوي لهذا الأثر هو ابن حازم وهو ثقة فيما يرويه إلا عن قتادة.
وأما إبراهيم بن عبد الله (٢) فلا نعرفه في شيوخ الأعمش وإنما يروي الأعمش، عن إبراهيم النخعي فلعله هو وناهيك به في رواة حديث ابن مسعود وآثاره. (٣)
هذا وإن علماء السنة الذين طعنوا في رواية الحديثين المذكورين قد أثبتوا من الروايات في مناقب علي ﵁ أكثر مما أثبتوه من مناقب غيره من الصحابة ﵃ وصرح بذلك إمامهم الأعظم أحمد بن حنبل وأقروه عليه، فهل يعدون من النواصب؟!
وأختم هذا البحث بالتذكير بأنني كنت نوهت بشيعة العراق في أول العهد باستيلاء الإنكليز عليها؛ لأنهم كانوا أشد من أهل
стр. 251
السنة في الثورة عليهم، ولما بلغنا عنهم من احتقار الدسيسة التي عرضها عليهم الإنكليز للتفرقة بينهم وبين أهل السنة؛ إذ عرضوا عليهم أن يكون القضاء في الجهات التي يكثرون فيها بمذهبهم الجعفري، فأجابوهم بأن الشريعة واحدة لا فرق فيها بين مذهب جعفر ومذاهب أهل السنة، وإنما الخلاف في كل مذهب يشبه ما في غيره وهو في مسائل اجتهادية، يعذَر فيها كل مجتهد. ثم نُكسوا على رؤوسهم وعادوا إلى خدمة الأجانب بالتفريق والتعادي من حيث لا يشعرون (١)
، ولم يعتبروا باعتدال شيعة إيران وميلهم إلى الوحدة والاتفاق، وإنما كان أسلافهم من أمراء الفرس وموابذتهم هم الذين أسسوا قواعد الغلو في الرفض ونظموا جمعياته ونشروه في العالم لإزالة ملك العرب وإعادة دين المجوس وملكهم كما شرحناه مرارًا، فقد أخبرني الأستاذ الثعالبي الذي زار بلادهم في العام الماضي بمثل ما أخبرني به الأستاذ الكردي الذي ذكرت خبره من قبل وهو ناشئ في بلادهم، قالا: إن الميل فيهم إلى الوحدة الإسلامية والاتفاق مع أهل السنة قوي جدًّا، وهذا
стр. 252
ما نشاهده في جاليتهم بمصر، فهم كأهل السنة هنا في كراهتهم للخلاف، وحبهم للائتلاف، إلا بما شذ به صديق لنا منهم طعن علينا وافترى، فكان قدوة للعاملي فيما امترى، ثم تصافحنا وتصالحنا، ونسأله تعالى أن يصلح الجميع، فالشقاق شر للجميع.
أفليس من أعجب العجائب أن نرى أخلاف أولئك الفرس يرجعون عن ذلك الغلو ويجنحون إلى الاتفاق مع أهل السنة من العرب وتقوية الرابطة الإسلامية ثم نرى مع هذا أخلاف العرب - حتى المنتسبين إلى الرسول الأعظم ﷺ يزدادون غلوًّا في الشقاق المذهبي والسياسي الذي كان أكبر عيوب سلفها وخلفها، وهو الذي أضعف دولها، وأزال ملكها، واللهِ إن هذا لشيء عُجاب، وعسى أن يزول قريبًا بسعي أُولي الألباب.
стр. 253
***
اقتراح مناظرة في الخلاف بين أهل السنة والشيعة:
(جاءنا الكتاب الآتي من حضرة صاحب الإمضاء، أحد علماء الشيعة الإمامية الأعلام ننشره بنصه وحروفه وننشر بعده جوابنا له وقد سبق هو إلى نشرها في بعض الصحف) :
بسم الله تعالى، بأزكى التحية وأفضل السلام أحيي مقام ذلك الإمام السيد الرشيد آل رضا، ألهمه الله قول السداد، وسلك به سبيل الهدى والرشاد، أما بعد: فإني أحمد إليك الله سبحانه الذي عرَّفنا أولياءه وأهل محبته، وهدانا إلى ما سنَّه من شريعته ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (الأعراف: ٤٣) وأسأله أن يوفقنا جميعًا لنصرة الحق وإرشاد الضال، وإحياء السنة وإماتة البدعة، فإنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم إني رأيتك قد أرهفت يراعتك ونثلت كنانتك منتصبًا في وجه الشيعة زاعمًا أنهم قد نشطوا في هذه الأيام لدعاية الرفض والبدع، والصد عن السنة وأعلامها، فإن يكن ذلك منك حمية للحق
стр. 254
وغيرة على الإسلام (والسرائر لا يعلمها غيره سبحانه) فحَقِّقْ دَعْواك - إن رأيت - بأن تفتح لنا بابًا في مجلتك الغراء نذكر فيه المسائل الهامة التي وقع الخلاف فيها بين الطائفتين، ونحقق الحق في ذلك متبعين البرهان، غير متحيزين إلى فئة، ملتزمين آداب المناظرة، وايم الحق، لئن فعلت ذلك إنها لأعظم حماية للدين، وأعْوَد نفعًا على المسلمين، وأكون لك بلسان أهل الحق من الشاكرين، فأرجوك؛ وظني بك ستحقق رجائي، ولك عهد الله سبحانه أن لا أذكر في مناظرتي كلمة أقصد بها جرح عاطفتك، والغض من كرامتك، وأحتمل لك كل قول، وبذلك يظهر فساد ما ليس من الدين مما يعتقد صحته الكثير من الطائفتين، وتنال لقب المصلح، ويكون لمجلتك شأن، وإنني بانتظار الجواب وإلا فسندرج صورته في مجلة العرفان الغراء وغيرها.
... ... ... ... ... ... ... ... صاحب الكلمات
... ... ... ... ... ... ... ... عبد الحسين نور الدين
***
стр. 255
جواب صاحب المنار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد رشيد رضا إلى الأستاذ الكبير، والعلامة الشهير، السيد عبد الحسين نور الدين، هدانا الله وإياه الصراط المستقيم، آمين. .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد أُلقي إليَّ كتاب منك أنكرت فيه عليَّ ما كتبته أخيرًا في دعاية الشيعة، وما هو إلا ردي على كتاب السيد عبد المحسن العاملي فيما طعن به عليَّ أقبح الطعن الديني والشخصي بالتبع لطعنه على الوهابية، وعلى شيخ الإسلام ابن تيمية، بما تضمن الطعن على سلف الأمة الصالح في عقيدتهم، ثم انتقادي ما كتبتَه أنت في الجزء الأول من كلماتك في موضوع غزوة حُنين، وقد عبرت عن ذلك تعبيرًا منتقدًا أغضي عنه، وأخص بجوابي ما دعوتني إليه من فتح باب في المنار للمناظرة (في المسائل الهامة التي وقع فيها الخلاف بين الطائفتين) لتحقيق الحق فيها بالبرهان (غير متحيزين إلى فئة، ملتزمين آداب المناظرة..) إلخ.
стр. 256
فأقول: لبيك لبيك، لقد دعوتني إلى ما كنت أتمنى مثله، فإنني ما كتبت ولن أكتب في هذه المسألة ولا في غيرها إلا ما أعتقد حقيته، وأقصد به النصيحة لله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين، وهو ما أرشدنا إليه الله ورسوله ﷺ بقدر ما يصل إليه علمي ورأيي، فإنني لا أنتحل مذهبًا من مذاهب الفرق الإسلامية أتعصب له، ولا أقلد عالمًا من أئمتها أتقيد برأيه واجتهاده، فأخشى أن يظهر بالمناظرة بطلان قوله، بل طالما ذكرت في المنار ما هو منتقد عندي من المذاهب الشهيرة، وليس للمنار أدنى مساعدة مالية ولا معنوية من طائفة من الطوائف، ولا أهل مذهب من المذاهب، ولا من فرد من الأفراد، فأخشى على نفسي أن تتبع الهوى في الانتصار لمذهبهم أو شخوصهم من حيث أدري ولا أدري.
فإن كنت تعاهد الله كما أعاهده على ما نقلته عنك آنفًا فهلم.
ولا أحفل بما قلت قبله ولا بعده من الأمور التي أملاها عليك سوء الظن بي من ترغيب وترهيب، وشك مريب.
ولما كانت مسائل الخلاف كثيرة، وكان الباب الذي نفتحه
стр. 257
لها مع بقاء سائر أبواب المنار مفتَّحة - ولا سيما التفسير والفتاوى والشؤون الإسلامية العصرية - لا يتسع لدخول هذه المسائل كلها فيه إلا في سنين كثيرة، وجب أن نقتصر على المسائل المهمة، وأن نلتزم فيها الاختصار غير المخل بالغرض، وأن تكون وجهتنا جمع الكلمة، والتأليف بقدر الطاقة، على المنهج الذي شرحته في الجزء الرابع من (منار) هذه السنة.
فعسى أن تكتب إليَّ برأيك في هذا، تمهيدًا للشروع في هذا العمل. وأسأله تعالى أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه من جمع كلمة المسلمين على كتابه وسنة رسوله ﷺ ونبذ البدع، ثم على مصالحهم الدنيوية العامة، والسلام.
١٤ رمضان سنة ١٣٤٩ هـ
стр. 258
***
المناظرة بين أهل السنة والشيعة
قد اطلع قراء المنار في الجزء الثامن (م ٣١) على الكتاب الذي نشرناه للعلامة السيد عبد الحسين شرف الدين من أشهر علماء الشيعة الإمامية في هذا العصر الذي يطلب المناظرة، وعلى إجابتنا إياه إلى طلبه وما اشترطناه فيها، وقد جاءنا بعد ذلك الرسالة الآتية منه، فإذا هو لم يلتزم فيها الشروط، فكان لنا أن نطلب منه حذف ما ليس من الموضوع الذي حددناه، وإن كان يمت إليه بنوع من أنواع القرابة أو المناسبة، وإذا به يظن فِيَّ الظنون، ويفتح له بابًا من النقد يقبله الكثيرون، وإنني أنشر له هذه الرسالة على كون أكثرها خارجًا من دائرة الموضوع، ومنتقدة من عدة وجوه، وإعلانًا عن كتابه بالإحالة عليه وبيان موضع بيعه ورخص ثمنه؛ ولكنني أعلق عليها تعليقًا وجيزًا أعود فيه إلى تحديد موضوع المناظرة، ولا أقبل بعده كلمة تخرج عن حدودها، وهذا نص رسالته:
стр. 259
الرسالة الأولى: للعلامة السيد عبد الحسين شرف الدين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لقد جرت مناظرة بيننا وبين الأستاذ العلامة الإمام حضرة صاحب مجلة المنار الغراء، ونال كل منا صاحبه بما جرحه، فرأينا أن ذلك يحول دون الغرض الذي يؤمه أهل الدين والعقل من إحقاق الحق وجعله الضالة المنشودة لهم، فكتبت إليه راجيًا منه فتح باب في المجلة تذكر فيه المسائل الهامة بين الطائفتين ورأي كل منهما ودليله.
فحقق رجائي وكان عند حسن ظني وأتحفني بكتاب ملأه حنانًا وغيرة على الدين وأهله، ولا عجب إذا جاء الشيء على أصله وخرج الجوهر من معدنه.
وأرجو ببركة هذه المجلة ونية صاحبها أن نقف على فوائد جمة ونهتدي إلى كثير مما خفي علينا علمه ومعرفته، فنحن بلسان أهل الحق والفضل نشكره شكرًا جزيلاً.
стр. 260
ودع عنك قول بعضهم: دعوا البحث فيما يتعلق بالدين والمذهب وهلم إلى التعاون على توحيد الكلمة وجمع الأمر قبالة المستعمرين.
فإن ذلك لغو من القول، وخطل من الرأي، وكأنها مقالة من لا يرى الإسلام دينًا، ولا يرى أن هناك حياة أخرى خالدة غير هذه الحياة؛ وإنما يرى الإسلام رابطة قومية وجامعة سياسية، فهو يدعو إليها ويحض عليها.
وهذه الدعوى لا تجدي نفعًا عند من يرى الإسلام دينًا ويتقرب إلى الله سبحانه بنصرته ومعاداة من يمسه بسوء.
فالدواء الناجع إذًا لتوحيد كلمة المسلمين وضمهم تحت راية لواء واحد هو سعي عقلاء العلماء - أي علماء الدين - من كلتا الطائفتين إلى محل الخلاف وفحصه وإزالته بالبرهان، وإصغاء كل منهما لحجة الآخر، وتحكيم أهل الفضل والإنصاف، ولا ينبغي وضع هذا العبء على كاهل العلماء فحسب.
بل على العقلاء ممن يهمهم أمر المسلمين القيام مع العلماء مراقبين سيرهم في المناظرة؛ فإن الحق لا يخفى على طالبه، وإنني
стр. 261
لا أنكر أن يكون في علماء الطائفتين من تهمه نفسه، ولا يميل إلى الاتفاق لما اعتاده من التعصب الأعمى، فعلى العقلاء من كلتا الطائفتين رفض أولئك والتنبه لهم.
وليت شعري كيف يمكن الاتفاق بين هاتين الطائفتين قبل دفع سبب الخلاف.
إن الشيعة من المسلمين يرون أن من أرسى قواعد الإسلام وأقوى دعائمه موالاة أهل البيت والاهتداء بهديهم والعمل برأيهم وحديثهم، وأن المنحرف عنهم، النابذ لحديثهم، المهتدي بخلاف هديهم غير متبع سبيل المؤمنين، ويرون أن أبناء السنة من المسلمين منحرفون عنهم بنبذهم علمهم وحديثهم وإعراضهم عن مذهبهم فهم على غير سبيل المؤمنين. (١)
وإن المسلمين من أهل السنة يرون أن أرسى قواعد الإسلام وأوثق عراه موالاة أصحاب رسول الله جميعهم والعمل بكل ما حدَّثوا به؛ لأنهم حملة الدين وحفظة الوحي ومبلغوه إلى الأمم، فالمنحرف عنهم التارك لحديثهم غير متبع سبيل المؤمنين، ويرون أن الشيعة
стр. 262
منحرفون عن أصحاب رسول الله ﷺ لتركهم حديثهم وانقطاعهم إلى أهل البيت، فهُم على غير سبيل المؤمنين.
فعلى هذا كيف يشترك المتمسكون بالدين منهما بالعمل بإخلاص ونصح ما لم يقع التفاهم بينهم؟
فلو أن شخصين متعاديين سارا في طريق واحدة لم يُجْدِهما نفعًا إظهارهما المجاملة، وقول كل واحد منهما لصاحبه: دع العداء بيننا جانبًا، وهلم فنلكن يدًا واحدة على من سوانا!
فإن ذلك غير مستطاع لهما، واعتمادهما في التعاون على ما أظهراه من المجاملة والاتفاق غرورٌ وأمانٍ باطلة، فلو ظفر بهما عدو لهما على هذا الحال، ثم استعان بكل واحد منهما على صاحبه لأعانه.
فعلى هذين الرفيقين أن يقتلعا سبب العداء من عروقه، ويعترف كل واحد منهما لصاحبه بما جناه ويعطيه بيده ليأخذ بحقه حتى يرضى، وعندها تذهب الشحناء، ويحل محلها الود والإخاء.
أما أنا فهذه يدي رهن بما أقوله معطاة لمن يريدها وما توفيقي إلا بالله.
стр. 263
عِلْمُ علي وعمر ﵄ بالدين والقضاء
ذكرت مجلة الشبان مقالاً، وهو أن عمر كان أعلم الصحابة بالدين وأفقههم فيه (١) ، وردته مجلة العرفان بقولها: إن هذا منافٍ لقول النبي ﷺ : (أقضاكم علي) وقوله: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ولقول عمر: (لولا علي لهلك عمر، ولا بقيت القضية ليس لها أبو الحسن) .
وحاصل الرد أن ما روي عنه ﷺ من الحديثين غير صالح للاستدلال به لعدم صحة ما روي، وعلى فرض صحته لا دلالة فيه على المطلوب؛ إذ كون علي أقضى لا يمنع أن يكون عمر أعلم؛ لأن القضاء - أعني فصل الخصومة - لا يحتاج إلى كثير علم (٢) ؛ وإنما يحتاج إلى ذكاء وفطنة، فبين الأعلم والأقضى عموم وخصوص من وجه.
стр. 264
وكذلك جعل علي ﵇ باب مدينة العلم لا يوجب الحصر؛ لجواز أن يكون للمدينة أبواب كثيرة منها علي ﵇، ومنها عمر ﵁ ومنها غيرهما، وكذلك قول عمر إنما جاء على نحو التواضع.
ثم أطال البحث في أحوال الرواة لهذين الحديثين وتضعيفهما.
أقول: ما أحسن المناظرة إذا كانت بآدابها، وصحت نية أربابها، وكان الحق ضالتهم، والبرهان قائدهم.
ولنغضي عما في هذا الجزء من الشتم والتجهيل كما تضمنته رسالة ابن تيمية، ومقالة الأستاذ التي عنوانها (السنة والشيعة وضرورة اتفاقهما) فإنها كتبت قبل الصلح والمسالمة.
وقبل الخوض في البحث نقدم بيانًا يعلم منه مناظرنا كيف يسير معنا في المناظرة:
رأي الشيعة في الخلافة:
إن المسلمين من الشيعة يرون أن الخلافة أصل من أصول الدين كالنبوة، وأن نصب الخليفة واجب على الله عقلاً من باب اللطف كوجوب إرسال الرسول (١)
، ويرون أن الخليفة لا بد أن يكون أكمل أهل زمانه في جميع فنون الفضل كالنبي، وإن امتاز النبي ﷺ
стр. 265
عندهم بأمور كثيرة (١) ، ويرون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ هو علي أمير المؤمنين ﵇ فهو أفضل أهل زمانه.
رأي السنة في الخلافة:
إن المسلمين من السنة لا يرون الخليفة بهذه العظمة، فهي عندهم فرع من فروع الدين (٢)
، فيجب على المسلمين أن يختاروا من بينهم خليفة ولا يشترطون امتيازه عن غيره في الفضل والصلاح، ولعل أكثرهم لا يشترط فيه الصلاح والعدالة.
فإذا عرفت ذلك ظهر لك أن الشيعة حين ينكرون أن يكون أحد من الصحابة أفضل من علي ﵇ أو مساويًا له إنما هو لمنافاته لأصل الدين (٣) وقاعدة المذهب عندهم، وقد فرغوا من إثباته بالحجج القاطعة والبراهين العقلية والنقلية، وألَّفوا في ذلك الكتب المطولة، فمن يجهل رأيهم في الخلافة ولم يطالع ما كتبوه في ذلك مع وفوره وقرب مناله، يظن أن ذلك منهم غلو في علي وانحراف عن غيره، وليس كذلك.
إن العالِم الشيعي ينظر إلى التفاضل بين علي ﵇ وعمر
стр. 266
رضي الله عنه كأهم مسألة دينية، والعالم السني ينظر إلى التفاضل بينهما كمسألة تاريخية، وحيث كان البحث في التفاضل من الوجهة الدينية يحتاج إلى البحث في أصل الإمامة (١) ، وهي مسألة ضافية الذيل، فسيحة الأرجاء لا تسعها هذه العجالة - فلنبحث الآن عنها من الوجهة التاريخية، ونعرض ما عندنا في ذلك على أهل الفضل والإنصاف.
إنني وأيم الحق لم يكن يختلج في صدري أن أحدًا من أهل الفضل يقدم أحدًا من الصحابة على علي ﵇ في العلم أو يساويه فيه، وكنت أرى أن هاتين الصفتين - أعني الشجاعة والعلم - قد كملتا فيه وامتاز بهما عند أوليائه وأعدائه، وأن صفة العلم فيه أظهر من صفة الشجاعة لسبقه فيها سبقًا بعيدًا.
هذا كتابه قرآن العارفين (٢) وفرقان السالكين تتجلى آياته وتتلألأ أسراره، وما أخال حضرة الأستاذ يرتاب فيه كغيره بعدما أورده أستاذه - ذلك الحبر الكبير النمير - العذب من مشاربه ، وأوقفه على تلك الإلهيات عن عجائبه.
إننا لعمر الحق أبعد المسلمين عن العصبية وأقربهم
стр. 267
للاتفاق، وأحبهم للإنصاف، وما الحيلة في ترك ولاء هذا الرجل - أعني أمير المؤمنين عليًّا - وقد تجلى لنا تقدمه في الفضل على كافة أصحاب رسول الله ﷺ وسبقه لهم فيه سبقًا بعيدًا، وإننا لنعجب لبعض العلماء من إخواننا السنيين كيف لا ينصفوننا في علي ﵇ ولا يرون رأينا فيه، وما لنا لا نعجب، وإنما هذا الفضل له أخذناه منهم، ورويناه عنهم. (١)
فمن عدم إنصافهم ما ذكره هذا البعض من أن عمر أعلم الصحابة ومنهم علي ﵇، وهنا موقف الحيرة، فإن سكتنا كان ذلك إقرارًا منا بالخطأ وفساد المذهب، وإن أوضحنا الحق في المسألة ونصرنا رأينا قامت القيامة علينا ورُمينا بالرفض والغلو والتعصب على أكابر الصحابة.
لكننا نؤثر إحقاق الحق ونحتمل في سبيله كل مكروه، ولعلنا لا نعدم من أهل الفضل والإنصاف أنصارًا ومحكِّمين.
اعلم أيها الأخ المنصف أن لنا على تفضيل علي على عمر ﵁ وعلى كافة الصحابة ﵃ براهين قاطعة من طريق العقل ومن
стр. 268
طريق الرواية.
أما من طريق العقل فيحتاج ذلك إلى معرفة الزمان الذي تلقيا فيه ذانك التلميذان العظيمان - أعني عليًّا ﵇ وعمر ﵁ العلم عن معلمهما أعني رسول الله ﷺ ومقداره، ومنزلة كل واحد منهما من الفطنة والذكاء، وعندها تصدر الحكم غير مرتاب:
زمن إسلام عمر ﵁:
أسلم عمر ﵁ في السنة السادسة من بعثته ﷺ وعمره ست وعشرون سنة، فعليه يكون قد قطع مرحلة من عمره في غير طلب العلم لا يُستهان بها، فإذا أضفت إليها ثلاث سنوات لم يلق عمر فيها رسول الله ﷺ إلا نادرًا، وذلك عند حصار قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب في شعب أبي طالب ﵁، تراه قد خسر أكثر رأس ماله الذي يتجر به الإنسان في كسب العلوم والمعارف وذلك ظاهر.
لأن الزمان الذي يستفيد منه المرء ويتعلم به هو زمان الصبا
стр. 269
والشبيبة، وبها تكون القوة الذاكرة والحافظة في منتهى النمو والنشاط والاستعداد لتلقي العلوم والمعارف.
وما سمعنا بمن طلب العلم عند بلوغ هذا السن - أعني تسعًا وعشرين سنة - وبرع فيه، وإن كان ثمة أحد فهو من شواذ الطبيعة، ومنكر ذلك مكابر وحائد عن طريق الإنصاف.
خصوصًا في الصدر الأول أعني زمن رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، فقد كان الاعتماد على الحفظ والذاكرة، ولم تكن يومئذ المعلومات تُدوَّن ليؤمَن تفلتها وضياعها، فكان أعلمهم أكثرهم حفظًا وأقواهم ذاكرة، ولولا حرص التابعين على حفظ الحديث وتدوينه لما وصل إلينا من علمهم شيء.
ولقد كنت زمن شبيبتي أتعجب من كل من يقول: نسيت، فإني لم أكن لأنسى شيئًا سمعته أو قرأته، وبعد بلوغي الثلاثين انقلب الأمر وأصبحت أعجب ممن يحفظ ولا ينسى، ولم يبق في ذاكرتي غير ما استُودع بها زمن الصبا والشبيبة، وما شكوت هذا الداء لأحد من أبناء جيلي إلا وشكا لي نفس ذلك الداء الذي أشتكيه.
стр. 270
ويؤيد ذلك ما روي في سيرة عمر ﵁ أنه لبث في حفظ سورة البقرة وتعلمها اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورًا (١) .
ولم يكن عمر ﵁ يُعرف بالصحبة لرسول الله ﷺ والاتصال به قبل إسلامه ليستفيد من علومه.
زمن تعلم علي ﵇:
لا يرتاب أحد ممن راجع أحوال الصحابة وقرأ تاريخ حياتهم في أن رسول الله ﷺ ضم عليًّا إليه وأخذه من أبيه وهو ابن
стр. 271
أربع سنوات. (١)
وهذا هو أول الزمن الذي يتأهل الغلام فيه لتعلم مبادئ العلوم وتلقي بذور الأخلاق الطيبة والطباع الفاضلة، ويا ما أسعد ذلك الغلام الذي يظفر بمثل ذلك المعلم في مثل ذلك الزمان، وينقطع
стр. 272
إليه عن أبيه وأمه وإخوته وكل أبناء جيله، ثم لا يفارقه مدة حياته بخ بخ لهذا الغلام.
ومن يستطيع تحديد ما استفاده ووعاه قلبه وطبعت عليه نفسه من العلوم والأخلاق؟
وقف القلم ههنا بعد نخوته معترفًا بالعجز عن هذه المهمة من التحديد، فأين ربانيو هذه الأمة والراسخون في العلم منهم عن تحديدها وبيان مقدارها؟
مِل بنا نحو تلك الخلوات التي كان يكون بها مع معلمه ﷺ قبل بعثته.
كان رسول الله ﷺ قبل بعثته قد تيمه الوجد وأورثه ذلك وحشة من الناس وأنسًا بالخلوات والانقطاع عن هذا الخلق المتعوس المتردد في دياميم الجهل والشقاء، النائي عن الخير والسعادة، فكان يجاور في كل سنة بحراء ومعه هذا الغلام الشهرين والثلاثة، يريض تلك النفس الزكية ويؤهلها لوصل ذلك الحبيب الذي هام به.
وكان علي ﵇ يهيم بذلك الحبيب كهيام معلمه،
стр. 273
ويشاركه في خلواته به وأنسه بقربه وتلقي فيوضاته وألطافه لا ثالث لهما. (١)
فأين الأصحاب ﵃ عن تلك المراتب السامية من هذه المكاشفات والمشاهدات لخالقهما التي كانت تتجلى في قلبيهما وتتلألأ على (طور سينا نفسيهما) ولا نعجب بعدها من أمر هذا الغلام كيف فارق أهله وإخوته وأترابه وانقطع إلى معلمه ولم تمل به الحداثة إلى الأخذ بنصيبه من اللعب واللهو وهو منتهى لذة الأحداث وقصارى رغبتهم.
فلقد ملئ قلبه بحب خالقه ولم يبق فيه فراغ لسواه، فسبحان واهب العطاء يختص بكرامته من يشاء، أتظن رعاك الله أن ساعة من الزمن كانت تمر على هذا التلميذ بغير فائدة من ذلك المعلم الحريص (٢) على التعليم.
فلو ادَّعى مدعٍ كهذا التلميذ بعد وفاة معلمه أنه وارث علمه،
стр. 274
أتكون دعوى غلو ومجازفة أم دعوى حق وإنصاف؟
وقد تبين مما ذكرنا أن عليًّا ﵇ تعلم العلم من رسول الله ﷺ زمن الصبا والشبيبة بخلاف عمر ﵁، وأن عمر ابتدأ بالتعلم من رسول الله ﷺ مع علي بعد أن سبقه وتعلم قبله بخمس عشرة سنة على أقل ما روي من عمره يوم بعثته وهو عشر سنين، وأما على ما روي من أن عمره يوم البعثة كان خمس عشرة (١) سنة فيكون قد سبقه بعشرين سنة، فما يقال لهذا التلميذ الذي دخل المدرسة وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسع وعشرين سنة، ولم يكن (٢)
معروفًا بحدة الذهن وتوقد
стр. 275
القريحة، ثم صحب تلميذًا شابًّا قد تعلم قبله
بخمس عشرة سنة وداما يتعلمان مدة حياة معلمهما، فهل يجوز في أحكام العقول عند أهل الفضل والإنصاف أن يلحق الكهل بذلك الشاب ويفوقه بالعلم والمعرفة، خصوصًا إذا كان الشاب أقوى فطنة وأكثر ملازمة وانقطاعًا إلى المعلم؟ كلا ثم كلا،
стр. 276
وهذا لعمري من البديهيات الأولية.
واعلم - رعاك الله أيها الأخ المنصف - أننا هنا لا نعتمد في تفضيل علي ﵇ على كافة الصحابة ﵃ إلا على أمثال هذه البراهين القاطعة والأمور المحسوسة، التي سجلها التاريخ وأوضحها البحث والتنقيب والتدبر، أما الأحاديث التي وردت في فضله ﵇ فإنما تذكر تأييدًا واستظهارًا قبالة الخصم، وهذه طريقتنا في الأصحاب رضوان الله عليهم، لا نعتمد في فضلهم وصلاحهم على ما روي فيهم حتى نرى ما دُوِّن لهم في التاريخ من الأعمال، فإن كان ثمة عمل يؤيد ما روي فيهم آمنا وصدقنا، وإلا اتَّهَمْنا الراوي ولم نؤمن بحديثه.
ولسنا بحمد الله ممن يبخس الناس أشياءهم، بل نعطي كل ذي حق حقه، وننعت المرء بما هو فيه، إن لعمر بن الخطاب ﵁ وجهة كان يؤمها، وغاية كان يسعى إليها هي من أشرف الغايات وأعلى المقاصد. (١)
ألا وهي إعزاز الإسلام وإظهار أبهته وعظمته وتفخيم سلطانه،
стр. 277
فمن ذلك يوم أسلم قال: (لا يُعبد الله بعد اليوم سرًّا) فكان المسلمون بعدها يصلون ظاهرين.
ومنها: أنه أشار بأن يتخذ لرسول الله ﷺ مكانًا يمتاز به عن أصحابه ليعرفه الغريب والوافد، ولا يحتاج إلى أن يسأل عنه؛ فإن في السؤال عن العظيم ما لا يخفى.
ومنها: أنه أشار بأن تحجب نساؤه ﷺ ليكون لها الميزة عن سائر النساء، ولقد قال لبعض نساء رسول الله ﷺ ، وقد رأى شخصها في ملأ من الناس: (لو أُطَعْتُ فيكن ما رأتكن عين) .
ومنها: أنه أشار بقتل الأسرى يوم بدر حتى لا تقوم لقريش بعدها قائمة؛ فإن الأسرى كانوا هم الرؤساء والقادة، وكان يسأل رسول الله ﷺ أن يأذن له بقتل كل من يداهن في دين الله، وكان شديد الحرص على قتل أبي سفيان لما رآه من شدة كيده للإسلام، وكان يوم الحديبية شديد الإنكار للصلح قال: يا رسول الله، ألسنا بالمؤمنين؟ فقال: نعم، فقال: أليسوا بالمشركين؟ فقال: نعم، فقال: كيف نعطي الدنية في ديننا؟ حتى سكَّن أبو بكر من
стр. 278
هيجانه فقال له: (والله إنه لرسول الله) فقال عمر: وأنا أعلم والله أنه لرسول الله، فقال له: إذن فالزم غرزه.
وهذه الأعمال ما نشأت إلا عن نية صالحة، وحرص شديد على إعزاز الإسلام وتشييد سلطانه، ولو أردنا ذكر الأعمال التي قام بها أيام خلافة أبي بكر ﵁ وأيام خلافته التي أعزت الإسلام وأرست قواعده ونشرت على البسيطة أعلامه، وطبقتها بسلطانه - لضاقت عنها بطون الصحف واستغرقت زمنًا طويلاً، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيرًا.
النبطية (سوريا) ... ... صاحب الكلمات ... ... ... ...
... ... ... ... ... ... عبد الحسين نور الدين الحسيني
(المنار)
يؤخذ من هذه الرسالة الفصيحة الصريحة المجردة من لباس الرياء والتقية أن كاتبها يعتقد ما يأتي:
١- أن توحيد كلمة المسلمين واتفاقهم على الدفاع عن دينهم المشترك وعن أنفسهم، وعلى حقوقهم السياسية والوطنية وغيرها - يتوقف على زوال الخلاف المذهبي بين أهل السنة والشيعة،
стр. 279
برجوع أحدهما إلى مذهب الآخر الذي هو سبيل المؤمنين عنده، ومن لم يتبعه يكون غير متبع لسبيل المؤمنين، وأنه يجب على الآخر حينئذ عداوته في الدين، وعدم الاتفاق معه على شيء ولو كان دفع عدو لهما كليهما، بل إن شأنهما أن يعين كل منهما عدو الآخر عليه، وكذا عدوهما كليهما، أي أن مظاهرة عدو الدين والوطن والاتفاق معه، أولى من مظاهرة عدو المذهب والاتفاق معه.
٢- أن الوسيلة الموصلة إلى هذه هي سعي علماء الدين من الفريقين إلى إزالة أسباب هذا الخلاف بالبرهان، وإصغاء كل منهما إلى حجة الآخر في المناظرة، وتحكيم أهل الفضل والإنصاف بينهما فيما لا يتناصفان فيه.
فأنا قبل الدخول في هذه المناظرة، أقول: إن أهل السنة ينكرون توقف الاتفاق على ما ذكر، وإن العقلاء من جميع الأمم ينكرون إفضاء المناظرات الدينية والمذهبية إلى رجوع أهل المذهب الذي يغلب عالمه في المناظرة إلى مذهب الغالب كما يعلم
стр. 280
بالاختبار في جميع العالم، ويؤيده فينا أن المناظرات بين الفريقين قد كثرت وتعددت في الأجيال الماضية وفي جيلنا مرارًا لا يحصيها إلا الله تعالى، وقد أُلِّف فيها كتب كثيرة من بسيط ووسيط ووجيز، فلم تزد السواد الأعظم من الفريقين إلا تعصبًا لمذهبه وصدودًا عن مذهب الآخر، فكانت مفرقة لا جامعة ومبعدة لا مقربة؛ وإنما تفيد المناظرات أفرادًا من مستقلي الفكر في طلب الحق، غير المقيدي الفكر والوجدان بالإذعان لمذهب معين لا ينظر إلى غيره إلا بعين العداوة والبحث عما يفنده به ولو بالتأويل والتحريف وترجيح مذهبه عليه بمثل ذلك، وبالأقيسة المؤلفة من الخطابيات والشعريات المبنية على الظني وما دون الظني من الروايات، ووصفها بالبراهين العقلية، كما يراه قارئ هذه الرسالة في تصوير مناظرنا لتلقي علي ﵇ للعلم من النبي ﷺ قبل النبوة وبعدها بأنه كان كتلقي تلاميذ المدارس الفنية الدنيوية للفنون فيها بحفظ المتون والقواعد الرياضية من حساب وهندسة ومساحة وفلك، واللغوية والعقلية
стр. 281
والتشريعية، ثم حكمه بأن السابق إلى هذا التلقي يجب بحكم العقل أن لا يدرك شأوه اللاحق، وفي هذا البحث من الأغلاط الدينية والتاريخية والعقلية والمنطقية والطبيعية ما لا يمكن بسطه وإيضاحه إلا في صفحات كثيرة أو رسالة مستقلة، وسأشير إلى المهم منه بعد.
وإنما غرضي الآن أن أحتج على صحة ما اشترطته عليَّ السيد المقترح للمناظرة من وجوب الاقتصار في المناظرة على مسائل الخلاف الأساسية، وهي ثلاث:
١ - موالاة أهل البيت النبوي، وأهل السنة يوجبون هذه الموالاة بما يفهمونه ويرونه موافقًا لهدي الشريعة.
٢ - موالاة أصحاب الرسول، وأهل السنة يوجبونه على غير الوجه الذي ذكره كما سنبينه.
٣ - الخلافة، فيجب تحرير موضع الخلاف فيها أولاً، وتحديد طريقة الاستدلال عليها ثانيًا، والاتفاق على طريقة التحكيم في الخلاف والمحكمين ثالثًا.
بيد أنني أحب أن أعلم قبل هذا هل يوافق كبار علماء
стр. 282
الشيعة في سورية والعراق والهند وإيران مناظري الفاضل على قوله: إنه لا يمكن الاتفاق بين أهل السنة والشيعة على شيء من المصالح الإسلامية السياسية والوطنية والأدبية المشتركة المنفعة إلا إذا اتفقا قبل ذلك على رجوع أحدهما إلى مذهب الآخر فيما اختلفا فيه من المسائل الأساسية، وإلا كان دين كل منهما يقضي عليه بعداوة الآخر على الوجه الذي قاله هذا العلامة الشجاع منهم والتعليل الذي علله به؟!
إن هذا رأي لم نسمعه من غيره؛ ولكن سيرة الشيعة وتاريخها قد يؤيده ويدل عليه، وإنه لأصرح رجل عرفته فيهم؛ ولذلك كبرت منزلته في نفسي على ما أعتقد من خطئه وأغلاطه، وإن ما قرأته من كتابه (الكلمة الأولى) يدل على أنه رجل شعور ووجدان، لا رجل تجربة وبرهان، ولولا ذلك لم يعقد أوكد الأيمان، أنه لولا علي بن أبي طالب ﵇، لقُتل رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، ولما بقي في الأرض إسلام، ثم إنه يسمي في رسالته هذه كتاب " نهج البلاغة " بالقرآن والفرقان، ويقول
стр. 283
ما يراه القراء في شرط الاتفاق وزوال الشنآن.
فأقترح على مناظري العلامة، وعلى زميلي الأستاذ صاحب مجلة العرفان أن يأخذا لي تصريحًا من علماء الشيعة المشهورين في جبل عامل وغيره من سورية والعراق في رسالة السيد عبد الحسين ولا سيما شرطه هذا، بل أكتفي برأي علماء جبل عامل وحدهم في ذلك، ونشر ذلك عنهم في مجلتي المنار والعرفان، وسأرد في الجزء الآتي على هذه الرسالة على كل حال.
стр. 284
المناظرة بين أهل السنة والشيعة
تمهيد وتصحيح غلط:
نشرنا في الجزء الأول الماضي الرسالة الأولى لمقترح المناظرة الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين العاملي بنصها على ما فيه وإمضائه؛ ولكن سبق القلم في عنوانها فذكرنا أن لقبه شرف الدين، وهذا لقب لعالم آخر من العامليين يوافقه في اسمه، وهو أشهر عندنا وعند غيرنا بالذكر والعلم والرأي، فهو لا يكتب ما كتبه نور الدين.
ومثل هذا الغلط في الأسماء من سبق القلم لذكر الرجل الأشهر ما ذكرناه في ذلك من الجزء من تعازي كبراء المصريين وزعمائهم لنا عند وفاة والدتنا رحمها الله تعالى فقد ذكرنا منهم حسن باشا عبد الرازق وإخوته وإنما عنينا نجله محمود باشا وكيل حزب الأحرار الدستوريين، وكان له أخ آخر اسمه حسن باشا كاسم والده قُتل اغتيالاً سياسيًّا رحمهما الله تعالى، وسبب هذا الغلط أن اسم حسن باشا عبد الرازق الكبير منقوش في ذهننا من عهد والدهم الجليل وطول عشرتنا له مع شيخنا الأستاذ الإمام، وذكر اسمه في تاريخه والمنار مرارًا. (١)
مطالبة علماء الشيعة برأيهم في دعوى المناظرة:
نشرت رسالة مقترح المناظرة بنصها، وقلت فيما علقته عليها: إنه لم يلتزم فيها الشرط الذي اشترطته عليه فيها، وإنني أحب أن أعلم قبل الشروع في المناظرة هل يوافقه كبار علماء الشيعة في سورية والعراق والهند وإيران على قوله: إنه لا يمكن الاتفاق بين أهل السنة والشيعة على شيء من المصالح الإسلامية،
стр. 285
إلا بالشرط الذي اشترطه وهو رجوع أحدهما إلى مذهب الآخر للسبب الذي ذكره؟ ثم اقترحت عليه وعلى زميلي الأستاذ الفاضل صاحب مجلة العرفان أن يأخذا لي تصريحًا من علماء الشيعة المشهورين في المسألة (راجع ص ٧٢ ج ١) .
مرت على هذا الاقتراح ثلاثة أشهر لم يصدر فيها المنار للأسباب المبينة في أول هذا الجزء، ولم يَرِدْ لنا من حضرة مناظرنا ولا من غيره من علماء الشيعة شيء، إلا أن زميلنا الأستاذ صاحب مجلة العرفان ذكر في كتاب تعزيته لنا عن والدتنا إنكارًا على السيد عبد الحسين نور الدين في ذلك، وأنه سينشر هذا الإنكار في مجلته المحجوبة الآن عند عودتها إلى الظهور.
ورسالة من سائح فاضل باسم (نظرة ... ) ننشرها في هذا الفصل.
ثم إنني لما دعيت إلى المؤتمر الإسلامي العام الذي عقد في القدس وعلمت أن ممن أجابوا الدعوة إلى حضوره الأستاذ العلامة الكبير الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء الشهير أكبر مجتهدي النجف (١)
الذي هو أزهر إخواننا الشيعة - سررت جد