الكلمة الثالثة
(تفنيد مراء الروافض ، وتحريفهم وتبديلهم لهذه المناقب) :
قال الفخر الرازي بعد تفسير الآية واستنباط ما فيها من المناقب بدون ما ألهمنا الله تعالى إياه ما نصه: ((واعلم أن الروافض احتجوا بهذه الآية وبهذه الواقعة على الطعن في أبي بكر من وجوه ضعيفة حقيرة جارية مجرى إخفاء الشمس بكف من الطين:
(فالأول) : قالوا: أنه قال لأبي بكر ﴿لا تحزن﴾ فذلك الحزن إن كان حقًا فكيف نهى الرسول ﵊ عنه، وإن كان خطأ لزم أن يكون أبو بكر مذنبًا وعاصيًا في ذلك الحزن؟!
(والثاني) : قالوا: يحتمل أن يقال: إنه استخلصه لنفسه لأنه كان يخاف منه أنه لو تركه في مكة أن يدل الكفار عليه وأن يوقفهم على أسراره ومعانيه، فأخذه معه دفعًا لهذا الشر.
(والثالث) : أنه وإن دلت هذه الحالة على فضل أبي بكر إلا أنه أمر عليًا بأن يضطجع على فراشه، ومعلوم أن الاضطجاع على فراش رسول الله ﷺ في
стр. 212
مثل تلك الليلة الظلماء مع كون الكفار قاصدين قتل رسول الله تعريض النفس للفداء، فهذا العمل من علي أعلى وأعظم من كون أبي بكر صاحبًا للرسول. (١)
فهذه جملة ما ذكروه في هذا الباب)) . (٢)
هذا ما نقله الرازي بحروفه وقال: إنه ((أخس من شبهات السوفسطائية)) ، ورد عليه.
وذكر في رده ردًا آخر لأبي علي الجبائي إمام المعتزلة في عصره في القرن الثالث (توفي سنة ٣٠٣) فدل هذا على قدم هذا الجهلِ والسخفِ في القوم.
وقد بسط ذلك الشهاب الألوسي في تفسيره [١٠ / ١٠٠ ط: التراث] نقلا عنهم وكان كثير الاحتكاك بعلمائهم في بغداد، فقال ما نصه:
((وأنكر الرافضة دلالة الآية على شيء من الفضل في حق الصديق ﵁.
قالوا: إن الدال على الفضل إن كان ﴿ثاني اثنين﴾ فليس فيه أكثر من كون أبي بكر متمما للعدد.
وإن كان ﴿إذ هما في الغار﴾ فلا يدل على أكثر من اجتماع شخصين في مكان، وكثيرًا ما يجتمع فيه الصالح والطالح.
وإن كان ﴿لصاحبه﴾ فالصحبة تكون بين المؤمن والكافر كما في قوله تعالى ﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت
стр. 213
بالذي خلقك﴾ وقوله سبحانه ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾ و ﴿يا صاحبي السجن﴾ ، بل قد تكون بين من يعقل وغيره، كقوله:
إن الحمار مع الحمار مطية ... ... وإذا خلوت به فبئس الصاحب (١)
وإن كان ﴿لا تحزن﴾ فيقال: لا يخلو إما أن يكون الحزن طاعة أو معصية، لا جائز أن يكون طاعة، وإلا لما نهى عنه ﷺ فتعين أن يكون معصية لمكان النهي، وذلك مُثْبِتٌ خلاف مقصودكم، على أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه.
وإن كان ﴿إن الله معنا﴾ فيحتمل أن يكون المراد إثبات معية الله الخاصة له ﷺ وحده، لكن أتى بـ (ـنا) سدًا لباب الايحاش، ونظير ذلك الإتيان بـ (ـأو) في قوله ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ .
وإن كان ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ فالضمير فيه للنبي ﷺ لئلا يلزم تفكيك الضمائر، وحينئذ يكون في تخصيصه ﷺ بالسكينة هنا مع عدم التخصيص في قوله سبحانه ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ إشارة إلى ضد ما ادعيتموه.
وإن كان
стр. 214
ما دلت عليه الآية من خروجه مع رسول الله ﷺ في ذلك الوقت فهو ﵊ لم يخرجه معه إلا حذرًا من كيده لو بقى مع المشركين بمكة، وفي كون المجهز لهم بشراء الإبل علياً كرم الله تعالى وجهه إشارة لذلك. (١)
وإن كان شيئًا وراء ذلك، فبينوه لنتكلم عليه. انتهى كلامهم)) .
قال الشهاب الآلوسي إثر نقله: ((ولعمري إنه أشبه شيء بهذيان المحموم، أو عربدة السكران، ولولا أن الله سبحانه حكي في كتابه الجليل عن إخوانهم اليهود والنصارى ما هو مثل ذلك ورده رحمة بضعفاء المؤمنين ما كنا نفتح في رده فما، أو نجرى في ميدان تزييفه قلما)) ، ثم رد كل كلمة قالوها ردا علميا أدبيا مفحما.
وما شرحناه في تفسير الآية وما استنبطناه منها بمعونة أحاديث الهجرة من المناقب التي هي نصوص ظاهرة في تفضيل الصديق على جميع الصحابة ﵃ ولعن مبغضيه ومبغضيهم، وما سنزيده على ذلك هنا في إفحامهم يغنينا عن نقل عبارته؛ فإنه أقوى منها في تفنيد هذا التحريف
стр. 215
لكلام الله وكلام رسوله والافتراء المفضوح المعلوم بطلانه بالبداهة.
وإنما أختار من كلام السيد الألوسي قوله في آخره:
((وأيضا إذا انفتح باب هذا الهذيان أمكن للناصبي أن يقول - والعياذ بالله تعالى - في على كرم الله وجهه: إن النبي ﷺ لم يأمره بالبيتوتة على فراشه ليلة هاجر إلا ليقتله المشركون ظنا منهم أنه النبي ﷺ فيستريح منه.
وليس هذا القول بأعجب ولا أبطل من قول الشيعي: إن إخراج الصديق إنما كان حذرًا من شره.
فليتق الله من فتح هذا الباب، المستهجن عند أولى الألباب)) . اهـ
أقول: ومن هذا الباب في سورة التأويل، الذي يقوله من لا يعتقد صحته لمحض التضليل، تأويل معاوية لحديث: ((ويح عمار تقتله الفئة الباغية)) ؛ فإنه لما علم أن فئته قتلته قال: ((إنما قتله من أخرجه)) يعني: عليا كرم الله وجهه. (١)
بل هذا التأويل الباطل أقرب إلى اللغة من تأويل الروافض لخروج الصديق مع النبي ﷺ المذكور آنفاً إن صح أن يسمى تأويلا، وإنما هو تضليل لا تأويل؛ فإن هذه القرية التي افتجرها هؤلاء الفجرة ليس لها شبهة لغوية
стр. 216
لا من ألفاظ الآية ولا من ألفاظ أحاديث الهجرة، بل هي مصادمة للنصوص كلها، ومناقضة لما تواتر وصار معلوما بالضرورة من سيرة النبي ﷺ ونشأة الإسلام من ملازمة الصديق له من أول الإسلام إلى أخر حياته ﷺ بما لا حاجة إلى شرحه، ولا سيما بعد ما بسطناه هنا من أمره.
وأما تأويل معاوية فله شبهة لغوية، وهو إسناد الشيء إلى سببه مجازًا، ومنه إخراج المشركين للنبي ﷺ والمؤمنين من مكة إنما أطلق على سببه، وهو الاضطهاد والإيذاء الذي نالوهم به ولكن لا يحمل اللفظ على المجاز إلا عند وجود المانع من حملة على الحقيقة.
ولما بلغ أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه قوله رد عليه بأنه: يقتضي أن يكون النبي ﷺ هو الذي قتل عمه حمزة وابن عمه جعفر وغيرهما من شهداء بدر أحد وسائر الغزوات؛ لأنه هو الذي أخرجهم إلى القتال.
ثم إن من المعلوم بالبداهة أن من يخاف من وشاية آخر عليه لا يخبره بسره، فكيف أمن النبي ﷺ أبا بكر على سِرِّه، ورضي
стр. 217
أن يعلم بذلك جميع أهل بيته، وأن يتعاهدهما ولده وعتيقه (١) في الغار بالغذاء وبالأنباء كل ليلة، وأن يكون هو الذي يتولى استئجار الدليل الذي يرحل بهما؟
ثم أقول زيادة في فضيحة هؤلاء المحرفين المخرفين:
تفنيد شبهتهم على صحبة الصديق:
(أولا) : إنكم تزعمون أنه لا فضيلة في صحبة الصديق للنبي ﷺ في الغار، ويلزم منه أنه لا فضيلة في صحبته ولا في صحبة سائر المؤمنين له في غير الغار من أزمنة رسالته ﷺ بالأولى؛ إذ تستدلون على ذلك بأن الصحبة تكون بين المؤمن والكافر والبر والفاجر، وبين الإنسان والحيوان أيضا.
فإذا كنتم تلتزمون هذا الاستدلال، فإنه يلزمكم خزيان، لا مفر لكم منهما:
(أحدهما) : أن صحبة الرسول الأعظم ﷺ أعلى الله قدره ورفع ذكره، وصحبة الكافر أو الحمار سواء (وأستغفر الله تعالى من حكاية هذا الجهل، وإن كان حاكي الكفر ليس بكافر) لأن كُلاً منهما تسمى صحبة في اللغة!
والعبرة عندكم بالتسمية دون متعلقها، أي أن
стр. 218
ما أسند إليه الفعل وما وقع عليه وما لابسه لا شأن له عندكم في كونه حقاً أو باطلا، أو فضيلة أو رذيلة.
وما قلتموه في الصحبة يجري مثله في الهجرة، فإنه ثبت في الحديث الصحيح - كما هو ثابت في الواقع - أن الهجرة قد تكون إلى الله ورسوله، وقد تكون لأجل منفعة دنيوية أو امرأة يريد المهاجر أن يتزوجها.
وإذا كان كل منهما يسمى هجرة فالمهاجرون عندكم سواء في أنه لا فضيلة لهم ولا أجر عند الله تعالى، خلافاً لنصوص القرآن.
(ثانيهما) : أن الإيمان بالله تعالى والعبادة الخالصة له لا يعدان عندكم من الفضائل، لأنهما مشتركان في الاسم مع الإيمان بالجبت والطاغوت، وعبادة الشيطان والأوثان، فقد قال الله تعالى ﴿ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ الآية.
وقال ﴿بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾ وقال ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان﴾ وقال ﴿ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم﴾ .
وإذا نحن انتقلنا إلى طبيعة الصحبة، وما فيها من العلم
стр. 219
والحكمة، نقول: إن ما هذى به الروافض من صحبة المؤمن للكافر ونحوها إنما يصح في الصحبة الاتفاقية العارضة، كصحبة يوسف لمن كان معه في السجن، والرجلين الذين ضرب المثل بهما في سورة الكهف، دون صحبة المودة ولا سيما الدائمة.
وذلك أن صحبة المودة الاختيارية لا تكون إلا بين المتشاكلين في الصفات والأفكار كما يدل عليه حديث: ((الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)) رواه أحمد [٢ / ٢٩٥] ، والبخاري [٣٣٣٦] ، ومسلم [٢٦٣٨] وغيرهم.
وقد تعارفت رُوحا النبي ﷺ وأبي بكر من قبل الإسلام فائتلفتا، وزادهما الإسلام تعارفا وائتلافا، حتى إنهما لم يفترقا في وقت من الأوقات، ولا في طور من الأطوار، وقد مهد ﷺ السبيل لاجتماع قبريهما إذ أرشد الأمة إلى دفنه في بيت عائشة الصديقة ﵂، وهو يعلم أنها لابد أن تدفن والدها بجانبه. (١)
وعلماء التربية والأخلاق يعدون الصحبة والمعاشرة ركنا من أركان اقتباس كل من الصاحبين من الآخر، فيحثون على صحبة الأخيار ويحذرون من صحبة الأشرار، قال الشاعر الحكيم:
стр. 220
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
وقال آخر:
وقائل: كيف تفارقتما؟ ... ... فقلت قولاً فيه إنصاف
ولم يك من شكلي ففارقته ... ... والناس أشكال وآلاف
***
تفنيد شبهتهم على منقبة ﴿ثاني اثنين﴾ :
(ثانيا) : أنكم تزعمون أنه لا فضيلة للصديق الأكبر ﵁ في كونه مع الرسول الأعظم ﷺ ثاني اثنين بشهادة رب العزة، ولا في كون الله ثالثهما؛ لأن العدد لا فضيلة فيه بزعمكم مهما تكن قيمة المعدود بذلك العدد.
وأنتم تعلمون أن المؤمنين بكتاب الله تعالى وبرسوله لا يقولون إن لفظ (اثنين) ، أو لفظ: (ثاني) ، أو: (ثالثهما) له فضيلة في حروفه أو تركيبها أو النطق به.
وإنما يقولون: إن الفضيلة للصديق الأكبر ﵁ في المعدود والمراد بلفظ: ﴿ثاني اثنين﴾ في الآية، وبلفظ: ((ما قولك يا أبا بكر في اثنين الله ثالثهما)) في الحديث.
فثلاثة رب العالمين أحدهم، وسيد ولد آدم وخاتم النبيين والمرسلين ثانيهم، يكون
стр. 221
لأبي بكر الصديق أعظم الشرف في أن يكون ثالثهم، أو كما قلتم متمما للعدد.
ويزيد هذا الشرف الذاتي قيمة: أنه ليس مما يحصل مثله بالمصادفة ولا بالكسب والسعي، وإنما الذي اختاره له هو رسول الله بإذن الله، والمخبر بذلك هو الله ورسوله.
ولو وردت هذه الآية وهذا الحديث في علي ﵁ وكرم وجهه لقلتم في الثلاثة حينئذ نحوًا مما قالت النصارى في ثالوثهم (الأب والابن وروح القدس) كما قلتم في كونه كرم الله وجهه أحد الذين ثبتوا معه ﷺ في حنين، فجعلتم هذا الثبات الذي يتفرد به ولم يثبت بنص القرآن، ولا بحديث متواتر مرفوع ولا مرسل، حجةً على كونه وحده دون من اعترفتم بثباتهم معه سببا للنصر، وإنقاذ الرسول من القتل، وبقاء الإسلام والمسلمين في الوجود! (١)
وكما فعلتم في حديث مؤاخاة النبي ﷺ له؛ إذ فضلتموه به على الصديق وغيره، على حين قد ثبتت تسمية النبي ﷺ الصِّدِّيقَ أخا له بأحاديث أصح من ذلك الحديث كقوله ﷺ : ((لو كنت متخذًا من أمتي خليلا دون ربي لاتخذت
стр. 222
أبا بكر خليلاً، ولكن أخي وصاحبي)) رواه البخاري [٣٦٥٦، ٣٦٥٨] من حديث ابن الزبير، وابن عباس وغيرهما.
وهو يدل على أن أبا بكر عند الرسول أعلى منزلة من جميع أمته.
وقد قرأنا وسمعنا عنكم أنكم تفخرون بعدد آخر لم تثبت روايته بمثل ما ثبتت به رواية هذا العدد، ولا تبلغ درجته في عظمة المعدود.
قال الفخر الرازي: ((وأعلم أن الروافض في الدين كانوا إذا حلفوا قالوا: وحق خمسة سادسهم جبريل، وأرادوا به أن الرسول ﷺ وعليا وفاطمة والحسن والحسين كانوا قد احتجبوا تحت عباءة يوم المباهلة، فجاء جبريل وجعل نفسه سادسًا لهم.
فذكروا للشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى أن القوم هكذا يقولون فقال ﵀: لكم ما هو خير منه بقوله ﷺ : ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)) ومن المعلوم بالضرورة أن هذا أفضل وأكمل)) . اهـ
وأقول: إن من أكبر جنايات الروافض على الإسلام والمسلمين أنهم جعلوا أبا بكر وعليا ﵄ خصمين ،
стр. 223
وما ورد في مناقبهما معارضا بعضه ببعض، وكل هذا باطل.
فما كانا إلا أخوين في الله وفي نصر رسوله وإقامة الإسلام، ولكل منهما مقام معلوم، وما ورد في مناقب علي أعلى الله مقامه أكثر مما ورد في مناقب غيره، كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وقد غلط الرازي في نقله أن مسألة العباء أو الكساء وردت في قصة المباهلة؛ فإن المعروف أنها وردت في إثبات جعل علي وزوجه وولديهما من أهل البيت النبوي ﵈ داخلين في معنى قوله تعالى ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجل أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ والآية واردة في الأزواج الطاهرات ﵅؛ إذ روي أنه ﷺ جمعهم معه في الكساء ودعا الله بأن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا، والمقام لا يسمح بالبحث في هذه المسألة هنا. (١)
***
تفنيد شبهتهم على نهيه عن الحزن
(ثالثا) : أنكم زعمتم أن نهي رسول الله ﷺ للصديق عن الحزن يدل على أنه ﵁ كان عاصيا بذلك الحزن ومتصفا
стр. 224
بالجبن.
وهذا الزعم دليل على جهلكم بالقرآن وبمقام الرسول ﷺ وباللغة وبطباع البشر.
وإنما أوقعكم في هذه الجهالات التعصب الذميم وسوء النية فيه.
وحسبي في إثبات جهلكم ما بينته في تفسر الجملة من معنى الحزن والنهي عنه، وأن جملة ﴿لا تحزن﴾ لم ترد في غير هذه الآية من القرآن إلا في خطاب الله لرسوله ﷺ ، وفي خطاب الملائكة للوط ﵇.
فإن كنتم تقولون: أنها تدل على العصيان والجبن!
يلزمكم من الطعن في الرسول الأعظم وفي نبي الله لوط ما هو صريح الكفر، بل أثبت الله تعالى عروض الحزن للنبي ﷺ بالفعل في قوله ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذين يقولون﴾ .
ومن المتواتر: أنه ﷺ كان أشجع الناس، وحسب الصديق شرفًا أن ينهاه رسول الله ﷺ عما نهاه ربه عنه، وأي شرف أعلى من هذا؟
تفنيد تحريفهم لقوله ﴿إن الله معنا﴾ .
(رابعا) أن ما زعمتموه من احتمال أن يكون المراد من جملة ﴿إن الله معنا﴾ إثبات المعية للنبي ﷺ وحده لا يصدر مثله
стр. 225
إلا عنكم بالتبع لملاحدة سلفكم الباطنية الذين قالوا مثل هذا في الصلاة والصيام، وغيرهما من العقائد وشرائع الإسلام؛ فإنه مما يأباه اللفظ والأسلوب والسياق والمقام، وإنما يُقصد بالكلام الإفهام، وما زعمتموه صريح في أنه ﷺ أفهم صاحبه غير الحق، وأنه أراد أن يغشه ويوهمه بالباطل أن الله معهما؟
حاش لله وحاش لرسوله، ما هذا إلا من نوع تحريف اليهود والباطنية لكلام الله، بما لا يليق بالله ولا برسوله.
وهذه الجملة بعيدة أشد البعد عن جملة ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ المراد بها استمالة الكفار المعاندين لاستماع حجج القرآن، وكانوا ﴿ينهون عنه وينأون عنه﴾ والترديد فيها حق؛ فإن أحد الفريقين على هدى أو في ضلال مبين، لا مفر من ذلك في نظر العقل، وهو لا يمنع أن يكون الواقع بالفعل: أن المخاطب لهم وهم الرسول ﷺ على الهدى وأن يكونوا هم في ضلال مبين.
ولما كان أبو جعفر محمد بن علي الطبرسي من علماء العربية ومعتدلي الشيعة أبت عليه كرامة العلم أن يسفه نفسه بنقل
стр. 226
جهالتهم التي نقلها الرازي والألوسي للرد عليها، فكان كل ما ضعف به مناقب الصديق ﵁ في الآية: ترجيح القول بأن الضمير في قوله تعالى ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ راجع إلى النبي ﷺ واحتج عليه بما احتج غيره ممن رجحوا هذا القول من اتساق مرجع الضمائر- وقد علمت ما فيه - وأشار بعده إلى ما للشيعة من الكلام في ذلك. وقال: إنه أبى أن ينقله لئلا يتهم بما لا يحب أن يتهم به. (١)
(خامسا) زعمكم أن عليا كرم الله وجهه هو المجهز لهم بشراء الإبل: لم يثبت برواية صحيحة، بل الثاب ت ف ي الصحيح ما تقدم في حديث الهجرة الذي سردناه آنفا من شراء الصديق للراحلتين وأخذه ﷺ لأحداهما بالثمن.
ولو ثبت قولكم لم يكن دالا على ما زعمتموه كما هو ظاهر.
هذا وإنني اعتقد أن قائلي ما ذكره المفسرون من تحريف الرافضة للآية الكريمة وللأحاديث الشريفة في مناقب الصديق ليسوا من الجهلة باللغة العربية بحيث يعتقدون صحة ما قالوا وما
стр. 227
كتبوا، وإنما هم قوم بهت، يجحدون ما يعتقدون، ويفترون الكذب وهم يعلمون، ويحرفون الكلم عن مواضعه، كاليهود الأولين الذين حرفوا البشارات بمحمد ﷺ ، وكدعاة النصرانية في هذا العصر.
والذين وضعوا لهم قواعد الرفض وخطط التأويل والتحريف هم ملاحدة الشيعة الباطنية أعداء الإسلام الذين كانوا يتوسلون بها إلى هدم هذا الدين وإزالة ملك العرب تمهيدًا لإعادة الديانة المجوسية والسلطة الكسروية.
وقد وضعوا لهم من الأحاديث والآثار عن أئمة آل البيت في تحريف القرآن والغلو فيهم، ومن قواعد البدع ما كانوا به شر فرق المبتدعة في هذه الأمة.
وقد برعوا في تربية عوامهم على بدعهم بما فيها من الغلو في تعظيم على وآله بما هو وراء محيط الدين والعقل واللغة، والغلو في بغض الصديق والفاروق وذى النورين وأكابر المهاجرين وجمهور الصحابة والطعن فيهم بما هو وراء محيط الدين والعقل واللغة أيضا.
وإنما خصوا الخليفتين الأولين منهم بمزيد البغض والذم لأنهما هما اللذان جهزا الجيوش وسيراها إلى بلاد الفرس ففتحوها (١) وأزالوا
стр. 228
دينها وملكها من الوجود.
وقد صارت هذه التقاليد راسخة بالتربية والوراثة حتى صار من يسمونهم العلماء المجتهدين يكتبون مثل ما نقلناه عن بعض المعاصرين منهم في الكلام على غزوة حنين، وهو أعرق في الغلو وأرسخ في الجهل مما نقله الرازي والألوسي هنا عن بعض متقدميهم. فإذا كان هذا حال من يسمونهم العلماء المجتهدين فكيف يكون حال من وطنوا أنفسهم على التقليد في طلب العلم؟
ثم كيف حال عوامهم الذين يلقنونهم هذه الأضاليل ويربونهم على بغض من أقام الله بهم هذا الدين، وصرح في كتابه العزيز بأنه رضي الله عنهم ورضوا عنه، وعلى لعن من فضله الله ورسوله عليهم كلهم؟ وناهيك بهذه الآية تفضيلا، ومن أصدق من الله قليلا؟
ألا إن هؤلاء الروافض شر مبتدعة هذه الملة وأشدهم بلاء عليها وتفريقا لكلمتها، وقد سكنت رياح التفريق التي أثارها غيرهم من الفرق في الإسلام وبقيت ريحهم عاصفة وحدها.
فهؤلاء الإباضية لا يزال فيهم كثرة وإمارة، ولا نراهم يثيرون بها
стр. 229
مثل هذه العداوة.
ولو كانوا يقفون عند حد تفضيل علي على أبي بكر والقول بأنه كان أحق بالخلافة منه لهان الأمر، وأمكن أن يتحدوا مع أهل السنة الذين يعذرونهم باعتقادهم هذا إذا لم يترتب عليه ضرر، ويعتصموا بحبل الله ولا يتفرقوا هذا التفرق ولا يتعادوا هذا التعادي اللذين أضعفا الإسلام وأهله ومزقا ملكه كل ممزق، حتى استذل الأجانب أكثر أهله، وهم لا يزالوان يشغلون المسلمين بالتعادي على ما مضي من التنازع في مسألة الخلافة، ويؤلفون الكتب والرسائل في القدح في الصحابة. وياليتهم يطلبون إعادة الخلافة لأهل البيت وتجديدها لإقامة دين الله وإعادة مجد الإسلام وسيادته، فإن أهل السنة لا يختلفون في أن آلَ البيتِ على أصحِّ بطونِ قريشٍ أنسابا، وأكرمها أحسابا وأن الخلافة في قريش، فإن وجد فيهم من تجتمع فيه سائر شروطها ويرضاه أهل الحل والعقد من الأمة فهو أولى من غيره.
كلا إنهم ينتظرون تجديد الإسلام وإقامته بظهور المهدي (١) ، وعامة المسلمين ينتظرونه معهم، فليكتفوا بهذا ويكفوا عن تأليف الكتب في
стр. 230
الطعن في الصحابة الكرام، وبحمله السنة وحفاظها الإعلام، وإثارة الأحقاد والأضغان، التي لا فائدة لهم منها في هذا الزمان إلا التقرب إلى غلاتهم من العوام، طمعا في الجاه الباطل والحطام وإنما فائدتها الحقيقية للأجانب من أعداء الإسلام، ومن العجائب أن شيعة الأعاجم في إيران قد شعروا بضرر الغلو وبالحاجة إلى الوحدة دون شيعة العرب في العراق وسورية. فقد بلغنا عنهم ما نرجو أن يكونوا به خير قدوة لهم والله الموفق.
стр. 231
السنة والشيعة وضرورة اتفاقهما
بلغنا عن بعض إخواننا من مسلمي بيروت أنهم غير راضين عن رد المنار على الشيعة في هذا العهد الذي اشتدت فيه حاجة المسلمين إلى الاتفاق والاتحاد ولا سيما مسلمي سورية ولبنان والعراق الذين اشتد عليهم ضغط المستعمرين في دينهم ودنياهم.
وإنني أقسم بالله وآياته لَشديد الحرص على هذا الاتفاق وقد جاهدت في سبيله أكثر من ثلث قرن، ولا أعرف أحدًا في المسلمين أعتقد أو أظن أنه أشد مني رغبةً وحرصًا على ذلك، وقد ظهر لي باختباري الطويل وبما اطَّلعت عليه من اختيار العقلاء وأهل الرأي أن أكثر علماء الشيعة يأبون هذا الاتفاق أشد الإباء؛ إذ يعتقدون أنه ينافي منافعهم الشخصية من مال وجاه.
وأول مَن كلَّمتهم في هذا الموضوع شيخنا الأستاذ الإمام في سنة ١٣١٥ هـ وآخرهم الأستاذ الثعالبي السياسي الرحالة الشهير في هذا الشهر مع أستاذ ذكي من شبان الشيعة العراقيين، وفيما بين هذين
стр. 232
الزمنين تكلمت مع كثيرين من الفريقين في مصر وسورية والهند والعراق، وأعلاهم مقامًا جلالة الملك فيصل تكلمنا في هذه المسألة في دمشق سنة ١٣٢٠ ثم في مصر عند إلمامه بها في عودته من أوربة في خريف سنة ١٣٤٥هـ ١٩٢٦م.
ومما علمته بالخبر والخبر أن الشيعة أشد تعصبًا وشقاقًا لأهل السنة فيما عدا الهند من البلاد الجامعة بين الطائفتين؛ فالفريقان فيها قرنان متكافئان، وقد اجتهدت أنا وإخواني من محبي الإصلاح في الهند بالتأليف وجمع الكلمة وخطبت في مدينة بُمبي خطبة فيَّاضة في ذلك.
وبدأت بزيارة رئيس الشيعة الديني في لكنهؤ دون غيره من أمراء الهند وزعمائها؛ فإنهم كانوا هم الذين يبدؤونني بالزيارة، وكنت سبب دخول الكاتب الحماسي الشعبي (الديمقراطي) المؤثر ظفر علي خان صاحب جريدة زميندار الوطنية المؤثرة دار (النواب فتح علي خان) لأول مرة ولم يدخلها قبل ذلك قط ولا دخل دور غيره من سلائل الأمراء من الشيعة ولا غيرهم، وقد رأيت لسعيي تأثيرًا حسنًا في الهند
стр. 233
وفي إيران، ولما ألممت ببغداد منصرفي من الهند جاءني وفد من النجف للزيارة والدعوة إلى النجف وأخبرني رئيسه صديقي العلامة السيد هبة الدين الشهرستاني أنه يوجد هنالك كثيرون من طلبة العلم على رأيي في الإصلاح الإسلامي يتمنون لقائي، وما منعني من زيارة النجف إلا المرض وإنما كان داعية الإصلاح فيهم المُلا كاظم الخُراساني وقد توفي قبل زيارتي للعراق رحمه الله تعالى، ولكن جمهور شيعة العراق شديدو التعصب باعتراف السيد هبة الدين وبعض المنصفين منهم. وكان يوجد في شيعة سورية من يُظهر الميل إلى الاتفاق في عهد الدولة العثمانية أكثر مما يوجد في العراق، وكان للمنار رواج عند بعض العصريين المستنيرين منهم. ولذلك قام أشهر علمائهم يطعن عليَّ ويتهمني بالتعصب والتفريق؛ لأنهم يكرهون الاتفاق لما ذكرته آنفًا. وقد صبرت عدة سنين على طعنه عليَّ قولاً وكتابةً حتى صار السكوت عنه إقرارًا لهم على ما قصدوا له في هذا العهد عهد الاستعمار الفرنسي المسمى بالانتداب من مناهضة النهضة العربية الحاضرة من مدنية ودينية
стр. 234
بما هو أكبر خدمة للأجانب السالبين لاستقلال هذه البلاد، سورية والعراق.
ذلك أنهم نشطوا في هذا العهد لتأليف الكتب والرسائل في الطعن في السنة السنية والخلفاء الراشدين الذين فتحوا الأمصار، ونشروا الإسلام في الأقطار، وأسسوا ملكه بالعدل والقوة، وتم بهم وعد الله : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: ٣٣) والطعن في حياة السنة وأئمتها، وفي الأمة العربية بجملتها، وخصوا بالطعن أول ملك عربي اعترفت له الدول القاهرة للعرب والمسلمين وغيرها بالاستقلال المطلق والمساواة لها في الحقوق الدولية، طعنوا فيه وفي قومه بكتاب ضخم لتنفير المسلمين ولا سيما مسلمي العرب وصدهم عنه وإغرائهم بعداوته والبراءة منه، لا لعلة ولا ذنب إلا اتباع السنة وإقامة أركان دولته على أساسها، مع عدم تعرضه للشيعة بعداوة ولا مقاومة، بدليل اتفاقه مع دولة الشيعة الوحيدة في العالم وهي دولة إيران بما حمدناه لكل منهما، ورجونا أن يكون تمهيدًا للاتفاق التام بين الفريقين بالتبع
стр. 235
للاتفاق بين الدولتين.
والذي بدأ هذا الشقاق وتولى كِبْره منهم هو صاحب ذلك الكتاب البذيء الجاهلي (السيد محسن الأمين العاملي) الذي لم يكتفِ فيه بإخراج ملك العرب الجديد وقومه النجديين من حظيرة الإسلام، وهو يعلم أنه لا قوة له ولا للعرب بغيرهم في هذا الزمان، وقد قال رسول الله ﷺ : (إذا ذلت العرب ذل الإسلام) (رواه أبو يعلى بسند صحيح) (١) ولكن الإسلام عنده هو الرفض الذي هو الغلو في التشيع وعداوة السنة.
ولم يكتفِ بذلك حتى زعم أن منشأ ضلال هؤلاء الوهابية وخروجهم عن الإسلام وعليه هو كتب شيخ الإسلام، وعلم الأئمة الأعلام، مؤيد الكتاب والسنة بأقوى البراهين النقلية والعقلية، وناقض أركان الشرك والكفر والبدع بتشييد صرح السنة المحمدية، الشيخ تقي الدين ابن تيمية، الذي نشرنا في هذا الجزء بعض رسائله في جمع كلمة الأمة الإسلامية، والأدلة على أن أهل السنة لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة، ولا يأبون صلاة الجماعة مع المبتدعة منهم.
стр. 236
وزعم أيضًا أن صاحب المنار قد انفرد دون المسلمين بموافقة ابن تيمية والوهابية، وزاد على ذلك الطعن في شخصه وسيرته العملية، بما هو محض الزور والبهتان، ليخدع الجاهلين من أهل السنة بما بيناه في الرد عليه.
وقام في أثره من علماء شيعة العراق مَنْ ألف كتابًا خاصًا في الرد على كتاب (منهاج السنة) لشيخ الإسلام (١)
، وآخرون ألفوا كتبًا ورسائل أخرى في الطعن على السنة وأهلها، دعْ ما قالوه في مؤتمرهم المشهور من تكفير الوهابية والتحريض على قتالهم، على ضعفهم وعجزهم.
كذلك قام بعده زعيمهم الثاني في سورية السيد عبد الحسين فألف كتابًا آخر في الطعن على الصحابة من كبار المهاجرين والأنصار وفي الأمة العربية سلفها وخلفها وفي أصحاب دواوين السنة ولا سيما الحافظ البخاري ﵃ فوجب علينا الرد عليه، ولم نفرغ إلا للقليل منه.
فصاحب المنار لم يهاجم الشيعة مهاجمة وإنما رد بعض عداوتهم
стр. 237
وبهتانهم لبطلانه ولكون هذا الطعن في الصحابة وأئمة السنة وحفاظها وفي الأمة العربية وملكها في هذا الوقت لا فائدة منه إلا لأعداء المسلمين والعرب السالبين لاستقلالهم، وأكبر قوة للأجانب عليهم تعاديهم وتفرقهم.
فلا أدري ماذا يريد الذي استنكر هذا الرد عليهم من استنكاره (١)
، وكيف تصور إمكان الاتفاق مع قوم يتبعون أمثال هؤلاء الزعماء، وتنشر دعايتهم هذه مجلة العرفان بالتنويه بكتبهم هذه والعناية بنشرها، عدا ما تبعثه هي من دعاية التشيع التي كنا نعذرها فيها بتنزُّهها عن الطعن الصريح في السنة وأهلها؛ ولذلك كنا نرجو أن تنكر هذه الدعاية وتأبى نشر هذه الكتب الضارة بصرف النظر عن مسألة موضوعها، فقد يقول أو قال صاحب مجلة العرفان: إنه يعتقد حقيقة ما كتبه هذان المؤلفان، وإن كنا نشرنا عنه من قبل ما يدل على عدم اعتقاد ما افتراه الأول على
الوهَّابية، ولا نعقل أن يكون معتقدًا ما افتراه الثاني على المهاجرين والأنصار من وصفهم بالجبن، ونكثهم لما بايعهم الله عليه. ومن زعمه الذي
стр. 238
أقسم عليه يمينًا مغلظة أنه لولا علي بن أبي طالب لقتل المشركون رسول الله ﷺ ولم يقم للإسلام قائمة في الأرض، بالرغم من وعد الله تعالى بنصره، وإظهار دينه على الدين كله.. إلخ، فهل يريد المستنكر من إخواننا أن نسكت لهؤلاء على كل هذا الطعن فيكون سكوتنا حجة على أهل السنة كافة، ومعصية يأثمون بها كلهم، ولا يزيد الشيعة إلا يقينًا بضلالهم، وبُعدًا عن الاتفاق معهم؟!
وقد أخبرني مَن بلَّغني ما تقدم من الاستنكار أن بعض مسلمي بيروت استفتاني في تزوج كل من أهل السنة والشيعة في الآخرين ولم أفتِهِ بشيء. وأقول:
إن هذا الاستفتاء لم يصل إليَّ، وإنني كنت استُفتيت في مثله من قبل؛ إذ خطب أحد كبار الإيرانيين بمصر فتاة من بيت بعض كبراء المصريين فأرسل الحريم يستفتوني في ذلك سرًّا فأفتيت بالجواز، واستدللت بأن هذا الخاطب من الشيعة الإمامية وهم مسلمون، لا من البابية ولا البهائية المارقين من الإسلام، وإنما يمتنع تزويج هؤلاء، والتزوج فيهم. (١)
стр. 239
وأما رأيي في الاتفاق فهو قاعدة المنار الذهبية التي بيناها مرارًا وهي:
(أن نتعاون على ما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه) (١)
، فأهل السنة متفقون مع الشيعة على أركان الإسلام الخمسة، وعلى تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعلى محبة آل البيت ﵈ وتعظيمهم، وعلى جميع المصالح الوطنية من سياسية واقتصادية، وفي البلاد العربية على إعلاء شأن الأمة العربية ولغتها.. إلخ واستقلال بلادها وعمرانها، فيجب أن يتعاونوا على ذلك كله.
وهم يختلفون في مسألة الإمامة (وقد مضى وانقضى الزمن الذي كان فيه هذا الخلاف عمليًّا) وفي المفاضلة بين الخلفاء الراشدين ﵃، وفي عصمة الأئمة الاثني عشر، مع مسائل أخرى تتعلق بصفات الله تعالى وفيما دون ذلك من الفروع العملية، فلكلٍّ من الفريقين أن يعتقد ما يطمئن إليه قلبه، ويعمل بما يقوم عنده الدليل على ترجيحه أو يقلد فيه من يثق بهم من العلماء، وأن يبين ذلك قولاً وكتابةً من غير طعن في عقيدة الآخر ولا في الصحابة وأئمة العلماء المجتهدين والمحدثين.
كما فعل بعض
стр. 240
أدبائهم في قصائد نظمها في مدح الأئمة وشرحها وجعل مقدمتها في بيان العقيدة الإسلامية عندهم، وفيها ما لا يوافقهم عليه أهل السنة، ولا يكفرونهم به. ولم ينكر ذلك عليه أحد منهم. فيجب على محبي الاتفاق أن يقنعوهم بقاعدتنا ويؤلفوا جمعية أو حزبًا من الطائفتين للعمل بمقتضاها، بالرغم من زعم مجلة المشرق اليسوعية أن الاتفاق متعذر، واستدلالها عليه بالمناظرة التي دارت بين المنار والعرفان، وما كان صاحباها إلا أخوان، ولا يتعذر عليهما العودة إلى ما كانا عليه بمقتضى هذه القاعدة.
هذا، وإننا لا نعرف أحدًا من علماء أهل السنة المتقدمين ولا المعاصرين يطعن في أحد من أئمة آل البيت ﵈، كما يطعن هؤلاء الروافض في الصحابة الكرام، ولا سيما أبي بكر وعمر ﵄ وفي أئمة حفاظ السنة كالبخاري ومسلم، وكذا الإمام أحمد إمام السنة وشيخ كبار حفاظها وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي وابن حجر وغيرهم، فإنهم يعدونهم من النواصب لعدم موافقتهم لجهلة الروافض على ما يفترونه من
стр. 241
الغلو في مناقب آل البيت (١)
، وقد أغناهم الله عن اختلاق المناقب لهم بكثرة مناقبهم الصحيحة الثابتة بالنقل الصحيح.
وحفاظ السنة ومدونوها هم المرجع في هذا، وكل مَن خالفهم من المبتدعة فهم جاهلون بنقد الروايات، والروافض منهم أجهلهم بهذا العلم، وأكذبهم في النقل، كما هو مشهور عنهم في التاريخ، وقد ذكره أحد علماء ألمانية المستشرقين في كتاب له، وإنما النواصب أولئك الخوارج الذين يتبرؤون من علي كرم الله وجهه، وكذلك مَن يتولون مَن بغوا عليه ومَن قتلوا سبط الرسول ﷺ أو يصوبون أعمالهم، لا أئمة السنة الذين محّصوا رواياتها، وبينوا درجاتها.
ونذكر على سبيل النموذج لجهلهم بالحديث ما انتقدته مجلة العرفان على مجلة الشبان المسلمين المصرية من الثناء على معز الإسلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وما أوردته فيه من هذه النقول وكنت قد كتبته للجزء الماضي فلم يتسع له وهو:
стр. 242
((علم عمر وعلي ﵄ بالدين والقضاء بين مجلة الشبان المسلمين ومجلة العرفان)) .
لا يطيق أحد من الشيعة المتعصبين أن يرى في كتاب أو مجلة ثناءًا عظيمًا على أبي بكر أو عمر ﵄ ولا سيما إذا كان فيه صيغة اسم التفضيل، مع العلم بأن اسم التفضيل كثيرًا ما يستعمل في التفضيل الإضافي أو بتقدير من التبعيضية. (١)
وقد كتب الأستاذ الدكتور يحيى أحمد الدرديري مقالة في مجلة جمعية الشبان المسلمين في الثناء على عمر بن الخطاب ﵁ قال فيها: كان عمر ﵁ أعلم الصحابة بالدين وأفقههم فيه. فنقل عنه الأستاذ صاحب مجلة العرفان نبذة منها وعلق على هذه الجملة ردًّا عليها لعله لم ينقلها إلا لذلك قال: هذا منافٍ لقول النبي ﷺ : (أقضاكم علي) (٢) وقوله: (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها) وقول عمر نفسه: (لولا عليٌّ لهلك عمر) (٣) ، (ولا كنت لقضية ليس لها أبو الحسن) (٤)
اهـ.
ونقول في الرد على الأستاذ صاحب مجلة العرفان: إن الحديثين
стр. 243
اللذين ذكرهما وهما مما يحفظه كل شيعي -وكثير من غير الشيعة- ليس لهما رواية صحيحة ولا حسنة، ولو فرضنا صحتهما لما كانا معارضين لقول مَن قال: كان عمر أعلم الصحابة.
أما العلم والقضاء فإنه يجوز عقلاً أن يكون عمر أعلم بأصول الدين ومقاصده وحكمه وسياسته، ولا يكون مع ذلك أقضى الصحابة، وأن يكون علي أقضاهم أي أعلم بالفصل بين الخصوم وتطبيق قضاياهم على أحكام الشرع، ولا يكون مع ذلك أعلم من عمر به (١) ، وقد كان أبو يوسف أقضى من أستاذه أبي حنيفة وزميله محمد بن الحسن ولم يكن أعلم منهما، ومثل هذا كثير مشاهَد في كل زمان.
كان الشيخ محمود نشابة في طرابُلس الشام أعلم من أحمد أفندي سلطان بكل علوم الشرع وكان أحمد أفندي أقضى منه، بل لم يكن الشيخ محمود نشابة علامة سورية في زمنه الذي أدركناه في آخره مستعدًّا لأن يكون قاضيًا.
وأما حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) (٢) فليس بينه - على تقدير صحته - وبين ما قاله الكاتب في تفضيل عمر أدنى تعارض ولا منافاة؛ إذ المتبادر من معناه أن عليًّا ﵁ موصل إلى علم
стр. 244
النبي ﷺ بالرواية للسنة والتفسير للقرآن والعمل بهما، وهذا المعنى صحيح في نفسه، معلوم من جملة سيرته كرم الله وجهه، وإن كان الحديث المذكور غير صحيح، ليس في لفظه ما يدل على أنه أعلم بما كان في هذه المدينة من كل مَن كان فيها، ولا برواية ذلك العلم وتفسيره أيضًا. وإلا لحكمنا بأن كل ما رُوي عن غيره كرم الله وجهه من الحديث والتفسير والأحكام فليس من علم النبوة. ولم يقل بهذا رافضي ولا غيره. (١)
والحديث رواه الحاكم في مستدركه من طريق أبي الصلت بن عبد السلام بن صالح عن ابن عباس وتتمته (.. فمَن أراد المدينة فليأتِ الباب) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو الصلت ثقة مأمون. ونقل توثيقه عن يحيى بن معين، وتعقبه الحافظ الذهبي في تلخيص المستدرك فقال ردًّا على قوله (صحيح) : بل موضوع. قال: (أبو الصلت ثقة مأمون) قلت (٢) : لا والله لا ثقة ولا مأمون اهـ.
وتصحيح الحاكم للأحاديث لا يعتمد عليه أحد من المحدثين؛ فقد صحح كثيرًا من الضعاف والمنكرات وكذا
стр. 245
الموضوعات وتعقبه الذهبي وغيره فيها.
وأخرج الترمذي [٣٧٢٣] من طريق: ((شريك عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن الصنابحي عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا دار الحكمة وعلي بابها) هذا حديث غريب منكر (١) ، روى بعضهم هذا الحديث عن شريك ولم يذكروا فيه عن الصنابحي، ولا نعرف هذا الحديث عن أحد من الثقات غير شريك، وفي الباب عن ابن عباس)) . اهـ. كلام الترمذي.
وأقول: أبو الصلت راوي الحديث الأول وثقه ابن معين كما قال الحاكم ولكن طعن فيه الأكثرون والجرح مقدم على التعديل. قال مسلمة عن العقيلي: كذاب، وكذا محمد بن طاهر قال: إنه كذاب، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وكلهم أنكروا حديثه هذا، وكأنهم يتهمونه بوضْعه على أبي معاوية.
ولكن ابن معين يقول: إنه ليس ممن يكذب، وذكر أن محمد بن جعفر الفيدي حدث به عن أبي معاوية (٢)
وقال: أخبرني ابن نمير قال: حدث به أبو معاوية قديمًا ثم كف عنه. (٣) اهـ
ومراد ابن معين أن أبا الصلت
стр. 246
لم يكن هو الذي افتراه بل كان حدث به أبو معاوية (١)
ثم كف عنه فلعل أبا الصلت رواه عنه ولم يبلغه كفه عن التحديث به لعدم الثقة بصحته.
وقال صاحب (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على الألسنة من الحديث) :
حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) رواه الحاكم في المناقب من مستدركه عن ابن عباس مرفوعًا والترمذي من جامعه عن علي بمعناه وقال: إنه منكر، وكذا قال البخاري وقال: إنه ليس له وجه صحيح. وقال ابن معين: إنه كذب لا أصل له، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ووافقه الذهبي وغيره على ذلك، وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث لم يثبتوه وقيل: إنه باطل. اهـ.
وقد أورده الأستاذ الشيخ محمد الحوت الكبير علامة بيروت في (أسنى المطالب) وذكر بعض ما نقله الديبع عن أستاذه الحافظ السخاوي من قول الحفاظ بوضعه حتى ابن معين، ثم قال: ((قد ولع به العلماء، وذكره من دون بيان رتبته خطأ، ومثله: (أنا دار الحكمة وعلي بابها) وزاد بعضهم: ( ... وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها) ،
стр. 247
وذلك لا ينبغي ذكره في كتب أهل العلم لا سيما مثل ابن حجر الهيتمي ذكر ذلك في الصواعق والزواجر وهو غير جيد من مثله)) . اهـ
وأقول: إن ابن حجر الهيتمي هذا قد أتقن فقه الشافعية التقليدي على طريقة أهل زمنه، وهو ليس بحافظ للحديث ولا من نقاده، وإنما ينقله من الكتب، فإن لم تكن له عناية خاصة بالاحتجاج به فلا يبالي أكان صحيحًا أم ضعيفًا أم موضوعًا.
فكيف إذا كان له هوى يوافق معناه كالغلو في المدح؟! وأخطأ مَن حَسَّنَه بكثرة طرقه.
وأما حديث: (أقضاكم عليّ) (١) فقد قال الحافظ السخاوي: ما علمته بهذا اللفظ مرفوعًا، بل في مستدرك الحاكم [٣/١٤٥] عن ابن مسعود قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي، وقال: إنه صحيح ولم يخرجاه. اهـ
وأقول: إن الحافظ الذهبي أقر الحاكم على روايته له عن ابن مسعود من قوله، ولو ورد مرفوعًا إلى النبي ﷺ ولو من طريق منكر - لأورده الحاكم، ولعمري إنه لَحقٌّ في نفسه سواء كان اسم
стр. 248
التفضيل على بابه أم لا، ولكن لا ندري متى قال ابن مسعود هذا؟ هل قاله في زمن عمر أو بعده.
وأما ما ذكره صاحب مجلة العرفان من قول عمر فهو لم يروَ بسند صحيح، وإنما ذكره بعضهم فيما يتساهلون فيه من رواية المناقب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه لم يذكر عنه إلا في قضية إن صح، وكان عمر يقول مثل هذا لمن دون علي كما قال للمرأة التي عارضته في الصداق: امرأة أصابت وأخطأ عمر. (١)
وبيَّن في (منهاج السنة) بالشواهد أنه كرم الله وجهه لم يكن أقضى الصحابة ﵃، وفيه نظر.
وأما الأحاديث الدالة على علم عمر في الصحاح والسنن فهي كثيرة: منها: موافقات رأيه للقرآن وكونه من المحدَّثين (بفتح الدالة المهملة) أي الملهَمين، وغير ذلك، ولسنا بصدد تفصيل هذه المسألة، وكذلك ما رُوي في قضائه باجتهاده وفي اتباع الصحابة له في مسائل متعددة، وكذلك المسائل التي كان يستشير فيها الصحابة.
стр. 249
هذا، وإن العلم الذي يتعلق به القضاء هو الأحكام العملية من شخصية ومدنية وعقوبة، وهو أدنى علوم الدين الإسلامي، وأما أعلاها فهو العلم بالله تعالى وصفاته وبسننه في خلقه من نظام العالم، ويليه العلم بتهذيب النفس وتزكيتها بالعبادات الصحيحة، والعلم بسياسة الأمم وإقامة الحق والعدل فيها، والذين يفضلون عمر على غيره في علوم الإسلام - ولا سيما بعد أبي بكر - يفضلونه بهذه العلوم التي هي في الذروة العليا، وهي ما تثبتها له أعماله وأقواله وأحواله وسياسته وإدارته، ولم يغمطْه أحد حقه في علم الأحكام العملية القضائية أيضًا، وما روي من تفضيل علي لعمر أصح مما روي من قول عمر في علي، وما هما إلا أخوان، ومن مصائب التعصب جعْلهما خصمين يتضادان.
فإن كان قد روي عن عبد الله بن مسعود أنهم كانوا يتحدثون بأن عليًّا كرم الله وجهه كان أقضى أهل المدينة، فقد روي عنه أنه قال لما مات عمر: ((إني لأحسب أنه ذهب بتسعة أعشار العلم)) .
رواه أبو خيثمة في كتاب العلم [رقم: ٦١] عن جرير عن الأعمش عن إبراهيم
стр. 250
[بن] (١) عبد الله.
وقد أورده أبو طالب المكي في قوت القلوب والغزالي في الإحياء. قالا: فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة -وفي القوت- وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون؟!
فقال: إني لست أعني العلم الذي تذهبون إليه إنما أعني العلم بالله . اهـ
وجرير الراوي لهذا الأثر هو ابن حازم وهو ثقة فيما يرويه إلا عن قتادة.
وأما إبراهيم بن عبد الله (٢) فلا نعرفه في شيوخ الأعمش وإنما يروي الأعمش، عن إبراهيم النخعي فلعله هو وناهيك به في رواة حديث ابن مسعود وآثاره. (٣)
هذا وإن علماء السنة الذين طعنوا في رواية الحديثين المذكورين قد أثبتوا من الروايات في مناقب علي ﵁ أكثر مما أثبتوه من مناقب غيره من الصحابة ﵃ وصرح بذلك إمامهم الأعظم أحمد بن حنبل وأقروه عليه، فهل يعدون من النواصب؟!
وأختم هذا البحث بالتذكير بأنني كنت نوهت بشيعة العراق في أول العهد باستيلاء الإنكليز عليها؛ لأنهم كانوا أشد من أهل