← Акыда

Акыда · id 12723

رسائل السنة والشيعة لرشيد رضا

محمد رشيد رضا

Полный текст (359 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

عنه، بل قد يكون امتحانًا، وقد يكون للتثبت في رواية مختلف فيها أو متهم راويها، وفي سجود السهو عدة روايات مختلفة. وثانيًا: إن هذا الحديث غير صحيح؛ فإنه رواية ابن إسحاق عن كريب وهو مدلس، وقد عنعن فلا تُقبل روايته، ومكحول رواه له مرسلاً، قال ابن إسحاق: فلقيت حسين بن عبد الله فقال لي: هل أسنده لك؟ قلت: لا؛ لكنه حدثني أن كريبًا حدَّثه به. وحسين ضعيف جدًّا (١) ، وقال ابن أبي خيثمة: سمعت هارون بن معروف يقول: إن مكحولاً لم يسمع من كريب اهـ. ولكن ذكر في التهذيب (٢) أنه سمع منه، والله أعلم. فهذه أمثلة للروايات التي يعتمد عليها هذا المناظر في الطعن في علم عمر بن الخطاب مما ينقله عن المحدثين، فما قولك بما ينقله عن كتاب الأغاني وابن أبي الحديد؟ وإني لأراه وأمثاله ممن يبحثون في الكتب عن شيء فيه طعن ما على من لهم هوى في نقل الطعن فيه من غير تمييز بين صحيحه وسقيمه كدعاة النصرانية (المبشرين) إذ ينظرون في

стр. 317

القرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير يتلمسون كلمة يمكن الطعن فيها أو اتخاذها حجة على الإسلام والمسلمين ولو بالتحريف، فينقلونها ويعتمدون عليها في تشكيك عوام المسلمين في دينهم، وإلا فما باله يختار من مسند أحمد ما نقله كما فهمه لا كما وجده، ولم يعتبر بما رواه أحمد فيه من طرق كثيرة عن علي أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر) ومنها أنه قال ذلك وهو على المنبر، ومنها أنه قاله لمن سأله ومنهم أبو جحيفة من جماعته ومفضليه على غيره. هذا ومناظرنا يوجه هذا إلى صاحب المنار المشهور بالاشتغال بعلوم الحديث ونقد الروايات؛ وإنما يوجهه إليه لأجل المناظرة فيه، فلولا أنه مصدق لهذه الروايات وواثق بفهمه لها مع إقراره بضعف ذاكرته، لما جعلها من موضوع مناظرته معه. أكتفي بهذه المباحث في تفنيد براهين الأستاذ عبد الحسين العقلية والنقلية ليعتبر به هو ومن يغره كلامه، ويعلم أن مثل هذا الذي جاء به لا يوصِّل إلى الغاية التي طلب المناظرة لأجلها،

стр. 318

لعله يحاسب نفسه، ولا يجعل شعوره الخيالي وغلوه الوجداني حججًا علمية وبراهين عقلية يحاول بها تحويل أهل السنة كلهم عن مذهبهم إلى مذهبه، فيجمع به كلمة المسلمين بوهمه، أما المناظرة العلمية في مسائل الخلاف فطريقها الوحيد أن تحرر مسائل الخلاف الأساسية تحريرًا يمضيه أشهر علماء الشيعة في سورية والنجف، وأما الاتفاق بدون مناظرة فهو ما سنبينه في جزء آخر، لعله الذي يلي هذا.

стр. 319

*** السنة والشيعة الاتفاق بينهما والوسيلة إليه ورأينا ورأي علامة الشيعة فيه قد علم قراء المنار ما سبق لي من السعي الحثيث منذ ثلث قرن ونيف للاتفاق والوحدة بين المسلمين بالقول والعمل والكتابة والتصنيف، وإنني أُلجئت في هذه الآونة الأخيرة إلى الرد على عالمين من علماء الشيعة لكتابين لهما كانا من أكبر أسباب التفريق والتعادي. وإن أحدهما: طعن في كتابه على ديني وعقيدتي وأخلاقي ... إلخ. والثاني: طلب مناظرتي مدعيًا استحالة الاتفاق والتعاون بين أهل السنة والشيعة إلا أن ترجع إحدى الفرقتين إلى مذهب الأخرى في مسائل الخلاف الأساسية. ويعلمون أنني لم أقبل الدخول في المناظرة على هذه القاعدة التي وضعها الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين إلا أن يقره عليها جمهور علماء الشيعة، وطالبتهم ببيان رأيهم في زعمه هذا، فلم يرد عليه أحد منهم، وإنني افترصت لقاء مجتهد علمائهم

стр. 320

الأشهر في هذا العصر الأستاذ الكبير الشيخ محمد آل كاشف الغطاء في القدس أثناء عقد المؤتمر الإسلامي العام، فأطلعته على ما كتبه الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين وسألته رأيه فيه فأنكره أشد الإنكار، ووعد بإجابتي إلى استنكاره والرد عليه كتابة كما اقترحت، ليعلم ذلك من قرءوا تلك الدعوى في المنار ويقنعوا بأن أكبر علماء الشيعة يخالفونه فيه، واشترط هو أن أسأله ذلك كتابة ففعلت. وذكرت في الجزء الماضي أن الجواب قد جاء من حضرته، وأنني سأنشره في هذا الجزء؛ إذ كان ردي على الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين في الجزء الماضي في موضوع طعنه في علم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قد طال حتى انتهى بي إلى آخر الجزء، وكان له بقية استغنيت عنها، وقد قلت: إن هذا الرد ليس ردًّا على الشيعة؛ وإنما هو رد على منكر علم عمر، ولم يكن لي بد منه بعد نشر تلك النظريات الباطلة، والروايات التي لا يعرف ناقلها درجتها من الضعف، وقد حمَّلها ما تتبرأ من حمله

стр. 321

من سوء الفهم، وإنني أنشر الآن جواب الأستاذ كاشف الغطاء، وأقفي عليه بما يزيد الحقيقة كشفًا. جواب العلامة آل كاشف الغطاء (عقيدة الشيعة في الاتفاق) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وله الحمد في السموات والأرض لما جمعني المؤتمر الإسلامي العام المنعقد ليلة الإسراء في القدس الشريف بالعلامة الشهير، إمام السنة والحديث، الأستاذ الهمام، صاحب منار الإسلام، السيد محمد رشيد رضا نفع الله المسلمين بمنار علومه - دفع إليَّ كتابًا بخطه يتضمن السؤال عن عقيدة الشيعة في إخوانهم من أهل السنة، وأنه هل صحيح ما ربما يقال من أنه لا يمكن اتفاق الشيعة الإمامية معهم على شيء ولو كان لصالح الفريقين، إلا إذا رجعوا إلى رأي الشيعة فيما يخالفونه فيه؟ إلى أن قال دام تأييده: ((فأنت أيها الأستاذ أكبر مجتهدي الإمامية فيما قد اشتهر في بلادنا، وعلى

стр. 322

قولك نعتمد ... )) إلخ ما كتب. ونحن نرغب إليه أن ينشر عنا في الجواب على صفحات مناره الأغر ما يلي: إن إجماع الشيعة الإمامية من سلف إلى خلف - ولعله من ضروريات مذهبهم لا يخالف فيه أحد من فضلائهم فضلاً عن علمائهم - أن من دان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولم ينصب العداوة والبغضاء لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم - فهو مسلم وسبيله سبيل المؤمنين، يحرم دمه وماله وعرضه، وتحل مسادرته (١) ، ومصاهرته، ولا تحل غيبته ولا أذيته، وتلزم أخوته ومودته، أخوة جعلها الله في محكم كتابه، وعقدها في أعناق المسلمة من عباده، فأصبحتم بنعمته إخوانًا والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، وقد استفاض في السنة النبوية من طرق الفريقين أن المسلم أخو المسلم شاء أو أبى، والمسلم من المسلم كالعضو من الجسد إلى كثير من أمثال هذا. وما سُعد الإسلام وصعد إلى أعلى ذروات العز والمجد إلا

стр. 323

يوم كان محافظًا على تلك الأخوة، وما انحط إلى أسفل دركات السقوط والذلة إلا بعد أن أضاع تلك القوة، ويشهد الله سبحانه أن ما ذكرته من عقيدة الشيعة الإمامية في إخوانهم المسلمين هو الحقيقة الراهنة التي لا محاباة فيها ولا تقية، وإن ظهر من كلام بعض العلماء خلافها فلعله من قصور التعبير وعدم وفاء البيان، ومن شاء الزيادة في اليقين فدونه الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين سلام الله عليه وهي زبور آل محمد ﷺ ، فلينظر في دعائه لأهل الثغور الذي يقول في أوله: ((اللهم صل على محمد وآل محمد، وحَصّن ثغور المسلمين بعزتك، وأيد حماتها بقوتك، وأسبغ عطاياهم من جدتك ... )) إلخ الدعاء على طوله. (١) وهل يشك أحد أن حماة الثغور في عصر الإمام زين العابدين ﵇ أعني عصر بني أمية - كانوا من جمهور المسلمين وأكثرهم بل كلهم من السنة، والصحيفة السجادية تالية القرآن عند الإمامية في الاعتبار وصحة السند. (٢) والقصارى أني أعلن عني وعن جميع مجتهدي الشيعة

стр. 324

الإمامية في النجف الأشرف وغيرها، أن اتفاق المسلمين واشتراكهم في السعي لصالح الإسلام والمحافظة عليه من كيد الأغيار، لم يزل ولا يزال من أهم أركان الإسلام وأعظم فرائضه وأهم وظائفه، أما النزاعات المذهبية، والنزعات الجدلية فهي عقيمة الفائدة في الدين، عظيمة الضرر على الإسلام والمسلمين، وهي أكبر آلات المستعمرين. فرجائي إلى الأستاذ صاحب المنار أن لا يعود إلى ما فرط منه كثيرًا من التحريش بالشيعة، ونشر الأبحاث والمجادلات مع بعض علماء الإمامية، والطعن المر على مذهبهم الذي لا يثمر سوى تأجيج نار الشحناء والبغضاء بين الأخوين، ولا يعود إلا ببلاء الضعف والتفرقة بين الفريقين، ونحن في أمس الحاجة اليوم إلى جمع الكلمة، وتوحيد إرادة الأمة، وإصلاح ذات البين. والأستاذ الرشيد - أرشد الله أمره - ممن يعد في طليعة المصلحين، وكبار رجال الدين، فبالحري أن يقصر (مناره

стр. 325

الإسلامي) على الدعوة إلى الوفاق والوئام، وجمع كلمة الإسلام، ويتجافى في كل مؤلفاته - سيما في تفسيره الخطير- عن كل ما يمس كرامة، أو يثير عصبية أو حمية، أو يهيج عاطفة، وأن يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فإن ذلك أنجع وأنفع، وأعلى درجة عند الله وأرفع، وعلى هذه خطاي وخطتي، وهي ديني وديدني، عليه أحيا وعليه أموت إن شاء الله. وإليه تعالى أرغب وأبتهل في أن يجمع كلمتنا على الحق والهدى حتى نكون يدًا واحدة في نصرة هذا الدين الحنيف، إنه أرحم الراحمين. حرره في زاوية النجف الأشرف المقدسة ... ... ... ... ... ... يوم النصف من شهر رمضان المبارك سنة ١٣٥٠ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (المنار) هذا نص الجواب الموعود من سماحة العلامة الواسع الصدر، الجليل القدر، وهو على حسنه ولطفه دون ما سمعت منه بالمشافهة، ودون ما كنت أتوقع من الصراحة، جاء مجملاً ليس حزًّا في المفاصل، لم يذكر فيه كلمة الخصم الشنعاء؛ وإنما أشار إليها

стр. 326

(بربما يقال) وحصر كلامه في رأي الشيعة الإمامية في (إخوانهم المسلمين) . وقال إنها مجمع عليها بالشرط الذي ذكره، وإنه إن ظهر من كلام بعض العلماء خلافها فلعله من قصور التعبير وعدم وفاء البيان. فتضمن قوله هذا الاعتذار عن الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين بأنه ليس فيه إلا قصور التعبير عن مذهبهم وعدم وفاء البيان به، وهذا السيد ليس ضعيف البيان بل هو فصيح العبارة قلما يوجد في معاصريه مثله في حسن بيانه وصراحته، وهو يرى أن أكثر الصحابة والسواد الأعظم من المسلمين من بعدهم قد نصبوا العداوة والبغضاء لأهل بيت النبوة سلام الله عليهم، من عهد أبيهم علي كرم الله وجهه إلى الآن، وكذلك الأمة العربية في جملتها كما يُعلم من كلمته الأولى من كلماته الثلاث، وحجته الكبرى على ذلك تقديم غيره عليه بالخلافة ويليها من الحجج مخالفة أهل السنة لما يفهمه هو بوجدانه من الروايات الصحيحة في مناقبه ولما يذكره من الروايات الباطلة فيها، ويطعن في حفاظ السنة حتى البخاري ومسلم لعدم روايتها، فهو يعدهم كلهم

стр. 327

من النواصب المتبعين لغير سبيل المؤمنين - فهو يسلم ما قاله العلامة كاشف الغطاء من أن عدم نصب العداء لأهل البيت شرط لصحة الإسلام وولاية أهله - ولا يراه ردًّا عليه أو تخطئة له، وكذلك السيد محسن العاملي لا يعده ردًّا على كتابه الذي يعدني فيه مع الوهابية غير متبعين لسبيل المؤمنين؛ لأننا ننكر الحج إلى المشاهد وعبادة قبور أهل البيت أو عبادتهم بالدعاء والطواف بقبورهم؛ ولكننا نعبد الله تعالى بالصلاة على نبيه وعلى آل بيته في الصلاة وغيرها، ونتقرب إليهم بحبهم وولايتهم، وبالحكم على من ينصب لهم العداوة والبغضاء بأنه عدو الله ورسوله، وبهذا القول يقول جميع أهل السنة من الوهابية وغيرهم، ولا يرون القول بصحة خلافة الراشدين كما وقعت ووجوب حبهم وحب سائر الصحابة منافيًا لذلك، فما قاله الأستاذ في ناحية الشيعة مجمل غير كافٍ ولا شافٍ. بيد أنه عندما توجه إلى ناحية السنة وأهلها تفضل على صاحب المنار بالنصيحة إلى (ما فرط منه كثيرًا من

стр. 328

التحريش بالشيعة) ... إلخ إلخ، وهو يعلم أن صاحب المنار كان مبدوءًا لا بادئًا، ومدافعًا لا مهاجمًا، ولم يكن محرشًا ولا متحرشًا. ولم يكن يخفى على ذكاء الأستاذ ما يكون لهذا الجواب عندنا من كلتي ناحيتيه، وما ضمه بين قطريه، وهو ما رأينا من حسن الذوق الاكتفاء بالإشارة إليه، فشفعه بكتاب شخصي، يتضمن الاعتذار عما توقعه من تأثير الجواب السلبي، قال فيه بعد الاعتذار عن تأخيره بما هو مقبول: ما قاله العلامة في كتابه الشخصي: ((نأمل من ألطافه تعالى أنكم لا تزالون متمتعين بالصحة والعافية، والعز والكرامة، مستمرين على منهاجكم الدائب في خدمة العلم والدين، وكونوا على ثقة من أننا لا نزال ندعو لكم بالتأييد والتسديد، وأن يجعل الحق مناركم عاليًا، ونور معارفكم لظلمات الجهل ماحيًا، ولا تزال ذكرى أخلاقكم الطيبة وعوارفكم الذكية ماثلة في نفوسنا، شاخصة أمامنا.

стр. 329

وتجدون مع هذا الكتاب جواب الرقيم الذي تفضلتم به وأرجو أن تجدوه كافيًا شافيًا، وتنشروه على صفحات مناركم الزاهر ليعم النفع به، ويكون إحدى همزات الوصل بين المسلمين وتمزيق ما نسجته عناكب الأوهام على ذلك الصرح المشيد، وهي الغاية التي نتوخاها في جميع جهودنا ومساعينا، ولعلكم أحرص عليها منا، وما التوفيق إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وقد تجافيت عن ذكر القائل بتلك المقالة الغريبة والتي لا يوافقه عليها أحد نظرًا لبعد الملاحظات التي لا تخفى عليكم: إن تجد عيبًا فسد الخللا)) . اهـ المراد منه. (المنار) إن عبارة هذا الكتاب، تكشف لنا الغطاء عما خفي في ذلك الجواب، مما تنطوي عليه جوانح كاتبهما من أريحية إسلامية، تأتلف بها معارفه العقلية وعوارفه القلبية، وعما رأى أنه مضطر إليه في مقامه من الرياسة في علماء المذهب من مداراة المدارك المتفاوتة، والوجدانات الموروثة، واكتفائه من صدق لقبه (كاشف الغطاء) أن يبلغ غاياته في الدروس الفقهية،

стр. 330

والفنون العقلية واللغوية، ويقف دونها من مهاب الأهواء الطائفية والمذهبية، التي تختلف فيها الأفهام وتتزاحم الأوهام، موقف مراعاة الجامدين ومداراة المتعصبين، اهتداء بما روي في الصحيح [صحيح البخاري (١٢٧) ] عن أمير المؤمنين علي ﵇: (حدِّثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يُكذَّب الله ورسوله) . وروي عنه أنه كان يقول: (إن هنا لعلمًا جمًّا لا أجد له حملة) وأشار إلى صدره، نقله صاحب نهج البلاغة [١٨ / ٣٤٦ شرح ابن أبي الحديد] . (١) فهذا ما أشرحه من عذر صديقي في إجماله في الجواب على ما فيه من موضع النظر، ووصفه إياي بالتحريش والطعن المر بالشيعة، ومطالبتي بالكف عن العودة إلى ذلك معبرًا عنه بلفظ الرجاء واجتنابه الإنكار على هؤلاء المهاجمين، وما هو بالعذر الذي يرضاه منه جميع القارئين. سيجدني صديقي العلامة المصلح عند رجائه إن شاء الله تعالى، بيد أنني أرى أن ما نسعى إليه من جمع الكلمة، ووحدة الأمة، لا يرجى نجاحه من طريق الدين إلا بسعي علماء الطائفتين له على القاعدتين اللتين رفعنا بنيانهما في المنار: (الأولى) : (نتعاون

стр. 331

على ما نتفق عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما نختلف فيه) . (والثانية) : من اقترف سيئة من التفريق والعداء أو غير ذلك من إحدى الطائفتين بقول أو كتابة فالواجب أن يتولى الرد عليه العلماء والكتاب من طائفته، وإذا لم يكن صديقنا الأستاذ الكبير آل كاشف الغطاء هو الإمام القدوة لمن ينهضون بهذا الإصلاح وهو هو في رياسته العلمية وثقة الطائفة بإخلاصه ونصحه، فمن ذا الذي يتصدى له من دونه؟ إن المبالغة في مداراة القاصرين (١) ، تقف بصاحبها دون ما هو أهل له من زعامة المصلحين، كان أستاذنا العلامة الشيخ حسين الجسر نسيج وحده في علماء سورية الجامعين بين علوم الشرع والوقوف على حالة هذا العصر، ولولا مبالغته في مداراة الجامدين من المعممين وكذا العوام أيضًا لكان ثالث السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده في زعامة الإصلاح، وإنني قد صارحته باستنكار هذه المبالغة في المداراة مشافهة له وهو ما انتقدته على كتاب الرسالة الحميدية له من إيراد المسائل العلمية التي لا شك فيها بعبارات تدل على الشك فيها

стр. 332

واحتمال صحتها بالفرض والتسليم الجدلي، ثم قلت له وقد اعتذر بمداراة الجامدين: إذا لم يكن مثل مولاي الأستاذ في مكانته من سعة العلم والصلاح يجرئ المسلمين على الجزم بالمسائل العلمية التي يستنكرها أو يجهلها الجمهور، فمن ذا الذي يجرئهم على هذا ولا يخشى اعتراض الجاهلين؟ فأرجو من الأستاذ الكبير كاشف الغطاء أن يتأمل ما ذكرته من توقف التوفيق والتأليف على بنائه على القاعدتين المناريتين عسى أن يجد عنده قبولاً. ولا يخفى عليه أن علماء الدين إذا لم يجمعوا كلمة المسلمين بهدايته على القيام بمصالحهم المشتركة فقد يغلبهم الملاحدة المتفرنجون على أكثرهم، ويقنعونهم بأن الدين أكبر المصائب عليهم!

стр. 333

أصل الشيعة وأصولها من تأليف علامتهم الكبير ومجتهدهم الشهير الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء النجفي، وهي مطبوعة في مطبعة مجلة العرفان بصيدا وقد جعلها الأستاذ صاحب هذه المجلة هدية للذين وَفَّوْهُ اشتراك المجلة وهي تباع لغيرهم بقيمة عشر فرنكات على صغرها، فإن صفحاتها مع مقدمتها ١٣٨ صفحة من القطع الصغير، ولكنها وصلت إلينا رسالة من بغداد فيها كتاب اسمه (الشيعة) تأليف (السيد محمد صادق السيد محمد حسين الصدر) . فأما (كتاب الشيعة) فلا نتكلم فيه؛ لأنه صدع جديد لبناء وحدة الإسلام، بالطعن على أهل السنة والجماعة من الصحابة الكرام، وحُفَّاظها ومدونيها من الأئمة الأعلام، كاد يضرم نار الثورة في العراق، فأنا أغضي عن هذا الكتاب المُبَارز للسنة وأهلها بالعداء وإعلان الحرب، وهو فيه كالصعو الذي يهاجم الصقر. وأما الرسالة فهي دعاية فرقة في دعوى وحدة، لهذا أخصها

стр. 334

بكلمات من النقد والعتب، أو التذكير والوعظ، يظهر بها لمؤلفها الأجل أنه جدير فيها بضرب المثل: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل هي مُصَدَّرَة بمقدمة وجيزة بإمضاء (عبد الرزاق الحسيني) كتبها ببغداد في غرة ذي الحجة سنة ١٣٥٠ خلاصتها أنه تجول في معظم القصبات والقرى الريفية في العراق، وأنه صادف أن زار في العام الماضي مصر وفلسطين وسورية، واتصل بالطبقة المثقفة في هذه الأقطار العربية كلها، فسمع منها ما كان يسمعه من أهل الدليم في العراق من الطعن الغريب في طائفة الشيعة (قال) : (وخلاصة ما كنت أسمعه أن للشيعي ذَنَبًا لا يختلف عن أذناب البهائم، وأن لهم أرواحًا تتقمص أجساد بعض الحيوانات بعد أن تفارق أجسادهم، وأنهم لا يعرفون الأكل مثلما تعرفه بقية الطوائف) وأنهم وأنهم وأنهم (إلى آخر ما هنالك من عجائب وغرائب) اهـ بنصه، مع حذف أكثره. ثم ذكر أنه كان ولا يزال يقرأ في كتب من يدعون البحث

стр. 335

والتحقيق العلمي من أهل السنة، ما هو أغرب مما سمعه عن الشيعة، وأنه كان يكاتب الإمام العلامة المؤلف بذلك كله فيدله على أكثر مما قرأ ومما سمع، وأنه في أثناء هذه المكاتبة (كان سماحته يبث الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، ويدعو المسلمين إلى سحق التقاطع من أجل الفوارق المذهبية، فكان بحق أول من شق هذا الطريق المؤدي إلى فلاح الإسلام) ! ! ! ثم استدل على هذه الدعوى بما تجشمه سماحته من عناء السفر ووعثائه لحضور المؤتمر الإسلامي العام في القدس وعبر عنها الكاتب الحَسَنِي (بأرض الميعاد) لأجل أن يخطب لدعوة المسلمين إلى هذه الوحدة التي لم يعن بها غيره. هذه المقدمة أول شاهد في هذا الكتاب على دعاوي القوم وغلوهم فيما لهم وما عليهم، وقد أقرها المؤلف عليها، وبنى تأليفه هذا على صحتها وصحة ما هو شر منها، فكانت داعية شقاق، وإن قُنِّعَتْ بقناع صلب الوفاق؛ لأنها تقنع كل من قرأها من الشيعة أن جميع أهل السنة عاميهم وخاصيهم أعداء لهم قد أخرجهم الشنآن

стр. 336

من حظيرة العقل والفهم، فلا علاج لهم بما يبذله المؤلف من علاجهم بالعلم، ومحاولة إقناعهم بأن مذهب الشيعة هو الحق بل هو الإسلام دون ما خالفه. إننا لم نسمع في عمرنا الطويل كلمة واحدة مما نقله عن المثقفين في مصر وسورية وفلسطين، لا من المثقفين الذين يجلون عن هذه الجهالات أن تصدقها عقولهم، أو ترويها ألسنتهم، ولا عن العوام الخرافيين منهم، ونحن أعلم بهذه البلاد وأهلها منه، ولم نر في كتب أحد ما هو أغرب منها كما ادعى، وأي شيء أغرب من جعل خلقة الشيعي مخالفة لخلقة سائر البشر، فإن فرض أنه سمع كلمة سخيفة كهذه جديرة بالسخرية من بعض أعراب الدليم الأميين في العراق، أفلم يكن له من عقله ما يزع تعصبه أن يلصقها بالطبقات المثقفة في مصر وفلسطين والشام؟ وإننا قد سمعنا من أخبار الشيعة في العراق وإيران وجبل عامل من الأقوال والأعمال في عشر المحرم وغيره حتى في البيوت ما لم يخطر في بالنا أن نكتبه تمهيدًا للاتفاق؛ إذ من الضروري أنه مثار للشقاق.

стр. 337

يلي هذا الشاهد على غلوه في هجو أهل السنة في أرقى البلاد العربية والإسلامية غلوه في إمامه المؤلف بجعله هو العالم المسلم الفذ الذي عني بدعوة أهل السنة إلى الاتحاد ونبذ عصبية المذاهب المفرقة بالسعي العظيم الذي انفرد به، وقاسى الأهوال والشدائد في سبيله، وهو قبوله دعوة المؤتمر الإسلامي العام ومجيئه من أرض العراق إلى أرض جارته فلسطين ليلقي خطبة فيه!! بخ بخ، أليس لأحد من علماء أهل السنة وفضلائهم شيء من مشاركة علامة الشيعة في هذا الفضل، وقد جاء بعضهم من أقطار أوربة وبعضهم من أقطار الشرق، وكانوا كلهم متفقين على جمع كلمة المسلمين، ونبذ التفريق الذي دعا إليه بعض علماء الشيعة كالسيد عبد الحسين نور الدين، ولم يسمع بمثله في العالمين؟ ولا يزالون يسعون إليه كما فعله صاحب كتاب الشيعة في هذا العام؟ إن أول صوت سمعه العالم الإسلامي كله في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية العامة، والاتفاق بين أهل السنة والشيعة خاصة، هو صوت الحكيمين الإمامين السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ

стр. 338

محمد عبده المصري، ومقالات العروة الوثقى في ذلك محفوظة أعيد طبعها، وتاريخ (الأستاذ الإمام) مفصل لها وقد نشرنا دعوتهما وأيدناها بمقالاتنا وسعينا العملي منذ ٣٦ سنة، ولكننا نغضي النظر عن ذلك، وننظر إلى عمل المؤتمر الإسلامي وحده. (١) ألم يكن لرئيس المؤتمر الإسلامي الداعي إليه وأعضاء اللجنة التحضيرية التي وضعت نظامه من الفضل ما يفوق فضل علامة الشيعة بإجابة الدعوة؟ ألم يكن للرئيس من فضل السبق إلى التأليف والاتحاد تقديمه إياه على جميع من حضر المؤتمر من علماء السنة وسادتهم بإمامة الصلاة في الاجتماع العام للمؤتمر في ليلة ذكرى الإسراء والمعراج؟ وقد علمت باليقين أن السيد أمينًا الحسيني شاور في هذا التقديم له غير أعضاء اللجنة من كبار علماء السنة، فوافقوه على ذلك؛ لأن الغرض منه التأليف والوحدة لا لسبب آخر، ولم يكن أحد منهم سمع في هذا الغرض من سماحة كاشف الغطاء كلمة، فلأهل السنة السبق إلى هذه الدعوة، ثم في تكريمه وتقديمه لأجل الوحدة.

стр. 339

ومما انتقده جمهور أعضاء المؤتمر على الأستاذ الشيخ محمد آل كاشف الغطاء أنه اتخذ هذا التقديم في تلك الليلة الحافلة حقًّا له شرعيًّا، ومنصبًا رسميًّا، فكان يتقدم من تلقاء نفسه الجميع في كل صلاة جماعة يحضرها، ولم يزاحمه أحد من أهل السنة فيها، ولم يتواضع هو مرة فيدعو غيره من العلماء أو السادة الشرفاء إلى مشاركته أو النيابة عنه على فرض أنه هو صاحب الحق، ولكنه يقدم غيره من باب التواضع وحسن الذوق. أو لم تكن هذه المنة للمثقفين من أهل السنة كافية لإبطال تلك التهمة، فتمنع السيد عبد الرزاق الحسني وأستاذه علامة الشيعة ومجتهدهم من تشهير مثقفي أهل السنة كلهم بها وجعلها سبب تأليف هذه الرسالة وإنما هي دعوة لأهل السنة إلى مذهب الشيعة. نعم إنه قد ذكر كل من مؤلفها ومؤلف كتاب (الشيعة) أن الداعي أو الدافع الداعّ لهما إلى ما كتبا هو ما جاء في كتاب (فجر الإسلام) في الطعن على الشيعة لمؤلفه الأستاذ أحمد أمين ومساعده الدكتور طه حسين المصريين، ولم أكن رأيت هذا

стр. 340

الطعن ولا طالعت هذا الكتاب، ولكني أعلم كما يعلم العالمان الشيعيان وغيرهما أن مؤلفي كتاب فجر الإسلام وضحى الإسلام ليسا من دعاة مذهب السنة والرد على مخالفيه في ورد ولا صدر، وقد ذكر مؤلفها فيها أن الأستاذ أحمد أمين صاحبه اعتذر عما كتبه في الشيعة بأنه نقله عن بعض كتب التاريخ المشهورة التي اطلع عليها ولم يطلع على ما يخالفها (١) ، ثم أشار إلى ما يبرئهما من كل تعصب مذهبي أو غرض ديني، بل إلى ما هو شر من ذلك، وهو ما اشتهر عن أحدهما من الطعن في أصل الدين؛ إذ قال: ((ونحن لولا محافظتنا على مياه الصفاء أن لا تتعكر، ونيران البغضاء أن تتسعر، وأن تنطبق علينا حكمة القائل: لا تنه عن خلق وتأتي مثله، لعرفناه من الذي يريد هدم قواعد الإسلام بمعاول الإلحاد والزندقة، ومن الذي يسعى لتمزيق وحدة المسلمين بعوامل التقطيع والتفرقة)) . اهـ وجملة القول: أنه ما كان ينبغي للعلامة كاشف الغطاء أن يوافق تلميذه السيد الحسني على ما رمى به أهل السنة مثقفيهم وعامتهم

стр. 341

من هذا الطعن غير المعقول، وأن يزيد عليه بما يوهم أنه قليل مما يعلمه هو، وأن يجعله هو وما كتب في " فجر الإسلام " داعيًا أو دافعًا إلى كتابة هذه الرسالة وما فيها مما يسوء أهل السنة من الدعوى العريضة لنفسه وهضم حق غيره من أهل السنة على الإطلاق، ثم أن يجعل ما كتبه في أصل الشيعة وأصولها ردًّا عليه وإقناعًا للفريقين بالاتفاق مع إقرار كل منهما للآخر على مذهبه، فإن الرسالة صريحة في ضد ذلك. وأما ما كتبه في أصل الشيعة وأصولها فإننا نخصه بمقال ننشره بعد.

стр. 342

*** أصل الشيعة وأصولها قَرَّظْنا في الجزء السابق هذه الرسالة التي ألفها علامة الشيعة ومجتهدها الشيخ محمد آل كاشف الغطاء الشهير؛ لدعوة أهل السنة إلى مذهبه ونشرها الأستاذ اللبيب الأريب زميلنا صاحب مجلة العرفان، ورأينا من الواجب علينا أن نكتب مقالاً آخر نبين به بعض ما انتقدناه عليها من جهة الغلو الذي اعتاده علماء الشيعة حتى صارت العادة عندهم عبادة، ومن ناحية ضعفهم في علم الحديث ولا سيما روايته وما يصح منه وما لا يصح بحسب أصول العلم وقد نشير إلى ناحية ثانية هي ناحية التاريخ، ولا نعرض للخوض في مسألة الإمامة ولا مسألة عصمة الاثني عشر التي هي أساس المذهب؛ لأنها مفروغ منها في المؤلفات القديمة وليست عملية في هذا الزمان، وما كان الجدال في أصول المذاهب إلا ضررًا لأهله في دينهم ودنياهم في كل زمان، وشر ضرره تفريق الكلمة وتمزيق نسيج الوحدة؛ لأنه مبني على عصبية المذاهب،

стр. 343

ولن تكون إلا تقليدية وما أضيع البرهان عند المقلد، وأبدأ بكلمة في الغلو فأقول: من هذا الغلو إطراء أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه المتضمن لاحتقار الإسلام وما يستلزمه مما لا يحسن التصريح به، بما أنكرناه على السيد عبد الحسين نور الدين العاملي من قبل فلم يمنع ذلك الأستاذ كاشف الغطاء أن يعيده مُقِرًّا له من بعد؛ إذ قال في أول ص ٢١ بعد ذكر من سمى من الصحابة في الشيعة ما نصه: (ولكن ما أدري أهؤلاء الذين أرادوا هدم الإسلام أم إمام الشيعة علي بن أبي طالب الذي يشهد الثقلان أنه لولا سيفه ومواقفه في بدر وأحد وحنين والأحزاب ونظائرها لما اخضر للإسلام عود وما قام له عمود حتى كان أقل ما قيل في ذلك عنه المعتزلي أحد علماء السنة (! !) : ألا إنما الإسلام لولا سهامه ... كعفطة عنز أو قلامة ظفر هذا ما كتبه مجتهد النجف الأكبر وعلامته الأشهر ثم فسره بمختصر مما فسره به عبد الحسين نور الدين العاملي

стр. 344

وضرب له هذا المثل الشعري الإلحادي. الله أكبر ودينه الإسلام أعلى وأظهر وأذكى وأطهر وأعز وأقهر من تشبيه هذا المعتزلي الرافضي - لا السني (١) - له بضرطة أنثى المعز وقلامة الظفر. نعم إن دينًا سماه الله دينه وأتمه وأكمله ووصفه بما وصفه ووعد بإظهاره على الدين كله وإتمام نوره بقدرته وفضله، وبعث به خير خلقه محمدًا رسول الله وخاتم النبيين ورحمته للعالمين، وجعل ملته هي الباقية إلى يوم الدين وأيده بملائكته فوق تأييده بالمؤمنين، وإن دينًا هذا شأنه يجب على كل مؤمن به أن يوقن أنه أجل وأكبر وأعظم وأعلى وأسمى وأرفع وأمنع من أن يتوقف ظهوره ونوره ونصره وبقاؤه على جهاد أي فرد من أفراد المؤمنين، وأن يكون من امتهنه بأنه لولا فلان من أتباعه لكان كضرطة أنثى المعز أو قلامة الظفر التي تلقى وتداس بالنعال جديرًا بأن يكون من أجهل الناس به وأبعدهم عن الإيمان به واتباعه (٢) ، وإن وَصَفَهُ مجتهدُ الشيعة بأنه من المعتزلة علماء السنة، ومتى

стр. 345

كان المعتزلة من علماء السنة , فأين علم هذا المجتهد الكبير بالمذهب والتاريخ؟ لو كنا نريد أن نتكلم في أصول المذاهب لبينا للقارئ أي الفريقين تبعت المعتزلة فيما خالفوا فيه السنة من تحكيم عقولهم في تأويل كلام الله وكلام رسوله وغير ذلك. وشر من قول هذا المعتزلي بل الزنديق المحتقر للإسلام قول من جعل ذمه وإهانته له أقل ما يقال فيه , فأي شيء أقل من ضرطة العنز وقلامة الظفر؟ ! أهذا هو مذهب الشيعة الذي يدعي العلامة كاشف الغطاء أن النبي ﷺ هو الواضع له فهذا مثل من غلو القوم اللاشعوري. نعم إنه ادعى أن النبي ﷺ هو الذي وضع أصل مذهب الشيعة وأن خيار أصحابه تلقوه عنه، ثم كان أئمة الإسلام من مدوني كتب السنة حفاظ الحديث والمفسرين وسائر علماء الملة منهم إلخ. من الغريب أن يحتج على هذا الأصل بروايات يعزوها إلى

стр. 346

الكتب المعتمدة عند أهل السنة، وما أدري أعلمه بالروايات المعتمدة عند أهل السنة كعلمه بكون المعتزلة منهم؟ أم هو يتعمد التدليس والإيهام؟ كل ذلك جائز، وهو ما تراه في أول ص ٤١ وما بعدها جوابًا عن سؤال أورده: قال: (إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة الإسلامية - يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبًا إلى جنب وسواء بسواء (١) ، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى نمت وأزهرت في حياته، ثم أثمرت بعد وفاته. (٢) وشاهدي على ذلك نفس أحاديثه الشريفة لا من طريق الشيعة ورواة الإمامية حتى يقال: إنهم ساقطون؛ لأنهم يقولون بالرجعة أو أن راويهم (يجر إلى قرصه) بل من نفس أحاديث علماء السنة وأعلامهم، ومن طرقهم الوثيقة التي لا يظن ذو مسكة فيها الكذب والوضع. (٣) وأنا أذكر جملة ما علق بذهني من المراجعات الغابرة، والتي عثرت عليها عفوًا من غير قصد ولا عناية:

стр. 347

(فمنها ما رواه السيوطي في كتاب (الدر المنثور، في تفسير كتاب الله بالمأثور) في تفسير قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ (البينة: ٧) قال: أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي ﷺ فأقبل علي ﵇ فقال: (والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة) ونزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ (البينة: ٧) . (١) أخرج ابن عدي (٢) عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (البينة: ٧) قال رسول الله ﷺ لعلي: (أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين) (؟) وأخرج ابن مردويه عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ (ألم تسمع قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ (البينة: ٧) هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب تدعون غرًّا محجلين) . (٣) انتهى حديث السيوطي. وروى بعض هذه الأحاديث ابن حجر في

стр. 348

صواعقه عن الدارقطني وحدَّث أيضًا عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: (يا علي أنت وأصحابك في الجنة، أنت وشيعتك في الجنة) . (١) (وفي نهاية ابن الأثير ما نصه في قمح: وفي حديث علي ﵇ قال له النبي ﷺ : (ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضابًا مقمحين، ثم جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح) انتهى. (٢) وببالي أن هذا الحديث أيضًا رواه ابن حجر في صواعقه وجماعة آخرون من طرق أخرى تدل على شهرته عند أرباب الحديث. (والزمخشري في (ربيع الأبرار) يروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله تعالى وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم فترى أين يؤمر بنا) . (٣) ولو أراد المتتبع كتب الحديث مثل مسند الإمام أحمد بن حنبل وخصائص النسائي وأمثالهما أن يجمع أضعاف هذا القدر

стр. 349

لكان سهلاً عليه. وإذا كان نفس صاحب الشريعة الإسلامية يكرر ذكر شيعة علي ويُنَوِّهُ عنهم بأنهم هم الآمنون يوم القيامة وهم الفائزون، والراضون والمرضيون، ولا شك أن كل معتقد بنبوته يصدقه فيما يقول، وأنه لا ينقل عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فإذا لم يصر كل أصحاب النبي ﷺ شيعة لعلي ﵁ فبالطبع والضرورة تلفت تلك الكلمات نظر جماعة منهم أن يكونوا ممن ينطبق عليه ذلك الوصف بحقيقة معناه لا بضرب من التوسع والتأويل. *** تعليقنا الوجيز على هذه الدعوى وأدلته ا: أقول: (أولا) إن هذه الأحاديث التي اعتمد عليها في بيان أصل الشيعة لا تصح رواية لشيء منها ألبتة، ولذلك لم يخرج شيئًا منها مصنفو الصحاح كالإمام مالك والبخاري ومسلم ولا من بعدهما - ولا أحد من أصحاب كتب السنن كالأربعة المشهورة، ولا مما قبلها من المسانيد كمسند الإمام أحمد ومسند إسحاق بن راهويه ومسند ابن أبي شيبة ومسند الطيالسي، على ما في

стр. 350

هذه السنن والمسانيد من الأحاديث الضعيفة، بل لم يخرجها الحاكم في مستدركه ولا عبد الرزاق في مسنده ولا مصنفه على ما فيها من الأحاديث الموضوعة وشدة عنايتهما بجمع مناقب علي وآل بيته ﵈. وإنما خَرَّجها بعض الذين عنوا بجمع كل ما روي من الشواذ والمناكير والموضوعات أيضًا، ولا سيما رواة التفسير المأثور التي عني السيوطي بجمعها في كتابه الدر المنثور ويُكْثِرُ إيرادَ مِثْلِها المُصَنِّفُونَ في المناقب والفضائل بغير تمييز، ولا سيما الجاهلين بعلم الرواية، ومنهم: الواحدي والزمخشري الذين أوردوا في تفاسيرهم الأحاديث الموضوعة في فضائل السور سورة سورة ونقلها عنه البيضاوي. وكلها موضوعة، اعترف واضعوها بوضعها عند سؤالهم عنها كما نقله السيوطي في الإتقان (ص ١٥٥ ج ٢) . وقد اشتهر عن الإمام أحمد أنه قال: ثلاثة ليس لها أصل التفسير والملاحم والمغازي - يعني من الأحاديث المرفوعة - وذلك أن أكثر ما روي فيها مراسيل لا يعلم الساقط من سندها، وتكثر فيها الإسرائيليات وأقوال أهل الأهواء. (١)

стр. 351

ثانيًا: إن ما نقله السيوطي منها في تفسيره (الدر المنثور) من الروايات عن ابن عساكر وابن عدي (١) وابن مردويه هو حديث واحد في موضوعه، وهو سبب نزول آية البينة، وهو لم يذكره في كتابه (لباب المنقول في أسباب النزول) لأنه من القشور الواهية لا من اللباب، ولهذا لم يروها الإمام الطبري ولم ينقلها الحافظان البغوي وابن كثير وأمثالهما في تفاسيرهم ولا مفسرو المعقول. (ثالثًا) إن ما ينقله السيوطي في هذه الكتب لا يقال: إنه هو الذي رواه كما يقول الاستاذ كاشف الغطاء فيه وفي الزمخشري وابن حجر الهيتمي ويقول مثله غيره من علمائهم في كل ما ينقلونه عن أي كتاب ألفه أحد المنسوبين إلى مذهب السنة ليحتجوا به على أهل السنة كما بيناه في الرد على الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين العاملي. فالفرق بين الراوي والناقل معروف عند جميع أهل الحديث وجميع أهل العلم، وأكثر الذين رووا الأحاديث بأسانيدهم لم يلتزموا الصحيح منها بل منهم من تعمد رواية كل ما سمعه حتى الموضوع المفترى اعتمادًا على

стр. 352

التفرقة بينهما بمعرفة رجال أسانيدها، ومنهم من اجتنب الموضوع دون الضعيف. وأكثر الغافلين عنهم من غير المحدثين كالرمخشري والرازي لا يميزون بين الصحيح وغيره. وما كل المميزين يلتزمون نقل ما يصح أو يبينون درجته إلا قليلاً، ولا سيما أحاديث المناقب والفضائل حتى مناقب النبي ﷺ ودلائل نبوته ومناقب آله وأصحابه ومن دونهم فأكثر روايات دلائل النبوة للحافظ أبي نعيم وحلية الأولياء ضعيفة وفيها موضوعات كثيرة. (رابعًا) أن الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي وهو من مثل الفقهاء غير المحدثين نقل في كتابه الصواعق (١) ما رآه من هذه الروايات التي فيها ذكر الشيعة وصرَّح بضعف بعضها وكذب بعض. و (قال) في ص ٩٤: إن المراد بشيعته أهل السنة والجماعة لا مبتدعة الروافض والشيعة فإنهم من أعدائه لا من شيعته. وأورد عنه كرم الله وجهه ما استدل به على ذلك، وأعاد هذا في ص ٩٥ ثم قال في ٩٨ بعد الإحالة على ما تقدم فيهم،

стр. 353

وفي رواية أحمد في المناقب التي ذكر فيها اللفظ إنما هم شيعة إبليس، ثم قال: ((فاحذر من غرور الضالين، وتمويه الجاحدين، الرافضة والشيعة)) . ثم ذكر حديث الدارقطني عن علي وأم سلمة، وهو حجة له على الشيعة ولذلك [لم] يذكر كاشف الغطاء نصه، بل كشف عن بعضه وغطى بعضًا، فنص الأول: ((يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك ففي الجنة، وإن قومًا يزعمون أنهم يحبونك يصغرون الإسلام ثم يلفظونه، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة يقال لهم الرافضة، فإن أدركتهم فقاتلهم إنهم مشركون)) ، وفي رواية أم سلمة زيادة في علامتهم من ترك الجمعة والجماعة والطعن على السلف. (قال) : ((وشيعته هم أهل السنة؛ لأنهم هم الذين أحبوه كما أمر الله ورسوله، وأما غيرهم فأعداؤه في الحقيقة ... )) إلخ. (خامسًا) علم من هذا أن قوله: إنه ينقل الأحاديث الشريفة في أصل مذهب الشيعة من نفس أحاديث علماء السنة وأعلامهم ومن طرقهم الوثيقة إلخ غير صحيح؛ فإنه لم يذكر شيئًا من طرق الأحاديث التي نقلها، وإنما نقلها من غير كتب رواتها، بل لا يعرف

стр. 354

تلك الطرق ولا رآها، ولو رآها لما عرف صحيحها من سقيمها، فإن ادعى أنه يعرف هذا وذاك، وأنه قال ما قال عن معرفة، فإننا نسأله: لِمَ لَمْ يذكرها؟ ثم نتحداه بأن يبين لنا هذه الطرق، وينقل لنا أقوال علماء الجرح والتعديل في رجال أسانيدها، ومن المعلوم بالبداهة أن نقل هذا بعد تحدينا إياه به لا يدل على أنه كان يعلمه قبله، وهو على كل حال لن يكون إلا حجة عليه. (سادسًا) قوله: إنه لا ينقل من طريق الشيعة؛ لئلا يقال ما ذكره - فيه: إن أئمة أهل الحديث لا يقولون مثل هذا القول فيهم كلهم، وقد عدلوا كثيرًا من رجال الشيعة في الرواية فليأتنا بما شاء من رواياتهم بطرقهم المتصلة إن وجدت. (سابعًا) إن ما نقله عن ربيع الأبرار للزمخشرى المعتزلي هو باطل المتن على حسب أصول المعتزلة والشيعة الذين يُحَكِّمُون عقولهم في الروايات الصحيحة فيردونها أو يؤولونها بل يؤولون آيات القرآن التي توهم التشبيه بزعمهم، فكيف يقبلون حديثا لا يصح له سند، ولا يظهر له تأويل تقبله اللغة، وهو جعل الشيعة كقطار

стр. 355

آخذ كل واحد منهم بحجزة الآخر، وهي معقد إزاره يكون أوله رب العالمين له حجزة يأخذ بها رسول الله ﷺ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الصافات: ١٨٠) . وجملة القول: أن هذه الروايات التي أوردها الأستاذ كاشف الغطاء لا يصح منها شيء ألبتة، ولا يعتد بإيهامه لقارئ كلامه أنها أقرب ما علق بذهنه عرضًا من روايات المحدثين الكثيرة المعتمدة أو المتواترة عند أهل الحديث، وأنه لو شاء لأورد أضعافها وجعلها في معنى الوحي الواجب اتباعه، فلو كان في كتب الصحاح أو السنن شيء منها، ولو واحدًا لكان أولى منها كلها. ولو رجعنا إلى أسانيدها وبيَّنا علة كل منها لطال الكلام في غير طائل، وإنما البينة على المدعي وإنا نتحداه ونتحدى غيره أن يأتونا بسند حديث واحد (منها) رجاله رجال الصحيح. ثم نقول (ثامنًا) إن فرضنا أنه صح حديث مرفوع في ذكر شيعة علي فإننا ننقل الكلام إلى المراد منه في اللغة، وقوله تعالى في موسى ﵇: ﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: ١٥) فنقول: إنهم
следующие страницы →