ثانيًا: إن ما نقله السيوطي منها في تفسيره (الدر المنثور) من الروايات عن ابن عساكر وابن عدي (١) وابن مردويه هو حديث واحد في موضوعه، وهو سبب نزول آية البينة، وهو لم يذكره في كتابه (لباب المنقول في أسباب النزول) لأنه من القشور الواهية لا من اللباب، ولهذا لم يروها الإمام الطبري ولم ينقلها الحافظان البغوي وابن كثير وأمثالهما في تفاسيرهم ولا مفسرو المعقول.
(ثالثًا) إن ما ينقله السيوطي في هذه الكتب لا يقال: إنه هو الذي رواه كما يقول الاستاذ كاشف الغطاء فيه وفي الزمخشري وابن حجر الهيتمي ويقول مثله غيره من علمائهم في كل ما ينقلونه عن أي كتاب ألفه أحد المنسوبين إلى مذهب السنة ليحتجوا به على أهل السنة كما بيناه في الرد على الأستاذ السيد عبد الحسين نور الدين العاملي.
فالفرق بين الراوي والناقل معروف عند جميع أهل الحديث وجميع أهل العلم، وأكثر الذين رووا الأحاديث بأسانيدهم لم يلتزموا الصحيح منها بل منهم من تعمد رواية كل ما سمعه حتى الموضوع المفترى اعتمادًا على
стр. 352
التفرقة بينهما بمعرفة رجال أسانيدها، ومنهم من اجتنب الموضوع دون الضعيف.
وأكثر الغافلين عنهم من غير المحدثين كالرمخشري والرازي لا يميزون بين الصحيح وغيره.
وما كل المميزين يلتزمون نقل ما يصح أو يبينون درجته إلا قليلاً، ولا سيما أحاديث المناقب والفضائل حتى مناقب النبي ﷺ ودلائل نبوته ومناقب آله وأصحابه ومن دونهم فأكثر روايات دلائل النبوة للحافظ أبي نعيم وحلية الأولياء ضعيفة وفيها موضوعات كثيرة.
(رابعًا) أن الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي وهو من مثل الفقهاء غير المحدثين نقل في كتابه الصواعق (١) ما رآه من هذه الروايات التي فيها ذكر الشيعة وصرَّح بضعف بعضها وكذب بعض. و (قال) في ص ٩٤: إن المراد بشيعته أهل السنة والجماعة لا مبتدعة الروافض والشيعة فإنهم من أعدائه لا من شيعته.
وأورد عنه كرم الله وجهه ما استدل به على ذلك، وأعاد هذا في ص ٩٥ ثم قال في ٩٨ بعد الإحالة على ما تقدم فيهم،
стр. 353
وفي رواية أحمد في المناقب التي ذكر فيها اللفظ إنما هم شيعة إبليس، ثم قال: ((فاحذر من غرور الضالين، وتمويه الجاحدين، الرافضة والشيعة)) .
ثم ذكر حديث الدارقطني عن علي وأم سلمة، وهو حجة له على الشيعة ولذلك [لم] يذكر كاشف الغطاء نصه، بل كشف عن بعضه وغطى بعضًا، فنص الأول:
((يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك ففي الجنة، وإن قومًا يزعمون أنهم يحبونك يصغرون الإسلام ثم يلفظونه، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة يقال لهم الرافضة، فإن أدركتهم فقاتلهم إنهم مشركون)) ، وفي رواية أم سلمة زيادة في علامتهم من ترك الجمعة والجماعة والطعن على السلف.
(قال) : ((وشيعته هم أهل السنة؛ لأنهم هم الذين أحبوه كما أمر الله ورسوله، وأما غيرهم فأعداؤه في الحقيقة ... )) إلخ.
(خامسًا) علم من هذا أن قوله: إنه ينقل الأحاديث الشريفة في أصل مذهب الشيعة من نفس أحاديث علماء السنة وأعلامهم ومن طرقهم الوثيقة إلخ غير صحيح؛ فإنه لم يذكر شيئًا من طرق الأحاديث التي نقلها، وإنما نقلها من غير كتب رواتها، بل لا يعرف
стр. 354
تلك الطرق ولا رآها، ولو رآها لما عرف صحيحها من سقيمها، فإن ادعى أنه يعرف هذا وذاك، وأنه قال ما قال عن معرفة، فإننا نسأله: لِمَ لَمْ يذكرها؟
ثم نتحداه بأن يبين لنا هذه الطرق، وينقل لنا أقوال علماء الجرح والتعديل في رجال أسانيدها، ومن المعلوم بالبداهة أن نقل هذا بعد تحدينا إياه به لا يدل على أنه كان يعلمه قبله، وهو على كل حال لن يكون إلا حجة عليه.
(سادسًا) قوله: إنه لا ينقل من طريق الشيعة؛ لئلا يقال ما ذكره - فيه: إن أئمة أهل الحديث لا يقولون مثل هذا القول فيهم كلهم، وقد عدلوا كثيرًا من رجال الشيعة في الرواية فليأتنا بما شاء من رواياتهم بطرقهم المتصلة إن وجدت.
(سابعًا) إن ما نقله عن ربيع الأبرار للزمخشرى المعتزلي هو باطل المتن على حسب أصول المعتزلة والشيعة الذين يُحَكِّمُون عقولهم في الروايات الصحيحة فيردونها أو يؤولونها بل يؤولون آيات القرآن التي توهم التشبيه بزعمهم، فكيف يقبلون حديثا لا يصح له سند، ولا يظهر له تأويل تقبله اللغة، وهو جعل الشيعة كقطار
стр. 355
آخذ كل واحد منهم بحجزة الآخر، وهي معقد إزاره يكون أوله رب العالمين له حجزة يأخذ بها رسول الله ﷺ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الصافات: ١٨٠) .
وجملة القول: أن هذه الروايات التي أوردها الأستاذ كاشف الغطاء لا يصح منها شيء ألبتة، ولا يعتد بإيهامه لقارئ كلامه أنها أقرب ما علق بذهنه عرضًا من روايات المحدثين الكثيرة المعتمدة أو المتواترة عند أهل الحديث، وأنه لو شاء لأورد أضعافها وجعلها في معنى الوحي الواجب اتباعه، فلو كان في كتب الصحاح أو السنن شيء منها، ولو واحدًا لكان أولى منها كلها. ولو رجعنا إلى أسانيدها وبيَّنا علة كل منها لطال الكلام في غير طائل، وإنما البينة على المدعي وإنا نتحداه ونتحدى غيره أن يأتونا بسند حديث واحد (منها) رجاله رجال الصحيح.
ثم نقول (ثامنًا) إن فرضنا أنه صح حديث مرفوع في ذكر شيعة علي فإننا ننقل الكلام إلى المراد منه في اللغة، وقوله تعالى في موسى ﵇: ﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: ١٥) فنقول: إنهم
стр. 356
هم الذين اعتقدوا أنه هو الذي كان على الحق فنصروه على من عادوه وتبرءوا منه وحاربوه من الخوارج، وكذا معاوية وأتباعه خلافًا لابن حجر الهيتمي وأمثاله الذي يخرجون هؤلاء منهم بحجة أنهم كانوا مجتهدين متأولين فلهم أجر واحد، ولعلي وأتباعه أجران؛ فإن متبع الحق مستقل الفكر فيه بلا هوى ولا تعصب لمذهب يجزم بأن معاوية نفسه كان باغيًا خارجًا على الإمام الحق كالخوارج، وأنه طالب ملك (١) .
ويؤيد ذلك إكراه الناس على جعل هذا الملك لولده يزيد المشتهر بالفسق (٢) ، وأن بعض الخوارج كانوا متأولين كبعض أصحاب معاوية الذين اعتقدوا أنه كان على حق في مطالبته بدم عثمان.
فمجموع كل من الفريقين بغاة خارجون على إمامهم الحق، وأفرادهم يتفاوتون في النية والقصد، كتفاوتهم في العلم والجهل.
وحكمه كرم الله تعالى وجهه عليهم في جملتهم هو الحق، وهو أن بغيهم لا يُخْرِجهم من الإسلام، وإن كلمته ﵇: (إخواننا بغوا علينا) (٣) لكلمة لو وزنت بالقناطير المقنطرة من اللؤلؤ والمرجان، لكانت ذات الرجحان في هذا الميزان.
стр. 357
هذا ما يصح به تفسير شيعته في عهده، فإن صح إطلاق هذا اللقب على أحد من بعده فيجب إطلاقه على كل من يقولون: إنه كان هو الإمام الحق في زمن خلافته كما كان على الحق في مبايعة الأئمة الثلاثة من قبله، وجميع أهل السنة يقولون بهذا حتى الذي يعذرون بعض المخالفين له بالتأويل على قاعدتهم فيمن يخالف بعض ظواهر القرآن والسنة الصحيحة عندهم متأولاً.
ولا يصح بوجه من الوجوه أن يفسر لفظ الشيعة في الحديث على فرض صحته بمذهب ديني؛ فإن أساس الدين الإلهي: الوحدة والاتفاق في جميع العقائد والمقاصد والأصول القطعية، والله يقول لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام: ١٥٩) الآية، فالشِّيَع في الدين باطلة، والرسول ﷺ بريء منها بنص القرآن فكيف يكون هو الواضع لأصولها.
كذلك لا يصح أن يكون الغلاة في علي وأولاده وأحفاده ﵈ من شيعته، ولو بالمعنى الأعم؛ لأن الغلو في دين الله مذموم في كتاب الله وعلى لسان رسوله ﷺ وقد روي عنه في
стр. 358
نهج البلاغة وغيره أنه قال: (هلك فيَّ رجلان: مُحِبٌّ غالٍ، ومبغض قَالٍ) (١) ، ولا شك في أن من أقبح الغلو فيه أن يقول: إن دين الله الإسلام لم يكن لولا سيفه إلا......!
ولا نحب أن نتوسع في بيان غلو من يُبَرِّؤُون أنفسهم من الغلو ويخصون به من اتخذوه إلهًا، على أن الشيعة الإمامية يعدون منهم خلفاء مصر العبيديين كما شهد لهم عميدها الشريف الرضي، وهم الذين يقول شاعر المعز منهم فيه:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار
دع دعايتهم الإلحادية التي فصَّلها المقريزي في خططه. وقال فيهم حجة الإسلام الغزالي: ((ظاهرهم الرفض، وباطنهم الكفر المحض)) ، فهل هذا كله مما وضعه النبي ﷺ من أصول الشيعة؟
وخلاصة الخلاصة: أن ما نقله مجتهدهم من الروايات لإثبات أصل مذهب الشيعة لا يصح أن يثبت بها أي مسألة من الفروع العملية كالطهارة والنجاسة والبيع والإجارة، وأنها لا تدل على شيء من أصول هذا المذهب، في عصمة الأئمة وفي الإمامة وفي تحكيم الآراء العقلية في العقائد الدينية ولا من فروعه، كذلك لا يصح
стр. 359
شيء مما قاله في عدِّ بعض الصحابة وغيرهم من أتباع هذا المذهب، وليس من غرضنا أن نتكلم في المذهب نفسه، ولا في فرق الشيعة من غلاة، وهم درجات من باطنية وظاهرية ومن معتدلين كالزيدية. فإن الخوض في هذا كان أكبر المصائب الممزقة للأمة الإسلامية.
ولا يزال الذين يثيرونها لأجل المحافظة على جاههم ومنافعهم أشد الناس جناية عليها، وإن سخر بعضهم منها بزعمه الدعوة إلى التأليف بين فرقها، وجمع كلمتها.
وما هو إلا داع إلى مذهبه، مضلل لمتبعي غيره، وهذا هو التفريق بعينه:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل
***