وأثبتوا لله تعالى الوجه واليدين واليد اليمنى واليد الشمال والأصابع والكف والعينين كلها بمعانيها الحقيقية من دون تأويل، وهو تجسيم صريح) . (١)
(وحملوا ألفاظ الصفات على معانيها الحقيقية فأثبتوا لله تعالى المحبة والرحمة والرضا والغضب وغير ذلك بمعانيها الحقيقية من غير تأويل، وأنه تعالى يتكلم بحرف وصوت فجعلوا الله تعالى محلاًّ للحوادث وهو يستلزم الحدوث كما بين في محله من علم الكلام) .
(أما ابن تيمية فقال بالجهة والتجسيم والاستواء على العرش حقيقة، والتكلم بحرف وصوت وهو أول من زقا بهذا القول وصنَّف فيه رسائل مستقلة كالعقيدة الحموية والواسطية وغيرها، واقتفاه في ذلك تلميذه ابن القيم وابن عبد الهادي وأتباعهم، ولذلك حكم علماء عصره بضلاله وكفره، وألزموا السلطان بقتله أو حبسه، فأخذ إلى مصر ونُوظِر وحكموا بحبسه فحبس وذهبت نفسه محبوسًا بعدما أظهر التوبة ثم نكث ونحن ننقل ما حكوه
стр. 72
عنه في ذلك وما قالوه في حقه لتعلم ما هي قيمة ابن تيمية عند العلماء:
(قال أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي صاحب الصواعق في كتابه (الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم) في جملة كلامه الآتي في فصل الزيارة:
((إن ابن تيمية تجاوز إلى الجناب المقدس وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم ... )) إلخ.
(وقال ابن حجر أيضًا في (الدرر الكامنة) على ما حكي: إن الناس افترقت في ابن تيمية (فمنهم) من نسبه إلى التجسيم لما ذكره في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك بقوله: إن اليد والقدم والساق والوجه حقيقية لله، وأنه مستو على العرش بذاته، فقيل له: يلزم في ذلك التحيز والانقسام؟ فقال: أنا لا أسلم أن التحيز والانقسام من خواص الأجسام فألزم بأنه يقول بالتحيز في ذات الله (١) إلخ) .
أقول: حسبي هذه الجملة من تقول الرافضي نموذجًا على كذبه
стр. 73
في نقوله ومزاعمه واقتصاره في النقل على ما يوافق هواه، ويؤيد دعايته ودعواه.
كما يفعل دعاة النصرانية (المبشرون) فيما ينقلونه من القرآن العظيم وكتب الحديث وغيرها من كتب المسلمين؛ لتشكيكهم في الدين ثم تحويلهم عنه إن لم يكن إلى النصرانية فإلى الإلحاد والزندقة؛ لأنهم يفضلونها على الإسلام الذي جاء بتوحيد الله تعالى وتنزيهه، وبكون المسيح ﵇ نبيه جعله وأمه آية للناس بحملها به من نفخ روح الله جبريل ﵇ إلخ.
كما فعل أمثالهم أعداء الإسلام من يهود الحجاز عند ما سألهم مشركو مكة عن دينهم ودين محمد أيهما الحق؟ فشهدوا لهم بأن دين الوثنية وعبادة الأصنام هو الحق، وبأن دين محمد وهو التوحيد والبعث والشهادة بالرسالة لموسى ﵇ وغيره من رسل الله هو الباطل!
كذا يفضل هذا الرافضي البدعة على السنة وعلى ظاهر القرآن أيضًا.
***
بيان تَقَوُّلِ العاملي على ابن تيمية والوهابية
زعم الرافضي العاملي المتعصب أن أول من زقا بهذه العقائد
стр. 74
أي صاح بها ودعا إليها هو ابن تيمية وتبعه بها تلميذاه ابن القيم وابن عبد الهادي؛ ولذلك حكم علماء عصره بضلاله وكفره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه إلخ.
أقول (أولاً) : إن الوهابية يدعون بحق أنهم موحدون وحامون لحِمَى التوحيد من تَطَرُّقِ الشرك، وكان يدعي هذه الدعوى بحق من قبلهم شيخ الإسلام، وعلم أهل السنة الأعلام، وهادم أركان بدعة الروافض وغيرهم من المبتدعة أرباب الخرافات والأوهام، وماحق شبهات الفلاسفة وضلالات الكفرة. (ثانيًا) : إن الوهابية لم يدعوا أنهم هم الموحدون وحدهم وأن غيرهم من جميع المسلمين مشركون كما افترى عليهم هذا الرافضي المتعصب وغيره (١) ، بل لم يدعوا أنهم فرقة أو أهل مذهب مستقل حتى يصفوا أنفسهم بوصف من دون سائر المسلمين، وإنما يقولون كما يقول غيرهم من العلماء بتوحيد الله الذي دعت إليه جميع رسله: إن المسلمين قد صدق في بعضهم حديث نبيهم الثابت في الصحاح من اتباعهم سَنَن من قبلهم من أهل الكتاب
стр. 75
في البدع ومخالفة هداية دينهم كما يصدق في بعض آخر منهم قوله ﷺ بأنه: (لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) (١) .
ويقولون: إن الذين اتبعوا سنن من قبلهم هم أهل البدع من الجهمية والروافض وغيرهم، وإن القائمين بأمر الله هم المحافظون على الاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ على الهدْي الذي كان عليه السلف الصالح من قبل ظهور البدع، ومن قاوم البدع منذ ظهورها من علماء الأمصار، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل ﵃ أجمعين.
(ثالثًا) : إن ما ذكره من العقائد التي زعم أن ابن تيمية وابن عبد الوهاب وأمثالهم أباحوا لها حِمَى التوحيد وهتكوا ستوره ... بإثباتهم لله تعالى صفة العلو والاستواء على العرش إلخ، إنما أثبتوا بها -كسائر أهل السنة - ما أثبته الله تعالى في كتابه المعصوم، وفي سنة خاتم أنبيائه المعصوم المبينة له، ذلك الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه خلافًا لغلاة الروافض المارقين عن الإسلام بزعمهم أن كتاب الله المنزل على
стр. 76
محمد ﷺ ، لم يكتبه كما نزل إلا عليٌّ كرَّم الله وجهه وأنه كتمه عن المسلمين إلا أئمة أهل بيته، وأنه انتهى أخيرًا إلى مهدي السرداب، وأنه سيظهر في آخر الزمان (١)
وزعم الكثيرين منهم أن القرآن الذي تواتر بين المسلمين من عهد النبي وخلفائه الراشدين إلى اليوم قد حرَّفه الصحابة رضوان الله عليهم وكتموا بعضه، وأن عليًّا وسائر أئمة البيت المعصومين عندهم قد وافقوهم على ذلك ظاهرًا من باب التقية التي لا تنافي العصمة عندهم، بل يباح بها الكذب وكذا الكفر كاستباحة كتمان القرآن، ولكن منهم مَن بيَّن الحقيقة سرًّا لبعض أتباعهم فظلوا يتناقلونها إلى أن أذاعها بعضهم وجمع نصوصها عنهم صاحب كتاب (فصل الخطاب) المطبوع في إيران، بَرَّأَ اللهُ كتابَه وأهل بيت نبيه من هذا الكفر والضلال.
وأما كونهم يثبتون تلك النصوص بمعانيها الحقيقية بدون تأويل ولكن مع إثبات التنزيه فهم متبعون في ذلك لسلف الأمة الصالح غير مبتدعين له، وإنما ابتدع التأويل الجهمية والمعتزلة
стр. 77
وأتباعهم من الروافض بشبهة تنزيه الله تعالى عن التجسيم والتشبيه.
و كان أبو الحسن الأشعري من المعتزلة المتأولين ثم رجع عن أشهر قواعد الاعتزال واتبع فيها أهل السنة، وظل على ما اعتاد من بعض تأويلات الاعتزال حتى صفا له مذهب أهل السنة من الشوائب ورجع إلى مذهب السلف كما صرَّح به في آخر كتابه المسمى بالإبانة (١) ، ولكن عدوى التأويل المبتدع سرت إلى كبار النظار من أتباعه فجرى لبعض أساطينهم ما جرى له من رجوعهم إلى مذهب السلف في أواخر أعمارهم، أو قبل ذلك كما جرى للإمام الجويني (٢)
و الإمام الغزالي (٣) وغيرهما من المتقدمين ولشيخنا الأستاذ الإمام من المتأخرين.
وأما شبهة المبتدعة المتأولين فهي تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه التي يعبرون عنها في تأويل بعض الصفات بالتجسيم والتحيز وغيرهما من لوازم الأجسام فبهذه الشبهة عطَّلوا أكثر صفات الله تعالى حتى صارت عندهم في حكم العدم.
والسلف الصالح أعلم منهم بمعاني النصوص، وبما يجب الإيمان به وأشد
стр. 78
منهم تنزيهًا للرب ﵎، وقد كاد ذلك يخفى على أهل القرون الوسطى لقصر هِمَم علماء السنة السلفيين على علوم القرآن والسنة وإعراضهم عن علم الكلام وعلم الفلسفة المبتدع ونظرياته الجدلية الخلابة، حتى ظهر شيخ الإسلام ابن تيمية فنظر بعد الإحاطة بعلوم السنة والنقل المروية والمدونة في الكلام والفلسفة والمنطق وأظهر كثيرًا من فساد نظرياتها وأثبت صحة مذهب السلف من طريق النقل وطريق العقل جميعًا.
والقاعدة في ذلك أن تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه قد ثبت بدليل العقل والنصوص القطعية من النقل كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) وإن السلف يجمعون بين الأمرين: تنزيه الرب سبحانه ووصفه بما وصف به نفسه من الرحمة والمحبة والرضا والغضب وغير ذلك وعدم التحكم في التفرقة بين هذه الصفات وصفات العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، فيقولون: إن رحمته تعالى رحمة حقيقية ليست كرحمة البشر كما أن علمه ليس كعلم البشر وسمعه ليس كسمع البشر وبصره ليس كبصر البشر إلخ، وكذلك
стр. 79
يقول السلف في استوائه تعالى على عرشه: إنه استواء يليق بجلاله وَتَنَزُّهِهِ عن مشابهة خلقه، ليس كاستواء الملوك على عروشها، ولا نتحكم بعقولنا بتأويل ذلك كزعم من قالوا: الاستواء بمعنى الاستيلاء مثلا، وستأتي أقوالهم في ذلك.
ذلك بأن مبتدعة التأويل يقيسون الخالق على المخلوق فيزعمون أن المعاني الحقيقية لتلك الصفات الإلهية تستلزم التشبيه الممنوع عقلاً ونقلاً، فوجب إخراج الألفاظ الدالة عليها من مدلولها، وحملها على معانٍ مجازية؛ ليتفق العقل مع النقل، وفاتهم أن تلك المعاني المجازية هي مستعملة في المخلوقات كالمعاني الحقيقية فالذين أَوَّلُوا رحمة الله تعالى بإحسانه إلى خلقه فاتهم أن الإحسان المستعمل في اللغة تعبيرًا عن صفات المخلوقين وأعمالهم مُحَال على الله تعالى أيضًا؛ إذ هو عبارة عن بسط يد بعطاء أو إنقاذ غريق من البحر مثلاً، وهذا لا يكون إلا بحركات الأعضاء فهو يستلزم التشبيه أيضًا.
كما يلزم ذلك متكلمي الأشعرية الذين وافقوا المعتزلة والجهمية
стр. 80
والرافضة في تأويل ما عدا الصفات الثمانية التي يسمونها صفات المعاني، فإن العلم الذي هو أبعد هذه الصفات عن الحاجة إلى التأويل عندهم هو عبارة في اللغة المستعملة في البشر عن انطباع صور المعلومات في ذهن العالم بها، والله تعالى منزه عن ذلك، وعلمه أزلي ليس صورة ذهنية للمعلومات التي تثبت الحدوث لما عدا ذاته وصفاته الذاتية منها، وفي صفات الأفعال خلاف معروف. فوصفه تعالى بالعلم بمعناه الحقيقي المعروف في لغة البشر يستلزم تشبيهه بالبشر أيضًا، ولذلك أنكر أئمة النار من المبتدعة جميع صفات الله تعالى وعطلوها عن معانيها، ومنهم هذا الرافضي وأمثاله.
ومذهب سلف الأمة يهدم هذه البدعة وشبهتها من أساسها بما بيَّنه به شيخ الإسلام ابن تيمية أوضح بيان كما نقلناه عنه وعن غيره مرارًا، وخلاصته:
أننا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ من صفاته وأفعاله بمعانيها الصحيحة المتبادرة من اللغة مع القول بالتنزيه ككون محبة الله لأنبيائه وأوليائه ورحمته بعباده ليستا كمحبة المخلوقين
стр. 81
ورحمتهم فيما بينهم كما أن علمه تعالى ليس كعلمهم - فهذا هو اعتقاد المسلمين المؤمنين الذين يتلقون دينهم من كتاب ربهم ومما صح عن رسوله إليهم ﷺ إثباتًا ونفيًا، من غير تحكيم للأهواء والبدع بشبهة قياس الخالق على المخلوق والرب على العبد.
ومثل ذلك إثبات صفة العلو والفوقية له تعالى فقد سمى الله تعالى نفسه:
﴿العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ (الحج: ٦٢) فيقول سلف الأمة الصالح: إن علوه تعالى على جميع خلقه ليس كعلو رأس الإنسان على جثته ولا علو من في الغرفة على من في أسفل الدار، كما يقولون مثل ذلك في اسمه الكبير والعظيم أي أنه ليس بمعنى كبر الأجسام وعظمتها ككون الجبل أكبر من الصخرة مثلاً، وقد شرحنا هذه المسألة عن طريق العقل والنقل والعلم الكوني مرارًا، وأثبتنا أن العلو الحسي بين الأجسام أمر نسبي ليس له حقيقة ثابتة، فكيف نستنبط من لوازمه ما نعطل به صفة الله التي وصف بها نفسه في الآيات والأحاديث الصحيحة التي أخذها السلف الصالح فالتسليم من غير جدل ولا تعطيل (١) ولا تأويل، وقد سبق إلى ذلك شيخ
стр. 82
الإسلام في كتابه العرش وغيره فبيَّن أن العلو الحقيقي المطلق لا يثبت إلا لله العلي الكبير القاهر فوق عباده، وما عداه فعلو نسبي، ولا سيما على القول بكروية العالم.
وقد اشتهر في كتب العقائد وعلم الكلام القديمة والحديثة للأشاعرة أن أهل السنة انقسموا فيما عدا صفات المعاني الذاتية إلى:
سلف يفوضون حقيقة تلك الصفات (١) إلى الله تعالى ويرونها كما جاءت في الكتاب والسنة مع تنزيه الرب تعالى عن الشبيه والمثل. (٢)
وخلف يؤولونها تأويلاً يوافق قواعد اللغة التي وردت بها، وقال بعضهم: (إن مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم) . (٣)
ولكن المحققين المنصفين منهم قالوا: إن مذهب السلف هو الأسلم والأعلم والأحكم، بل قال أبو حامد الغزالي: إن علم الكلام ليس من علوم الدين الأصلية، وإنما هو ضرورة ألجأ العلماءَ إليها الردُّ على المبتدعة والفلاسفة فيما خالفوا فيه ما جاء في نصوص الدين القطعية (٤) فهو كحرس الحجيج الذي يحرسهم من قطاع الطريق إنما يجب ما وجد المعتدون على الحجيج، فإذا لم يوجد من يعتدي
стр. 83
عليهم يُسْتَغْنَى عن الحرس؛ لأنه ليس من أركان الحج ولا من واجباته ولا من سننه.
نتيجة ما تقدم في إبطال زعم الرافضي
زعم الرافضي العاملي أن ابن تيمية أول من أثبت ما ذكر من صفات الله تعالى بدون تأويل، وتبعه بعض تلاميذه ثم الوهابية، وأنهم خالفوا في ذلك جميع المسلمين، وهذا كذب وافتراء وتضليل لعوام أهل السنة، وتمهيد إلى جذبهم إلى الرفض الذي من أصوله تعطيل صفات الله تعالى بالتأويل وجعله كالعدم (١)
، تعالى الله عما يقول المبتدعون علوًّا كبيرًا، فما من صفة من تلك الصفات إلا وهي منصوصة في القرآن أو في الأحاديث النبوية الصحيحة، ولعل كل قارئ للقرآن أو سامع له من المسلمين قد قرأ أو سمع قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: ١٠) وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (ص: ٧٥) (٢)
وزعم الرافضي أن ابن تيمية يثبت لله تعالى يمينًا وشمالاً، ونصوصه تدل على أنه يتبع نصوص الكتاب والسنة، وإنما ثبت فيهما لفظ اليدين، ولفظ اليمين في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (الزمر: ٦٧)
стр. 84
وثبت في حديث مسلم [رقم: ٤٧٤٨] ، والنسائي [رقم: ٥٣٧٩] : ( ... وكلتا يديه يمين) والحديث في إثبات الشمال لا يصح كما بيَّنَه الحافظ ابن حجر في الفتح والحافظ البيهقي قبله في كتابه (الأسماء والصفات) . (١)
وكأن الرافضي لم يره وسمع قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) ، وما في معناها (٢) وقوله تعالى في الملائكة ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ (٣) ، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ﴾ (الفجر: ٢٢) (٤)
وقوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ١٨٦) (٥) إلخ.
وليعلم القارئ أن ما عزاه هذا الرافضي إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه الأعلام ثم إلى الوهابية مما ليس في القرآن فهو في الأحاديث الصحيحة، كقوله ﷺ في حديث البخاري [١١٤٥] ومسلم [٧٥٨] وغيرهما: ((ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا)) إلخ. (٦)
وأما الصوت (٧) فقد ذكر فيه البخاري عن ابن مسعود ﵁: (إذا تكلم الله بوحي سمع أهل السموات شيئًا فإذا فُزِّعَ عن قلوبهم وسكن الصوت وعرفوا أنه الحق من ربهم ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: (الحق) .
قال البخاري: ويذكر عن جابر بن عبد الله عن عبد الله بن أُنَيْس سمعت رسول الله ﷺ
стр. 85
يقول: (يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ: أنا الملك أنا الديان) .
أما حديث ابن مسعود فقد رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقًَا موقوفًا عليه، ووصله البيهقي في الأسماء والصفات وغيره كما فصَّله الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١)
، وأما حديث عبد الله بن أُنَيْس (بالتصغير) فذكر الحافظ في شرحه من فتح الباري مَن أخرجه مسندًا (٢) .
وروى البخاري بعده بسنده المتصل إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يقول الله يا آدم فيقول: لبيك وسعديك: فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار) (٣)
وذكر الحافظ في شرحه له أن (ينادي) وقع مضبوطًا للأكثر بكسر الدال وفي رواية أبي ذر بفتحها، أي والثانية تحتمل من التأويل ما لا تحتمل الأولى.
وذكر الحافظ في شرح الحديث الأول تأويل من أوَّله من الأشعرية ثم قال ما نصه (ص٣٨٣ج١٣) : (وهذا حاصل
стр. 86
كلام من ينفي الصوت من الأئمة، ويلزم منه أن الله تعالى لم يُسْمِع أحدًا من ملائكته ورسله كلامه بل ألهمهم إياه (١) ، وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين؛ لأنها التي عُهِدَ أنها ذات مخارج ولا يخفى ما فيه؛ إذ الصوت قد يكون من غير مخارج كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة كما سبق، سلمنا لكن نمنع القياس المذكور وصفات الخالق لا تُقَاس على صفات المخلوق، وإذا ثبت الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة (وكان الحافظ قد بيَّن غير ما في البخاري منها) وجب الإيمان بها؛ ثم إما التفويض وإما التأويل وبالله التوفيق) اهـ، وظاهر كلامه أنه يختار التفويض اتباعًا للسلف. (٢)
ثم قال الحافظ في شرح حديث أبي سعيد ما نصه (ص ٣٨٦ ج ١٣) :
(واختلف أهل الكلام في أن كلام الله تعالى هل هو بحرف وصوت أو لا؟ فقالت المعتزلة: لا يكون الكلام إلا بحرف وصوت والكلام المنسوب إلى الله تعالى قائم بالشجرة، وقالت الأشاعرة: كلام الله ليس بحرف ولا صوت وأثبتت الكلام
стр. 87
النفسي، وحقيقته معنًى قائم بنفسه، وإن اختلفت عنه العبارة كالعربية والعجمية، واختلافها لا يدل على اختلاف المُعَبَّر عنه، والكلام النفسي هو ذلك المُعَبَّر عنه. (١)
وأثبتت الحنابلة أن الله تعالى متكلم بحرف وصوت: أما الحروف فللتصريح بها في ظاهر القرآن، وأما الصوت فمن منع قال: إن الصوت هو الهواء المنقطع المسموع من الحنجرة، وأجاب من أثبته بأن الصوت الموصوف بذلك هو المعهود من الآدميين كالسمع والبصر، وصفات الرب بخلاف ذلك، فلا يلزم المحذور مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه، وأن يجوز أن يكون من غير الحنجرة فلا يلزم التشبيه.
وقد قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة سألت أبي عن قوم يقولون: لمَّا كلم الله موسى ولم يتكلم بصوت؟ فقال لي أبي: بل تكلم بصوت، هذه الأحاديث تروى كما جاءت (٢) ، وذكر حديث ابن مسعود وغيره) اهـ.
فهذه النُّقُول من أحفظ الحفاظ صريحة في أن إثبات هذا الصوت لكلام الله المُنَزَّه عن مشابهة أصوات الخلق هو مذهب
стр. 88
الإمام أحمد بن حنبل وأتباعه، وأن دعوى الرافضي العاملي أن أول من زقا به هو ابن تيمية وخالفه فيه جميع المسلمين إلا الوهابية كذب وافتراء ولا يزال جمهور أهل الحديث إلى اليوم يتبعون الإمام أحمد في هذا، ولا أقول يقلدونه بل يتبعون رسول الله ﷺ فيما صح من حديثه فيه كغيره (١) ، وأي فرق بين إثبات الكلام وإثبات الصوت، وكل منهما ثابت للبشر؟ وكذلك السمع والبصر وسائر الصفات، وهل على المؤمن الذي لا يحكم هواه ولا شبهاته النظرية ولا يقلد رجال مذهبه في عقيدته إلا أن يُثْبِتَ لله تعالى جميع ما أثبته له كتابه ورسوله من تنزيه وصفات لم يكن من وسيلة لتبليغها للبشر إلا لغاتهم التي وضعوها لصفاتهم مع نفي التشبيه والتمثيل؟
على أننا لسنا هنا بصدد ترجيح مذهب الحنابلة وسائر أئمة السلف بل نحن في صدد تكذيب الرافضي المتعصب في زعمه أن هذا شيء افتجره ابن تيمية (فحكم علماء المسلمين بكفره) وقلده فيه بعض تلاميذه، ثم الوهابية وخالفهم سائر المسلمين.
ولا يبعد أن يعني الرافضي بالمسلمين الشيعة وحدهم (٢) أو مع
стр. 89
من سبقهم في التأويل من مبتدعة الجهمية والمعتزلة الذين صارت الشيعة عيالاً عليهم في مخالفة النصوص بالتأويل كما تقدم عن بعض متعصبيهم في تفسير حديث افتراق هذه الأمة إلى ٧٣ فرقة؛ إذ حاول جعل هذه الفرق كلها من الشيعة؛ ليخرج أهل السنة عن عداد أمة محمد ﷺ .
وجملة القول: أن ما طعن به الرافضي العاملي على ابن تيمية والوهابية من إثبات ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى بدون تأويل هو أصل مذهب أهل السنة من الصحابة والتابعين وأئمة الأمصار كما ثبت في كتب السنة التي صُنِّفَت قبل ابن تيمية وفي عصره وبعده، ومنها كتب خاصة في إثبات علو الله على خلقه.
وهذا الرافضي أراد أن يطعن في أهل السنة ويُبْطل عقائدهم، وأن يَرُوج طعنه عند عوام المسلمين فحصر مذهب السنة في الوهابية (١) ، وزعم أنه لا سلف لهم فيه إلا ابن تيمية وتلاميذه، وأن علماء المسلمين كفروه لقوله بها، والصحيح أن هؤلاء كانوا أظهر أنصار السنة كل في عصره، وهذا عصر الوهابية منذ ظهروا إلى اليوم.
стр. 90
وإننا ننقل هنا صفوة ما أورد الحافظ ابن حجر في شرحه للبخاري الذي هو عمدة المحدثين وجميع أهل السنة من عصره إلى اليوم في مذهب أهل السنة في صفات الله، وهو ما كتبه في شرح قول البخاري (باب وكان عرشه على الماء) إلخ، وذلك قوله بعد ذكر كثير من أقوال السلف وغيرهم وأقوال أهل اللغة في معنى الاستواء على العرش وغيره وهذا نصه (ص ٣٤٢ و ٣٤٣ج ١٣) :
(وقد نقل أبو إسماعيل الهروي في كتاب الفاروق بسنده إلى داود بن علي بن خلف قال: كنا عند أبي عبد الله بن الأعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) فقال: هو على العرش كما أخبر، قال: يا أبا عبد الله إنما معناه استولى فقال: اسكت لا يقال: استولى على الشيء إلا أن يكون له مُضَادٌّ.
ومن طريق محمد بن أحمد بن النضر الأزدي سمعت ابن الأعرابي يقول أرادني أحمد بن أبي دؤاد أن أجد له في لغة العرب ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) بمعنى استولى فقلت: والله ما أصبت هذا،
стр. 91
وقال غيره: لو كان بمعنى استولى لم يختص بالعرش؛ لأنه غالب على جميع المخلوقات. (١)
ونقل محيي السنة البغوي في تفسيره [١ / ٧٨ ط: طيبة] عن ابن عباسٍ وأكثرِ المفسرين أن معناه ارتفع، وقال أبو عبيدة والفراء (٢) وغيرهما بنحوه، وأخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة أنها قالت: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر) . (٣)
ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سُئِلَ كيف استوى على العرش؟ فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله الرسالة، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم) (٤) ، وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي قال: ((كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته)) (٥) ، وأخرج الثعلبي [٤ / ٢٣٩] من وجه آخر عن الأوزاعي أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ﴾ (الأعراف: ٥٤) فقال: هو كما وصف نفسه.
وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك فدخل رجل فقال يا أبا عبد الله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥)
стр. 92
كيف استوى؟ فأطرق مالك فأخذته الرُّحَضَاء ثم رفع رأسه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) كما وصف به نفسه، ولا يقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وما أراك إلا صاحب بدعة أخرجوه، ومن طريق يحيى بن يحيى عن مالك نحو المنقول عن أم سلمة لكن قال فيه: والإقرار به واجب، والسؤال عنه بدعة. (١)
وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: كان سفيان الثوري وشعبة وحما د بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا [يحددون] (٢) ولا يشبهون ويروون هذه الأحاديث ولا يقولون (كيف) قال أبو داود وهو قولنا، قال البيهقي: وعلى هذا مضى أكابرنا. (٣)
وأسند اللالكائي [٣ / ٤٣٢] عن محمد بن الحسن الشيباني قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير (٤) ، فمن فسر شيئًا منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وفارق الجماعة؛ لأنه وصف الرب بصفة لا شيء.
ومن طريق الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيّ ومالكا والثوري والليث بن سعد عن
стр. 93
الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا: (أَمِرُّوهَا كما جاءت بلا كيف) . (١)
(وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول: لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردُّهَا ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يُدْرَك بالعقل ولا الرَّوِيَّة والفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) .
وأسند البيهقي [٢ / ٣٠٧] بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري عن سفيان بن عيينة قال: (كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه) (٢) .
ومن طريق أبي بكر الضبعي قال: مذهب أهل السنة في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ (طه: ٥) قال: بلا كيف. (٣)
والآثار فيه عن السلف كثيرة، وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل وقال الترمذي في الجامع عقب حديث [برقم: ٣٢٩٨] أبي هريرة في النزول: ((وهو على العرش كما وصف به نفسه في كتابه)) كذا قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات.
وقال في باب فضل الصدقة [حديث: ٦٦٢] : ((قد ثبتت هذه
стр. 94
الروايات فنؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال (كيف) ، كذا جاء عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم أَمَرُّوهَا بلا كيف (١) ، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكروها وقالوا: هذا تشبيه، وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه لو قيل: يد كيد وسمع كسمع (٢)) ) .
وقال في تفسير المائدة [٣٠٤٥] ((قال الأئمة: نؤمن بهذا الحديث من غير تفسير، منهم الثوري ومالك وابن عيينة وابن المبارك)) .
وقال ابن عبد البر [التمهيد ٧ / ١٤٥ ط: المغرب، بتصرف] : ((أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئًا منها، وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج (٣) فقالوا: من أقر بها فهو مشبه، فسماهم من أقر بها معطلة)) . (٤)
(وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية [ص ٣٢-٣٤] : اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف
стр. 95
عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله تعالى، والذي نرتضيه رأيًا وندين الله به عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة فلو كان تأويل هذه الظواهر حتمًا لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع اهـ. (١)
وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار كالثوري
والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم وكذا من أخذ عنهم من الأئمة فكيف لا يُوثَق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة.
فهذا بعض نصوص أئمة أهل السنة من علماء السلف قبل وجود ابن تيمية بعدة قرون.
وإننا ننقل بعض ما قاله ابن تيمية نفسه في العقيدة الحموية نفسها التي زعم الرافضي أنه خالف فيها جميع المسلمين بإثبات الصفات الواردة بغير تأويل؛ ليظهر للناس مقدار جرأته على الكذب في سبيل إثبات الرفض والتعطيل،
стр. 96
ولإزاغة المسلمين عن الكتاب والسنة بالإفك والتضليل، قال شيخ الإسلام كما في (ص ٤٢٧ وما بعدها من مجموعة الرسائل الكبرى المطبوعة بمصر) بعد سرد بعض النصوص وأقوال أهل السنة والمبتدعة فيها ما نصه:
(ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله وبما وصفه به السابقون الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث) اهـ.
(قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث) ، ونعلم أن ما وصف الله به من ذلك هو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي بل معناه يُعْرَف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه وهو سبحانه مع ذلك ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (الشورى: ١١) في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله
стр. 97
وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزه عنه حقيقة، وأنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه وممتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه واستلزام الحدوث سابقة العدم ولافتقار المُحْدَث إلى مُحْدِث ولوجوب وجوده بنفسه .
(ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله فيعطلوا أسماءه الحسنى، وصفاته العليا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته، وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل) .
(وأما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثَّلوا أولاً وعطَّلوا آخرًا، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاته، وتعطيل ما يستحقه هو سبحانه من الأسماء
стр. 98
والصفات اللائقة بالله ، فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا وكل ذلك مُحَال، ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم، أما استواء يليق بجلال ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الثلاثة كما يلزم سائر الأجسام، وصار هذا مثل قول الممثل:
إذا كان للعالم صانع فإما أن يكون جوهرًا أو عرضًا؛ إذ لا يُعْقَل موجود إلا هذان، أو قوله إذا كان مستويًا على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فإن كلاهما مثَّل وكلاهما عطَّل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل مسمى للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين) .
(والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف
стр. 99
بأنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، ولا يجوز أن نثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا نثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها) .
(واعلم أن ليس في العقل الصريح ولا في النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلاً، لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الورادة عن الحق فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير) .
(ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين هذا الباب في أمر مريج، فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علمًا وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل، بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق
стр. 100
العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.
(ويكفيك دليلاً على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل، بل منهم مَن يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله) .
(يا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة فرضي الله عن مالك بن أنس الإمام حيث قال: (أَوَكُلَّمَا جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد ﷺ لجدل هذا؟) وكل من هؤلاء مخصوم بمثل ما خُصِمَ به الآخر وهو من وجوه:
(أحدها) : بيان أن العقل لا يحيل ذلك.
(والثاني) : أن النصوص الورادة لا تحتمل التأويل.
(والثالث) : أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول جاء بها بالاضطرار كما أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والعمرة والصوم والصلاة وسائر ما جاءت به النبوات، على أن
стр. 101
الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية، وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه، ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها وألفاظ من نقل مذهبهم بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم) .
ثم شرع بعد هذا في أقوال أئمة السلف في ذلك بنصوصها، وحسبنا الخلاصة التي نقلناها منها عن شرح البخاري للحافظ ابن حجر، فهي تلقم الرافضي الحجر، وتبين لأهل السنة ولذي العقل والإخلاص من الشيعة كذبه وافتراءه، وهذا التحقيق من شيخ الإسلام في مسألة الصفات الجامع بين العقل والنقل يهدم كل شبهات المبتدعة والمتكلمين المخالفة لها، ومزاعم من رماه بالتجسيم والتشبيه.
стр. 102
نموذج من نقول في الطعن على ابن تيمية
أول شيء نقله الرافضي العاملي في طعن العلماء على شيخ الإسلام ابن تيمية كلمة للفقيه أحمد بن حجر الهيتمي المكي، وهي دعوى التجسيم.
فنقول في الكلام عليها:
(أولاً) هل يعد الرافضي العاملي كلام ابن حجر هذا في الدين ورجاله حكمًا صحيحًا مع علمه بما قاله في كتابه "الصواعق"، وفي كتابه "مناقب معاوية" في بدع الشيعة وتضليلهم ... إلخ؟
أم يقبل قوله في ابن تيمية وحده دون معاوية ودون الشيعة كلهم كما هي عادة أمثاله من المتعصبين الذين لا يقبلون إلا ما يوافق أهواءهم؟
نحن لا ننكر أن ابن حجر الهيتمي طعن في ابن تيمية، وما هو من طبقته في علم من العلوم: لا علوم الحديث ولا التفسير ولا الأصول والكلام ولا الفقه أيضًا، فابن حجر هذا فقيه شافعي مقلد لمذهب
стр. 103
الشافعي غاية شأوه بيان ما قاله مَن قَبله في المذهب، وبيان الراجح من المرجوح والصحيح وغيره.
وأما ابن تيمية فمن أكبر حفاظ السنة، ومع كون طبقته في فقه الحنابلة أعلى من طبقة ابن حجر في فقه الشافعية فهو حافظ لفقه الأئمة، ومن أهل الترجيح بينها، بل هو مجتهد مطلق كما اعترف له أهل الإنصاف من علماء عصره ومن بعدهم، وإن أنكر عليه بعضهم بعض المسائل المخالفة لمذاهبهم، وما من إمام مجتهد إلا وقد أنكر عليه المخالفون بعض أقواله وهم خير ممن يقلدونه ويعدونه كالمعصومين في عدم مخالفته في شيء مما ثبت عنه.
ومع هذا نعتقد أن ابن حجر الهيتمي هذا لم يطلع على كتبه؛ وإنما قال فيه ما قال اعتمادًا على ما أشاع عنه خصومه من المبتدعة ومتأولة الأشاعرة ومغروري المتصوفة. (١)
فمن أعظم سيئاته عند هؤلاء رده على الشيخ محيي الدين بن عربي وبيانه لضلالة وحدة الوجود المشهورة عنه وعن أمثاله.
وأما قوله بإظهاره للعامة على المنابر دعوى الجهة والتجسيم
стр. 104
فهو مقلد فيه لأولئك الخصوم في تسميتهم إثبات العلو لله تعالى جهة مستلزمة للتحيز والتشبيه - للتنفير والتشهير بشناعة الألفاظ كتسميتهم لإثبات الاستواء على العرش والنزول إلى سماء الدنيا ونحوهما تجسيمًا أي بطريقة اللزوم، فإن كان يلزم من إثبات نصوص الكتاب والسنة ما ذكروا كما زعموا فهل يترك المسلمون نصوص الكتاب والسنة لأجل نظرياتهم في هذه اللوازم؟ ثم هل يقولون بضلال سلف الأمة وحصر الهداية بالمبتدعة المتأولين، مع العلم بأن مذهب السلف ونصيرهم ابن تيمية نفى هذه اللوازم كلها؟
وهذا عين ما ناظره فيه العلماء الذين شكوا أمره إلى سلطان مصر، قالوا: إنه يذكر للعوام آيات الصفات وأحاديثها من غير تأويل، وطلبوا منه هو عدم التصريح بذلك للعوام فأبى عليهم ذلك؛ لأنه كتمان لما أنزله الله، والله تعالى يقول في كتابه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ
стр. 105
اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَذيِنَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التُّوَّابُ الرَّحِيم﴾ (البقرة: ١٥٩-١٦٠) وأي طعن في الدين وجناية عليه أعظم من القول بوجوب كتمان صفات الله المنزلة في كتابه بناء على أن المبتدعة ومغروري المتكلمين قالوا بوجوب تأويلها.
وقد قال الرافضي العاملي بعد نقل ما ذكر عن ابن حجر الهيتمي: وقال ابن حجر أيضًا في (الدرر الكامنة) على ما حُكي: إن الناس افترقت في ابن تيمية فمنهم من نسبه إلى التجسيم ... إلخ.
ونقول في هذه الكلمة: (أولاً) إن ابن حجر صاحب الدرر الكامنة ليس ابن حجر الهيتمي المكي كما يدل عليه قوله: (أيضًا) بل هو الحافظ ابن حجر العسقلاني وكتابه (الدرر الكامنة) تاريخ له في أعيان المائة الثامنة، وهو مشهور وإن جهله الرافضي العاملي المدعي، فما أجهل هذا الرافضي برجال أهل السنة وكتبهم!
(وثانيًا) إن الحافظ ذكر في تاريخه هذا ما تقوَّله الناس على ابن تيمية، وما طعنوا به عليه كما يذكر هو وغيره من
стр. 106
المؤرخين مثل ذلك في غيره من الأئمة حتى المعصومين عند الشيعة؛ ولكنه هو يثني عليه أجلَّ الثناء، وقد رأيت كلامه في الانتصار لمذهب الحنابلة، وهو مذهب السلف في الصفات الإلهية، ومنها صفة العلو، وكذا في مسألة الحرف والصوت في شرحه للبخاري الذي نقلناه آنفًا؛ ولكن الرافضي يعمى عن رؤية ذلك، ويوهم قراء كتابه أن الحافظ ابن حجر شيخ الإسلام وأستاذ أشهر العلماء والحفاظ في عصره يطعن في ابن تيمية ويقول بكفره، لعدم تأويله للآيات والأحاديث الواردة في صفات الرب تعالى، كما أوهم مثل ذلك في الحافظ الذهبي إذ قال بعد ما تقدم نقله عنه في ص ١٣٢ من كتابه ما نصه: (ورَدَّ أقاويله وبيَّن أحواله الشيخ ابن حجر في المجلد الأول من الدرر الكامنة، والذهبي في تاريخه وغيرهما من المحققين) .
(وثالثًا) ننقل من ترجمة الحافظ ابن حجر لابن تيمية،
стр. 107
ومن ترجمة الحافظ الذهبي فيها ما يُعرف به الحق من الباطل في مزاعم هذا الرافضي الكذاب فنقول:
ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله سره
للحافظ ابن حجر في تاريخه الدرر الكامنة (١)
((هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني ثم الدمشقي الحنبلي، تقي الدين أبو العباس بن شهاب الدين بن مجد الدين.
стр. 108
وُلد سنة إحدى وستين وستمائة وتحول به أبوه من حران سنة سبع وستين وستمائة، فسمع من ابن عبد الدائم والقاسم الأريلي والمسلم بن علان وابن أبي عمر والفخر في آخرين، وقرأ بنفسه ونسخ سنن أبي داود، وحصل الأجزاء، ونظر في الرجال والعلل، وتفقه، وتمهر، وتميز، وتقدم، وصنَّف، ودرس، وأفتى وَفَاقَ الأقران،
стр. 109
وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوة الجنان، والتوسع في المنقول والمعقول، والاطلاع على مذاهب السلف والخلف.
وأول ما أنكروا عليه من مقالاته في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة: قام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية، وبحثوا معه، ومنع من الكلام، ثم حضر القاضي إمام الدين القزويني فانتصر له وقال هو وأخوه جلال الدين: من قال عن الشيخ تقي الدين شيئًا عزّرناه)) .
ثم ذكر ما وقع له من الاضطهاد والحبس والإطلاق بتواريخه مفصلاً، فعلم منه أن سببه سعاية بعض الجامدين على التقاليد الأشعرية والفقهية والمتصوفة إلى السلطان في انتصاره لمذهب السلف، وفي إنكاره على الصوفية ولا سيما ابن عربي، وفي مسألة الطلاق الثلاث حتى اتهموه بطلب الخلافة كما سيأتي ذكره وأن جميع الحنابلة كانوا يضطهدون معه، وكان بعض المنصفين ينتصرون له لما امتازوا به من الاستقلال في العلم، حتى إن الحكومة أكرهت الحنابلة كلهم على الإقرار بأنهم على معتقد الإمام الشافعي،
стр. 110
وذكر أن ابن تيمية نفسه كتب بخطه أنه على معتقد الشافعي، وهذا تخلص حسن إن صح فالشافعي كان على مذهب السلف في اعتقاده بلا شك، وذكر أن ممن انتصر لابن تيمية في دمشق قاضي الحنفية شمس الدين الحريري.
وأنه توفي معتقلاً في القلعة لعشرين ليلة خلت من رجب سنة ٧٢٨ ثم قال: قال الصلاح الصفدي: كان كثيرًا ما ينشد:
تموت النفوس بأوصابها ... ولم يدر عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي ... أداة إلى غير أحبابها
وأنشد له على لسان الفقراء:
والله ما فقرنا اختيار ... وإنما فقرنا اضطرار
جماعة كلنا كسالى ... وأكلنا ما له عيار
يسمع منا إذا اجتمعنا ... حقيقة كلها فشار
وسرد أسماء تصانيفه في ثلاثة أوراق كبار وأورد فيه من أمداح أهل عصره كابن الزملكاني قبل أن ينحرف عليه، وكابن