← Акыда

Акыда · id 12723

رسائل السنة والشيعة لرشيد رضا

محمد رشيد رضا

Полный текст (359 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المؤرخين مثل ذلك في غيره من الأئمة حتى المعصومين عند الشيعة؛ ولكنه هو يثني عليه أجلَّ الثناء، وقد رأيت كلامه في الانتصار لمذهب الحنابلة، وهو مذهب السلف في الصفات الإلهية، ومنها صفة العلو، وكذا في مسألة الحرف والصوت في شرحه للبخاري الذي نقلناه آنفًا؛ ولكن الرافضي يعمى عن رؤية ذلك، ويوهم قراء كتابه أن الحافظ ابن حجر شيخ الإسلام وأستاذ أشهر العلماء والحفاظ في عصره يطعن في ابن تيمية ويقول بكفره، لعدم تأويله للآيات والأحاديث الواردة في صفات الرب تعالى، كما أوهم مثل ذلك في الحافظ الذهبي إذ قال بعد ما تقدم نقله عنه في ص ١٣٢ من كتابه ما نصه: (ورَدَّ أقاويله وبيَّن أحواله الشيخ ابن حجر في المجلد الأول من الدرر الكامنة، والذهبي في تاريخه وغيرهما من المحققين) . (وثالثًا) ننقل من ترجمة الحافظ ابن حجر لابن تيمية،

стр. 107

ومن ترجمة الحافظ الذهبي فيها ما يُعرف به الحق من الباطل في مزاعم هذا الرافضي الكذاب فنقول: ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله سره للحافظ ابن حجر في تاريخه الدرر الكامنة (١) ((هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني ثم الدمشقي الحنبلي، تقي الدين أبو العباس بن شهاب الدين بن مجد الدين.

стр. 108

وُلد سنة إحدى وستين وستمائة وتحول به أبوه من حران سنة سبع وستين وستمائة، فسمع من ابن عبد الدائم والقاسم الأريلي والمسلم بن علان وابن أبي عمر والفخر في آخرين، وقرأ بنفسه ونسخ سنن أبي داود، وحصل الأجزاء، ونظر في الرجال والعلل، وتفقه، وتمهر، وتميز، وتقدم، وصنَّف، ودرس، وأفتى وَفَاقَ الأقران،

стр. 109

وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوة الجنان، والتوسع في المنقول والمعقول، والاطلاع على مذاهب السلف والخلف. وأول ما أنكروا عليه من مقالاته في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة: قام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية، وبحثوا معه، ومنع من الكلام، ثم حضر القاضي إمام الدين القزويني فانتصر له وقال هو وأخوه جلال الدين: من قال عن الشيخ تقي الدين شيئًا عزّرناه)) . ثم ذكر ما وقع له من الاضطهاد والحبس والإطلاق بتواريخه مفصلاً، فعلم منه أن سببه سعاية بعض الجامدين على التقاليد الأشعرية والفقهية والمتصوفة إلى السلطان في انتصاره لمذهب السلف، وفي إنكاره على الصوفية ولا سيما ابن عربي، وفي مسألة الطلاق الثلاث حتى اتهموه بطلب الخلافة كما سيأتي ذكره وأن جميع الحنابلة كانوا يضطهدون معه، وكان بعض المنصفين ينتصرون له لما امتازوا به من الاستقلال في العلم، حتى إن الحكومة أكرهت الحنابلة كلهم على الإقرار بأنهم على معتقد الإمام الشافعي،

стр. 110

وذكر أن ابن تيمية نفسه كتب بخطه أنه على معتقد الشافعي، وهذا تخلص حسن إن صح فالشافعي كان على مذهب السلف في اعتقاده بلا شك، وذكر أن ممن انتصر لابن تيمية في دمشق قاضي الحنفية شمس الدين الحريري. وأنه توفي معتقلاً في القلعة لعشرين ليلة خلت من رجب سنة ٧٢٨ ثم قال: قال الصلاح الصفدي: كان كثيرًا ما ينشد: تموت النفوس بأوصابها ... ولم يدر عوادها ما بها وما أنصفت مهجة تشتكي ... أداة إلى غير أحبابها وأنشد له على لسان الفقراء: والله ما فقرنا اختيار ... وإنما فقرنا اضطرار جماعة كلنا كسالى ... وأكلنا ما له عيار يسمع منا إذا اجتمعنا ... حقيقة كلها فشار وسرد أسماء تصانيفه في ثلاثة أوراق كبار وأورد فيه من أمداح أهل عصره كابن الزملكاني قبل أن ينحرف عليه، وكابن

стр. 111

الوكيل وغيرهما، قال: ورثاه محمود بن علي الدقوقي ومجير الدين الخياط وصفي الدين عبد المؤمن البغدادي وجمال الدين بن الأثير وتقي الدين محمد بن سليمان الجعبري وعلاء الدين بن غانم وشهاب الدين بن فضل الله العمري وزين الدين بن الوردي وجمع جم، وأورد لنفسه فيه مرثية على قافية الضاد المعجمة. قال الذهبي ما ملخصه: كان يقضي منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف واستدل ورجح، وكان يحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه، قال: وما رأيت أسرع منه انتزاعًا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها، ولا أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه ! كأن السنة نصب عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة لا يسبقه بها غيره وعين مفتوحة، وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه. وأما أصول الديانة ومعرفة أقوال المخالفين فكان لا يشق غباره فيه، هذا مع ما كان عليه من الكرم والشجاعة والفراغ عن ملاذّ النفس؛ ولعل فتاويه في الفنون تبلغ ثلاثمائة مجلد بل

стр. 112

أكثر، وكان قوالاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم. ثم قال: ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير فيه، ومن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه، وقد أوذيت من الفريقين من أصحابه وأضداده. وكان أبيض أسود الرأس واللحية قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحًا سريع القراءة، تعتريه حدة لكن يقهرها بالحلم (قال) : ولم أر مثله في ابتهاله واستعانته بالله وكثرة توجهه، وأنا لا اعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية؛ فإنه كان مع سعة علمه وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدين بشرًا من البشر تعتريه حدة في البحث، وغضب وسطة للخصم تزرع له عداوة في النفوس وإلا لو لاطف خصومه لكان لحلمه إجماع، فإن كبارهم خاضعون لعلمه، معترفون بتفوقه، مقرون بندور خطئه وأنه بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، ولكن ينقمون عليه أخلاقًا

стр. 113

وأفعالاً، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك من قوله إلا رسول الله ﷺ . قال: وكان محافظًا على الصلاة والصوم، معظمًا للشرائع ظاهرًا وباطنًا، لا يؤتى من سوء فهم؛ فإن له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زاخر، ولا كان متلاعبًا بالدين، ولا ينفرد بمسألة من التشهي، ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن ويناظر أسوة من تقدمه من الأئمة فله أجر على خطئه، وأجران على إصابته. إلى أن قال: تمرّضَ أيامًا بالقلعة بمرض حاد إلى أن مات ليلة الإثنين، العشرين من ذي القعدة، وصُلي عليه بجامع دمشق، وصار يُضرب بكثرة من حضر جنازته المثل، وأقل ما قيل في عددهم أنهم خمسون ألفًا. (١) قال الشهاب بن فضل الله: لما قدم ابن تيمية على البريد إلى القاهرة في سنة سبعمائة نزل عند عمي شرف الدين وحض أهل المملكة على الجهاد، وأغلظ القول للسلطان والأمراء، ورتبوا له

стр. 114

في مدة إقامته في كل يوم دينارًا ومخفقة طعام، فلم يقبل من ذلك شيئًا، وأرسل له السلطان بقجة قماش فَردَّها. قال: ثم حضر عنده شيخنا أبو حيان فقال: ما رأت عيناي مثل هذا الرجل، ثم مدحه بأبيات ذكر أنه نظمها بديهة وأنشده إياها: لما أتانا تقي الدين لاح لنا ... داع إلى الله فردٌ ما له وزر على محياه من سيما الألى صحبوا ... خير البرية نور دونه القمر حَبرٌ تسربل منه دهره حِبرًا ... بحر تقاذفُ من أمواجه الدرر قام ابن تيمية في نصر شرعتنا ... مقام سيد تميم إذ مضت مضر وأظهر الحق إذ آثاره اندرست ... وأخمد الشر إذ طارت له شرر يا من يحدث عن علم الكتاب أصخ ... هذا الإمام الذي قد كان ينتظر (١) قال: ثم دار بينهما كلام فجرى ذكر سيبويه فأغلظ ابن تيمية القول في سيبويه، فناظره أبو حيان وقطعه بسببه، ثم عاد ذاما له، وصير ذلك ذنبًا لا يغفر.

стр. 115

قال: وحجَّ ابن المحب سنة ٢٤ فسمع من أبي حيان أناشيد، فقرأ عليه هذه الأبيات، فقال: قد كشطتها من ديواني ولا أذكره بخير. فسأله عن السبب في ذلك فقال: ناظرته في شيء من العربية، فذكرت له كلام سيبوبه، فقال: يفشر سيبويه! قال أبو حيان: وهذا لا يستحق الخطاب. ويقال: إن ابن تيمية قال له: ما كان سيبويه نبي النحو ولا معصومًا، بل أخطأ في الكتاب في ثمانين موضعًا ما تفهمها أنت، فكان ذلك سبب مقاطعته إياه وذكره في تفسيره (البحر) بكل سوء، وكذلك في مختصره (النهر) (١) . ورثاه شهاب الدين بن فضل الله بقصيدة رائية مليحة، وترجم له ترجمة هائلة تنقل من المسالك إن شاء الله تعالى، ورثاه زين الدين بن الوردي بقصيدة لطيفة طائية. وقال جمال الدين السرمري في أماليه: ومن عجائب ما وقع في الحفظ من أهل زماننا أن ابن تيمية كان يمر بالكتاب يطالعه مرة، فينتقش في ذهنه وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه. وقال الأقشهري في رحلته في حق ابن تيمية (٢) : ((بارع في

стр. 116

الفقه والأصلين والفرائض والحساب وفنون أخر، وما من فن إلا له فيه يد طولى وقلمه ولسانه متقاربان. قال الطوفي: سمعته يقول: من سألني مستفيدًا حققت له، ومن سألني متعنتًا ناقضته فلا يلبث أن ينقطع فأكفى مؤنته. وذكر تصانيفه، وقال في كتابه إبطال الحيل: هو عظيم النفع، وكان يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث، فيورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد أن يورده في عدة مجالس كأن هذه العلوم بين عينيه، فيأخذ منها ما يشاء، ويذر منها ما يشاء، ومن ثم نسب أصحابُه إلى الغلو فيه، واقتضى له ذلك العجب بنفسه، حتي زها على أبناء جنسه، واستشعر (١) أنه مجتهد فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم، قديمهم وحديثهم، حتى انتهى إلى عمر فخطأه في شيء، فبلغ الشيخ إبراهيم الرقي، فأنكر عليه فذهب إليه واعتذر واستغفر، وقال في حق علي: أخطأ في سبعة عشر شيئًا (كذا) ثم خالف فيها نص الكتاب منها اعتداد المتوفى عنها زوجها أطول الأجلين.

стр. 117

وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة حتى إنه سب الغزالي فقام عليه قوم كادوا يقتلونه. ولما قدم غازان بجيوش التتر إلى الشام خرج إليه وكلمه بكلام قوي، فهمَّ بقتله ثم نجا واشتهر أمره من يومئذ. (١) واتفق أن الشيخ نصرًا المنبجي كان قد تقدم في الدولة لاعتقاد بيبرس الجاشنكير فيه، فبلغه أن ابن تيمية يقع في ابن عربي (٢) لأنه كان يعتقد فيه أنه مستقيم، وأن الذي ينسب إليه من الاتحاد أو الإلحاد من قصور فهم من ينكر عليه، فأرسل ينكر عليه وكتب إليه كتابًا طويلاً نسبه وأصحابه إلى الاتحاد الذي هو حقيقة الإلحاد (٣) فعظم ذلك عليهم، وأعانه عليه قوم آخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد مغيرة وقعت منه في قواعده وفتاويه، فذكر أنه ذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين وقال:

стр. 118

كنزولي هذا (١) فنسب إلى التجسيم. ورده على من توسل بالنبي ﷺ واستغاث، فأُشخص من دمشق في رمضان سنة ٦٩٨ فجرى عليه ما جرى وحبس مرارًا فأقام على ذلك نحو أربع سنين أو أكثر وهو مع ذلك يشتغل ويفتي إلى أن اتفق أن الشيخ نصرًا قام على الشيخ كريم الدين [الآملي] (٢) شيخ خانقاه سعيد السعداء فأخرجه من الخانقاه، وعلى شمس الدين الجزري فأخرجه من تدريس الشريفية، فيقال إن [الآملي] دخل الخلوة بمصر أربعين يومًا، فلم يخرج حتى زالت دولة بيبرس، وخمل ذكر نصر، وأطلق ابن تيمية إلى الشام. وافترق الناس فيه شيعًا (٣) فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرها، من ذلك قوله في

стр. 119

اليد والقدم والساق والوجه: صفات حقيقية لله (١) ، وأنه مستوٍ على العرش بذاته (٢) ، فقيل: يلزم من ذلك التحيز والانقسام، فقال: إنا لا نسلم أن التحيز والانقسام من خواص الأجسام، فألزم بأنه يقول بتحيز في ذات الله تعالى. ومنهم من نسبه إلى الزندقة لقوله: النبي ﷺ لا يُستغاث به، وأن في ذلك تنقيصًا ومنعًا من تعظيم النبي ﷺ ، وكان أشد الناس عليه في ذلك النور البكري (٣) ، فإنه لما عقد له المجلس بسبب ذلك قال بعض الحاضرين: يعزر، وقال البكري: لا معنى لهذا القول فإنه إن كان تنقيصًا يقتل، وإن لم يكن تنقيصًا لم يعزر. ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي ما تقدم، ولقوله: إنه كان مخذولاً حيثما توجه، وأنه حاول الخلافة مرارًا ولم ينلها،

стр. 120

وإنما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله: إنه كان يحب الرياسة، وأن عثمان كان يحب المال، ولقوله في أبي بكر أسلم شيخًا لا يدري ما يقول، وعلي أسلم صبيًّا والصبي لا يصح إسلامه على قول (١) ، وبكلامه في قصة خطبته بنت أبي جهل وما بها من الثناء، وقصة أبي العاص بن الربيع وما يؤخذ من مفهومها فإنه شنع في ذلك فألزموه بالنفاق لقوله ﷺ : (لا يبغضك إلا منافق) . (٢) ونسبه قوم إلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى؛ فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه (٣) فكان ذلك مؤكدًا لطول سجنه، وكان له وقائع شهيرة وكان إذا حوقق وألزم يقول: لم أرد هذا؛ وإنما أردت كذا، فيذكر احتمالاً بعيدًا)) . قال: (٤) وكان من أذكياء العالم، وله في ذلك أمور عظيمة منها أن محمد بن بكر السكاكيني عمل أبياتًا على لسان ذمي في إنكار القدر أولها: أيا علماء الدين ذمي دينكم ... تحير دلوه بأعظم حجة إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يَرضَه مني فما وجه حيلتي

стр. 121

فوقف عليها ابن تيمية، فثنى إحدى رجليه على الأخرى وأجاب في مجلسه قبل أن يقوم بمائة وتسعة عشر بيتًا أولها: سؤالك يا هذا سؤال تعنت ... يخاصم رب العرش باري البرية وكان يقول: أنا ما قرأت في الأقفاص)) . وقال شيخ شيوخنا الحافظ أبو الفتح [اليعمري] (١) في ترجمة ابن تيمية: ((حدا بي (يعني (٢) المزي) على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين، فألفيته ممن أدرك من العلوم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر في الحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالملل والنحل لم ير أوسع من نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه، كان يتكلم في التفسير، فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويروون من بحر علمه العذب المنير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، إلى

стр. 122

أن دب إليه من أهل بلده داء الحسد، وألَّب أهل النظر منهم على ما ينتقد عليه من أمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلامًا، أوسعوه بسببه ملامًا، وفوقوا لتبديعه سهامًا، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازع طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة، ويزعمون أنهم على أدق ناظر منها وأجلى حقيقة، فكشف تلك الطرائق، وذكر لها على زعم بوائق، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعيه، واستغاثت بذوي الضغن عليه من مقاطعيه، فوصلوا بالأمراء أمره، وأعمل كل منهم في كفره فكره، فرتبوا محاضر، وألَّبوا الرويبضة (١) للسعي بهاتين للأكابر، وسعوا في

стр. 123

نقله إلى حضرة المملكة بالديار المصرية فنُقل وأُوْدِع السجن ساعة حضوره واعتُقِل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشروا لذلك قومًا من عمار الزوايا وسكان المدارس، ما بين مجامل في المنازعة، ومخاتل في المخادعة، ومجاهر بالتكفير مبادر بالمقاطعة، ليسوموه ريب المنون، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وليس المجاهر بكفره بأسوأ حالاً من المخاتل وقد دب إليه عقارب مكره، فردَّ الله كيده في نحره، ونجاه على يد من اصطفاه والله غالب على أمره، ثم لم يخل بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم يزل ينتقل طول عمره من محنة إلى محنة، إلى أن فوَّض أمره إلى بعض القضاة، فتقلد ما تقلد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه ذلك إلى حين ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله، وإلى الله تُرجع الأمور، وهو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وكان يومه مشهودًا ضاقت بجنازته الطريق، وأتى لها المسلمون من كل فجٍ عميق، يتقربون بمشهده يوم يقوم الأشهاد، ويتمسكون بسريره حتى كسروا تلك الأعواد.

стр. 124

قال الذهبي مترجمًا في بعض الإجازات: قرأ القرآن والفقه وناظر واستدل وهو دون البلوغ، وبرع في العلوم والتفسير وأفتى ودرس وهو دون العشرين، وصنَّف التصانيف، وصار من أكابر العلماء في حياة شيوخه، وتصانيفه نحو أربعة آلاف كراسة وأكثر. (١) وقال في موضع آخر: وأما نقله للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين فضلاً عن المذاهب الأربعة فليس له نظير. (٢) وفي موضع آخر: وله باع طويل في معرفة أقوال السلف، وقل أن يذكر مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأئمة، وقد خالف الأئمة الأربعة في عدة مسائل صنَّف فيها واحتج بالكتاب والسنة. ولما كان معتقلاً بالإسكندرية التمس منه صاحب سبتة أن يجيز له بعض مروياته فكتب له جملة من ذلك في عشرة أوراق بأسانيده من حفظه بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر من يكون، وأقام عدة سنين لا يفتي بمذهب معين. (٣) وقال في موضع آخر: بصير بطريق السلف، واحتج له بأدلة وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها غيره، حتى

стр. 125

قام عليه خلق من العلماء المصريين فبدعوه وناظروه وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق إذا أداه إليه اجتهاده وحدة ذهنه، وسعة دائرته، فجرى بينهم حملات حربية ووقعات مصرية وشامية، ورموه عن قوس واحدة، ثم نجَّاه الله تعالى، وكان دائم الابتهال، كثير الاستغاثة، قوي التوكل، رابط الجأش، له أوراد وأذكار يديمها يومية وجُمعية. وكتب الذهبي إلى السبكي يعاتبه بسبب كلام وقع منه في حق ابن تيمية فأجابه، ومن جملة الجواب: وأما قول سيدي في الشيخ تقي الدين فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم العقلية والنقلية، وفرط ذكائه واجتهاده وبلوغه في كل فن، ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل، مع ما جمعه الله له من الزهادة، والورع والديانة، ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض في هذا سواه، وجريه على سنن السلف وأخذه بذلك المأخذ الأوفى، وغرابة مثله الزمان بل من أزمان.

стр. 126

وقرأت بخط الحافظ صلاح الدين العلائي في بيت شيخ شيوخنا الحافظ بهاء الدين عبد الله بن محمد بن خليل ما نصه: وسمع بهاء الدين المذكور على الشيخين شيخنا وسيدنا وإمامنا فيما بيننا وبين الله تعالى شيخ التحقيق، السالك بمن اتبعه أحسن الطريق، ذي الفضائل المتكاثرة، والحجج القاهرة، التي أقرت الأمم كافة أن هممها عن حصرها قاصرة، متعنا الله تعالى بعلومه الفاخرة، ونفعنا به في الدنيا والآخرة، وهو الشيخ الإمام العالم الرباني، والحبر البحر القطب النوراني، إمام الأئمة، بركة الأمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، شيخ الإسلام، فخر الأعلام، قدوة الأنام، برهان المتكلمين، قامع المبتدعين، سيف المناظرين، بحر العلوم، كنز المستفيدين، ترجمان القرآن، أعجوبة الزمان، فريد العصر والأوان، تقي الدين، إمام المسلمين، حجة الله على العالمين، اللاحق بالصالحين، والمشبه بالماضين، مفتي الفرق، ناصر الحق، علامة الهدى، عمدة الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، ركن الشريعة، ذو الفنون

стр. 127

البديعة، أبو العباس ابن تيمية. وقرأت بخط الشيخ برهان الدين محدِّث حلب، قال: اجتمعت بالشيخ شهاب الدين الأذرعي سنة ٧٩ لما أردت الرحلة إلى دمشق، فكتب لي كتبًا إلى الباسوقي والحسباني وابن الجابي وابن مكتوم وجماعة الشافعية إذ ذاك، فحصل لي بذلك منهم تعظيم، وذكر لي في ذلك المجلس الشيخ تقي الدين بن تيمية وأثنى عليه وذكر لي شيئًا من كراماته، وذكر أنه حضر جنازته، وأن الناس خرجوا من الجامع من كل باب، وخرجت من باب البريد، فوقعت سرموذتي فلم أستطع أن أستعيدها، وصرت أمشي على صدور الناس، ثم لما فرغنا ورجعت لقيت السرموذة، وذلك من بركة الشيخ رحمة الله تعالى (١) . انتهى. (يقول أبو محمد شفيع (٢) صاحب المنار) : هذا ما قال الحافظان الذهبي وابن حجر وما نقلاه من ثناء الحفاظ والمؤرخين المنصفين في شيخ الإسلام أحمد تقي الدين بن تيمية، وما نقلاه من تقولات حُساده وخصومه من المشايخ المقلدين الجامدين، وما حققه بعضهم

стр. 128

من أسبابها، ومنه يعلم كنه كذب السيد محسن العاملي الرافضي وتعصبه وجهله؛ فإنه أوهم قراء كتابه الملفق أن الحافظين الذهبي وابن حجر كانا يطعنان في عقيدته، وأنه لم يوجد في المسلمين من زكاه إلا تلاميذه، ثم الشيخ محمد عبد الوهاب ثم صاحب المنار، وحسبنا هذا في بيان كذبه وافترائه عليه وعلى العلماء وعلى الوهابية عن عمد وعلى جهل، وما زال غلاة الشيعة أكذب الفرق وأبعدها عن طلب الحق في خلافها لغيرها كما قال أحد علماء الألمان المستشرقين. وأما طعنه علينا فإننا نفوض إلى الله تعالى أمر جزائه عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحج: ٣٨). - تمت الرسالة الأولى -

стр. 129

الرسالة الثانية

стр. 130

الفصل الأول: شبهة للشيعة: في مسألة ((إمارة أبي بكر على الحج سنة تسع. وتلاوة على أوائل سورة براءة يوم الحج الأكبر من الموسم. وهو ما جعلنا ذيلا لتفسير الآيات الأربع الأولى من سورة براءة)) وهو: إن بعض الشيعة يكبرون هذه المزيد لعلي ﵇ كعادتهم ويضيفون إليها ما لا تصح به رواية، ولا تؤيده دراية فيستدلون بها على تفضيله على أبي بكر ﵄، وكونه أحق بالخلافة منه، ويزعمون أن النبي ﷺ عزل أبا بكر من تبليغ سورة براءة لأن جبريل أمره بذلك، وأنه لا يبلغ عنه إلا هو أو رجل منه ولا يخصون هذا النفي بتبليغ نبذ العهود وما يتعلق به بل يجعلونه عاما لأمر الدين كله، مع استفاضه الأخبار الصحيحة بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافة، كالجهاد في حمايته والدفاع عنه، وكونه فريضة لا فضيلة فقط، ومنها قوله ﷺ في حجة الوداع على مسمع

стр. 131

الألوف من الناس ((ألا فليبلغ الشاهد الغائب)) ، وهو مكرر في الصحيين وغيرهما، وفي بعض الروايات عن ابن عباس ((فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته: فليبلغ الشاهد الغائب)) الخ وحديث ((بلغوا غني ولو آية)) رواه البخاري في صحيحه والترمذي ولولا ذلك لما انتشر الإسلام ذلك الانتشار السر يع في العالم. بل زعم بعضهم - كما قيل - أنه ﷺ عزل أبا بكر من إمارة الحج وولاها علياً. (١) وهذا بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عملية عرفها الخاص والعام، و الحق أن علياً كرم الله وجهه كان مكلفا بتليغ أمر خاص (٢) وكان في تلك الحجة تابعأً لأبي بكر في إمارته العامة في إقامة ركن الإسلام الاجتماعي العام، حتى كان أبو بكر يعين له الوقت الذي يبلغ فيه. يا على قم فبلغ رسالة رسول الله ﷺ كما تقدم التصريح به في الروايات الصحيحة، كم أمر بعض الصحابة بمساعدته على هذا التبليغ كما تقدم في حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما.

стр. 132

ولقد كان تأمير النبي ﷺ أبا بكر على المسلمين في إقامة الحج في أول حجة للمسلمين بعد خلوص السلطان لهم على مكة ومشاعر الحج كلها. كتقديمه للصلاة بالناس قبيل وفاته ﷺ كلاهما تقديم له على جميع زعماء الصحابة في إقامة أركان الإسلام التي كان يقوم بها وصلى الله عليه وسلم، وعدها جميع الصحابة ترشيحاً له لتولى الإقامة العامة بعده. فالواقعة دليل على خلافة أبي بكر لا على خلافة على ﵄. وقد علم الله كلا منهما سيكون إماماً في وقته. قال الآلوسي بعد ذكر شيء في هذا المعني [روح المعاني ١٠ / ٤٥] : ((وقد ذكر بعض أهل السنة نكتة في نصب أبي بكر أميراً للناس في حجهم ونصب الأمير كرم الله تعالى وجهه مبلغا نقض العهد في ذلك المحفل، وهي أن الصديق ﵁ كان مظهراً لصفة الرحمة والجمال، كما يرشد إليه ما تقدم في حديث الإسراء وما جاء من قوله ﷺ ((ارحم أمتي بأمتي أبو بكر)) أحال إليه ﵊ أمر المسلمين الذين هم مورد الرحمة، ولما كان علي كرم الله وجهه الذي هو أسد الله مظهر جلاله فوض إليه نقض

стр. 133

عهد الكافرين الذي هو من آثار الجلال وصفات القهر. فكانا كعينين فوارتين يفور من إحداهما صفة الجمال، ومن الأخرى صفة الجلال، في ذلك المجمع العظيم الذي كان نموذجاً للحشر ومورداً للمسلم والكافر)) . انتهى. ولا يخفى حسنه لو لم يكن في البين تعليل النبي ﷺ ، وإذا كان تعليله ﷺ لتبليغ على نبذ العهود عنه بكونه من أهل بيته ينافى أن تكون النكتة المذكورة علة، فهو لا يأبى أن تكون حكمة. ورأيت في مصنف جديد لبعض الشيعة المعاصرين ضرباً آخر من المبالغة والتكبير (١) لهذه المسألة كما فعل بغيرها من مناقبه كرم الله وجهه من حيث يصغر مناقب الشيخين إن لم يجد شبهة أو وسيلة لإنكارها، حتى إنه جعل تنويه كتاب الله بصحبة الصديق الأكبر للرسول الأعظم في هجرته وإثبات معيته لهما معاً في الغار مما لا قيمة له ولا يعد مزية للصديق (رض) ولولا أنهم قد نشطوا في هذه الأيام لدعاية الرفض والبدع

стр. 134

والصد عن السنة وأعلامها لما جعلنا شبهة التبليغ تستحق أن تذكر وتبين هنا. ذلك أنه اقتصر من روايات المسألة على ما نقله عن ابن جرير الطبري عن السدى عن من قوله: لما نزلت هذه الآيات إلى رأس الأربعين - يعني من سورة براءة- بعث بهن رسول الله ﷺ مع أبي بكر وأمره على الحج. فلما سار فبلغ الشجرة من ذي الحليفة، أتبعه بعلي فأخذها منه. فرجع أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شئ قال ((لا، ولكن لا يبلغ عني غيري أو رجل مني)) . اهـ ثم استنبط من هذه الرواية أنها تدل على أن نفس علي من الرسول ﷺ منزلة نفسه، وأنه خير الصحابة وأفضلهم عند الله وأكرمهم عليه. فإن من كان بهذه الصفة هو الذي يمثل شخص النبي ويقوم مقامه ويكون بمنزله نفسه الشريفة. ثم قال: ((ودل هذا القول منه ﷺ على أن كون على من رسول الله ﷺ ونفسه نفسه أمر محقق ثابت لا ريب فيه عند أبي بكر ولهذا لم يحتج ﷺ لذكره. وذلك ظاهر عنه العارف بطريق

стр. 135

الاستدلال، وترتيب الأشكال، وقد عمد بعض النواصب إلى الحط من هذه الكرامة. فزعم أنه ﷺ إنما أراد بأنه نفسه ومنه هو القرب في النسب دون الفضيلة، مدعياً أن من عادة العرب إذا أراد أحدهم أن ينبذ عهداً نبذه بنفسه، أو أرسل به أقرب الناس إليه- الخ ما خالط به، وبني على زعمه هذا أن العباس أقرب إلى النبي ﷺ من علي نسباً، فلماذا لم يرسله بهذا التبليغ، مع علمه بأنه لم يقل أحد من أهل السنة بأنه لابد من الأقرب، بل قالوا: إن التبليغ في مثله لعاقد العهد عصبته الأقربين، ولا بأن الرواية بمعنى ما زعمه)) . (وأقول) في قلب شبهته هذه حجة عليه: (أولا) : إن هذا الشيعي المتعصب اختار رواية السدي من روايات في المسألة لأنها تحتمل من تأويله وغلوه ما لا يحتمله غيرها. (ثانياً) إن السدي قال هذا القول من عند نفسه، ولم يذكر له سنداً إلى أحد من الصحابة. (١) (ثالثاً) إن ما ذكرناه من الروايات الصحيحة عن على

стр. 136

وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة يخالف قول السدى هذا من بعض الوجوه وهي أولى بالتقديم والترجيح. (رابعاً) إن هذا الشيعي الذي يدعى التحقيق لم يذكر قول السدى كله (١) ، بل أسقط منه قول النبي ﷺ المروي عن غير السدى أيضاً ((أما ترضى يا أبا بكر أن كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟)) قال: بلى يا رسول الله. فسار أبو بكر على الحاج وعلى يؤذن ببراءة. فقام يوم الأضحى فقال: لا يقربن المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فله عهده إلى مدته. وإن هذه أيام أكل وشرب، وإن الله لا يدخل الجنة إلا من كان مسلماً. فقالو: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطن والضرب فرجع المشركون، فلام بعضهم بعضاً وقالوا ما تصنعون وقد أسلمت قريش؟ فأسلموا اهـ نص رواية السدي هذه في تفسير ابن جرير (ص ٢٧ج١٠ من الطبعة الاميرية) . فإذا كان هذا الشيعي يعتمد هذا الرواية - كما هو الظاهر من اختياره

стр. 137

لها على غيرها فهي حجة عليه فيما تقدم بيانه، ومنه كون الآية الأربعين من سورة براءة هي قوله تعالى (إلا تنصروه فقد نصره الله، إذا أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار، إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) . ولا يظهر لأمره ﷺ بتبليغها للناس فيم يبلغه من نبذ عهود المشركين وهي ليست من موضوعها إلا بيان فضل أبي بكر ومكانه الخاص من الرسول ﷺ وحكمة جعله نائباً عنه ﷺ في إقامة ركن الإسلام الاجتماعي العام، وجعل عَلِيّ نفسه - على قربه وعلو مكانته- تحت إمارته حتى في تبليغه هذه الرسالة الخاصة عنه ﷺ فقد تقدم في الروايات الصحيحة أن أبا بكر كان يأمره بذلك. ولهذا أسقط الرافضي بقية الرواية على كونه ينكر على الصديق الأكبر مزية اختيار الرسول ﷺ إياه بأمر الله على موافقته له وحده في أهم حادثة من تاريخ حياته، وهي الهجرة الشريفة، التي كانت مبدأ ظهور الإسلام، وانتشار نوره في جميع العالم. ولو كانت هذه الصحبة أمراً عادياً أو صغيرة لما ذكرت

стр. 138

في القرآن المجيد مقرونة بتسمية الصديق صاحباً لسيد البشر وإثبات معية الله تعالى لها معاً، وفرق بين وصف الله تعالى لشخص معين بهذه الصحبة وبين تعبيره ﷺ عن أتباعه بالأصحاب، وتواضعاً منه ﷺ . ثم إن قوله ﷺ للصديق: ((وصاحبي على الحوض)) يدل على ما سيكون له معه من الخصوصية والامتياز على جميع المؤمنين في يوم القيامة، ولو كان شأنه فيه كشأن غيره ممن يرد الحوض لما كان لهذا التخصيص في هذا المقام مزية، وكلام رسول الله ﷺ ينزه عن العبث. (خامساً) : أن قوله ﷺ ((أو رجل مني)) في رواية السدي قد فسرتها الروايات الأخرى عند الطبري وغيره بقوله ﷺ : ((أو رجل من أهل بيتي)) وهذا النص الصريح يبطل تأويل كلمة ((مني)) بأن معناها أن نفس على كنفس رسول الله ﷺ وأنه مثله، وأنه أفضل من كل أصحابه. (سادساً) : إن ما عزاه إلى بعض النواصب هو المعروف عن جميع العلماء من أهل السنة الذين تكلموا في المسألة

стр. 139

ولكن لم يقل أحد منهم بأن علياً كرم الله وجهه لا مزيد له في هذا الأمر، ولا أن سبب نوطه به القرابة دون الفضيلة، وأنه تبليغ لا فخر فيه ولا فضل، بل هذا كله مما اعتاد الروافض افتراءه على أن السنة عند نبزهم بلقب النواصب، فإن كان يوجد في النواصب من ينكر مزية على في هذه المسألة ففي الروافض من ينكر ما هو أظهر منها من مزية أبي بكر في نيابته عن الرسول ﷺ في إمارة الحج وإقامة ركنه وتعليم المناسك وتبليغ الدين للمشركين، ومنعهم من الحج بعد ذلك العام تمهيداً لحجة الوداع، إذ كان يكره ﷺ أن يحج معهم ويراهم في بيت الله عراة نساؤهم ورجالهم يشركون بالله في بيته، وما يتضمن هذه الإمارة مما تقدم بيانه. وأهل السنة وسط يعترفون بمزية كل منهما ﵄ وعن سائر آل رسول الله ﷺ وأصحابه، وعن المتبعين لهم في إتباع الحق والاعتراف به لأهله، ومحبة كل منهما بغير غلو ولا تقصير؛ وقاتل الله الروافض والنواصب الذين يطرون بعضاً وينكرون فضل الآخر ويعدون محبته منافسة لمحبته. ***

стр. 140

الفصل الثاني: افتراء الروافض في غزوة حنين (والطعن في جميع الصحابة وحفاظ السنة) هذا فصل جعلناه ذيلا مكملا لتفسير قوله تعالى ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة. . .﴾ الخ. ملخص غزوت حنين: أن جيش المسلمين كان ثلاثة أضعاف جيش المشركين، ولكن كان فيه ألفان من الطلقاء أهل مكة: منهم: المنافق المصر على شركه، الذي يتربص بالمؤمنين الدوائر ليثأر منهم، والذي يريد قتل النبي ﷺ نفسه. (١) منهم: ضعفاء الإيمان، والشبان الذين جاءوا للغنيمة لا لإعزاز الحق بالجهاد. وأنه لما وقع عليهم رشق النبال كرجل الجراد (٢) فر هؤلاء وأدبروا فذعر الجيش وفر غيرهم اضطراباً كما هي العادة في مثل هذه الحال لا جنباً، وكانت حكمة الله في ذلك تربية المؤمنين

стр. 141

كما تقدم شرحه (١) ، وثَبَتَ رسول الله ﷺ كعادته، وثبت معه من كان قريباً منه من أهل بيته وغيرهم من كبار المهاجرين الذين لم يكونوا يفارقونه، كأبي بكر وعمر وابن مسعود ﵃. (٢) وقد صرح ابن مسعود بأن الذين ثبتوا معه ﷺ كانوا ثمانين رجلاً كما تقدم، ومن عدهم أقل من ذلك فإنما عد من رآه بالقرب منه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وليس معنى هذا: أن سائر الجيش قد انهزم جبناً وترك الرسول وهو يعرف مكانه عمداً، بل وَلَّى الجمهور مدبرين بالتبع للطلقاء (٣) والأحداث (٤) الذين فروا من رشق السهام، وأكثر هذه الألوف لا يعرف مكانه ﵊، كما عرف هؤلاء الذين كانوا حوله ﷺ ولما علم سائر المسلمين ولا سيما الأنصار بمكانه ﷺ من نداء العباس ﵁ أسرعوا في العطف والرجوع. هذا ما رواه المحدثون والمؤرخون.

стр. 142

وأما الروافض فأنهم يطعنون كعادتهم في جميع أصحاب رسول الله ﷺ ويزعمون أنهم فروا كلهم جبناً وعصياناً لله وإسلاما لرسوله إلى الهلكة، واستحقوا غضبه تعالى ووعيده الذي تقدم في سورة الأنفال، إلا نفرا قليلا لا يتجاوزون العشرة يزعمون أنهم ثبتوا بالتبع لثبات علي كرم الله وجهه، وأنه هو الذي ثبت وحده بنفسه، وأنه لولاه لقتل النبي ﷺ وزال الإسلام من الأرض!! ذكرنا في آخر تفسير الآيات الأربع الأولى من هذه السورة كتاباً لبعض علماء الشيعة المعاصرين كبر فيه مسألة تلاوة علي أوائل هذه السورة على المشركين سنة تسع، وصغر إمارة أبي بكر على الحج وفندنا شبهه في ذلك. وقد كَبَّرَ صاحب هذا الكتاب ثباتَ علي ﵁ مع النبي ﷺ في حنين أضعاف ذلك التكبير، وحقر سائر الصحابة أقبح التحقير، وزعم أن عمر بن الخطاب قد فر في ذلك اليوم مع الفارين وهم بزعمه جميع المسلمين، وإلا علياً وثلاثة رجال - وقيل: تسعة - ثبتوا بثباته.

стр. 143

أما زعمه أن عمر قد فَرَّ - وهو ما لم يقله أحد من المحدثين ولا أصحاب السير - فقد تأول به رواية لأبي قتادة عند البخاري ذكر فيها هزيمة المسلمين وأنه انهزم معهم، وأنه قال: فإذا عمر بن الخطاب في الناس، فقلت: ما شأن الناس؟ قال أمر الله. ثم تراجع الناس إلى رسول الله ﷺ . اهـ فوجب أن نبين ما في كلامه من الجهل والافتراء لأنه جعله تفسيراً لهذه الآية لئلا يضل بعض المطلعين على كتابه في فهمها. قال: ((روى البخاري في صحيحه بإسناده عن أبي قتادة. . .)) الخ. والمتبادر من قوله: ((روي بإسناده)) أنه رواه مسنداً موصولاً، والصواب أن هذه الرواية فيه معلقة بدأها البخاري بقوله: ((وقال الليث حدثني يحيى بن سعيد. . .)) إلخ. قال الحافظ ابن حجر في شرحه من الفتح [٨ / ٤١] : ((وروايته هذه - يعني يحيى بن سعيد - وصلها المصنف في الأحكام عن قتيبة عنه لكن باختصار)) . اهـ ويريد بهذا الاختصار ذكر الحديث المرفوع منها وهو قوله ﷺ : ((من أقام بينة على قتيل قلته فله سلبه)) وليس فيها ذكر عمر ﵁؛ ولذلك لم يذكرها

стр. 144

الرافضي؛ لأن غرضه محصور في قول أبي قتادة: ((فإذا عمر بن الخطاب في الناس)) ؛ ليفسره بأنه في الناس الفارين؛ فإن العبارة محتملة لو لم يثبت أن عمر كان فيمن ثبتوا، ولذلك فسره القسطلاني بأنه كان في الناس الذين لم ينهزموا (١) ، ومتى كان عمر جباناً يفر من القتال؟! (٢) وهو الذي كان رسول الله ﷺ يدعو الله بأن يعز به الإسلام (٣) ، وفي بعض الروايات: ((يشد به الدين)) (٤) فاستجاب الله دعاءه حتى قال عبد الله بن مسعود: ((ما عُبد الله جهرة حتى أسلم عمر)) . (٥) وقد طعن الرافضي في جميع الصحابة، ولا سيما أصحاب بيعة الرضوان، الذين أثنى الله تعالى عليهم في القرآن وأقسم أنه رضي عنهم وجعل ذلك مما يتعبد به المسلمون إلى آخر الزمان، إذ قال ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم فأنزل الله السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾ ثم قال فيهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي

стр. 145

الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) ﴾ . وهذا الكتاب كسائر كتب الروافض يدل على أنهم أشد غيظاً بهم من جميع الكفار (١) ، فإن هذا الرافضي زعم أن جميع المسلمين فروا في أثر المؤلفة قلوبهم من أهل مكة. قال: ((ولم يبق مع رسول الله ﷺ إلا ثلاثة: علي (ع) يضرب بالسيف بين يدي رسول الله ﷺ ، والعباس آخذ بلجام بغلته ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابه. قيل: وابن مسعود إلى جانبه الأيسر، وقيل: ثبت معه تسعة من بني هاشم، وهو الذي اعتمده الشيخ المفيد في الإرشاد)) . اهـ. وهو لم يعتمد على إرشاد مفيده وهو من شيوخهم وكبار مصنفيهم في تأييد نحلتهم، فذكر ما اعتمد بصيغة التمريض بعد جزمه هو بثبات الثلاثة -فقط. ثم زعم أن قو له تعالى ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى
следующие страницы →