Полный текст (485 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فأحضر ففتش فيه عن مال الرجل. فظهر أنه إنما وصل إلى القليل منه. ووجد أكثر
باقٍ. فعدد على القاضي ما تبه له وأجراه عليه، وإكرامه إياه، وما شرط عليه من عدم التعرض لأموال الرعية، فجزع وهاله ذلك. وقال: العفو وأتوب. وانصرف بالرجل فدفع إليه ماله وأشهد عليه. فحقد الحاكم عليه ذلك، فأمر به فحبس، ثم أخرج بعد ذلك على حمار نهاراً، والناس ينظرون إلى أن ساروا به إلى المنظرة. فضربت عنقه، وأحرقت جثته.
وكانت ولايته القضاء خمس سنين وسبعة أشهر وأحد عشر يوماً.
قال المسبِّحي: لا عَن بين رجل سكرى وامرأته في الجامع العتيق، ولم يسبق بذلك، يعني في دولة العبيديين.
قال وأقطع الحاكم للقاضي المذكور داراً، بالقرب من الخليج الحاكمي، فكان في أيام النيل يركب في عُشَارِي إلى هذه الدار، ويسايره الشهود على دوابّهم في البر، ثم يركب منها إلى القصر، ثم يعود إليها، ثم يرجع إلى سكنه بالدار الحمراء.
الحسين بن عيسى بن هَرَوان الرملي الشافعي، من المائة الرابع، يكنى أبا علي ويقال إن اسم أبيه موسى، ويقال محمد. كان أحمد بن سليمان بن حَذْلم لما ولي القضاء بالشام استخلف أبا الطاهر الذهلي، فاستخلف هو الحسين ابن هروان،
ذكر ذلك عبد العزيز الَكتَّانِي، وقال أبو محمد الأكْفَانِي: إن الحسين ولي قضاء مصر بعد وفاة عبد الله بن أحمد بن زَبْر.
وقال ابن عساكر عن عبد الله بن أحمد الفَرْغَاني: إن الحسين بن عيسى كان يلي القضاء نيابة عن قاضي القضاة ببغداد، نيابة من قبل الخليفة المطيع. ولم يكن يصلح للقضاء، ولا لتقلُّد الحكم، لخلوه من معرفة وإنما سعى في ذلك لطلب الجاه وصيانة نعمته، فإنه كان كثير المال.
وقد وقَع بينه وبني ابن وليدٍ مرة. فقال حالفاً: لا يسعى أحد في القضاء إلا بذلك في إتلاف روحه مثل هذا الجرن ذهباً.
стр. 142
وذكره غيره أن ولايته من قبل الراضي، ثم المستكفي من سنة إحدى وثلاثين. وقدم مصر سنة ثلاث وثلاثين، فاستخلف أبا بكر بن الحداد. وكانت وفاته في آخر رجب سنة أربع وثلاثين بدمشق، أرخه الفرغاني.
الحسين بن محمد بن طاهر نقيب الأشراف، استخلفه محمد بن النعمان على القضاء لما عجز عليّ بن محمد بن إسحاق الحلبي عن الحركة، فكوتب خلفاء النواحي عنه بقاضي القضاة، وخاطبه الشهود بذلك. وذلك لثلاث بقين من رمضان سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.
الحسين بن محمد المطلبي النَّبقي. قدم بتسلم القضاء لمحمد بن الحسن بن أبي الشوارب، فتسلمه وقرأ عهد محمد بن الحسن في الجامع، ونظر في الأحكام إلى أن قدم أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة، قاضياً على مصر، نيابة عن ابن أبي الشوارب المذكور، وذلك في جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.
الحسين بن أبي زرعة محمد بن عثمان الدمشقي شافعي المذهب، من المائة الرابعة، ولد سنة خمس وثمانين ومائتين بمصر، في ولاية أبيه عليها. وولى القضاء بها من قبل محمد بن الحسن، ابن أبي الشوارب، وذلك في شوال سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
فركب بالسواد إلى الجامع وبين يديه أصحاب الشرطة، فباشر مباشرة جيدة. وكان عارفاً بالأحكام منفذاً، وكان مترفاً ويتوسوس في الوضوء. وكان واسع النَّفس. يقال إن نفقته على مائدته في كل شهر أربعمائة دينار، وجمع له قضاء
стр. 143
مصر والإسكندرية والشام وحمص وفلسطين والرملة وطبرية وأعمال ذلك. وكثر نوابه بسبب ذلك. ونظر في المواريث والأحباس ودار الضرب. واستناب
أبا بكر ابن الحداد، فقيه الديار المصرية. وكان يخلفه فيا لحكم. وكان هو يجلس في الجامع كل سبت.
وكان مفضالاً سخياً، يقال: إنه بلغه أن ابن الحداد بني داراً، فأرسل إليه ثلاثمائة دينار، وقال: اشتر بهذه سُتُورا.
ودخل عليه مرة وفي يد القاضي قطعة عنبر ويشمها، فناولها له فشمها، ثم ردها. فأنكر عليه، وقال: سبحان الله! وأبى أن يستردها منه، ويقال: إن وزنها كان مائتي مثقال. ثم وقعت بينهما مشاجرة في شيء، فتقاطعا.
وخرج ابن الحداد معه مرة وكان الحسَين يباشر القضاء بنفسه غدوة وعشية، فتوسط بينهما الحسن بن طاهر الحُسَيْنّي يباشر القضاء بنفسه غدوة وعشية، فتوسط بينهما الحسن بن طاره الحُسَيْنّي، عم أبي جعفر مسلم. فتوجه إلى الجامع عشية الجمعة، فاخذ بيد أبي بكر، ومضى به إلى ابن أبي زرعة، فأصلح بينهما. فقال ابن أبي زرعة: ما كان لنا بد من نصيب، يشير إلى أن ابن الحداد حاد الخلق، ثم قلا: والله ما أعده إلا والداً. فانكب ابن الحداد عليه يقبل صدره فاصطلحا، وعادا إلى ما كانا عليه من الرضا إلى أن تفرقا بالموت.
ويقال: إن الحسن بن طاهر لما دخل بابن الحداد، رأى التحسين في العلو فبلغه فنزل، ومر عليهما فسلم ولم يجلس عندهما، وتوجه إلى مكان آخر فجلس
فهي واستدعاهما، فلما دخلا عليه قام وتلقاهما، وفعل ذلك أدباً مع الشريف، لئلا يقوم إليهن فاستحسن من رأي ذلك عنده، وعدّوه من آدابه.
واستكتب في الحكم الحسن بن عبد الرحمن بن الحسن بن إسحاق الجوهري، الماضي ذكره قريباً. وعدل جماعة من الأشراف ومن وجوه مصر.
قال ابن زولاق: ولم يكن ابن أبي زرعة يخالف ابن الحداد في شيء. ولما صرف ابن أبي الشوارب عن القضاء وذلك في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، واستقر عوضه أبو نصر يوسف بن عمر بن أبي عمر، كتب إلى ابن أبي زرعة باستمراره على قضاء مصر، فقبل ذلك. فقرأ كتابه على الناس في داره وفيه: وهذا عهدي إليك بخطى، وكان حسن الخط.
وذكر أبو الطاهر الذهلي أن سنّ يوسف حينئذ كانت نحو العشرين، فيقال: إن ابن الحداد قال لابن أبي زرعة: تقبل كتاب صبي! وما عليك أن تأخذ أنت هذا
стр. 144
الأمر من الأصل. فقال: لو أردت قضاء بغداد لفعلت، وقد كتبت في أمر قضاء الحرمين.
واتفق أنه اعتل عن قريب، فمات في ذي الحجة يوم المحرم سنة سبع وعشرين وله ثمان وأربعون سنة. كانت ولايته ثلاث سنين.
الحسين بن يوسف بن أحمد الرصافي، إسماعيلي من المائة الخامسة. قرره الأفضل بن بدر بعد صرف محمد بن جوهر بن ذلك في ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وأربعمائة، ثم أعيد بعد صرف مظفر بن طاهر قال ابن دانيال:
وبعد ذا ولي القضاء ابن ذكا ... وبعده الحسين هو ذو الذكا
وبعد ابن ظافر تولى ... ثم الحسين ذو المقام الأعلى
حمزة بن الحسين بن أحمد التنوخي العِرْقِي، بكسر المهملة وسكون الراء، بعدها قاف، بُليدة من طرابلس. ويقال كنيته أبو الحسن. ويقال: اسمه أحمد بن الحسين، ويقال: بل هو أحمد بن حمزة بن أحمد.
стр. 145
وكانت ولايته من قبل بدر الجمالي، واستمر في الولاية إلى أن مات في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
وقرأت بخط القطب الحلبي، الذي تولى القضاء: هو حمزة بن أحمد. وله ولد يقال له أحمد، له فضل. ولذلك ظنه من قال إنه القاضي،
والأول هو الذي ذكره ابن ميسر في تاريخه ونقلته منه. والثاني ذكره الحافظ تقي الدين عبيد الإسعردي، وذكر أنه وقف له على ترسّل حسن.
وذكر ابن ميسر: أن الزقاق الذي بخوخة الطباخ عند الجباسات، وهو منسوب لهذا القاضي، وهو آخر العمران بمصر.
وفي تاريخ ابن ميسر، الغرقي نسبة إلى مكان يقال له غَرَق، بفتح الغين والراء بعدها قاف بالقرب من شيزر كذا قال. والمعروف عِرقة من عمل طرابلس كما سبق.
قال القطب: وسألت أهل العلم عن نسبه، فذكر لي الحافظ تقي الدين عبيد، أنه أحمد بن حمزة نب أحمد، ويكنى أبا العلاء وأنه وجد ذلك في ترسّله.
وذكر القِفطي في أخبار النحويين: أنه تنوخي رحل من بلده إلى مصر، واجتمع بالسلفي في الإسكندرية، وكتب السلفي عنه فوائد أدبية، وذكر أنه أخذ عن ابن الصواف، وأبي إسحاق الحبال، وأبي الفضل الجوهري. وقرأ القرآن على أبي الحسين ابن الخشاب، وأخذ اللغة عن ابن القطاع، والنحو عن مسعود الدولة الدمشقي. وكان مولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة انتهى.
وهذه الترجمة بعضها ولولد القاضي، كما ذكر الحافظ قطب الدين، فإن ولاية القاضي كانت في سنة ست وستين وأربعمائة، ولابنه أحمد يومئذ أربع سنين، لان مولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وعاش إلى ما بعد الخمسمائة، ومات بالإسكندرية، وأحمد هو الذي لقيه السلفي.
стр. 146
وأما الذي قرأ على ابن الخشاب وابن الحبال وغيرهما، فهو أبه لا محالة.
حمزة بن علي بن يعقوب بالغَلّبُوني استخلفه مالك بن سعيد الفارقي على الحكم، في رجب سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة لكثرة اشتغال مالك بملازمة الحاكم. وفوض إليه جميع الأمور، وخلع عليه من منزله. وهو أول من فعل ذلك من القضاة. وإنما كانت الخلع من منزل الخليفة أو السلطان، وكثر اجتماع الناس عنده، وتردّدهم لقضاياهم عند مالك. واستكثر حمزة من سؤال مالك في الأمور إلى أن أضجره. فرفع إليه جماعة عنه أموراً أنكرها، وبالغوا في ذلك إلى أن منعه من حضور المجلس، فانقطع مدة ثم حضر فانتهره، فخرج فاستتر. فكتبوا فيه محضراً اشتمل على عظائم، وأطلقوا القول فيه، فرضى مالك بإبعاده، ولم يزجر من وقع فيه. وكانت صورة المحضر بعد البسملة:
هذا ما شهد به من يُسَمَّي في هذا الكتاب، أنهم يعرفون حمزة بن علي بن يعقوب الغَلَبُوني الوراق، معرفة صحيحة لشخصه ونسبه واسمه، ويشهدون أنهم انكشف لهم من حاله، من قلة الأمانة، وظهور الخيانة، ورقة الدين، واغتصاب مال المسلمين، والارتشاء على الحكم، إلى غير ذلك من القبائح. وصح عندهم أن في بعده عن باب الحكم طهارة له، وصلاحاً للمسلمين، وصونا لحرمهم وأموالهم. هذا مع مخالفته لمذهب الإمام، وتظاهره بخلافه، أن قاضي القضاة كان إذا بلغه شيء من ذلك يزجره ويحذره فيظهر الرجوع ثم يعود، حتى صار يختلي بالمرجفين، ويسعى في الأمور العظيمة، والأحوال الجسيمة، التي لا يكاد ينطق بها اللسان، فثبت أنه غير موضع للقضاء، ولا لقبول الشهادة، يعلمون ذلك، ويشهدون به، بسؤال من جاز سؤالهم، إن ثبتت شهاداتهم بما علموه عنه، فأجابوا إلى ذلك، وكتبوا خطوطهم على علم منهم، وذلك في ذي الحجة لسنة ثمان وتسعين وثلاثمائة.
ثم زادوا في الحط عليه، فتغيب فقيل لهم: إنه اختفى عند أبي القاسم ابن المَغْرَبي الوزير ليشفع فيه، فلم يعرف بذلك. ثم وجد أخوه فقبض عليه وأهين، ثم هرب. فلم يزل هو وأخوه مستترين حتى ظفر بهما، فاعتقلا في المحرم سنة
стр. 147
تسع وتسعين وثلاثمائة، وأضيف إليهما رجل من ولد حسين بن النعمان، ثم أخرجوا في التاسع من صفر سنة تسع وتسعين إلى ناحية المقس، فجعلوا في مركب، فساروا بهم ثم رُدت رؤوسهم من نواحي الصعيد، عن قريب.
стр. 148
حرف الخاء المعجمة
الخَضِر بن الحسن بن علي بن عبد الله الزَّرْزَارِي الكردي، برهان الدين السِّنْجَاري شافعي المذهب من المائة السابعة.
ولد سنة ست عشرة وستمائة، وأول ما ولي القضاء بمصر خاصة، في شوال سنة تسع وخمسين وستمائة، عوضا عن الوجيه البهنسي، بحسب سؤال البهنسي كما ذكر ذلك في ترجمته. ثم صرف في ثالث رمضان سنة ستين. بسعي الصاحب بهاء الدين فأهين، وانتزعت جهاته، حتى لم يبق معه سوى المعزية المعروفة، من إنشاء المعز أيبك التركماني، أول ملوك الترك بمصر. وولي الوزارة بعد موت الصاحب بهاء الدين ابن حِنا، في سنة سبع وسبعين وستمائة، وتسلم أولاد بهاء الدين. فلم ينتقم منهم، ولا آخذهم بما فعل أبوهم معه.
فمل يزل يتولى الوزارة إلى أن عزل في أيام المنصور قلاوون بالشجاعي، في رمضان سنة ثمان وسبعين وستمائة. فسعى فيه الشجاعي إلى أن ضرب بالسياط.
استمر خاملا إلى أن أعيد إلى الوزارة. ثم أعيد إلى القضاء في جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وستمائة. وصرف عنه في ربيع الأول سنة ثمانين وستمائة ولزم بيته إلى أن وصل الخبر بموت البهاء ابن الزكي قاضي دمشق، فعين لقاء دمشق، ثم لم يتم له ذلك.
ثم في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وستمائة قرر في تدريس المدرسة الصلاحية، المجاورة لضريح الشافعي. وقرر له ما وجد في كتاب وقفها، وهو أن يكون للمدرس في الشهر عشرة دنانير، وللناظر أربعون ديناراً وستة أرطال من الخبز وراويتان من ماء النيل.
стр. 149
وكانت هذه المدرسة قد عطلت نحو ثلاثين سنة من المُدَرِّس. لكن بعض الطلبة يلازمها مع المعيد، ويقرر لهم. وكانت عدتهم عشرة انفس إلى أن سعى تقي الدين ابن رَزِين، فقرر في تدريسها بنصف المعلوم، فباشرها إلى أن مات. ثم آل تدريسها للقاضي برهان الدين السنجاري المذكور، فباشرها بجميع المعلوم المقرر للناظر والمدرس.
قرأت ذلك بخط شمس الدين الجَزَرِي في تاريخه، وأرخ ذلك في عاشر شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثمانين وستمائة.
وقرأت بخط الجزَرِي أيضاً أن البرهان المذكور حج في سنة اثنتين وثماني وستمائة، أن الباسقردي كان أمير الرَّكْب، فوقع بينه وبين أبي طثمي أمير مكة، فمنع أبو نمي الناس من دخلوا مكة يوم التَّروية. فحاصره الباسقردي، إلى أن كسر الباب الذي من جهة الحجون ودخلها عنوة، فقام البرهان السنجاري إلى أن أصلح بين الأميرين، وسكنت الفتنة.
ولما أن صرف تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز في أوائل صفر سنة ست وثمانين وستمائة، تقلد البرهان السنجاري قضاء البلدين أي الحرمين شرفهما الله إلى يوم القيامة آمين. فباشر ذلك نحو عشرين يوماً، وأدركته الوفاة فمات. ويقال أنه شم من جهة الوزير الشجاعي. وكان البرهان من محاسن الزمان إفضالاً وإحساناً واحتمالاً.
وقرأت بخط الصفدي: كانت فيه مروءة وتودد، ومسارعة القضاء مآرب الناس.
وذكر الحافظ علم الدين البرزالي: أنه قرأ عليه جزءاً سمعه على ابن اللمط، قال السراج الوراق يخاطب برهان الدين المذكور:
تَهَنَّ بخلعة لبست جمالاً ... بوجهٍ منك سبَّحَ مجتلوه
وقال الناس حين طلعت فيها ... أهذا البدر؟ قلت لهم أخوه
وقال الحكيم شمس الدين ابن دانيال:
إن السناجرة الكرام لمثلنا ... بهمُ إذا جار الزمان أمانُ
لا تجحدُ الأعداءُ ذاكَ جَهَالَةً ... فلنا على ما نَدَّعي برهانُ
стр. 150
وقال الشهاب الشيرازي:
جُبت البلاد فلم أغادر غادرا ... إلا ظفرت بغادرٍ خوانِ
وسألت عن سمح فأنكره الورى ... فعطفت نحو الخضر فضل عناني
جحدوا وجوه الجود إلا أنني ... أثبت ما جحدوه بالبرهان
وقال محي الدين ابن عبد الظاهر:
بكَ زالَ الخلاف واصطلح الخصْ ... مان يا دولة المليك السعيد
كلما فاقت الوزارة بالبُر ... هان فاق البرهان بالتقليد
خطير الملك اليازوري: هو محمد بن الحسن يأتي في الميم.
الخيار بن خالد بن خالد بن عبد الله بن معاذ بن وهب بن كعب بن معاذ ابن عُتُوَارَة بن عمرو بن مدلج بن وهب الكناني المُدْلجي، يكنى أبا نضلة من المائة الثانية، ولي قضاء مصر في شوال سنة أربع عشرة ومائة من قبل الوليد ابن رفاعة أمير مصر عن هشام بن عبد الملك، ولما عرض عليه القضاء قال لا أحسنه، فأقعد معه سليمان بن زياد الحضرمي كاتباً.
وكان الخيار إذا قضى فأخطأ نبهه سليمان، فيرد الخصم، فيخبره، بما قال سليمان ويقضي به. فإذا عاتبه الخصم قال: إن كاتبي أعلم مني، ولا يستوحش من ذلك. وكان مدة ولايته شهرين وشيئاً ومات في سلخ سنة أربع عشرة أو استهلال سنة خمس عشرة.
قال ابن يونس: كان رجلاً صالحاً. وقال عبد الرحمن بن عبد الحكم في (فتوح مصر) ولي بقدر سنة.
وكان محموداً، جميل المذهب. ولم يذكره أبو عمر الكندي في قضاة مصر. وذكره ابن زولاق في تاريخه. وقد قال ابن دانيال في أرجوزته:
والحضْرَمي ثم للخيار ... ثم يزيد جاء في الآثارِ
وآل بعد تَوبة وخير ... إلى ابن سالم بكل خير
والحضمي هو يحيى بن ميمون. والخيار: هو ابن خالد. ويزيد: هو ابن
стр. 151
عبد الله بن خذامر. وتوبة: هو ابن نمر. وخير: هو ابن نعيم: وقد مذى ذكر توبة، ويأتي ذكر خير قريباً.
خَيْر بن نُعَيم بن مُرَّة بن كُرَيْب بن عمرو بن خزيمة بن أوس الحَضْرَمي، من بني ناهِض. يكنى أبا إسماعيل، وأبا نعيم، وأبا الخير، من المائة الثانية. ولي من قبل حَنْظَلة بن صَفْوان الكَلْبي أمير مصر، هن هشام، في ربيع الآخر سنة عشرين ومائة، وأضاف إليه القصص.
وكان قبل ولاية القضاء بمصر، يلي قضاء برقة، ثم كتب لتوبة بن نمر. فلما استفى توبة، قرر خير في القضاء بإشارته. روى عن عطاء، وأبي الزبير، ومعاذ بن أنس، وعبد الله بن هبيرة وغيرهم. روى عنه عمرو بن الحارث، وحَيْوَة بن شُرَيْح، وسعيد بن أبي أيوب، والليث وابن لهيعة، وضِمام بن إسماعيل وغيرهم.
وقال أبو زرعة: صدوق لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وأخرج له مسلم حديثاً واحداً. وقال: ضمام ابن إسماعيل، عن يزيد بن أبي حبيب قال: ما أدركت من قضاة مصر أفقه من خير بن نعيم. قال الليث: التقيت بخير بن نعيم، فقلت له: بلغني أنك كرهت السلف في الحيوان ورددته. أأخذت ذاك عن ربيعة؟ قال: لا. ولكن عطاء أخبرني عن جابر أنه كان يكرهه.
قال أبو عمر: دفع رجل إلى رجل ثلاثة دنانير فدفعها إلى رجل ليشتري بها حماراً فلم يجده إلا بأربعة. فاشتراه ودفع الرابع من عنده وقال: إن رضي أخذت منه الدينار، وإن أبى أخذت الحمار النفسي، فاشترى على ذلك الشرط، فسُرق فقضى خير بأن الحمار من ضمان المشتري. فيرد الثلاثة إلى الذي دفعها.
وعن خير: أنه قضى في رجل هلك ولم يُوصِ، وعنده بضاعة لرجل، وشركة في متاع، وعنده وديعة ليتيم، ولعيه صداق لامرأته. فقضى خير: أن ما كان قِبله من شركة أو بضاعة، فإنها تُرَدّ إلى أصحابها، وأن الصداق والوديثة إذا لم توجد أسوة الغرماء.
وقال ابن وهب: سمعت الليث يقول: كان خير يقضي في بيع المواريث أن المشرتي بالخيار في رد ما اشترى، حتى يباع شيء غيره ويكتبه الكاتب.
стр. 152
وقال يحيى بن بكير: كان يرد على من يخاطبه بالقبطية بها، ويسمع شهادة الشهود بها ويحكم.
وقال الليث: كان خير يقضي فيمن اعترف لرجل بحق له عليه، ثم أنه قضاه ولا بينة عنده، أنه يلزمه ما اعترف به.
وكان يقول: من اعترف عندنا بشيء أخذناه به.
وكان يقضي بالشفعة بقدر الحصص. وكان يقضي بالمتعة على من طلق. وكان يسجن بالدين، فإن شهد له جيرانه بالعُدم، أطلقه من ساعته.
وكان له مجلس على الطريق على باب داره، يسمع فيه ما يجري بين الخصوم.
ودخل عليه رجل فدعاه إلى طعامه، ثم عرف أنه مخاصّم، فاستدعى خصمه فعرض عليه الطعام.
وقال سهيل: كنت ألازم خير بن نعيم وأنا حدَث، فكنت أراه ينجر فِي الزيت، فسألته عن ذلك، فقال: انتظر حتى تجوع ببطن غيرك. فقلت في نفسي كيف أجوع ببطن غير؟ فلما ابتليت بالعيال عرفت أني أجوع ببطونهم.
وصرف خير بن نعيم عن القضاء في أول يوم من المحرم سنة ثمان وعشرين ومائة، صرفه حوثرة بن سهيل الباهلي، لما قدم أميراً من قبل مروان بن محمد في أواخر سنة سبع وعشرين ومائة فقتل أشراف أهل مصر. فقال له حسان بن عتاهية التجيبي: لم يبق من أهل حضرموت إلا هذا الذَّنَب فإن قطعته قطعته. فصرفه عن القضاء، وصيّره كاتباً عل الرسائل. ثم أعيد إلى القضاء في مستهل رمضان سنة ثلاث وثلاثين ومن جهة أبي عون عبد الملك بن يزيد أمير مصر من جهة السَّفَّاح. فعرضت له علة الجُذّام في ولايته الثانية، فاستعفى أبا عون فلم يجبه لذلك. فكان كاتبه غوث بن سليمان، يقضي بين الناس في منزل خير.
وقال يحيى بن بكير: كان خير بن نعيم أول من أدخل أموال اليتامى بيت المال. ورد كتاب المنصور إلى أبي عون بذلك، فأمر خير بن نعيم ففعل ذلك وسجل لكل منها سجلاً بما يدخل ويخرج.
وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم عن يحيى بن عبد الله بن بكير أن رجلاً من الجُنْد قذف رجلاً، فخاصمه إلى خير، وأقام عليه شاهداً فحسبه، فأخرج
стр. 153
أبو عون الجندي من الحبس، فاعتزل خير. وترك الحكم. فراسله أبو عون فقال: لا، حتى ترد الجندي. فامتنع واستمر خير على الامتناع. وَكَانَ ذلك في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين. وعاش خير بن نعيم بعد ذلك إلى أن مات في آخر
سنة ست وثلاثين، أو أول سنة سبع وثلاثين. أرخه ابن ميسر سنة ست. وأرخه ابن يونس سنة سبع، وهو أعلم به. وقبره عند مشهد أم كلثوم بالقرافة.
وكتب هشام بن عبد الملك إلى خير بن نعيم أيّ امرأة أرادت قبض صداقها المؤخر على زوجها أن تعطاه، إلا أن شرط عند الإملاك أن تعطى إلى على شرط مُسمَّى.
وقال يحيى بن سعيد: قلت لربيعة إن أهل الطالبيين حدثوني أن خير بن نعيم كان يقضي بينهم بأن لا يجوز السَّلف في الحيوان، وقد كان يجالسك، فلا أحسبه قضى به إلى عن رأيك. فقال له ربيعة: كان عبد الله بن مسعود يقول ذلك.
وقال عبد الله بن وهب: حدثني الليث أن رجلاً سلّف في نحل العسل فقضى خير بن نعيم برد ذلك. فقلت له: لا أراك أخذت ذلك من ربيعة. قال: لا ولكن عطاء بن أبي رباح، حدثني عن جابر بن عبد الله أنه كان يكره السلف في الحيوان.
وذكر الشريف الجواني في النقط: أن اثنين ترافعا إلى خير بن نعيم فادعى أحدهما بعشرين ديناراً، فسكت المدعي عليه. فقال له: ما يخلصك السكوت، فناوله رقعة وقال: استرها فسترها خير بكمه، فإذا فيها: المبلغ في ذمتي، ولكن ليس له بها شاهد، وأنا اليوم لا أقدر على حق الرسول، فإن اعترفت عقلني وإلا استحلفني خفت الله) .
فبكى خير، وأخرج منديلاً من كمه، فوزن عشرين ديناراً للمدعي. فقال:
ما هذه الدنانير؟ قال: خلاص هذا المسكين. فقال ما أردتَ بهذا؟ قال الأجر والثواب. قال أنا أحق. والله لا طلبتها منه أبداً، فقام المطلوب، فقال له خير: خذها فليس لي فيها رجعة، فاخذ عشرين، وتخلص من عشرين.
وذكر الشريف أيضاً: أن اثنين حضرا إلى خير عند أذان المغرب، فتحاكما في جمل، فصرفهما، وتشاغل بصلاة المغرب. فحضرا إليه في اليوم الثاني، فقال
стр. 154
أحدهما: اشتريت من هذا جملاً باثني عشر ديناراً. فخرج به عيب واضح. فقال: ما أرده أبي بحكم حاكم، فلم تحكم بيننا أمس، فماتا لجمل بالمناخ فيكون في كيسي أو كيسه؟ فقال خير: بل في كيسي، لكوني لم أبتَّ الحكم بينكما. ووزن له ثمن الجمل.
وقال ابن لهيعة عن مخرمة بن بكير: إن مكاتبا لهم بزويلة، كان له أولاد أحرار من امرأة حرة فهلك. فاختلفوا في ميراثه فرفع إلى خير فقال: لا ميراث لولده الأحرار حين مات وهو مكاتب. فقدمت المرأة فسألت سعد بن إبراهيم قاضي المدينة فوافقه.
وقال ابن وهب عن الليث: كان خير بن نعيم يقضي لمن توفي عنها زوجها من نساء الغزاة قبل انقضاء الرباط، إذا كانت معه أن تنصرف فتعتد في بيت زوجها الذي خرجت منه. وكان يسمع كلام القبط بلغتهم ويخاطبهم بها، وكذلك شهادة الشهود منهم، ويحكم بشهادتهم.
وقال النسائي: أخبرنا محمد بن برافع حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني عيسى ابن عقبة، أخبرني خير بن نعيم، عن أبي الزبير عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: (والفجر وليال عشر) . قال: عشر النَّحر. واليوم يوم عرفة. والشفع: يوم النحر. قال أبو سعيد بن يونس: ليس هذا الحديث بمصر. وَمَا رواه عن الليث إلا زيد بن الحباب.
وصرف خير بن نعيم عن القضاء بعبد الرحمن بن سالم. ثم أعيد إلى القضاء في رمضان سنة ثلاث وثلاثين فاستكتب في ولايته غوث بن سلميان، وأذن له أن يقضي بين الناس في باب منزل خير، لما اعتل خير، وبدت به علة الجذام، وثقل عليه كثرة الخصماء.
وكان استعفى أبا عون أمير مصر فلم يجبه إلى ذلك، وكان عبد الملك بن مروان المصري ولاه ديوان الرسائل بعد صرفه عن القضاء، فاتفق أنه أتى فخاصم ابن عم له عنده فجلس على مفرشه، فقال له: قم ساو خصمك. فقال: كأنك وجدت علي أن صيرتك كاتباً بعد القضاء. وقام فلم يخاصم.
وقال ابن لهيعة: كان خير يجيز شهادة الصبيان في الجراح بينهم وشهادة أهل الذمة، اليهود على اليهود، والنصارى على الأنصار، إذا كانوا عدولاً في دينهم. وكان يقضي بين المسلمين في المسجد، ويجلس عل الباب بعد العصر للقضاء بين النصارى.
стр. 155
حرف الدال المهملة
دُحيْمم الدمشق، هو عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشق يأتي في العين المهملة.
حرف الذال المعجمة
أبو الذكر، هو محمد بن يحيى بن مهدي، يأتي في حرف الميم.
حرف الراء المهملة
حرف الزاي المعجمة
стр. 156
حرف السين المهملة
سالم بن سالم بن أحمد بن سالم بن عبد الملك بن عبد الباقي بن عبد العزيز، القاضي مجد الدين المقدسي الحنبلي.
ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. واشتغل ببلده، ثم قدم القاهرة سنة أربع وستين وسبعمائة ...
فلما مات القاضي موفق الدين أحمد بن نصر الله، طلب أهل الدولة من يصلح للقضاء من الحنابلة فعين هو ابنّ اللحَّام الشيخ علاء الدين، وكان قدم من الشام عقب اللَّنْك، فاجتمعا، فصار كل منهما يقول: أنا لا أصلح للقضاء إنما يصلح هذا.
فلما طال ذلك، استقروا بالقاضي مجد الدين، وهو قريب القاضي موفق الدين الكبير، يجتمع معه في عبد الملك، فأحمد جد سالم، ولد عم موفق الدين.
فلم يزل القاضي مجد الدين في ولايته المذكورة، إلى أن صرف بالقاضي علاء الدين علي بن محمود الحموي المعروف بابن المُغْلي، وكان الناصر فرج يعتمد على القاضي مجد الدين، لأنه وصف عنده بالجودة والأمانة. فجهزه مرة إلى الصعيد، مع
الوزير سعد الدين البشيري، للحوطة على تركة أمير عرب هَوَّارة، محمد بن عمر. فصار صحبته، وضبط الموجود.
وكان رفيقه في هذه السفرة، الشيخ زين الدين ابن النقاش، وكان يعتذر، بأنني قصدت بذلك التخفيف عن ورثة الهواري، ويقول: إنه توفر لهم بسبب ذلك أشياء، لولا وجوده كانت نُهبت. ثم ندب الناصر مجد الدين إلى حضور المخازن التي أمر الوالي بفتحها، ليأخذ ما يجد فيها من الفلوس، لما أراد أن يغلي
стр. 157
سعرها. فلم يجد في الخزانة منها إلا القليل. فأمر أن تشترى ممن هي عنده، فامتنعوا. فكشف حواصلهم بوالي الشرطة، فشكوا إليه أن الشرطة تمد أيديهم إلى أمتعتهم. فأمر القاضي مجد الدين أن يحضر لضبط ذلك، ومنع التعرض لغير الفلوس. وأمر بدفع ثمن الفلوس لمن حضر من أصحابها من التجار. ومن لم يحضر يقبض حاصله ويكتب باسمه وُصُول إلى أن يحضر.
وكان القاضي مجد الدين - فيما قيل - يبالغ في الضبط، ولا يرخص لأحد من أصحاب الفلوس في إخفاء شيء منها، حتى كان العوام يقول قائلهم: إن والي الشرطة كان أرفق بهم منه.
ولمّا استقرت الدولة المؤيدية، كان يبلغه سيرة المذكور فلم يتعرض له، إلى أن قدم القاضي علاء الدين بعد قتل نيروز بسنة، فصُرف القاضي مجد الدين عن القضاء، واستقر ابن المغلي في وظيفة القضاء. واقترح أن يكون على قاعدة القاضي ناصر الدين
بنصر الله فلزم من ذلك أن عز القاضي مجد الدين من جميع التداريس التي كانت معه، ولما ولي القضاء على قاعدة من قبله. فبعد أيام قليلة شغر تدريس الجمالية الجديدة عن أبي الفتح الباهي، فولاه السلطانُ لمجد الدين، فباشره حتى مات في يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة سنة ست وعشرين وثمانمائة.
السائب بن هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيّب، بالتثقيل، بن خزيمة بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي القرشي العامري.
لأبيه هشام صحبة، وكان جدّه عمرو أخا نضلة بن هاشم بن عبد المناف لأمه. فكان هاشم لذلك يواصل بني هاشم، لما حصروا في الشَّعب. وكان يأتيهم بالطعام ليلاً، ثم كان ممن سعى في نقض الصحف التي كتبت عليهم. ويقال إن للسائب رؤية، بل لا يبعد أن يكون له صحبة، فإنه شهد فتح مصر، وكانت سنة عشرين، وأسلم أبوه يوم الفتح سنة ثمان، فقد كان يوم الفتح مُمَيْزاً وتبع أباه في الإسلام. ثم كل من كان بمكة موجوداً من قريش في حجة الوداع، فقد رأى النبي ﷺ وسمع خطبته بمنى.
стр. 158
وقال محمد بن الربيع الجيزي: كان عمرو بن العاص، ولي السائبَ شرطته بعد قتل خارجة بن حذافة، وذلك في خلافة علي. وكان قبل ذلك على شُرَطه عبد الله بن سعد، واستخلفه لما وفد على عثمان، واستعمله على الشرطة أيضاً قيس بن سعد.
وقال ابن الضراب: ولاه مسلمةُ بن مُخَلَّد قضاءَ مصر مضافاً إلى قضاء المغرب، وذلك في خلافة معاوية بعد سليم بن عتر، وهو أول من جُمعا له. قال: ثم بلغ مَسْلمة أنه يقول ما ينبغي للقاضي أن يأتي بابَ الأمير، بل ينبغي للأمير أن يأتي باب القاضي، فعزله.
وقال ابن يونس ولاه مسلمةُ قضاءَ مصر والشرطة، ولم يذكره أبو عمر الكندي وال ابن مُيَسِّر في قضاة مصر، فكأنه لم تطل مدته في قضائها.
وذكر ابن دانيال، أن ولايته كانت بعد سليم بن عتر، وقبل عابس بن سعيد وذلك لقوله في أرجوزته:
ثم ولي سليم نل عتر ... وبعده السائب نجل عمرو
ثم وليه عابس المرادي ثم كان على الجيش الذي جهزه عبد الرحمن بن جَحْدَم، أمير مصر، لدفع مروان بن الحكم سنة خميس وستين. فبلغ ذلك مروان فأخذ ولديه من فلسطين بعد أن وقف الغلامين بين الجبلين إن لم ترجع بهذا العسكر، وإلا قتلت ولديك. فرجع بعد أن كان وصل إلى العريش. وفي ذلك يقول شاعر أهل الشام:
كَرَرْنا إلى مصر من الشام كَرَّةً ... أزالت لَعَمْر الله مُلْكَ أبي بكر
يعني عبد الله بن الزبير. قال ابن يونس، وتبعه ابن ماكولا: كان السائب من جبناء قريش.
سعد بن محمد بن سعد بن عبد الله العبسي الدَّيْرِي المقدسي مولدا ومنشأ، الشيخ الإمام العلامة سعد الدين قاضي القضاة، ابن قاضي القضاة شمس الدين الحنفي من المائة التاسعة، يأتي بيان نسبه في ترجمة والده.
стр. 159
ولد سنة ثمان وستين وسبعمائة، وحفظ القرآن وهو صغير. وحفظ كتباً كثيرة منها الكنز وبعض المنظومة في فقه الحنفية، ومختصر ابن الحاجب الأصلي والمشارق القاضي عياض.
وكان سريع الحفظ، مفرط الذكاء، فعنى به أبوه وأعانه هو بنفسه، وأكب على الاشتغال إلى أن فاق الأقران. واشتهر بمعرفة الفقه حفظاً وتذييلاً للوقائع، واستحضار للخلاف.
سمعت والده يقدمه على نفسه في الفقه. وولي عدة وظائف ببلاده، وقدم القاهرة مراراً. وسمع الحديث على أبي الخير ابن الحافظ صلاح الدين العلائي، وعلى غيره. وحدث عنه بالسماع والإجازة مراراً.
وولي مشيخة المؤيدية بالقاهرة عوضاً عن أبيه، وباشرها، وانتفع به الناس في الفتاوي، والمواعيد والإشْغال، مع طلاقة اللسان، وحسن الوجه، وكثرة البشر، ولين الجانب، وفرط التواضع، مع الوقار والمهابة، والديانة والصيانة.
وولي القضاء بعد صرف القاضي بدر الدين العيني في أول سنة اثنتين وأربعين. فباشر بمهابة وصرامة وعفة. وأحبه الناس، ولا سيما أنه شرط على نفسه أن يبطل استبدال الأوقاف. فدام ذلك إلى مضى ثالث سنة من ولايته وحصل لأوقاف من ذلك رفق كثير. وعمرت أوقاف الحنفية في ولايته، وكثر مُتحصَّلها، بعد أن كان تلاشى أمرُها، بكثرة ما بيع منها أنقاضاً واستبدالاً بالذهب أو الفضة.
وللقاضي سعد الدين نظم كثير سمعت من لفظه في المذاكرة منه كثيراً.
سعيد بن ربيعة بن حُبيش بن عرفطة بن نضله بن ربيعة بن مالك الصدفي، من المائة الثانية. كان منقطعاً إلى الوليد بن رفاعة أمير مصر. فلما مات
стр. 160
الخيار بن مالك عرض عليه الوليد القضاء، فامتنع وقال: ليس الحكم من طلب العافية وأنا مستوحش من الناس فأعفني. قال: لابد. فقال: والله لا تكلمت بكلمة واحدة. فجبره على الجلوس في المسجد. فدخل إليه الخصوم فما أجاب أحداً منهم بحرف واحد. فقام عبيد الله بن الحَبْحَاب وكان على الخراج فتكلم لتوبة بن نمر، فولى القضاء. وانصرف سعيد بعد أيام قلائل.
وقال سيعد بن كثير بن عُفير عن لِهيعة بن عيسى: قيل لسعيد بن ربيعة: إن أردت أن تَسْلم منهم فاسْتَعْجِمْ عليهم، ففعل ولم يقض بين اثنين.
وقال أبو عمر في ترجمة يحيى بن ميمون: لما كتب هشام بعزله، أخبر الوليدُ ابن رفاعة سعيد بن ربعية بولاية القضاء فامتنع، فذكر القصة وذكر ابن يونس أن ...
سلطان ابن إبراهيم بن المُسَلَّم المقدسي، أبو الفتح الفقيه الشافعي من المائة السادسة وكان يعرف بابن رشا. ولاه أبو علي ابن الأفضل أمير الجيوش القضاءَ رابع أربعة وذلك في سنة وعشرين وخمسمائة.
وقال ابن ميسر: أخبرني القاضي كمال الدين أحمد ابن الصاحب فخر الدين الأعز ابن شكر قال: وجدت ورقة في أوراق خالي العماد ابن أخي العلَم بغير خطه فيها: وفي سنة خمس وعشرين رتب أبو أحمد ابن الأفضل في الأحكام أربعة يحكم كل منهم بمذهبه ويورث بمذهبه، فهو الشافعي. وسيأتي ذكر المالكي وهو محمد بن عبد المولى. والإمامي، وهو هبة الله بن عبد الله بن كامل والإسماعيلي وهو أبو الفضل هبة الله بن حسين بن الأزرق.
وصرف الأربعة عن القضاء عند القبض على ابن الأفضل في شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين وخمسمائة.
وكان مولد الفقيه سلطان بالقدس في سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وأخذ الفقه عن سلامة المقدسي والسيخ نصر بن إبراهيم المقدسي. ودخل مصر بعد سنة
стр. 161
سبعين
وأربعمائة. فسمع من أبي إسحاق الحبال، والخِلَعِي، وأبي عثمان ابن ورقا، وغيرهم. وأجاز له الخطيب البغدادي وغيره.
وقال ابن ميسر: كان من وُجُوه عُدول مصر وعلمائها. أخذ عنه مجلي بن جميع صاحب الدخائر وغيره. وروي عنه السلفي الحديث، وقال فِي حقه: كان أفقه الفقهاء بمصر في وقته، وقرأ عليه أكثرهم، ومات في آخر جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. وقيل في سنة ثمان.
سليمان بن خالد بن نعيم بن مُقَدَّم بن محمد بن حسن بن غانم بن محمد بن علي الطائي البساطي، علم الدين المالكي، من المائة الثامنة. والبساطي نسبة إلى بساط، بليدة بالغريبة، يقال لها بساط قروض من عمل السمنودية. وسماها ياقوت في المشترك بَسْوط، وبواو بدل الألف مع فتح أولها. ولم يكن أصله منها. وإنما نزلوها، وهم من شبرا بسيون، بالقرب من النحرارية، ولجدهم بها زاوية. ومات خالد وسليمان صغير. فنشأ في حجر عمه عثمان بن نعيم. واشتغل كثيراً حتى مهر واشتهر بمعرفة المذهب، وشارك في الفنون.
قرأت بخط البشبيشي: كان يقرر الألفية تقريراً حسناً، ونشأ كثير التقشف مطَّرحاً للتكلف، كثير الإطعام لم يرد عليه.
ولم يزل على طريقته، حتى ناب في الحكم عن البرهان الإِخنائي. ثم عن ولده البدر، ثم تنافرا.
وكان يقضي وهو نائب بجامع الصالح، ويشغل الناس، ويقرر لهم أحسن تقرير.
ثم ولي القضاء بعد صرف بدر الدين الإخنائي، بعناية الأمير قرطاي القائم بدولة المنصور على بن الأشرف، في سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة فباشر بمهابة وعفة وصيانة، وأكثر من استنابة من لم يكن له قبل ذلك نباهة. وقصد بذلك تأليف خواطرهم لتصير له عصبة، يقابل بها البدر الذي تلقى عنه فاستمر في القضاء ثمانين يوماً، ثم صرف في صفر سنة تسع وسبعين وسبعمائة، فأعيد البدر واستمر إلى ثالث عشر شهر رجب منها، فصرف،
стр. 162
وأعيد البساطي. وتعطل البدر إلى أن مات في ربيع الأول سنة ثمانين وسبعمائة واستمر البساطي إلى أن وقع بينه وبين القاضي برهان الدين ابن جماعة، فصرف في خامس عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة.
واستمر بطالاً إلى أن مات ليلة الجمعة سادس عشر صفر سنة ست وثمانين وسبعمائة.
وكان يعارض البرهان في كثير من الأمور. فاتفق أن بعض الموقعين عرض على البساطي وصية فأثبتها قبل أن تعرض على ابن جماعة، فبلغه ذل فغضب واستعان عليه بالأكمل.
وكان البساطي لا يلفت إلى رسائله، مع ما كان فيه من الجاه وتعظيم الملوك له، فقام الأكمل في نصرة ابن جماعة حتى عزل البساطي، واستقر جمال الدين ابن خير.
سليمان بن عمر بن سالم بن عثمان الأذرعي ثم الدمشقي، جمال الدين الزرعي الشافعي من المائة الثامنة. أصله من المغرب، ولد بأذرِعات سنة خمس وأربعين واشتغل لما ترعرع إلى أن ولي قضاء زَرْع، فقيل له الزَّرعي وغلب عليه.
وقدم على دمشق فناب عن القاضي بدر الدين ابن جماعة، وحكم بالعادلية، لما عزَل الشيخ كمال الدين الشريشي نفسه عن الحكم، في شوال سنة خمس وتسعين، ثم قدم القاهرة على القاضي بدر الدين ابن جماعة، فناب عنه بها. فلما عاد الملك الناصر من الكرك، وهو متغير على القضاة لقيامهم مع الملك المظفر بيبرس عزلهم، وقرر نوابهم. فاستقر القاضي جمال الدين الزرعي في قضاء الشافعية في مستهل شهر ربيع الأول سنة عشر وسبعمائة. وقيل في تاسع صفر.
ولما خلع عليه الناصر أمره أن يدخل بخلعته على بدر الدين ابن جماعة، وهو في مجلس حكمه بالصالحية ففعل. فدخل عليه، فقام له، وظن أنه ولي قضاء الشام، فهنأه وهما قائمان. فاستمر فاستراب ابن جماعة، فقال له: ما الذي وليه مولانا؟ قال: مكان مولانا. فخجل ونكس رأسه وخرج من المجلس
стр. 163
يزاحم من حضر، وكانوا جمعاً كثيراً. وجلس الزرعي مكانه فسار سيرة فاضلة. وعمر الأوقاف، وثمر ريعها وصرفه في المستحقين. واقتصر من النواب على من لا يقدح فيه أحد.
فلم يزل على ذلك إلى أن انقضت سنة كاملة من ولايته. فأعيد البدر ابن جماعة في حادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبعمائة. وصرف جمال الدين الزَّرعي، فأقام في بيته بطالاً إلى سنة ثلاث وعشرين.
وكان فقيهاً عارفاً بالأحكام، قوى النفس، دَيِّناً أمينا، محترزاً في أموره. مع أنه كان شَرِس الخلق من جهة أصله المغربي.
فلما جاء الخبر بموت القاضي نم الدين ابن صَصْرَى بدمشق، شغر منصب القضاء فتذكر الملك الناصر الزَّرعَّي فاستدعى به، وفوض إليه قضاء القضاة بدمشق وما معها، وأضاف إليه قضاء العسكر ومشيخة الشيوخ والتداريس على العادة، فباشر مباشرة حسنة، إلى أن سعى عليه جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني واستقر بها سنة أربع وعشرين وسبعمائة فصرف، فقدم القاهرة فأقام بها بطالاً، وإلى أن ولي تدريس بعض المدارس بمصر. واستمر إلى أن مات في سادس صفر سنة أربع وثلاثين وسبعمائة.
وسمع في صباه من أحمد بن عبد الدائم والكمال أحمد بن نعمة، والجمال يحيى ابن الصيرفي وغيرهم. وخرَّج له الحافظ علم الدين البرزالي مشيخة سمعها منه شيخنا برهان الدين الشامي، وقرأتها عليه، وهي عن اثنين وعشرين شيخاً.
سُلَيْم بن عِتْر بن سلمة بن مالك بن عِتْر بن وهب بن عوف بن معاوية ابن الحارث بن أيْدعان بن سعد بن تُجيب التُّجِيبي، نسبه ابنُ يونس. وعتر بكسر المهملة وسكون المثنَّاة بعدها راء: مخضرم منا لمائة الأولى.
قال ابن يونس: هاجر في خلافة عمر وحضر خطبته بالجابية، وشهد فتح
стр. 164
مصر. وكان يدعى سليماً الناسك، لشدة عبادته. روى عن عمر بن الخطاب، وحفصة بنت عمر. وروى عنه علي بن رباح وأبو قبيل ومِشْرح بن عاهان وعقبة ابن مسلم والحسن بن ثوبان وآخرون.
ذكر أبو عمر بسند له عن الحسن بن ثَوْبان قال: ركب سُليَم بن عتر البحر فلما قفل نزل. فأقام سبعة أيام لا يدري أين هو، ثم جاء فقالوا له: أين كنت؟ فقال: إني ذهبت إلى هذا الغار، فأقمت فيه هذه الأيام السبعة شكراً لله تعالى.
ومن طريق أخرى عن سُليم، لما قفلت تعبدت في غار سبعة أيام بالإسكندرية لم أصب فيها طعاماً ولا شراباً. ولولا أني خشيت أن أضعف لزدت.
وذكر أبو عمر أيضاً من طريق أخرى: أن سليم بن عتر كان يصلي بالليل، فيختم القرآن، ثم يأتي أهله، ثم يعود فيختم. ثم يأتي أهله، ثم يعود فيختم. ثم يأتي أهله.
فلما مات، وقالت امرأته رحمك الله، فقد كنت ترضى ركب وتسرُّ أهلك.
من طريق سعيد بن عُفير عن بكر بن مضر قال: لما مات سليم، قالت امرأته، فذكر نحوه. فسئلت فقالت: كان يغتسل أربع مرات ويختم القرآن أربع مرات في الليلة.
وقال أبو عمر: كانت ولايته للقضاء من قبل معاوية سنة أربعين. وكان قبل ذلك يَقُصّ. ويقال إنه أول من قَصَّ، وذلك في سنة تسع وثلاثين. فكان يقص وهو قائم. فأنكر عليه صِلَة بن الحراث الغفاري، وله صحبة، فقال له: والله ما تركنا عهد نبيِّنا ولا قطعنا أرحامنا، حتى قمت أنت وأصحابك بين أظهرنا. وكان السبب في ذلك أن علياً لما رجع من صفين قَنَت. فدعا على من خالفه: فبلغ ذلك معاوية، فأمر من يقص بعد الصبح وبعد المغرب أن يدعو له ولأهل الشام. وكتب بذلك إلى الأمصار.
стр. 165
وقال الليث: هما قَصَان، قصص العامة، يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم ويذكرهم. وقصص الخاصة وهو الذي أحدثه معاوية. ولي رجلا على القصص، إذا سلم الإمام من صلاة الصبح، جلس فذكر الله وحده ومَجَّده وصلى على نبيه وسلم، ودعا للخليفة وأهله ولأهل ولايته وجنوده. وعلى أهل حربه وعلى الكفار كافة.
قال القضاعي: أقام سليم بن عتر على القصص والقضاء سبعاً وثلاثين سنة منهما سنتان قبل أن يلي القضاء. وكان يرفع يديه في قَصصه.
وقال المفضل بن فضالة عن إبراهيم بن نَشِيط عن عبد الله بن عبد الرحمن ابن حُجَيرة قال: اختُصم إلى سليم بن عتر فِي ميراث، فقضى بين الورثة. ثم تناكروا فعادوا إليه، فقضى بينهم، وكتب كتاباً بقضائه وأشهد فيه شيوخا الجند.
قال: وكان أول القضاة بمصر سجَّل سجلاً بقضائه.
وقال عبد العزيز بن أبي ميسرة عن أبيه: كتب معاوية إلى سليم بن عتر يأمره بالنظر فِي الجِراح، وأن يرفع ذلك إلى صاحب الديوان. وكان سليم أول قاض نظر في الجِراح وحكم فيها.
قال أبو عمر: تولي سُليم بن عتر من سنة أربعين إلى موت معاوية فكتب يزيد ابن معاوية إلى مسلمة بن مخلد بأخذ البيعة فامتنع عبد الله بن عمرو.
وعن أبي قبيل قال: كان مسلمة بن مُخلد بالإسكندرية، فبلغه أن عبد الله ابن عمرو امتنع من بيعة يزيد، فأرسل إليه كُريب بن أبرهة وعباس بن سعيد، فدخلا عليه ومعهما سليم بن عتر، وهو يومئذ قاضٍ وقاصّ، فوعظوه في بيعة يزيد، فقال عبد الله: والله لأنا أعلم بأمر يزيد منكم. وإني لأول الناس أخبر به معاوية، أنه يُستخَلف ولكن أردت أن يَلي هو بيعتي، فأما أنت يا عابس فبعض آخرتك بدنياك. وأما أنت يا سليم فكنت قاصاً فكان معك ملكان يذاكرنك، ثم صرت قاضياً فمعك شيطاناً يُزيغانك، وأما أنك يا كُريب. فإنَّ صوتك في الغرب وليس عند شيء.
قال: ثم قدم مسلمة فعزل السائب عن الشرطة وولاها عابس بن سعيد. ثم
стр. 166
عزل سليماً عن القضاء ووّلاه عابساً. فكان أول من جمع له القضاء والشرطة، فكانت ولاية سليم القضاء عشرين سنة.
قال ابن يونس: ومات سليم بدمياط في إمرة عبد العزيز سنة خمس وسبعين.
وخرج أبو عُمر من طريق ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد قال: قلت لَحَنش ابن عبد لله: أخبرني عن قول الله تعالى: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ التَّل ما يَهْجَعُونَ) فقال هذه والله صفة سليم بن عتر.
قالوا: وكان سليم بن عتر يؤمن الناس في قيام رمضان، فيسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة ويجهر بالبسملة ويبسمل. وكان يقرأ فِي الكرعة الأولى من صلاة الصبح بالبقرة وفي الثانية ب (قُلْ هُوَ الله أَحَد) .
стр. 167
حرف الشين المعجمة
حرف الصاد المهملة
صالح بن عبد الله بن رجاء، إسماعيلي من المائة السادسة. ولاه القضاء يانس الرومي مولى الأفضل ابن أمير الجيوش. وكان الحافظ قد استقر به بعد قتل أحمد بن الأفضل وخروج حافظ من الاعتقال، وإبطال ما كان ابن الأفضل قرره من أربعة قضاة، فأعاد الاقتصار على قاض على مذهب الإسماعيلية. فولى صالحاً هذا في مستل ربيع الأول سنة ست وعشرين خمسمائة. ثم قبض عليه يانس بعد سبعين يوماً من ولايته، وقُتل صالح المذكور.
صالح بن عمر بن رسلان بن نَصر بن صالح بن شهاب بن عبد الحق بن مسافر البلقيني الشافعي من المائة التاسعة. ولد في أول سنة تسعين وسبعمائة. نشأ في حجر أبيه. فلما دخل أربع سنين أدخله المكتب. فحفظ القرآن وهو صغير. وصلى بالناس التراويح في أول القَرن. ثم أمر الشيخ فقيه أن يُقبئه التَّدريب. فحفظ منه إلى
حيث وقف الشيخ، في أثناء النكاح. فكان يكتب له ما يدرسه إلى أن مات الشيخ، وقد وصل فيه إلى أواخر الربع الثالث. فاشتغل الولد المذكور بعد موت والده في المناحج. ونشأ بعد موت والده يتيماً مُملقاً، عند والدته، فِي طبقة علو المدرسة التي أنشأها الشيخ، وكان الشيخ
стр. 168
هجر أمه قبل ذلك بمدة، لما شاع أنها ارتضعت معه. وسكنت به أمه عند قريبهم عز الدين عبد العزيز بن مظفر، بجوار باب سر المارستان ندة، وكان متصوفاً بالنسبة لأقاربه، ولم يزل مبتعداً عن أخيه إلى أن عزل بالهروي فلازم خدمته في سنة العطلة، فراعى له ذلك.
فلما عاد نزل له عن درس التفسير بالظاهرية. ثم ناب عنه فين الحكم فحصلت له إهانة منه بسبب غير مشهور، فتألم وتوجه إلى دمياط. ثم عاد قرب رجوع أخيه من السفر. فتوجه إلى قَطْيَة ليلقاه، فوجده ضعيفاً جداً، فحضر العيد، فأرسل السلطان الظاهر ططر - وذلك أول عيد من سلطنته - للقاضي جلال الدين أن يتشم المشقة، ويخطب بهم في العيد، وإلا فليعين من يصلح للخطبة فعرض ذلك على ولديه، فلم يكن فيهما من جسر على ذلك، فعين أخاه. وكان قد أدمن على الخطبة بمشهد الحسين، حيث أحدث ابن الشّحنة فيه الخطبة بمشهد الحسين، حيث أحدث ابن الشّحنة فيه الخطبة.
فاتفق أنه خطب بالسلطان والعسكر، فأعجبهم جهورية صوته، فاستقر في أنفسهم أنه عالم.
فلما مات القاضي جلال الدين في النصف من شوال، واستقر الشيخ ولي الدين العراقي في القضاء، سعى عليه إلى أن صرف بعد سنة وشهرين من ولايته.
واستقَرّ في قضاء الشافعية في سادس ذي الحجة من سنة ست وعشرين. وأعانه على ذلك قصْرُوه أمير آخور، وابن الكُوَيْز كاتب السر، وقاضي الحنابلة ابن المُغْلأِي، فما كان إلا أن استقر في المنصب، فشمخت نفسه، فرأى غيره منه ما لا يرى. وسار سيرة عجيبة، يجمع بين دناءة النفس، والطمع والحمق. فاستعاد بعض ما اقترضه للولاية. وبقي أكثر ذلك دَينا عليه إلى الآن، ثم صرف بعد سنة ودون الشهر بكاتبه.
واستمر معزولاً من العشر الأخير من المحرم سنة سبع وعشرين إلى العشر الأخير من صفر سنة ثلاث وثلاثين، فأعيد فأقام سنة وثلاثة أشهر. وصرف في العشر الأخير من جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين.
واستمر بطالاً إلى السادس من شوال سنة إحدى وأربعين. وأعيد فأقام فيها سنة واحدة، وصرف. فمدة ولاياته الثلاث، ثلاث سنين ودون خمسة أشهر.
стр. 169
وقُدِّر وقوعُ الطاعون الفاشي في ثاني ولاياته، فتسلط في تحصيل الأموال من التركات. وكتب مرسوماً استكتب فيه خطوط جميع شهود المراكز، أن لا يشهد أحد منهم في الوصية، حتى يُوصي الموصِي فيها للحرمين بشيء، فكان الرجل يوصي بما تسمح به نفسه ويموت من يومه غالباً. فيرسل نقيبه فيقبض ما أوصى به. ولم يحصل لأهل الحرمين من ذلك الدرهم الفرد. ولا وجدنا في حساب السَّنَة التي باشرها، أنه وَرَدَ للحرمين شيء إلا من جهة واحدة
من بلدة بالريف، بمبلغ تافه. مبلغه فضة، أربعمائة درهم. ولعله حصَّل من الجهة المذكورة وحدها عشرة أضعافها ذهباً.
وأما أوقاف الحرمين والصدقات، فتحيَّل على الانفراد بها بكل حيلة.
وأما المدارس ومتحصّلها فلم يصرف للطلبة إلى اليسير. ويكفي في الإشارة إلى ذلك أن أخاه كان ينفق في الخشابية في السنة خمس مرات، فأنفقها هو أولاً أربعاً ثم توالت الأيام فصارت ثلاث نفقات. ثم صارت نفقتين ونصفا، على لانصب مما كان يصرفه، فيتوفر في كل سنة نحو ثلاثمائة دينار. وقس على ذلك.
وكان له خال بلا ولد وله عاصب، فحضرته الوفاة، فأوصى بالثلث للحرم النبوي. كان قد قرأ علي العِراقي - الذي سعى عليه حتى انفصل من المنصب بغير جناية - قليلاً. وكذلك قرأ علىَّ في محاسن الاصطلاح لوالده. ثم جازاني بأن وقف على معجم شيوخي فرأى فيه تراجع، واستنكر بعض وصف من ذكر فيها لوالده، فجاء فيها أنه كان ينظم شعراً بازلا، وأنه كان ربما أخطأ الوزن. وأنه حكى عن نفسه أنه أول ما قدم القاهرة، دخل الكاملية، فطلب فيها بيتاً يايه..
الصغير أبو علي هو أحمد بن الحسين. تقدم أبو الصلاح ابن عين الدولة. هو عبد الله بن محمد
يأتي في حرف العين.
стр. 170
حرف الضاد المعجمة
حرف الطاء المهملة
طاهر بن علي ابن أخي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي كان ينوب في الحكم عن قضاة المستنصر، ثم استقل بعد موت العِرْقي ولم تطل مدة ولايته.
حرف الظاء المعجمة
стр. 171
حرف العين المهملة
عابس بن سعدي المرادي الغُطَيْفِي من المائة الأولى. قدم مصر سنة ... وجالس عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو، وأخذ عنهما، حتى كان يعرف ما عندهم. روى عنه أبو قبيل المعافري.
قال ابن عبد الحكم: جُمع لعابس القضاء والشرطة جميعاً. وهو صاحب كوم عابس بمصر الذي يقول فيه الشاعر: خويً صفصفا كالقاع من كوم عابس وولاه مَسْلَمة القضاء في سنة ستين. فلما مات يزيد وبايع أهلُ مصر عبدَ الله ابن الزبير، وبعث عليها عبد الرحمن بن جَحْدم الفهري أميراً، فأقر عابساً. ثم سار مروان من الشام إلى مصر، وكان عابس من شيعته، وكان يكاتبه بالطاعة ويحرضه على المسير إلى مصر، إلى أن دخلها مروان غرة جمادى الأولى سنة خمس وستين. فدعاه فقال له: جمعت القرآن؟ قال: لا. قال: فتفرض الفرائض؟
قال: لا. قال فتكتب بيدك؟ قال: لا. قال فيم تقضي؟ قلا أقضي بما علمت، وأسأل عما لا أعلم. قال: أنت القاضي.
ثم سأله مروان بعد ذلك عن فريضة، فأصاب فيها. وسأله عن شيء في الطلاق، وعن شيء في القرآن، فأصاب في كل ما سأله.
стр. 172
فقال مروان: يا عباد الله، ألا تعجبون من عابس كيف يهضم نفسه! فأقره على القضاء.
وقال عبيد الله بن أبي جعفر: سألت حَنَش بن عبد الله، كيف جُعل عابس على القضاء، وهو أعرابي مدري؟ قال: إنه جالس عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو حتى استفرغ علمهما.
ولما ولي عبد العزيز إمرة مصر، زاد في عطائه. وهو الذي حفر خليج مصر. ولم يزل قاضياً إلى أن مات في إمرة عبد العزيز سنة ثمان وستين. وكانت مدة ولايته ثماني سنين.
عبد الله بن إبراهيم بن مُكرَم أبو يحيى. كان من شباب بغداد. ويقال إنه شهد عند القاضي أبي عمر قاضي بغداد. وولي قضاء مصر، فاستخلفَ فيها أبا الذكر، ولم يدخلها.
وذكر بعض شيوخنا أنه دخل مصر، وذكر له قصة في القرافة. والصواب أن صاحب تكل القصة في القبور غيره.
وذكر أبو بكر بن الحداد، أن القاضي أبا عبيد بن حربويه لما أرسله إلى بغداد يستعفي له عن قضاء مصر، كان يتردد إلى على بن عيسى بن الجراح، فيمتنع أن يعفيه ويقول: مهما كان يكرهه أنا أزيله. قال: وما أظن إلا أنه كره المرافقة مع هلال بن بدر، لأنه شاب غِر، لا يعرف قدره. فأنا أصرف هلالً وأُوَلِّي أحمد بن كيغَلَغ، شيخ عاقل، يعرف قدر القاضي.
وكان ابن الحداد يلح عليه في قضاء ما أراده القاضي أبو عبيد، فلا يريد أن ينصرف عن بغداد إلا بمراده.
فقدر أن صرف ابن الجراح عن الوزارة، واستقر أبو الحسن ابن الفرات، وكان منحرفاً عن أبي عبيد، لأنه راسله في أمر مهم له، فامتنع من عمله، لأنه كان لا يسوغ عنده، فحقد عليه. فلما وَزر، قيل له عن قصة أبي عبيد، فقال: اصرفوه. وأرسل إلى ابن مكرم الذي كان حينئذ قد ولى القضاء ببغداد، بأن يرسل إلى مصر قاضيها بها.
стр. 173
فكتب إلى عامل مصر حينئذ ومدبر أمرها وهو أبو الحسن محمد بن عبد الوهاب يخبره بصرف أبي عبيد، وأن القضاء فوض لابن مكرم، وصحبته كتاب ابن مكرم إلى أربعة من أهل مصر، منهم أبو جعفر الطحاوي، أن يختاروا منهم رجلاً يتسلم القضاء من أبي عبيد، ويحكم نيابة عن ابن مكرم. فأرسل العامل إلى الطحاوي، فناوله الكتاب، فاشتهر أمر الكتاب حتى بلغ أبا عبيد، فأمسك عن الحكم. واجتمع القوم عند علان بن سليمان فتشاوروا فناب عنه أبو الذكر محمد بن يحيى بن مهدي مائة يوم ثم استنيب عنه أبو محمد إبراهيم بن محمد الكريزي وعُزل صاحب الترجمة عن بغداد في العشر الآخر من ربيع الأول سنة ثلاث عشرة ثلاثمائة وكانت ولايته في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
عبد الله بن أحمد بن ربعية بن سليمان بن خالد بن عبد الرحمن بن زَبْر بن عطارد بن عمور بن حجر بن منقذ بن أسامة بن الجعيد بن صبرة بن الدِّيل ابن شَن بن أفْصَى بن عبد القيس، أبو محمد بن زَبْر شافعي من المائة الرابعة.
ولد سنة ست وخمسين ومائتين، وروى عن أحمد بن عبيد بن ناصح، ومحمد ابن سليمان المقرئ، ومحمد بن يونس الكُدَيْمي، وعبد الرحمن بن محمد الألُهَاني وأحمد بن عبد لله بن زكريا الإيادي، وعباد بن الوليد الغَنَوي، وأحمد بن منصور الزِّيَادي، وسعدان بن نصر المروزي، والعباس الدوري، وأحمد بن محمد بن يحيى ابن سعيد القطان، والخضر بن أبان، وإبراهيم بن هانئ وغيرهم.
روى عنه أبو العباس عبد الله بن موسى وابن شاهين، والدارقطني وآخرون.
قال الخطيب: قدم بغداد وحدث بها، وكان غير ثقة. حدثني الصوري: قال سمعت عبد الغني بن سعيد يقول: سمعت الدارقطني يقول: دخلت على أبي محمد بن زبر وأنا إذ ذاكم حدث، وبين يديه كاتب له، هو يملي عليه الحديث من جزء، والمتن من جزء آخر، فظن أني لا انتبه لذلك. قال: وقال لي عبد الغني: كنت
стр. 174
لا أكتب حديثه عن أبيه إذا جاء منفرداً، إلا أن يكون مقترناً بغيره. وكان يقول لي: يا أبا محمد، ما ذنب أبي إليك، لا تكتب حديثه غلا إذا كان مقترناً بغير؟ وكانت مجالسه في الحديث متصلة عامرة آهلة يملي ويقرأ عليه.
وكانت ولايته من قبل المقتدر. فورد كتابه على تكين أمير مصر، فركب أبو هاشم إسماعيل بن عبدا لواحد المقدسي، وأبو مقاتل صالح بن محمد المحتسب، إلى أبي عثمان، فتسلموا منه، إلى أن وافى ابن زَبْر مصر في المنتصف من المحرم سنة سبع عشرة وثلاثمائة. فجلس للحكم فيا لجامع العتيق، وقرأ عهده، ودخل إليه أصحاب الحديث فقال: ما حللت كتبي بعد، ووعدهم.
وقال مسلمة بن قاسم: كان يُرمَي بالكذب، لقيته فلم أكتب عنه. ثم كتب عن رجل عنه.
قال أبو محمد ابن زولاق: كان شهماً ضابطاً داهية مماشياً للأمور يجلس في كل اثنين وخميس لابساً للسواد. وفي سائر الأيام بالبياض.
واستخلف في نيابة الحكم أبا بكر الحداد وولاه حُبُس المارستان وأُجري عليه في كل شهر ثلاثون ديناراً. واستخلف أيضاً أبا بكر محمد بن عثمان العسكري. وكان يشتد على الشهود. وبلغه أن قوماً منه، يدخلون على أبي عثمان يقضون حقه فتهددهم بأقبح قول.
وبسط أبو محمد بن زَبْر يده في الأموال، واعترض في الوصايا والتركات.
قال: ولما عرف بحال محمد بن بدر مع أبي عثمان بن حماد، اصطنعه بشهاة أبي بكر بن الحداد.
قال أبو عمر الكندي أخذ ابن زَبْر من محمد بن بدر على قبوله وتزكيته ألف دينار.
وذكر بعض البّزَّارين أنه كان عند ابن زَبْر، فقلب عليه ثياب دَبِيقِي وشَرب، وبحضرته محمد بن بدر، فقال له بعض حجابه، قد كثر الخصوم على الباب. فقال لمحمد بن بدر: قم يا أبا بكر فاحمل عني وانظر بَيْنَ الناس، فقام فنظر، ثم عاد فقال:
стр. 175
قد فرغْتُ من أمورهم، وانصرف الناس. فقال: فعدت بعد أيام، فدعا بسفَطَين، الواحد فيه ثياب دَبيقِي، عشرة أثواب. والآخر فيه شَرْب عشرة أردية. فقال: كم يساوي كل سَفَط؟ قلت: مائة دينار. فبكم اشتراهما القاضي؟ فقال: بجلسة محمد بن بدر أول أمس. فقلت رخص ذلك؟. وكان قوى النفس كثير الجهد واسع الحيلة.
وكان الوزير علي بن عيسى منحرفاً عنه. ولما سعى في قضاء مصر دافع بولايته وكان السبب في انحرافه عنه، وأنه كان تولى قضاء دمشق. فاتفق أن الوزير دخل دمشق في مهم من المهمات. فخرج أهلها إلى لُقِيِّهِ ومنهم القاضي. فسايره، فصاح به أهل البلد، ونسبوا القاضي إلى كل سوء من الرِّشا والظلم وغيرهما من الفواحش، والوظير يلتفت إليه فيقول له: ما يقول هؤلاء؟ فقال: يشكون إلى الوزير غلو الأسعار وضيق الأحوال، ويسألون حسن النظر إليهم والعطف عليهم.
فلما عاد إلى بغداد صرفه عن الحكم بمشق أقبح صرف.
وكان مفلح المقتدري يساعد ابن زَبْر، وابنُ الجرّاح يدافعه. وعجز ابن زَبْر عن رضاه، فأعمل الحيلة، فدفع لشخص عشرين ديناراً. وأعطاه رقعة وأمره أن يلقيها في ورق المظالم، فألبسه في آخر الليل ثوباً مشمَّراً في زي الخراسانية.
ودفع إليه دفترا ومحبرة، ونقَّط في ثوبه الحبر وأركبه زورقاً. قال: فقرأت الرقعة فإذا فيها بعد البسملة والحمدلة: حضر مدينة السلام رجل من خراسان يريد الحج واشتغل بكتابة الحديث إلى أوان الحج. فرأى ثلاث ليالٍ متوالية العباسَ بن عبد المطلب في وسط مدينة السلام بيني داراً. فكلما فرغ من موضع، تقدم رجل فهدمه. فقلت له: يا عم رسول الله، من هذا الذي بُليتَ به؟ فقلا: هذا علي بن عيسى، كلما بنيت لولدي بناء هدمه. فرميت الرقعة في ورق المظالم.
ورجعت فوجدت ابن زبر قائماً ينتظرني فقال: ما فعلت؟ قلت: رأيت خادماً وامرأة عليها نقاب كحلي. فقال: هذه أم موسى القهرمانية. قال: فأنت قرأت الرقعة؟ قلت لا. فحلَّفه على ذلك. ودعا بالغداء فأكل وأكلت معه، وكان زمن الصيف. فقام بعد الأكل للقائلة، فدخل البواب فقال: ابن الأشناني القاضي بالباب. فاستأذنت ابن زَبْر، فقال: يدخل. فدخل وهو يصيح يهنئ
стр. 176
القاضي عَزْل علي بن عيسى والقبض عليه. قال: ما السبب. قال: رقعة رفعت، أن رجلاً صالحاً رأى رؤيا كذا.. فذكر ما في القصة، فقرئت على المقتدر فقال: هذه الرؤيا صحيحة. يصرف علي بن عيسى ويقبض عليه. فقام ابن زَبْر فركب. فما جاء آخر النهار، حتى وافى ومعه عهد بقضاء مصر ودمشق.
وكان عارفاً بأخذ الدراهم والدنانير والهدايا. وكان مع ذلك لا يقبض درهماً ولا يضم هدية حتى يقضي حاجة صاحبها.
ولقيه رجل فقال: أنا ضعيف ولي زوجة، وعلي يمين بالطلاق منها أن لا تخرج إلى الطريق، وقد علَّموها أن تطالبني عندك. فقال: أين منزلك؟ فقال في ذاك الزقاق. فقال: سِرْ بين يدي. فدخل بين يده فأشرفت المرأة وهي في منزلها. فقال لها: ما الذي تطلبين منه؟ فقالت: النفقة. ففرض لها وهو راكب على بغلته، وقال لها: إنك إن خرجت بغير إذني لم أحنثه.
قال ابن زولاق: قال لي يحيى بن مكي بن رجاء: لو كان ابن زَبْر عادلاً ما عدلت به قاضياً. قال: وسأله الطحاوي عن مسألة فلم يجب فيها جواباً شافياً. فعاوده فقال لي ابنه: إنَّ اليخ يتقي هذا القاضي لِبادِرَته.
وطولب الطحاوي بشهادة عنده على حكم محمد بن عبده، فركب إليه فشهد عنده. فلما أدى شهادته، قال له: حديث كنت كتبته عن رجل عنك منذ ثلاثين سنة، فحدثه به.
ولقيه جماعة من خصومة عند جرب العلم. فأمر بفرش الغاشية. وجلس فنظر في أمرهم.
ولم يزل في ولايته هذه إلى يوم الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فصرف بهارون بن إبراهيم بن حماد، فورد كتابه على أخيه أبي عثمان، فباشر إلى العشر الأخير من ربيع الآخر سنة عشرين وثلاثمائة. فصرف وأعيد ابن زبر. فورد كتابه على ابن الحداد والعسكري، فسأله تكين أمير مصر أن يتسلّم له، ووافي ابن زَبْر مصرَ يوم الأحد لإحدى عشرة بقيت من جمادى الآخرة. فقرئ عهده بالمسجد الجامع على المنبر.
стр. 177
وكان يجلس كل يوم في المسجد ما عدا يوم الجمعة. وكان تكين يشدُّ منه ويقوِّي أمره وبلغه أن جماعة وقعوا في، ومالوا إلى أبي عثمان فتهددهم وحبس منهم كبيراً فيهم، وهو عبد الله بن سهل بن بريحة صاحب المسجد، وكان من جلساء أبي الذكر.
واتفق ضعف تكين أمير مصر، فخاف ابن زَبْر على نفسه من الرعية، فاستأذنه من أن يسافر ويستخلف ابنه محمدا على مصر، فامتنع. فركب ابن زبر إلى أبي هاشم المقدسي وسأله أن ينظر بين الناس ففعل، فسلم له الديوان، وسافر إلى دمشق فمات تكين بعد أن سار، فحصل لأبي هاشم ما كان ابن زبر يتوقعه نفسه، فباشر اقل من سنة.
ثم أعيد ابن زبر إلى قضاء مصر في شعبان سنة أربع وعشرين، نيابة عن محمد بن الحسن بن أبي الشوارب قاضي بغداد، فوصل كتابه إلى علي بن احمد بن اسحق ويحيى بن الحسن بنعلي بن الأشعث، فاستأذنا الإخشيد فأذن لهما فتسلما الديوان من محمد بن بدر، وذلك لخمس بقين من شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، فنظر بين الناس شهرين، فتحرك أبو عبد الله الحسين بن أبي زرعة في قضاء مصر، وكان قاضي دمشق، فقدم مصر في تلك الأيام، فسعى عند الإخشيد حتى أسعفه ومنع نائبي ابن زبر من النظر، وفوض الإخشيد القضاء لابن أبي زرعة، فأقام أبن الحداد يقضي الأحكام نيابة عنه.
ثم ورد عهده من قبل ابن أبي الشوارب، فباشر إلى أن وصل عبد الله بن زبر غل مصر، فانتصب للحديث، ولم يدخل في تلك مصر في تلك الولاية، وسعى سراً عند الإخشيد، حتى ظفر بكتاب كان ابن أبي الشوارب كتبه لعبد الله بن أحمد بن وليد أن ينوب عنه، فلم يجبه إلى ذلك، فاتفق أن وقع بين ابن وليد والقاضي، فأرسل ابن وليد الكتاب إلى ابن زبر، فقال له: خذ هذا الكتاب، فأنت عبد الله بن أحمد، وأنا عبد الله بن أحمد، وقد رددت إليك مالي فيه، ففرح. ودخل به الإخشيد فأمضاه.
واستقر ابن زبر في القضاء ولايته الرابعة، فباشر كعادته، وطالب سليمان بن رستم بوصية عفان البزاز، وبعرض الأحباس.
ووقع في محمد بن بدر وسماه العلج، وقال: عزمت على بيعه، فقد ثبت عندي أن أباه مات في الرق، فخاف منه فركب إليه وداراه، وأهدى إليه.
стр. 178
واشتد خوف جماعة من أهل مصر منه فعوجل، واعتل في شهر ربيع الأول من سنة تسع وعشرين، وأخذه الإسهال فمات لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر.
وأنشد أبو هريرة بن أبي العصام في وفاة ابن زبر مما ذكره ابن ميسر في تاريخه.
أتانا من دمشق وليس شيء ... أحب إليه من نهي وأمر
فَعادتَه المنُون به فأضْحَى ... حَليفَ حُفيرة وأَسٍير قَبْر
لقد حَكَمَ الإله بغير جَور ... وقد وعظ الزمان بنجل زبر
قلت: وكان ولده أبو سليمان محمد من أهل الحديث، ومعدوداً في الحفاظ. له تصانيف، منها معرفة الصحابة، والتاريخ على السنين. روى عنه عبد الغني بن سعيد وتمام بن محمد الرازي وأبو الحسن بن طوق وأبو نصر ابن الجَبَّان وأبو الحسن ابن السمسار، وأبو محمد ابن أبي نصر وغيرهم. وذكر في تاريخه أنه ولد بالرقة سنة ثمان وتسعين ومائتين.
وقال أبو نصر ابن ماكولا: كان ثقة حافظاً نبيلاً، ومات في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة بدمشق. أرخه عبد العزيز الكتاني وقال: كان يملي في الجامع.
عبد الله بن أحمد بن شعيب بن الفضل بن مالك بن دينار، أبو محمد المعروف بابن أخت وليد، ومالك بن دينار جَدُّ جده، وهو الزاهد المشور. هكذا قال ابن زولاق، وهو المعتمد في أهل مصر.
وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: عبد الله بن أحمد بن راشد بن شعيب ابن جعفر ابن يزيد، يعرف والده بابن بنت وليد.
وقال ابن النجار في تاريخ بغداد: عبد الله بن راشد بن جعفر بن يزيد يعرف بابن أخت وليد. هكذا اختلفوا في نسبه.
стр. 179
وكلهم وصفه بأنه قاضي مصر. ثم اختلفوا في صفة ولايته، فأما ابن زولاق فقال: إنه أول ما وَلي، كان خليفة للحسين بن عيسى بن هَرَوان، لما تولى الحسين من قبل
الخليفة ببغداد، الراضي بالله. فَسَلَّم الإخشيد قضاء مصر لابن أخت وليد. فلبس السواد، وجلس في الجامع العتيق. وقرئ عهد الحسين، ثم قُرئ عهده من قبل الحسين فنظَر في الأحكام.
وكان أولاً من وجوه التجار، وأهل اليسار. وكان يتفقه بداود بن علي الأصبهاني، ويميل إلى الاعتزال وأهله. ولم يكن متمكناً من شيء مما يدعيه من العلوم.
قال: وذكر أنه كتب بمصر عن أحمد بن شعيب النَّسَائي وإسحاق بن إبراهيم المَنْجَنيِيقي، وابن أخي حرملة، وعن محمد بن الحسن بن قتيبة، وعن جماعة دونه.
ولد سنة ثلاث وسبعين. وسمع من أحمد بن عيسى الوشَّاء وبكر بن أحمد الشعراني وعلي بن عبد الله الرملي وغيرهم. وذكر الرواة عنه. ثم قال: ويقال إن أصله بغدادي.
وأما ابن النجار فقال: ولي قضاء مصر في خلافة الراضي يوم الأربعاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. ثم عزل في سنة ثلاثين.
ثم ولي من قبل المستكفي يوم الخميس لثلاث وعشرين خلت من المحرم سنة أربع وثلاثين، وصرف في شهر رجب سنة ست وثلاثين في خلافة المطيع.
ثم ولي قضاء دمشق سنة ثمان أربعين وثلاثمائة.
قال: ويقال إنه كان خياطاً، وكان أبوه حائكاً ينسج المقانع. وكان سَخِيفاً خليعاً مذكوراً بالارتشاء. وهجاه جماعة من أهل مصر.
ثم ذكر أه روى عن ابن قتيبة، وعلى بن أبي صالح الرملي، وعلى بن عبد الله العسكري، وأحمد بن عيسى الوشّاء، وبكر بن أحمد السعدي وغيرهم. وأنه روى عنه علي بن منير الخلال، وابن نظيف الفراء ومحمد بن جعفر المارستاني.
والذي حكاه عن بداية أمره وحرفة والده، سبقه إليه ابن ميسر في تاريخه وهو عارف بالمصريين أيضاً.
قال ابن زولاق: ولما استقر، ركب إليه أبو بكر بن الحداد، فتلقاه وعظمه وأجلسه معه. ثم لما كان بعد ذلك، انقبض عنه ابن الحداد وهجره. واستناب ابن وليد عنه في
стр. 180
الحكم أحمد بن محمد بن عشيب الداودي، وكان بزي الجند، لكنه يلازم الاشتغال بالعلم. فألبسه ابن وليد الطيلسان والقلنسوة. وأجلسه ينظر بين الناس، وكان من أهل العلم والفهم.
واتفق أن ابن أبي الشوارب عزل عن قضاء القضاة، واستقر عوضه أحمد بن عبد الله بن إسحاق، فكتب إلى الحسين بن عيسى باستمراره، وأن يستقر نائباً عنه بمصر محمد بن بدر. فكانت ولاية ابن وليد هذه دون ستة أشهر، وذلك في شوال سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
ثم أعيد ابن وليد مرة أخرى، بعد صرف الحسن بن الرحمن الجوهري، فباشر الحكم نائبه من قبل الإخشيد أيضاً، نيابة عن الحسين بن عيسى على عادته، وذلك في سنة إحدى وثلاثين. فنظر في الأحكام وعزل جماعة.
واتفق أن عمرو بن الحارث بن مسكين تزوج بكرا فكرهته. فشكوا ذلك لابن وليد فقال: هل كان أبوها استأذنها عند العقد؟ قالوا: لا. فقال: هذا النكاح باطل. فبلغ ذلك ابن الحداد فشنع عليه. ودار عمرو بن الإرث على الفقهاء، فأخذ خطوط الشافعية والمالكية بصحة العقد. وصنّف ابن الحداد في ذلك جزءاً. فبلغ ذلك ابن وليد، فخشي من اجتماع كلمة الفقهاء على فساد ما قال. فاستعان بابي الذكر، فقال له: قد قيل لي أنك قلت: إن النكاح عندي باطل، وأنت قاض، فاحكم بنفسخ. فبادر إلى ذلك، وحكم وسجل عند العضتَمة. وأشهد بذلك عدداً من الناس، وكانوا قد باتوا على أن يجتمعوا عند الإِخشيد فأصبحوا وانعقد المجلس، فسألهم الإخشيد عن صورة المسألة، فبادر ابن الحداد فقال: العقْدُ صحيح، وتابعه كل من حضر المجلس، إلى أن بقي أبو الذكر فقلا: صدقوا. النكاح صحيح، إلا إن كان القاضي حكم بفسخه فلا ينقض حكمه.
فالتفت الإخشيد إلى ابن وليد فقال، أفسخته؟ قال: نعم، فقال للفقهاء: ما تقولون؟ قالوا إذا فسخه فقد بطل.
فقال ابن الحداد: هذا من عمل الأسواني يعني أبا الذكر، فهو الذي تولى كِبَره الله سائله عن ذلك.
فتناول ابنُ وليد أبا بكر بن الحداد، وانقضى المجلس وانتصر ابن وليد. فقال الإخشيد للحسن بن طاهر الحسيني: لقد هممت أن آمر الغلمان أن يأخذوا عمائمهم وقلانسهم. فبلغ ذلك عبد الله بن وليد، فخاف وركب إلى ابن الحداد فترضَّاه. ثم
следующие страницы →