← Тараджим

Тараджим · id 12724

رفع الإصر عن قضاة مصر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (485 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

القاضي عَزْل علي بن عيسى والقبض عليه. قال: ما السبب. قال: رقعة رفعت، أن رجلاً صالحاً رأى رؤيا كذا.. فذكر ما في القصة، فقرئت على المقتدر فقال: هذه الرؤيا صحيحة. يصرف علي بن عيسى ويقبض عليه. فقام ابن زَبْر فركب. فما جاء آخر النهار، حتى وافى ومعه عهد بقضاء مصر ودمشق. وكان عارفاً بأخذ الدراهم والدنانير والهدايا. وكان مع ذلك لا يقبض درهماً ولا يضم هدية حتى يقضي حاجة صاحبها. ولقيه رجل فقال: أنا ضعيف ولي زوجة، وعلي يمين بالطلاق منها أن لا تخرج إلى الطريق، وقد علَّموها أن تطالبني عندك. فقال: أين منزلك؟ فقال في ذاك الزقاق. فقال: سِرْ بين يدي. فدخل بين يده فأشرفت المرأة وهي في منزلها. فقال لها: ما الذي تطلبين منه؟ فقالت: النفقة. ففرض لها وهو راكب على بغلته، وقال لها: إنك إن خرجت بغير إذني لم أحنثه. قال ابن زولاق: قال لي يحيى بن مكي بن رجاء: لو كان ابن زَبْر عادلاً ما عدلت به قاضياً. قال: وسأله الطحاوي عن مسألة فلم يجب فيها جواباً شافياً. فعاوده فقال لي ابنه: إنَّ اليخ يتقي هذا القاضي لِبادِرَته. وطولب الطحاوي بشهادة عنده على حكم محمد بن عبده، فركب إليه فشهد عنده. فلما أدى شهادته، قال له: حديث كنت كتبته عن رجل عنك منذ ثلاثين سنة، فحدثه به. ولقيه جماعة من خصومة عند جرب العلم. فأمر بفرش الغاشية. وجلس فنظر في أمرهم. ولم يزل في ولايته هذه إلى يوم الجمعة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فصرف بهارون بن إبراهيم بن حماد، فورد كتابه على أخيه أبي عثمان، فباشر إلى العشر الأخير من ربيع الآخر سنة عشرين وثلاثمائة. فصرف وأعيد ابن زبر. فورد كتابه على ابن الحداد والعسكري، فسأله تكين أمير مصر أن يتسلّم له، ووافي ابن زَبْر مصرَ يوم الأحد لإحدى عشرة بقيت من جمادى الآخرة. فقرئ عهده بالمسجد الجامع على المنبر.

стр. 177

وكان يجلس كل يوم في المسجد ما عدا يوم الجمعة. وكان تكين يشدُّ منه ويقوِّي أمره وبلغه أن جماعة وقعوا في، ومالوا إلى أبي عثمان فتهددهم وحبس منهم كبيراً فيهم، وهو عبد الله بن سهل بن بريحة صاحب المسجد، وكان من جلساء أبي الذكر. واتفق ضعف تكين أمير مصر، فخاف ابن زَبْر على نفسه من الرعية، فاستأذنه من أن يسافر ويستخلف ابنه محمدا على مصر، فامتنع. فركب ابن زبر إلى أبي هاشم المقدسي وسأله أن ينظر بين الناس ففعل، فسلم له الديوان، وسافر إلى دمشق فمات تكين بعد أن سار، فحصل لأبي هاشم ما كان ابن زبر يتوقعه نفسه، فباشر اقل من سنة. ثم أعيد ابن زبر إلى قضاء مصر في شعبان سنة أربع وعشرين، نيابة عن محمد بن الحسن بن أبي الشوارب قاضي بغداد، فوصل كتابه إلى علي بن احمد بن اسحق ويحيى بن الحسن بنعلي بن الأشعث، فاستأذنا الإخشيد فأذن لهما فتسلما الديوان من محمد بن بدر، وذلك لخمس بقين من شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، فنظر بين الناس شهرين، فتحرك أبو عبد الله الحسين بن أبي زرعة في قضاء مصر، وكان قاضي دمشق، فقدم مصر في تلك الأيام، فسعى عند الإخشيد حتى أسعفه ومنع نائبي ابن زبر من النظر، وفوض الإخشيد القضاء لابن أبي زرعة، فأقام أبن الحداد يقضي الأحكام نيابة عنه. ثم ورد عهده من قبل ابن أبي الشوارب، فباشر إلى أن وصل عبد الله بن زبر غل مصر، فانتصب للحديث، ولم يدخل في تلك مصر في تلك الولاية، وسعى سراً عند الإخشيد، حتى ظفر بكتاب كان ابن أبي الشوارب كتبه لعبد الله بن أحمد بن وليد أن ينوب عنه، فلم يجبه إلى ذلك، فاتفق أن وقع بين ابن وليد والقاضي، فأرسل ابن وليد الكتاب إلى ابن زبر، فقال له: خذ هذا الكتاب، فأنت عبد الله بن أحمد، وأنا عبد الله بن أحمد، وقد رددت إليك مالي فيه، ففرح. ودخل به الإخشيد فأمضاه. واستقر ابن زبر في القضاء ولايته الرابعة، فباشر كعادته، وطالب سليمان بن رستم بوصية عفان البزاز، وبعرض الأحباس. ووقع في محمد بن بدر وسماه العلج، وقال: عزمت على بيعه، فقد ثبت عندي أن أباه مات في الرق، فخاف منه فركب إليه وداراه، وأهدى إليه.

стр. 178

واشتد خوف جماعة من أهل مصر منه فعوجل، واعتل في شهر ربيع الأول من سنة تسع وعشرين، وأخذه الإسهال فمات لثلاث خلون من شهر ربيع الآخر. وأنشد أبو هريرة بن أبي العصام في وفاة ابن زبر مما ذكره ابن ميسر في تاريخه. أتانا من دمشق وليس شيء ... أحب إليه من نهي وأمر فَعادتَه المنُون به فأضْحَى ... حَليفَ حُفيرة وأَسٍير قَبْر لقد حَكَمَ الإله بغير جَور ... وقد وعظ الزمان بنجل زبر قلت: وكان ولده أبو سليمان محمد من أهل الحديث، ومعدوداً في الحفاظ. له تصانيف، منها معرفة الصحابة، والتاريخ على السنين. روى عنه عبد الغني بن سعيد وتمام بن محمد الرازي وأبو الحسن بن طوق وأبو نصر ابن الجَبَّان وأبو الحسن ابن السمسار، وأبو محمد ابن أبي نصر وغيرهم. وذكر في تاريخه أنه ولد بالرقة سنة ثمان وتسعين ومائتين. وقال أبو نصر ابن ماكولا: كان ثقة حافظاً نبيلاً، ومات في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة بدمشق. أرخه عبد العزيز الكتاني وقال: كان يملي في الجامع. عبد الله بن أحمد بن شعيب بن الفضل بن مالك بن دينار، أبو محمد المعروف بابن أخت وليد، ومالك بن دينار جَدُّ جده، وهو الزاهد المشور. هكذا قال ابن زولاق، وهو المعتمد في أهل مصر. وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: عبد الله بن أحمد بن راشد بن شعيب ابن جعفر ابن يزيد، يعرف والده بابن بنت وليد. وقال ابن النجار في تاريخ بغداد: عبد الله بن راشد بن جعفر بن يزيد يعرف بابن أخت وليد. هكذا اختلفوا في نسبه.

стр. 179

وكلهم وصفه بأنه قاضي مصر. ثم اختلفوا في صفة ولايته، فأما ابن زولاق فقال: إنه أول ما وَلي، كان خليفة للحسين بن عيسى بن هَرَوان، لما تولى الحسين من قبل الخليفة ببغداد، الراضي بالله. فَسَلَّم الإخشيد قضاء مصر لابن أخت وليد. فلبس السواد، وجلس في الجامع العتيق. وقرئ عهد الحسين، ثم قُرئ عهده من قبل الحسين فنظَر في الأحكام. وكان أولاً من وجوه التجار، وأهل اليسار. وكان يتفقه بداود بن علي الأصبهاني، ويميل إلى الاعتزال وأهله. ولم يكن متمكناً من شيء مما يدعيه من العلوم. قال: وذكر أنه كتب بمصر عن أحمد بن شعيب النَّسَائي وإسحاق بن إبراهيم المَنْجَنيِيقي، وابن أخي حرملة، وعن محمد بن الحسن بن قتيبة، وعن جماعة دونه. ولد سنة ثلاث وسبعين. وسمع من أحمد بن عيسى الوشَّاء وبكر بن أحمد الشعراني وعلي بن عبد الله الرملي وغيرهم. وذكر الرواة عنه. ثم قال: ويقال إن أصله بغدادي. وأما ابن النجار فقال: ولي قضاء مصر في خلافة الراضي يوم الأربعاء لأربع خلون من شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. ثم عزل في سنة ثلاثين. ثم ولي من قبل المستكفي يوم الخميس لثلاث وعشرين خلت من المحرم سنة أربع وثلاثين، وصرف في شهر رجب سنة ست وثلاثين في خلافة المطيع. ثم ولي قضاء دمشق سنة ثمان أربعين وثلاثمائة. قال: ويقال إنه كان خياطاً، وكان أبوه حائكاً ينسج المقانع. وكان سَخِيفاً خليعاً مذكوراً بالارتشاء. وهجاه جماعة من أهل مصر. ثم ذكر أه روى عن ابن قتيبة، وعلى بن أبي صالح الرملي، وعلى بن عبد الله العسكري، وأحمد بن عيسى الوشّاء، وبكر بن أحمد السعدي وغيرهم. وأنه روى عنه علي بن منير الخلال، وابن نظيف الفراء ومحمد بن جعفر المارستاني. والذي حكاه عن بداية أمره وحرفة والده، سبقه إليه ابن ميسر في تاريخه وهو عارف بالمصريين أيضاً. قال ابن زولاق: ولما استقر، ركب إليه أبو بكر بن الحداد، فتلقاه وعظمه وأجلسه معه. ثم لما كان بعد ذلك، انقبض عنه ابن الحداد وهجره. واستناب ابن وليد عنه في

стр. 180

الحكم أحمد بن محمد بن عشيب الداودي، وكان بزي الجند، لكنه يلازم الاشتغال بالعلم. فألبسه ابن وليد الطيلسان والقلنسوة. وأجلسه ينظر بين الناس، وكان من أهل العلم والفهم. واتفق أن ابن أبي الشوارب عزل عن قضاء القضاة، واستقر عوضه أحمد بن عبد الله بن إسحاق، فكتب إلى الحسين بن عيسى باستمراره، وأن يستقر نائباً عنه بمصر محمد بن بدر. فكانت ولاية ابن وليد هذه دون ستة أشهر، وذلك في شوال سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. ثم أعيد ابن وليد مرة أخرى، بعد صرف الحسن بن الرحمن الجوهري، فباشر الحكم نائبه من قبل الإخشيد أيضاً، نيابة عن الحسين بن عيسى على عادته، وذلك في سنة إحدى وثلاثين. فنظر في الأحكام وعزل جماعة. واتفق أن عمرو بن الحارث بن مسكين تزوج بكرا فكرهته. فشكوا ذلك لابن وليد فقال: هل كان أبوها استأذنها عند العقد؟ قالوا: لا. فقال: هذا النكاح باطل. فبلغ ذلك ابن الحداد فشنع عليه. ودار عمرو بن الإرث على الفقهاء، فأخذ خطوط الشافعية والمالكية بصحة العقد. وصنّف ابن الحداد في ذلك جزءاً. فبلغ ذلك ابن وليد، فخشي من اجتماع كلمة الفقهاء على فساد ما قال. فاستعان بابي الذكر، فقال له: قد قيل لي أنك قلت: إن النكاح عندي باطل، وأنت قاض، فاحكم بنفسخ. فبادر إلى ذلك، وحكم وسجل عند العضتَمة. وأشهد بذلك عدداً من الناس، وكانوا قد باتوا على أن يجتمعوا عند الإِخشيد فأصبحوا وانعقد المجلس، فسألهم الإخشيد عن صورة المسألة، فبادر ابن الحداد فقال: العقْدُ صحيح، وتابعه كل من حضر المجلس، إلى أن بقي أبو الذكر فقلا: صدقوا. النكاح صحيح، إلا إن كان القاضي حكم بفسخه فلا ينقض حكمه. فالتفت الإخشيد إلى ابن وليد فقال، أفسخته؟ قال: نعم، فقال للفقهاء: ما تقولون؟ قالوا إذا فسخه فقد بطل. فقال ابن الحداد: هذا من عمل الأسواني يعني أبا الذكر، فهو الذي تولى كِبَره الله سائله عن ذلك. فتناول ابنُ وليد أبا بكر بن الحداد، وانقضى المجلس وانتصر ابن وليد. فقال الإخشيد للحسن بن طاهر الحسيني: لقد هممت أن آمر الغلمان أن يأخذوا عمائمهم وقلانسهم. فبلغ ذلك عبد الله بن وليد، فخاف وركب إلى ابن الحداد فترضَّاه. ثم

стр. 181

قدم الحسين بن هَرَوَان مُسْتَخْلِفَ ابن وليد فباشر بنفسه. فكان ابن وليد يركب كل يوم إلى دار الحسين فينظر بين الناس. ثم بلغ الحسين أن ابن وليد أرسل يستنجز من بغداد كتاباً بولايته استقلالاً من جهة الخليفة، فقال - وابن وليد حاضر -: ما هذا الذي بلغني عنك؟ والله لو نازعني أحد في القضاء لبذلت في تلاف روح ملء هذا الجرن ذهباً. ثم صرفه عن النظر في الحكم في جمادى سنة ثلاث وثلاثين، واستخلف عوضه الحسين بن عبد الرحمن بن إسحاق، فأقام أياماً ثم مرض. فصرفه وباشر بنفسه أياماً. ثم أراد السفر فاستخلف ابن الحداد فنظر في الحكم بحضرته. ثم اتفقت لابن الحداد واقعة، وهي أنه ثبت عنده لمحمد بن صالح بن رشدين، دَيْن علي شخص يقال له أحمد البزار، جملته أربعة آلاف دينار وأربعمائة دينار. وكان أحمد غاب مدة طويلة، فأسجل لمحمد بن صالح. وثبت عنده أن الحسين بن أبي زرعة القاضي، كان حَجَر على أحمد البزار بشهادة شاهدين، فسجن ابنُ الحداد، عبد الرحمن ولد أحمد البزار ليبيع داراً يقال لها دار عصيفير، وكانت بيد أحمد البزار. وثبت عند ابن الحداد أنها ملك أحمد البزار، وهي في يد عبد الرحمن حينئذ. وكان عبد الرحمن ينكر أن تكون لوالده. فأرسل أبو المظفر أخو الإخشيد خليفته على إمرة مصرة والإخشيد يومئذ بالشام، يقول للقاضي: لم سجنت ولد أحمد البزار؟ فإن كان الدين ثبت على والده فلا يلزمه أن يقضيه عنه، وإن كان على عبد الرحمن فاحكم عليه. وإن كانت لوالده فبعها أنت. فأجاب، أن الدين ثبت على والده، والدار كانت في يد والده. فسجنته حتى يبيع لقضاء الدين. وكان أبو الذكر هو الذي لقن أبا المظفر هذا الكلام، فقال أبو الذكر لأبي المظفر لما عاد جواب ابن الحداد: أمرُ السجن لك. فإن أردت فأطلق الولد. فامتنع أبو المظفر. فبلغ ابن وليد ما جرى، فأخرج كتاباً زعم أنه من المستكفي الخليفة. واجتمع بمحمد بن علي بن مقاتل الوزير فعنى به، وكاتب الإخشيد، وبذل له ابن وليد مالاً في الباطن، فأجاب بأنه يتبع أمر الخليفة. فتسلَّم أبو المظفَّر الديوانَ من ابن الحداد وسلمه لابن وليد. فبلغ ذلك الحسين وهو بدمشقَ، فكتب إلى ابن الحداد يهون عليه الأمر، ويحلف أنه لا بد أن يترك ابن وليد يُضْرَب بين يدي الحداد بالسوط. فركب ابن وليد إلى الجامع، وقرئ عهده من المستكفي استقلالاً بالقضاء،

стр. 182

وكان الجامع وافر، فازدحموا حتى تمزق طيلسان أبي الذكر. وكان الذي سعى لابن وليد عند المستكفي سعيد بن عبدان التاجر. فلم يستطيع إخراج الكتاب، لما كان الحسين بمصر. ثم أظهره في غيبته، وباشر على خوف من الحسين. فلم يكن بأسرع من أن جاء الخبر بموت الحسين فأمن وتمكن ومضى الأحكام واستهان بالأكابر. وكان كثير الهزل والمجون في مجلس الحكم، وبحضرة الشيوخ. واتفق في ولايته أن الإخشيد كتب إلى الوزير محمد بن علي بن مقاتل، أن يجمع من الرعية مالاً بسبب فداء الأسارى. فقام ابن وليد واعتنى بذلك مساعدة للوزير، وتقربا لخاطر الإخشيد، وبذلك نفسه في التحصيل حتى استخرج من وجوه الناس، من الأسواق والسواحل والأعمال مالاً كثيراً وظنت به في ذلك الظنون. ونسب إلى أنه اختان مما جمع شيئاً كثيراً، مع ما كان يحويه من المال وكثرة البضائع. ولما وصل ذلك إلى الإخشيد شَكَر منه، فَلَدَّ في استطالته وأطلق لسانه في الناس، وعرّض وخوف وانبسط في التعديل. فاتفق ورود الخبر بخلع المستكفي وتقليد المطيع، وتفويضه قضاء مصر لمحمد بن الحسن بن عبد العزيز بن أبي بكر العباسي، وأضاف إليه الإسكندرية والرملة وطبرية. فاستخلف ابن وليد على حاله، ووصل إليه كتابُه فقبله وقرأ عهده في داره. فبلغ ذلك عبد السميع بن عمر ابن الحسن العباسي، فأنكره، وقال: ما كان ينبغي له أن يقرأ كتاب ابن الحسن إلا في الجامع. وجرى بين ابن وليد وبين سليمان بن رستم أحد الشهود كائنة وسليمان يومئذ مقدم الشهود، فأسجل ابن ولي بإسقاطه إسجالاً، وأشهد عليه بما فيه جماعة، منهم أبو الذكر، وعلي بن إسحاق، من غير أن يطلعهم على ما في السجل. فكتب فيه بعضهم، منهم أبو الذكر، وامتنع بعضهم من الكتابة، منهم الحسن بن علي بن يحيى الدقاق، وقال: لا أكتب حتى أعرف ما فيه. فقال له ابن الوليد: يا أبا القاسم إذا جاءني الحجر رددته. فقال: ذاك إليك. ونهض إلى الشهود وهم في المقصورة فأَخْبرَهم، فقاموا إلى ابن وليد فقالوا له: أَقِلْنا من الشهادة، وانصرفوا إلى سليمان مغتمين بما اتفق له. فقال لهم أبو القاسم بن يحيى: بالنسبة إليكم هو من آل فرعون. ومدحه الناس أبا القاسم، وتوجه سليمان إلى دار الإخشيد، فأرسلت سمانة القهرمانية إلى ابن الوليد فحضر، فطالبته بالسجل فأحضره، فمزقته، وأصلحت بينهم وانصرفا.

стр. 183

ثم ركب ابن وليد إلى ابن رستم وأكل عنده حلوى، واجتمع الشهود على مفارقة مجلس ابن وليد، واتخذوا لهم مجلساً في الجامع. ونصبوا لهم حصيراً فواظب ابن الوليد على الحضور إلى الجامع والجلوس في مجلسه، وأبو الذكر عن يساره، وعلى بن أحمد بن إسحاق عن يمينه، يشاهدان أحكامه. واستكثر من الشهود فوجده الشهود نصح. وجرت بين أبي بكر عبد الرحمن بن سَلمُون الرازي الفقيه وبين أبي الذكر منازعة فتظلم الرازي إلى الوزير، فدخل عبد الله بن الوليد في الوسط، فأخذهما من دار الوزير وانصرف. فلما بلغ داره أدخل الرازي وكان ذلك في رمضان فافطر عنده. ثم ركب من الغد إلى الجامع فأحضرهما، وكثر الجمع. فأفرط ابن وليد في مدح أبي بكر الرازي، وتنقيص أبي الذكر فانقبض أبو الذكر عن ابن وليد. وكان قبل ذلك يركب معه ويعاضده في أموره، وتخصص به الرازي، وصار يركب معه. وحضر ابن وليد دار الإخشيد بحضرة أبي القاسم ابن الإخشيد بحضرة أبي القاسم ابن الإخشيد وهناك إملاك. وكان الخطاب علي بن محمد الهاشمي أحد الفصحاء والخطباء فعارضه ابن وليد. فقال له: أتعارضني؟ فقال له: الذي عارضك كذا. فالتفت إلى الشهود، فقال: أهذا قاضيكم؟ وكان يقول: الله لأدعن الشهادة ينادى عليها في سوق وردان، وفي المساكين. كان يسميهم اليهود، حين كان يقول لحاجبه إذا استأذن لهم. ويسمي الأمناء: الكهناء. وكان كثير الهزل حتى قالت له امرأة خذ بيدي، فقال: وَبِرجْلِكِ. ومع ذلك لم يطعن عليه في سراويل ولا في شرب مسكر، إلا أنه كان ينقم عليه الهزل، والتبسُّط في الأحكام، وخذ الرشوة. واتفق وصول عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي من مكة، وكان مجاوراً بها، فاجتمع الشهود ورأسهم يحيى بن مكي بن رجاء وحسنوا له أن يتسلم القضاء عوضاً عن أخيه فسعى في ذلك. فأجابه كافور بعد أن بذلك له مالاً. فوقع له بتسليم العمل، فتسلمه من الحسن بن محمد المطلبي. فتوجه المطلبي إلى محمد وأحمد ابني حمزة بن أيوب، وكان المودع عندهما، فكسر خاتم ابن وليد، وطبع على الديوان بخاتم عمر بن الحسن، فزال أمر ابن الوليد. وكانت مدة ولايته الأخيرة سنتين وثلاث أشهر. فأقام بطالاً اثنتي عشرة سنة. ثم ولي قضاء دمشق فلم يحمد، ونهبت داره، وفي مدة عطلته - مضى ماشياً إلى يحيى بن مكي بن رجاء.

стр. 184

وكانت وفاته وهو بطال في ذي القعدة سنة تسع وستين وثلاثمائة، وقد جاوز التسعين، وظهرت عليه آثار الخَرَف. وقد تولّع جماعة من المصريين بهجاء ابن وليد. فمن ذلك، قال ابن عساكر: هجا محمد بن بدر القاضي ابنَ وليد بقوله في قصيدة طويلة: يا أوضَعَ الناس أخلاقاً وأنذلهم ... فِعلاً وأكثرهم عند الجميل عمَى لو كنتَ تخشى قضيات المعادلما ... أُلْفيتَ في كل أمر فاضح علما أعمى عن الرشد في كل الأمور فقد ... أصبحت في الدين بين الناس متهما يا ابن الوليد تسمع قول الحق معتقدا ... أو كنت تخشى عذاب الله معتصما لو كنت تسمع قول الحق معتقدا ... أو كنت تخشى عذاب الله معتصما لما استعنتَ بحماد اللعين وما ... رأيت أنت له في صالح قدما جعلته كاتباً يمضي الأمور ولم ... يَمس في العلم قِرْطاساً ولا قَلَما. وقال ابن ميسر: كان من جملة من عدَّلة ابن وليد في ولاياته الثلاث، أربعين شاهداً وزيادة. قال: ولما مات ابن الخَصِيب سعى ابن وليد في القضاء، وبذلك لكافور مالاً، فقام الناس في وجهه، ورفعوا عليه، فعدل عنه إلى ابن أبي طاهر الذهلي. ولما ولي عبد الله بن وليد قضاء دمشق أرسل ولده محمداً نائباً عنه. كان أهل دمشق اختاروا حكيم بن محمد المالكي قاضياً لما شغر القضاء بموت قاضيهم الخصيبي، واعتزال خليفة محمد بن إسماعيل اليزيدي، وذلك في إمرة فاتك الإخشيدي على دمشق. فوصل محمد إِلَى دمشق في شعبان سنة ثمان وأربعين وهو شاب. ثم وقع من أهل دمشق منازعة في أخبار من ينوب في القضاء، فتعصب قوم لمحمد ولدِ ابن وليد، وقوم ليوسف الميانجي، وكان الأعيان مع الميانجي، والأوباش مع ابن وليد. وذلك في رجب سنة تسع وأربعين. فاجتمع الشيوخ وانضم أكثر أهل البلد. فاجتمعوا بفاتك ورفقته الغلمان الإخشيدية، وشكوا إليهم ما لقوا من الإساءة فأنصفوهم. فانصرفوا من عندهم أحسن انصراف. وصرف ابن وليد.

стр. 185

وذكر الشيخ شيوخنا القطب الحلبي في تاريخ مصر، أن محمد بن عبد الله بن وليد قدم دمشق في شعبان سنة ثمان وأربعين وهو شاب. وقرأت بخطه أيضاً في ترجمة أبي سعيد أحمد بن حماد أحد الفقهاء من الشافعية، أنه قدم مصر في سنة ثلاث وعشرين، فشغل الناس بها في مذهب الشافعي. كتب لابن أخت وليد القاضي. عبد الله بن أحمد بن محمد، القاضي جمال الدين ابن التَّنَسِي المالكي، من المائة التاسعة، وتقدم نسبه في ترجمة والده. ولد بعد الثمانين. وكان بارع الجمال، حسن الصحة، كثير المواددة. اشتغل قليلاً، وولي القضاء بعد صرف ابن خلدون بعناية قُطْلُوبُغَا الكركي، وكان خدمه لما سجن بالإسكندرية. فلما خلص كافأه فباشره مدة يسيرة ثم صرف. وكان ذلكم في خامس عشرين من رمضان سنة ثمان وثمانمائة فكانت مدة ولايته نحو عشرين يوماً وعاش إلى أن ركب البحر هو وجماعة من أقاربه منهم الأديب البارع أبو الفضل عبد الرحمن ابن الشيخ شهاب الدين ابن وفاء الشاذلي، والشيخ محب الدين محمد ابن القاضي زيد الدين عُبَيْد البُشْكالِسِي وغيرهما فانكسرت بهم المركب فغرقوا جميعاً، وذلك في شهر المحرم سنة أربع عشرة وثمانمائة. عبد الله بن بلال الحضرمي. ذكره ابن يونس فقال: ولي قضاء مصر. قلت: ولم يذكره أبو عمر الكندي ولا مَن بعده. فيحتمل أن يكون ولاه بعض الأمراء عند موت أحد من قضاة مصر، إلى أن يجئ الخبر من الخليفة بتعيين من يتولى عن الخليفة، حيث لا يكون لأمير مصر أن يقرر القضاة.

стр. 186

وكان لَهِيعة يقول: أنا تاسع تسعة ولُوا القضاء بمصر من حضرموت، وهم: يونس بن عطية، وأوس، ويحيى، وتوبة، وخير، وغوث، ويزيد، وعبد الله، ولهيعة بن عيسى، وفي ذلك يقول الشاعر: لقد ولي القضاء بكل أرض ... من الغر الحَضَارِمة الكرام رجالٌ ليس مثلهمُ رجال ... من الصيد الجَحَاجِحَة الضخام وقال آخر: يا حَضْرموت هنيئاً ما خصصت به ... من الحكومة بين العُجْم والعَرَبِ في الجاهلية والإسلام يعرفه ... أهل الروية والتفتيش والطلبِ وكان أصل في الرغبة فيهم، وما رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن أبي الأسود عن ابن لَهيعة عن الحارس بن يزيد، أن معاوية كتب إلى مسلمة وهو على مصر ألا يولي عليها إلا أزْدياً أو حضرمياً، فإنهما أهل الأمانة. عبد الله بن راشد بن شعيب. تقدم في عبد الله بن أحمد بن عشيب. عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة، بمهلمة ثم معجمة مصغر الخولاني، يكنى أبا عمرو. مصري من المائة الثانية، وهو ابن حجيرة الأصغر، وأبوه يقال له ابن حجيرة الأكبر. ولي من قبل قُرة بن شريك أمير مصر، في ربيع الآخر سنة تسعين، وقد روى الحديث عن أبيه وغيره. روى عنه خالد بن يزيد، وإبراهيم بن نشيط، وعبد الله بن الوليد التُّجِيبي. قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حِبّان في كتاب الثقات، وقال

стр. 187

ابن نشيط: أتاه رجل فذكر له حاجة، فقال: تعود؟. فلما ذهب، سأل عنه، فإذا هو صادق، فاستدعاه فدفع له ثمانية عشر ديناراً، فعاد إليه وهو في مجلس القضاء، فشكره، فقال: أَخِّرْوه عني. وذكر أبو عمر عن إبراهيم بن نَشِيط الوَعْلاني قال: أتيت عبد الله بن عبد الرحمن وكانت تحته امرأة من وَعْلان، فقال لي: أتتغدى؟ قلت: نعم. فقال: يا جارية أعيدي الغداء. فأحضرت بعدس بارد على طبق خوص، وكعك، وإناء فيه ماء. فقال: ابْلُلْ وكُلْ، إن الحقوق لم تدعنا نسبع من الخبز. وذكر عبد الرحمن بن عبدا لله بن عبد الحَكَم في فتوح مصر عن بعض مشايخ البلد، أن ابن حجيرة لما ولي القصص بلغ ذلك أباه، فقال: الحمد لله الذي ذكَر ابني وذكَّر. ولما بلغه أنه ولي القضاء، قال: إنا لله. هلك ابني وأَهلك. ويقال إن قائل ذلك: عبد الرحمن بن حجيرة لأن ولده عبد الله صاحب الترجمة ما ولي القصص. قال أبو عمر: فصرف عبد الرحمن في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين بعياض بن عبيد الله، ثم أعيد من جهة أمير مصر عبد الملك بن رفاعة في شهر رجب سنة سبع وتسعين، وأضيف إليه مع القضاء بيت المال، إلى أن صرف عن القضاء في سلخ سنة ثمان وتسعين. ومن أخباره ما ذكره أبو عمر، أنه لما صرف، خاصمه ناس من اليهود إلى عمر بن عبد العزيز في مال كان قبضه منهم، فأقر بأنه كان قبضه منهم، وادعى أنه أعاده إليهم، فقال له عمر: فهل عندك بيِّنة أنك أعدت إليهم؟ فقال: لا. فقال: غَرِمت يا ابن حجيرة وضَمِنت، ثم تذكر ابن حجيرة أن له بيِّنة، فشهد له رجال، منهم والد المحدث عبد الله بن لهيعة. قلت: وعاش ابن حجيرة هذا إلى أن مات بعد المائة.

стр. 188

عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عقيل الآمدي الأصل الطالبي، وكان يقول: إنه من ذرية عَقيل بن أبي طالب، شافي المذهب، من المائة الثامنة: ولد سنة سبعمائة وقدم القاهرة، فتفقه على جماعة، ولزم أبا حيان حتى مهر في العربية، وكان أبو حيان يقدمه فيها على أهل عصره، وتلا بالسبع علي ابن الصائغ، ولازم القاضي جلال الدين القزويني، وناب في الحكم عنه، ثم عن عز الدين ابن جماعة. وصنف في الفقه والعربية، والتفسير، وانتفع به الطلبة، وشرح الألفية الشرح المنسوب إليه، علقه عنه ولد القاضي جلال الدين القزويني، لما كان يقرئه، وليس هو على قدر مرتبته في العلم. وكان كثير التأنق في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه. ودرس بالخشابية بالجامع العتيق. ولم يزل في ازدياد منا لرفعة، حتى وقع بينه وبين القاضي الموفق الحنبلي المذكور بعد، مباحثة أدت إلى فحاشة. وأغلظ الموفق، فأجابه بأشد مما بدأ به حتى أفرط. فبلغ ذلك عز الدين ابن جماعة فانتصر لرفيقه. وأرسل نقيب الحكم إلى ابن عقيل يلومه. فعند ما وقع بصر ابن عقيل على النقيب، فهم الذي جاء بسببه، فقال: يا نقيب، قل لابن جماعة: عزلت نفسي، ولا أحكم عنه شيئاً، وانقبض عنه، فراسله بعد ذلك، فأصر على الامتناع. ولم يزل مجانباً له حتى انتصر له صَرْغَتْمُش، فقام بأمره حتى قرره في قضاء الشافعية في آخر العشر الأخير من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين. فباشره ثمانين يوماً، وصرف في أول العشر الأخير من شهر رمضان، لما قُبض على صرغتمس. فأغيد ابن جماعة، واستمر ابن عقيل على تدريس الخشابية إلى أن مات في شهر ربيع الأول سنة تسع وستين. قال الإسنوي في ترجمته: كان إماماً في العربية والمعاني والبيان والتفسير، يتكلم في الفقه والأصول كلاماً حسناً.

стр. 189

عبد الله بن علي بن عثمان بن مصطفى بن إبراهيم بن سليمان المَارِدِيني، جمال الدين ابن التُّرْكُمَاني الحنفي، من المائة الثامنة. ولد سنة خمس عشرة وسبعمائة، واشتغل، ومهر، وحفظ البداية في الفقه، وعمل شرح والده عليها، وكان يسرد منها في دروسه حفظاً البداية في الفقه، وعمل شرح والده عليها، وكان يسرد منها في دروسه حفظاً. واستقر في القضاء استقلالاً بعد موت والده فباشر بصيانة وإحسان، مع المعرفة بالأحكام. وترفّع على أهل الدولة. وتَواضَع للفقراء. وصاهَر عز الدين ابن جماعة بأن تزوج صالحة ابنته، فعظم قَدْره، فزاد في الإفضال لكل من قصده، ولم يَجْنَف على أحد. وكانت ولايته في شهر المحرم سنة خمسين بعناية الأمير شيخون، في سلطنة الناصر حسن الأولى، وسكن المدرسة الصالحية بعياله، واستمر فيها. ومما ظهر من رياسته، أن القاضي زين الدين البسطامي قدم من الحج عقب ولايته، ففوض له تدريس الفقه بالجامع الطولوني، ابتداء من قبل نفسه. وكانت وفاته في حادي عشر شعبان سنة تسع وستين. وكانت ولايته نحو العشرين سنة متوالية، لم يدخل عليه فيها بغض، ولا نسب فيها إلى ما يُعاب. وكان من الغرائب، أنه صادق رفيقه موفق الدين الحنبلي، فكانا مع القاضي عز الدين ابن جماعة، كالروح في الجسد، لا يخالف بعضهم بعضاً، وماتا في سنة واحدة وسبقهما القاضي عز الدين ابن جماعة. وكان يعتني بالطلبة والنُّجَباء من الحنفية فيفضل عليهم، وينعش حال فقيرهم، ويجل كبيرهم، ويتجاوز عن مُسيئهم، ويجمع الجميع على طعامه غالباًن ويسعى لهم في جميع ما يعرض، مما يتعلق به وبغيره من الأكابر. وربما ركب في ذلك بنفسه، إلى مَن هو مثله، وإلى مَن هو دونه، حتى ركب مرة إلى صَيْرَفي بعض الأمراء في قضاء حاجة فقيهٍ من الطلبة. وقد بالغ اليخ تقي الدين المقريزي في إطرائه والثناء عليه، حتى قال: لو كتبتُ مناقبه، لاجتمعَ منها سِفر ضخم.

стр. 190

عبد الله لن لَهِيعَة بن عُقُبة بن فُرْعان بن ربيعة بن ثَوْبان الحضرمي الأُعْدُولي ويقال الغافقي، أبو محمد المصري، من المائة الثانية، أبو عبد الرحمن وبعضهم كنَّاه أبا النصر، وقال المزني: الأول اصح. ولد ابن لهيعة بعد الليث بنحو سنتين، ويقال: ثلاث سنين. كان مولد الليث سنة أربع وتسعين. وسمع الكثير، ورحل في طلب الحديث والفقه. قال روح بن صلاح: لقي ابن لهيعة اثنين وسبعين تابعياً، فمن شيوخه الأعرج، وابن المندِر، وأبو الزّبير، ويزيد بن أبي حبيب، وأبو يونس مولى أبي هُريرة، ومحمد بن عَجلان، ومِشْرَح بن عاهان، وأبو قَبِيل، وعَطاء بن أبي رَباح، وغيرهم من التابعين. ومنهم أبو وهب الجيشاني، وجعفر بن ربيعة، وحُيّى بن عبد الله، وعُبيد الله بن أبي جعفر، وكَعب بن عَلقمة، وأبو الأسود، وموسى بن وَرْدَان، وعبد الله بن هُبَيْرَة، وعبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، ويزيد ابن عمرو، وقُرة بن عبد الرحمن، وعُقَيل بن خالد وغيرهم. روى عنه الليث بن سعد، وهو من أقرانه، وعبد الله بن المبارك، وكان ربما نسبه إلى جَده، وروى عنه أهل مصر والغُرَباء فأكثروا، فمنهم ابن ابنه أحمد بن عيسى بن عبد الله بن لهيعة، وابن أخيه لهيعة بن عيسى بن لهيعة، وابن وهب، والوليد بن مسلم، والمُقْرِئ، وأشْهَب، والنضر بن عبد الجبار، وبِشْر بن عمر، وإسحاق بن الطباع، وربما نسبه إلى جده، وزيد بن الحباب، وأسد بن موسى، ويحيى بن إسحاق، وسعيد بن أبي مريم، وأبو صالح، ويحيى بن بكير وعثمان ابن صالح، وغيرهم. وكانت ولايته القضاء من قبل المنصور، مستهل سنة خمس وخمسين ومائة. وهو أول من ولي قضاة مصر من قبل الخليفة، في دولة بني العباس.

стр. 191

قال البُخَارِي عن الحميدي: كان يحيى بن سعيد لا يراه شيئاً. وقال علي ابن المدني: سمعت عبد الرحمن بن مهدي وقيل له: تَحْمِلُ عن عبد الله بن يزيد القَصِير، وعن ابن لهيعة؟ قال: لا أحمل عن ابن لهيعة شيئاً قليلاً ولا كثيراً. ثم قال: كتبِ إلي كتاباً فيه: حدثنا عمرو بن شُعيب، قال عبد الرحمن فقرأته على ابن المبارك فَأخْرَجَه إلى ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة، أخبرني إسحاق بن أبي فَرْوَة، عن عمرو بن شعيب. وقال محمد بن المثنى: ما سمعت عبد الرحمن يحدث عن عبد الله بن لهيعة شيئاً قط. وقال نعيم بن حماد: ما سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول لشيء من حديث ابن لهيعة سمعت إلا سماع ابن المبارك ونحوه. وقال ابن حنبل: كتب ابن لهيعة عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، وكان بعد، يُحدّثُ بها عن عمرو بن شعيب نفسه. وقال يعقوب بن سفيان عن سعيد بن أبي مريم، كان حيوة بن شريح أوصى إلى وصي وكان من لا يتقي الله يذهب فيكتب من كُتب حيوة حديث الشيوخ الذين شاركه ومنهم ابن لهيعة. ثم يذهب إليه فيقرأ عيه، قال: وحضرت ابن لهيعة، وجاءه قوم قدموا من الحج مُسَلِّمين، فقال: هل كتبتم حديثاً طَرِيفاً؟ يجعلوا يذاكرونه بما كتبوا، حتى قال بعضهم: حدثنا القاسم العمري عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ إذا رأيتم الحريق فكبِّروا فإن التكبير يطفئه) . فقال ابن لهيعة: هذا حديث طريف. فكان يحدث به. ثم طال ذلك عليه، ونُسى. وكان يقرأ عليه في جملة حديث عمرو بن شعيب، ويجيزه. وزاد ميمون بن الأصبغ عن ابن أبي مريم أن سام الرجل الذي حدث به ابن لهيعة زياد بن يونس الحضرمي. وقال إسحاق بن عيسى: احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين. قاله أحمد عنه. قال أحمد: ومن كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟ وقال أبو داود عن قتيبة: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة إلا من كُتب ابن أخيه، أو كُتب ابن وهب، إلا ما كان من حديث الأعرج.

стр. 192

وقال إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر: حملت رسالة الليث بن سعد إلى مالك وأخذت جوابها. فكان مالك يسألني عن ابن لَهيعة فأخبره بحاله، فيقول: ليس يذكر الحج؟ فَسبق إلى قلبي أنه يريد مشافهته، والسماع منه. وقال الثّوري: عندنا الفروع وعند ابن لهيعة الأصول، وحجبتُ حجباً لألقى ابن لهيعة. وقال ابن وهب في حديث سئل عنه، حدثني به والله الصادق البار عبد الله بن لهيعة. وقال ابن معين: ما زالت ابن وهب يكتب عنه حتى مات. وقال يحيى بن بُكَير قيل لابن لهيعة إن ابن وهب يزعم أنك لم تسمع هذه الأحاديث من عمرو بن شُعيب، فقال: وما يدريه، لقد سمعتها منه قبل أن يلتقي أبواه. وقال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وكان من المتقنين، يثني عليه. وقال لي: كنت أكتب حديثَ أبي الأسود في الرَّقّ، ما أحسن حديثه عن ابن لهيعة، فقلت: يقولون سماع قديم وحديث. فقال: ليس من هذا شيء، هو صحيح الكتاب، وإنما كان أخرج كتبه، فأملى على الناس حتى كتبوه إملاء. فمن ضَبَط كان حديثه حسناً، إلا أنه كان يحضر من لا يحسن ولا يضبط، ثم لم يخرج ابن لهيعة بعد ذلك كتاباً. وكان من أراد السماع منه استنسخ ممن كتب عنه، وجاءه فقرأه عليه، فمن وقع على نسخة صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة غير مضبوطة، ففيه الخلل. وقال: وكان قد سمع من عطاء، وروى عن رجل عن عطاء، وعن رجل عن آخر عن عطاء وعن ثلاثة عن عطاء، فتركوا مَن بينه وبني عطاء وجعلوا الكل عن عطاء. وقال الحاكم: استشهد به مُسلم في حديثين، وقال ابن خزيمة في صحيحه: لا أحتج بابن لهيعة. وقال عبد الغني بن سعيد الأزْدي: إذا روى العَبَادِلَةُ عن عبد الله بن لهيعة فهو صحيح: ابن المبارك وابن وهب والمقرئ، وكذا قال الساجي وغيره.

стр. 193

وقال يحيى بن حسّان: رأيت مع قوم جزءاً سمعوه من ابن لهيعة، فنظرت فيه، فإذا هو ليس من حديثه، فجئت إليه فقال: ما أصنع (يجيئون بكتاب فيقولون هذا حديثك، فأحدثهم) . وقال ابن شاهين: قال أحمد بن صالح: ابن لهيعة ثقة، وما رُوي عنه من الأحاديث فيها تخليط يطرح ذلك التخليط. وقال الحاكم: لم يقصد الكذب، وإنما حدَّث من حفظه بعد احتراق كتبه فأخطأ. وقال ابن حِبانك سَبَرْتُ أخباره، فرأيته يدلّس عن قوم ضعفاء، على أقوام ثقات قد رآهم ثم كان لا يبالي، ما دفع إليه قرأه، سواء أكان من حديثه أم لم يكن من حديثه، فوجَب الشك في رواية مَن حدث عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من التدليس، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين بعد احتراق كبته، لما فيها مما ليس من حديثه. وقال الخطيب عن ابن خراش: احترقت كتبه فكان من جاء بشيء قرأه عليه، حتى لو وضع أحد حديثاً وجاء به إليه قرأه عليه. قال الخطيب: فمن ثم كثر الشاكون في روايته لتساهله. وقال أبو عمر الكندي: قال أبو الأسود النضر بن عبد الجبار: سمعت ابن لهيعة يقول: كنت ربما أتيت يزيد بن أبي حبيب فيقول لي: كأني بك قد قَعَدت على الوسائد. يعني وسائد القضاء. فما مات حتى ولي القضاء. وكانت ولايته من قبل أبي جعفر المنصور في سنة خمس وخمسين ومائة. وذكر سعيد بن عفير، أن وفد أهل مصر كانوا ببغداد فقال لهم المستنصر: أعظم الله أجركم في قاضيكم أبي خزيمة. ثم التفت إلى الربيع فقال: ابعث إلى أهل مصر قاضياً؟ فقال عبد الله بن عبد الرحمن حُديج: ماذا أردت بنا يا أمير المؤمنين؟ أتريد أن تُشَهِّرنا في الأمصار بأن بلدنا ليس فيه من يصلح للقضاء، حتى تُولي علينا من غيرنا. قال: فَسَمِّ رجلاً. فسمَّي له أبا معدان اليَحْصُبي، وقال في وصفه: إنه يختار ولكن به صَمَم. قال: يصلح للقضاء مَن به صَمَم؟ قلت

стр. 194

فعبد الله بن لهيعة، قال: فابن لهيعة مع ضَعف عقله وسوء مذهبه؟ وكان ابن لهيعة يرمي بالتشيع. ولما ولي المنصور ابن لهيعة القضاء كتب إليه بعهده، أجرى عليه كل شهر ثلاثين ديناراً إلى أن صرف عن القضاء، في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائة، فكانت ولايته دون عشر سنين. وقال أبو عمر الكِندي: طلب الناس هلال رمضان وابن لهيعة على القضاء، فلم يَروا شيئاً، فأتى رجلان فزعما أنهما رأياه، وكان الأمير حينئذ موسى بن علي، فبعث بهما إلى ابن لهيعة فسأله عن عدالتهما، فلم يُعْرَفا. فاختلف الناس وشكوا. فلما كان العام المقبل، خرج ابن لهيعة مع الناس في طلب العلا، فكان أول قاض فعل ذلك، فكانوا يطلبونه في جِنان ابن أبي حَبَشي، ثم تراءَوه في أصل المقطم. تنبيه: لَهيعة بوزن عظيمة، وأخطأ من قالها بالتصغير. يقال في فلان لهيعة أي غَبَن وخبل ويطلق على من فيه تغفيل، وأخطأ مَن قالها بالتصغير. يقال في فلان لهيعة أي غَبَن وخبل ويطلق على من فيه تغفيل. وقيل أصله: الهلع فاشتق من مقلوبه وقال أيضاً للمتفيهق في الكلام. وكانت وفاة ابن لهيعة في الخامس من جمادى الآخرة سنة أربع وسبعين ومائة. وجزم أبو عمر الكندي بجمادى الآخرة، وشذ هشام بن عَمَّار فقال: في سنة خمس وسبعين. وقال الخطيب: حدّث عنه سفيان الثوري ومحمد بن رمح، وبينهما في الوفاة إحدى وثمانون سنة. عبد الله بن محمد بن الخَصِيب بن الصقر بن حبيب الأصبهاني الأصل، شافعي من المائة الرابعة، أبو بكر نزيل مصر.

стр. 195

ولد بأصبهان سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وسمع الحديث من محمد بن يحيى المروزي، وأبي شعيب الحراني، وأبي يُوسُف القاضي، ومحمد بن عثمان ابن أبي شيبة، وإبراهيم بن هاشم البَغَوي، ويحيى بن عمرو البختري، وحمزة الكاتب، وجعفر الفريابي، وبهلول بن إسحاق، وأحمد بن الحسين الطيالسي، وإبراهيم بن أسباط وغيرهم. وروى عنه ابنه أبو الحسن الخصيب، ومنير بن أحمد الخَلاَّل، والحافظ عبد الغني بن سعيد، وعبد الرحمن بن عمر بن النحاس، وآخرون. وقع لنا حديثه فيا لخِلَعِيَّات بعلوّ، وتفقه على مذهب الشافعي. وكان قوى النفس حسن التصور، وصنّف كتاباً في الردّ على داود، وكتاباً في الرد على الطبري. وولي القضاء نيابة عن محمد بن صالح العباسي المعروف بابن أم شيبان ثم أضيف إليه قضاء دمشق والرملة وطبرية. ثم أحضر عهداً مِنَ الخليفة، ولم يثبت، فقيل له يكون ولدك محمد بن عبد الله نائباً عن محمد بن صالح ويكون العهد باسمه وأنت الناظر عليه. ولبس السواد من دار ابن الإخشيد، حضر المسجد الجامع العتيق، وذلك في نصف ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة واستكتب ابنه ينظر في الأحباس، وتصلَّب في الأحكام، واحترز في أحواله كلها، وزاد في أجر الأحباس، وزاد المرتبين بسبب ذلك زيادة ظاهرة، وعقد مجلس الإملاء، ومجلس المناظرة، وكان يحضر فيه جماعة من الفقهاء الموافقين والمخالفين، ويتكلم معهم أحسن كلام. وكان ثقة فيما يحدث به. فاتفق أنه أملى مجلساَ أورد فيه عن معاوية حديثاً فقال المستملي عن معاوية ﵁ فقال له الخصيبي: يا هذا: الساعة مرّ ذكر عُمر وابنه وابن مسعود، فما ترحَّمتَ على واحدٍ منهم! وترحمتَ على معاوية، وهو طليق ابن طليق، فسكت المجلس. وبلغه بعد انصرافهم أنهم أنكروا قوله وأن قوماً خرّقوا ما كتبا عنه. فجمع الشهود وأملى عليهم بعد يومين، فقال له يحيى بن مكي بن رجاء: ليس للكالم في هذا وجه، فأمسك، وقطع الإملاء. ثم كان أبو منصور الماوردي يُخَرِّج له

стр. 196

المجالس، وكان الخصيبي يمضي الأحكام والسجلات، وعقود الأنكحة. وعقد لكافور مجلساً للمظالم يجلس فيها كل سبت من أول سنة أربعين. وعقد الوزير جعفر ابن الفضل بن جِنْزابة مجلساً للفقه، فكان الخصيبي وابنه يحضران عند كافور، وعند الوزير، ويحضر ذلك أيضاً ابن الحداد وابن بلبل، وأبو طاهر الذهلي، وكان قدم مصر من دمشق، وكان يتولى قضاء دمشق، فساروا به فتوجه إلى الخصيبي وابنه ليسلّما عليه. فلم يجداه فرجعا. وبلغه ذلك فلم يكافئهما، فبقي في أنفسهما. فاتفق أن أهل دمشق كتبوا في حق أبي طاهر محضراً فساعدهم الخصيبي، وجمع جمعاً من المصريين، أفدخلهم على كافور، فذموا أبا طاهر، فظن كافور أنهم من أهل دمشق. وكان أبو جعفر مسلم حاضراً، فَسَارَّ كافوراً فصاح الخصيبي: يا أبا جعفر (وَلا تَكُن لِلْخَائنِينَ خَصِيماً) فصاح أبو طاهر: ألا تحسن أدبك يا شيخ بحضرة الأستاذ!. وصنع ابن الخصيبي كتاباً مزوراً على الخليفة في حق أبي طاهر، فعزله كافور من دمشق، وأضافها لابن الخصيبي، فتنجز أبو طاهر كتباً من بغداد إلى كافور بأن الكتب مزورة، وعاونه أبو جعفر، فلم يرجع كافور عن مساعدة الخصيبي. وكان الخصيبي قد تقرب إلى كافور بمال أهداه له، فصار يساعده. وتَشكى جماعة من أهل الفَرما من الخصيبي ومن نائبه، فَنَصَرَهُ عليهم، وضُربوا، وَطِيفَ بهم على الحمير، وثار الرعية بالخصيبي في الجامع، فهرب منهم. ووقع بين الخصبيب وأبي بكر ابن الحداد خصومة في مجلس المظالم فَتَسَابَّا. وكان الخصيبي يتوسع في القول، وأبو بكر لا يجاوز المعقول احترازاً وتصونا وتديناً، فصار في غم من ولاية الخصبيب، تحتي قيل: إنه قال: اصرفوا الخصبيب ولو بابن مرحّب - يعني طيبياً كان بمصر -. وضبط عن الخصيبي أنه قال: العمل لابني محمد وأنا له مُعين، فبلغ ذلك ابنه فأراد أن يظهر ذلك، فكتب التوقيعات بخطه. وختمها وعنونها من محمد بن عبد الله فزال اسم الأب منها، واستظهر على أبيه وأسجل. وتقدم إلى الموقعين أن يكتبوا إلى القاضي محمد بن عبد الله. وكانت وفاة الخصيبي بعد أن بنى داره الكبيرة المعروفة بابن شعرة، وكان اشتراها من محمد بن أبي بكر وعَمَّرها وأتقن وعمل فيها دعوة عظيمة فعمل فيه ابن كشاجم..

стр. 197

اشترى الدارَ الكبيرة ... ودَعا فيها الوكيره صغّر البَاب وفي ... تصغيره أشأم طيره قبره لاشك فيه ... بعد أيامٍ يَسِيره وقال فيه أيضاً: قبح الله الخصي ... بيَّ ما أقبح أمرَهْ اشترى الدار التي كا ... نت قديماً لابن شعرَهْ وهي الدار التي ... يَبتُر فيها الله عُمرَهْ لا يتم الحَوْل حتى ... يجعل المجلس قَبرَهْ فكان كما قال: اعتل ومات في ذي الحجة سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. وسيأتي في ترجمة محمد بن عبد الله الخصيبي، ما وقع للحافظ الكبير أبي القاسم ابن عساكر في ترجمة الخصيبي من الوهم. عبد الله بن محمد بن أبي ثَوْبان عبد الله بن أبي سعيد أبو سعيد. قال ابن زولاق: قدم صحبة المعز من بلاد المغرب، فولاه النظر في المظالم بمصر، فتنشط في الأحكام واستماع الشهادات والإِسجال بالأحكام، وأمر الشهود أن يكتبوا عنه في تسجيلاته: قاضي مصر والإسكندرية. واختص بشهد ويشهدون عليه في أحكامه. فلما تظلم ابن نبت كيجور في أمر الحمّام الذي كان جَده لأمه أنشأها، وتنجز من المعز توقيعاً بأن ابن أبي ثوبان ينظر في أمرها، وأقام عنده البيِّنة بأن جَده المذكور بني الحمام المذكور، وأنه توفي وانحصر إرثه في بنته، وهي والدة المدعي، وكان المعز تقدَّم إلى قضاته أن يورثوا البنت جميع الميراث، إذ لم يكن معها أخ أو أخت. فكتب ابن أبو ثوبان له سجلاً بذلك وأحضر الشهود ليشهدوا على حكمه، فبلغ ذلك أبا طاهر الذُّهْلي، وكان سبق منه إشهاد على نفسه، بأن محمد بن علي المَاذَرَائي حَبَّس الحمَّام المذكور، فعظم الخَطْب، وكثر القول في ذلك. فحضر جماعة من الشهود وغيرهم مجلس ابن أبي ثوبان، فلما قُرِئ عليه السجل قام لاحسين بن كهمش، وكان كبير الشهود يومئذ، ومقدَّمهم، فقال: إن للقاضي أبي طاهر في هذا الحمَّام سجلاً سابقاً بأنه حُبس، وقد ذكرت في هذا السجل أنه ثبت عندك بشهادة شاهدين بأنها مخلَّفة عن كيجور. فمن

стр. 198

الشاهدان؟ فقال: أبو أحمد عبيد الله بن محمد المرادي. فسئل أبو أحمد فأنكر. فقال له ابن أبي ثوبان: بَلَى، قد شهدت عندي. فقال له الحسين: أما هذا فقد بطلت شهادته، فمن الثاني؟ فقال: محمد بن المهلَّب. فسئل محمد فقال: أشهد أن كيجور بناه. فقال له الحسين: فمات وهو في ملكه؟ فقال: ما أدري. قال: فالأرض له؟ فسكت. قال: تشهد أن الرضاض الذي فيها والبلاط والمجاري وجميع الآلات مما عمله كيجور؟ فاضطرب في الجواب. فقال له ابن أبي ثوبان: فقد شهدت عند البينة على شهادة علي بن مجلي بذلك. فقال له الحسين: حتى تسمع الشهادة بذلك. وأيضاً فأنت تكتب في سجلك قاضي مصر والإسكندرية، فصرفت القاضي أبا طاهر أم أنت قاض معه؟ فأوقفنا على سجلك حتى تستقيم لنا الشهادة على أحكامك. فلم يجب، نهض الشهود مستظهرين. فصاروا إلى أبي طاهر فأخبروه، فقويت نفسه، وأنهى ما جرى للوزير يعقوب بن كِلِّس، فاخبر بذلك المعز وتنجز التوقيع عه بما يعتمد عليه في ذلك. فكتب المعز بخطه، يمضي في الحمام ما حكم به محمد بن أحمد، فمضى الأمر على ذلك. وبطل حكم ابن أبي ثوبان وانقطع الشهود عند بعد أن كانوا مواصليه، وشاهدين على أحكامه. فاتخذ جماعة من الشهود عنه بعد أن كانوا مواصليه، وشاهدين على أحكامه. فاتخذ جماعة من الشهود غيرهم، وأشهدهم على حكمه وإسجاله لابن بنت يجور بالحمام، فانصرف الشهود من عنده وبين أيديهم من ينادي: هؤلاء عدول أمير المؤمنين، في كلام كثير من التعظيم لابن أبي ثوبان. فلما خرج توقيع المعز في أمر الحمام، انكسروا وقوي أبو طاهر وأصحابه. ومنع أولئك الشهود من حضور مجلسه، واعتل أبن أبي ثوبان بسبب ذلك، فدامت علته إلى أن أتت على نفسه فمات وذلك في سنة.. عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الباقي المقدسي، مُوَفَّق الدين أبو محمد الحنبلي، من المائة الثامنة. مولده بعد دخول سنة تسعين وستمائة أو قبلها، واشتغل بالفقه، وسمع الحديث بدمشق من أبي بكر بن أحمد بن

стр. 199

عبد الدايم، عيسى المطعم في آخرين، وبمصر من أبي الحسن ابن الصواف، ومسعود الحارثي، وحسن بن عمر الكردي، والشريف الموسوي، موفقية بنت وردان، وغيرهم. وبمكة من الرضِىّ الطبري وغيره. وتقدم في الفقه حتى برع في معرفة المذهب، ثم تحول إلى القاهرة، وولي القضاء في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين. وكان قوي النفس عارفاً بالمذهب، شهماً لا يحابي أحداً، ويسارع إلى بث الحكم. وكان مع ذلك كثير الإنصاف، تابعاً للحق، واشتهر بالعفة، والنزاهة، والصرامة، والاقتصاد في المأكل والملبس. وكانت ولايته من قبل الناصر محمد، بعد صرف تقي الدين ابن عوض، بسفارة جَنْكَلي بن البايا، فإِنه أطراه عند السلطان فأحضره وولاه، وعزل ابن عوض وهو الذي عزَّر الشيخ علاء الدين مغلطاي، بسبب ما ذكره في كتاب الواضح المبين، والقصة مشهورة. وقرأت بخط صاحبنا جمال الدين البشبيشي، أنه عزَّر جمال الدين ابن هشام، لكونه كذَّب أبا حيان في بعض تصانيفه. وقرأت بخطه أيضاً في كتابه الذي جمعه في قضاة مصر، أنه سمع شيخنا مجد الدين إسماعيلي الحنفي - وقد أجاز لي المجد المذكور مراراً - قال: حضرت يوماَ عند القاضي موفق الدين فدخل إليه ثلاثة شهود ليشهدوا في مكتوب، فأعلم الاثنين وترك الثالث، ومضوا. فحضر إليه الشاهد وحده، فقال: يا مولانا قاضي القضاة، ما ذنبي أتوب منه؟ قال: رايتك منذ أيام ماراً بأرض الطبّالة، فقال: الأمر أمركم، كان العبد هناك في ريبة، فمولانا قاضي القضاة، ما سبب كونه هناك؟ فأطرق، ثم رفع رأسه فقال: أحضروا المكتوب، فحضر وسمع شهادته فيه وَقَبِله، لنه خشي أحد أمرين، إما أن يقول كنت في ضرورة، فيقول له: وأنا كنت في ضرورة: وإما أن يقول له: أنا يجوز لي دونك، فيقول: ما أجازه لك وحرَّمه علي؟ كذا قال. قلت: وأرض الطَّبَّالة هي المعروفة الآب ببركة الرطلي. وكانت لا يدخلها أو يقيد بها إلا أهل الفساد. وقد قام الموفق على صرغتمش لما قبض على ابن زُنْبْور وعقد مجلساً بالقضاة وأراد إبطال أوقافه، فراجعه القاضي عز الدين ابن جماعة في ذلك، وأن الموفق إذا

стр. 200

ثبت وحكم به، لم يكن لأحد أن يجعله طلقاً، فاعتل عليه بأن والده فعل ذلك للناصر في أملاك كريم الدين. فأجابه بأن كريم الدين كان مستولياً على أموال السلطان من كل جهة، فإذا أقرَّ أنها عمرت من مال السلطان بإذنه، وصدًّقه على ذلك عمل به، بخلاف من كان يتصرف في أموال المسلمين كالوزير. فأصر على ذلك، ولم يقنع بالفرق. فأغلظ عليه القاضي موفق الدين. ومن جملة ما خاطبه به، أخربتَ البلد بشرّك يا صبي. وانقضى المجلس على منع ذلك. ولم يزل الموفق على شهامته وطريقته إلى أن قدرت وفاته في يوم الخميس سابع عشرين المحرم سنة تسع وستين وسبعمائة. وولي بعده صهره القاضي ناصر الدين نصر الله، فاستمر إلى سنة خمس وتسعين. وكانت مدة ولايته الاثنين أكثر من خمسين سنة، لم يتخلل في ولاية ناصر الدين ولا موفق الدين قبله أحد. وقد وقع نظير هذه المدة دون التخلل للقاضي بدر الدين ابن جماعة، وولده القاضي عز الدين. فإن البدر ولي سنة اثنتين وسبعمائة، والعزَّ انفصل سنة ست وستين، وتخلل بين ذلك ولاية الزرعي سنةً، والجلا القزويني إحدى عشرة سنة، البهاء ابن عَقِيل دون ثلاثة اشهر. عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن عبد الله بن علي بن صدقة، أبو الصلاح ابن عين الدولة الصفراوي، محيي الدين الشافعي، من المائة السابعة. ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وتفقه، وسمع الحديث من القاضي زين الدين علي بن يوسف الدمشق، ومكرم بن أبي الصقر، وعبد العزيز بن باقا، وجماعة. وأجاز له من القدماء أبو القاسم ابن الحرستاني وغيره. وكان ديناً خيراً ورعاً رئيساً حسن السياسة. زلي قضاء مصر والوجه القبلي، عقب وفاة القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز. فاستقر في يوم الخميس تاسع شعبان سنة خمس وستين وستمائة. واستقر في قضاء القاهرة الوجه البحري تقي الدين ابن رَزين. وكان الصفراوي يصحب الصاحب بهاء الدين ابن حنا الوزير، وسعى له في ولايته حتى صيَّره من العدول، فكان يرعى له ذلك.

стр. 201

وسار أبو الصلاح في القضاء سيرة جميلة مع الإحسان إلى الطلبة، وهو القائل: وليتُ القضاء وليتَ القَضَا ... لم يَكُ شيئاً تولَّيته فأوقعني في القضاء القضا ... وما كنت قِدما تمنيته وقال: ثمانون من عمري تَقَضَّت فما الذي ... أؤمل من بعد الثمانين من عُمري أَطايبُ أيامي مَضَيْنَ حَميدة ... سِراعاً ولم أشهر بهن ول أدْرِ كأنَ شَبابي والمَشِيبُ يروعه ... دُجَي ليلةِ قد رَاعَها وَضحُ الفجر ويقال: إنه دخلت عليه امرأة في حكومة، فقال لها: ما اسمك؟ قال: ست من رأى، فوضع كمه على عينيه. وحصل له في أواخر عمره فالج، فأقعد، وعجز عن الكتابة، فكان كاتب الحكم يعلّم عنه. وكان الصاحب إذا ثقل عليه في تعديل شخص، استدعى شخصاً من طلبة العلم الفقراء فيعدِّله معه، ويقولك لعل هذا يجبر خلل هذا ويقرأ. (خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وآخَرَ سَيْئاً) . وحكى الشيخ تقي الدين ابن الصائغ، شيخ القراء: أنه قرأ مكتوباً بحضرة القاضي محيي الدين هذا ورفيقه تقي الدين ابن رزين قاضي القاهرة، فوقع في نعوت والد القاضي تقي الدين، وصفه بالقاضي، فقال محيي الدين لتقي الدين: هل وَلي والدُك القضاء؟ فقال: لا. قال: كيف يقرأ الكاتبُ علي الكذب!. ومن نوادره أنه ناظر بعض الفقهاء فرأى دعواه أكثر من علمه فأنشد: وادَّعى أنه خبيرٌ بصيرٌ ... وهو في العمى ضائع العكازم ويحكي أنه تلقى الملك.. وصرف عن القضاء سنة ست وسبعين، فاستمر مصروفاً إلى أن مات في خامس شهر رجب سنة ثمان وسبعين وستمائة. عبد الله بن مِقداد بن إسماعيل بن عبد الله الأَقْفَهْسي، جمال الدين، مالكي من المائة التاسعة.

стр. 202

ولد بعد الأربعين، وتفقه بالشيخ خليل، وتقدم في المَذْهب، ودرس. وناب في الحكم مدة، أولها عن عَلَم الدين البساطي، ومن بعده. ثم ولي القضاء استقلالاً مراراً. أولها في ولاية الناصر فرج بعد موت ابن الجلال، وآخرها بعد صرف الشهاب الأموي في رمضان سنة سبع عشرة وثمانمائة، وانتهت إليه رياسة المذهب، ودارت عليه الفتوى فيه. وكان عفيفاً حسن المعاشرة والتودد، قليل الأذى والكلام. وكانت ولايته الأولى دون خمسة أشهر. وعزل بابن خلدون في ثلاث عشرين شهر رمضان سنة ثلاث وثمانمائة. إلى أن مات وهو على القضاء في أواخر الدولة المؤيدة، في رابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة وهو شارح الرسالة. عبد الله بن هبة اللهب بن معالي بن كامل بن عبد الكريم، المفضل بن ضياء الدين أبي القاسم الصوري المقدسي، أصله من شَهْر زُور. إمامي من المائة السادسة وكان ينوب في القضاء والدعوة. ثم ولي القضاء بعد صرف مجلي في أواخر شعبان سنة تسع وأربعين خمسمائة. ولاه الصالح طلائع بن رُزِّيك، وأضيفت إليه الدعوة، وناب عن الخليفة الفائز في الخطابة في الأعياد. ولقب بضياء الدين فخر الأمناء ثم عزل في العشر الأخير من المحرم سنة ثمان وخمسين، وأعيد أبو الفضائل يونس من قِبّل شاور. ثم صرف في العشر الأول من ذي الحجة وأعيد هذا ثانية في أوائل المحرم يعني سنَة تسع وخمسين. ثم صرف في ربيع الأول سنة تسع وخمسين، فولي الحسن بن علي بن العوريس. ثم أعيد ثالثة في

стр. 203

ذي الحجة سنة خمس وستين ثم صرف في جمادى الأولى سنة ست وستين، وقتله السلطان صلاح الدين سنة تسع وستين وخمسمائة، فيمن قتل من المنتمين إلى الفاطميين. وكان الفقيه علي بن نجا سعي الفقيه عمارة وابن كامل وغيرهما إلى صلاح الدين بنهم يريدون عود الدولة الفاطمية فشنقهم في رمضان من السنة. ولابن كامل شعر حسن، وكان ذا فضل وأدب. ومن شعره: لئن كان حكمُ الدهر لا شك واقعا ... فما سَعينا في دفعه بنجيح وإن كان بالتحييل يكمن دفعهُ ... علمنا بأن الحكم غير صحيح وله يَا رَافيا خَرْقَ كل ثوب ... ويا رشاً اعتمادي عسى بخيط الوصال ترفُو ... ما مزَّق الهجر من فؤادي عبد الله وليد هو ابن أحمد بن شعيب. تقدم عبد الله بن يزيد بن عبد الله بن خُذَامِر الصنعاني أبو مسعود، من المائة الثانية أصله من الأبناء من ذرية الفرس الذين وجههم كسرى لقتال الحبشة، حالف يزيد بن خذامر قوماً من البسئيين. وقد شهد فتح مصر واختط بها. وكان عبد الله فقيهاً ورعاً. وذكره أبو سعيد بن يونس فقال: روى عنه موسى بن أيوب الغافقي وغوث بن سليمان، وكان رجلاً صالحاً، حدثني أحمد ابن داود بن أبي صالح الحراني، حدثنا أحمد بن وزير عن يحيى بن عبد الله بن بُكيْر عن عبد الله بن المُسَيَّب العدوي قال: وفد من أهل مصر وفدٌ على

стр. 204

سليمان بن عبد الملك منهم أبو خذامر الصنعاني فسألهم فذكر مثله، لكن قال فهرفهما له عمر، فكتب إلى أيوب بن شُرَحُبِيل بولاية ابن خذامر القضاء، فولى القضاء من سنة مائة إلى سنة خمس ومائة. وقال أبو عمر: وكان قدم الشام في فتية من أهل مصل على سليمان بن عبد الملك فسألهم عن شيء من أمر العرب فأخبروه بما يحب، ولم يتكلم عبد الله بشيء. فلما خرج قال عمر بن عبد العزيز: يا أبا مسعود ما منعك من الكلام مع أصحابك؟ قال: خفت الله أن أكذب. فحفظها له عمر. فلما ولي الخلافة كتب إلى عامله بمصر بولاية عبد الله القضاء. وذلك في رجب سنة مائة. فاستمر إلى سنة خمس ومائة. ذكر ذلك أبو عمر. ونقل عن ابن قُدَيْد عن ابن عبد الحكم أن عبد الله هذا صرف عن القضاء سنة اثنتين ومائة. أقال: وهذا ليس بصحيح. وساق الأول بسند صحيح إلى عبد العزيز بن ميسرة. وكان يكاتب عمر بن عبد العزيز في المشكلات التي تقع له، ويقضي بما يأمره به. وهو أول من ولي القضاء بمصر من غير العرب. قال أبو عمر: لم يقبض منذ ولي القضاء بسبب القضاء درهماً ولا ديناراً. ونقل غوث بن سليمان عنه أنه قال: ما أخذت في القضاء سوى جوربين فلما صرفت، تصدقت بهما. وكان غوث يقول: وددت أني علمت من أي وجه صارَا إليه. وكان عزله في النصف من شهر رمضان سنة خمس ومائة، فكانت ولايته خمس سنين وثلاثة أشهر. عبد الأعلى بن خالد في عبد الرحمن بن خالد. عبد الجبار بن إسماعيل بن جعفر بن عبدا لقوي بن الجليس

стр. 205

يكنى أبا القسم، ويقال: اسمه هبة الله ويقال: عبد الله، ويقال: كنيته أبو الفتح إسماعيلي من المائة السادسة، يلقب الموفق في الدين. ولي القضاء في ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة في أواخر الدولة العاضدية عوضاً عن المفضل بن هبة الله ثم أعيد المفضل في آخر الشهر، ذكر ذلك ابن ميسر. قال: وفي الثامن من شهر رمضان شُنق هو وجماعة من رؤساء المصريين بالدولة الفاطمية، وكانوا اجتمعوا وأرادوا إعادة الدولة وتعاهدوا على ذلك، وعلى أن يكاتبوا الفرنج ليحاصروا القاهرة إذا تشاغل بهم صلاح الدين وثبوا على القصر، وأعادوا الدولة العبيدية، فاتفق أن حضرهم أبو الحسن بن نجا الواعظ، فَنَمَّ إلى السلطان صلاح الدين، فأمر الأمير نجم الدين ابن مَصَال، فقبض عليهم. منهم: القاضي الأعز ابن عويريس والقاضي صدر الدين أبو القاسم بن كامل الصوري، والفقيه عمارة اليمني الشاعر، ومصطنع الملك نجاح، والقاضي عبد الجبار بن عبد القوي، والأمير سرايا، وزين الدين داعي الدعاة، والقاضي عبد الصمد، وغيرهم فشنقهم. وتتبع الإسماعيلية وأخرجهم من الديار المصرية. وأخرجوا جميعاً من بالقصر من حواشي الفاطميين، فأسكنوهم بمصر، وخلت القاهرة من المجامع. قالوا: وكان الجليس خبيراً بتحصيل الأموال، له مكر ودهاء ومعرفة بما يدخل فيه، وحسن تخلص منا يقع فيه. فلما دنا هلاكه لم ينفعه شيء من ذلك وكان مَوْصُوفاً بالشُّحِ المفرط، وبمعرفة خبايا القصر وذخائره. وفي ولايته الحكم، جاءت الدولة الأيوبية، فاستمر إلى أن أبطلت الدعوة العاضدية. ويقال إن السلطان صالح الدين قرره قبل قتله على ما في القصر، فأطلعه على بعض وكتم بعضاً. ويقال إن الذي نَمَّ عليهم، نجمُ الدين بن مصال، وقد كان من أمراء الفاطميين، ثم اتصل بصلاح الدين. فلما توافق الجماعة عل القيام في إعادة الدولة راسلوه. ثم نَمَّ بهم لما علم أن أمرهم غير منتظم، فخشي على نفسه أن يهلك معهم، فبادر فبرَّأ نفسه وأوقعهم.

стр. 206

عبد الحاكم بن سعيد بن سعيد بن مالك الفارقي، أخو مالك بن سعيد، إسماعيلي من المائة الخامسة. أول ما ولي القضاء عوضاً عن قاسم بن عبد العزيز في سابع عشرين شهر رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة، وأضيف إليه الأحباس واتسعت يده في الأحكام وتحصيل الأموال إلى أن قيل: صادر دخله في السنة عشرين ألف دينار. قال ابن ميسر: وكان سقط النفس، يكثر من أكل الهريسة والزلابية في سطح الجامع، وحين يحضر للحكم بالجامع. قال: ومات في ولايته رجل يقال له الزيلعي وترك مالاً جزيلاً، ولم يخلف سوى بنت واحدة، فورثوها جميع المال على قاعدة مذهبهم، فتطاول الناس لتزويجها لأجل كثرة مالها، ومن جملتهم عبد الحاكم، فامتنعت فحنق منها، وأقام أربعة شهدوا بأنهم سفيهة، واحتوى على مالها، فهربت منه، وطرحت نفسها على الوزير أبي القاسم الجَرْجَرَائي وعرّفته ما اعتمد معها القاضي فعمل لها محضراً برشدها واستكتب لها جماعة منهم ابن أخي القاضي أبو الحسين بن مالك بن سعيد. فأمر الوزير بإحضار القاضي فاحضر مُهاناً، ووكل به من استعاد منه المال، وذلك بعد أن كان تصرف فيه قبل، بأربع سنين. ثم قبض الوزير على الشهود الذين شهدوا بسفهها، فأودعهم السجن، وخلع على من شهد لها بالرشد. وألزم القاضي بتسليمها مالها، ووكل به عِنده في داره، فصار يزن في كل يوم شيئاً، وولده ينوب عنه في الأحكام إلى أن صرف في يوم السبت لست بقين من ذي القعدة سنة سبع وعشرين وأربعمائة. فكانت ولايته ثماني سنين وأربعة أشهر إلا يوماً واحداً وتأخرت وفاة عبد الحاكم إلى العشرين من صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وكان قد لزم داره بالقاهرة فلم يخرج عنها حتى مات، ومات بعض أولاده فصلى عليه في داره، ودفنه فيها. وفيه وفي قاسم بن عبد العزيز الذي كان قبله يقول بعض الشعراء: ولما تولي ابن عبد العزيز ... قضاء القُضَاة تولى القَضا وأعقب من بعده الفارقي ... فأدبر إِقباله وانْقَضَى

стр. 207

وحَطَّ دعائم دين الإله ... وأوقد في الأرض جَمْر الغَضَا وعاد القضاءُ إلى قاسم ... فأصحب عن رُشده مُعْرِضاً فَلا ذَا بسيرته يُرتَضَى ... ولا ذَا بتدبيره يُسَتَضَا فهذا رئيسٌ به لوثَة ... وهذا وَضيعٌ بعيد الرِّضا فما فيهما أحد يُرْتجى ... ولا فيهما أحدٌ يُرْتَضَى فلا بارك اللهُ فيمن أتَى ... ولا بارَك الله فمين مَضَى عبد الحاكم بن وُهَيْب بن عبد الرحمن المليجي الربعين، من أهل مصر، إسماعيلي المذهب من المائة الخامسة، يكنى أبا القاسم ولاه المستنصر القضاء بعد عزل أحمد بن عبد الحاكم الفارقي في سابع ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة، ولقب قاضي القضاة، ثقة الأنام، عَلَم الإسلام. قال سليمان بن علي بن عبد السميع: ولما استقر في القضاء، ساءت أُحدوثته وقَبْحَت طريقته، فصرف في حادي عشر رجب سنة اثنتين وخمسين. فكانت مدة ولايته الأولى سنة وثمانية أشهر ويومين. واستقر مكانه أحمد بن محمد بن أحمد بن زكريا. نقلت ذلك من خط محمد بن المنذري، وهو المعروف بابن أبي العوام، وقد تقدم ذكره. ثم أعيد عبد الحاكم ثانية في سنة ثلاث وخمسين، بعد أحمد بن عبد الحاكم للقضاء، وأضيفت إليه المظالم وجميع أسباب الحكم من الصلاة والخطابة وغير ذلك سوى الدعوة. وصرف في رمضان فكانت ولايته الثانية شهراً وخمسة أيام. ثم أعيد الثالثة في المحرم سنة خمس وخمسين. قال سليمان بن عبد السميع: أنفذ إلى جميع الشهود في الرابع من صفر سنة أربع وخمسين، فبكروا يوم الأحد إلى باب القصر، فخرج إليهم قبل الظهر سعيد السعداء، فتقدم إلى عبد الحاكم بالنظر في الحكم، وأعيدت إليه العامة، وأمر

стр. 208

الشهود بالمسير معه إلى الأبواب لتقبيل الأرض بها على العادة. وجلس بالجامع الأزهر ينظر بين الناس إلى العصر. ونزل ولده إلى مصر في غد ذلك اليوم، فحكم بين الناس ولم يخلع عليه إلى يوم الأحد التاسع من ربيع الآخر. فلم يزل إلى أن صرف في سادس عشر المحرم سنة خمس وخمسين. وكانت ولايته الثالثة، أحد عشر شهراً وأحد عشر يوماً. ثم أعيد الرابعة في خامس عشر ربيع الآخر، وصرف في سابع عشر شعبان منها بابن أبي كدينة. ثم أعيد الخامسة في خامس جمادى الأولى سنة ست وخمسين، ثم صرف بعد خمسة أيام. ثم أعيد في سلخ رمضان، وصرف في يوم عيد النحر. ثم أعيد في صفر سنة إحدى وستين، ثم صرف، ثم أعيد في ذي القعدة سنة ثلاث وستين. وصرف في ربيع الأول سنة أربع وستين. قال أبو نصر ابن ماكولا في الإكمال: كان عارفاً باختلاف الفقهاء. عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعيد بن ميمون الدمشقي اليزيدي، مولى آل عثمان، يكنى أبا سعيد، ولقبه دُحيم، بمهملتين مصغراً، وكان يعرف أولاً بابن اليتيم. ولد سنة سبعين ومائة، قاله ولده عمرو، وسمع من معروف الخيّاط، ومن الوليد بن مسلم، وابن عُيَيْنَة، ومَرْوان بن معاوية، وعُمر بن عبد الواحد، وبِشر ابن بكر، وشُعيب بن إسحاق، وأبي ضمرة أنس بن عياض، ومحمد بن أبي فُدَيك، ومحمد بن شُعيب بن شَابور، وأيوب بن سُويد الرَّملي، وسعيد بن هاشم بن مرثد الطبراني خاتمة أصحابه.

стр. 209

روى عنه الجماعة إلا مسلماً والترمذي وروى النَّسائي عنه بواسطة، وروى عنه أيضاً ولداه إبراهيم وعَمْرو، والحسن بن محمد الزَّعفراني، وهو قريب من طبقته، وأحمد بن منصور الرَّمادي، وأبو زرعة الدمشقي، والرازي وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان وإبراهيم الحربي، وغيرهم من الكبار. وممن بعدهم جعفر الفِريابي، ومحمد بن الحسن بن قُتَيبة، ومحمد بن خُرَيم. قال أبو سعيد بن يونس: قدم مصر وحدَّث بِهَا، وكان ثقة ثبتا. وقال عَبدان الأهوازي: سمعت الحسن بن علي بن بحر يقول: قَدِمَ دُحَيْم بغداد، فرأيت أبي ويحيى بن معين وخلف بن سالم قُعوداً بين يديه. وقال الخطيب: كان ينتخل في الفقه مذهب الأوزاعي. وقال المَرُّوذي: أثنى عليه أحمد، وقال: هو عاقل رزين. وقال العجلي أبو حاتم والنسائي والدارقطني: ثقة. وقال أبو حاتم كان دحيم يميز ويضبط حديثَ نفسِه. وقال الإسماعيلي: سئل الفرهيانيّ: من أوثق أهل الشام؟ قال: أعلاهم دُحَيم، وهو أحب إليَّ من هشام بن عمار، وهشام أَسَنُّ. وقال ابن عدي: هو أثبت من حرملة. وولي لقضاء فلسطين في أيام المتوكل، ثم فوض إليه قضاء الديار المصرية بعد صرف الحارث بن مسكين فتوجه إليها فمات بغتة ودفن بفلسطين. ولما بلغ ذلك المتوكل، ولي بكار بن قتيبة. وكان دحيم يكره أن يلقب بذلك. قاله ابن حبان في الثقات. قال: وهو تصغير دحمان وهو بلغتهم، الخبيث. وكان من المتقنين الذين يحفظون علم أهل بلدهم وشيوخهم.

стр. 210

وقال الخّلِيلي: كان أحد حفاظ الأئمة ويعتمد عليه في تعديل شيوخ الشام وَجَرْحِهِم. وقال ابن يونس: توفي بالرملة سنة خمس وأربعين ومائتين. وقال أبو القاسم النسيب حدثنا عبد العزيز هو الكَنَّانِي أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر حدثنا أبو الميمون بن راشد، أنشدني عمرو بن دحيم، أنشدني أخي محمد عن رجل من ولد أبي عبد الله الأشعري الطبري في أبي لما ولي القضاء بطبرية وغيرها من مدن فلسطين، وكان جده الأعلى ميمون من موالي بني أمية، وكان دُحَيم شديد الميل إلى بني أمية، فعرَّض به الشاعر المذكور بأن قال: قالت مقالاً أبانت فيه لي غضبا ... إخال رأى بني العباس قد غَربا فقلت ما حادث جاء الزمان به ... قالت: دُحيم تولى الحُكم واعَجبا ضاع القضاء وضاع الآمرون به ... والدهر من وجهين صار مُنقلبا قالت أمية: هذا وقت دولتنا ... ردت إلينا فإن الأمر قد قربا منا القضاة عل الأمصار قد علمت ... عَلْيَا مَعَدّ بأنا لم نَقُل كَذِبا فلست مستوجباً حكماً نقلده ... أبا سعيد ولم يستوجب النسبا عبد الرحمن بن إسحاق بن محمد بن مَعْمَر بن حبيب بن المِنْهال السَّدُوسي، أبو علي الجوهري الحنفي، من المائة الرابعة. قال ابن زولاق: ولد سنة خمسين ومائتين. وقال ابن يونس: سنة إحدى وخمسين بسامرا. وكتب بالعراق، وحدث عنهم بمصر. كان مكثراً عن علي ابن حَرْب. وكان ثقة. وقال ابن زولاق: وسمع من علي بن حرب الطائي نحو ستين جزءاً. أخذ عن الربيع بن سليمان أكثر كتب الشافعي. وحدث أيضاً عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم.

стр. 211

روى عنه أبو بكر ابن المُقْرِي والطبراني. وولي قضاء مصر بعد صرف إبراهيم بن محمد الكُرَيْزي خلافة عن هارون بن إبراهيم بن حماد، بعد صرف أبي يحيى بن مكرم. فورد الكتاب من هارون إلى أبي علي الصغير، واسمه أحمد ابن علي بن الحسين، وعلي بن علي الجوهري، فتسلما ذلك من الكريزي، ونظرا في الأمور. ثم استقل عبد الرحمن بن إسحاق، فإنه كتب إلى هارون بذلك يسأله إقراره، فأجاب سؤاله، وارتفعت يد أبي عليّ الصغير، واستقل الصغير بالنظر في الصدقات. وقال ابن يونس: تسلّم القضاء لأحمد بن إبراهيم بن حماد نحو سنة، إلى أن قدم ابن حماد. فهذا يدل على أن ولايته من قبل أحمد، ولا من قبل أخيه هارون. وكان أحمد من قبل هارون. فعلى هذا يكون عبد الرحمن نائب نائب القاضي. وظاهر كلام غيره، أنه إنما ناب عن هارون، ثم استناب هارون أخاه أحمد. قال ابن زولاق: كان عبد الرحمن بن إسحاق عاقلاً فقيهاً حاسياً فهماً، له في الحساب تصنيف وافر، ولم يترك حلقته التي كان يشغِل فيها في الجامع، بل كان يروح كل ليلة. وكان ينفد له بضاعة صوف إلى مكة في كل سنة، وكان عفيفاً. ويقال إن المودع بقي فيه ثمانون ألف دينار مما كان أبو عبيد خلفه فيه وطال العهد بها، ولم يأتِ لها طالب. فلم يتعرض لها عبد الرحمن، حتى جاء الذي بعده فَذِابَت كلها في النفقات والصِّلات والهِبات. وكان عبد الرحمن يتأدب مع الطحاوي جداً، بحيث لا يركب حتى يركب، ويقول: هو عالمِنا وقُدوتنا، ويقول: هو أسَنُّ مني بإحدى عشرة سنة. والقضاء أقل من أن أفتخر به على أبي جعفر. وكان ابن الفرات الوزير، غضب من صرف الكريزي، ففوض نظر الأحباس لعلي بن أبي بكر وأفردها على القاضي. ولم يزل عبد الرحمن ينظر في الحكم إلى ربيع الآخر سنة أربع عشرة. فكانت مدة ولايته سنة واحدة وشهرين. وعاش بعد ذلك إلى سنة عشرين وثلاثمائة.

стр. 212

عبد الرحمن بن حُجيرة بمهملة ثم جيم مصغر. ويقال له ابن حُجيرة الأكبر. روى عن عمر، وأبي ذَر، وابن مسعود، وعُقْبة بن عامر، وعبد الله بن عَمر ابن العاص، وغيرهم. روى عنه ابنه عبد الله، والحراث بن يزيد، وأبو عَقيل زُهْرَة بن مَعْبَد، ودَرّاج أبو السَّمْح وغيرهم. وَثقة النسائي والعِجْلي والدَّارَقُطني وابن حِبان. قال خلف بن ربيعة عن أبيه عن جده الوليد بن سليمان، قال: كان ابن حُجيرة من أفقه الناس، فولاه عبد العزيز بن مروان القضاءَ، فسألت سعيد بن السائب بن عبد الرحمن بن حُجيرة، متى ولي جَدك القضاء؟ قال: لا أدري، غير أني رأيتُ له قضية عند آل قيس بن زُبَيْد الخَوْلأاني، تاريخها في شهر رمضان سنة سبعين، لا أعلم أني رأيت أقدمَ منها. وقال ابن لَهِيعة عن عبيد الله بن المغيرة: إن رجلاً من أهل مصر، سأل ابن عباس عن مسألة، فقال: تسألني وفيكم ابن حُجيرة! وعن موسى بن ورَدان، قال: سألت سعيد بن المُسَيَّب فذكر مثله. وقال عبد الرحمن بن أبي السمح عن أبي الليث عاصم بن العلاء: إن ابن حُجيرة كان على القضاء والقصص وبيت المال، وكان رزقه في السنة ألف دينار، عن القضاء مائتين، وعن القصص مائتين، وعن بيت المال مائتين، وعطاءه مائتين، وجائزته مائتين. وكان لا يَحُول عليه الحَوْل وعنده منها شيء، بل كان يفضل على أهله وإخوانه. ومن أقضيته، أنه قضى في امرأة من حِمْيَر جَدَعَت أَمةً لها، فأعتق الأمة، وقضى بولائها للمسلمين.

стр. 213

وكان يرجح في الشهادة بالكثرة، إلا أن يكون هناك صاحب بَدْر، ولكن لا يحجر على سفيه في ماله، لكن ينهى الناس عن معاملته بعد أن يشهره. وكان لا يقبل لأحد هدية، ولا في الأعياد والمواسم. وكان له عبد يستقي له الماء فمات، فأخذ هو البغل، وتوجه بنفسه ليستقي. كانوا يقتدون به في أشياء كثيرة لورعه وصدقه. ومن كلامه: إذا قضى القاضي بالهَوَى، احتجبَ الله عنه. قال ابن يونس: يكنى أبا عبد الله وهو خَولاني من بني يعلى بن مالك. وحكى أبو عمر عن غَوث بن سليمان قال: لما ولي عبد الرحمن بن حجيرة القضاء أخبروا أباه بذلك فقال: هَلَك ابني وأَهْلك. وكان أولاً وَلِي القصص فأخبروا أباه فقال: ذكَر ابني وذكَّر. وقد تقدم هذا لعبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة، وهو أليق بها. وكان السبب في كتابة المصحف المذكور، أن الحجاج استكتب في إمارته على العراق مصاحف، فبعث منها إلى مصر واحداً، فغضب عبد العزيز بن مروان وقال: تبعث إلى جندٍ أنا فيه بمصحف! فأمر مَن كتب له المصحف الذي هو الآن بمصر بالمسجد الجامع. فلما فرغ قال: مَن أخذ فيه حرفاً خطأ، فله رأس أحمر وثلاثون ديناراً. فتداوله القراء فجاء رجل من قراء الكوفة اسمه زُرعة بن سَهل الثقفي، فيما ذكر ابن يونس، لجده خَرَشة بن الحُرَ صُحبة، فقرأه تهجياً. ثم جاء إلى الأمير عبد العزيز فقال: وجدت فيه حرفاً خطأ. فنظروا فإذا هي (إنَّ هَذَا أخي لهُ تسعٌ وتِسْعُونَ نَعْجةً) فإذا هي مكتوبة (نجعة) بتقديم الجيم على العين. فأمر عبد العزيز بالورقة فأبدلت. ثم أمر له برأس أحمر وثلاثين ديناراً. وكان يأمر بأن يحمل غَداة كل جمعة من دار عبد العزيز إلى المسجد الجامع فيقرأ فيه. فكان أول مَن قرأ فيه عبد الرحمن بن حُجيرة، كان متولي القضاء والقصص يومئذ، وذلك في سنة ست وسبعين. وكان استكتب عبد الملك بن أبي العوام الخولاني، فهو الذي كان يكتب عنه ما يحتاج إلى كتابته في أقضيته. فمن أقضيته ما أخرجه أبو عمر بسندٍ صحيح إلى عبد الله بن الوليد أن رجلاً أتى عبد الرحمن بن حُجيرة فقال: إني نذرتُ ألا أكلم أخي أبداً. فقال: إن الشيطان ولد

стр. 214

له ولد فسماه نذراً، وأنه من قطع ما أمر الله به أن يوصل حلّت عليه اللعنة. وروى عن عَطاء بن دينار: كان ابن حجيرة يقضي في متعة الطلاق بثلاثة دنانير. ومن طريق ابن لَهيعة عن سعيد بن المسيّب، أن ابن حجيرة كان يشرب السوبيا. وأخرج ابن وهب بسند صحيح أن ابن حجيرة سألته امرأة عن صبي مولود هل يجزى عن رقبة؟ قال: نعم. أعتقيه. وذكر ابن عبد الحكم من طريق موسى بن وردان: أن سعيد بن المسيب كتب إلى ابن حجيرة، أنْهَ أهل بلدك عن الربا فإِنه فيها كثير. ومات وهو قاضٍ في إمارة عبد العزيز بن مروان سنة ثلاثٍ وثمانين. فكانت مدة ولايته القضاء ثلاثة عشرة سنة وشهوراً. هذا هو الصحيح. وحكى ابن عبد الحكم في كتاب (فتوح مصر) أنه مات سنة خمس وثمانين. عبد الرحمن بن خالد بن ثابت العبسي ويقال الفهمي ويقال: اسمه عبد الله. ويقال: عبد الأعلى. مصري من المائة الأولى ولي القضاء من قِبل عبد الله بن عبد الملك في صَفر سنة تسع وثمانين بعد صرف عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل ولم تطل ولايته وولي بعده عبد الرحمن بن معاوية بن خُدَيج ثبت أن ولايته في صفر تسع وثمانين لكن لم يثبت قدر ولايته هذا وقد ثبت أن ولاية عبد الواحد كانت سنة واحدة فتحرر من هذا أن مدة ولاية صاحب الترجمة كانت أياماً فلهذا لم يذكر في القضاة. عبد الرحمن بن سالم بن أبي سالم الجَيْشَانِيّ، مولاهم. واسم أبي سالم: سفيان بن هانئ بن جبر بن عمرو من المعافر. يكنى أبا سلمة.

стр. 215

قال ابن يونس: روى عن أبيه. روى عنه الليث بن سعد، وابن لَهِيعة. قال: وولي القضاء والقصص معاً، وكانت ولايته من جهة حوثرة بن سهيل أمير مصر في المحرم سنة ثمانٍ وعشرين ومائة. قال أبو عُمر الكِنْدي: لما ملك بنو العباس مصر أَقَره صالح بن علي، وأجازه فاستمر إلى أن خرَج صالح من مصر في شعبان سنة ثلاث وثلاثين، وولي مصر عوضه أبو عون عبد الملك بن يزيد، فرأى في ديوان الجند خلَلاً، فقيل له: إن عبد الرحمن بن سالم مِن أعلم الناس بأمور الديوان، فعزله عن القضاء وجعل إليه الديوان، وأعاد خير بن نعيم في مستهل رمضان منها. وكانت مدته في القضاء خمس سنين وسبعة أشهر. ويقال: إن أهل مصر طلبوا من أميرهم أن يرد إليهم خير بن نعيم. وقال أبو سعيد بن يونس: يقال أنه مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وجزم بذلك غيره. وقال يحيى بن بكير: أهل بن سالم الجيشاني يقولون إنهم من المعافر. ووجدت في ديوان بني أمية في زمن مروان بن محمد ورقة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. من عيسى بن أبي عطاء إلى خُزّان بيت المال، فأعطوا عبد الرحمن بن سالم القاضي رِزقَه لشهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين، عشرين ديناراً، واكتبوا بذلك براءة، يعني شهادة عليه. وكُتب يوم الأربعاء لليلتين خَلَتا من شهر ربيع الأول عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن المُجَبَّر بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي العمري. أُمْه أَمَةُ الحميد بنت حفص ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مظعون الجمحية. مدني الأصل مالكي المذهب، من المائة الثانية. روى عن مالك.. روى عنه يحيى بن بكير وأبو صالح كاتب الليث، وزكريا بن يحيى الحرسي. قال ابن يونس: يكنى أبا عبد الله.
следующие страницы →