← Тараджим

Тараджим · id 12724

رفع الإصر عن قضاة مصر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (485 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فلما كان يوم الجمعة أول جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة عقد لابنه عبد العزيز على بنت جوهر القائد في مجلس العزيز، وكان الصداق ثلاثة آلاف دينار، والشاهدان: محمد بن عبد الله العُتقيّ وعبد الله بن محمد بن رجاء، وخلع العزيز على الزوج وانصرف محمد بن النعمان في جمع كثير من الخواص. ثم قرَّر عبد العزيز فِي نيابته، وصرف ابن أخيه الحسين بن علي. قال المُسَبِّحيّ: كَانَ محمد بن النعمان خبيراً بالأحكام حسن الأدب والمعرفة بأيام الناس. قال العُتقيّ فِي تاريخه: أمر المعز وهو بالمغرب قاضي بلاده النعمان بن محمد أن يعمل لَهُ أَسطُرْلابات وأن يُجلس مع الصانع بعض ثِقَاته، فأجلس النعمان ولده محمداً، فلما فرغ توجه بِهِ إلى المُعِزّ فسأله: مَنْ أَجلستَ مع الصانع؟ قال: ولدي محمداً. فقال: هو قاضي مصر. قال محمد بن النعمان: كَانَ المعز إذا رآني قال لولده وأَنَا صَبِيّ: هَذَا قاضيك! قال المسبحي: وعدّل محمد بن النعمان فِي أيامه نحواً من ثلاثين نفساً، وَكَانَ محمد بن النعمان جيّد النظر فِي الأحكام. تقدمت إليه امرأة طالبت زوجها بحقها فامتنع من دفعه لها، فسألت القاضي أن يحبسه فأمر بذلك، ثُمَّ نظر إليها فوجدها جميلة وظهر عَلَيْهَا السرور، فلما توجه إِلَى الحبس أمر القاضي بحبسها مع وزجها فغضبت فقال لَهَا: حبسناه لحقكِ ونحبسكِ لحقّه. فلما تحققت ذَلِكَ أفرجت عنه. فلما توجهت قال القاضي: رأيتها فرِحتْ بحبسه فخشيت أنها تخلو بنفسها لغيبة زوجها. قال: وَكَانَ الوزير ابن كِلِّس كثير المعارضة لبني النعمان فِي أحكامهم، فاتفق أن الحسن بن الحسين بن علي بن يحيى الدقّاق زَوَّج ولده يتيمة تعرف ببنت الديباجي بإِذن محمد بن النعمان، فقام فِي ذَلِكَ بكر بن أحمد المالكي أحد الشهود وادَّعى فَسَاد العقد لكونها غير بالغ، وبالغ فِي ذَلِكَ فقال ابن النعمان: ثبت عندي بإقرارها أنها بلغت. فَحُملَت إِلَى القصر ورُفع أمرها إِلَى العزيز وكشف عنها فوجدت غير بالغ،

стр. 422

فتقدم إِلَى القاضي بفسخ النِّكاح فأحضر الوزير القاضي والشهود وتهدَّدهم وقال: يتقدم مولانا بفسخ هَذَا النكاح وبالوقوف عن قبول شهادة هؤلاء الشهود، ففعل. وكتب بذلك سِجلاًّ بإِمضاء ذَلِكَ، وفيه: أنه ثبت عنده أنها غير بالغ. ثُمَّ بالغ الوزير فِي الإنكار عَلَى الشهود فِي التساهل، وكان ذَلِكَ فِي سلخ جمادى الأولى سنة خمس وسبعين، وأمر بحفظ مال الصبية ثُمَّ ابتاع لها منه ربعاً. ورُفع إِلَى محمد بن النعمان أن نصرانيّاً أسلم ثُمَّ ارتد وَقَدْ جاوز الثمانين، فاستتيب فأبى، فأنهى أمره إِلَى العزيز فسلَّمه لوالي الشرطة، وأرسل إِلَى القاضي أن يرسل أربعة من الشهود ليستتيبوه فإن تاب ضَمِنَ لَهُ عنه مائة دينار، وإن أصرّ فليقتل، فعرض عَلَيْهِ الإسلام فأبى فقُتل ثُمَّ أمر بتغريقه فِي النيل. ورفع إِلَيْهِ رجل من ولد عَقِيل بن أبي طالب زوجته ومعها ابنة لَهَا جحدها فتلطف بِهِ النعمان فلم يجد فِيهِ حيلة، فأنهى أمره إِلَى العزيز فأمره بالملاعنة بينهما، وكتب فِي ذي القعدة سنة ثمان وسبعين إِلَى الجامع العتيق فاجتمع الشهود ووعظ الزوج فأبى إِلاَّ اللعان، فلاعن بينهما، ثُمَّ فرَّقَ بينهما. ثم استخلف ولده عبد العزيز فِي الحكم وَكَانَ ينظر كل اثنين وخميس. وَفِي أول سنة إحدى وثمانين عدَّل جماعةً من الأشراف. وَفِي صفر سنة اثنتين وثمانين رتَّب رجلاً جعفريّاً بالجلوس فِي الجامع مع الفتوى عَلَى مذهب أهل البيت، فشغب عَلَيْهِ الفقهاء من أهل الجامع فبلغ ذَلِكَ القاضي فقبض عَلَى بعضهم وطوَّف بثلاثة منهم عَلَى الجِمال. وعَلَتْ منزلةُ القاضي عبد العزيز وقطع النزول إِلَى الجامع، ونظر فِي الحكم فِي داره، وَلَمْ يكن أحد يخاطبه إِلاَّ بسيّدنا، فلما توفي العزيز سكن محمد بن النعمان فِي داره بالقاهرة ورتَّب ابنه عبد العزيز كل اثنين وخميس ينظر فِي الأحكام بمصر. قال ابن زُولاق: مَا شهدنا لقاضٍ من القضاة بمصر مَا شاهدناه لمحمد بن النعمان، ولا بلغنا ذَلِكَ عن قاضٍ بالعراق، وَكَانَ مع ذَلِكَ مستحقاً لما هو فِيهِ من العلم والصيانة والتحفُّظ والهيبة وإقامة الحق. وفيه يقول أبو عبد الله السمرقنديّ: وحيد فِي فضائله غريب ... خطير فِي مفاخره جليلُ تألَّق بهجةً ومضى اعتزاماً ... كما يتألَّقُ السيفُ الصقيلُ ويقضي السداد لَهُ حليفٌ ... ويُعطى والغَمام لَهُ زميلُ إذَا ركِب المنابر فهو قُسٌّ ... وإن حضر المشاهد فالخليلُ

стр. 423

قال المُسبِّحيّ: وَلَهُ نظم كثير لَيْسَ بالقوي فمن أجوده: أيا مُشْبِه البدر بدر السما ... لسبع وخمس مضت واثنتين ويا كامل الحسن فِي نَعْتِهِ ... شغلتَ فؤَادي وأسهرتَ عيني فهل ليَ فِي فِيكَ من مَطْمَع ... وإلا انصرفتُ بخُفَّي حُنَينِ قال: وَفِي ولايته رجم رجلاً خبازاً أصاب امرأة علويّة من زناء. وَكَانَ رجمه بسوق الدواب بقرب الجامع الطولوني وذلك سنة اثنتين وتسعين. قال: ولمَّا حصل لَهُ التمكّن وعلت رُتبته لَزِمته الأمراض كالنّقْرس والقُولَنْج، وَكَانَ أكثر أيامه عليلاً، وولده عبد العزيز ينظر فِي الأحكام ويُسجل فِي دار أبيه وغيرها. وَكَانَ بَرْجَوان يعوده فِي كل خميس مع عَظَمة بَرْجَوان. قال: وَكَانَ فِيهِ إحسان لأتباعه مع حسن الخلق والبِذَّة والركوب وكثرة الطيب والبخور إذَا جلس فِي مجلسه وإذا ركب. وَكَانَ إذا أعطى عطاء كثَّره وعجَّله. وَكَانَتْ وفاته وهو عَلَى القضاء فِي ليلة الثلاثاء الرابع من صفر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، فركب الحاكم فصلَّى عَلَيْهِ فِي داره ودفنه تَحْتَ قُبَّتها، ثُمَّ نقل بعد إِلَى القرافة. وكانت مدة ولايته أربع عشرة سنة وستة أشهر وعشرة أيام. ووجد عَلَيْهِ من أموال اليتامى وغيرهم ستة وثلاثون ألف دينار، فأمر الحاكم بَرْجَوان أن يحتاط عَلَى موجوده، فأرسل كاتبه أبو العلاء فهداً النصراني فاحتاطوا عَلَيْهِ وشرعوا فِي البيع وَفِي تغريم الشهود الذين كانت الودائع تَحْتَ أيديهم، فمن أحضر ورقة بخط القاضي تُرك، ومن لَمْ يُحضر خطّ القاضي غُرم، إِلَى أن تحصّل قدر نصف الدَّين فدفع للمستحقِّين بقدر النصف. وتقدَّم أمر الحاكم أن لا يُودَع بعد ذَلِكَ عنه أحد من الشهود مال يتيم ولا غائب، وأفرد موضع بزُقاق القناديل يوضع فِيهِ المال ويختم عَلَيْهِ أربعة من الشهود لا يُفتح إِلاَّ بحضور جميعهم فاستمر الأمر عَلَى ذَلِكَ مدة. وكان محمد بن النعمان سلَّم لعبد الله بن محمد المداديّ أحد الشهود مال يتيم

стр. 424

وأراد الإِشهاد عَلَيْهِ بذلك فامتنع، فقال محمد: مَا كَانَ بالذي يودع الإشهاد. فاتفق أن المدادي مات فِي سنة تسع وسبعين وعنده ودائع كثيرة، فراسله يزيد بن السندي كاتب الحكم قبل أن يموت حَتَّى أشهد عَلَيْهِ بما عنده. فلما مات لَمْ يوجد أكثر ذَلِكَ، فباع القاضي داره بخمسة آلاف دينار فوفَّى بِهَا الودائع. محمد بن هبة الله بن أحمد بن شكر أبو البركات نفيس الدين مالكي من المائة السابعة. ولد سنة خمس وستمائة، واشتغل عَلَى مذهب مالك ومهر، وأول شيء وليه قضاء دمياط نيابة عن القاضي تاج الدين ابن بنت العز، ثُمَّ ولي القضاء بالقاهرة استقلالاً بعد موت شرف الدين السبكي فِي ذي القعدة سنة تسع وستين. وكان الشيخ أبو عبد الله ابن النعمان يستعين بِهِ فيما يرومه من إزالة المنكرات وقمع اليهود والنصارى، وَكَانَ القاضي كريم النفس كثير الفتوّة حسن الاعتقاد كثير البر بأصحابه والمباسطة لهم، وَلَمْ يزل عَلَى حاله إِلَى جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين فعزل هو ورفقته جميعاً، وهم: تقي الدين ابن رزين الشافعي، والمعز الحنفي والحنبلي، وعاش بعد ذَلِكَ إِلَى ذي الحجة سنة ثمانين وستمائة فمات ﵀. محمد بن أبي الفرج هبة الله بن مُيَسَّر أبو عبد الله القَيْسَرَانيّ الأصل المصري. شافعي من المائة السادسة، قدم والده من قيسارية فِي ولاية بدر الجمالي وهو معه شاب، وَكَانَ بدر قَدْ استدعى بذوي الأموال واليسار فأنزلهم مِصر لِمَا كَانَ جرى لَهَا من الخراب بالغلاء الشديد، ففوض بدر لأبي الفرج الخطابة بالجامع العتيق بمصر، وَكَانَ فقيهاً شافعياً، فعمل فِيهِ أبو علي حسين بن سعيد العسقلاني الشاعر المعروف بالمُكَرْبَل قوله: إن الشريعة قَدْ وَهَت أركانها ... وتغيَّرت بالنقص أي تغيرِ بوزارة ابن أسامة وشهادة اب ... ن قَتادة وخَطابة ابن مُيسّر

стр. 425

ومات أبو الفرج سنة خمس عشرة، ونشأ ولده فاضلاً، وولي قضاء مصر فِي ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة بعد يوسف بن أيوب المغربي، ولُقِّب ثقة الدولة سناء الملك شرف الأحكام، فباشر القضاء واستكثر من قبول الشهود حَتَّى بلغت عدتهم فِي زمانه مائة وعشرين. وكانوا قبله ثلاثين. ثُمَّ فوض إِلَيْهِ النظر فِي المظالم، فاستوضح أحوال المسجونين وأطلق منهم جمعاً كثيراً كانوا أيسوا من الخلاص لطول العهد بتركهم فِي السجن، فطالع بأمرهم الخليفة، وسأل فِي الإفراج عنهم فأذن لَهُ فِي ذَلِكَ. قال ابن أَسْعَد الجَوّاني فِي كتاب النقط عَلَى الخطط: هو صاحب القيسارية بمصر، واستعمل منارة من النحاس ذات سواعد تُجَر قدّامه عَلَى عجلة تُوقَد فِيهَا الشموع ليالي الركوب إِلَى رؤية الهلال. وتفقّد المساجد. فلما عملها اجتازوا بِهَا فِي مكان فِيهِ أغصان سِدرة فعاقتهم عن جَرِّها فأمر بقطع السِّدرة أَوْ بعضها، فحذروه من ذَلِكَ وذكروا لَهُ حديث أبي داود " مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ الله رأسَهُ فِي النَّار ". فتمادَى عَلَى قطع بعضها وذلك فِي ليلة نصف شعبان فما أسنى بل قتل تِلْكَ السنة. قال وكانت القضاة تركب فِي النصف من شعبان لتفقّد الجوامع والمساجد لما يحتاج إِلَيْهِ من الإصلاح. وَكَانَ كبراء الدولة يبذلون فِي ذَلِكَ عَلَى سبيل المساعدة لابتغاء الثواب، فيحصل للقاضي من ذَلِكَ مقدار جيد، فركب القاضي فِي نصف شعبان ورجع فما أتت بعد ذَلِكَ غلا دون السنة، بل قُتل فِي شهر ربيع الأول من السنة المقبلة. وَكَانَتْ لَهُ أسمطة عظيمة فِي المواسم وهو أول من عمل الفُستق الملبس بمصر، وَكَانَ مشهوراً بالكرم. قال الشريف الجواني سمع القاضي ابن ميسّر أن الوزير المَاذَرَائيّ عمِل الكعك المسمى " افْطِنْ لَهُ "، يشير إِلَى مَا حكاه ابن زولاق أن الماذَرَائيّ عمل خُشْكَنَانا فِي العيد محشوّاً بالفُستق والسُّكر وفيه دنانير، فكان يعطى منه للشريف ويقول احتفظ بحشوه، ففطن لَهُ بعض الناس فسموه " افْطِنْ لَهُ ". فأحب ابن ميسر أن يصنع ذَلِكَ

стр. 426

فأمر بعمل الفُستُق المُلَبَّس بالسكر، وأمر بسبك قطع ذهب قدر الفستق فلبس منها بالسَّكّر قَدْر صحن، فلما مدّ سماط الحلوى وضع ذَلِكَ الصحن فِي الوسط وَكَانَ عَلَى المائدة خادم، فلما أكلوا أشار الخادم لصديق لَهُ أن يأكل من ذَلِكَ الصحن فأكل منه وتفطن لما فِيهِ، فصار يأكل ويمص النوى ويضعه فِي كمه إِلَى أن حصل على جُملة، ففطن لَهُ بعض من حضر فتزاحموا عَلَى ذَلِكَ الصحن وَتَنَاهَبوه فِي قُدّامه، وهو يضحك فسمي من يومئذ: " افْطِنْ لَهُ ". وَكَانَ قبل ولايته القضاء يباشر مشارفة المقياس أميناً عَلَى ابن أبي الرَّدَّاد. فلم يزل معه حَتَّى قُتل وأضيفت إِلَيْهِ بعد ولايته القضاء الوكالة. وذكر ابن ميسّر فِي تاريخه: أنه أمر أن لا يحكم إِلاَّ بمحضر من أربعة فقهاء من جملتهم الفقيه سلطان بن رَشَا المقدسي الَّذِي ولي القضاء بعد. ويقال إن سبب ذَلِكَ أنه كَانَ قاصراً فِي العلم، وإنما كَانَتْ رياسته بالكرم والجاه. ويقال إنه كَانَ تفقه عَلَى مذهب الشافعي وَلَمْ يزل ينظر فِي وظائفه إِلَى خلافة الحافظ، فعزله فِي ربيع الآخر سنة ست وعشرين بصالح بن عبد الله بن رجاء؛ ثُمَّ أعيد فِي ثاني ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. قال ابن ميسر فِي تاريخه: حكى لي خال والدي أن القاضي كَانَ أسقط شاهداً يقال لَهُ ابن الزعفراني، فسعى الزعفراني بأن رفع للخليفة الحافظ أن القاضي لما خلع أبو علي بن الأفضل الخليفة واعتقله دخل الشعراء فأنشدوه مدائح منها قول علي بن عباد الإسكندراني فأنشده قصيدة أولها: تبسَّمَ الدهرُ لكن بعد تَعْبِيسِ إِلَى أن قال: هَذَا سُلَيْمانكم قَدْ رُدّ خاتَمُه ... واستنزع المُلك من صَخْر بن إبليس فلما أنشد هَذَا البيت قام القاضي فألقى عَلَى هَذَا الشاعر عرضيَّتَه طَرَباً فحقدها الحافظ، وأمر بإحضار الشاعر وَكَانَ يلقب جلال الدولة فاستنشده القصيدة فجحدها، فألزمه وأوهمه أنه لا يصل إِلَيْهِ منه بسببها مَضرة، فأنشدها إِلَى أن بلغ البيت المذكور فأشار إِلَى الغلمان فلَكَمُوهُ إِلَى أن مات بين يديه.

стр. 427

ولما كَانَ فِي السابع من المحرم سنة إحدى وثلاثين فِي وزارة بهرام عزل القاضي ونفى إِلَى تنِّيس فلما وصل إليها قُتل بِهَا عشية الاثنين ثاني شهر ربيع الأول من السنة. محمد بن يحيى بن مهدي بن هارون بن عبد الله بن هارون بن إبراهيم الأَشوَانِيّ التَّمَّار أبو الذِّكْر - بكسر المعجمة وسكون الكاف - الفقيه المالكي من المائة الرابعة. ولد فِي ربيع الأول سنة خمس وخمسين ومائتين، وتعاني التجارة فِي التمر، ويقال إن أصله من إِخْميم. وسمع من محمد بن عمر الأندلسي، واعتنى بالفقه فمهر فِيهِ حَتَّى كَانَ المشار إِلَيْهِ فِي مذهب مالك بمصر. وأول من نوّبه أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة، فإنه فوض إِلَيْهِ الفَرض للنِّساء، وتصدَّى للتدريس والإِفتاء. قال ابن يونس: كَانَ لَهُ بمصر قَدْر ومنزلة جليلة، وهو الَّذِي تسلّم القضاء من أبي عبيد ابن حَرْبَويه لما انفصل من مصر وتولى قضاء مصر عبد الله بن إبراهيم بن مُكرَم البغدادي، فأرسل إِلَى أربعة من أهل مصر أن يختاروا من أهل مصر من ينوب عنه، فاختاروا أبو الذِّكر، وَكَانَتْ ولايته لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. قال ابن يونس: وَكَانَ جَلْداً وَقَدْ حدَّث بشيء يسير، وَكَانَ عابداً وأصابه الباسور وَكَانَ يُضعفه عن إدمان التعبّد، وَكَانَتْ لَهُ حَلقة فِي جامع عمرو، ويتناظر عنده الفقهاء من القرويين وغيرهم، وَكَانَ يجلس للإِشغال بالعلم من الصبح إِلَى الزوال ثُمَّ بعد صلاة الظهر إِلَى العصر.

стр. 428

وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فِي " طبقات الفقهاء " بعد الحارث ابن مسكين فقال: ومن دون هؤلاء أبو الذكر محمد بن يحيى المالكي قاضي مصر تفقه عَلَى يوسف بن عيسى المغامي. أخذ عنه أبو الطاهر محمد بن عبد الغني. وقال الحسن ابن زولاق نظر فِي الأحكام وتصلّب فِي حساب الأُمَناء وَكَانَ من جملتهم ابن الحدَّاد، وكانوا قَدْ تهيئوا لتوديع أبي عبيد ابن حربويه فمنعهم أبو الذكر، وَكَانَ لَهُ عندهم أموال فسلّموها ثُمَّ أُخْرجُوا وأسمعهم المكروه فتأخروا، ولو أمكنهم الذهاب مع أبي عبيد إِلَى العراق لفعلوا، فولى أبو الذكر القضاء إِلَى يوم الخميس ثامن عشر صفر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة فوصل أبو محمد إبراهيم بن محمد بن عبد الله الكُرَيْزِيّ من قبل ابن مُكرَم فباشر القضاء، وكانت مدة ولاية أبي الذكر ثلاثة أشهر وعشرة أيام، وعاد يتعاطى الشهادة مع الشهود ويشهد عند الكُرَيْزيّ الَّذِي ولي بعده، ثُمَّ استنابه أبو جعفر ابن قُتيبة فِي الفَرض فباشره، ثم استنابه محمد بن بدر أيضاً في الفرض فباشره وزاد بأنه كان يحكم للمطلقة ثلاثاً بالسكنى والنفقة عملاً بمذهب مستنيبه تاركاً لمذهبه فِي ذَلِكَ. ولما اعتل محمد بن بدر علّته الَّتِي مات فِيهَا استخلف أبا الذكر فِي النظر فِي الأحكام، فنظر إلى أن مات. فلما مات محمد بن بدر وذلك لثلاث بقين من شعبان أمر الإخشيد أمير مصر أبا الذكر أن ينظر فِي الأحكام، فركب إِلَى مسجد محمود لالتماس هلال رمضان عَلَى العادة، وركب معه الشهود وأعيان البلد وغيرهم من الناس. فلم يكمل عشرة أيام حَتَّى جاء كتاب الحسين بن عيسى باستخلاف الحسن بن عبد الرحمن بن إسحاق الجوهري. وتأخرت وفاة أبي الذكر إِلَى يوم الفطر سنة أربعين وثلاثمائة فمات وصلى عَلَيْهِ أخوه مؤَمَّل بن يحيى الأسواني، وبلغ أبو الذكر خمساً وثمانين سنة.

стр. 429

محمد بن يوسف شمس الدين الرِّكْرَاكِيّ المالكي من المائة الثامنة ولد سنة ... تقريباً. وقدم من المغرب وَقَدْ رَاهَق أَوْ بَلَغ الحلم، فلازم الاشتغال عَلَى مشايخ عدة من أبناء العرب وأبناء العجم، ومَهرَ فِي المعقول، وقرأ الأَصْلَيْن والعربية، وَكَانَ غاية فِي الذكاء، وحصل من الفقه طرفاً جيداً، فأول مَا اشتهر أمره أن نازع البرهان الإخنائي فِي تدريس المنصورية وانتزعها منه بمساعدة الأمير الكبير أُلْجَاي، وهو يومئذ ناظر المارستان. وكان كثير الاستهتار بالكبار، والاستهزاء بالصغار، والازدراء بالجميع، فأغروا بِهِ، وتعصبوا عَلَيْهِ، وكتبوا فِيهِ محاضر ونسبوه إِلَى العمل بالسحر والنجوم، فطرح نفسه عَلَى أكمل الدين فحمله إِلَى الصدر التركماني فسمع الدعوى عَلَيْهِ وحَقَنَ دمه واستتابه، فأشار عَلَيْهِ أكمل الدين بالغيبة عن القاهرة فرحل إِلَى الشام فأقام هناك مدة حَتَّى مات الإِخنائي، وأكثر من كَانَ ساعده عَلَيْهِ. فقدم القاهرة، ثُمَّ ثار عَلَيْهِ بعض المالكية وأراد تجديد مَا ذكر عنه، فحماه بعض الأمراء فلم يزل حَتَّى ولاه بدر الدين الإِخنائِي تدريس الحجازية فدرس بِهَا، وتصدر بالجامع الأزهر، ثُمَّ شغر درس الفقه بالشيخونية فقرّرهُ فِيهِ الأكمل، ثُمَّ درس بالقمحية بمصر، واتصل بالملك الظاهر، فَرَاجَ عَلَيْهِ وقرره فِي أول سلطنته وأجلسه عنده يوم المحاكمات. ثُمَّ فسد الحال بينه وبين أكمل الدين إِلَى أن كَانَتْ كائنة برقوق وإخراجه إِلَى الكرك، فلما استقل منطاش بالتحدث فِي الدولة أمر بكتابة فتاوى وأخذ خطوط العلماء فِيهَا فيما يتعلق بالظاهر برقوق، فكتب أكثرهم وامتنع الركراكي، فأغرى أعداؤه منطاشاَ بِهِ فأهانه وأمر بضربه ثُمَّ قيد، فلم يثبت القيد فِي رجله فأعيد فِيهَا فانكسر فترك، فتحيروا فِي أمره، فمن قائل إن ذَلِكَ من جملة سحره، ومن قائل إن هَذَا صلاحاً، ومن قائل إن ذَلِكَ وقع اتفاقاً، وَقَدْ سئل الحداد الَّذِي ... .

стр. 430

محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العينتابي الحنفي. ذكر لي أنه ولد فِي نصف رمضان سنن اثنتين وستين وسبعمائة بحلب. قال: وَكَانَ أبي قَدْ ولي قضاء عين تاب فنسب إليها، ثُمَّ قدم القاهرة وأول شيء ولي بِهَا من الوظائف التصوف فِي الظاهرية لما فتحت، ثُمَّ الخدمة بِهَا، ثُمَّ أخرج منها. وتنقلت بِهِ الأحوال حَتَّى ولي الحبشية، ثُمَّ ولي نظر الأحباس، ثُمَّ أعيدت لَهُ الحسبة مضمومة إليها، ثُمَّ صرف. ثم أعيد فِي الدولة الأشرفية. وولي القضاء فِي سابع عشري ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة ثُمَّ صرف فِي أوائل صفر سنة ثلاث وثلاثين. ثم أعيد فِي رجب سنة خمس وثلاثين ثُمَّ صرف فِي أوائل سنة اثنتين وأربعين. وقد سمع من بعض شيوخنا كالشيخ زين الدين العراقي والشيخ تقي الدين الدجوي. وصنف شرح الطحاوي وأفرد رجاله، وشرح الكنز والمنار، وَلَهُ فِي العروض والتاريخ وغير ذَلِكَ. وكان قَدْ شرع فِي شرح عَلَى البخاري وكتب منه قطعة جيدة ثُمَّ كمل بعد ذَلِكَ، وَلَهُ تاريخ كبير لازم قراءته عند الملك الأشرف بَرْسَبَاي وحظي عنده.

стр. 431

محمود بن محمد بن عبد الله القَيْصَرِيّ جمال الدين ولد.. وقدم الديار المصرية فقطنها. وكان ماهراً فِي عدة فنون فِي العربية والمعاني والبيان وغير ذَلِكَ، وتكسب فِي ابتداء أمره بتعليم مماليك بعض الأمراء، ثُمَّ نزل فِي طلبة الصَّرْغتمشية فِي غاية الضَّنْك وخُشونة العيش، ثُمَّ لَمْ يزل يترقى حَتَّى ولي الحِسبة بعناية الأمير اللفاف وذلك فِي ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة بعد قتل الملك الأشرف. ثم صرف عنها لتغير الدول إذ ذَاكَ فِي سلطنة وَلَدَي الأشرف شعبان، ثُمَّ أعيد مراراً حَتَّى صحب الأمير بَرَكة واختص بِهِ وولاه نظر الأوقاف ونظر المارستان المنصوريّ، فلما قبض عَلَى بركة عُزل مِنْ جميع مَا بيده، وأمر برقوق أن ينادي لمن ظلمه فما ثبت عَلَيْهِ شيء وأقام فِي داره عاطلاً إِلَى أن سعى بعد مدة فِي الحسبة فأعيد إليها، ثُمَّ غضب عَلَيْهِ بكلام نقله عنه إلى قاضي القضاة صدر الدين ابن منصور، فأمر بأن ينفى إِلَى الشام، فخرج من القاهرة وأقام بتربة فِي الصحراء ليتجهز للسفر، فشفع فِيهِ الشيخ أكمل الدين فأمره أن يلازم داره، ثُمَّ أعيد إلى الحسبة ونظر الأوقاف، ثُمَّ ولي قضاء العسكر وقوي جاهه ثُمَّ ولي نظر الجيوش فِي أيامه تكلم منطاش وسافر صحبة العسكر. فلما غلب الظاهر برقوق قبض عَلَيْهِ ثُمَّ أطلقه، فقد القاهرة مدة ثُمَّ توصل بصهره المعلم شهاب الدين الطولوني فتزوج جمال الدين ابنته، وَكَانَ الملك الظاهر تزوج ابنته الأخرى. فسعى لَهُ إلى أن ولي القضاء فِي النصف من شعبان سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، ثُمَّ أعيد إِلَى نظر الجيش فباشر مباشرة حسنة. وَكَانَ رئيساً مفضالاً جواداًَ مسعود الحركات، وَلَمْ يزل عَلَى عظمته إِلَى أن مات فِي سابع ربيع الأول سنة تسع وتسعين وسبعمائة.

стр. 432

محمود بن محمد بن محمود النيسابوري المعروف بجار الله تقدم فِي الجيم. مسعود بن أحمد بن مسعود بن زَيْد الحارِثيّ نزيل القاهرة كَانَ أبوه تاجراً فقدم ... وسمع الكثير من النجيب عبد اللطيف، وعبد الله بن عَلاّق، وإسماعيل بن عبد القوى ابن عَزُّون وطبقتهم فِي القاهرة. ورحل إِلَى الشام فأكثر عن أحمد ابن أبي الخير، والرضى ابن البرهان، والجمال ابن الصيرفي، وشمس الدين ابن أبي عمر فِي آخرين. وتفقه لأحمد فمَهَرَ واشتهر، وصنف، وخرّج لجماعة، وروى العالي والنازل، ودرس بالصالحية والناصرية وغيرهما. ثم ولي القضاء فِي شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعمائة، فباشره مباشرة مرضية مع يقظة واحتياط، وَكَانَ مفرط العصبية لمذهبه فِي الأصول والفروع. فحكى الشيخ شمس الدين ابن القماح أنه قال لَهُ كل مَا يلزم من يقول بالجهة أقول بِهِ، ويقال إنه دخل إِلَى الكاملية ليجتمع بابن دقيق العيد فلما رآه قال دَاعِية وامتنع عن مكالمته. وقال الصَّفَدي فِي أعيان العصر: شرح " سنن أبي داود " شرحاً حافلاً لكن لَمْ يكمل. وشرح " المقنع " فِي مذهبه وأتى فِيهِ بفوائد ومباحث ونقول كثيرة وَلَمْ

стр. 433

يكمل أيضاً. وَكَانَ فصيح الإيراد حسن الحظ جدَّاً عذْب العبارة وافر الحرمة فاخر البزة. وجرت للطوفي معه كائنة مشهورة مذكورة فِي ترجمة الطوفي، وَكَانَ أولها أن الحارثي تكلم فيمن بلغ رتبة الاجتهاد فقسم المجتهد إِلَى ثلاثة أقسام، فقال لَهُ الطوفي: فسيدنا من أي الأقسام؟ فسكتَ فغضب ولد القاضي وثار عَلَى الطوفي. ثم جرت لَهُ معهم كائنة أخرى، وادعى عَلَيْهِ عند نائب الحكم بأنه رافضي فأنكر، فقامت عَلَيْهِ البينة فأمر بِهِ فضُرب وطوف بِهِ وسُجن ثُمَّ نفي إِلَى الشام، فتوجه من الطِّينَة إِلَى دمياط فأقام بِهَا مدة ثُمَّ توجه إِلَى قوص فأقام بِهَا مدة، ثُمَّ حج منها، ثُمَّ جاء إِلَى القدس. ثُمَّ صرف الحارثي عن القضاء بعد سنتين ونصف من ولايته واستقر تقي الدين أحمد بن عوض، واستمر مقبلاً عَلَى الإفادة حَتَّى كَانَتْ وفاته فِي رابع عشر ذي الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة. ودرس بالجامع الطولوني والصالحية وقَدَّمَ الفضلاء من أهل مذهبه عَلَى غيرهم. مُسَلَّم - بتشديد اللام - بن علي بن عبد الله أبو الفتح الرَّسْعَني يلقب ثقة الملك الإسماعيلي من المائة السادسة. ولي القضاء فِي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وصرف فِي ذي القعدة سنة ست عشرة. ولما ولي المأمون ابن البطائحي اتفق أن مات فِي ولايته عز الأمة محمود بن ظفر والي قوص فعمل عَزَاءه وبات فِي تربته ومعه أعيان الدولة، فحضرت صلاة الصبح فتقدم القاضي فأمّ الناس فحصل لَهُ زمع فَأُرْتِج عَلَيْهِ فِي قراءة الفاتحة فلحن، ثُمَّ قرأ (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) فوقف عند قوله: (نَاقَةَ الله) ساعة، ففتح عَلَيْهِ الوزير فلم يتيقظ ثم قرأنا وسقناها - بالنون بعد القاف - فأكمل المأمون الصلاة. ولما انفصل المجلس وكل الوزير بالقاضي من يحفّظه من القرآن مَا يصلى بِهِ، وصرفه عن القضاء وقرر لَهُ راتباً فِي كل شهر، وولي مكانه يوسف بن أيوب المغربي.

стр. 434

ومن سيرة مسلم المذكور أنه أراد التقرب من خاطر الأفضل وهو يومئذ سلطان مصر، فكتب إِلَيْهِ رقعة يقول إنه وجد فِي حاصل المواريث مالاً يبلغ مائة ألف دينار وَلَيْسَ لَهُ طالب من عدة سنين، ورَفْعُها إِلَى بيت المال أولى، وأراد بذلك التقرب إِلَى خاطره ليحظى عنده بذلك، فوقع فِيهَا: قلدناك قاضياً، وَلَمْ نجعلك ساعياً، ولا أرب لنا فيما لا نستحق قبضه، فاتركه عَلَى حاله حَتَّى يحضر مستحقه ولا تراجع فِي ذَلِكَ بعدها. وفي ولايته أمر الخليفة بتوريث ذوي الأرحام، وَفِي أيامه قرر لشهود التركات جامكيات عَلَى الأموال الحشرية وكانوا يأخذون من أموال الأيتام ربع العشر يتوزعونه بينهم فِي مقابل الجامكية، فوفر ذَلِكَ عَلَى الأيتام بأمر الأمير المذكور، وَكَانَتْ وفاة الرسعني المذكور بعد ذَلِكَ فِي سنة ... . مظفر بن ظافر أبو العز ... . المُفضَّل بن فَضَالة بن عُبيد بن فضالة بن مَزيد بن نَوْف بن النُّعمان بن مَسْروق الرُّعَيني القتباني يكنى أبا معاوية. جاء كتاب المهدي إِلَى موسى بن مُصْعَب بولايته وأجرى عَلَيْهِ ثلاثين ديناراً فِي كل شهر. قال أحمد بن يحيى بن وزير: حدثني أبو ثمامة بن المُفَضَّل بن فضالة عن أبيه قال:

стр. 435

سألت يَزيد بن أَبي حَبيب عن مسألة فِي الأحكام وأنا قَدْ ناهزت الاحتلام فضحك وقال تحبُّ أن تكون قاضياً؟ بلغك الله ذَلِكَ. وكانت ولاية المفضل القضاء فِي جمادى الآخرة سنة ثمان وستين. قال أبو الطاهر ابن السَّرْح: رأيت المُفضَّل بن فَضَالة وأنا صبي، رجل أبيض عَلَيْهِ وَفْرة جسيم كأنه من رجال المغرب يعتمّ بعمامة سوداء عَلَى قلنسوة طويلة. ويقال إن المفضل دعا الله أن يُذهب عنه الأمل فذهب فكاد أن يُخْتلَس عَقْلُه فدعا الله فرده عليه. روى عن يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن عَجْلان، وعَيَّاش بن عَبَّاس القِتْبَانِيّ، وولده عبد الله بن عَيّاش، ورَبيعة بن سَيْف، وعبد الله بن سُلَيْمان الطويل، وعُقيل، ويونُس، وهشام بن سَعْد، وابن جُرَيْج، فِي آخرين. وروى عنه ابنه، والوليد بن مسلم، وحَسَّان بن عبد الله الواسِطيّ، وأبو الأَسْوَد النَّضْر بن عبد الجَبَّار، وسعيد بن عيسى بن تَليد، وزكريا بن يحيى كاتب العُمَريّ، ويزيد بن خالد الرَّمْليّ، وقُتَيبة بن سعيد، ومحمد بن رُمْح، وغيرهم. قال ابن مَعِين: ثقة. وَفِي رواية: رجل صدق. وَكَانَ يُجَبِّر، وإذا جاءه رجل قد انكسرت يده أَوْ رجله جَبَّرها، وَكَانَ يصنع الأرحية. وقال أبو زُرعة: لا بأس بِهِ. وقال أبو حاتم وابن خِراش: صدوق. وقال ابن يونس: كَانَ من أهل الفضل والدين ثقة فِي الحديث، من أهل الورع. ذكره أحمد بن شُعَيْب يوماً وأنا حاضر، فأحسن الثناء عَلَيْهِ ووثَّقهُ. وقال: سمعت قتيبة يذكر عنه فضلاً. وقال الأجُريّ عن أبي داود: كَانَ مُجابَ الدعوة، وَلَمْ يحدث عنه ابن وهب لأنه قضى عَلَيْهِ بقضية. وقال عيسى بن حماد: كَانَ مجاب الدعوة طويل القيام مع ضعف بدنه. وقال أشهب بن عبد العزيز: لَمْ يكن فِي قضاتنا أقوم بأمر اليتامى من المفضل بن فضالة. قال أشهب وسمعته يقول غير مرة: وليّ اليتيم كأبيه.

стр. 436

وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكَم: أخبرني بعض مشايخنا أن رجلاً لقي المُفضّل بن فَضالة بعد أن عُزِل عنِ القضاءَ فقال لَهُ: حَسِيبُك الله قضيتَ عليَّ بالباطل وفعلتَ وفعلتَ فقال لَهُ المُفضَّل: لكنَّ الَّذِي قضينا لَهُ يُطيّب الثناءَ. وقال أبو زُرارة القِتْبَانِيّ: كَانَ المُفضَّل يجلس فِي مسجده يقضي بَيْنَ الناس فيمر بِهِ عبد الله بن عياش بن عَبّاس القِتْبَانِيّ فيقول: إذَا رأى اجتماع الناس عَلَيْهِ: أهذا الثور يُحسن القضاء!. ويضرب بإحدى يديه عَلَى الأخرى. وقال أحمد بن يحيى بن وزير: كَانَ المُفَضَّل أول من طوّل السِّجلاّت ونسخ فِيهَا كتب الأحباس والوصايا والديون. وقال يحيى بن بكير: كَانَ إسحاق بن معاذ بن مجاهد شاعراً، فخاصم إِلَى المُفضّل، وَكَانَ قَدْ هجا المُفضَّل، فأدخل يده إِلَى كُمّه ليخرج قصتهُ فأخرج الهجو فدفعه إِلَيْهِ وهو: خَفِ اللهَ واسْمَعْ مِنْ مَقَالِي مُفضَّل ... فإنَّكَ عن فَصْلِ الْقَضَاءِ سَتُسْألُ وَقَدْ قَالَ أقْوامٌ عَجِبْتُ لِقَوْلِهِمْ ... أَقَاضٍ لَهُ شَعْرٌ طَوِيلٌ مُرَجَّلُ فرمى المُفَضَّل بالرقعة وقال: قم لا حَيّاك الله. وكان إسحاق قَدْ مدح المفضل قبل ذَلِكَ بأبيات عَلَى هَذِهِ الروى ثُمَّ هجاه بهذه وهي طويلة يقول فِيهَا: أَفِي الْعدْلِ أن أقصى وأخرج متعباً ... وتدنى بلطف منك خصمي ويدخل وتقبل منه فِي مَغِيبي شُهُودُهُ ... وَبَيِّنَتِي ليست إذَا غَابَ تُقْبَلُ وقال يحيى بن عثمان عن صالح بن أبيه: لَمْ يكن يتبع القاضي فيما مضى غير كاتبه ومن يقوم بَيْنَ يديه فِي مجلس الحُكم حَتَّى كَانَ المفضّل فِي ولايته الثانية فإنه رسم أقواماً بالشهادة فكانوا عشرة رجال فرأى الناس أن قَدْ أتى أمراً عظيماً.

стр. 437

وقال فِيهِ إسحاق بن معاذ: سأدعو إلهي حَتَّى الصَّبَاح ... لِكَيْمَا يُعيدُك كَلْباً هَزِيلاَ سَننتَ لنا الجَوْرَ فِي حُكْمِنَا ... وَصَيَّرْتَ قَوْماً لُصُوصاً عُدُولاَ وَلَمْ يَسْمَعِ النَّاسُ فِيمَا مَضَى ... بِأنَّ العدول عديداً قليلاَ وقال سعيد بن عُفَيْر: جعل المفضل صاحب مسائل يبحث لَهُ عن أحوال الشهود وَكَانَ كاتبه فُلَيح بن سليمان الرُّعَيْني فيقال: إنه كَانَ يرتشي من أقوام ليذكرهم بالعدالة لكونه رسم لذلك قال: فشكى الناس من كاتب المفضل ومن أمرائه ومن ولده. وقال محمد بن رُمْح: كَانَ بيني وبين جار لي مشاجَرة فِي حائط فقالت لي أمّي: امضِ إِلَى القاضي المفضل بن فضالة ليأتي فينظر فِيهِ. فأخبرت المفضل فأتى العصر فدخل دارنا فنظر إلى الحائط ثُمَّ دخل إِلَى دار جارنا فنظر إِلَيْهِ فقال: الحائط لجاركم. وانصرف. وذكر أبو عُبَيد الله محمد بن الربيع الجيزي فِي كتابه أخبار قضاة مصر عن فضالة ابن المفضل بن فضالة عن أبيه قال: كتبت إِلَى مالك فِي حُبس عمير بن أبي مدرِك الخولاني أسأله عنه وكتبت لَهُ نسخته حرفاً بحرف، وكتبت لَهُ إن الذين طلبوا إثبات الحٌبس هم من ولد البنين الذين كانوا أجازوا قضاء أبيهم فِيهِ واحتجوا بأن خير بن نعيم كتب لهم بإجازة الحُبس للآخر فالآخر من ولد البنين وأن القضاة قبلي لَمْ يقضوا لنساء البنين ولا لغيرهم فِيهِ بميراث. واحتجّ مَن طلب أن يكون ميراثاً بأن جدهم لَمْ يصرفه بعد انقراضهم إِلَى شيء من وجوه الأحباس. فكتب إليَّ: قَدْ نظرت فِي حبس ابن أبي مدرك وفيما احتج من أراد رده ميراثاً، فوجدت فِي كتاب ابن أبي مدرك الَّذِي جاء بن بنوه وأقروا بِهِ وأنفذوه: أن كل دار هي لَهُ حبس عَلَى بنيه، وثلث فضل خراجها بعد مسكن بنيه. فِي سبيل الله. قال: والطاحونة مثل ذلك.

стр. 438

وقال الحارث بن مِسكِين: سمعت المفضل بن فضالة وَقَدْ سأله رجل عن وطء الزوجة فِي دُبُرها؟ فقال إن أصحاب هَذَا لَمْ يجدوا أصفق وجهاً منه فأرسلوه إِلَي! لَوْ كَانَ هَذَا حلالاً مَا كَانَ فِي ذكره فِي المسجد خير. وقال الحارث بن مسكين عن ابن القاسم سألت مالكاً عن النصراني الَّذِي ذكر النبي ﷺ بالشعر وَكَانَ ذكره النبي ﷺ أن قال: مِسكين محمد، يقول لكم: إنكم فِي الجنة. أهو الآن فِي الجنة؟ مسكين فماله لا ينفع نفسه إذ كَانَتْ الكلاب تأكل ساقيه لَوْ كَانَ أُحرق بالنار استراح منه. فقال: اكتبوا للقاضي يضرب عنقه. وَكَانَ القاضي إذ ذَاكَ المفضل بن فَضالة فاجتمع القاضي والأمير فقتل ذَلِكَ النصراني. قال أبو عمر: وتَحاكَمَ إِلَيْهِ أبو الكَرَوَّس وامرأته فخاطبه بأبيات يقول فِيهَا: وَقَدْ أخَذْتَ مَهْراً لما كَانَ عندها ... وهذي شُهُودِي حِمْيَرٌ والمعافرُ فقال لَهُ: يَا أبا الكَرَوَّس إن شهدوا لَكَ بالبراءة حكمنا لَكَ. وإن شهدوا عَلَيْكَ فعلينا الوفاء. وقد ذكره ابن سعد فِي الطبقة الخامسة من أهل مصر وقال: منكر الحديث. وَلَمْ يتابع ابن سعد عَلَى ذَلِكَ بل هو صدوق فِي الحديث كما قال أبو حاتم الرازي. وحديثه فِي الكتب كلها. ولم يزل المفضل قاضياً حَتَّى مات المهدي وولي الهادي فصرفه، وولي عبد الملك الحَزْميّ، وذلك فِي شوال تسع وستين ومائة، فكانت ولايته سنة وثلاثة أشهر، فقدم الحَزْميّ مصر فِي أول سنة سبعين، ثُمَّ صرف الحزمي فِي جمادى الأولى سنة أربع وسبعين ومائة وأعيد المفضل إِلَى القضاء وذلك فِي شهر

стр. 439

رجب منها فِي إمرة داود ابن يزيد بن حاتم المهلبي بكتاب الرشيد إِلَى داود. ولم يزل المفضل عَلَى ولايته إِلَى أن صرف فِي صفر سنة سبع وسبعين فكانت ولايته الثانية ثلاث سنين إِلاَّ شهرين. وتأخرت وفاته بعد ذَلِكَ إِلَى النصف من شوال سنة إحدى وثمانين وصلى عَلَيْهِ أمير مصر إسماعيل بن صالح بن علي. وقبره من المشاهد الَّتِي تذكر بالقرافة. ومات فضالة والده سنة اثنتين وعشرين ومائة. ولولده فَضَالة ولد يقال لَهُ المفضَّل بن فضالة ذكره ابن يونس فقال: روى عن أبيه عن جَده. روى عنه أهل مصر، مات فِي رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين. ومات فضالة والده سنة ست وعشرين ومائتين. وأفاد القضاعي فِي الخطط أن القبر الَّذِي يزوره يوم السبت ويسمّون الَّذِي فِيهِ المفضّل بن فضالة هو قبر المفضّل بن فضالة بن المفضّل حفيد القاضي. وكثير من الناس يظنه القاضي وليس كذلك. قلت: والناس فِي عصرنا لا يقولون المفضَّل بل يسمونه فضل بن فضالة بغير ميم فِي أوله. وكذا ذكره ابن يونس فِي حرف الفاء: فضل بن فضالة بن مفضَّل بن فضالة. وقال يحيى بن بكير: ولد سنة مائة ومات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة. وجزم ابن يونس بأنه مات سنة إحدى وكذا قال البخاري فِي شوال. المفضل بن كامل هو: هبة الله بن عبد الله بن كامل بن عبد الكريم. يأتي فِي حرف الهاء: موهوب بن عمر بن موهوب الجزَري أبو منصور شافعي من المائة السادسة. ولد فِي نصف جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة، وَكَانَ يقال لَهُ ابن الطيب، نشأ ببلاده، وتفقه عَلَى أبي القاسم عبد القاهر بن مهران ابن البزري،

стр. 440

واشتغل بعدة علوم، وولي قضاء الجزيرة، وقدم القاهرة فناب عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام. فلما أمسك عن الحكم أذن السلطان الصالح نجم الدين أيوب لنوابه بالاستمرار فِي الحكم منهم موهوب بمصر، وذلك فِي ذي القعدة سنة أربعين. وكان موسعاً عَلَيْهِ فِي الدنيا، ومع ذَلِكَ يقتصد فِي ملبسه ونفقته، ويديم الاشتغال والإشغال ويقرئ النحو والتفسير والكلام. ثم صرف فِي ذي الحجة سنة إحدى وأربعين بالجونجي وغيره، إِلَى أن أعيد فِي جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين، فباشره قليلاً ثُمَّ صرف فِي ذي القعدة منها. وتأخرت وفاته إِلَى شهر رجب سنة خمس وستين وستمائة، فمات فجأة بالمعشوق من مصر، وَكَانَ يأكل بسِيسة فشرق بلقمة منها فكانت فِيهَا مَنِيّته. والمعشوق المذكور كَانَ هناك ولعله المعروف بالمشتهي، وأما البستان المعروف بالمعشوق بالقرب من بركة الحبش فهو إنشاء الصاحب تاج الدين ابن حنا. وهو بعد هَذَا بمدة. أبو منصور، كَانَ ينظر بَيْنَ الخصوم منذ قُتِل مالك بن سعيد إِلَى أن ولي أبو العباس ابن أبي العَوَّام هو ويعقوب بن إسحاق أكثر من مائة يوم.

стр. 441

حرف النون نجم بن جعفر سراج الدين أبو الثريا الإسماعيلي مذهباً. ولاه الحافظ العبيدي قاضي القضاة وداعي الدعاة بعد أبي الفخر صالح بن عبد الله بن رجاء فِي يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وخمسمائة. فلم يزل عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قبض عَلَيْهِ حسن ابن الحافظ لما تغلب عَلَى الأمر، وحَجَر عَلَى أبيه. ثُمَّ قتل القاضي فِي ثامن شوال سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. وقتل معه الشريف معتمد الدولة عَلَى بن جعفر ناظر الدواوين. وعلي بن السعيد بن زنبور وغيرهما - وقرر بعده ابن ميسر. قال ابن دانيال فِي أرجوزته: ثُمَّ وليه ولد الميسر ... أعني سناء الملك رب المفخر ثُمَّ أبو الفخر ونجل جعفراً ... ثُمَّ محمد ولي بلا مرا وبعد هَذَا ولد الرعيني ... ثُمَّ سنا الملك بغير مين وأبو الفخر هو صالح المتقدم، ونجل جعفر هو نجم هَذَا. ومقتضاه أن سناء الملك ولي ثُمَّ صرف، فولي بعده اثنان، ثُمَّ أعيد وهو المراد بقوله: ثُمَّ محمد. ثُمَّ صرف بالرعيني ثُمَّ أعيد وهو سنا الملك المذكور. والمراد ولد الرعيني، حسن بن قاسم بن طاهر الرعيني، وَقَدْ تقدم في الحاء المهملة. نصر بن يونس بن عطية بن أوس بن عَرْفج بن ضَمار بن مَرْثَد بن أمامة بن رحب الحضرمي. يقال إنه ولي مكان أبيه لما حصل لَهُ المرض مستهل سنة ست وثمانين، فأقام إِلَى أن مات أبوه بعد شهرين، فولي عبد الرحمن بن معاوية، ويقال إن المَولَّى تِلْكَ المدة أوس بن عبد الله بن عطية ابن عم المذكور.

стр. 442

نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن هاشم بن إسماعيل بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد الكناني العسقلاني ناصر الدين أبو الفتح. ولد سنة ثمان عشرة وسبعمائة، واشتغل بالفقه، وسمع الحديث بنابلس من عبد الله بن محمد بن يوسف بن نعمة، وبدمشق من أحمد الجزري، وبمصر من حسن الإربلي، والدُّلاصي وغيرهما. وصاهر موفق الدين - يعني عَلَى ابنته زينب - وناب عنه، ثُمَّ استقل بعد وفاته يوم مات فِي سابع عشري المحرم سنة تسع وستين وسبعمائة. وكان ديناً عفيفاً مصوناً، صارماً، مهيباً، محباً في الطاعة والعبادة. حدّث ودرس وأفاد. وَكَانَتْ وفاته فِي شعبان سنة خمس وتسعين وسبعمائة. فولي بعده ولده إبراهيم. نصر الله بن عبد الله بن كامل.... . النضر..... النعمان بن الحسن بن علي بن يوسف الحِطِّينيّ معز الدين الحنفي من المائة السابعة. كَانَ عارفاً بمذهبه خيراً، ناب عن صدر الدين ابن العِز، ثُمَّ ولي قضاء العسكر. ودرس بالصالحية فِي المحرم سنة ثلاث وثمانين وستمائة بعد العِز المارديني ثُمَّ ولي

стр. 443

القضاء استقلالاً فِي شعبان سنة سبع وسبعين وستمائة، وصرف فِي جمادى الأولى سنة ثمان هو وابن شكر المالكي، وابن رزين الشافعي، ثُمَّ أعيدوا فِي رمضان سنة تسع إِلَى أن مات، وَكَانَتْ وفاته فِي سابع عشر شعبان سنة اثنتين وتسعين وستمائة، فولي بعده شمس الدين أحمد السروجي. النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حَيّون الإِسماعيلي المغربي يكنى أبا حنيفة تقدم نسبه فِي ترجمة ولده علي. وكان قدومه صُحبة المعِز من المغرب وهو يتولّى القضاء فِي عسكر المعز، فأقر المُعِزّ أبا الطاهر عَلَى حاله، وأول مَا فوض للنعمان الحكم فِي الضيعة الَّتِي كَانَ محمد بن علي الماذرائي حبسها ثُمَّ باعها فِي المصادرة فاشتراها منه عمر بن الحسن العباسي ثُمَّ باعها أولاده فاشتراها فرح التحكيمي، فأثبت أحمد بن إبراهيم بن حماد تحبيسها، ثُمَّ اتصل بالخصِيبيّ فحكم بأنها حُبسٌ، ثُمَّ اتصل ذَلِكَ بأبي الطاهر فأمضى ذَلِكَ، فتظلم فرح التحكيمي، إلى المعز فأمر النعمان بن محمد

стр. 444

أن ينظر فِي أمرها، فاتصل بِهِ إشهاد أبي الطاهر بجميع مَا فِي كتاب التحبيس فشهِد عنده الحسين بن كهمش، وعبد العزيز بن أعين عَلَى إشهاد أبي الطاهر بما ذُكِر، فعاجلت النعمان المنية قبل إكمال القضية فكانت وفاته فِي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة. وكان يسكن مصر ويغدو منها إِلَى القاهرة فِي كل يوم، واستمر أبو الطاهر عَلَى حاله ولكن أضاف إِلَيْهِ المعز، علي بن النعمان، فكان يحكم بالجامع العتيق أيضاً، ثُمَّ بعد موت المعز وتولى العزيز، رَدَّ أمر دار الضرب والجامع لعلي بن النعمان بن محمد، فحضر الجامع وحضر أبو الطاهر فِي مجلسه عَلَى العادة وحكم، وحضر معه جمع كثير من الشهود والفقهاء والتجار وأعلنوا بالدعاء لأبي الطاهر. فأحضر متولي الشرطة الذين أعلنوا بالدعاء لأبي الطاهر فسجنهم، فشفع فيهم علي بن النعمان فأطلقوا، وواصل أبو الطاهر الجلوس بالجامع، وَلَمْ يزل أمره مستقيماً إِلَى أن حصلت لَهُ رطوبة عطلت شِقَّه فعجز عن الحركة إِلاَّ محمولاً. فركب العزيز يوماً فِي مستهل صفر سنة ستين وثلاثمائة فتلقاه أبو الطاهر وهو محمول عند باب الضيافة، فسأله أن يأذن لَهُ فِي استخلاف ولده أبي العلاء ابن أبي الطاهر نيابة عنه بسبب مَا بِهِ من الضعف فقال العزيز: مَا بقي إِلاَّ أن يقدّدوه. ثم فِي ثالث يوم صَرف أبا الطاهر، وقلَّد علي بن النعمان كما سبق فِي ترجمته. نِعْمة بن بَشِير بن أحمد أبو الفضل النابلسي المعروف بابن الجَليس إسماعيلي من المائة الخامسة ولي فِي سنة خمس وتسعين وأربعمائة بتعيين الأفضل أمير الجيوش، إلى أن مات في سنة ثلاث عشرة وخمسمائة فاستقر بعده مُسَلَّم بن علي الرسْعَني. نعيم هو - خير بن نعيم. إِلاَّ أن جماعة وابن دانيال فِي منظومتهما سمياه نعيماً. وَقَدْ تقدم فِي الخاء المعجمة.

стр. 445

حرف الهاء هارون بن إبراهيم بن حماد بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي نزيل بغداد، يكنى أبا بكر، مالكي من المائة الرابعة، ولد سنة ثمان وسبعين ومائتين. وسمع من العباس بن محمد الدوري، وعم أبيه إسماعيل بن إسحاق، وإبراهيم الحربي. وغيرهم. وتولى القضاء ببغداد، وأضيف إِلَيْهِ القضاء فِي مدن كثيرة، منها قضاء مصر من قِبل المقتدر بعد صرف أبي يحيى عبد الله بن إبراهيم بن مُكرَم، فاستخلف أولاً عبد الرحمن بن إسحاق الجوهري، ثُمَّ عزله واستخلف أخاه أحمد، وَكَانَ ذَلِكَ فِي حياة والدهما. وهو من بيت قضاء ورياسة. وكان لين الجانب، جميل الطريقة، حسن المذهب والسمت، وافر الحُرْمة، مشكور السيرة، عارفاً بالأحكام. ولمَّا عُزل هارون من القضاء انعزل أخوه بعزله، وذلك فِي سنة ست عشرة وثلاثمائة. روى عن هارون جماعة منهم: أبو القاسم الطبراني. ومات فجأة فِي جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ومات أبوه قبله بخمس سنين فِي سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. هارون بن عبد الله بن محمد بن كَثِير بن مَعْن بن عبد الرحمن بن عَوْف

стр. 446

القرشي الزُّهْرِيّ يكنى أبا يحيى وقيل أبو عمرو. مالكي من المائة الثالثة وأصله من المدينة. وأمه من رهط أبيه وهي: سَهْلَة بنت مَعْن بن محمد بن كثير بن معن بن عبد الرحمن بن عوف. قال الشيخ أبو إسحاق فِي الطبقات فِي أصحاب مالك: ومنهم هارون بن عبد الله. أخذ عن أبي مصعب الزهري والهديري وغيرهما، وَكَانَ أعلم من صنّف الكتب فِي مختلف قول مالك. وذكره ابن سفيان فِي أصحاب مالك. وذكره عياض فِي المدارك وقال: ذكره ابن سفيان فيمن روى عن مالك، وأسند لَهُ أحاديث وحكاية تشهد بسماعه من مالك. وَكَانَ فقيهاً عَلَى قول مالك، وسمع من ابن وهب وابن أبي حازم، وعبد الملك بن الماجشون، والمغيرة المخزومي، والواقدي وغيرهم. روى عنه يحيى بن عمرو، ويونس بن عبد الأعلى، وهارون بن سعيد الأيْلَى، وآخرون. قلت: وأخرج لَهُ الخطيب فِي الرواة عن مالك من طريق أبي الفتح الأزدي، حدثنا محمد بن احمد بن الهَيثم، حدثنا الوليد بن مسافر، حدثنا هارون بن عبد الله القاضي، حدثنا مالك، عن حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (مَا بَيْنَ قبري ومِنْبري رَوضة من رِياضِ الجنة) تابعه إسماعيل بن أبي أويس ورواه غيره عن مالك فقال فِيهِ عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخُدْرِيّ كذا فِي الموطأ. وذكره الدارقطني فِي الغرائب، والإِسماعيلي فِي المستخرج، وابن عبد البر فِي التمهيد. وأخرجه البخاري من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن مالك فلم يذكر أبا سعيد.

стр. 447

ولم أَرَ فِي شيء من طُرقه عن مالك لفظ " قبري " إِلاَّ من رواية هارون هَذَا. والكل قالوا: " بيتي ". وقال الزُّبير بن بكّار: كَانَ هارون من كبار الفقهاء، وَكَانَ يقوم بنصرة قول أهل المدينة، سمعتُ منه بمكة وَكَانَ سكنها. وَلَهُ رواية عن مالك. وقال لي ابن عبد الحَكَم: لقيته وَكَانَ من أهل الأدب الواسع. وقال الحميدي: كَانَ محموداً فِي قضائه عفيفاً، وأول شيء وليه قضاء المصيصة ولاّه المأمون، ثُمَّ ولاّه الرّقة ثُمَّ ولاّه قضاء عسكر المهدي ثُمَّ ولاّه قضاء مصر وشَافَهه بذلك. فأول مَا دخلها كَانَ فِي النصف من رمضان سنة سبع عشرة ومائتين. قال يحيى بن عثمان: قدم فجلس فِي المسجد الجامع وَكَانَ فِي الشتاء فجلس فِي مقدَّم المسجد وأسندَ ظهره إِلَى القبلة بجدار المسجد ومنع المصلين أن يقربوا منه، وباعد كتّابه والخصوم، فكان أول من فعل ذَلِكَ، وَكَانَ يجلس فِي الصيف فِي صحن المسجد ويسند ظهره للحائط الغربي. وقال يحيى بن عثمان: لما قدم هارون لَمْ يبقَ شيء من أمور القضاء حَتَّى باشره بنفسه وحضره، وَلَمْ يبق حُبْس يتولاه القاضي حَتَّى وقف عَلَيْهِ وعرف وجوه متحصله وغلته وأحاط عِلماً بأموال اليتامى وحاسَب عَلَيْهَا بنفسه. وضرب رجلاً كَانَ فِي حِجره يتيم فرأى فِي أمر اليتيم بعض الخلل فضربه وطوّف بِهِ وحمل أموال الغائبين ومَن لا وارث لَهُ إِلَى بيت المال. وكان صليباً فِي الأحكام، قوي النفس، وَكَانَتْ العادة الجارية أن للخليفة فِي كل

стр. 448

بلد صاحب خير يكتب بجميع مَا يقع إِلَى الخليفة مع البريد شيئاً فشيئاً، فبينا هارون فِي مجلسه إذ جلس معه رجل فقال لَهُ: مَا حاجتك؟ قال: إن زكريَّاء بن سعد صاحب البريد أمرني أن أجلس معك. فقال: هَذَا مجلس أمير المؤمنين لا يجلس فِيهِ أحد إِلاَّ بإذنه! فركب زكرياء إِلَى أمير مصر فذكر لَهُ ذَلِكَ فحضر هارون فِي الحال، فوجد عند الأمير إسحاق بن إبراهيم بن تميم وأحمد بن محمد بن أسباط. فقال أحمد لهارون: أشهد عَلَيْكَ بما قلت. فقال: من يكون هَذَا؟ فقال لَهُ كاتبه: هَذَا أحمد بن محمد بن أسباط. فقال له هارون: لعلك يا كلب تتكلم. والله لقد هممت أن لا أقوم من مجلسي هَذَا حَتَّى يُضرب ظهرك لِما صحّ عندي من سوء سيرتك. فقال الأمير لأحمد - وخشي عَلَيْهِ من زيادة هارون -: انصرف من هنا. وكتبوا إِلَى المأمون بالقصة فجاء - جوابه: إن أحبّ هارون أن يجلس معه أحد وإلاّ فَلاَ. فقال هارون لما بلغه ذَلِكَ: أما إِذْ رَدَّ إليّ أمير المؤمنين الأمر فليجلس من شاء. قال أبو عمر الكندي: وَلَمْ يزل أمر هارون مستقيماً حَتَّى وقعت المحنة، فكتب أبو إسحاق - وأمْرُ مصر يومئذ إِلَيْهِ -: مِن أبي إسحاق ابن أمير المؤمنين الرشيد أخي أمير المؤمنين إِلَى نصر بن عبد الله، فذكر الكتاب وفيه أن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إِلَى قضاة عمَلي بامتحان الشهود. فمن أقرّ منهم بأن القرآن مخلوق استمر، ومن أبَى ذَلِكَ اعتزل عن الحكم. وأن يمنع أهل الحديث والفقه من الجلوس للناس إِلاَّ من انتحل منهم هَذِهِ النِّحلة. فذكر بقية الكتاب وهو مؤرخ بعشر بقين من جمادى الآخرة سنة ثماني عشرة ومائتين، فأحضر الأمير يومئذ وهو نصر بن عبد الله المعروف بكَيْدَر مولى أمير المؤمنين القاضي هارون بن عبد الله وامتحنه بما فِي الكتاب، فأجابه إِلَى ذَلِكَ، وَوَافَقَه عَلَيْهِ وتابعَه عامة الشهود وأكثر الفقهاء إِلاَّ من هرب منهم ومن أهل الحديث. واستمر هارون يمتحن مَن يشهد عنده، فإن أقرّ بذلك قَبِله، وإن امتنع وقفت شهادته. قال أبو عمر الكندي: حدثني محمد بن محمد بن أبي الحديد، حدثني عنه عُتبة

стр. 449

بن بَسْطام، قال: كَانَ هارون بن عبد الله إذَا شهد عنده شاهدان سألهما عقب الشهادة عن القرآن. فإن أقرّا أنه مخلوق قَبِلَهما، وإلاّ فلا. ثم استشعر أحمد بن أبي دُوَاد مِن هارون بعض التصبر فِي ذَلِكَ، ففوض أمر المحنة إِلَى محمد بن أبي الليث، وذلك قبل أن يلي القضاء، فشدَّدَ فِي ذَلِكَ بحيث أمر بحمل البُوَيطيّ ونُعَيْم بن حمَّاد وغيرهما إِلَى العراق. قال محمد بن الربيع الجِيزيّ: وَكَانَ أبي يقول: سمعت هارون بن عبد الله يحمد الله عَلَى المعافاة من الدخول فِي المحنة. ثم حَمِد أحمدُ بنُ أبي دُوَاد قيامَ محمد بن أبي الليث، فصرف هارون عن القضاء وأضافه إِلَى ابن أبي الليث فكان منه مَا تقدم فِي ترجمته. ويقال إنه رفع إِلَى ابن أبي دُوَاد قوله: اللهم لَكَ الحمدُ عَلَى مُعَافاتي مما بَلَوْتَ بِهِ غَيري فصرَفه. وصرف هارون فِي صفر سنة ست وعشرين ومائتين فكانت ولايته ثمان سنين وستة أشهر. وذكره ابن يونس فِي الغرباء فقال بعد أن نسبه: قدم مصر عَلَى القضاء سنة سبع عشرة، ثُمَّ صرف فخرج إِلَى العراق فأقام بسُرّ مَن رَأى حَتَّى مات يوم السبت لإِحدى عشرة ليلة بقين من شعبان سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وَقَدْ كتب عنه بمصر. قال أبو عمر الكندي: كَانَ ورود كتاب المعتصم إِلَيْهِ بأمره بالتوقف عن الحكم لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ست وعشرين فوليها زيادة عَلَى ثمان سنين. وعاش بعدها زيادة عَلَى ثمان سنين. ومما أورده لَهُ محمد بن خلف القاضي المعروف بوكيع من الشعر أشياء حسنة منها فِي الغَزَل والفخر العام: مَاذَا على الحي يوم البَيْن لَوْ رَجَعُواوَوَاصَلُوا مِنْ حِبَالِ البَيْن مَا قَطَعُوا

стр. 450

مَن لم ينالُوا فِي الديار ولو ... نالوه لَمْ يصنعوا من ذَاكَ مَا صَنَعوا لما رأيت حمول الحي باكرة ... يَحثها جذل بالبَيْن مُنْدَفع ناديتُ ليلى ولا ليلى تودعني ... منها السلام فكاد القلب يَنْصَدع يَا ليل أهلك أحموني زيارتكم ... والدار واحدة والشَّمل مُجتمعُ فالآن مر عَلَى العيش بعدكم ... فلستُ بالعيش بعد اليوم أنتفع هل الزمان الَّذِي قَدْ مرّ مُرْتجع ... أم هل يرد عَلَى ذي العلة الجزع قالت سليمى عَلاَك الشيب من كبر ... والشيب أهون مَا لَمْ يأتك الصَّلَع يَا سلم إني وإن شيب يفزعني ... رحب اليدين بما حملت مضطلع ولن أرى بطراً يوماً لمفرحة ... وَلَمْ أرى لصروف الدهر أختشع قَدْ جربتني صروف الدهر فاعترفت ... صلب القناة صَبوراً كيفما يقع فرد الخلائق لا يقتادني طَمع ... إن اللئيم الَّذِي يقتاده الطمع هَذَا وخائن قوم ظل يشتمني ... كالكلب ينبح حيناً ثُمَّ يَنْقَمع تركته معرضاً لي واستهنتُ بِهِ ... إذ لَمْ يكن فِيهِ لي رِيّ ولا شبع لا واضعاً غضبي فِي غير موضعه ... ولا انتصاري إِذَا مَا نالني الفزع ولا ألين لقوم خاضعاً لهم ... ولا أكافئهم بالشر إن جمعوا حلما بحلم وجهلا إن هم جهلوا ... إني كذلك مَا آتي وَمَا أَدَعُ ومنها فِي الحكم: أمسَى مَشيبك فِي المفَارق شائعاً ... ورددت من عهد الشباب وَدَائعا وتركتَ وصل الغانيات وطالما ... غابتَ فيهن العواذل طائعا ولقد لبست من الشباب غضارة ... ونضارة لو كَانَ ذَلِكَ راجعا أزمان تصغي للصبا وحديثه ... سمعاً يميل إِلَى الغواية سامعا فَدَع الغواية بالشباب وذكره ... كم موضع فِي الغي أصبح نازعا

стр. 451

لا تعطِ نفسك مَا تريد ولا تكن ... فيما يضرك إن دعيت مُسَارعا لا تَمْسَ عبداً للمطامع ولتكن ... للفضل متبوعاً ولا تَكُ تابعا كُن للعشيرة فِي الأمور إِذَا عَدت ... كهفاً وعنها فِي الخُطُوب مُدَافِعا لا تَحسدن نبيهها واخضع لَهُ ... حَتَّى تَلين بِهِ وتصبح خاضعا سهِّل لَهُ فيما يريد طريقه ... حَتَّى يكون برفعه لَكَ رافعا فمتى ينل حظاً يكن لَكَ حظه ... وتكون فِيهِ مفارقاً ومجامعا وإذا نشا لَكَ ناشئ فانهض لَهُ ... وامنعه من ضَيْم يكن لَكَ مانعا دَارِ العداوة من عدوك بالتقى ... واحذر عدوك دانياً أَوْ شاسعا أكثر صديقك مَا استطعتَ فما بِهِ ... ضر إِذَا مَا لَمْ يكن لَكَ نافعا حافِظ عَلَيْهِ واتخذه عُدة ... سيفاً إِذَا لقي الكرِيهة قاطعا وإذا دَعَاك إِلَى الرجوع مُجاملاً ... فارجع لَهُ وليلف سربك واسعا إِلاَّ الحسود فإن تِلْكَ عداوة ... تبدي الرضا وتكون سماً ناقعا واصبر عَلَيْهِ فليس فِيهِ حيلة ... ولتطلعن طوالعاً وطوالعا ومنها: أيام معروفك مَا لَمْ تعن ... بالصبر أحوالٌ وأَحوالُ فاصبر لَهَا واصبر لمكروهها ... فللذي يدبر إقبال ورب أمر مرتج بابه ... عَلَيْهِ أن يفتح أقْفَال ضاق بذي الحيلة فِي فتحه ... حينئذ والمرء مُحتال حَتَّى تلقته مفاتيحه ... من حَيْثُ لَمْ يخطر بِهِ البال والرزق فاطلبه عَلَى أنه ... آت لَهُ وقت وآجال وَلَيْسَ يبطئ عنك فِي مقته ... ولا لَهُ عن ذَاكَ إِعْجَال فلا تقم عبداً عَلَى مطمع ... فربما أَخْنَى بك الحال

стр. 452

والفَقْرُ خَير من غِنى يَا فتى ... يكون فِيهِ لَكَ إِذْلال والمال للمُكثر شَين إِذَا ... لَمْ يَكُ منه فِيهِ إِفْضال والحر حُر حَيْثُ أمسى ولا ... يمنعه من ذَاكَ إقلال وأنشد لَهُ الزبير بن بكّار يتشوق إِلَى المدينة المنورة: هل الشوق إِلاَّ أن يحن غريب ... وأن يستطيل العهد وهو قريبُ أرى الشوق يدنيني إِلَى من أوده ... وللشوق داع مسمع ومجيب سقى الله أكناف المدينة إنه ... يحل بِهَا شخص إليَّ حبيب وإني وإن شَطت بي الدار عنهم ... إِلَيْهِم لمشتاق الفؤاد طروب وقائلة مَا بال جسمك شاحباً ... وأهون ما بي أن يكون شحوب فقلت لَهَا فِي الصدر مني حرارة ... تقطع أنفاسي لَهَا وتذوب إِذَا مَا تذكرت الحجاز وأهله ... فللعين من فيض الدموع غروب قال يونس بن عبد الأعلى: مَا ولينا قاضٍ مثل هارون بن عبد الله، مَا استفاد عندنا إِلاَّ داراً، فلما انصرف باعها وتحمل بثمنها. وَكَانَ هارون أديباً فذكر عَلْقَمة بن يحيى عن هارون، قال: أنشدت عبد الملك بن عبد العزيز الماجِشون: ولما رأيتُ البَيْنَ منها فجاءةً ... وأهون للمكروه أن يتوقّعَا وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أن يُودِّع ظاعِنٌ ... مُقِيماً ويذرى عبرة إن تودَّعَا نظرت إليها نظرة فرأيتها ... وَقَدْ أبرزت من جانب الخِدْر إِصْبَعا قال: لمن هَذِهِ؟ قلت: قالها رجل من قريش. فقال: أحسن والله. فقلت لَهُ: أنا والله قُلتها فِي طريق سرتها إِلَيْكَ. قال: قد والله عرفت الضعف فِيهَا حين أنشدتها. وقال القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي فِي فوائده: حدثنا أحمد بن عبد

стр. 453

الله بن أحمد الدوري، أنبأنا القاضي أبو بكر أحمد بن إسحاق بن إبراهيم الملحمي، حدثني أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي بمصر، حدثنا هارون بن عبد الله الزهري - قاضي مصر سنة ست وعشرين ومائتين - بعد أن صُرف عن الحكم قال: رفع الواقدي قصة إِلَى المأمون يذكر فِيهَا غَلَبة الدَّين. فذكر القصة المشهورة وفيها. قال المأمون: وأنت حدثتني عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس، أن النبي ﷺ قال للزبير: (يَا زُبَيْر، إن باب الرزق مفتوح بباب العرش، ينزل الله عَلَى العباد أرزاقهم عَلَى قَدْر نَفَقَاتهم، فمن كثَّر كُثِّر لَهُ، ومن قَلَّلَ قُلِّلَ لَهُ. وأخرجها أبو القاسم ابن عساكر فِي ترجمة الواقدي، عن أبي القاسم النسيب، قال: حدثنا أبو بكر الخطيب، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن دُوسْت البزاز، حدثنا علي بن محمد المصري، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي، حدثنا هارون بن عبد الله الزهري - الذي كَانَ قاضي مصر - قال: كتب الواقدي رقعة إِلَى المأمون يذكر فِيهَا غلبة الدَّين وغَمّه بذلك، فوقّع المأمون عَلَى ظهرها: فيك خلتان: السخاء والحياء. فأما السخاء فهو الَّذِي أطلق مَا ملكت. وأما الحياء فهو الَّذِي منعك من إبلاغنا مَا أنت عَلَيْهِ، وَقَدْ أمرنا لَكَ بكذا وكذا؛ فإن كُنا أصبنا إرادتك فِي بَسْط يدك فإن خزائن الله مفتوحة. وأنت كنت حدثتني وأنت عَلَى قضاء الرشيد فذكر الحديث. لكن لفظه أن رسول الله ﷺ قال للزبير: (يَا زبير إن باب الرزق مفتوح بباب العرش ينزل الله إِلَى العبادة أرزاقهم) والباقي مثله. وَفِي آخره قال الواقدي: وكنت قَدْ أنسيت الحديث، فكان تذكرته إياي أحب إليّ من جائزته. قال هارون القاضي الزهري: بلغني أن الجائزة كَانَتْ مائة ألف، فكان الحديث أحب إليّ من مائة ألف. هاشم بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي

стр. 454

بكر الصديق أبو بكر البكري المدني الأصل، من أهل الكوفة، وَكَانَ يذهب إِلَى قول أبي حنيفة من المائة الثانية. قال أبو عُمر وَابن يونس: تولى من قبل الأمين محمد بن هارون الرشيد فِي جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين بعد صرف العمري. قال الطحاوي عن يحيى بن عثمان: أن البكري كَانَ يقول: دخلتُ مصر وأنا مُقِلّ فزرعتُ زرعاً فَلحِقَته آفة فانكسر عليَّ خَراجه، فطولبت بذلك، وشدّد عليَّ فِيهِ، وَكَانَ كاتب الخراج يعرف بمقارّة، فقال لما عرفوه بيتي: يَا سبحان الله! ابن صاحب نبيكم والذي قام بعده يُطالَب بمثل هَذِهِ المطالبة، مَا كَانَ عَلَيْهِ فهو عليّ وهو لَهُ عليَّ فِي كل سنة. فكان البكري بعد ذَلِكَ لما ولي القضاء يقرب الكاتب المذكور ويقرب الكاتب المذكور ويقرب إدريس بن يحيى الخولاني لزهده. وكان السبب فِي ولايته أن القاضي قبله وهو عبد الرحمن بن عبد الله العمري لما أثبت نَسب أهل الحرس وألحقهم بالعرب، وَفَّدَ أهل مصر - ومعهم أبو رَحْب العلاء بن عاصم الخولاني وهاشم بن حُدَيْج - وَفْداً إِلَى العراق بما فعل العمري بأهل الحرس وأنه ألحقهم بالعرب ونسَبَهم إِلَى حَوْتَكة بن أسلم بن الحاف بن قُضاعة. فكتب محمد الأمين إِلَى البكري بولاية القضاء؛ وأن يمنع مَن ينتمي إِلَى العرب وأن يرد أهل الحرس إِلَى مَا كانوا عَلَيْهِ من أنسابهم. فرجع البريد بذلك. فدعا البَكريّ أهل الحرَس فطلب منهم قضِيَّة العمري فأحضروها لَهُ ظناً منهم بأنه يطلب منهم زيادة من الشهود. فلما مَلكها فِي يده أخرج مقْرَاضاً من تَحْتَ مُصلاّة فقطع القضيّة وقال لهم: العرب لا تحتاج إِلَى كتاب من قاضٍ، إن كنتم عَرَباً فليس ينازعكم أحد. فقال فِي ذَلِكَ مُعَلَّى الطائيّ. يَا بَنِي البَظْرَاءِ مُوتُوا كَمَداً ... واسْخَنُوا عَيْناً بِتَخْريقِ السِّجلْ في أبيات.

стр. 455

وقال يحيى بن بُكَير: أمر البَكريّ بإقامة البيِّنة عنده عَلَى بطلان دعوى أهل الحرس فحضر من أهل مصر عنده: ابن وَهب، وسعيد بن أبي مَرْيَم، وسعيد بن عُفَير، وناس كثير من أهل العدالة، فَشَهِدوا عنده أنّ أهل الحرَس من القِبْط، وأن العُمَريّ قضى لهم بالباطل: فأبطل قَضِيَّة العُمَريّ فيهم وأشهد عَلَى نفسه بردّهم إِلَى أصلهم من القبط فقال الشعراء فِي ذَلِكَ وتتبع البكري أصحاب العمري كلهم وسجنهم، وأشار عَلَيْهِ أبو رَحْب بمطالبة العمري وسجنه ففعل، وطالبه بما صار إِلَيْهِ من الأموال والأوقاف وغيرها، وأسقَط كل مَن شَهِد لأهل الحرس، ونادى بعضهم وشهّره بخيانته فِي ذَلِكَ منهم يحيى بن عبد الله بن بُكيْر. وقام عبد العزيز بن مُطرَف فِي نصر العمري وضمِن عنه مالاً كثيراً، ورفع أهل مصر للبكري أن العمري استفاد مائة ألف دينار من جهات عَدَّدُوها، فطالبه البَكريّ بِهَا وعرّفه وجوهها، ثُمَّ هرب العُمَريّ من السجن. وكان قَدْ حول أمواله قبل ذَلِكَ إِلَى مَدْين، فتوجه إِلَى مَدْيَن فتحمل بما لَهُ وصَحِب خفيراً من البَوادِي فلما وصل إِلَى فَيْد خرج عَلَيْهِ قوم من أَسَد وطَيئ فأوقعوا بِهِ وأخذوا جميع مَا معه، ونَجا بحُشاشة نفسه. وكان كاتب البكري: محمد بن عميرة النَّخَعِيّ، وأحمد الكوفي. وَكَانَ عمرو بن خالد الحراني يلزَمه وربما كتب لَهُ. وروى أبو عُمر من طريق عَمْرو بن خالد قال: كَانَ البكري لا يجلس للقضاء حَتَّى يتغذَّى ويشرَب ثلاثة أقداح نبيذاً.

стр. 456

وأخرج ابن يونس من طريق عمرو بن خالد أن البكري كَانَ يشرب النبيذ الشديد. قال ابن يونس: وحدث البكري بمصر وكتب عنه وَلَمْ يَزَل قاضياً إِلَى أن مات فِي المحرم سنة ست وتسعين ومائة. فكانت مدة ولايته سنة وستة أشهر. هبة الله بن الحسين بن عبد الرحمن بن نُبَاتة يكنى أبا الفضل. ولي القضاء فِي رابع شعبان سنة خمس وسبعين وأربعمائة بعد جلال الدولة علي بن أحمد بن عَمّار. هبة الله بن عبد الله بن حسين بن محمد الأنصاري الأوسي المعروف بابن الأزرق يكنى أبا الفضائل إسماعيل من المائة السادسة. قال ابن ميسر فِي تاريخه: ولاّه أبو علي أحمد بن الأفضل رابع أربعة الحكم من كل مذهب قاضي وهم: سلطان بن إبراهيم الشافعي. وأبو الفضل ابن الأزرق ويقال كنيته أبو الفضائل الإِسماعيلي. ومحمد بن عبد المولى اللبْني المالكي. وابن أبي كامل الإمامي. وَكَانَ يلقب فخر الأمناء، ولي فِي حادي عشر ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. وكان الحافظ فوض إليه قبل ذَلِكَ نظر دار العلم والتدريس بِهَا مضافاً إِلَى الحكم، وَكَانَ مدرسها قبله أبو الحسن علي بن إسماعيل. فجرى بينه وبين القاضي مفاوضة أدت إِلَى الخصام ثُمَّ إِلَى المصافعة والملاكمة حَتَّى تقطعت ثيابهما وسقطت عمائمهما، فخرج القاضي وهو حنق عَلَى حالته القصر ماشياً بغير عمامة وثيابه مخرقة، فأعلم الحافظ بذلك فعظم عَلَيْهِ مَا صنع فصرفه عن الحكم، وأغرمه مالاً، وألزمه داره، وردّ أمر القضاء إِلَى أبي الطاهر إسماعيل بن سلامة المعروف بالموفق فِي الدين، وأخرجها أبو القاسم بن ... .

стр. 457

هبة الله بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن أبي كامل. كَانَ عَلَى مذهب الشيعة الإمامية. ولاه أبو علي أحمد بن الأفضل رابع أربعة كما ذكر فِي ترجمة الَّذِي قبله وَكَانَ من فقهاء الإمامية وصدورهم. هبة الله بن عبد الله بن كامل بن عبد الكريم بن الحسن بن محمد بن أبي كامل المُضَري - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة - الشّهْرزُوريّ ثُمَّ الصوري القاضي المفضل يكنى أبا القاسم.

стр. 458

حرف الواو وهب بن وهب بن كبير بن عبد الله بن زَمْعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العُزَّي بن قُصَي ... القرشي الأسدي أبو البَخْتَرِيّ - بفتح الموحدة وسكون المعجمة بعدها مثناة من فوق مفتوحة - تقدم فِي ترجمة محمد بن مسروق أن الرشيد أمر أبا البختري أن يعزله عن قضاء مصر فعزله، وولي بعده عبد الرحمن بن المجبّر، وهذا يدل عَلَى أنه كَانَ الرشيد ولاه القضاء عَلَى البلاد عموماً، وَكَانَتْ القضاة فِي البلاد نوابه كما كَانَ ذَلِكَ لأبي يوسف من قبل.

стр. 459

حرف الياء المثناة من تَحْت يحيى بن أكْثَم بن محمد بن قَطَن بن سمعان بن مُشَنَّج بن عبد عَمرو بن عبد العُزَّى بن أكْثَم بن صَيْفي بن شريف التميمي الأُسَيْدِيّ المَرْوَزِيّ أبو محمد نزيل بغداد حنفي ويقال شافعي من المائة الثالثة. قال أبو عمر الكندي: ولاه المأمون قضاء مصر لما دخلها سنة سبع عشرة، فجلس يوم السبت لإحدى عشرة ليلى خلت من شهر المحرم منها، فقضى بَيْنَ الناس. ويقال إنه لمن يباشر القضاء بِهَا سوى ثلاثة أيام، وتوجه صحبة المأمون إِلَى سَخَا، ثُمَّ رجع إِلَى مصر فحكم بِهَا أيضاً أياماً، ثُمَّ رحل المأمون فرحل معه، وتَشَاغَل المأمون بالحرب حَتَّى خرج منها وخرج معه يحيى وَلَمْ يقرر فِيهَا قاضياً بعد أن عرض عَلَيْهِ جماعة من أهلها، وعين عليّ بن مَعْبَد بن شَدّاد فامتنع ولَجَّ فِي الامتناع. وَكَانَ مولد يحيى بن أكثم فِي سنة تسع وخمسين ومائة. وسمع ببغداد ومكة وغيرهما من سُفيان بن عُيينة، وأبي بكر بن عَيّاش، والفضل بن موسى المروزي وعبد الله بن المبارك، وحفص بن غياث.

стр. 460

روى عنه التِّرمذيّ فِي الجامع، والبخاري خارج الصحيح، وإسماعيل القاضي. وَكَانَ يبرئه مما يرميه بِهِ الناس من حب الولدان. وَكَانَ أحمد يقول: مَا عرفناه ببدعة. وذكر لَهُ مَا يقال عنه فأنكرَ إنكاراً شديداً. وقال: سبحان الله! مَن يقول هَذَا!. قال ابن الجوزي: لما استخلف المتوكل وقبض عَلَى ابن أبي دُوَاد صَيَّر يحيى بن أكثم فِي مرتبته وخلع عَلَيْهِ خمس خلع. فلم يزل إِلَى أن كَانَ فِي صفر سنة سبع وثلاثين ومائتين. فعزل المتوكل يحيى بن أكثم من القضاء وقدم يعقوب بن قوصرة فأخذ من منزله خمسة وسبعين ألف دينار وصولح عَلَى أن يؤدي تمام ألف دينار وعشرين ألف دينار. وولي مكانه فِي قضاء بغداد جعفر بن عبد الواحد الهاشمي. ويقال: إن سبب عزله قصته المتقدمة مع ابني مسعدة. قال ابن الجوزي: وَكَانَ شاع عنه ذَلِكَ، يعني محبة الغلمان ولعله كَانَ يقنع بالنظر حسب مَا أسند عن أبي العيناء. قال: وتولى يحيى بن أكثم ديوان الصدقات فلم يعط الأضِرَّاء شيئاً، فَطَالَبُوهُ فَمَطَلَهم، فاجتمعوا فلما رأوه انصرف من مجلسه بجامع الرصافة سألوه وطالبوه فقال: لَيْسَ لكم عند أمير المؤمنين شيء. فقالوا لَهُ: إن جئتنا لأمير المؤمنين يزيدنا عَلَى هَذَا الجواب؟. قال: لا. قالوا لا تفعل يَا أبا سعيد! فقال: الحبس الحبس. فَأخِذوا وحُبِسُوا - جميعاً. فلما كَانَ الليل ضجوا فسمع المأمون، فسأل: مَا هَذِهِ الضجة؟ قالوا: الأضِرّاء
следующие страницы →