← Тараджим

Тараджим · id 12724

رفع الإصر عن قضاة مصر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (485 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وولي قضاء الشام ثُمَّ ولاه هارون قضاء مصر. وقال تمام الرازي: حدثنا أبو عبد الله بن مروان، حدثنا أبو الفيض قال: لمّا قدِم المعتضد لحرب خُمارويه بن أحمد بن طولون أخرج معه إِلَى العراق أبا خازم عبد الحميد، وولَّى عوضه أبا زُرْعَة، ثُمَّ ولَّى عبيد الله بن الفتح المظالم، ثُمَّ ولَّى خُمارويه عبيد الله بن محمد العمري، ثُمَّ أقرَّه عَلَى الأردُنّ وفلسطين وأعاد أبا زرعة إلى دمشق إِلَى أن قُتل خُمارويه. ثم إن هارون بن خُمارويه ولَّى أبا زُرْعة قضاء مصر وضمّ إِلَيْهِ فِلَسطين والأردُنّ وحمص وقِنَّسرين والعواصم، فاستخلف أبو زرعة عَلَى دمشق أحمد بن المعلى، وأبا الحارث بن أحمد بن علي، وفارس بن أحمد، ثُمَّ بعَّده مدة فِي سنة تسع وتسعين، ووُلّي أبو زرعة القضاء من قِبَل الخليفة فدخلها. قرأت بخط الحافظ أبي محمد بن أبي القاسم ابن عساكر، أن والده أخبره قال: قرأت بخط أبي الحسين الرازي قال: سمعت جماعة من شيوخ أهل دمشق منهم عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد قالوا: لما اتَّصل بأبي أحمد الموفق أن أحمد بن طولون خلعه بدمشق وكتب بذلك كتباً إِلَى سائر أعماله، أمر الموفّق بلعن أحمد بن طولون عَلَى المنابر. فلما بلغ ابن طولون أمر بلعن الموفَّق عَلَى المناب بالشأم ومصر. وكان أبو زُرْعة محمد بن عثمان ممَّن خلع الموفَّق ولعنه، وقف قائماً عند المنبر بدمشق يوم الجمعة، فلما خطب الإمام ولعن الموفّق قال أبو زرعة: نحن أهل صِفِّين وأهل دمشق، وَكَانَ فينا من حضر الجَمَل ونحن القائمون عَلَى من عاند أهل الشام وأنا أشهدُ الله وأشهدكم أني خلعتُ أبا أحمق - يريد أبت أحمد - كما يُخلع الخاتم من الإِصبع، فالعنوه لَعَنَهُ الله. قال: فلما رجع أحمد بن الموفق - يعني المعتضد الخليفة - من وقعة الطواحين الَّتِي كَانَتْ بينه وبين خُمارويه فيما حدثني بِهِ إبراهيم بن محمد بن صالح، وذلك فِي سنة إحدى وسبعين ومائتين. قال لأبي عبيد الله أحمد بن محمد الواسطي: انظر مَن انتهى إِلَيْكَ - ممَّن كَانَ يُبغضُ دولتنا من أهل دمشق فليُحمَل إِلَى الحضرة. قال: فحمل يزيد ابن محمد بن عبد الصمد، وأبو زُرْعةَ عبد الرحمن بن عَمْرو، وأبو زرعة محمد بن عثمان القاضي، حَتَّى صاروا بهم إِلَى أَنْطاكِيَّة مقيَّدين، ثُمَّ حملوا إِلَى بغداد. فبينما

стр. 387

الخليفة يسير يوماً إذ بُصِرَ بمحامل الشاميين فقال لأبي عبد الله الواسطي: مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء أهل دمشق. قال: وَفِي الأحياء هم؟ إِذَا نزلت فأذكروني بهم. قال إبراهيم: فحدَّثنا أبو زُرْعَةَ عبد الرحمن بن عَمرو سنة إحدى وثمانين أنه لما نزل وجلس فِي مجلسه أحضرنا الواسطي فأوقفنا بَيْنَ يديه مذعورين فقال: أيكم القائل: قَدْ خلعت أبا أحمق من هَذَا الأمر كنزعي خاتمي هَذَا من إِصبعي؟ قال: فَرَبَّت أَلسِنَتُنا فِي أفواهنا حَتَّى خُيّل إلينا أننا نُقتل. فأما أنا فأُبلستُ، وأما يزيد بن عبد الصمد وَكَانَ تمتاماً فخرس. وكان أبو زرعة محمد بن عثمان أَحدثَنا سِنّاً فتكلَّم فقال لَهُ الواسِطيّ: أمسك حَتَّى يتكلَّم من هو أكبر سِنّاً منك. فقلنا: أصلحك الله هو رجل متكلّم يتكلّم عنا. وَكَانَ هو المتكلم بالكلمة الَّتِي يطالبها القوم منَّا. فقال: والله مَا هُنا هاشمي صريح ولا قرشي صحيح ولا عربيّ فصيح ولكنَّا قوم مُلِكنا - يعني قُهِرْنا - وذكر أحاديث كثيرة فِي السمع والطاعة، ثُمَّ أحاديث فِي العَفْو والإِحسان ثُمَّ قال: أنا أشهدكم أن نسائي طوالق، وعبيدي أحرار، وَمَالي عليَّ حرام غم كَانَ فِي هؤلاء من قال هَذِهِ الكلمة ووراءنا حُرَمٌ وعِيال وضُعَفاء، وَقَدْ تسامع الناسُ بهلاكنا وَقَدْ قَدرْتَ وإنما العفو بعد القُدرة فقال للواسطي: أطلقهم لا كثَّر الله أمثالهم. قال: فأَطلقنا. قال: فاشتغلت أنا ويزيد بن عبد الصمد عند عثمان بن خُرَّزاد فِي نُزَه أَنْطاكِيَة، وسبق أبو زرعة الجميع إِلَى حِمص حَتَّى ورد دمشق قبلنا بأيام كثيرة، فتحامل أهل دمشق عَلَى أبي زُرْعَة بسببنا فكتبوا فِيهِ كتاباً ذكروا فِيهِ مثالب لَهُ، وتوجَّه أبو زرعة إِلَى مصر فسبقه كتابهم إِلَى خُمارَوَيه فدفعه إِلَيْهِ، فأقسم لَهُ أن هَذَا مختلق عَلَيْهِ وذكرهم بالجميل، فكتب لَهُ بولاية القضاء فرجع إِلَى دمشق قاضياً، ثُمَّ وضع يدع فِي كل من تكلَم فِيهِ حَتَّى أفضى لَهُ إِلَى شيخين كانا يلبسان الطويلة فمُدَّا فِي خضراء دمشق فضُربا بالدِّرَّة.

стр. 388

قال ابن عساكر عن غيره: إنه مات فِي شوال سنة إحدى وثلاثمائة. قال: وَكَانَ حافظاً للحديث وَكَانَ يُرمَى بالنَّصب. وقال الحسن بن القاسم بن دُحَيم الدمشقي: وُلد لأبي زرعة وَلد فسماه الحسين وكنّاهُ أبا عبد الله، ثُمَّ ولد لَهُ آخر فسماه الحسن وكنّاه أبا محمد. قال فكتبت لَهُ رقعة أقول فِيهَا: لَوْ عقق القاضي عن ولديه معاوية وعمراً مَا كَانَ إِلاَّ ناصبيّاً. قال ابن زُولاق: كَانَ أبو زرعة يَرْقى من وجع الضرس يقرأ عَلَيْهِ ويدفع إِلَى صاحبه حشيشةً فيسكن، فاتَّفق أن أبا زُنبور الوزير الماذرائي اشتكى ضرسه فجاءَ إِلَى أبي زرعة وسأله أن يرقيه فوضع رأسه فِي حجره وشرع غي الرُّقية، فقال: لَهُ فِي خِلال ذَلِكَ: أسألك أن تترك شيئاً حَتَّى تنفعك الرُّقية؟ قال: مَا هو؟ الكَذِب! فقال: سبحان الله. قال: الَّذِي عندي قلتُ لَكَ. قال: أَفعلُ فرقاه فلما فرغ قال لَهُ: سكن الوجع؟ قال: لا. قال: سبحان الله. فقال أبو زُنبور: شرطتَ أن لا أكذب فكرهت أن أقول: سكن وهو لَمْ يسكن. فحصل لأبي زرعة بذلك خجل شديد وَكَانَ يألفه هِرٌّ ولا يفارقه. وَكَانَ يمسح عَلَى ظهره وهو يقضي بَيْنَ الناس. وزوّج أبو زرعة ولده الحسين ببنت أبي زنبور الماذرائي، وَكَانَ اسم أبي زنبور الحسين لن احمد وَكَانَ حينئذ بدمشق، فكتب أبو زنبور أسامي مائة نفس فِي دَرْج ووعدهم بأن يكونوا عنده قبل صلاة الصبح. فحضروا فأخرج إليهم مائة غلام بمائة قَدَح غالية، ومائة قُمقُم ماء ورد، ومائة مُشط، ومائة مِرآة، ومائة مِبْخَرة. ثُمَّ عقد النكاح. فخرج مائة غلام بمائة طَست ومائة إبريق وعشرة موائد. فعقدوا عَلَى كل مائدة عشرة أنفُس، فأكلوا، ثُمَّ عشرة موائد. فعقدوا عَلَى كل مائدة عشرة أنفُس، فأكلوا، ثُمَّ عشرة أنفُس، فأكلوا ثُمَّ غسلوا أيديهم، فأُلقيت عَلَى أيديهم مائة منديل، وأُعيدَ عليهم الطيب والبَخُور، وأُخرجت مائة صينيَّة فِيهَا الدنانير وتماثيل النَّدّ والعنبر فألقيت فِي أكمام الناس، وَكَانَ إِملاكاً مَا سُمع بمثله. ثُمَّ كَانَ العُرس بعد ذَلِكَ أعظم من الإِملاك. وكان أبو زرعة كثير الشفَقَة، رقيق القلب، يغرَم عن الفقراء والمستورين إذَا أَفلسوا، حَتَّى كَانَ بعضهم إذَا أراد أن يتنزَّهَ أخذ بيد رفيقه فادَّعى عَلَيْهِ عند القاضي

стр. 389

فيعترف ويبكي ويدَّعي أنه لا يقدر عَلَى وفائه ويسأَل خصمه فِيهِ فلا يُجيبه فيغرم عنه. وحكى بعض الشاميين أنه حصلت لَهُ إضافة فقال لبعض أصدقائه: قدّمني إِلَى القاضي فلعلَّه يُعطيك عني شيئاً أنتفع بِهِ. ففعلتُ وقلت: أيَّد الله القاضي: لي عَلَى هَذَا الرجل ستّون درهماً صحاحاً. فقال: مَا تقول؟ فأقرّ. فقال: أعطه حقَّه، فبكى وقال: مَا معي شيء. فقال لي: إن رأيت أن تنظِره؟ فقالت: لا. قال: فصالِحه. فقلت: لا. فقال إنك لقيط فما الَّذِي تريد؟ قلت: السجن. فقال: لا تفعل. فأدخل يده تَحْتَ مصلاَّه فأخرج دراهم فعدَّ لي ستين درهماً فدفعتها للرجل وآليت أن لا أفعل ذَلِكَ بعدها. وحكى أبو زرعة أنه كَانَ عند عبيد الله بن سليمان بن وهب وهو وزير وَكَانَ قدِم دمشق قال: فقال لي: يَا أبا زُرعة، بلغني أن القضاة والشهود يركبون بخفاف بغير سراويل، فقال: معاذ الله أَيُّهَا الوزير. قال: واتفق أني كنت بغير سراويل فعاهدت الله إن سلِمتُ من التفتيش أن لا أعود، فسهَّل الله أن نهضت قبل أن يمتحنني بالتفتيش. قال ابن زولاق. وَكَانَ أبو زرعة أحد الأكَلة، فيقال: إنه أكل سَلَّةَ مِشمِش، وسَلَّة تين، وسَلَّة خَوْج. قال: وَلَمْ يزل أبو زرعة عَلَى القضاء إِلَى سلخ صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين إِلَى مَا صرفه محمد بن سليمان الكاتب لمحمد بن عَبْدَة، ثُمَّ خرج محمد بن سليمان وهما معه فولَّى محمد بن سليمان أبا زرعة قضاء الشأْم. وتأخرت وفاة أبي زرعة إِلَى سنة اثنتين وثلاثمائة فمات فِي شهر ربيع الآخر منها. ويقال مات سنة إحدى وثلاثمائة. حكاه ابن عساكر. وقيل: مات فِي شوال سنة ثلاث وثلاثمائة. قال محمد بن يوسف الهرويّ: قلت لأبي زرعة القاضي: مَا أكثر حمل إسماعيل بن يحيى المُزَنيّ عَلي عن الشافعي. فقال: لا: بل مَا أكثر ظُلم المزني للشافعي.

стр. 390

محمد بن عثمان الحَرِيريّ الحنفي شمس الدين. ولي بعد عزل شمس الدين السَّرُوجِيّ فِي ربيع الآخر سنة عشر وسبعمائة إِلَى أن مات سنة ثمان وعشرين، فولي إبراهيم المعروف بابن عبد الحق إِلَى أن طُلب منه بيع بعض الأوقاف فامتنع، فعُزل من مصر خاصة، ووليه عمر الرازي فِي مستهل رجب إِلَى أن مات فِي ثالث عشري رمضان كله من سنة سبع عشرة، فأعيد الحَرِيريّ. محمد بن عطاء الله بن محمد بن أحمد بن محمود ابن الإِمام فخر الدين محمد بن عمر شمس الدين الهَرَوِيّ الرازي الأصل. كان اسمه شمس ثُمَّ تَسَمَّى محمداً، وَكَانَ يذكر أنه من ذرية الإِمام فخر الدين. ومولده فيما يقال سنة ثمان وستين وسبعمائة، واشتغل بالعلم فِي بلاده حنفياً ثُمَّ تحول شافعياً، وتولع بالحفظ فذكر أنه حفظ تفسير الزهراوين من الكشاف وصحيح مسلم، وكثيراً من البخاري. وَكَانَ ذهنه جيداً ومشاركته حَسنة، إِلاَّ أنه كَانَ كثير المجازفة مقتدراً عَلَى الاختلاف فِي الحال من غير تلعثم. قدم البلاد الشامية فِي سنة أربع عشرة وثمانمائة فحج ورجع إِلَى الشام، فقرر فِي تدريس الصلاحية، ثُمَّ ولي القضاء فِي جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة بعد عزل الجلال البلقيني، ثُمَّ صرف فِي ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين، فأعيد الجلال فِي سادسه، ثُمَّ وليه ثانية فِي سابع ذي القعدة سنة سبع وعشرين بعد ابن حجر، ثُمَّ صرف فِي ثاني رجب سنة ثمان وعشرين، فأعيد ابن حجر وخرج الهروي هارباً ممن لَهُ عَلَيْهِ ظلامة، فما طلع خبره إِلاَّ من بيت المقدس. فاستمر عَلَى تدريس الصلاحية إِلَى أن مات فِي ذي الحجة سنة تسع وعشرين وثمانمائة.

стр. 391

محمد بن علي بن الحسين بن أبي الحديد العسكري الفقيه من المائة الرابعة. لما ولي محمد بن موسى السرخسي بعد أحمد بن حماد. ورد كتابه عَلَيْهِ وَعَلَى عليّ بن أحمد بن إسحاق. يعني فتسلما القضاء من ابن حماد. وَكَانَ عزله فِي صفر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. فكان ابن أبي الحديد يركب إِلَى دار ابن إسحاق وهو أسنّ منه وأَفْقَه. ثُمَّ دخل السرخسي البلد فِي جمادى الآخرة. محمد بن عَلي بن مَعْبَد القدسي المعروف بالمدني المالكي، كَانَ مؤذناً بالمسجد النبوي. ولي قضاء المالكية مرتين: الأولى سنة عشر وثمانمائة بعد عزل الجمال يوسف البساطي، ثُمَّ عزل فِي سنة اثنتي عشرة وثمانمائة، فأعيد البساطي. ثُمَّ أعيد ثانية فِي سابع عشري شوال منها بعد عزل البساطي. ثُمَّ عزل فِي ثامن عشر ربيع الآخر سنة ست عشرة. فولي الشهاب أحمد الأموي. ومات فِي ربيع الأول سنة تسع عشرة وثمانمائة عن سبعين سنة. وَكَانَ مشكوراً فِي أحكامه موصوفاً بالعفة مع قلة العلم. محمد بن علي بن منصور صدر الدين الدمشقي الحنفي. أخو القاضي شرف الدين من المائة الثامنة. ولد بدمشق سنة سبع وسبعمائة ونشأ بِهَا وأخذ الفقه عن البرهان ابن عبد الحق وسمع الحديث من الحجار والبندنيجي وغيرهما.

стр. 392

وروى عنه شمس الدين محمد بن علي المصري الزَّراتِيتي، ومحب الدين ابن جمال الدين ابن هشام وغيرهما. وكان واسع العلم، لين الجانب، مهذب الخلاق، كثير التودد والبشر. استدعاه برقوق بعد موت جار الله، فولاه القضاء فِي ثامن رمضان سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة فباشر مباشرة حسنة، وَكَانَ متحفظاً فِي أحكامه نَزِهاً، مات فِي حادي عشر ربيع الأول سنة ست وثمانين وسبعمائة. محمد بن علي بن وَهْب بن مطيع بن أبي الطاعة القُشَيْرِيّ أبو الفتح المعروف بابن دَقِيق العيد، الإِمام العلم الشهير الماهر فِي الفقه والحديث ومعرفة طرق الاجتهاد، تقي الدين. ولد بطريق مكة فِي المحرم سنة خمس وعشرين وستمائة، ويقال إن والده طاف بِهِ عَلَى يديه ودعا لَهُ بالعِلم والعمل. ونشأ مع أبيه بقوص، وتفقه عَلَى مذهب مالك ومَهَر فِيهِ ودرس بقوص، ثُمَّ تَمذهب للشافعي، ورحل قاصداً ابن عبد السلام ولازمه، وبَرَعَ فِي علم الحديث وأصول الفقه حَتَّى فاق الأقران. وصنّف التصانيف المشهورة، وَلَهُ النظم الرائق، والدين المتين، والأحكام المسدّدة، والنوادر العجيبة، ومن أعظم مَا حكى عنه أنه كَانَ يقول: ما تكلمت بكلمة ولا فعلتُ فعلاً إِلاَّ أعددتُ لَهُ جواباً بَيْنَ يدي الله تعالى، وَكَانَ الَّذِي أشار بِهِ عَلَى المنصور لاجين الضياء العبدي. فقال: أدلك عَلَى محمد بن إدريس الشافعي، وسفيان الثوري، وإبراهيم بن ادهم؟. وولي القضاء بعد موت التقي عبد الرحمن ابن بنت الأعز ثامن عشر جمادى

стр. 393

الأولى سنة خمس وتسعين وستمائة، فباشره إِلَى أن مات فِي سنة اثنتين وسبعمائة. وَكَانَ قَدْ عزل نفسه يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر سنة ست وتسعين ثُمَّ أعيد فِي اليوم الثاني. قرأتُ بخط صاحبنا الشيخ جمال الدين بن عبد الله بن أحمد البشبيشي الشاهد: أخبرني قاضي القضاة بدر الدين محمد بن أبي البقاء، عن والده، عن أبي حيّان النحوي، أن ابن دقيق العيد شرح الإِلمام وأنه جاء فِي نحو ستين سِفْراً أَوْ أكثر من ذَلِكَ، وأن بعض المالكية حَقَدَ عَلَيْهِ انتقاله عن مذهب مالك وحسد الشافعية كيْفَ صار منهم، وأنه ارتَصد غيبة الشيخ فصادف فرصَة فأخذ الكتاب فوضعه فِي فسقية الصالحية، فلما فَقَدَ الشيخُ الكتابَ تألم، وأصبح الناس فرأوا ماء الفسقية أسود فبحثوا عن ذَلِكَ فوجدوا الكتابَ داخل الفسقية، وأن القطعة الموجودة بأيدي الناس كَانَ بعض الطلبة انتسخها، انتهى. وفي سياق هَذِهِ القصة مُجَازَفَات كثيرة، وَقَدْ كنت أسمع شيخنا حافظ العصر أبا الفضل ابن الحسين يحكى أن الشيخ أكمل الإِمام فجاء فِي عشرين مجلداً، وأن بعض المحدثين حسده عَلَيْهِ فَتَرَقَّبَ وفاته فأخذ الكتاب فأعدَمه. وَكَانَ شيخنا فِي بعض الحيان يسمى الَّذِي اخذ الكتاب وهو من الحنابلة فلا أُوثر تسميته، لأن شيخنا كَانَ يجزم بذلك. وصاحبنا جمال الدين لَمْ يفرق بَيْنَ الإِمام وبين شرح الإِلمام، كأنه كغيره من الطلبة يظن أن الإِمام وَلَيْسَ كذلك، فالإِمام كتاب فِي أحاديث الأحكام عَلَى الأبواب، وَكَانَ استمداد الإِلمام منه، والموجود منه قطعة نحو الربع، لكنها مفرقة، وأكثرها فِي ربع العبادات وَلَيْسَ فِيهَا شيء من الاستنباط وإنما يذكر علل الحديث كثيراً. وأما شرح الإِلمام فهو الَّذِي يوجد منه قطعة من أول الطهارة. قال الحافظ قطب الدين شيخ شيوخنا فِي حقه: قيل إنه لَمْ يتكلم عَلَى الحديث من عهد الصحابة إِلَى زماننا مثل ابن دقيق العيد، ومن أراد معرفة ذَلِكَ فعليه بالنظر فِي القطعة الَّتِي شرح فِيهَا الإِلمام، فإن من جملة مَا فِيهَا أنه أورد حديث البَراء بن عازِب أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع واشتمل عَلَى أربعمائة فائدة. ومن تصانيفه شرح العُمدة أملاه عَلَى إسماعيل ابن الأثير لما قرأ عَلَيْهِ العمدة، وهو جم الفوائد. وشرح مقدمة المطرزي فِي أصول الفقه. وعمل الاقتراح فِي بيان

стр. 394

الاصطلاح. وخرّج الأربعين المسلسلة بأهل العلم. وشرح مختصر ابن الحاجب الأصلي والفرعي وَلَمْ يكملهما. وذكر القطب أنه جمع أسماء كل من وصف فِي الأسانيد بالحفظ، وَكَانَتْ ولايته فِي العشرين من جمادى الأولى سنة خمس وتسعين وسِنُّه يومئذ سبعون سنة. وباشر القضاء بنزاهة وعفة وقيام فِي الحق وصلابة فِي الحكم. وَكَانَ إذَا تخاصم إِلَيْهِ أحد من أهل الدولة بالغ فِي التشدد والتثبت، فإن سمع مَا يكرهه عَزَلَ نفسه، فعل ذَلِكَ مراراً، وَلَمْ يَدخل عَلَيْهِ شيء فيما يتعلق بالقضاء، إِلاَّ أن جماعة من حاشيته كادوه فِي توليته الحكم لمن لا يصلح. وكانوا إذَا اعتنوا بشخص عرفوه موضع الدرس فإذا حضر مع الشيخ أخذ فِي الكلام معه فيعجبه ويصفه بالفضل ويسأل عنه فيصفونه بزيادة عَلَى ذَلِكَ، ولكنه يحتاج إِلَى مَا يعينه عَلَى القيام بأوده، ويسألونه لَهُ فِي جهة معينة فيوليه. وَكَانَ يحب أهل العلم ويكرمهم ويتفضل عليهم، وَلَمْ يكن للدنيا عنده قيمة، وَكَانَ مغري بتحصيل الكتب حَتَّى كَانَ قبل أن يلي القضاء يركبه الدَّين بسبب ذَلِكَ. ويقال إنه اشترى كتباً من تَرِكَة ليتيم فطالَبه أمين الحكم فلم يكن معه مَا يدفعه لَهُ، فأحضر مجلس القاضي بدر الدين ابن جماعة وادعى عَلَيْهِ، فعرّف البدر بحاله، فلاَمَه عَلَى الاستدانة والابتياع وَلَيْسَ عنده مَا يوفى بِهِ، فاعتذر بمحبة الكتب، فتوسّط شخص بينه وبين أمين الحكم حَتَّى أحاله بمعلوم الكاملية. وعاب الناس عَلَى القاضي بدر الدين لكونه سمع هَذِهِ الدعوى وَلَمْ يوف الثمن عن الشيخ. وكان كثير الورع والمحاسبة لنفسه حَتَّى قال التاج الدِّشناويّ: خلوتُ بِهِ مرة، فقال لي: فزتَ برؤية الشيخ زكي الدين المنذري؟ فقلت لَهُ: وبرؤيتك. فقال: كَانَ الشيخ زكيُّ الدين أديَنَ مِنِّي وسكتَ ساعة ثُمَّ قال: غير أني أعلم منه. وانتزع فِي أيام ولايته كثيراً من الأوقاف كَانَتْ أخرجت إقطاعات، وهو أول من غيّر خِلَع القضاة من الحرير إِلَى الصوف، وَكَانَ يرتب مع الأوصياء من يباشر أحوالهم ويطالعه بِهَا، وكان يقول ضابط مَا يطلب مني أن يجوز شرعاً ثُمَّ لا أبخل، وَكَانَ يتكلم عَلَى الخواطر ويخبر بأمور ستأتي فيقع كما قال وجُرّب لَهُ ... .

стр. 395

نبذة من نظمه أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسن إذناً مشافهة عن الحافظ أبي الفتح اليَعْمُري، أنشدنا قاضي المسلمين أبو الفتح محمد بن المجد علي بن وهب بن مطيع القشيري لنفسه يمدح رسول الله ﷺ : يَا سائراً نَحو الحجاز مُشمراً ... اجْهَدْ فَدَيْتك فِي المَسير وَفِي السُّرىَ وتَدَرَّعَ الصبرَ الجميلَ ولا تكُنْ ... فِي مطلب المَجْدِ الأثيل مُقَصرَا اقصدْ إِلَى حَيْثُ المكارم والنّدى ... يلقاكَ وجههما مضيئاً مُقمرا وإذا سهرتَ الليلَ فِي طلب العُلا ... فحذار ثُمَّ حَذَار من خدع الكَرَى إنْ كَلّت النجبُ الركائب تارة ... فأعِد لَهَا ذِكر الحبيب مُكررا وابعث لَهَا سيَر المدام فإنها ... بالذكر لا تنفك حَتَّى تَسْكَرَا وإذا اختفت طرق المسير وظَلَّ مِنْ ... أشكالها نظر البصير محيرا فالقصد حَيْثُ النور يشرق ساطعاً ... والطرف حَيْثُ ترى الثَّرَى مُتعطرا قِفْ بالمنازل والمَناهل من لَدُنْ ... وادي قباءَ إِلَى حِمى أمّ القُرى وَتَوَخَّ آثار النَّبي فضَع بِهَا ... متشرفاً خَدَّيك فِي عَفْرِ الثَّرَى وإذا رأيتَ مَهَابط الوحي الَّتِي ... نشرت عَلَى الآفاق نوراً أنورا فاعلم بأنك مَا رأيتَ شبيهها ... مذ كنتَ فِي ماضي الزمان ولا يرى شرفاً لأمكنة تنزل بينها ... جبريل عن رب السماء مُخَبِّرا فتأثَّرت عنه بأحسن بهجة ... أفدي الجمالَ مؤثَّرَا ومُؤَثِّرا فتردد المختارُ بَيْنَ بعيدها ... وقريبها متبدياً متحضرا

стр. 396

فَتَبرجَت بجماله وتَشَرَّفْتَ ... بجلاله ورأت مقاماً أكْبَرا واستودعت من سِرّه ما كاد أن ... يبدي لَنَا معنى الكَمال مُصَوَّرَا الله أكبر مَا أعزَّ جنابَه ... وأجلَّ رفْعَتَه عَلَى كل الوَرَى ولقد أقول إِذَا الكواكب أَشْرَقَتْ ... وترفعتْ فِي منتهى شرف الذُّرَى لا نَفخرنْ زهرٌ فإنّ محمداً ... أعلى عُلاً منها وأشرف جَوهرا أحيى الله ببعثه سُنَن الْهُدَى ... وأعاد من عهد النبوة أَعْصُرَا وأتى بِهِ والناس فِي ظُلَمِ الْعَمَى ... مَوْتَى المعارف والقلوب فأنشرا نلنا بِهِ مَا قَدْ رأينا مِن عُلاً ... مع مَا نؤمل فِي القيامة أن نرى فبه الملاذُ تقدُّماً وتأخرا ... وَلَهُ الجميل مُحقَّقاً ومقَرَّرَا لله مَا فِيهِ من الشرف الَّذِي ... أعيا عَلَى حُسَّابه أن يَحْصَرَا فسعادة أزلية سبقت وَمَا ... هو ثابت أزَلاً فلن يَتَغَيرا وسيادة بارَى الأنامَ بِهَا ولا ... سيما إِذَا قدموا عَلَيْهَا المحشرا وَزَهَادة مَا استصلحت شيئاً من الدن ... يا لأن يُصغِي إِلَيْهِ وينظرا وجلالة فِي الخُلْق حَتَّى أنَّه ... أثنى عَلَيْهَا من بَرَاهُ وَصَوَّرَا وطهارة فِي الخلق حَتَّى أنَّه ... يندَى مع الأعراف مِسكاً أذْفَرَا وتجاوزٌ يُنسى العيوب تكرماً ... ويغادر الذنب الكبير مُحقرا ومواهب يأتي لَهَا التَّأْمِيلُ مُسْت ... قصَى فيرجع عندها مُستقصِرا ومَهَابة مَلأَ القلوب بَهاؤها ... واستنزلتْ كِبْرَ الملوك مصغَّرا ولربما كفتِ القتال فلو غدت ... للَّيْثِ نال بِهَا الفريسة مُخْدَرَا وبديع لطف شمائل من دونها ... ماء الغَمامة والنسيم إِذَا سَرَى

стр. 397

مع سطوة لله فِي يوم الوَغَى ... تَعنو لشدّة بأسها أسْدُ الشَّرَى متعادل الطرفين فِي طرق العلا ... عدلاً وحاشاه بأن يَسْتَجْوِرَا لا يُنكرُ المعروفُ من أخلاقه ... فإذا استُبيح حِمَى الإِلهِ تنكّرا عضبا لو أن البيض تدرك كنهه ... دانت لَهَا رعباً فسالَت أنهرا وقي لقرب جَنَابه وصحابه ... شوقاً يجل يَسيره أن يُذكرا أفنى كنوز الصبر من إسرافه ... وجرى عَلَى الأحشاء منه مَا جرى إن لاح صُبح كَانَ وجداً مقلقاً ... أَوْ جنَّ ليلٌ كَانَ هَمّاً مسهرا لا وَاخَذَ الله الزمانَ فإنه ... أعني مرداي منه أن يتيسرا أرجو وصال أحبتي فكأنما ... أرجو المحال وجُودَه المتعذّرا وأسير نحو مقامهم حَتَّى إِذَا ... شارفتُ رُؤْيته رجعتُ القَهْقَرا متلوناً فِي الحال والمتغير الأحْوِ ... ال يلقى شربه متغيرا يَا خاتم الرسل الكرام نداءَ مَنْ ... وافى إِلَيْكَ مديحه مستعذرا أنا ضيفك المدعو يوم معادنا ال ... مرجوّ فاجعل منْ قرايَ الكوثرا وبهذا السند إِلَى الإِمام القشيري قال يمدح رسول الله ﷺ : شرف المصطفى رفيعٌ عمادُهْ ... لَيْسَ يحصى لكثرة تعدادهْ لاَحَ للمُهتدين منه سِراج ... بيد الله قِدْحُه وزنادهْ وبدا للغاوين سيف انتقام ... مستحيل عليهم إغمادهْ بعثه كل خير وميلا ... دُ الهدي والتقى معاً ميلادهْ فالمَعالي لِذاتِه وعلوم الغيْ ... ب لذاتُه ومنها مِدادهْ وَلَهُ فِي صفاته ومزايا ... هُ كمالٌ تَشْجَى بِهِ حسَّادهْ لا ينال العدو منها ولا يق ... دَحُ فها عُتُوُّهُ وعتَادُهْ بهرت كل من رآها كمالاً ... وأقرت بفضلها أضدادهْ

стр. 398

ثابت الجأْشِ طاهر النفس ... سمح الطبع فِي البذل الجزيل جوادهْ حامل الكَلِّ وافر الفضل وافي ال ... عَدْلِ هَيِّن المرام سَهْلٌ قيادهْ أبطحيّ لَهُ من النسب الوا ... فِرِ فَخْرٌ تنمَّى بِهِ أجدادهْ وَلَهُ فَوْقَ فخرهم من مساعيه طري ... قٌ لا يدعيه تِلادُهْ وبه قَدْ تدارك الله أهل ال ... أرض لما طغى عليهم عبادهْ وغدا فيهمُ لإِبليس سوق ... قائم بينهم بعيد كسادهْ وضلال لو أن لاح للعَيْ ... نِ غَطى وجه الصباح سوادهْ فأتاهم نور مبين ودين ... واضح حقه جلى سدادهْ جاء من عند ربه بكتاب ... محكم الرَّصف كامل إرشادهْ هو غَض عَلَى الزمان لذيذٌ ... درسُهُ لا يمله تردادهْ أعجز العالمين طرّاً ومن غا ... لَبَ بحراً أودت بِهِ أطوادهْ سخِر الكون للرسول فأبدى ... صامت نطقه وحيا جمادهْ وَلَهُ الجذع حنَّ لما شجاه ... بعد قرب المزار منه بعادهْ وأجاب استدعاه الشجر المنقا ... د طوعاً لما أريد انقِيادهْ وأتى بانشقاق بدر الدياجي ... خبر عنه ثابت إسنادهْ كثرت معجزات أحمد حَتَّى ... صار خَرْق العادات فِيهَا اعتيادهْ هي كالدر فِي الغنا إن تؤلف كَا ... نَ فضلاً أوْلا اكتفت آحادهْ ثُمَّ لو لَمْ يكن لكان دليلاً ... واضحاً حسن شرعه واعتقادهْ ويقيناً بالله حقّاً فلا تلْ ... قاه إِلاَّ عَلَى الإِله اعتمادهْ وعلوم لَمْ يدرها قومه قبْ ... ل وحُكْمٌ لا تقتضيه بلادهْ وعباداته الَّتِي لَمْ يَحُل عنها ... ملالاً وطال فِيهَا اجتهادُهْ سعدتَ منه أنْجُمُ بالصُّحْ ... بَة لَمّا اشتكى الفراق وسادُهْ تَعَب للجسوم يبْدِيه اللَّ ... هـ من راحة المعاد مرادُهْ يَا رسول المليك دعوة من ... زاد بع شوقه وصح ودادُهْ لَكَ أشكو حالاً من الدين والدن ... يا شديد غلوه واقتصادهْ

стр. 399

هو حَدّ بَيْنَ السرور وبَيْنِي ... كدَّرَ العيش عكْسُه واطرادُهْ فعليك السلام من ذي اشتياق ... أنت فِي الحشر كنزه وعتادهْ وبه إِلَيْهِ مخمس يشكو حاله: ذَرُوا فِي السرى نحو الجناب الممنع ... لذيذ الكرى واجفوا لَهُ كل مَضْجَعِ وأهدوا إِذَا جئتم إِلَى خير مربع ... تحية مُضْنىً هائم القلب موجعِ سريع إِلَى داعي الصَّبابة طيِّع يقوم بأحكام الهوى ويُقيمها ... فكم ليلة قَدْ نازلته همومها فسامرها حَتَّى تولَّتْ نجومُها ... لَهُ فكرة فيمن يحب نديمها وَطَرْفٌ إِلَى اللقيا كثير التطلُّعِ وكم ذاق فِي أحواله طعم محنة ... وكم عارضته من مواقف فتنة وكم أنّةٍ يأتي بِهَا بعد أنِّةٍ ... تَنِمُّ عَلَى سرٍّ لَهُ فِي أَكِنَّة وتخبر عن قلب لَهُ متقطع نعى صَبْرَه شَوْقٌ أقام ملازماً ... وحب يحاشى أن يطيع اللوائما وجفن ترى أن لا يرى الدهر نائماً ... وعقل ثوى فِي سكرة الحب دائما وأقسم أنْ لا يَسْتَفِيقَ ولا يَعي أقام عَلَى بُعد المزار متيماً ... وأبكاه بَرْق بالحجاز تبسما وشوّقه أحبابه نظرُ الحمى ... دعوه لأمر دونه تقطر الدَّما فيا وَيحَ نفس الصب مَاذَا لَهُ دُعي لَهُ عند ذكر المنحني سَفح عَبرة ... وبين الرجا والخوف موقف عبرة فحيناً يوافيه النعيم بنظرة ... وحيناً ترى فِي قلبه نار حسرة يجيء إِلَيْهِ الموت من كل مَوْضِعِ سلامٌ عَلَى صفو الحياة وطيبها ... إِذَا لَمْ تَفُزعَيْني بلقيا حبيبها وَلَمْ تحظَ من إقباله بنصيبها ... ولا استعطفته عبرتي بصبيبها ولا وقعت شكواي منه بموقع

стр. 400

موكل طرفي بالسها المؤرق ... ومجرى دموعي كالحيا المتدفق وملهب وجد فِي فؤادي محرق ... بعينك مَا يلقى الفؤاد وَمَا لقي وعندك مَا تحوي ونخفيه أضلعي وبه لَهُ: تمنيت أن الشيب عاجل لمتى ... وقرب مني فِي صباي مزاره لآخذَ من عصر الشباب نشاطه ... وآخذ من عصر المشيب وقاره وبه لَهُ: تهيم نفسي طرباً عندما ... أستلمحُ البرقَ الحجازيا ويستخف الوجد عقلي وَقَدْ ... لبست أثواب الحجى زِيّا يَا هل أقضّي حاجتي من منىً ... وأنحر البزلَ المهاريَّا وأرتوي من زمزم فهي لي ... ألذ من ريق المهاريا وبه لَهُ: يَا مُنْيتي أَمَلي ببابِكَ واقِفٌ ... والجُودُ يَأْتِي أن يكونَ مُضَاعَا أشكو إِلَيْكَ صبابةً قَدْ أَتْرَعَتْ ... لي فِي الهوى كأسَ النَّوى إتراعَا ونِزَاعَ شوق لَمْ تزل أيدي النوى ... تَنْمِي بِهِ حَتَّى استحال نِزاعا وبه لَهُ: عطيّتُهُ إِذَا أعطى سرور ... فإن سلب الَّذِي أعطى أثابا فأي النعيمين أَعُدُّ فضلاً ... وأحمد عند عقباها إِيَابَا أنِعمته الَّتِي كَانَتْ سروراً ... أم الأخرى الَّتِي جلّت ثوابا وله: سحاب فكري لا يزال هامياً ... وليل همي لا أراه راحلا

стр. 401

قَدْ أتعبَتْني همتي وفطنتي ... فليتني كنت مهيناً جاهلاً وله: أفكر فِي حالي وقرب مَنيتي ... وسَيْري حثيثاً فِي مصيري إِلَى القبرِ فيُنشئ لي فكري سَحَائِبَ للأسى ... تسحُّ هموماً دونها وابِلُ القَطْرِ إِلَى الله أشكو من وجودي فإنني ... تعبتُ بِهِ مذ كنتُ في مَبْدأِ العمرِ نروح ونغدو للمنايا فجائعٌ ... تكدره والموت خاتمة الأمر محمد بن قاسم الصقلي. تقدم فِي محمد بن أحمد بن قاسم. محمد بن أبي الليث الحارث بن شَدَّاد الإِيادي الخوارزمي الحنفي يكنى أبا بكر. قال ابن يونس: ويقال إن أصله من بلخ ولد سنة ... وتفقه عَلَى مذهب الكوفيين ثُمَّ دخل مصر فيما ذكر أبو عمر الكندي قبل أن يلي القضاء فِي سنة خمس ومائتين، فأقام بِهَا ثُمَّ قدم أبو الوزير صاحب الخراج ومعه عهد من قبل المعتصم فِي ربيع الأخر سنة ست وعشرين ومائتين وَكَانَ بفلسطين قاضٍ يقال لَهُ محمد بن الحارث بن النعمان الإِيادي، فكانا يتجاذبان مَا يرد من العراق إِلَى محمد بن الحارث القاضي، فانتسب محمد قاضي مصر لكنية أبيه فصار يقال لَهُ محمد بن أبي الليث لذلك. قال أبو عمر: كَانَ أول مَا صنع ابن أبي الليث لما ولي أن أرسل منادياً ينادي: برِئت الذِّمة ممن كَانَ فِي يده شيء من مال يتيم أَوْ غائب إن لَمْ يحضره. فتسارع الناس

стр. 402

إِلَى حمل مَا بأيديهم فأدخلوه ببيت المال، وأقام فِي قبض ذَلِكَ رجلاً يقال لَهُ حمدون بن عمر، ثُمَّ باشر الأحباس بنفسه ودونها بخطه وقضى فِي كثير منها. وكان يقول: لقد هممت أن أضع يدي عَلَى كل حُبس بمصر حَتَّى الأهلية احتياطاً ثُمَّ لَمْ يفعل ذلك، فقيل إن الحارث بن مسكين كَانَ يقول: ليته فعل. ودَسّ ابنُ الليث من ادعى عَلَى هارون بن عبد الله الَّذِي كَانَ قاضياً قبله أنه استهلك من مال بيت المال، فأمر بإحضاره مجلسه، ونُوظِر فِي ذَلِكَ مرة بعد أخرى إِلَى أن ثبت عَلَيْهِ مَا وقع عليه. وَكَانَ سبب ذَلِكَ أنه كَانَ يدفع المفتاح إِلَى مَن يثق بِهِ فحاز منه مالاً كثيراً. وَكَانَ ابن أبي الليث يمتهن هارون ويجلسه مع الخصوم بَيْنَ يديه إِلَى أن ورد عَلَيْهِ كتاب من العراق بعدم التعرض لَهُ فكف عنه. وقال أبو عُمر: أخبرني ابن قُدَيد أن الواثق لما ولِي الخلافة ورد كتابه بواسطة ابن أبي دُواد على ابن أبي الليث بأن يمتحن الناس بخلق القرآن، فشدّد فِي ذَلِكَ وَلَمْ يترك فقيهاً ولا متحدثاً ولا مؤذناً حَتَّى أخذه بالمحنة، وملأ السجون ممّن لَمْ يجب، وهرب كثير من الناس، وأمر بأن يكتب عَلَى المساجد لا إله إِلاَّ الله رب القرآن المخلوق. ومنع الفقهاء من أصحاب مالك من الجلوس فِي المسجد الجامع. وقال نصر بن مَرْزُوق: كنت فِي المسجد فسمعت صُراخاً ورأيت الناس قَدْ ماجوا، فنظرت فإذا هارون بن سعيد الأيلي وطَيْلَسانه تَحْتَ عضُده وعمامته فِي عنقه، ومَطَر غلامُ ابن أبي الليث يسوقه بعمامته وهارون ينادي بأعلى صوته: القرآن مخلوق. ثُمَّ أخرجه من المسجد فطوف بِهِ وهو عَلَى تِلْكَ الصورة. وكذلك صنع بمحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، هجم عَلَيْهِ مَطَر فأخذ برِجله فوثَب محمد فأراد مطر أن يأخذ قَلنْسُوَتَه فبادر محمد فأخذها فجعلها فِي كُمّه، ثُمَّ أقامه مطر فطوف بِهِ ينادي بخلق القرآن فمضى عَلَى طائفة المعتزلة فقالوا لَهُ: الحمد لله الَّذِي هَدَاك يَا أبا عبد الله. وهرب أحمد بن صالح من ابن أبي الليث إِلَى اليمن ولزم يوسف بن أبي طَيْبه منزله فلم يظهر. وكذلك محمد بن سالم، ثُمَّ ظفر بِهِ فحمله إِلَى العراق. وهرب ذو النون الإِخْميمي ثُمَّ جاء فوضع يده فِي يده وأجاب.

стр. 403

قال أبو عُمر: كَانَ أحمد بن أبي أمية أوصى إِلَى يونس بن عبد الأعلى وابن الغَمر وغيرهما، ومات ولك يخلف إِلاَّ بنتاً، فوضع الأوصياء أيديهم عَلَى المال فقضى ابن الغَمر عن نفسه ديناً كَانَ عَلَيْهِ من ذَلِكَ المال، فطولب يونس بالمال لما ولي محمد بن أبي الليث فحمل مَا كَانَ حمل إليه منه، فبقيت بقايا فطولب بِهَا فشهد عَلَيْهِ اثنان أن المال حمل إِلَيْهِ، فأمر ابن أبي الليث بسجنه عدة سنين إِلَى أن حضر قاصد المتوكل، فأمر برفع المحنة، وانكشف عن محمد بن أبي الليث، فقيل لَهُ إن يونس بن عبد الأعلى يشهد عَلَيْهِ وهو فِي سجنه فأحضره وسأله عن محمد بن أبي الليث فقال: مَا علمت إِلاَّ خيراً، فقيل لَهُ: فإنه سجنك عدة سنين! فقال: لَيْسَ الذنب لَهُ. الذنب للَّذِي شهد عليّ فأطلقه القاصد. ويقال إنه أقام فِي سجنه سبع سنين. فلما قدم يزيد التركي بعد ذَلِكَ من قبل المتوكل لاستخراج أموال الجروي أخرج ابن أبي الليث من السجن، وَكَانَ سجن لما عزل وأمره أن يحكم عَلَى بني عبد الحكم عليهم وحكم ببراءة يونس بن عبد الأعلى مما كَانَ رمى بِهِ شكراً عَلَى كلامه الماضي فِي حقه. وقال نصر بن مرزوق كَانَ سعيد بن زياد المعروف بالقَطاس من أهل الدين والفضل، وَكَانَ شهد عند لَهِيعَةَ بن عيسى ومن بعده، وَلَهُ حلقة فِي المسجد، فلما ولي ابن أبي الليث بلغه أنه يذكره بالسوء ويرميه بالبدعة ويدعو عَلَيْهِ، فأحضره وأنكر عَلَيْهِ مَا بلغه عنه فجَحَدَ فصرفه، ثُمَّ بلغه أنه عاود ذَلِكَ. وذكر لَهُ شخص أن القطاس لَمْ يعتق، فأقام شهوداً عند ابن أبي الليث بذلك، فأحضره وأقامه للناس، فأتى رجل يقال لَهُ ابن الأبرش فادعى رقبته وأقام شهوداً فشهدوا بذلك. فحبسه القاضي خمسة أيام، ثُمَّ حكم بشهادتهم، وأمر بِهِ فنودي عَلَيْهِ فبلغ ثمنه ديناراً، فاشتراه ابن أبي الليث ودفع الدينار لابن الأبرش، وأشهد عَلَيْهِ أنه أعتقه. ونقل الطحاوي عن يحيى بن عثمان بن صالح أمه حضر ذَلِكَ. قال: وسمعت محمد بن العباس يقول: مَا علمت أن أحداً نَزَلَ بِهِ مَا نزل بالقطاس.

стр. 404

وَكَانَ ابن قُدَيْد يقول: أقبح مَا أتى بِهِ أهل المسجد شهادتهم عَلَى القطاس حَتَّى باعوه. قال الطحاوي: وقلت لمحمد بن العباس: مَا كَانَ حال الذين شهدوا عَلَيْهِ، قال: لَمْ يكونوا عدولاً، وإنما رَدّ ابن أبي الليث أمرهم إِلَى رجلين فعدلاهم فحكم عَلَيْهِ بالرق. قال الطحاوي: وأخبرني غير واحد من أهل الثقة أن الشهادة المذكورة كَانَتْ زُوراً. وقرأت فِي بعض التواريخ أن محمد بن أبي الليث أولاً كَانَ ينكر القول بخلق القرآن حَتَّى كتب إِلَى ابن أبي دُواد ينكر عَلَيْهِ ذَلِكَ ويقول فِي كتابه: لقد أعظمت عَلَى الله الفِرْيَة. هل كَانَ الخلفاء الراشدون يقولون مَا قلت أَوْ يفعلون مَا فعلت؟ الويل لَكَ من ديان يوم الدين. ويقال إنه لما عزل رجل ليضربه فعجز فقال ابن أبي الليث: مَا كَانَ الله ليسلط أيدي الظالمين عَلَى أجساد تتجافى جنوبهم عن المضاجع. قرأت عَلَى أم الحسن التنوخية، عن سليمان بن حمزة أنبأنا جعفر بن علي أنبأنا السلفي أنبأنا علي بن الحسين الموازيني، عن محمد بن سلامة القضاعي قال قرأت عَلَى محمد بن أحمد بن شاكر أن الحسن بن رشيق حدثه، حدثنا أحمد بن سعدون بن عباد المروزي قال سمعت أبا إبراهيم المزني يقول قال لي أبو بكر محمد بن أبي الليث القاضي: قطع العادة عداوة مستفادة. وقال يحيى بن عثمان بن صالح: كَانَ يحيى بن زكريَّا مولى كندة مقبولاً عند القضاة وشهد عند ابن أبي الليث زماناً ثُمَّ أوقفه. وَكَانَ يجلس فِي الجامع فيرجف بعزل ابن أبي الليث ويشنع بذلك، فبلغ ذَلِكَ ابن أبي الليث فنهاه فعاد فأرسل إِلَيْهِ فحبسه زماناً. وقال كَهْمَس بن مَعْمَر: لما أمر ابن أبي الليث بطَرح القلانس الطوال لَمْ يستمر عَلَى لباسها إِلاَّ محمد بن رُمح بن المهاجر فلم يعارضه محمد بن أبي الليث. وقال إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم بن تَميم توقّف النيل فاستسقى أهل مصر فحضر ابن أبي الليث مع الناس وهو قاضٍ، فوثب بِهِ العامة فأخذوا قلنسوته، فلعب بِهَا بعض الصبيان. وَكَانَ ذلك بعدما فعل بقلانس الشيوخ بثمانية أيام. وقال ابن قديد: قدم الحارث بن مسكين بعد أن أقام بالعراق خمس عشرة سنة، فاتفق موت حمدون بن عمر بن إياس وهو ابن أخت محمد بن أبي الليث، فحضر

стр. 405

الحارث بن مسكين جنازته، وأطال الجلوس عَلَى باب داره، فشكر لَهُ ذَلِكَ ابن أبي الليث، فأراد أصحاب ابن أبي الليث بعد ذَلِكَ أن يمنحوا الحارث فكفهم عنه ابن أبي الليث وقال لهم: أليس كَانَ بالعراق؟ قالوا: بلى. قال: فإذا كَانَ السلطان هناك كف عنه! فما لَنَا وَلَهُ فسكتوا عنه. وقال يحيى بن عثمان: قدم قوصرة واسمه يعقوب بن إبراهيم من العراق عَلَى البريد فِي ربيع الأول سنة خمس وثلاثين، وقدم معه حسن الخادم المعروف بعَرَق الموت. فطالبوا بني عبد الحكم بمال عَلَى عبد العزيز الجروي، فأحضر بنو عبد الحكم براءة بينهم وبين الجروي فمال نجوهم قوصرة وتحامل عليهم ابن أبي الليث، وكتب إِلَى العراق بأن قوصرة مَال معهم، فجاء الأمر بعزل قوصرة عن البريد فخرج عن مصر، فلما كَانَ ببعض الطريق ورد عَلَيْهِ كتاب يأمره بالرجوع والكشف عَلَى محمد بن أبي الليث، فرجع وكشف عنه وبالغ فِي أمره وكاتب المتوكل بما صح من أمره، فورد عَلَيْهِ كتاب المتوكل بحبس ابن أبي الليث واستصفاء ماله فحبس، وحبس أولاده وأعوانه. ووثب أهل مصر عَلَى مجلس ابن أبي الليث فرموا حُصُره وغسلوا موضعه بالماء وذلك فِي شعبان سنة خمس وثلاثين ومائتين. ثم ورد كتاب المتوكل يأمر بلعن ابن أبي الليث عَلَى المنبر فلعن، وضجت العامة بلعنه وبقي بالسجن إِلَى شهر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين فورد كتاب المتوكل صُحبة عبد الله بن عبد العزيز الجروي بمطالبة بني عبد الحكم بالمال وأذن لابن أبي الليث بالحكم عليهم فأخرج من السجن فحكم عَلَى زكرياء كاتب العُمريّ بمائة ألف دينار. واشتد الأمر عَلَى بَني عبد الحكم حَتَّى مات عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم فِي العذاب. ثم ورد كتاب المتوكل بإطلاق بني عبد الحكم وردّ أموالهم عليهم وبأن يطاف بابن أبي الليث على حمار بإكاف. فطيف بِهِ فِي جميع الفسطاط وذلك فِي رمضان سنة سبع وثلاثين ومائتين ولم يزل فِي السجن إِلَى ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائتين.

стр. 406

قال يحيى بن عثمان بن صالح المصري: كَانَ زي أهل مصر وجمال شيوخهم وأهل الفقه والعدالة منهم لبس القلانس الطوال، وكانوا يبالغون فِيهَا، فأمرهم ابن أبي الليث بتركها ومنعهم من لبسها وأن يتشبهوا بلباس القاضي وزيه، فامتنعوا. فجلس فِي مجلس حكمه فِي المسجد وَقَد اجتمع أولئك الشيوخ، فأقبل عبد الغني ومطر جميعاً فضربا رؤوس الشيوخ حَتَّى ألقوا قلانسهم. قال ابن أبي الحَديد: حدثني عُتبة بن بِسطام قال رأيت قلانس الشيوخ يومئذ فِي أيدي الصبيان والرعاع يعبون بِهَا، وكانوا بعد ذَلِكَ لا يدخلون إِلَى ابن أبي الليث ولا يحضرون مجلسه بقلنسوة. ولما عزل ابن أبي الليث استمر كثير من الشيوخ عَلَى ترك لبس القلانس. واتفق أن أهل مصر خرجوا إِلَى الاستسقاء فخرج ابن أبي الليث فبصُر بِهِ بعض المصريين فوثبوا بِهِ ورموا قلنسوته، فرأيت بعد ذَلِكَ يلعب بِهَا بعض الصبيان. وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ وبيم مَا فعله بقلانس الشيوخ ثمانية أيام. ولما أذن المتوكل لابن أبي الليث بالحكم فِي أموال الجروي عَلَى بني عبد الحكم أخرج ابن أبي الليث من السجن، فأمره عبد الواحد بن يحيى أمير نصر أن يحكم فحكم عليهم بألف ألف دينار وأربعة آلاف. وحكم عَلَى زكرياء كاتب العُمَريّ بثمانية آلاف دينار، وذلك لثمان خلون من جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين ومائتين. ومات عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم فِي العذاب لأنه كَانَ أَقَرَّ أنه صار إِلَيْهِ من مال الجروي تسعة آلاف دينار، فألزم بحملها، فلم يجد عنده مَا يرد بِهِ، فعذب حَتَّى مات فِي ذَلِكَ. وذكروا أنه صار لقوصرة صاحب الخبر اثنا عشر ألف دينار، ولابن أبي عون ستة عشر ألف دينار، وعيسى بن صفوان النصراني كاتب قوصرة ستة آلاف دينار وأقرّ محمد بن هلال أن عنده من كال الجروي نيفاً وثلاثين ألف دينار أودعها عنده بنو عبد الحكم. وقال أبو عمر: أخبرني أحمد بن الحارث بن مسكين، حدثني نصر بن مرزوق،

стр. 407

أن ابن أبي الليث لما أذن لَهُ فِي الحكم وضع يده عَلَى مَا وجده فِي بيت المال وهو نحو مائة ألف دينار. وعشرين ألف دينار، فبذرها كلها عطايا وجوائز، ودفع إِلَى كل مَن كَانَ معه فِي الحبس الألف والألفين إِلَى العشرة، حَتَّى قال لي جاري: إنه دخل إِلَيْهِ فقال لَهُ: إنك تكثر الدعاء لَنَا والثناء علينا فخذ من ذَلِكَ المال مَا شئت. قال: فأخذت مَا قدرت عل حمله قال فأرانيه فإذا هو كثير جداً. فقال: مَا استطعت أن أحمل أكثر من هَذَا. وبعث إِلَى أبي قولة - رجل كَانَ ينادمه فِي أيام قضائه - بثلاثة آلاف دينار فتحدث أبو قولة بها يثنى عَلَيْهِ حَتَّى يبلغه فيزيده. فبعث أمير البلد فأخذها منه. وقال عُتْبَة بن بسطام سألت ابن أبي الليث عن مذهبه فِي القَدَر فأجاب بجواب أهل السنة، وَلَمْ أسأله عن مذهبه فِي القرآن. وَقَدْ شهد عنده شاهدان فقبلهما. فقال لَهُ رجل أتقبلهما وهما لا يقولان بخلق القرآن؟ فلم يلتفت ابن أبي الليث لقوله، فلعله كَانَ يفعل ذَلِكَ لأجل رضا السلطان. وقال يحيى بن عثمان: حدثني نوح بن عيسى بن المُنكَدِر، قال: رأيت ابن أبي الليث فِي مجلسه فِي الجامع وهو مشجوج فسألت عن ذَلِكَ فقيل لي: إن شيخاً ينادمه ضربه عَلَيْهِ فشجه. وقال إبراهيم بن عبد الصمد: دعوته إِلَى وليمة فكان أجودنا شرباً. وتأخرت وفاة ابن أبي الليث إِلَى سنة خمسين ومائتين فمات فِيهَا حينئذ ببغداد. وقد مدح الحسين بن عبد السلام الشاعر المصري المعروف بالجمَل محمد بن أبي الليث بقصيدة طويلة ذكر فِيهَا سيرته فيما تقدم فِي المصريين يقول فِيهَا: ووَليت حُكْمَ المسلمين فَلَمْ تَكُنْ ... بَرِم اللِّقاء ولا بِفَظِّ أَزْوَرِ ولقد بَجَسْتَ العِلْمَ فِي طُلاَّبِهِ ... وفَجَّرْتَ منه ينابعاً لَمْ تُفْجَرِ فحميتَ قولَ أبي حنيفة بالهُدَى ... ومحمدٍ واليُوسُفِيِّ الأَذْكَرِ

стр. 408

وفتى أبي ليلى وقَوْلِ قَرِيعِهِمْ ... زُفَرِ القِيَاسِ أَخِي الحَجاجِ الأَنْظَرِ وَحَطَمْتَ قولَ الشافِعيِّ وصَحْبِهِ ... ومقالة ابن عُلَيَّة لَمْ تُصْحَرِ أَلْزَمْتَ قولَهم الحضيضَ فلم يجز ... عَرْضَ الحضيضِ فَإِنْ بَدَا لَكَ فَاشْبُرِ والمالكيةُ بعد ذِكْرٍ شائِعٍ ... أَخْمَلْتَها فَكَأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرِ إِنَّ ابنَ هُرْمُزَ أَوْ ربيعة لا يَرَى ... مَاذَا تقوَّل بالمقال الأَجْوَرِ كَسَّرْتَه فَهَوَى بِرَأْيِكَ كَسْرَةً ... لَبِثَتْ عَلَى قِدَم المَدَى لَمْ تُجْبَرِ أَعْطَتْكَ أَلْسِنَةٌ أَتَتْكَ ضَمِيرَها ... وَأَتَتْكَ ألسنةٌ بما لَمْ تُضْمِرِ وأَطَفْتَ بالأَيّلِيّ يَنْعَق صائِحاً ... فِي كُلِّ مَجْمَعِ مَشْهَدٍ أَوْ مَحْضَرِ ومحمدُ الحَكَمِيُّ أنت أَطَفْتَهُ ... وأخاه يَنْعَقُ بالصِّياحِ الأَجْهَرِ كُلٌّ يُنَادِي بالقرآن وخَلْقِه ... فَشَهَرْتَهُم بمقالةٍ لَمْ تُشْهَرِ لَمْ تَرْضَ أَنْ نَطَقَتْ بِهَا أفواهُهُمْ ... حَتَّى المساجِدُ خَلْفَهُ لَمْ تُنْكِرِ لما أَرَيْتَهُمُ الرَّدَى مُتَصَوَّراً ... زعموا بأن الله غَيْرُ مُصَوَّرِ أَحْجَرْتَ يُوسُفَ فِي خِزَانَةِ بَيْتِهِ ... فَطَوَتْه عنك وطَالَمَا لَمْ يحجر أأخليت من عُمَرِ الزناء مقامه ... وعَمَرْتَ مِنْه مَدَاخِلاً لَمْ تُعْمَرِ وَكَفَرْنَكَ الأَرْضُونَ حِين سَأَلْتَها ... حَتَّى ابنُ صَالحٍ الْخَبِيثِ الأَكْفَرِ وَثَوَى ابنُ سَالِمَ خُفْيةً فِي بَيْتِهِ ... ثُمَّ امْتَطَى غَلَسَ الظَّلاَمِ الأَسْتَرِ فأُتِيَ بِهِ كَفُرَيْجَ أَوْ كَأَبِي النَّدَى ... وَالنَّاسُ بَيْنَ مُهَلِّلٍ وَمُكَبِّرِ وَكَذَاكَ دَاوُدُ بْنُ حَمّادَ اختَفَى ... بَعْدَ الإِجابَةِ بِالْخَبِيثِ الأَغْدَرِ أَسَفِي عَلَى شُمْطَانِهِ إِذْ أَفْلَتَتْ ... مِنْ سَائِقٍ يَشْتَالُهَا أَوْ مُجْرِرِ أَنْ لا أَرَى مَطَراً بنِصْفِهَا ... وَالنِّصْفُ عِنْدَ مُحَلِّقٍ وَمُقَصِّرِ وَدَعَوْتَ أَصْحَابَ الْوَصَايَا بِالَّذِيقَعَدُوا عَلَيْهِ مِنَ التُّرَاثِ الأَوْفَرِ فَأَتَاكَ مَنْ خَشِيَ الْعِقَابَ بِمَالِهِ ... وَطَوَى الْوَصِيَّةَ كُلُّ عَوْدٍ مُجْسَرِ فَجَعَلْتَ أَطْبَاقَ السُّجُونِ بُيُوتَهُمْ ... لا يَأْنَسُونَ بِمُقْبِلٍ أَوْ مُدْبِرِ

стр. 409

وَثَنَيْتَ وَحْدَتَهُم بِيُونُسَ مُؤْنِساً ... وَفَتَى أَبِي عَوْنِ الخَئُونِ الأَكْبَرِ طَرَحُوا لَهَا الأَمْوَالَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْوَلَقُوا السُّجُونَ بِقِعْدَةٍ وَتَصبُّرِ أَرْضَى لَهُمْ ضَنْكَ السُّجُونِ وَضِيقَها ... وَلَجَاجَ رَأْيكَ فِي الأَلَدِّ الأَفْخَرِ لَمْ يُشْبِع الثُّلُثَانِ جُوعَ بُطُونِهِمْحَتَّى غَشُوا ثُلُثَ الضَّعِيفِ الأَفْقَرِ فَكَأَنَّنِي بِكَ قَدْ حَشَوْتَ بِبَعْضِهِمْوَعْرَ السُّجُونِ وُكُلَّ حَبْسٍ أَقْذَرِ وَبَطَشْتَ بالقَطُّوسِ بَطْشَةَ قَائِمٍ ... بِالحَقِّ غَيْرِ مُقُصِّرٍ وَمُعَذّرِ مَا زِلْتَ تَفْحَصُ عَنْ أُمُورِ شُهُودِهِفِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ الْمُبِينِ الأَظْهَرِ فَرَبَطْتَهُ فِي رِقِّهِ وَمَنَعَتهُ ... يَطَأُ الْحَرَائِرَ وَهْوَ غَيْرُ مُحَرَّرِ والآخذوه رأوه فِي أيديهم ... عند ابتياع بطائل مستكبر هَذَا النِّدَاء وهَذِهِ أُذُنِي لَهُمْ ... إِنْ جاء فِيهِ بِغَيْرِ فَلْسٍ أقشرِ يُفْتَى وَيَنْظُرُ فِي المُكَاتِبِ دائباً ... وَالْعَبْدُ غَيْرُ مُكاتبٍ وَمُدْبِرِ وَأخَفْتَ أيام الطِّوَالِ وَأَهْلَهَا ... فَرَمَوْا بِكُلِّ طَوِيلَةٍ لَمْ تُقْصَرِ مَا زِلْتَ تَأْخُذُهُمْ بِطَرْحِ طِوَالِهِمْوَالْمَشْيِ نَحْوَكَ بالرُّؤُوسِ الحُسَّرِ حَتَّى تَرَكْتُهم يَرَوْنَ لِبَاسَها ... بَعْدَ الْجَمَالِ خَطِيَّةً لَمْ تُغْفَرِ يَتَفَزَّعُونَ بِكُلِّ قِطْعَة خِرْقَةٍ ... يَجِدُونَهَا مِنْ أَعْيُنٍ وَمُخَبِّرِ فَإِذَا خَلاَ بِهِمْ الْمَكانُ مَشَوْا بِهَاوَتَأَبَّطُوهَا فِي الْمَكَانِ الأَعْمَرِ فَلَئِنْ ذَعَرْتَ طِوَالَهُم فَلَطَالَما ... ذَعَرتْ وَمَنْ بِرُؤَائِهَا لَمْ يَذْعُرِ كَانُوا إِذَا دَلَفُوا بِهِنَّ لِمِفْضَلٍ ... أَمْضى عَلَيْهِ مِنَ الْوَشِيجِ الأَسْمَرِ كَمْ مُوسِرٍ أَفْقَرْتَهُ وَمُفَقَّرٍ ... أعْتَيْتَهُ مِنْ بَعْدِ جَهْدٍ مُفْقَرِ مَا إِنْ عَلَيْكَ لَقِيتَ مِنْهُمْ وَاحِداً ... أَوْفَى الْعَجَاجَ مُدججاً فِي مِغْفَرِ لًبِسُوا الطِّوَالَ لِكُلِّ يَوْمِ شَهَادَةٍوَلَقُوا القُضَاةَ بِمِشْيَةٍ وَتَبَخْتُرِ مَا لِي أَرَاهُمْ مُطْرِقِينَ كَأَنَّمَا ... دُمِغَتْ رُؤُوسُهُمُ بِحُمَّى خَيْبَرِ

стр. 410

محمد بن محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران السَّعْدِيّ الإِخْنَائِيّ تاج الدين أبو عبد الله ابن علم الدين ابن أخي الَّذِي قبله فِي الولاية كَانَ شافعياً عَلَى مذهب أبيه وجده ثُمَّ تحول مالكياً واشتغل بالكتابة وولي نظر الخزانة السلطانية وغيرها، وناب فِي الحكم، ثُمَّ ولي القضاء استقلالاً بعد عمه فِي سنة خمسين وسبعمائة. وكان وسيماً رئيساً عفيفاً عارفاً بالأحكام، فأقام إِلَى صفر سنة ست وخمسين وسبعمائة فصرف بالسخاوي، فلبث نيفاً وسبعين يوماً ومات، فأعيد التاج فِي سابع جمادى الأولى منها فاستمر إِلَى ثامن صفر سنة ثلاث وستين وسبعمائة ومات قاضياً وقرر أخوه برهان الدين بعده. محمد بن محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام السبكي الأنصاري الخزرجي أبو عبد الله، بدر الدين ابن أبي البقاء. ولد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ونشأ ... وسمع من زينب بنت إسماعيل ابن الخباز، وعبد الرحيم بن أبي اليسر فِي آخرين. وتفقه عَلَى أبيه وغيره من علماء العصر، وفضل فِي عدة فنون وولي قضاء الشافعية بعد قتل الأشرف شعبان فِي ثامن عشر شعبان سنة تسع وسبعين وسبعمائة. قرأت بخط الشيخ جمال الدين البشبيشي: كَانَ يقرر الدروس أحسن تقرير مع قلة مطالعته، وكان يعرف الفقه والنحو والأصول والمعاني والبيان، وليست لَهُ فِي

стр. 411

التاريخ والآداب يد، وَكَانَ دمث الأخلاق طاهر اللسان عفيف الفَرْج. وسلك فِي ولايته خلاف مَا ألف من البرهان ابن جماعة من عدم التوقف فِي الأمور وإجابة الرسائل. فاستكثر من النواب ومن الشهود ومن تغيير الحكام فِي البلاد لمن يبذل فِي ذَلِكَ المال، وكثرت الشناعة إِلَى أن وقعت كائنة الشيخ سراج الدين ابن الملقن. وملخصها: أنه كَانَ يصحب برقوق قبل أن يلي السلطنة ويسمع عنده صحيح البخاري، وَكَانَ حسن السمت، بهي الشيبة، فعينه لقضاء الشافعية. وكان من عزمه أن تكون ولايته مجاناً، فاستبطأه فأشار عَلَيْهِ أن يجتمع بالأمير بركة، فتوجه إليه فتكلم معه أستاداره أن يبذل للأمير مالاً، فكتب لَهُ خطه بألفي دينار أَوْ أكثر، فاجتمع بركة ببرقوق وأراه الخط فانزعج وأمر شاد الدواوين أن يستخلص منه المال، وغضب عَلَيْهِ وأبعده، فما خلص منه إِلاَّ بشفاعة الركراكي. وَكَانَ يدل عَلَى برقوق وحضر الشفاعة معه الضياء والبلقيني والأبناسي وغيرهم، كذا قرأت بخط البشبيشي وهو قَدْ أدرك الواقعة، فلما خلص لزم منزله وصرفه ابن أبي البقاء من النيابة عنه. ثم كثرت الشناعة عَلَى ابن أبي البقاء فعزل بالبرهان ابن جماعة. وَكَانَ قَدْ أحضر عَلَى البريد من القدس فِي ثالث عشري شهر ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. ثُمَّ أعيد البدر ثانياً فِي يوم الخميس سلخ صفر سنة أربع وثمانين بعد صرف البرهان فسار عَلَى عادته، إِلاَّ أنه لَمْ يستكثر من النواب ولا الشهود. واتفقت لَهُ كائنة بسبب تركة ابن مازن شيخ عرب البحيرة، وَكَانَ لما مات ترك أيتاماً وتركة واسعة جداً، فاختلس بعض معارفه من التركة مالاً كثيراً. ثُمَّ جاء إِلَى القاضي فالتمس منه أن أمين الحكم يضع يده ليستتر هو فسارع القاضي إِلَى ذَلِكَ، فشاع فِي الناس قصة الَّذِي اختلس، فنسبوا ذَلِكَ للقاضي وأمينه، إِلَى أن طلب الظاهر القاضي وكلمه بكلام سيئ فالتجم وَلَمْ يحسن يتخلص، فأغرمه فِي تِلْكَ الكائنة مائة ألف قيمتها إذ ذَاكَ خمسة آلاف دينار. فباع فِيهَا ثياباً وكتباً وغير ذَلِكَ. ولما أكملها عزل وقرر ابن ميلق فِي رابع شعبان سنة تسع وثمانين.

стр. 412

ثم أعيد ابن أبي البقاء الولاية الثالثة، وذلك فِي صفر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، ثُمَّ صرف بالعماد الكركي فِي رجب سنة اثنتين وتسعين، ثُمَّ صرف العماد وأعيد المناوي. ثم أعيد ابن أبي البقاء الولاية الرابعة فِي شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين، وصرف فِي شعبان سنة سبع وتسعين. وعظم الخطب فِي ولايتيه الثانيتين بولده جلال الدين حَتَّى كَانَ الملك الظاهر يقول: لولا جلال الدين لما عزلت بدر الدين. لكن جلال الدين لا يطاق. ولما صرف المرة الأخيرة قرر معه تدريس الصلاحية بجوار الشافعي، ونظر الظاهرية، واستمر معه إِلَى أن مات فِي سابع عشر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانمائة بالقاهرة. محمد بن محمد بن عبد المنعم بن داود بن سليمان البغدادي الحنبلي بدر الدين، ابن ناصر الدين، ابن الشيخ شرف الدين. وكان الشيخ شرف الدين قدم من بغداد فأقام بدمشق وصحب التاج السبكي وغيره، وتمهر فِي مذهبه مع الكياسة والحشمة والمروءة وحسن الشكل والتواضع والسكون والوقار، ثُمَّ تحول إِلَى القاهرة وولي إفتاء دار العدل، وتدريس مدرسة أم السلطان الأشرف، عوضاً عن البدر حسن النابلسي، إِلَى أن مات فِي شوال سنة سبع وثمانمائة. وخلفه فِي وظائفه ولده ناصر الدين، فلم تطل مدته فمات، وأنجب ولده القاضي بدر الدين فمات وتركه صغيراً، فنشأ طالباً للعلم حريصاً عَلَى جمعه إِلَى أن استقر فِي جهات والده، وناب فِي الحكم عن القاضي علاء الدين ابن المغلي، ثُمَّ استقل بولاية قضاء القضاة بعد موت القاضي محب الدين سنة خمس وأربعين.

стр. 413

محمد بن محمود بن محمد، ويقال: محمود بن محمد بن محمود جار الله النيسابوري. محمد بن محمود بن محمد النيسابوري جار الله - نقدم فِي الجيم. ويقال كَانَ اسمه محموداً - فَتَسَمَّى محمداً. محمد بن مَسْرُوق بن مَعْدَان بن المَرْزَبَان بن النُّعمان بن زيد بن شرحبيل بن يزيد بن امرئ القيس بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور الكندي الكوفي الأصل نزيل مصر يكنى أبا عبد الرحمن حنفي المذهب. روى عن عبد الله بن الوليد الرصافي، والوليد بن جميع، وإسحاق بن الفرات، وسفيان الثوري، وأبي جناب الكلبي، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وأبي معشر، وشيبان بن عبد الرحمن، ومهدي بن ميمون. روى عنه عبد الله بن وهب، وإسحاق بن الفرات، وسعيد بن أبي مريم، وسليمان بن عبد الرحمن، ومحمد بن خليل بن حماد البلاطي، وهشام بن عمار، وموسى بن عبد الرحمن المسروقي - وهو ابن ابنه، وسعيد بن عفير، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم وقع لَنَا حديثه فِي فوائد تمام. قال سعيد بن عمرو البرذعي: سألت أبا زرعة عن محمد بن مسروق القاضي

стр. 414

فقال: شيخ حدث عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل عن سعيد بن زيد بحديث أوهم فِيهِ قلت: فما صوابه؟ قال: حدثنا أبو نعيم قال حدثنا الوليد حدثني من سمع سعيد ابن زيد. وقال ابن يونس: قدم عَلَى القضاء بعد المفضل بن فضالة سنة سبع وسبعين، وذلك لخمس خلون من صفر، وخرج عنها فِي سنة أربع وثمانين ومائة واستناب إسحاق بن الفرات، ثُمَّ ورد الأمر بعزله فِي سنة خمس وثمانين. ثم أسند من طريق ابن عُفَيْر قال: قدم علينا محمد بن مسروق الكندي عَلَى القضاء وَكَانَ متجبراً فأعدي عَلَى العمال وأنصف منهم ولحق جماعة البلد منه استخفاف. ثُمَّ ذكر قصته مع أمير مصر وامتناعه عن حضور مجلسه. وذكر أبو عُمر فِي كتاب الموالي عن ابن وَزِير قال: كَانَ عبد الله بن محمد بن حكيم من أشراف الموالي ومن سُراتهم وذوي الجاه، وَكَانَ مقبولاً عن غوث والمفضل وغيرهما من القضاة، فشهد عند محمد بن مسروق فأوقفه فقال لَهُ: لِمَ أوقفت شهادتي. فقال: شهد عندي رجلان أنك طربت عَلَى غناء جارية عمرو بن يسار وهي تغني!. ولما التقينا عند أسفل واضم ... وأيقَن قلبي أنها أم جعفر أتتني تزياها الصَّبا منذ نسمت ... أفانين من مِسْك ذَكيّ وعَنْبَرِ قال: صدقاً أصلحك الله امرأته الطلاق إن كَانَ غنّى بذلك غير امرأته وهي الطلاق إن لَمْ تكن كنيتها أم جعفر. فقال ابن مسروق: فإنهما شهدا عندي أيضاً أنك طربتَ وصفَّقتَ بيديك حين غَنَّت: يوم اللِّوَى أبكاك نوح حمامةٍ ... هَتُوف الضحى بالنوح ظلت تَفَجَّعُ فادري ولا نبكي وتبكي وَمَا درت ... بعولتها عند البُكى كَيْفَ تصنع فقال: صدقاً أصلحك الله وَلَمْ أدر إِلاَّ الخير. قال: فإنا لا نقبل شهادة من فِيهِ هَذِهِ الأريحية عند السماع فإن السماع ليُثمل كما يثمل الشراب، انصرف راشداً. فقال: السلام عَلَيْكَ. فلما ولي العمري بعث إِلَيْهِ يقول: أخبرني مَا قال لَكَ ذَاكَ الجافي.

стр. 415

فأخبره فقال لَهُ العمري: نحن نقبل شهادتك. قال بعض من سمع هَذِهِ القصة: لَيْسَ بالجافي من حفظ تِلْكَ الأبيات. قال أبو عمر الكندي: لما ولي محمد بن مسروق تشدّد في الحكم وأعدى عَلَى العمال وأنصف منهم وباعد الخصوم وأظهر التكبر عَلَى الأمراء وَكَانَتْ القضاة يحضرون مجالس الأمراء. فلما قدم ابن مسروق أرسل إِلَيْهِ الأمير عبد الله بن المسيب يأمره بالحضور فقال: لو كنت تقدمتُ إليك فِي هَذَا لفعلت بك وفعلت يَا كذا وكذا. فانقطع ذَلِكَ عن القضاة من يومئذ. واتخذ قوماً للشهادة ورسمهم بِهَا وأوقف شهادة غيرهم فوثبوا بِهِ ووثب بهم وشتموه وشتمهم وتولع بأشرافهم حَتَّى خوصم إِلَيْهِ هاشم بن حُدَيْج فقال لَهُ: إنما أنت من السَّكون ولست من الملوك. فقال: لَيْسَ لهذا حضرنا والله لأحضرت لَكَ مجلساً أبداً، ومن تظلم إِلَيْكَ مني فأعده عليّ واقض لَهُ فِي مَا يَدّعيه بالغاً مَا بلغ. وكانت أموال اليتامى والأوقاف والغائبين تحمل إِلَى بيت المال من عهد المنصور، فلما ولي محمد بن مسروق تحامل عَلَى أهل مصر شاعوا عنه انه يريد أن يحمل مَا فِي بيت المال من هذه الأموال إِلَى الخليفة فقام أبو إسحاق الحوفي وَكَانَ مثرياً فنادى فِي المسجد الجامع يدعو على محمد بن مسروق فأمر بإحضاره وناله بمكروه فازداد عند أهل البلد مقتاً. وكان هارون بن سليم بن عياض يتكلم مع طائفة معه فِي العصبية فأرسل إِلَيْهِ محمد بن مسروق فقال مَا يؤمنك أن أكتب فيك إِلَى أمير المؤمنين بما تضرب بِهِ بَيْنَ الناس فلم يرجع. فأخذ جمعاً من جلسائه فضربهم وطوَّف بهم. وقال يونس بن عبد الأعلى: لما تفاقم الأمر بَيْنَ ابن مسروق وبين أهل مصر وقف عَلَى باب المقصورة ونادى بأعلى صوته: أَيْنَ أصحاب الأكسِية العسَليَّة؟ أَيْنَ بنو البغايا؟ لَمْ لا يتكلم متكلمهم بما شاء حَتَّى يرى ويسمع؟ فما أجابه أحد بكلمة.

стр. 416

وقال يحيى بن بكير: مَا كَانَ بأحكام محمد بن مسروق بأس إِلاَّ أنه كَانَ من أعظم الناس تكبُّراً. وقال الحارث بن مسكين: كَانَ محمد بن مسروق يُذلّ الجبارين فيما فضحه إِلاَّ ابنه يعني أن ابنه لما قدم عَلَيْهِ صار يأتي إِلَى من عنده مال من الودائع فيقول: أعطِنيه حَتَّى أتّجر فِيهِ فآخذ الفضل وأعيد لَكَ الأصل! فتلف عَلَى يديه شيء كثير. ولم يكُن للقضاة قِمَطْر فيما مضى وإنما كَانَ الكاتب يحضر ومعه الكتب فِي المنديل فاتخذ محمد بن مسروق القمطر فهو أول من اتخذه بمصر، وَكَانَ يختمه فيودع فإذا جلس أحضر عنده. وكان يروح من داره ماشياً إِلَى المسجد. وخوصم إِلَيْهِ وكيل زُبيدة فأمر بإحضاره فجلس مع خصمه متربعاً فأقامه وأمر بِهِ فَبُطِحَ وضُرب عَشر درر. قال أبو عمر: اسم هَذَا الوكيل عبد الرحمن وَكَانَ مولى زبيدة فأرسل إِلَى زبيدة يشكوه. وشدد على عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري فخافه، فشخص إِلَى الرقة فشكاه للرشيد ورفده القرشيون فلم يزل حَتَّى أمر أبو البَخْتَريّ بعزله فبلغه ذلك فخرج عن مصر قبل أن يقدم الَّذِي ولي أبو البختري عوضه واستخلف إسحاق بن الفرات ويقال إنه مات بعد أن رجع إِلَى العراق. محمد بن مَعْبَد - تقدم فِي محمد بن علي بن مَعْبد. محمد بن مُكْنِف بن عَبّاد الكوفي قدم مصر وَكَانَ يَنْزِل عند دار أبي عون. أذن لَهُ كيدر أمير مصر لما عزل المعتصم عيسى بن المنكدر وسجنه ثُمَّ حوله إِلَى العراق، وبقيت مصر بغير قاضٍ، فأذن كيدر لمحمد فِي الحكم بَيْنَ الناس، فكان

стр. 417

الوكلاء يحضرون عنده وَلَهُ صاحب مسائل يسأل عن الشهود، فلما ولي هارون الزهري فسخ لمحمد بن مكنف أحكاماً كثيرة. محمد بن موسى بن إسحاق السَّرَخْسيّ الحنفي من المائة الرابعة. ولي بعد صرف أبي عثمان أحمد بن إبراهيم بن حمّاد فِي صفر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، فكتب إِلَى محمد بن علي بن أبي الحديد وعلي بن إسحاق المعدّل أن يتسلما من أبي عثمان فتسلَّما منه، وتوجه محمد بن موسى طالباً لمصر من العراق، فلما وصل إِلَى الفَرَما وجد الفتنة قائمة بمصر فتأخر دخوله إِلَى الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، فباشر الأمور مباشرة حسنة ووقف عن قبول كثير من الشهود تحرزاً من غير غَرَض، وتصلَّب فِي كثير من الأحكام، وَلَمْ يتساهل فِي شيء، واحتاط فِي أموال الأوقاف والأيتام، وَلَمْ يُطلق من الرِّزق إِلاَّ القليل. وكان عبد الله بن محمد الخَصِيبيّ يقول: وليتُ قضاء الرَّمْلة وولي محمد بن موسى قضاء مصر فِي وقت واحد، فشاوَرني فيمن يكاتبه فأشرت عَلَيْهِ بأبي بكر ابن الحدَّاد، فبلغني أنه كتب إِلَى ابن أبي الحديد فالتقينا فاعتذر بأنه بلغه أن ابن الحداد كَانَ يعمل مع ابن قيس قال: فعذرته. قلتُ: كذا ذكر ابن زُولاق هَذِهِ الحكاية عن الخَصِيبيّ. والخَصِيبيّ كَانَ يكره ابن الحدّاد لسلاطته عَلَيْهِ بلسانه لمَّا ولي القضاء بمصر كما مضى فِي ترجمته فلا يُقبل قوله فِيهِ. قال أبو عمر: كَانَ محمد بن موسى فقيهاً عَلَى مذهب الكوفيين، حافظاً لمذهبه، عفيفاً عن الأموال، سَتيراً، كثير الصمت. وأكثر الشهود التردد إِلَيْهِ فقال لهم: مَا لكم معاش عندنا، فلا يجيء أحد منكم إِلاَّ لحاجة أَوْ لشهادة. وسأل بعض شهوده أن يشتري لَهُ خلاًّ بدينار فأرسل لَهُ حملين فاسترخصه وسأل سرّاً، فقيل لَهُ: إن الَّذِي أُحضر يساوي أربعة دنانير، فردّ الخلّ وطلب من نائبه أبي الحسن بن إسحاق أن يعمل لَهُ بَهَطَّة، فتوجه مهتمّاً بعمل ذَلِكَ، فوافاه غلام القاضي ومعه زنبيل فِيهِ جميع آلات ذَلِكَ. وحكى متولي الأحباس فِي زمانه أنه باع ثمرة الأحباس مَرَّةً بخمسة آلاف دينار

стр. 418

وزيادة. قال: فعملت الحساب فنظر فِيهِ محمد بن موسى فوجد فِيهِ باسم المتولي لذلك خمسمائة دينار فسأله عنه: هل لَكَ فِيهِ شِركة؟ قال: لا. ولكن هَذَا حق العمل. فقال لَهُ: كم عملتَ هَذَا الحساب فِي يوم؟ فقال لَهُ: فِي ثلاثة أيام. فأطلق لَهُ ثلاثين ديناراً، فكلمه أبو الحسن بن إسحاق فما بلغه خمسين ديناراً إِلاَّ بعد جُهد. قال: وَكَانَ يحبّ مذاكرة العلم. وانقبض عنه أبو بكر ابن الحداد لأنه بلغه أنه سأل عنه فقيل لَهُ إنه شافعي فقال: ليته كَانَ حنفياً. فانقطع عنه. قال ابن زولاق: رأيت أبا الحسن محمد بن علي بن أبي الحديد ركب إِلَى دار محمد بن موسى حَتَّى ينظر بَيْنَ الناس وهو أفقه من محمد وأسنُّ بثلاث عشرة سنة. واستمر محمد بن موسى إِلَى أن صُرف فِي الخامس والعشرين من شوال سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة بمحمد بن بدر. ورد كتاب محمد بن الحسن بن أبي الشوارب قاضي القضاة ببغداد وسائر الممالك بذلك فوقف فِي أمره محمد بن علي الماذرائي مدبّر المملكة. فلم يزل الطحاوي وغيره بِهِ إِلَى أن أذعن لَهُ فتسلم لَهُ ابن الحداد من ابن موسى، فتوجه ابن الحداد إِلَى ابن موسى ففرِح لمَّا قيل لَهُ إنه توجه إِلَيْهِ، وظن أنه جاء ليسلّم عَلَيْهِ، فلما تحقق أنه جاء بعزله قال لَهُ: هَذِهِ السلال بخواتمها. فقال: لا أتسَّم إِلاَّ مفتوحاً. ففُتحت وتشدَّد ابن الحداد فِي التسليم حَتَّى إن الشهود كتبوا: شهِد من تسمَّى فِيهِ أنهم حضروا مجلس محمد بن موسى القاضي. فقال ابن الحداد: لا تكتبوا - القاضي - فقال محمد بن موسى: لا تكتبوا فقال ابن الحداد: اكتبوا - السَّرَخْسّي. فقال: اكتبوا فإن هَذِهِ النسبة لا تزول عنا ليوم القيامة. وتعجب الناس من عقله وجلَده وعتب بعضهم ابن الحدَّاد عَلَى مَا صنع فقال: حاجةٌ فِي نفس يعقوب قضاها. وقال ابن زُولاق: وَكَانَ بعد ذَلِكَ يظهر عَلَيْهِ الندم بما صنع. وتهيأ محمد بن موسى للرحيل فركب إِلَيْهِ الماذرائي وسأله التأنّي حَتَّى يكاتب فِيهِ لبغداد فامتنع. وباع جميع مَا فِي منزله حَتَّى بغلته ولِجامه وسرجه. ثُمَّ سأل الَّذِي اشترى ذَلِكَ أن يُعيره السرج واللِّجام إِلَى تِنيس ففعل. وسار فِي النيل إِلَى تنِّيس وخرج محمد بن بدر معه يودّعه ويشيّعه. فلما ودَّعه قال: يأمر القاضي بشيء؟ فقال: آمرك بتقوى الله. وإن كَانَ مَا قاله هؤلاء عنك حقاً فما يَحِلّ لَمْ أن تنظر بَيْنَ اثنين.

стр. 419

وأشار إِلَى شهوده فخجل محمد بن بدر وأطرق وانصرف. فكانت مدَّة السَّرَخْسيّ ستة أشهر وأياماً. ومات فِي سنة ثلاثين وثلاثمائة. قلت: أخلَّ بذكره أبو سعيد ابن يونس فِي تاريخ الغُرَباء الذين قدموا مصر. واستدركه ابن الطحان فِي ذيله لكنه اختصره جدّاً، فلم يزد عَلَى أن قال: محمد بن موسى السَّرَخْسّي كَانَ قدم عَلَى قضاء مصر حُكي عنه. ووجدت فِي تاريخ بغداد للخطيب مَا نصُّه: محمد بن موسى بن أحمد السَّرَخْسّي، قدم بغداد وحدَّث بِهَا عن أحمد بن إبراهيم بن مَزِيز من أهل سَرَخْس. روى عنه عبد الله بن عثمان الصفار. وَلَمْ يزد الخطيب عَلَى هَذَا، فما أدري أهو قاضي مصر أَوْ غيره؟ ولكن ظاهر تسمية جده أحمد أنه غيره. فإن اسم جد القاضي كما تقدم - إسحاق. ثُمَّ رأيت فِي المؤتلف: محمد بن أحمد بن إسحاق إبراهيم بن مزيز السرخسي وآل بيته وضبطوا - مَزِيز بوزن عظيم وزايين منقوطتين. محمد بن نَامَاوَر بن عبد الملك أفضل الدين الخُوَنجِيّ شافعي من المائة السابعة. ولد سنة تسعين وخمسمائة، واشتغل بعدة علوم، وغلبت عَلَيْهِ العلوم العقلية حَتَّى مهر فِيهَا، مع معرفة تامة فِي الفقه. قال ابن أبي أصيبعة فِي طبقات الأطباء بعد أن أثنى عَلَيْهِ بأنه أوحد زمانه وأنه تميز فِي العلوم الحكمية وأنه اجتمع بِهِ سنة اثنتين وثلاثين وستمائة وقرأ عَلَيْهِ بعض الكليات

стр. 420

لابن سينا. قال: وكان يعتريه فِي بعض الأوقات أنشداه خاطر لكثرة انصباب ذهنه إِلَى العلم. قال: ووجدته الغاية القصوى فِي سائر العلوم، وَكَانَتْ ولايته قضاء مصر إِلَى أن مات فِي خامس شهر رمضان سنة ست وأربعين وستمائة ورثاه عِزُّ الدين الإِرْبليّ بأبيات منها: قَضى أفضلُ الدنيا فلم يبق فاضل ... وماتت بموت الخُوَنجِيّ الفضائلُ أيدري بمن قَدْ سَارَ حامل نعشه ... عداه أحبوه ومن هو حامل لئن أَفَلَت شمس المعالي بموته ... فما علمه عن طالب العلم زَائل وَمَا كنتُ أدري أن للشمس فِي الثَّرَى ... أُفُولاً وأن البدر فِي التُّرْبِ نَازلُ محمد بن النعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيُّون المغربي القيرَوَاني نزيل القاهرة إماميٌّ من المائة الرابعة. ولد فِي ثالث صفر سنة أربعين وثلاثمائة بالمغرب، وقدم القاهرة صُحبة والده مع المُعِزّ وناب عن أخيه علي بن النعمان فِي آخر أمره، وولاه العزيز استقلالاً بعد موت أخيه فِي يوم الجمعة، لسبق بقين من رجب سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وخُلع عَلَيْهِ وقُلد سيفاً ونزل إِلَى مصر من يومه فِي قُبَّة عَلَى بغلٍ كَانَتْ بِهِ، فدخل الجامع فلم يقدِر عَلَى الجلوس فرجع إِلَى داره، وجلس ولده عبد العزيز وأولاد إخوته وجماعة الشهود حَتَّى قُرئ عهده فِي الجامع بعد صلاة الجمعة بالقضاء عَلَى الديار المصرية والإِسكندرية والحرمين وأجناد الشام. وفُوّض إِلَيْهِ الصلاة وعيار الذهب والفِضَّة والمواريث والمكاييل، وذُكر فِي سِجِلّه أبوه وأخوه فأثنى عليهم. ثم أرسل ابن أخيه الحسين بن علي إِلَى الجامع للحكم بَيْنَ الناس، وكاتب خُلَفاء النواحي.

стр. 421

فلما كان يوم الجمعة أول جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وثلاثمائة عقد لابنه عبد العزيز على بنت جوهر القائد في مجلس العزيز، وكان الصداق ثلاثة آلاف دينار، والشاهدان: محمد بن عبد الله العُتقيّ وعبد الله بن محمد بن رجاء، وخلع العزيز على الزوج وانصرف محمد بن النعمان في جمع كثير من الخواص. ثم قرَّر عبد العزيز فِي نيابته، وصرف ابن أخيه الحسين بن علي. قال المُسَبِّحيّ: كَانَ محمد بن النعمان خبيراً بالأحكام حسن الأدب والمعرفة بأيام الناس. قال العُتقيّ فِي تاريخه: أمر المعز وهو بالمغرب قاضي بلاده النعمان بن محمد أن يعمل لَهُ أَسطُرْلابات وأن يُجلس مع الصانع بعض ثِقَاته، فأجلس النعمان ولده محمداً، فلما فرغ توجه بِهِ إلى المُعِزّ فسأله: مَنْ أَجلستَ مع الصانع؟ قال: ولدي محمداً. فقال: هو قاضي مصر. قال محمد بن النعمان: كَانَ المعز إذا رآني قال لولده وأَنَا صَبِيّ: هَذَا قاضيك! قال المسبحي: وعدّل محمد بن النعمان فِي أيامه نحواً من ثلاثين نفساً، وَكَانَ محمد بن النعمان جيّد النظر فِي الأحكام. تقدمت إليه امرأة طالبت زوجها بحقها فامتنع من دفعه لها، فسألت القاضي أن يحبسه فأمر بذلك، ثُمَّ نظر إليها فوجدها جميلة وظهر عَلَيْهَا السرور، فلما توجه إِلَى الحبس أمر القاضي بحبسها مع وزجها فغضبت فقال لَهَا: حبسناه لحقكِ ونحبسكِ لحقّه. فلما تحققت ذَلِكَ أفرجت عنه. فلما توجهت قال القاضي: رأيتها فرِحتْ بحبسه فخشيت أنها تخلو بنفسها لغيبة زوجها. قال: وَكَانَ الوزير ابن كِلِّس كثير المعارضة لبني النعمان فِي أحكامهم، فاتفق أن الحسن بن الحسين بن علي بن يحيى الدقّاق زَوَّج ولده يتيمة تعرف ببنت الديباجي بإِذن محمد بن النعمان، فقام فِي ذَلِكَ بكر بن أحمد المالكي أحد الشهود وادَّعى فَسَاد العقد لكونها غير بالغ، وبالغ فِي ذَلِكَ فقال ابن النعمان: ثبت عندي بإقرارها أنها بلغت. فَحُملَت إِلَى القصر ورُفع أمرها إِلَى العزيز وكشف عنها فوجدت غير بالغ،

стр. 422

فتقدم إِلَى القاضي بفسخ النِّكاح فأحضر الوزير القاضي والشهود وتهدَّدهم وقال: يتقدم مولانا بفسخ هَذَا النكاح وبالوقوف عن قبول شهادة هؤلاء الشهود، ففعل. وكتب بذلك سِجلاًّ بإِمضاء ذَلِكَ، وفيه: أنه ثبت عنده أنها غير بالغ. ثُمَّ بالغ الوزير فِي الإنكار عَلَى الشهود فِي التساهل، وكان ذَلِكَ فِي سلخ جمادى الأولى سنة خمس وسبعين، وأمر بحفظ مال الصبية ثُمَّ ابتاع لها منه ربعاً. ورُفع إِلَى محمد بن النعمان أن نصرانيّاً أسلم ثُمَّ ارتد وَقَدْ جاوز الثمانين، فاستتيب فأبى، فأنهى أمره إِلَى العزيز فسلَّمه لوالي الشرطة، وأرسل إِلَى القاضي أن يرسل أربعة من الشهود ليستتيبوه فإن تاب ضَمِنَ لَهُ عنه مائة دينار، وإن أصرّ فليقتل، فعرض عَلَيْهِ الإسلام فأبى فقُتل ثُمَّ أمر بتغريقه فِي النيل. ورفع إِلَيْهِ رجل من ولد عَقِيل بن أبي طالب زوجته ومعها ابنة لَهَا جحدها فتلطف بِهِ النعمان فلم يجد فِيهِ حيلة، فأنهى أمره إِلَى العزيز فأمره بالملاعنة بينهما، وكتب فِي ذي القعدة سنة ثمان وسبعين إِلَى الجامع العتيق فاجتمع الشهود ووعظ الزوج فأبى إِلاَّ اللعان، فلاعن بينهما، ثُمَّ فرَّقَ بينهما. ثم استخلف ولده عبد العزيز فِي الحكم وَكَانَ ينظر كل اثنين وخميس. وَفِي أول سنة إحدى وثمانين عدَّل جماعةً من الأشراف. وَفِي صفر سنة اثنتين وثمانين رتَّب رجلاً جعفريّاً بالجلوس فِي الجامع مع الفتوى عَلَى مذهب أهل البيت، فشغب عَلَيْهِ الفقهاء من أهل الجامع فبلغ ذَلِكَ القاضي فقبض عَلَى بعضهم وطوَّف بثلاثة منهم عَلَى الجِمال. وعَلَتْ منزلةُ القاضي عبد العزيز وقطع النزول إِلَى الجامع، ونظر فِي الحكم فِي داره، وَلَمْ يكن أحد يخاطبه إِلاَّ بسيّدنا، فلما توفي العزيز سكن محمد بن النعمان فِي داره بالقاهرة ورتَّب ابنه عبد العزيز كل اثنين وخميس ينظر فِي الأحكام بمصر. قال ابن زُولاق: مَا شهدنا لقاضٍ من القضاة بمصر مَا شاهدناه لمحمد بن النعمان، ولا بلغنا ذَلِكَ عن قاضٍ بالعراق، وَكَانَ مع ذَلِكَ مستحقاً لما هو فِيهِ من العلم والصيانة والتحفُّظ والهيبة وإقامة الحق. وفيه يقول أبو عبد الله السمرقنديّ: وحيد فِي فضائله غريب ... خطير فِي مفاخره جليلُ تألَّق بهجةً ومضى اعتزاماً ... كما يتألَّقُ السيفُ الصقيلُ ويقضي السداد لَهُ حليفٌ ... ويُعطى والغَمام لَهُ زميلُ إذَا ركِب المنابر فهو قُسٌّ ... وإن حضر المشاهد فالخليلُ

стр. 423

قال المُسبِّحيّ: وَلَهُ نظم كثير لَيْسَ بالقوي فمن أجوده: أيا مُشْبِه البدر بدر السما ... لسبع وخمس مضت واثنتين ويا كامل الحسن فِي نَعْتِهِ ... شغلتَ فؤَادي وأسهرتَ عيني فهل ليَ فِي فِيكَ من مَطْمَع ... وإلا انصرفتُ بخُفَّي حُنَينِ قال: وَفِي ولايته رجم رجلاً خبازاً أصاب امرأة علويّة من زناء. وَكَانَ رجمه بسوق الدواب بقرب الجامع الطولوني وذلك سنة اثنتين وتسعين. قال: ولمَّا حصل لَهُ التمكّن وعلت رُتبته لَزِمته الأمراض كالنّقْرس والقُولَنْج، وَكَانَ أكثر أيامه عليلاً، وولده عبد العزيز ينظر فِي الأحكام ويُسجل فِي دار أبيه وغيرها. وَكَانَ بَرْجَوان يعوده فِي كل خميس مع عَظَمة بَرْجَوان. قال: وَكَانَ فِيهِ إحسان لأتباعه مع حسن الخلق والبِذَّة والركوب وكثرة الطيب والبخور إذَا جلس فِي مجلسه وإذا ركب. وَكَانَ إذا أعطى عطاء كثَّره وعجَّله. وَكَانَتْ وفاته وهو عَلَى القضاء فِي ليلة الثلاثاء الرابع من صفر سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، فركب الحاكم فصلَّى عَلَيْهِ فِي داره ودفنه تَحْتَ قُبَّتها، ثُمَّ نقل بعد إِلَى القرافة. وكانت مدة ولايته أربع عشرة سنة وستة أشهر وعشرة أيام. ووجد عَلَيْهِ من أموال اليتامى وغيرهم ستة وثلاثون ألف دينار، فأمر الحاكم بَرْجَوان أن يحتاط عَلَى موجوده، فأرسل كاتبه أبو العلاء فهداً النصراني فاحتاطوا عَلَيْهِ وشرعوا فِي البيع وَفِي تغريم الشهود الذين كانت الودائع تَحْتَ أيديهم، فمن أحضر ورقة بخط القاضي تُرك، ومن لَمْ يُحضر خطّ القاضي غُرم، إِلَى أن تحصّل قدر نصف الدَّين فدفع للمستحقِّين بقدر النصف. وتقدَّم أمر الحاكم أن لا يُودَع بعد ذَلِكَ عنه أحد من الشهود مال يتيم ولا غائب، وأفرد موضع بزُقاق القناديل يوضع فِيهِ المال ويختم عَلَيْهِ أربعة من الشهود لا يُفتح إِلاَّ بحضور جميعهم فاستمر الأمر عَلَى ذَلِكَ مدة. وكان محمد بن النعمان سلَّم لعبد الله بن محمد المداديّ أحد الشهود مال يتيم

стр. 424

وأراد الإِشهاد عَلَيْهِ بذلك فامتنع، فقال محمد: مَا كَانَ بالذي يودع الإشهاد. فاتفق أن المدادي مات فِي سنة تسع وسبعين وعنده ودائع كثيرة، فراسله يزيد بن السندي كاتب الحكم قبل أن يموت حَتَّى أشهد عَلَيْهِ بما عنده. فلما مات لَمْ يوجد أكثر ذَلِكَ، فباع القاضي داره بخمسة آلاف دينار فوفَّى بِهَا الودائع. محمد بن هبة الله بن أحمد بن شكر أبو البركات نفيس الدين مالكي من المائة السابعة. ولد سنة خمس وستمائة، واشتغل عَلَى مذهب مالك ومهر، وأول شيء وليه قضاء دمياط نيابة عن القاضي تاج الدين ابن بنت العز، ثُمَّ ولي القضاء بالقاهرة استقلالاً بعد موت شرف الدين السبكي فِي ذي القعدة سنة تسع وستين. وكان الشيخ أبو عبد الله ابن النعمان يستعين بِهِ فيما يرومه من إزالة المنكرات وقمع اليهود والنصارى، وَكَانَ القاضي كريم النفس كثير الفتوّة حسن الاعتقاد كثير البر بأصحابه والمباسطة لهم، وَلَمْ يزل عَلَى حاله إِلَى جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين فعزل هو ورفقته جميعاً، وهم: تقي الدين ابن رزين الشافعي، والمعز الحنفي والحنبلي، وعاش بعد ذَلِكَ إِلَى ذي الحجة سنة ثمانين وستمائة فمات ﵀. محمد بن أبي الفرج هبة الله بن مُيَسَّر أبو عبد الله القَيْسَرَانيّ الأصل المصري. شافعي من المائة السادسة، قدم والده من قيسارية فِي ولاية بدر الجمالي وهو معه شاب، وَكَانَ بدر قَدْ استدعى بذوي الأموال واليسار فأنزلهم مِصر لِمَا كَانَ جرى لَهَا من الخراب بالغلاء الشديد، ففوض بدر لأبي الفرج الخطابة بالجامع العتيق بمصر، وَكَانَ فقيهاً شافعياً، فعمل فِيهِ أبو علي حسين بن سعيد العسقلاني الشاعر المعروف بالمُكَرْبَل قوله: إن الشريعة قَدْ وَهَت أركانها ... وتغيَّرت بالنقص أي تغيرِ بوزارة ابن أسامة وشهادة اب ... ن قَتادة وخَطابة ابن مُيسّر

стр. 425

ومات أبو الفرج سنة خمس عشرة، ونشأ ولده فاضلاً، وولي قضاء مصر فِي ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة بعد يوسف بن أيوب المغربي، ولُقِّب ثقة الدولة سناء الملك شرف الأحكام، فباشر القضاء واستكثر من قبول الشهود حَتَّى بلغت عدتهم فِي زمانه مائة وعشرين. وكانوا قبله ثلاثين. ثُمَّ فوض إِلَيْهِ النظر فِي المظالم، فاستوضح أحوال المسجونين وأطلق منهم جمعاً كثيراً كانوا أيسوا من الخلاص لطول العهد بتركهم فِي السجن، فطالع بأمرهم الخليفة، وسأل فِي الإفراج عنهم فأذن لَهُ فِي ذَلِكَ. قال ابن أَسْعَد الجَوّاني فِي كتاب النقط عَلَى الخطط: هو صاحب القيسارية بمصر، واستعمل منارة من النحاس ذات سواعد تُجَر قدّامه عَلَى عجلة تُوقَد فِيهَا الشموع ليالي الركوب إِلَى رؤية الهلال. وتفقّد المساجد. فلما عملها اجتازوا بِهَا فِي مكان فِيهِ أغصان سِدرة فعاقتهم عن جَرِّها فأمر بقطع السِّدرة أَوْ بعضها، فحذروه من ذَلِكَ وذكروا لَهُ حديث أبي داود " مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ الله رأسَهُ فِي النَّار ". فتمادَى عَلَى قطع بعضها وذلك فِي ليلة نصف شعبان فما أسنى بل قتل تِلْكَ السنة. قال وكانت القضاة تركب فِي النصف من شعبان لتفقّد الجوامع والمساجد لما يحتاج إِلَيْهِ من الإصلاح. وَكَانَ كبراء الدولة يبذلون فِي ذَلِكَ عَلَى سبيل المساعدة لابتغاء الثواب، فيحصل للقاضي من ذَلِكَ مقدار جيد، فركب القاضي فِي نصف شعبان ورجع فما أتت بعد ذَلِكَ غلا دون السنة، بل قُتل فِي شهر ربيع الأول من السنة المقبلة. وَكَانَتْ لَهُ أسمطة عظيمة فِي المواسم وهو أول من عمل الفُستق الملبس بمصر، وَكَانَ مشهوراً بالكرم. قال الشريف الجواني سمع القاضي ابن ميسّر أن الوزير المَاذَرَائيّ عمِل الكعك المسمى " افْطِنْ لَهُ "، يشير إِلَى مَا حكاه ابن زولاق أن الماذَرَائيّ عمل خُشْكَنَانا فِي العيد محشوّاً بالفُستق والسُّكر وفيه دنانير، فكان يعطى منه للشريف ويقول احتفظ بحشوه، ففطن لَهُ بعض الناس فسموه " افْطِنْ لَهُ ". فأحب ابن ميسر أن يصنع ذَلِكَ
следующие страницы →