← Общие книги

Общие книги · id 12725

صراع مع الملاحدة حتى العظم

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (445 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

في سلسلة أعدَاء الإسلام ٢ صِرَاعُ مَعَ المَلاحِدَة حتى العظم تأليف عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني دار القلم دمشق

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة على خاتم أنبيائه وإخوانه الأنبياء والمرسلين، حَمَلة رسالات الهدى، ودُعَاة الخلق إلى الحق. اللهم ألهِمنا الصواب، وآتِنا الحكمة وفصل الخطاب.

стр. 3

الإهْدَاء إلى كل مفتون بتزييفات المبطلين، مخدوع بزخارف أقوال الملحدين. إلى كل ناشد للحقيقة الكبرى في الوجود، حريص على النجاة، طالب للسعادة الخالدة. إلى الشباب المؤمن الذي يودّ أن يدمغ الملاحدة بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة. أقدم هذا الكتاب الذي يمكن أن يعتبر معركة جدلية مع طائفة الملحدين المعاصرين، جنود الشياطين، وأجراء اليهودية العالمية، التي تكيد لكل حق، ولكل أمة، ولكل خير، ولكل فضيلة. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ووفقنا لما تحب وترضى، واجمع كلمة المسلمين على الهدى والتقوى، وانصر أولياءك على أعدائك، وأيَّد جندك على جند إبليس، وحقق وعدك إذ قلت وأنت لا تخلف الميعاد: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء/٢١ مصحف/٧٣ نزول)

стр. 4

الفصل الأول مقدمات لولا واجب حماية المسلمين من تضليلات المضلين، حتى السخفاء والتافهين، لما كان (د. العظم) يستحق النظر فيه، ولا الالتفات إليه.

стр. 5

(١) تصدّى لمحاربة الإسلام متصدّون كثيرون بوسائل مختلفة، فتحطّموا وتكسّرت على حقيقته الثابتة المتينة نظرياتهم وجدلياتهم وأقوالهم المزخرفة، وتكشفت بنوره تزييفاتهم وأكاذيبهم وأباطيلهم وظل الإسلام بحقه ونوره يتحدى كل مخالف له، ويصرع كل مصارع، ويطحن كل محارب. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف/٦١ مصحف/١٠٩ نزول) هذا وإني ما زلت أعتقد أنه من غير المستحسن إثارة معارك جدلية مع الملحدين من أعداء الإسلام، حتى لا تعطيهم هذه المعارك فرصة لنشر آرائهم بين أبناء المسلمين، وحتى لا تكسبهم هذه المعارك دعاية يستغلونها لنشر أسمائهم، وترديد أفكارهم وآرائهم الباطلة، وبإهمالهم يتساقطون تساقطاً ذاتياً أمام سلطان الحق المالئ للوجود، وينساهم الزمان كما نسي أسلافهم، وتطويهم الحقائق طي وفاة الهالكين، ما زلت في هذا الاعتقاد إلى أن ألحَّ عليَّ فريق من أهل الغيرة على الإسلام، أن أكشف زيف بعض الملاحدة المعاصرين الذين تصدوا لمحاربة الإسلام في جذوره الكبرى، بمكتوباتهم ومنشوراتهم التي حاولوا أن يضعوا لها هالة البحث العلمي، والنقد الحر الجريء، وبرر لي هؤلاء الأحبة من أهل الغيرة ضرورة العمل، وأنه قد أصبح واجباً إسلامياً متحتماً، باعتبار أن طائفة من طلائع فتياننا وفتياتنا قد أثرت في نفوسهم وأفكارهم بعض أباطيل هؤلاء الملاحدة وسفسطاتهم ومغالطاتهم، حتى نقلني إلحاحهم من موقع الرفض إلى موقع التردد، وبقيت متردِّداً حولاً كاملاً، حتى أعاد هؤلاء الأحبة الغيورون على إلحاحهم في صيف عام ١٣٩٣-١٩٧٣م، فاستخرت الله، وعزمت على تحقيق الطلب، وكتبت هذا الصراع العلمي المنطقي المحتشم، التزاماً بآداب المناظرة والجدال بالتي هي أحسن، ما لم يستدع رد الضربة الباطلة بكفئها من الحق.

стр. 6

ورجوت من هذا الصراع أن يحقق الله سنته التي أعلنها بقوله في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) : ﴿أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذالِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ . والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سبيل الرشاد والسداد، وهو حسبي ونعم الوكيل. (٢) لو عرف كثير من الملاحدة أن اليهود المقنعين يحرثون على أكتافهم وظهورهم مزارع سياستهم، ولا يدفعون لهم مقابل ذلك إلا الغرور بالنفس والأجر اليسير، والفحش الكثير، والخمر والحشيش، والمواعيد الكاذبة، والأوهام الخادعة، لاستقام تفكيرهم، وتيقظت بصائرهم، ولرجعوا إلى صفوف المؤمنين بالله، يكافحون الإلحاد ومن يغذيه أو يدفع إليه. إن اليهود الذين وضعوا أو دعموا ما أسموه بالنظريات المناقضة للدين، وزعموا أنها حقائق علمية زوراً وبهتاناً، وأدخلوها ضمن حشد التقدم العلمي المعاصر، أرادوا أن يخدعوا بها أجيال المثقفين ليخرجوهم من صفوف أمتهم ويستخدموهم جنوداً يدمرون بهم كل المواريث الإنسانية والتعاليم الربانية. ألا فليعلم هذه الحقيقة شباب مضللون سائرون في طريق الإلحاد، أو واصلون إلى غايته، أو متطلعون إلى السير فيه. (٣) قرأت طائفة من مكتوبات ملاحدة القرن العشرين، فرأيتها حشداً من المغالطات الفكرية المقرونة بزخرف من القول، والمقنَّعة بقناع العلمانية. فهي تحاول أن تُدَلِّي قارئها بغرور إلى مواقع الباطل، مغشية بصره وبصيرته حتى لا يرى

стр. 7

وجه الحق الجميل، ثم تنتقل به من تضليل إلى تضليل، مستخدمة عبارات الأمانة العلمية، وغوغائيات كلمات التقدم الصناعي والتكنولوجيا، ومعطية أحكاماً قطعية على مذاهب ومبادئ لا تمثل إلى وجهة نظر معينة لفئة من العلمانيين، تخالفها وتناقضها وجهات نظر أخرى تدعمها مدارس علمانيَّة كثيرة، من علمانيات القرن العشرين نفسه، قرن التقدم المادي على اختلاف جوانبه واختصاصه. وتسير جدليّاتهم ضمن هذا المنهج من المغالطات والغوغائيات والتقريرات، والعبارات التي تتصنَّع الهدوء والمنطقية، وتستغل كل ثقل التقدم العلمي الذي أحرزه إنسان القرن العشرين لأنفسها ومذاهبها، مع أن التقدم العلمي والتكنولوجيا بعيد كل البعد عن دعم مذاهبها، أو تأييد إلحادها بالله، وجحودها اليوم الآخر، لدى تحري الحقيقة بصدق، في كل مجالات التقدم الصحيح الحق، في العلوم المادية والتكنولوجيا. وتدس جدلياتُهم في بعض عباراتها نفثات الهزء والسخرية، وتبجحات التعاظم بالتقدم العلمي والصناعي، وذكر الأسماء الأجنبية المعروفة في ميادين المعرفة والعلوم المادية وسيلة للتأثير على الضعفاء المراهقين في عقولهم ونفوسهم، الذين لا يصمُدون لاستهزاء المستهزئين من أهل الباطل، وتستهويهم مظاهر الاستكبار والتعاظم، وتخدعهم دعاوَى المعرفة والتقدم العلمي الحديث، وتؤثر في نفوسهم الأسماء المشهورة في ميادين العلم. وأمام هذه المغالطات والغوغائيات الجدلية، ذكرت قول الله تعالى في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) : ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُو?اْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً﴾ . (٤) قرأت فيما قرأت مقولات "نقد الفكر الديني" للدكتور صادق جلال العظم، الحائز على لقب "دكتور" من الذين دسَّوا الكفر في فكره إذ منحوه هذا اللقب، فرأيت في مقولاته عجباً من المغالطات والأباطيل والافتراءات، وسائر وسائل الجدال بالباطل لدحض قضية الحق.

стр. 8

وكنت قلت في نفسي قبل أن أقرأ مقولاته بإمعان: لعله باحث أخطأ وجه الصواب، وعاب بانحرافه الحق الذي لا يعاب، ولكني بعد أن قرأت كتابه رأيته نموذجاً من التضليل المراد، القائم على المغالطات والأكاذيب والادِّعاءات الباطلة، وستر وجه الحق الديني الذي تصدى لمحاربته علناً، وتزيين وجه الباطل الإلحادي الذي حمل لواء مناصرته والتبشير به. وقد كنت قرأت علوم الفلسفة والمنطق والمناظرة، ومررت فيها على ما يسمونه (بالمغالطة) وما يسمون (بالسفسطة) فإذا سئلت عن أمثلة لهما لم ينجدني الخيال إلا بأمثلة محدودة، رغم الكد الذهني الذي أبذله، فلما قرأت مقالات "نقد الفكر الديني" ظفرت منها بأمثلة كثيرة للمغالطات وأنواع السفسطات التي تعمدها كاتبها الناقد (د. العظم) ليضلل بها من يطالع كتابه من مراهقي الفتيان والفتيات، من أجيال الأمة الإسلامية، خدمة متحمسَة للماركسية والداروينية والفرويدية وسائر النظريات بل (الفرضيات) اليهودية الإلحادية، وهو في كل ذلك يتستر بعبارات التقدم العلمي والصناعي، والمناهج العلمية الحديثة، ولا يقدم من البينات إلا قوله مثلاً: إن العلم يرفض هذا، أو لا يسلم بهذا، أو يثبت هذا، دون أ، يطرح مناقشات علمية نقدية تتحرى الحقيقة. فمن غريب ما فعل في منطقه الشاذ أنه جمع كل الأديان، وكل ما فيها من حق وباطل، وكل ما نسب إليها من ضعيف وقوي وفاسد وصحيح، وقال: هذه هي الأديان، ثم وجه النقد اللاذع للباطل الظاهر، وللضعيف البين، وللفاسد المعروف فساده، ثم صنع من ذلك مقدمة فاسدة استنتج منها إبطال الدين كله. لقد رأى في مقدمته الفاسدة أن الاتجاهات الدينية يوجد فيها ما هو باطل مخالف للحقائق العلمية، التي توصل إلهيا البحث العلمي (ووضع الأديان المختلفة كلها في دائرة واحدة) ثم زعم أنه لما كان الدين كله يمثل جبهة واحدة، وقد وجد الباطل في جانب من جوانب هذه الجبهة، ولما كان الدين متماسك الحلقات متى انتقض بعضه انتقض كله، فالنتيجة التي يستخلصها الفكر العلمي هي أن الدين كله مشكوك به، ولا يصح الاعتماد عليه ولا الأخذ به.

стр. 9

هذه هي حجة (د. العظم) في إبطال الدين كله، ولست أدري هل يقبل إنسان يملك الحد الأدنى من التفكير المنطقي السليم هذا النوع من الاستدلال العظمي الذي ليس له أسر (١) يشده، ولا لحم يملؤه، ولا إهاب يزينه، أو تجرى فيه دماء حياء أو حياة. على هذا القياس العظمي نستطيع أن نبطل العلوم المادية كلها، ونجعلها شيئاً غير موثوق به مطلقاً، فنقول: إن الاتجاهات العلمانية التي تعتمد على البحث العلمي المدروس بأناة واختبار وتجربة للوصول إلى الحقائق هي اتجاهات باطلة مزيفة، بدليل أننا نلاحظ عند أصحاب هذه الاتجاهات نظريات متناقضة، ونلاحظ بعضها فاسداً قطعاً، وبعد هذه المقدمة نُصدر وفق القياس العظمي حكماً قطعياً عاماً على كل الاتجاه العلمي، ونقول: هو اتجاه مشكوك به، باعتبار أن فيه نظريات باطلة، وبما أن أصحاب الاتجاه العلماني يُمثلون جبهة واحدة، ومتى ظهر الفساد في بعضها فلا بد أن يكون الفساد أو الشك شاملاً لها كلها، وبناءً على ذلك فالاتجاه العلماني باطل كله!. لو قال هذا الكلام واحد من المتدينين لقال الناس جميعاً - وفيهم المتدينون أنفسهم-: هذا إنسان فاسد العقل فاسد التفكير. أما سيادة العظم فيقول مثله تماماً عن الاتجاه الديني كله، وهو يتظاهر بحرصه الشديد على الأمانة العلمية التي تنشد الحقيقة، ثم لا يجد بين العلمانيين الماديين من يوجه له نقداً أو تصحيحاً منطقياً، فأين الأمانة العلمية التي يزعمونها ويتبجحون بها؟! أهذا أمانة علمية؟ أم هو مغالطة، وخيانة للعلم، وخيانة لأصول العقل السليم والمنطق السديد؟ هل يصح في أصول العقل السليم تعميم مثل هذا التعميم؟ إن هذا التعميم

стр. 10

الفاسد لا يفعله بقَّال ولا بائع خضراوات، بل نرى البقَّال يصنف بقوله، ويميز بين الفاسد والصحيح منها، ونرى بائع الخضروات كذلك يميز بين الفاسد والصحيح من خضرواته، ثم لا يرفض أصحاب الحوائج كل ما عندهما، ولا كل ما عند جميع البقالين وبائعي الخضراوات، لأن بعضهم يوجد عنه فاسد من بقول أو فاسد من خضراوات. فأين المنهج العلمي الذي يتبجح به؟ وأين الأمانة العلمية التي يتظاهر بالغيرة عليها؟ قرأت جدليات (د. العظم) وجدليات غيره من أساطين الإلحاد، فرأيت أن جدلياتهم كلها تعتمد على المغالطة الفاحشة الوقحة، أو المغالطات المقنعة بالحيلة والخداع، ولدى إحصاء هذه المغالطات وجدتها تعتمد على العناصر التالية: ١- تعميم أمر خاص، والمغالطة هنا تنسب إلى بعض أفراد العام ما ليس له من أحكام بغية التضليل. ٢- تخصيص أمر عام، والمغالطة هنا تنفي عن بعض أفراد العام ما له من أحكام بغية التضليل. ٣- ضم زيادات وإضافات ليست في الأصل. ٤- حذف قيود وشروط لازمة، يؤدي حذفها إلى تغيير الحقيقة. ٥- التلاعب في معاني النصوص لإبطال حق أو إحقاق باطل. ٦- طرح فكرة مختلفة من أساسها للتضليل بها. ٧- تصيّد بعض الاجتهادات الضعيفة لبعض العلماء وجعلها هي الإسلام، مع أنها اجتهادات منتقدة مردودة من قبل مجتهدين آخرين، أو من قبل جمهور علماء المسلمين. ٨- التقاط مفاهيم شاذة موجودة عند بعض الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، وإطلاقها على أنها مفاهيم إسلامية مُسلَّم بها عند المسلمين، والإسلام منها بريء براءة الحق من الباطل. ٩- نسبة أقوال أو نصوص إلى غير قائليها أو إلى غير رواتها.

стр. 11

١٠- كتمان أقوال صحيحة، وعدم التعرض إليها مطلقاً، مع العلم بها وشهرتها. ١١- الإيهام بأن العلوم المادية ملحدة على خلاف ما هي عليه في الواقع. وعلى هذا النمط تسير مغالطاتهم ضمن تلاعبات كثيرة فيها خيانة للعلم وللحقيقة. ولكني أرجو أن لا تنطلي مغالطاتهم وحيلهم وألاعيبهم على مثقفي هذه الأمة، وأن يكتشف الجميع خيانتهم لأمتهم وتاريخها، وخيانتهم لأنفسهم إذ باعوا نفوسهم لأعداء الحق شياطين الإنس، وأن يكون رائد هؤلاء المثقفين محبي الخير لأمتهم وأنفسهم أن يتحققوا بمضمون الدعاء التالي: "اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ووفقنا لما تحب وترضى". والناقد (د. العظم) قد استخدم في كتابه "نقد الفكر الديني" معظم عناصر المغالطات التي أوضحتها آنفاً، غير مكترث بالحقيقة، ولا بالأصول المنطقية الصحيحة، ولا بالبحث العلمي السليم، وأما الأمانة العلمية التي تباكى من أجلها وتظاهر بالحرص الشديد عليها فلم يُقم لها أي وزن، بل راح يطعنها في الصميم لدعم قضية الإلحاد التي حمل لواءها، وانطق يبشر بها بين أبناء الأمة العربية. أفبهذه المغالطات تُنشد الحقيقة العلمية؟ أفبهذه المغالطات تكون المحافظة على الأمانة العلمية؟ أهذه هي الأصول المنطقية المتقدمة التي يعتمد عليها؟ إن الحق الذي تنكره اليوم أيها الجاحد لن تستطيع أن تنكره غداً يوم الدين، ولن تستطيع أن تجحده إذا أراد الله أن ينزل بك شيئاً من معجَّل عقابه، وعندئذٍ لن تستطيع الشيوعية العالمية، ولا اليهودية العالمية، ولن يستطيع ملاحدة الدنيا أن ينقذوك من قبضة العدل الإلهي. إن عذاب الله لشديد، ولئن استهنت به وأنت مغرور متمتع بصحتك وقوتك، فلن تستهين به يوم يمسُّك شيء منه، إن ربك لبالمرصاد، وإنه لا يخلف الميعاد.

стр. 12

لن يضر الحق شيئاً أن يجحده جاحدوه، أو ينكره منكروه، فالله حق وبيده مقاليد كل شيء، وهو على كل شيء قدير. ولكن إنكار الحق ﵎ يضر المنكر وحده، وجحوده ﵎ يضر الجاحد وحده، فهو بجحوده وإنكاره واستكباره يخسر نفسه وسعادته، ويقذف بهما إلى العذاب الأليم. أيها الملحدون: اسمعوا قول الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُو?اْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ . * ... * ... *

стр. 13

الفصل الثاني الحقيقة بين الدين والعلم

стр. 14

(١) حاول الناقد (د. العظم) بمغالطاته وافتراءاته الكثيرة - أُسوة بسائر ملحدي هذا العصر - أن يثبت أن الدين مناقض للعلم، ليتوصل من ذلك إلى نقض الدين كله جملة وتفصيلاً، وقد جعل هذه النقطة هي المحور الأساسي الذي دار حوله في محاربته للدين، ونقده المزعوم المزور للفكر الديني، ونقضه المزيف الكاذب لقضية الإيمان بالله من أساسها. من أجل ذلك عقدت هذا الفصل "الحقيقة بين الدين والعلم" قبل الدخول مع العظم في المعركة الجدالية، حول النقاط التفصيلية التي أثارها في جدلياته غير الشريفة وغير الأمينة، لأكشف فيه مواقع النظر السليم إلى كل من العلم والدين، ولأحدِّد فيه أبعاد كل منهما، ومواطن الشبهات التي قد يقع فيها هؤلاء أو هؤلاء، وبذلك ينكشف للقارئ منهج الحق قبل أن يشهد في هذا الكتاب فصول الصراع الجدلي على النقاط التفصيلية التي أثارها العظم، فمن عرف قواعد الصواب والخطأ في موضوع ما قبل أن يشهد حلبة الصراع فيه استطاع في نفسه أن يكون حكماً، ويعرف المحق من المبطل، ويعرف المستقيم المقسط من المراوغ المخادع. (٢) تجوزاً في التعبير، ومتابعة لما هو دارج على ألسنة الناس، أضع هذا العنوان (الحقيقة بين الدين والعلم) لهذا الفصل، مع أن الحقيقة أن الدين الحق ليس قسيماً مغايراً للعلم، وإنما هو علم عن طريق الوحي، وما جاءت به طريق الدِّين اليقينية هو من قبيل الحقائق العلمية، وللحقائق العلمية طرق إثبات أخرى هي الوسائل الإنسانية البحتة.

стр. 15

فالمقابلة إذن ليست بين الدِّين والعلم، ولكن بين طرق اكتساب العلم الذي يأتي به الدين، وطرق اكتساب المعرفة الإنسانية البحتة، كطريق الحس المباشر لإدراك المعارف، وهو الإدراك القائم على المشاهدة والتجربة، وكطريق العقل لاستنباط المعارف التي لا تُدرك بالحس المباشر، وهذه الوسائل الإنسانية المختلفة وأدواتها التي تستخدمها، هي منحة من الله لعباده، حتى يستخدموها في اكتساب المعارف والعلوم، ولذلك كان الإنسان مسؤولاً عنها عند الله في مجال اكتساب العلم، فقال الله في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) : ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ وهذه السوائل الإنسانية تقدم بدورها شهادة يقينية بالحقائق التي توصلت إليها، أو شهادة ترجيحية بالمعارف التي ترجحت لديها بغلبة الظن، وكذلك الوحي الجامع لطرق اكتساب العلم الذي يأتي به الدين، هو أيضاً منحة من الله لعباده، وقد جعله الله للناس طريقاً لاكتساب طائفة من العلوم، وهي التي يطق عليها اسم علوم الدين، ونلاحظ أن أهم ما يختص بها العلوم الغيبية التي لا تدركها الحواس الإنسانية، ولا تستطيع العقول بوسائلها إثابتها مستقلة عن أنباء الدين. أما الحقيقة بالنسبة إلى الأمور الوجودية (غير الاعتبارية وغير النسبية) فهي واحدة، والإدراك الحسي يقدم شهادة بما توصل إليه من نتائج نحو الحقيقة، ويرافق الإدراك الحسي الوسائل المادية التي يستخدمها الحس، كالملاحظة والتجربة مع الأدوات والآلات التي تثبت صحة شهاداتها، كالمقاييس والموازين والكواشف المختلفة، وذوات الإحساس المادي غير الإرادي الكيميائي والفيزيائي، حتى الذري الإلكتروني. والاستنتاج أو الاستدلال العقلي يقدم أيضاً شهادةً بما توصل إليه من نتائج نحو الحقيقة. ولا يمكن أن تتناقض نتائج الإدراك الحسي ونتائج الاستدلال العقلي إلا وأحدهما أو كلاهما مصاب بالخلل، وذلك لأن كلاً منهما منحة ربانية وضعها الخالق بين يدي الإنسان ليعرف بها حقائق الأشياء، كما وضع بين يدي كل منهما وسائل البحث التي تقدم شهاداتها عن مشاهداتها، والطرق

стр. 16

الصحيحة التي تقصد أمراً واحداً لا بد أن توصل إلى غاية واحدة ونتيجة واحدة، أو غير متناقضة على أقل تقدير، إذ تتكامل الحقيقة مما قدمت هذه الطرق من مدركات، أو يعرف بها جزء من الحقيقة، على قدر ما استطاعت أن تكشف منها. ثم إن الوحي الذي هو منحة من الله لعباده عن طريق النبوَّة هو أيضاً طريق من طرق المعرفة الصحيحة، فهو يقدم شهادة بالحقيقة، ومتى كان الخبر عن الوحي يقينياً مقطوعاً به فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتناقض مع اليقين الذي تُوصل إليه الوسائل الإنسانية البحتة. ولو أمكن أن تتناقض لكان معنى ذلك أن الفاطر الحكيم لم يضع بين أيدينا الوسائل الصحيحة التي تكسبنا المعارف والعلوم الحقة، أو لم يصدقنا فيما أخبرنا به عن طريق الوحي، وكل من الأمرين مستحيل عقلاً وشرعاً. فالله ﵎ جعل وسائل المعرفة فينا مسؤولية في ميدان المعرفة والبحث العلمي، ومسؤوليتها هذه رهن بأنها من الطرق الموصلة إلى الحقيقة، كما جعلنا مسؤولين عن التسليم بما يخبرنا به عن طريق الوحي، لأن برهان العقل قد قام لدينا بأن ما يخبرنا به الرسول عن طريق الوحي صدق وحق، والجامع بين الأمرين هو أن كلاً منهما يقدم شهادة بالحقيقة، وبما أن الحقيقة واحدة فإنه لا يمكن أن تتناقض نتائج الطرق الصحيحة الموصلة إليها، ومتى ظهر التناقض فلا بد أن يكون ذلك لخلل أصابها أو أصاب واحداً منها. فمن الأمثلة ما يلي: لقد أخبرنا الله أنه لا إله إلا هو، وهذا خبر جاءنا به الوحي فقدم لنا شهادة بحقيقة وحدانية الخالق ﵎، والبحث العلمي في هذا المجال لا بد أن يوصل إلى هذه الحقيقة نفسها، ولذلك قال الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ اله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ..﴾ . فلدينا إذن حول هذه الحقيقة شهادة الله إذ أخبرنا بوحدانيته عن طريق الوحي والرسل، ولدينا أيضاً شهادة أولي العلم الذين توصلوا إلى هذه الحقيقة عن طريق البحث العلمي.

стр. 17

فمن الغفلة الكبيرة والجهل بأصول المعرفة، إقامة الصراع والنزاع بين ما يأتي من المعارف الكونية عن طريق الدين، وما يأتي منها عن طريق الوسائل الإنسانية، مع أن هذه وتلك شواهد إلهية أقامها الله بين يدي الإنسان ليعرف بها الحقيقة، وهل يشهد الله شهادتين متناقضتين أو يضللنا سبحانه فيضع لنا وسيلتين تعطي كل منهما نتيجة مناقضة للأخرى في موضع واحد؟ هذا أمر لا يكون في حال من الأحوال، وحكمة الله العلي العليم الحكيم القدير تأباه. وواجبنا لدى البحث عن الحقيقة أن نحرر تحريراً دقيقاً ما تأتينا به الوسائل الإنسانية من المعارف، وما يصلنا من أخبار الوحي. وكل مظهر للتناقض بين ما تشهد به الوسائل الإنسانية للمعرفة وما تشهد به النصوص الدينية لا يعدو أحد الاحتمالات التالية: ١- إما أن يكون الذي نسب إلى العلم لم يصل إلى مرحلة العلم المقطوع به، كالنظريات التي لم تتأكد بعد، والتي ما زالت رهن البحث والنظر، أو التي لا سبيل إلى إثباتها بأدلة علمية يقينية، وإن اعتقدها العلماء الماديون لعدم وجود ما هو أقوى منها في نظرهم المادي البحت، ولأنه لا اختيار لهم بعد ذلك إلا التسليم بما جاء به الدين، وهم يرفضون نفسياً هذا الأخير. ٢- وإما لأن الذي نسب إلى الدين لم يصل إلى درجة القطع في نقل النص الذي تضمنه. ٣- وإما لأن الفهم الذي فُهم به النص الديني فهم خاطئ، وهذا الفهم لا يتحمل النص الديني وزر خطئه، وغنما يعبر عن رأي من فهمه على هذا الوجه المخالف للحقيقة العلمية، التي توصلت إليها الوسائل الإنسانية، كمسألة كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس. وهنا نلاحظ أن النصرانية لما سقطت في طائفة من المفاهيم الباطلة الدخيلة على أصل الدين، والمخالفة له، والمناقضة لأصول العقل والعلم الصحيح،

стр. 18

حاولت أن تتلخص من ورطتها هذه بمقالتها المشهورة: "الدين لا يخضع للعقل" وأطلق علماؤهم بين بين أتباعهم كلمتهم المأثورة: "أطفئ مصباح عقلك واعتقد وأنت أعمى" وحرموا التفكير والنظر في مسائل الدين، وفرضوا عليهم التسليم الأعمى بالإله المثلث دون مناقشة ولا نظر، مع أن أصول العقل السليم ترفض هذا رفضاً قطعياً، ولا تسلم به النفوس إلا مع تعطيل منطق العقل، ورافق ذلك أنهم أقفلوا باب العقل والبحث العلمي نهائياً عن كل مسألة تعرضت إليها نصوص دينهم، حتى ما كان منها متعلقاً بواقع الكون الذي تستطيع الوسائل الإنسانية أن تصل إلى معرفته. ولما جاء الإسلام رفض هذا التثليث الدخيل على دين الله، ونادى بالوحدانية، وقدم على ذلك شهادة من عند الله، نزل بها الوحي على رسول الله محمد ﷺ ، وشهادة من أولي العلم، فجعل العقل العلمي شاهداً على هذه الحقيقة، وناقض مخالفيها على أساس من العقل والعلم، واعتبر العقل في هذا سنداً يُستفتى ويُستشهد به، ولو كان البحث العلمي الإنساني السليم سيوصل إلى القطع بحقائق لا يوافق عليها الدين لما دعاه الإسلام إلى تقديم شهادته بالحقيقة، ولما أرشد الله العلماء إليه، ووضع في أيديهم وسائله، ودفع بهم إليه دفعاً، فقال الله تعالى في سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) : ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... ﴾ . وقال في سورة (العنكبوت/٢٩ مصحف/٨٥ نزول) : ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ... ﴾ . وقال في سورة (الذاريات/٥١ مصحف/٦١ نزول) : ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي? أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ..﴾ . ولما ناقش الناس بدلائله (أي: بدلائل العقل) ، ففي إثبات الوحدانية قال الله تعالى في سورة (الأنبياء/٢١ مصحف/٧٣ نزول) : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾

стр. 19

وقال في سورة (المؤمنون/٢٣ مصحف/٧٤ نزول) : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ اله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ . وفي إثبات وجود الله ناقش بالمنطق العقلي البحت فقال الله تعالى في سورة (الطور/٥٢ مصحف/٧٦ نزول) : ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ . إلى غير ذلك من شواهد كثيرة (١) (٣) الغيب ومنطق العقل حينما يناقش علماء النصارى في مسألة التثليث أو غيرها من المسائل التي يرفضها منطق العقل، يدافعون بأن الدين لا يخضع لمنطق العقل، إذ هو فوق مستوى العقل البشري، ويجب التسليم بكل ما جاء فيه، ولو كان العقل يرفضه رفضاً باتاً لاستحالته. وظل رؤساء الدين عندهم يهيمنون على أتباعهم بهذه الحجة، حتى قامت الثورة العلمية المادية الحديثة، ففجرت جوانب البحث العلمي في كل مجال من المجالات العلمية التي يستطيع الإنسان أن يتوصل إليها، وأيقظت الفكر النصراني من سباته الذي لازمه قرابة خمسة عشر قرناً، ثم امتد أثره إلى الأمم الأخرى، ومع هذه اليقظة العلمية أخذ المثقفون منهم يفكرون في قضية التثليث، وفي قضايا مشابهة، يقال عنها: إنها من أمور الدين التي هي فوق مستوى العقل، ويجب التسليم بها، ولو كان العقل يرفضها قطعياً ويرى أنها مستحيلة، فلم تهضمها

стр. 20

عقولهم، وبدأوا يتشككون في صحة ديانتهم من أساسها، وقام الصراع المعروف بين قوتين: قوة تقليدية لها مؤسسات ورياسات دينية وأنظمة حكم تدعمها. وقوة أخرى أخذت سبيلها إلى النهوض المادي عن طريق البحث العلمي، ومناقشة الأمور بالعقل والمنطق وسائر وسائل البحث الإنساني للوصول إلى المعرفة الصحيحة. وانتهت معركة الصراع بمحاصرة الديانة النصرانية وحجزها داخل جدران الكنيسة، ثم أخذت الأجيال النصرانية سبيلها إلى إنكار ديانتهم، والشك في صحتها من أساسها، وعاشت في فراغ فكري وروحي خطير، وفي هذا الجو النفسي المستعد لملئه بشيء آخر نشط دعاة الإلحاد الماديون يبثون أفكارهم الإلحادية، واستغلت اليهودية العالمية هذا الواقع أو ساهمت في التدبير له، وشحنته بما يلزم من الآراء الإلحادية والنظريات الخادمة لقضية الإلحاد، فأخذ الإلحاد ينتشر في أوروبا انتشار النار في الهشيم، وتبعتها شعوب أخرى، ودار دولاب الانهيار في الغرب والشرق متسارعاً بشكل خطير، مؤذن بدمار قريب تتحقق فيه سنة الله في الأمم. والمسؤول عن كل ذلك أو معظمه العلماء بالنصرانية ورؤساء الكنيسة، لأنهم لم يصححوا العقائد المزيفة، الدخيلة على أصول ديانتهم، والتي كان اليهود من قبل قد عملوا على إدخالها فيها لإفساد أصول النصرانية، ثم لم يعمل هؤلاء الرؤساء الدينيون لإقناع شبابهم المثقف بالحجة والبرهان. وهنا يتساءل الشاب المسلم المثقف فيقول: ما هو موقف الإسلام من العقل، ومما تثبته وسائل المعرفة الإنسانية تجاه ما جاء به الدين؟ ومن واجبنا أمام هذا التساؤل أن نحرر الجواب تحريراً شاملاً شافياً: أولاً: من نعمة الله علينا في الإسلام أن أصوله وأركانه قد سَلِمت من التغيير والتحريف، فلم يصبها شيءٌ، مما أصاب أصول الأديان الأخرى من ذلك، فليس

стр. 21

أمامنا مشكلة دين محرف مخالف للحقيقة، أو مخالف لمنطق فليس أمامنا مشكلة دين محرف مخالف للحقيقة، أو مخالف لمنطق العقل والواقع، حتى نلفّق لدعمه الحجج الخرافية، على أن الإسلام لا يرضى ولا يقبل بحالٍ من الأحوال من المؤمنين به أن يلفقوا الحجج الباطلة، أو يختلقوا الشهادات الكاذبات، ولو كان ذلك لدعم الحق الذي جاء به، لأن قبول هذا الأسلوب سيقضي على الأدلة والحجج الحقة الصادقة، وسيقضي بالتالي على الدين من أساسه، إذ قبل بمبدأ التأييد بالباطل، فالحق لا يقبل التأييد والمناصرة إلا بالحق. ثانياً: الإسلام دين الحق، والحق لا يمكن أن تقوم الأدلة الصحيحة على إبطاله بحال من الأحوال. ولكن قد تقوم الأدلة الباطلة لإبطاله في تصورات المغرورين المخدوعين صغار العقول، على أن هذه الأدلة الباطلة لا تلبث حتى تنهار، وحسبها ضعفاً وقلة شأن أنها أدلة باطلة في أصلها، مهما طليت بالأصباغ وأنواع الزينة من زخرف القول. ثالثاً: تنقسم المعارف الدينية إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: تكاليف عملية نفسية وجسدية يطالب الناس بها. ومن نعمة الله علينا في الإسلام أنها مشتملة على ما يصلح أوضاع الناس وأحوالهم، ويرتقي بهم إلى أرفع درجة حضارية إنسانية، سواءٌ أكانت تكاليف عبادات، أو تكاليف أخلاق، أو تكاليف معاملات، أو تكاليف أخرى تدفع الناس إلى الارتقاء المجيد في سلَّم الحضارة الإنسانية المثلى، الخالية من عيوب الانهيار الأخلاقي والنفسي والسلوكي. وبرهان هذا وتفصيله يتطلب شرحاً طويلاً، عرضت طائفة مناسبة منه في كتابي: "أسس الحضارة الإسلامية ووسائلها". على أن الأصل في التكاليف أنها ابتلاء للإرادة، والامتحان لا يشترط فيه بشكل لازم أن يكون موافقاً لمصالح الواقعين تحت الامتحان. لكن فضل الله كان عظيماً، إذ كان امتحانه لنا في تكاليف تضمن أحسن المصالح لنا، وأوفى المنافع، وأكثر الاحتمالات دفعاً للأضرار والمخاطر، وأسلمها حلاً للمشكلات.

стр. 22

القسم الثاني: أنباء عن واقع كوني باستطاعة الوسائل الإنسانية أن تصل إلى معرفتها على ما هي عليه في الواقع، ولو بعد حين. وما جاء في الإسلام من هذا القسم لا يمكن أن يكون مخالفاً للواقع والحقيقة، إلا ضمن احتمالين لا ثالث لهما: الأول: أن يكون فهم النص الإسلامي من قبل بعض المجتهدين أو المؤولين فهماً خاطئاً. الثاني: أن يكون النص المنسوب إلى الإسلام نصاً غير صحيح النسبة، كأن يكون خبراً كاذباً، أو ضعيفاً لا يصح الاعتماد عليه، أو خبراً غير قطعي الثبوت، فمن الممكن دخول خطأ فيه من نقل الراوي أو فهمه، إذ يحتمل أنه روى المعنى الذي فهمه هو، ولم يرو اللفظ ذاته الذي أخبر به الرسول ﷺ ، وهذا إنما يكون في أحاديث الآحاد فقط، أي: التي لم تبلغ مبلغ التواتر اللفظي أو المعنوي. إما أن يكون الخبر الإسلامي قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ثم يخالف الحقيقة والواقع، فهذا غير موجود حتماً، وليس من الممكن أن يوجد قطعاً. ولكن هنا قد تقع مغالطة لا بد من التنبيه عليها، وهذه المغالطة تأتي من قبل ما ينسب إلى الحقيقة العلمية، الآتية عن طريق الوسائل الإنسانية البحتة، فكثيراً ما يدعي الماديون أن فرضية من الفرضيات، أو نظرية من النظريات، قد أصبحت حقيقة علمية غير قابلة للنقض أو التعديل، مع أن هذه النظرية لا تملك أدلة إثبات يقينية تجعلها حقيقة نهائية، أو حقيقة مقطوعاً بها ضمن مستواها، وذلك بشهادة العلماء، الذين وضعوا هذه النظرية أو ساهموا في تدعيمها. ومن أمثلة ذلك الداروينية بالنسبة إلى نشأة الكون وخلق الإنسان، فهي لا تملك أدلة إثبات قاطعة أو شديدة الترجيح، ولكن كثيراً من العلماء الماديين يقبلونها تسليماً اعتقادياً، لا تسليماً علمياً، إذ ليس لديهم اختيار بعدها إلا الإيمان بالخلق الرباني، وهذا أمر لا يجدون أنفسهم الآن مستعدين لقبوله، ما دام منطق الإلحاد هو المسيطر على اعتقادهم في بيئاتهم.

стр. 23

ويأتي كُسور من المثقفين (أنصاف - أرباع - أعشار) من المتأثرين بالنزعات الإلحادية فيدَّعون وجود التناقض بين الدين والحقائق العلمية، استناداً إلى وجود اختلاف بين بعض المعارف الدينية وبعض الفرضيات أو النظريات التي لم تصبح بعدُ حقائق علمية، وهم يزعمون كذباً أو يتصورون خطأ أن هذه الفرضيات أو النظريات قد أصبحت حقائق علمية ثابتة بشكل قطعي غير قابل للنقض، وهنا يقعون في غلط علمي فاحش جداً، ويتبع ذلك سقوطهم في ضلال اعتقادي كبير تجاه الدين وأصوله ومعارفه، علماً بأن طائفة من النظريات التي نسبت إلى العلم قد وُضعت خصيصاً لدعم قضية الإلحاد والكفر بالله، على أيدي يهود أو أجراء يهود، وصيغت لها المقدمات والمبررات التي ليس لها قواعد منطقية علمية صحيحة. فالواجب إذن يتحتم علينا - أخذاً بطرق البحث العلمي السليم المحرر الذي أمرنا به الإسلام-أن نمعن النظر فيما قدمته شهادة العقل، ووسائل البحث العلمي الإنسانية، وفيما قدمته شهادة النصوص الدينية، وأن نخضع هذه الشهادات للضوابط العلمية الصحيحة، المتفق عليها في أصول العقل، وفي أصول الدين. وإني لأجزم بكل يقين أننا لن نجد مسألة واحدة يستحكم فيها الخلاف بين شهادة النصوص الدينية اليقينية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وبين الشهادة القاطعة التي يقدمها العقل، أو الشهادة القاطعة التي يقدمها البحث العلمي الإنساني البحت. بل اليقيني من كل ذلك لا بد أن يتطابق في شهادته، متى استطاع أن يصل إلى الحقيقة التي هي موضوع البحث. فإن وصل بعضها وبعضها الآخر لم يصل أعلن كل عن مبلغه من العلم قصَّر في المعرفة أو زاد، وفي هذا لا يوجد تناقض أو خلاف، ولكن يوجد بيان جزئي وبيان أشمل وأكمل، أو بيان جزئي من جهة وبيان جزئي من جهة أخرى، وفق مثال العميان والفيل (١) .

стр. 24

القسم الثالث: أنباء من أنباء الغيب الذي لا تستطيع الوسائل الإنسانية البحتة أن تصل إلى معرفته على ما هو عليه في الواقع. وهذه الأنباء الدينية الغيبية تخبر عن بعض حقائق الوجود الأكبر، فمنها ما يتعلق بخصائص الخالق جل وعلا، ومنها ما يصف بعض الحقائق الغيبية من واقع هذا الكون المخلوق لله تعالى، كالملائكة والجن والعرش والكرسي، ومنها ما يحكي أحداثاً سبق أن حدثت فيما مضى من الأزمان، وليس باستطاعة الوسائل الإنسانية أن تستعيد صورتها الواقعية، كقصة خلق آدم، ومنها ما يُنبيء عن أحداث ستقع فيما يأتي من الأزمان، ضمن واقع هذا النظام الكوني القائم، كأشراط الساعة، أو سوف تقع في نظام عالم آخر وحياة أخرى، وهو ما جاء عن الآخرة زماناً وداراً وحياة وحساباً ونعيماً وعذاباً. وموقف العقل ووسائل البحث العلمي الإنسانية بالنسبة إلى ما جاء في هذا القسم يتلخص بما يلي: ١- تحرير صدق الخبر وصحة دلالته. ٢- رفض ما لم يثبت صدقه ضمن قواعد تحرير صدق الأخبار. ٣- رفض ما خالف أحكام العقل القاطعة، وهو ما يدخل في قسم المستحيلات العقلية، كالجمع بين النقيضين، وكوجود شريك لله الخالق ، فأي نبأ من أنباء الغيب يثبت شيئاً يحكم العقل حكماً قاطعاً باستحالة وجوده هو خبر مرفوض عقلاً وشرعاً، وأي نبأ من أنباء الغيب ينفي شيئاً يحكم العقل حكماً قاطعاً بأنه واجب الوجود هو نبأ مرفوض عقلاً وشرعاًً. ولما قال الإمام الغزالي في كتابه "المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى" كلمته الحصيفة الرصينة المشتملة على نظر ثاقب عميق:

стр. 25

" ولا تستبعد أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور قد يظهر فيه ما لا يظهر في العقل ". عقّب عليه باستدراك خلاصته: إن ما وراء العقل قد يكون بعيداً عن تصور العقل وتوهمه بُعداً بالغ النهاية، لأن العقل محجوب عنه في حدوده التي لا يستطيع أن يتعداها، لكنه لا يمكن أن يكون وراء العقل أشياء يحكم العقل حكماً قاطعاً باستحالتها، فهنالك فرق كبير بين ما لا يدركه العقل فهو لا يتناوله بنفي ولا إثبات، لأنه ليس من الأمور التي يتناولها بأحكامه، وبين ما يحكم العقل حكماً قاطعاً بنفيه أو إثباته. فمن الأشياء التي لا يمكن أن يكون وضعها فيما وراء العقل على خلاف وضعها في أحكام العقل القاطعة لأنها من المستحيلات العقلية: أن يكون لله تعالى شريك، أو أن يكون في مقدور الخالق جل وعلا أن يخلق مثل ذاته سبحانه، أو أن يجعل الحادث قديماً، أو ما أشبه ذلك. وقد أوفيت هذا الموضوع بمزيد من الشرح والتفصيل في كتابي: "العقيدة الإسلامية وأسسها". ٤- ما له دلائل وقرائن من العقل تؤيده فإن موقف العقل منه موقف الشاهد المؤيد المسلم. ٥- التسليم التام في كل ما يقول فيه العقل: لا أدري، إذ ليس لدي من الأدلة الظاهرة في مقاييسي ما أستطيع أن أثبت به، كما أنه ليس لدي منها ما أستطيع أن أنفي به. وهذا التسليم تصديق لشهادة النص الديني الثابت من جهة الرواية، وفق أصول تحقيق المستندات الأخبارية، وتصديق شهادة النص الديني له مستند عقلي قاطع، لأن العقول يقول: ما جربته من أنباء الإسلام الصحيحة النسبة بشكل يقيني لم أجد فيها إلا الحق، وكل ما وجدته فيها مما استطعت الوصول إلى حقيقته الواقعة بنفسي كان حقاً وصدقاً. ويقول العقل أيضاً: إن من يملك تغيير سنن الكون الثابتة بما يجريه من معجزات على أيدي أنبيائه ورسله، ليعلمني بأن الكون كله خاضع

стр. 26

لقدرته وإرادته، وليعلمني بأن أخباره التي يبلغها أنبياؤه ورسله أخبار صادقة، لا يمكن أن تكون أخباره عن الغيوب التي لا أستطيع الوصول إليها بنفسي أخباراً مخالفة لحقيقة الغيب وواقعه. لكل ذلك فإنه يجب التسليم بها تسليماً قاطعاً لا يداخله ريب. (٤) منهج الإسلام في المعرفة الأساس الأول للمعرفة في الفكر الإسلامي يقوم على أن المعرفة الصحيحة هي ما كان مطابقاً للواقع والحقيقة، فما كان مطابقاً لذلك فهو حق، وما لم يكن مطابقاً له فهو باطل، وقد تكون الصورة الذهنية أو القولية مطابقة للواقع والحقيقة من بعض الوجوه، ومخالفة من بعض الوجوه، فيكون فيها من الحق على مقدار المطابقة، ومن الباطل على مقدار المخالفة. والقاعدة الكلية التي تأتي وراء هذا الأساس هي: أن كل وسيلة صحيحة تعطينا صورة صادقة عن الواقع والحقيقة هي وسيلة يجب الاعتماد عليها والثقة بها في تحصيل المعرفة، والمرجع الأول والأخير دائماً هو الواقع، وبالواقع تقاس النتائج. وعلى هذه القاعدة قام بناء الفكر الإسلامي. أما وسائل المعرفة التي يجب اعتمادها في الفكر الإسلامي فتتلخص بثلاث وسائل: الوسيلة الأولى: المعرفة المباشرة، وتكون بالإدراك الحسي، ولو عن طريق الأجهزة والأدوات. الوسيلة الثانية: الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الاستنتاجية والاستنباطية. الوسيلة الثالثة: الخبر الصادق، ومن الخبر الصادق الوحي، وهنا يعترضنا سؤال وهو: إذا كان الهدف الأول والرئيسي هو أن تكون المعرفة مطابقة للواقع والحقيقة، فماذا نصنع حينما تختلف وسائل المعرفة حول موضوع واحد، أو حول نقطة في موضوع واحد؟

стр. 27

هل نعتمد وسيلة الإدراك الحسي؟ أو وسيلة الاستدلال العقلي؟ أو وسيلة الخبر الصادق؟ أو ماذا نصنع ... ؟ ونجيب على هذا السؤال بما يلي: حينما يكون دليل وسيلة من هذه الوسائل هو الدليل الأقوى في الموضوع فإنه ينبغي اعتماده وترجيحه، فإذا كان دليل الحس قائماً على مشاهدة صحيحة يقينية خالية من احتمال الخطأ، مؤكدة بتوافق الحواس في إدراكها، كان دليل الحس هو الذي ينبغي اعتماده، ومن ثم يعاد النظر في الاستدلال العقلي إذا كان الخلاف معه أو يعاد النظر في دليل الخبر الصادق إذا كان الخلاف معه، وإعادة النظر في دليل الخبر الصادق قد لا تحتاج أكثر من تصحيح فهم النص، والنظر في تأويله بما يتفق مع النتائج اليقينية التي قدمها دليل الحس، وذلك لأن الغاية من استخدام وسائل المعرفة إنما هو الوصول إلى معرفة مطابقة للواقع، وليس من الممكن أن يتناقض الواقع مع نفسه، وحينما يظهر خلاف أو تناقض في النتائج التي قدمتها الوسائل فلا بد أن خطأ قد دخل حتماً في بعضها أو في كلها، وعندئذ لا مناص من مراجعة الأدلة والتمحيص فيها، وإعادة النظر وزيادة التحري عن الحقيقة لاكتشاف مواقع الخطأ والخلل. وتظل المراجعة مفتوحة حتى يتم اكتشاف المخطئ منها، ثم ما يثبت منها الواقع والحقيقة بصفة يقينية يكون هو الجدير بالاعتماد، ثم يعاد النظر في غيره حتى نصححه وننتهي إلى التوافق التام في النتائج، فمن المستحيل في منطق الوجود أن تتناقض الأدلة اليقينية في معطياتها العلمية، وحينما نجد التناقض في هذه المعطيات فلا بد من وجود خلل أو خطأ في بعض الأدلة أو في كلها. وتخضع النصوص الدينية لحكم هذا المنهج العلمي، لأن الحقيقة الواقعة في الوجود هي من خلق الله تعالى، والله محيط بكل شيء علماً، وحينما يخبرنا عن شيء منها فلا بد أن يكون خبره مطابقاً لما هي عليه في الواقع، لأنه يستحيل الجهل أو الكذب عليه سبحانه.

стр. 28

والمشكلة قد تأتي - كما سبق أن أوضحت - من الخطأ في فهم النص الديني الثابت، وفهم النص الديني عمل اجتهادي إنساني، وهذا الفهم الإنساني للنص قد يصيب وقد يخطئ، فإذا أخطأ الاجتهاد في الفهم فليس معنى خطئه أن النص هو المخطئ، ولكن المخطئ هو الإنسان غير المعصوم، الذي اجتهد في فهم معنى النص، وفي هذه الحالة علينا أن نراجع فهمنا للنص، ونعيد تدبُّرنا له، حتى نصل إلى المعنى اليقيني الذي تم الوصول إليه بيقين عن طريق الإدراك الحسي أو الاستدلال العقلي. ولا يكون التعصب للاجتهاد الذي أخطأ فيه صاحبه إلا خدمة للذين يحاولون بكل ما يستطيعون من جهد أن يثبتوا التناقض بين ما يأتي به الدين، وبين الحقائق التي تأتي بها الوسائل الإنسانية للبحث العلمي، لطعن الدين من أساسه، ونسف قواعده القائمة على الحق، وإشاعة الإلحاد والمادية التي لا تؤمن بالله. وقد تأتي المشكلة أيضاً من كون النص الديني نصاً غير ثابت ثبوتاً قطعياً، لأنه لم تتوافر له الروايات الصحيحة التي تجعله قطعيّ الثبوت، وبدهي في هذه الحالة أن يكون الدليل الحسي اليقيني أو الدليل العقلي اليقيني أقوى من دليل الخبر الظني الذي لم يبلغ مبلغ القطعية، فإن أمكن تأويل النص أقوى من دليل الخبر الظني الذي لم يبلغ مبلغ القطعية، فإن أمكن تأويل النص بما يتفق مع النتائج اليقينية للأدلة الأخرى أولناه، وإلا أخذنا بالنتائج اليقينية حتماً، وتركنا النص ودلالته، ولا يضرنا هذا في الدين، لأن قبولنا له من الأساس قد كان بصفة ترجيحية لا بصفة قطعية. فإذا سأل سائل فقال: هل لنا أن نؤول النصوص الدينية أو نخصصها بدليل الحس أو بدليل العقل، حتى تكون دلالتها مطابقة للواقع والحقيقة؟ كان جوابنا بالإيجاب حتماً، وبأن هذا العمل من القواعد المقررة في علوم الشريعة الإسلامية، يقول علماء أصول الفقه في أبواب تخصيص العام: "لا خلاف في جواز تخصيص العموم" ويقررون في أبواب تأويل الظاهر: "أنه يجوز التأويل متى كان دليله أرجح من دليل العمل بالظاهر، ويجب التأويل متى كان دليله دليلاً قاطعاً لا يجوز العدول عنه" ويذكرون من أدلة تخصيص العموم: "دليل الحس،

стр. 29

ودليل العقل" ونظير ذلك يكون في تأويل الظاهر، فيتم التأويل بناء على دليل الحس أو دليل العقل. هذا هو منهجنا الإسلامي فيما يتعلق بالنصوص الدينية ودلالتها على حقائق الأشياء. ولكن يجب الحذر الشديد لدى تطبيق هذا المنهج، حتى لا يدخل علينا الدس الماكر باسم الحقائق العلمية التي توصلت إليها نتائج البحث العلمي بالوسائل الإنسانية البحتة، فكثير من النتائج التي تُقرَّر على أنها حقائق علمية عند أصحاب البحث العلمي المادي لا تعدو أنها نظريات أو فرضيات قابلة للتعديل أو التغيير أو النقض الكلي، وليست حقائق علمية يقينية عند أصحابها، ولكن أصحاب الأهواء أو صغار المثقفين الذين لا يقدرون المعارف العلمية حق قدرها، وينخدعون بدعايات الترويج التجاري أو السياسي للنظريات أو الفرضيات العلمية، قد يزعمون أنها حقائق ويقينيات علمية، وليست هي في الواقع كذلك، ثم يحملونها حمل الببغاوات أو حمل الأجراء، ثم يقولون: إن بين الحقائق العلمية وبين النصوص الدينية تناقضاً، ويقصدون بالحقائق العلمية هذه النظريات أو الفرضيات التي لم تثبت بعد في نظر واضعيها ثبوتاً يقينياً أو نهائياً، فضلاً عن أن تكون يقينيات في نظر غيرهم من الذين يعارضون فيها. وأمام هذه النظريات أو الفرضيات لا نجد أنفسنا ملزمين علمياً بتحديد معاني النصوص الدينية التي تتناول الموضوع نفسه تحديداً قاطعاً. والخطة المثلى أن نطرح الاحتمالات دلالاتها طرحاً غير مقترن بترجيح ولا تثبيت، وحينما نرى أن نرجح فعلينا أن لا نجزم، وأن نترك الجز لمستقبل البحث العلمي، وننتظر إثبات الحقيقة العلمية بوسيلة يقينية، فالمضمون لا يتعلق به حكم شرعي يجب العمل به، لذلك فلا ضير من التريث والأناة، هذا إذا لم يكن النص اليقيني قاطعاً في دلالته. أما إذا كان قاطعاً في دلالته، أو كان من الأمور المتعقلة بالتشريع والأحكام الدينية، أو من الغيب الاعتقادي الذي لا تملك الوسائل الإنسانية الوصول إلى شيء

стр. 30

منه، فإنه يجب الأخذ بمضمونه وفق أصول الاجتهاد في فهم النصوص، فاليقيني منها نسلم به تسليماً تاماً، وغير اليقيني نضعه في المستوى الذي يقتضيه الترجيح. (٥) النتيجة فهل لمضلل ملحد بعد هذا التحليل لموقف العلم والدين من الحقيقة أن يزعم وجود التناقض بين الإسلام والعلم في المنهج الذي يجب اعتماده للوصول إلى معرفة الحقائق، أو في النتائج اليقينية المقطوع بها التي يقررها الدين والأخرى التي تنتهي إليها وسائل البحث العلمي الإنساني؟ إن أي مضلل لا يستطيع إثبات ادعائه وجود هذا التناقض، إلا على أساس من المغالطات والأكاذيب وزخرف من القول وصناعة الجدال بالباطل. فمن المستحيل وجود التناقض بين الحقائق التي تأتي عن طريق الدين والحقائق التي تأتي عن طريق وسائل المعرفة الإنسانية البحتة. * ... * ... *

стр. 31

الفصل الثالث النقد الذاتي حول مفاهيم المسلمين للإسلام

стр. 32

(١) تحت عنوان "نقد الفكر الديني" تستر الناقد العظم، إذ حاول تقويض أسس الإسلام الكبرى، وقواعده العظمى، التي هي حق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وربما استغل ما لدى بعض المسلمين من مفاهيم خاطئة عن الإسلام، ليطعن الإسلام بذلك، على طريقة إبطال الطب كله لأخطاء بعض الأطباء، وإبطال الهندسة كلها لأخطاء بعض المهندسين، وإبطال ضرورة القضاء لفساد بعض القضاة، وتعميم الأحكام التي هي لبعض الأفراد، وإطلاقها على كل الأفراد، ثم إطلاقها على المبادئ الحقة التي يدعي هؤلاء الأفراد انتسابهم إلهيا، ولو كانوا مخالفين لها في مفاهيمهم أو في سلوكهم، وعلى هذا الجنوح الفكري الخطير، الخارج عن حدود كل منطق عقلي أو علمي سليم، سار العظم في جدلياته ومغالطاته. ولكي لا يزعم القارئ أنني من الذين يبررون كل خطأ، ما دام يعلن انتسابه إلى الدين زوراً وبهتاناً، أو جهلاً وغفلة، أو خطأ غير مقصود، عقدت هذا الفصل، لأنقد فيه نقداً ذاتياً ما دخل على مفاهيم كثير من المسلمين عن الإسلام، وكوّن لديهم تصوُّراً مشوهاً غير صحيح للإسلام الحق، أو تطبيقاً مشوهاً له ينم عن فساد في التصور، أو انحراف في السلوك. ووجدت من الواجب علي أن أعقد هذا الفصل قبل أن أدخل مع العظم في المعركة الجدالية، حول النقاط التفصيلية التي أثارها، لألقي فيه الضوء على أن الإسلام الحق الذي هو دين الله للناس، يتميز كل التميز عن المنتسبين إليه، الذين لا يمثلون في مفاهيمهم أو سلوكهم صورة صحيحة عنه، وأرجو بهذا التمييز أن لا تدخل على الأجيال الإسلامية مغالطات وافتراءات أعداء الإسلام، وأعداء المسلمين وتاريخهم المجيد.

стр. 33

(٢) من المعلوم أن الإسلام الذي قدم للإنسانية ما قدمه من مجد حضاري أمثل يوم كانت الأمة الإسلامية في طور شبابها وقوتها صالح باستمرار لأن يأخذ بيد الإنسانية في طريق المجد الحضاري الصاعد، دون تقهقر ولا توقف، لو ظل المسلمون يجددون شبابهم، بالتماس منابع الإسلام الثرَّة، منها يعبون، ومنها ما به يتطهرون. ففي الإسلام الصافي جميع العناصر اللازمة التي تستطيع الإنسانية بها أن تحافظ على شباب دائم، متدفق بالحياة والعمل البناء والارتقاء، لو أحسنت تدبُّره والاستمساك به والعمل بتعاليمه. وفي الإسلام الصافي جميع العناصر اللازمة لإسعاد الناس كل الناس، أفراداً وأسراً وجماعات ودولاً، مهما اختلفت بينهم الأعراق والألوان والأجناس، ذلك لأنه دين الإنسانية جميعاً، المنزل وفق خصائصها وصفاتها المشتركة بين جميع شعوبها وقبائلها، وليس ديناً قومياً ولا إقليمياً ولا طبقياً. بخلاف الشيوعية التي هي مذهب طبقي عنوانه "يا عمال العالم اتحدوا" وبخلاف الرأسمالية التي هي مذهب طبقي أيضاً يخدم مصالح طبقة معينة، وبخلاف اليهودية بحسب مفاهيم اليهودية المحرفة، فهي دين قومي خاص بشعب بني إسرائيل، الذي هو في عقيدتهم شعب الله المختار. أما الإسلام فهو دين رب الناس اللطيف الخبير للناس أجمعين ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ ، ومن أجل ذلك كانت تعاليم هذا الدين مصلحة ومسعدة للناس كل الناس. ولست في مجال بيان تفصيلي يوضح هذه الحقيقة عن الإسلام، لأدلل على أن تعاليم الإسلام الصافية من الشوائب الدخيلة كفيلة بتحقيق مجد الإنسان في هذه الحياة، وكفيلة ببناء أفضل المؤسسات الاجتماعية، وبتنظيم أرقى دولة مدنية آخذة بأوفى نصيب خيرٌ من التقدم الحضاري المتطور، البعيد عن الشر ومعصية الله.

стр. 34

ولكن مرضاً خطيراً من الأمراض التي تراكبت على الأمة الإسلامية في القرون المتأخرة هو الذي جعلني أعقد هذا الفصل، ألا وهو الشوائب الدخيلة التي عقلت بالتعاليم الإسلامية في مفاهيم كثير من المسلمين. (٣) تأملات -ربما تكون غير مستقصية- من تأملات البحث العلمي، وضعت فيها إحدى يدي على الأسس الإسلامية العامة التي وعيتها خلال دراستي الطويلة للعلوم الإسلامية، ووضعت فيها يدي الأخرى على ما خبرته من واقع المسلمين خلال تجربة نيف وثلاثين سنة، جعلتني أتلمس الشوائب التي تسربت إلى مفاهيم المسلمين، فألصقها لجاهلون والغافلون بالتعاليم الإسلامية وهي ليست منها، وكان من وراء الجاهلين والغافلين في كثير من الأحيان ماكرون مختلفو الأصباغ والأقنعة والأغراض، يعملون في الخفاء لهدم الإسلام أسساً وقواعداً وبناءً شامخاً. ثم تحولت هذه المفاهيم التي هي من قبيل الشوائب لا الأصل النافع المفيد الخيّر، إلى تطبيقات عملية، ومواريث ثقيلة، أحنت ظهور الأجيال التي تحملها، وعرقلت سبيل تقدمها، كما أنها هيأت المُناخ المناسب لفساد الأجيال التي حملت شعار التخلص منها على غير بصيرة وغير هدى، فتخلصت منها ومن الجوهر النافع، الذي هو الأصل السليم، المرافق لها في حشد المفاهيم المختلطة، وذلك إذ لم تستطع هذه الأجيال أن تميز بين الأصل النافع المفيد، وبين الشوائب التي لا خير فيها. يضاف إلى ذلك أن طائفة من هذه الأجيال وجدت لأنفسها بسبب هذه الشوائب مبررات كثيرة تلبي عن طريقها الرغبة بالانطلاق والتحرر، والانسياق مع الأهواء والشهوات، دونما ضابط أو رادع. وكان من وراء هذه الطائفة الطائشة شياطين يمدون خراطيمهم في الظلمات من ديار الحرب إلى ديار الإسلام، فيوسوسون لها، ويمنونها، ويكيدون في ذلك ضدها وضد الأمة الإسلامية ما يكيدون من شر عظيم.

стр. 35

أما الطعم في شباك الصيد فإنه يرجع إلى واحد من عدة أصول، ومنها الأصول الخطيرة التالية: الأول: الإغراء بالمال. الثاني: الإطماع بالحكم والسلطان. الثالث: الفتنة بالنساء. الرابع: الفتنة بالخمر والميسر والمخدرات وأصناف اللهو، وإضعاف القوى الفردية والاجتماعية عن طريقها. الخامس: الخداع بمظاهر الحضارة المادية الخلابة، وبما تتضمن من قوى حربية فتاكة، وبمستنداتها من العلم المادي. وفي ضمن هذا الخداع تأتي واردات مهلكة لا هي من العلم الثابت، ولا هي من المنجزات الحضارية النافعة، وفي طيات هذه الواردات يكمن الخطر على الفكر، وعلى الخلق، وعلى السلوك، وعلى وحدة المسلمين، وعلى جميع قواهم الحقيقية المادية والمعنوية، ثم على كيانهم كله. (٤) مصوّر عام لمنهج التعاليم الإسلامية وما طرأ عليه نظرة عميقة إلى الشوائب التي دخلت أو أدخلت على التعاليم الإسلامية تكشف لنا أن المكان الطبيعي لهذه الشوائب يقع في أحد منحدرين كائنين من دون اليمين أو من دون اليسار، بالنسبة إلى المنهج الإسلامي الوسط، الممتد في القمة الرشيدة السعيدة، والذاهب ارتقاء إلى أعلى ذروات الحضارة المجيدة في دار الابتلاء، دار العمل والبناء، ثم إلى فردوس الخلود السعيد الأكمل في دار الجزاء. وإنما يحظى بخيرات هذا المنهج القويم السامي السالكون فيه، المتقيدون بحدوده، أفراداً وجماعات، وشعوباً ودولاً، والكل مسؤولون عن سلوك هذا المنهج والتزامه، وعن بناء الصرح الإسلامي الديني والدنيوي معاً. وهذا المنهج متى انكسرت حدوده أمسى عرضة للاتساع مما وراءه من مزالق

стр. 36

ومتاهات، وعرضة لانزلاق سالكيه والخروج عن جادته، وعرضة لدخول الشوائب فيه. أما الشوائب الدخيلة على التعاليم الإسلامية، فالحديث عنها يستدعي إلقاء نظرات عميقة إلى مصادرها ومنابع قدومها، ونظرات عميقة أخرى إلى السبل والوسائل التي تسربت بسببها فاختلطت في مفاهيم المسلمين، ضمن حشد التعاليم الأصلية، أو زاحمت بعضها ثم احتلت مكانه. ويستدعي منا أيضاً أن نلقي نظرات على واقع الصور العامة للتعاليم التي خالطتها الشوائب، أو زاحمت ما زاحمت منها، ثم احتلت مكانه في مختلف البيئات لشعوب المسلمين. (٥) أما النظرات إلى واقع الصور العامة القاتمة القائمة في مفاهيم كثير من المسلمين، فيمكن تمثيلها بإحدى الصور التالية المصابة بالخلل أو الفساد أو التزوير، وهي خمس صور: * الصورة الأولى: وهي الصورة المختلطة المهزوزة في مفاهيم بعض الناس لحقيقة التعاليم الإسلامية، وتكون هذه الصورة باختلاط الحقائق، وعدم إدراك كل منها في مكانه الصحيح. والشوائب في هذه الصورة ناتجة عن تداخل عناصر الصورة، وتمازج بعضها في بعض، وعدم تمايز حدود كل منها. ومن أمثلة هذه الصورة في الواقع ما نشاهده عند كثير من المنتسبين إلى الإسلام من المفاهيم المختلطة الغامضة عن التعاليم الإسلامية، كالذين يرون أن أي عطاء مالي يعتبر زكاة كافية للمال، ويكتفون بذلك فلا تحاسبون أنفسهم على كل نصيب زكوي يجب عليهم شرعاً أن يؤدوه، وكالذين يرون أن الديانات السماوية السابقة للإسلام لا تزال بعد بعثة محمد صلوات الله عليه مقبولة عند الله، ومنجية

стр. 37

من عواقب الشرك والكفر بالله، رغم كل التحريفات الواقعة فيها عن الأصل الصحيح الذي أنزله الله على رسله عليهم الصلاة والسلام، ولولا التحريف لرأى هؤلاء في ديانتهم ما يوجب عليهم اتباع محمد ﷺ والإيمان به، إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة. وسبب وجود هذه الصورة المهزوزة المختلطة الجهل بالتعاليم الإسلامية الصحيحة، وقلة أجهزة التثقيف الإسلامي العام في مختلف بلاد المسلمين. وإصلاح هذه الصورة يكون بتنفيذ خطة محكمة للتبصير الحقيقي بالإسلام الصحيح الصافي، ونشر الوعي العام لتعاليمه التي تشمل كل جوانب الحياة الإنسانية أفراداً وأسراً وجماعات وحكومات. ويمكن تلخيص هذه الخطة بما يلي: ١- وضع ميثاق إسلامي عام يمكن أن يلتقي عليه معظم المسلمين، ومن طبيعة هذا الميثاق أن يكون بعيداً عن النقاط الخلافية. ٢- وضع منهاج للتثقيف الإسلامي العام. ٣- إعداد المصنفات الإسلامية الحديثة الملائمة للغة العصر ولأسلوبه الكلامي، أو انتقاء المناسب منها، وينبغي أن تكون هذه الصفات بعيدة عن إثارة الخلافات المذهبية العنيفة، وأن تكو إيجابية ذات مستويات تتناسب مع مستويات جماهير المسلمين، على أن يتم نشرها بينهم بنسبة كافية، وبلغاتهم القومية. ٤- العمل على إعداد جيش المثقفين ثقافة إسلامية حسنة، مقرونة بوعي والتزام واتزان، وينبغي أن تكون دوائر التثقيف الإسلامي في حالة اتساع مستمر. ٥- توجيه هذا الجيش المتزايد إلى التوعية الإسلامية العامة، بمستويات تتناسب مع حال الجماهير المختلفة. * الصورة الثانية: وهي الصورة التي دخل فيها أخطاء لدى رسم المفاهيم الإسلامية الصحيحة، وطبيعي أن تكون هذه الأخطاء غير مطابقة للحقيقة الإسلامية. ومن الأمثلة لهذه الصورة ما نلاحظه من مفاهيم غير صحيحة منسوبة إلى

стр. 38

الإسلام، وقد يسهل الأمر حينما يقال: هذا هو رأي فلان الذي فهمه عن الأمر الفلاني من الإسلام، ولكن الخطر حينما يقال: هذا هو الحكم الإسلامي قطعاً، وكل رأي مخالف له من الآراء والاجتهادات التي لها وجه من النظر ضلال وكفر. وأسباب الأخطاء في رسم هذه الصورة كثيرة جداً، ويمكن الإشارة إلى أهم أصولها العامة: الأصل الأول: الخطأ في الاجتهاد، وللخطأ في الاجتهاد أسباب كثيرة يعرفها علماء أصول الفقه الإسلامي. الأصل الثاني: الخطأ في تقويم ما توصل إليه الاجتهاد، وذلك باعتباره هو الحق لا غير، رغم أن اليقين القاطع لم يتوافر فيه. الأصل الثالث: التعصب للرأي أو للمذهب ضد الآراء أو المذاهب الأخرى. أما الخطأ في الاجتهاد فيعذر فيه المجتهد الكفء بشرط تقيده بالأصول الاجتهادية العامة، التي قامت عليها دلائل الشرع والعقل. ولكنه ليس للمجتهد الذي توصل إلى مفهوم إسلامي قائم على ما ترجح لديه من ظن غالب أن يعطي ما توصل إليه اجتهاده أكثر من القيمة التي يستحقها، فيفرض على الإسلام رأيه، ويحارب كل رأي مخالف، وكذلك ليس لأنصار هذا المجتهد أن يفعلوا مثل هذا الفعل لاحتمال أن يكون الصواب في جانب رأي المخالف، أو في جانب رأي آخر. فإذا تعصب المجتهد لرأيه وفرضه على الإسلام فقد يؤدي به الحال إلى أن يلصق بالإسلام ما لا يقول به الإسلام نفسه، فيضيف إلى الصورة الإسلامية خطأ من عنده. ثم لا يصح للذين أخذوا برأي هذا المجتهد أن يتعصبوا له تعصباً أعمى، لأنهم بعملهم هذا يجسمون ويعظمون بقع الخطأ التي رسمها الاجتهاد الخاطئ في الصورة الإسلامية.

стр. 39

ومن أسباب الخطأ في الاجتهاد عدم التبصر الصحيح الشامل بمختلف المصادر التي تثبت بها المعارف الإنسانية، لمعرفة وجه الصواب، أو لتخفيف نسبة احتمالات الخطأ. وليس عسيراً على علماء المسلمين أن يصلحوا هذه الصورة التي دخلت فيها الأخطاء، إذا اجتمعوا في مؤتمرات عامة، وعالجوا المشكلات بتجرد صحيح، ونشدان للحقيقة حيث كانت. ويلحق بهذه الصورة التي دخلت فيها أخطاء لدى رسم المفاهيم الإسلامية الصحيحة المقومة لكل ما في الحياة رغم تطور أساليبها وصورها الحضارية، ما نلاحظه عند طائفة من متأخري طلاب المعرفة الإسلاميين من الإغراق في الاشتغال بالجدليات الكلامية والمماحكات اللفظية، وصرف معظم جهد البحث العلمي في حدود الألفاظ والحروف، والبعد عن تصيد جواهر التعاليم الإسلامية النافعة، وإخراجها منتظمة في عقود فكرية متكاملة متناسقة، تعالج مشكلات الحياة، وتواكب أطوارها الحضارية المتقدمة بإصلاح وتقويم، أو دفع وتدعيم. ولكن النهضة العلمية الإسلامية الحديثة في طائفة من عواصم بلاد المسلمين قد عدّلت من هذا تعديلاً كثيراً. * الصورة الثالثة: الصورة المشوهة من قبل أعداء الإسلام، وهي الصورة التي قبَّح جمالها وإشراقها الماكرون المفسدون بما لطخوا وجهها الصبيح من شبهات، وبما ألصقوا فيها من تهم كاذبة. وصانعو هذه التشويهات رسامون كثيرون من أعداء الإسلام، أجهدوا أنفسهم في تصيد الشبهات والتشويهات والأكاذيب والتضليلات، لإلصاقها بالتعاليم الإسلامية، وإفساد عقول أبناء المسلمين، ثم أجهدوا أنفسهم فأضافوا إليها أصنافاً مختلفة من الزينات والأصباغ والدهانات الخادعة للنظر. وحاولوا بهذا التشويه الحقير أن يشككوا المسلمين بدينهم وبتعاليمهم الربانية، واستطاعوا بعد جهد جهيد وزمن مديد أن يتلاعبوا بعقول البعيدين عن

стр. 40

التعاليم الإسلامية وتدبُّر غاياتها والحِكَم التي تتضمنها، والمفتونين ببريق الحضارة المادية الأوروبية الحديثة، لا سيما الذين أنشأتهم المدارس الأجنبية إنشاءً مباشراً، ثم الذين أنشأتهم مخططاتها ومناهجها بشكل غير مباشر. ومن اليسير على الدعاة المسلمين ذوي البصر النافذ، والعمل المخلص، إزالة هذه الأدران المشوهة للتعاليم الإسلامية، وذلك بالقيام بحملة توعية إسلامية تعتمد على إبراز فضائل هذه التعاليم، وبيان الحكم العظيمة التي تتضمنها، بالاستناد إلى البحوث الفكرية المنصفة الرصينة، والتجارب الواقعية المشاهدة. وقد تصدى بحمد الله طائفة من كتاب الفكر الإسلامي من ذوي الغَيرة لدفع هذه الشبهات وبيان زيفها، بكتابات كثيرة، ودفاعات محكمة، فأسهموا إسهاماً مباركاً طيباً في غسل الصورة التي أراد لها أعداء الإسلام أن تكون صورة مشوهة في نفوس كثير من أبناء المسلمين. وينبغي أيضاً أن تستهدف حملة التوعية هذه تبصير الأجيال الإسلامية بمرابض الخطر على مفاهيمها الإسلامية الصحيحة، وأخلاقها الكريمة، وذاتيتها الإسلامية، ذات الكيان المتميز في العالم، يضاف إليه فضح دسائس أعداء الإسلام الفكرية والعملية، وإبراز الصورة الإسلامية المشرقة الحقة، بكل وسيلة من وسائل الإعلام والتنوير العام. * الصورة الرابعة: وهي الصورة التي حصل فيها تغيير في النِّسب بين مفردات وأجزاء التعاليم الإسلامية، إذ أخذها بعضها من المساحة الكلية في أفكار ونفوس طائفة من المسلمين أكثر من نصيبه المقدر له في أصل التشريع الإسلامي. فإذا أردنا أن نمثل هذه الصورة التي تغيرت فيها النِّسب الأصلية وجدناها تشبه ما لو جاء رسَّام (كاريكاتير) فرسم سيارة لركوب الناس، فجعل لها دواليب، قُطْرُ كل منها متران، وجعل لها أبواباً صغيرة لا يستطيع أن يدخل منها الإنسان، ومرتفعة عن الأرض بمقدار قامته، ثم جعل لها من الداخل مقاعد ضيقة جداً، بمقدار راحة اليد، وطويلة جداً بمقدار طول العمالقة الخياليين، وهكذا تلاعب بالنسب
следующие страницы →