← Общие книги

Общие книги · id 12725

صراع مع الملاحدة حتى العظم

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (445 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومتاهات، وعرضة لانزلاق سالكيه والخروج عن جادته، وعرضة لدخول الشوائب فيه. أما الشوائب الدخيلة على التعاليم الإسلامية، فالحديث عنها يستدعي إلقاء نظرات عميقة إلى مصادرها ومنابع قدومها، ونظرات عميقة أخرى إلى السبل والوسائل التي تسربت بسببها فاختلطت في مفاهيم المسلمين، ضمن حشد التعاليم الأصلية، أو زاحمت بعضها ثم احتلت مكانه. ويستدعي منا أيضاً أن نلقي نظرات على واقع الصور العامة للتعاليم التي خالطتها الشوائب، أو زاحمت ما زاحمت منها، ثم احتلت مكانه في مختلف البيئات لشعوب المسلمين. (٥) أما النظرات إلى واقع الصور العامة القاتمة القائمة في مفاهيم كثير من المسلمين، فيمكن تمثيلها بإحدى الصور التالية المصابة بالخلل أو الفساد أو التزوير، وهي خمس صور: * الصورة الأولى: وهي الصورة المختلطة المهزوزة في مفاهيم بعض الناس لحقيقة التعاليم الإسلامية، وتكون هذه الصورة باختلاط الحقائق، وعدم إدراك كل منها في مكانه الصحيح. والشوائب في هذه الصورة ناتجة عن تداخل عناصر الصورة، وتمازج بعضها في بعض، وعدم تمايز حدود كل منها. ومن أمثلة هذه الصورة في الواقع ما نشاهده عند كثير من المنتسبين إلى الإسلام من المفاهيم المختلطة الغامضة عن التعاليم الإسلامية، كالذين يرون أن أي عطاء مالي يعتبر زكاة كافية للمال، ويكتفون بذلك فلا تحاسبون أنفسهم على كل نصيب زكوي يجب عليهم شرعاً أن يؤدوه، وكالذين يرون أن الديانات السماوية السابقة للإسلام لا تزال بعد بعثة محمد صلوات الله عليه مقبولة عند الله، ومنجية

стр. 37

من عواقب الشرك والكفر بالله، رغم كل التحريفات الواقعة فيها عن الأصل الصحيح الذي أنزله الله على رسله عليهم الصلاة والسلام، ولولا التحريف لرأى هؤلاء في ديانتهم ما يوجب عليهم اتباع محمد ﷺ والإيمان به، إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة. وسبب وجود هذه الصورة المهزوزة المختلطة الجهل بالتعاليم الإسلامية الصحيحة، وقلة أجهزة التثقيف الإسلامي العام في مختلف بلاد المسلمين. وإصلاح هذه الصورة يكون بتنفيذ خطة محكمة للتبصير الحقيقي بالإسلام الصحيح الصافي، ونشر الوعي العام لتعاليمه التي تشمل كل جوانب الحياة الإنسانية أفراداً وأسراً وجماعات وحكومات. ويمكن تلخيص هذه الخطة بما يلي: ١- وضع ميثاق إسلامي عام يمكن أن يلتقي عليه معظم المسلمين، ومن طبيعة هذا الميثاق أن يكون بعيداً عن النقاط الخلافية. ٢- وضع منهاج للتثقيف الإسلامي العام. ٣- إعداد المصنفات الإسلامية الحديثة الملائمة للغة العصر ولأسلوبه الكلامي، أو انتقاء المناسب منها، وينبغي أن تكون هذه الصفات بعيدة عن إثارة الخلافات المذهبية العنيفة، وأن تكو إيجابية ذات مستويات تتناسب مع مستويات جماهير المسلمين، على أن يتم نشرها بينهم بنسبة كافية، وبلغاتهم القومية. ٤- العمل على إعداد جيش المثقفين ثقافة إسلامية حسنة، مقرونة بوعي والتزام واتزان، وينبغي أن تكون دوائر التثقيف الإسلامي في حالة اتساع مستمر. ٥- توجيه هذا الجيش المتزايد إلى التوعية الإسلامية العامة، بمستويات تتناسب مع حال الجماهير المختلفة. * الصورة الثانية: وهي الصورة التي دخل فيها أخطاء لدى رسم المفاهيم الإسلامية الصحيحة، وطبيعي أن تكون هذه الأخطاء غير مطابقة للحقيقة الإسلامية. ومن الأمثلة لهذه الصورة ما نلاحظه من مفاهيم غير صحيحة منسوبة إلى

стр. 38

الإسلام، وقد يسهل الأمر حينما يقال: هذا هو رأي فلان الذي فهمه عن الأمر الفلاني من الإسلام، ولكن الخطر حينما يقال: هذا هو الحكم الإسلامي قطعاً، وكل رأي مخالف له من الآراء والاجتهادات التي لها وجه من النظر ضلال وكفر. وأسباب الأخطاء في رسم هذه الصورة كثيرة جداً، ويمكن الإشارة إلى أهم أصولها العامة: الأصل الأول: الخطأ في الاجتهاد، وللخطأ في الاجتهاد أسباب كثيرة يعرفها علماء أصول الفقه الإسلامي. الأصل الثاني: الخطأ في تقويم ما توصل إليه الاجتهاد، وذلك باعتباره هو الحق لا غير، رغم أن اليقين القاطع لم يتوافر فيه. الأصل الثالث: التعصب للرأي أو للمذهب ضد الآراء أو المذاهب الأخرى. أما الخطأ في الاجتهاد فيعذر فيه المجتهد الكفء بشرط تقيده بالأصول الاجتهادية العامة، التي قامت عليها دلائل الشرع والعقل. ولكنه ليس للمجتهد الذي توصل إلى مفهوم إسلامي قائم على ما ترجح لديه من ظن غالب أن يعطي ما توصل إليه اجتهاده أكثر من القيمة التي يستحقها، فيفرض على الإسلام رأيه، ويحارب كل رأي مخالف، وكذلك ليس لأنصار هذا المجتهد أن يفعلوا مثل هذا الفعل لاحتمال أن يكون الصواب في جانب رأي المخالف، أو في جانب رأي آخر. فإذا تعصب المجتهد لرأيه وفرضه على الإسلام فقد يؤدي به الحال إلى أن يلصق بالإسلام ما لا يقول به الإسلام نفسه، فيضيف إلى الصورة الإسلامية خطأ من عنده. ثم لا يصح للذين أخذوا برأي هذا المجتهد أن يتعصبوا له تعصباً أعمى، لأنهم بعملهم هذا يجسمون ويعظمون بقع الخطأ التي رسمها الاجتهاد الخاطئ في الصورة الإسلامية.

стр. 39

ومن أسباب الخطأ في الاجتهاد عدم التبصر الصحيح الشامل بمختلف المصادر التي تثبت بها المعارف الإنسانية، لمعرفة وجه الصواب، أو لتخفيف نسبة احتمالات الخطأ. وليس عسيراً على علماء المسلمين أن يصلحوا هذه الصورة التي دخلت فيها الأخطاء، إذا اجتمعوا في مؤتمرات عامة، وعالجوا المشكلات بتجرد صحيح، ونشدان للحقيقة حيث كانت. ويلحق بهذه الصورة التي دخلت فيها أخطاء لدى رسم المفاهيم الإسلامية الصحيحة المقومة لكل ما في الحياة رغم تطور أساليبها وصورها الحضارية، ما نلاحظه عند طائفة من متأخري طلاب المعرفة الإسلاميين من الإغراق في الاشتغال بالجدليات الكلامية والمماحكات اللفظية، وصرف معظم جهد البحث العلمي في حدود الألفاظ والحروف، والبعد عن تصيد جواهر التعاليم الإسلامية النافعة، وإخراجها منتظمة في عقود فكرية متكاملة متناسقة، تعالج مشكلات الحياة، وتواكب أطوارها الحضارية المتقدمة بإصلاح وتقويم، أو دفع وتدعيم. ولكن النهضة العلمية الإسلامية الحديثة في طائفة من عواصم بلاد المسلمين قد عدّلت من هذا تعديلاً كثيراً. * الصورة الثالثة: الصورة المشوهة من قبل أعداء الإسلام، وهي الصورة التي قبَّح جمالها وإشراقها الماكرون المفسدون بما لطخوا وجهها الصبيح من شبهات، وبما ألصقوا فيها من تهم كاذبة. وصانعو هذه التشويهات رسامون كثيرون من أعداء الإسلام، أجهدوا أنفسهم في تصيد الشبهات والتشويهات والأكاذيب والتضليلات، لإلصاقها بالتعاليم الإسلامية، وإفساد عقول أبناء المسلمين، ثم أجهدوا أنفسهم فأضافوا إليها أصنافاً مختلفة من الزينات والأصباغ والدهانات الخادعة للنظر. وحاولوا بهذا التشويه الحقير أن يشككوا المسلمين بدينهم وبتعاليمهم الربانية، واستطاعوا بعد جهد جهيد وزمن مديد أن يتلاعبوا بعقول البعيدين عن

стр. 40

التعاليم الإسلامية وتدبُّر غاياتها والحِكَم التي تتضمنها، والمفتونين ببريق الحضارة المادية الأوروبية الحديثة، لا سيما الذين أنشأتهم المدارس الأجنبية إنشاءً مباشراً، ثم الذين أنشأتهم مخططاتها ومناهجها بشكل غير مباشر. ومن اليسير على الدعاة المسلمين ذوي البصر النافذ، والعمل المخلص، إزالة هذه الأدران المشوهة للتعاليم الإسلامية، وذلك بالقيام بحملة توعية إسلامية تعتمد على إبراز فضائل هذه التعاليم، وبيان الحكم العظيمة التي تتضمنها، بالاستناد إلى البحوث الفكرية المنصفة الرصينة، والتجارب الواقعية المشاهدة. وقد تصدى بحمد الله طائفة من كتاب الفكر الإسلامي من ذوي الغَيرة لدفع هذه الشبهات وبيان زيفها، بكتابات كثيرة، ودفاعات محكمة، فأسهموا إسهاماً مباركاً طيباً في غسل الصورة التي أراد لها أعداء الإسلام أن تكون صورة مشوهة في نفوس كثير من أبناء المسلمين. وينبغي أيضاً أن تستهدف حملة التوعية هذه تبصير الأجيال الإسلامية بمرابض الخطر على مفاهيمها الإسلامية الصحيحة، وأخلاقها الكريمة، وذاتيتها الإسلامية، ذات الكيان المتميز في العالم، يضاف إليه فضح دسائس أعداء الإسلام الفكرية والعملية، وإبراز الصورة الإسلامية المشرقة الحقة، بكل وسيلة من وسائل الإعلام والتنوير العام. * الصورة الرابعة: وهي الصورة التي حصل فيها تغيير في النِّسب بين مفردات وأجزاء التعاليم الإسلامية، إذ أخذها بعضها من المساحة الكلية في أفكار ونفوس طائفة من المسلمين أكثر من نصيبه المقدر له في أصل التشريع الإسلامي. فإذا أردنا أن نمثل هذه الصورة التي تغيرت فيها النِّسب الأصلية وجدناها تشبه ما لو جاء رسَّام (كاريكاتير) فرسم سيارة لركوب الناس، فجعل لها دواليب، قُطْرُ كل منها متران، وجعل لها أبواباً صغيرة لا يستطيع أن يدخل منها الإنسان، ومرتفعة عن الأرض بمقدار قامته، ثم جعل لها من الداخل مقاعد ضيقة جداً، بمقدار راحة اليد، وطويلة جداً بمقدار طول العمالقة الخياليين، وهكذا تلاعب بالنسب

стр. 41

الصحيحة في الأجزاء، ووضع محركاً بمقدار محرك دراجة نارية، ثم كتب على سيارته هذه: (عدد الركاب ثمانون راكباً) . ربما أكون قد بالغت في التمثيل لغرض التوضيح، إلا أن الحقيقة التي عليها بعض المسلمين في فهمهم للتعاليم الإسلامية فيها تغيير كبير في نسبة كل جزء منها إلى المجموع الكلي. ومن الأمثلة ما يلي: (أ) يرى بعض الناس أن أهم ما في الدين هو حسن المعاملة مع الآخرين، فيملأ معظم المساحة الدينية به، ويفضي به هذا الفهم إلى ترك مراقبة الله في الأعمال والأقوال والأفكار والنيات، وإلى ترك فروض العبادات أو إهمالها، وإلى عدم الاكتراث بركن الجهاد في سبيل الله لنشر الدين، ونصرة الحق، وإقامة العدل ونحو ذلك من الأمور الجوهرية التي يقوم عليها الإسلام. (ب) ويرى بعض الناس أن أهم ما في الدين هو القيام بالعبادات الشخصية، كالصلاة والصيام وكثرة الأوراد والأذكار، فيملأ معظم المساحة الدينية بذلك، ويهمل ما في الدين من واجبات وفروض أخرى، أو يُصغِّر من حجمها ويعطيها أقل اهتمامه. (ج) ويرى بعض الناس أن أهم ما في الدين هو المحافظة على السيما الظاهرة للمسلم، فيولي ذلك كل اهتمامه وعنايته، ويهمل الأسس الجوهرية التي قام عليها الدين عقيدةً وعملاً، أو يصغر من حجمها ويعطيها أقل اهتمامه. (د) ويرى بعض الناس أن مسؤوليات الدعوة إلى الله، ونشر دين الله، وإقامة الإسلام في الأرض، من خصائص فئة معينة من المسلمين تفرغت للوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما سائر الناس فمسؤولون فقط عن أنفسهم، فلا هم لهم إلا أمور دنياهم، وتثمير أموالهم، والتمتع بشهوات الحياة الدنيا ولذاتها، والاستغراق في زخرفها، كما يرون أن مسؤوليات الجهاد في سبيل الله من خصائص الجند فقط، المنتظمين في سلك الجيش. مع أن الإسلام الصافي قد عقد تشابكاً عاماً بين الأفراد والجماعات والقيادات،

стр. 42

وحمَّل كلاً من المسؤولية الشخصية على مقدار ما وهبه الله من خصائص، ومن المسؤولية العامة على قدر موقعه بالنسبة إلى الجماعة وذلك كمسؤولية كل عضو من أعضاء الجسد بالنسبة إلى سائر الأعضاء، ومن البدهي أن مسؤولية الرأس تناسب موقعه من الجسد، ومسؤولية إحدى أصابع اليدين أو الرجلين تناسب أيضاً موقعها من الجسد، والكل يقدم واجبه نحو المسؤولية الجماعية على مقداره. وسبب التشويه في هذه الصورة فقدان الإدراك السليم الكامل الشامل للمفاهيم الإسلامية بوجه عام، ومقادير كل منها، وكيفية ترابطها وتناسقها في الصورة الإسلامية العامة. وفقدان هذا الإدراك الشامل يتولد عنه نتائج خطيرة، منها النتائج التالية: أولاً: فساد النِّسب لأجزاء الصورة الإسلامية العظيمة. ثانياً: الخللُ في وحدة النظام الكلي للمفاهيم الإسلامية التي يكمِّل بعضها بعضاً. ثالثاً: تشتت شمل وحدة المسلمين، نظراً إلى أن لكل فريق منهم صورة إسلامية خاصة به، تتميز أجزاؤها بنسب مخالفة للنسب التي تتميز بها أجزاء الصور الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى تعصب كل فريق للصورة التي يحملها، وادعائه أنها هي الإسلام كل الإسلام. رابعاً: توجيه كل طاقات العمل دفعة واحدة لتحقيق ما احتل معظم الساحة في الصورة ذات النسب الفاسدة، ويصعب الأمر جداً حينما يكون أهون جزيئات التعاليم الإسلامية الصحيحة وأيسرها هو الذي يحتل معظم مساحة الصورة. ومما يزيد في الألم أن تكون هذه الجزيئات التي تمتص معظم طاقات العمل داخلة في حدود الأشكال والرسوم، لا في حدود الجواهر والمعاني والأرواح والقيم الحقيقية الذاتية. فبينما تنقض أسس الإسلام حجراً حجراً، وتعمل على اجتثاثها اجتثاثاً كلياً جيوش كثيرة مستخفية ومستعلنة، نجد كتائب كثيرة من المسلمين منشغلة في

стр. 43

جدليات كلامية، ومصارعات عملية، حول أفضل الألوان التي ينبغي أن يُدهن بها الجدار الخارجي لبناء الصرح الإسلامي، مع أن جيوش الهدم لا يُستطاع دفعها إلا باجتماع طاقات حماة هذا الصرح العظيم على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم. * الصورة الخامسة: وهي الصورة المزورة للتعاليم الإسلامية تزويراً كلياً أو تزويراً جزئياً، وأمثال هذه الصورة المزورة نجدها عند الفرق المنحرفة الضالة، التي عمل على إنشاء جيوبها أعداءٌ للإسلام، تظاهروا بالانتساب إليه نفاقاً، ليعملوا على هدمه من الداخل، وذلك بتكوين فرق وطوائف تنتسب إلى الإسلام انتساباً اسمياً، وهي تحمل له كل حقد وكيد، وتضع له صوراً مصنوعة من عند أنفسها، مزورة على الإسلام وعلى أحكامه وشرائعه. ولليهود في هذا المكر أكبر نصيب. وبدهي أن كل صورة مزورة من هذا القبيل ليست من الإسلام في شيء، وإن تسمّت باسمه. ومن اليسير على جماعة المسلمين أن يكتشفوا هذه الصور المزورة المزيفة، متى قارنوها مقارنة عامة بما هو معلوم من الدين بالبداهة عند جميع المسلمين. ولكن الأمر الخطير جداً إنما هو إدخال التزويرات الجزئية على بعض المفاهيم والتعاليم الإسلامية الثابتة، وهذا ما اتجهت إليه أجهزة المكر في هذا العصر، وكانت لعبة قُصد بها تحويل المسلمين عن أسس التعاليم الإسلامية باسم الإسلام. فمن أمثلة ذلك الأسماء الحديثة التي انتشرت في عالمَي الاقتصاد والسياسة (كالاشتراكية والرأسمالية والدكتاتورية والديمقراطية) . إن من المعلوم أن لهذه الأسماء مفاهيم ومدلولات خاصة عند الآخذين بها. والذي يُلاحظ أن تشابهاً جزئياً موجود فعلاً بين التعاليم الإسلامية وبين بعض ما تتضمنه هذه الأسماء من دلالات نظرية، أو تطبيقات عملية. واستغلالاً لهذا التشابه الجزئي يأتي أعداء الإسلام فيستدرجون بعض

стр. 44

المسلمين إلى منزلق الخطر الذي ينتهي في آخره إلى طمس نظام من نظم الإسلام، وإحلال نظام آخر في مكانه، تعلُلاً بوجود التشابه بينهما في ناحية من النواحي. مع أن مثل الإسلام كمثل المخلوق في أحسن تقويم بصفاته التامة التي لا يصح بحال من الأحوال فصلُ بعضها عن بعض، ومثل الأنظمة الأخرى كمثل غير الإنسان من الأنعام أو الوحش، وليس صعباً على أي ناظر أن يجد تشابهاً جزئياً بين الإنسان وبين هذه الكائنات الحية الأخرى. ولكن الجنوح الخطير فكرياً أو تطبيقياً أن يحتل ثعلب ماكر، أو ثور مغامر، أو ذئب غادر، مكان الإنسان، أو أن تحتل نظيراتها من الأنظمة الوضعية مكان نظام من أنظمة الإسلام، أو مكان عدد منها. وقد حاول أنصار كل مذهب من هذه الوضعية أن يجد في الإسلام تأييداً لجانب من جوانبها، ليلبِّس بذلك على المسلمين، ويجعل الإسلام كأنه صاحب هذه المذاهب أو يوافق عليها. وفي دوَّامة المغالطات والتلبيسات نجد أن أنصار المذاهب الاشتراكية في البلاد الإسلامية يختبئون وراء الإسلام، ليحميهم من هجمات أنصار المذاهب الرأسمالية، ويدرأ عنهم الضربات القاصمة، بحجة أن الإسلام يحتوي على مبادئ اشتراكية، تحقق العدالة الاجتماعية بين الناس، كما نجد أنصار المذاهب الرأسمالية في البلاد الإسلامية يقدمون الإسلام إلى الصف الأول في معركتهم مع أنصار المذاهب الاشتراكية، بحجة أن الإسلام يعترف بالملكية الفردية ويحميها، ويفسح مجال حرية العمل والكسب والتجارة، ولا يسدُّ أبواب المنافسة الشريفة في تحصيل الثروات. وبين صراع الاشتراكيات والرأسماليات التي يزج كل منهما الإسلام في أتون معركته مع الآخر يتلقى الإسلام في بلاد المسلمين معظم الضربات، مع أن الإسلام بريء من الفريقين المتصارعين، وأي منهما انتصر فالإسلام خاسر. وإن صح وجود الإسلام في حلبة الصراع هذه فإما أن يكون فريقاً وحده ضد

стр. 45

الفريقين معاً، وإما أن يكون حكماً عدلاً، يسجل على كل فريق منهما خطأه وصوابه، ويعمل على أن يرد كل مخطئ منهما إلى وجه الصواب. وهنا نقول: إن الإسلام الاشتراكي وفق مفهوم الاشتراكيين صورة مزورة للإسلام، وإن الإسلام الرأسمالي وفق مفهوم الرأسماليين صورة مزورة أيضاً للإسلام، وإن الإسلام الدكتاتوري وفق مفهوم الدكتاتوريين صورة مزورة للإسلام، وإن الإسلام الديمقراطي وفق مفهوم الديمقراطيين صورة مزورة أيضاً للإسلام. أما الإسلام فهو شيء آخر غيرهذا وغير ذلك، وإن كان بين هذه النظم وبين التعاليم الإسلامية تشابه جزئي. هذه هي الصور الخمس المنسوبة إلى الإسلام، وهي مشوبة بالشوائب الدخيلة المفسدة لها، وقد يحدث أن تجتمع في بعض مفاهيم الناس مجموعة منها، فيتكاثر الخطأ، ويعظم الانحراف، وتزداد المصيبة، وتشتد الحاجة إلى الإصلاح والتقويم. (٥) الأسباب وعلاجها بعض الأسباب التي أدت إلى دخول الشوائب على المفاهيم والتعاليم الإسلامية قد سبقت الإشارة إليها في غضون تتبُّع الشوائب وصورها، وبطريقة تأملية عامة جامعة تنكشف لنا طائفة من هذه الأسباب. وأعرض فيما يلي أسباباً عشرة مع طرق علاجها فيما ظهر لي: * السبب الأول - الجهل وفتور الهمة عن تفهم التعاليم الإسلامية الصحيحة: وعلاج هذا السبب يكون بقيام أهل الرأي وأصحاب الرشد في كل بلد من بلاد المسلمين برسالة التعريف بالإسلام الصافي، وفق الخطة التي سلف الحديث عنها، لا سيما في البلاد التي يوجد فيها منتسبون إلى الإسلام، ولكن ليس لديهم

стр. 46

من يعرّفهم بالإسلام الصحيح، وهم في شوق إلى معرفته، وأمثال هؤلاء يسهل على المضلين أن يفسدوا مفاهيمهم الإسلامية. ولتحقيق هذا العلاج لا بد من تآزر القوى الفكرية والمالية والإدارية مع الدعاة المعرّفين بالإسلام الحق. * السبب الثاني - اتباع الهوى: وهذا السبب يدفع صاحبه أن يُدخل في التعاليم الإسلامية ما ليس منها، إرضاء لهواه. ولقد تكون جريمته أخف إذا هو أرضى هواه عن طريق المعصية، ولكنه يريد أن تظل سمعته الدينية حسنة بين الناس، فهو يحاول أن يجد لعمله مبرراً، فيدخل في التعاليم الإسلامية الشوائب التي ترضي هواه، ثم يتستر وراءها حذراً من سخط الناس ونقمتهم، وينسى أو يتناسى أن نقمة الله أشد عليه وأقسى من نقمة الناس. يضاف إلى ذلك أن نقمة الله في التلاعب بالدين أشد كثيراً من نقمته في المعصية التي يقترفُها العاصي، وهو يعترف بها. وعلاج هذا السبب يكون بإصلاح النفس عن طريق إثارة الخوف من الله، وحسن مراقبته، وملاحظة الأجر العظيم لأهل طاعته، مع تربية دينية رصينة، ورقابة اجتماعية حصينة، ويكون أيضاً بتبصر المتصدين للفتاوى الدينية بالمزالق التي يضعها أهل الأهواء. * السبب الثالث - الغلو في الدين غير الحق: وهذا السبب مناقض للذي قبله، فهو يمثل جانب الإفراط، في حين أن الذي قبله يمثل جانب التفريط. والغلو في الدين يفضي إلى تشددُّات منفِّرة، وتعنُّتات ومبالغات لا يرضاها الدين ولا يقبلها، بل يتنافى معها، فالدين يسر سمح، وهو دين الفطرة، والغلوّ في الدين ينافي سماحته ويسره، وينافي ملاءمته للفطرة الإنسانية، وفي كلام الرسول صلوات الله عليه "هلك المتنطعون" وهم المغالون في الدين.

стр. 47

ومن الغلو في الدين ادعاء أن التفصيلات المبينة في النصوص الإسلامية مشتملة على كل تنظيم ضروري لكل زمن وبيئة، وطبيعي أن يؤدي هذا الغلو إلى التخلف رغم السبق العظيم الذي كان يتمتع به المسلمون في عصورهم الذهبية. أما أن الأسس الإسلامية تتسع في مفاهيمها العامة لكل التنظيمات الصالحة لكل زمان وبيئة فهذا هو الحق الذي لا غلو فيه. * السبب الرابع - النظر الضيِّق المحدود، الذي يلازمه النظر إلى جوانب خاصة معينة من الإسلام، واعتبارها هي الإسلام كله: ومن الطبيعي أن يسيء هذا النظر الضيق المحدود إلى المفاهيم الإسلامية الشاملة إساءة بالغة، ويفضي إلى تعظيم الأمور الصغيرة وتهويل شأنها، وإلى تصغير الأمور الكبيرة وتهوين شأنها. وعلاج هذا السبب يكون بحركة تبصير كلي شامل عام للتعاليم الإسلامية، وإعطاء كل حكم منها حقه صفة ومقداراً وأهمية بالنسبة إلى سائر التعاليم. ويضاف إلى ذلك ضرورة بيان الخطر الذي ينجم عن انعدام النظرة الشاملة إلى التعاليم الإسلامية الصحيحة. * السبب الخامس - الجمود: والجمود يفضي إلى تقييد التعاليم الإسلامية في حدود تطبيقات زمن معين، وبيئة معينة، جموداً عن ظواهر بعض النصوص أو التطبيقات الزمنية، مع أن أسس التعاليم الإسلامية واسعة على قدر اتساع قضايا الحياة ومشكلاتها، وهي صالحة لكل زمن وبيئة، وملائمة للفطرة الإنسانية. وفهم هذه الحقيقة يحتاج إلى نسبة طيبة من التبصر والوعي والأناة وسعة الصدر. * السبب السادس - التحلل: وهذا السبب يقع في الطرف المباين للسبب السابق وهو مناقض له. والتحلل يفضي إلى الخروج على التعاليم الإسلامية، أو المروق منها وطرحها

стр. 48

والأخذ بتنظيمات وضعية إنسانية، بدعوى أن بعض التعاليم الإسلامية لم تعُد تصلح للحياة المتطورة. ومن التحلُّل الجزئي المرونة المفرطة المسرفة التي تتسع في نظر أصحابها اتساعاً يجعل التعاليم الإسلامي ألعوبة في أيدي الماكرين. وربما يكون كل من الجمود والتحلل رد فعل للآخر، إلا أن المنهج الوسط بينهما هو الحق، ولهذا المنهج الوسط حدود لا يصح تجاوزها ولا تضييقها. * السبب السابع - الفتنة بكل جديد قبل أن يوضع موضع الاختبار والتجربة، خلال أمد كاف لهما: وهذا السبب يفضي إلى الانسياق الأرعن وراء كل ناعق مزين شعاراته بالأصباغ والألوان والصور الخادعة للنظر، مع أنها جوفاء من الخير، ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قِبَله العذاب. وعلاج هذا السبب يكون بيقظة حذرة، ودراسة واعية، أو يكون بعد ذلك بصدمة موقظة، أو خيبة أمل مخزية. * السبب الثامن - التعصب لكل قديم مهما كان شأنه، ولو كان مخالفاً للحقيقة البينة، ولأسس التعاليم الإسلامية الصحيحة الصافية: وهذا السبب يقابل السبب السابق له، وهو على النقيض منه. وعلاج هذا السبب يكون بالرجوع إلى أسس التربية الإسلامية التي تأمر بالاعتصام بالحق، والبعد عن كل تعصب ذميم. * السبب التاسع - الأنانية التي تولّد الإعجاب الشديد بالرأي، وتولِّد التعصب والفردية في الأعمال، وتشتت الشمل، وتفرّق الكلمة: مع أن الإسلام يدعو إلى وحدة العمل الجماعي، واطِّراح الأنانيات الشخصية والحزبية والإقليمية والعرقية والمذهبية والعنصرية، ويدعو إلى تعاون العاملين الإسلاميين، وإن اختلفت بينهم الآراء الفردية، فمصلحة الإسلام وجماعة المسلمين فوق الجميع.

стр. 49

وتعاونهم يكون بأن يتعاونوا فكرياً على فهم الحقيقة، وبأن يتعاونوا عملياً على مقدار نقاط التلاقي بينهم، وذلك إذا لم يتيسر ما هو خير منه، وهو التعاون الفعلي في كل الأمور على البر والتقوى. * السبب العاشر - ما يكيده أعداء الإسلام من مكايد، ويدخل تحت هذا السبب صور كثيرة، وهي ظاهرة لا تحتاج إلى بيان وتفصيل: وحين نلاحظ أن أعداء الإسلام اختاروا لأنفسهم سبيل الكفر بالله خالقهم ورازقهم يتضح لنا أن كل عمل يمارسونه لتشويه الإسلام إنما هو من ذيول الكفر، ولكن على المسلمين أن يكونوا بصيرين بدسائس أعدائهم. وبصيرين بالمرابض التي يترصد فيها هؤلاء الأعداء للانقضاض الظالم الآثم على الإسلام والمسلمين. هذا إجمال ما ظهر لي من أصول عامة للتشويهات التي دخلت على مفاهيم المسلمين عن الإسلام، وأسبابها الكبرى، والله أسأل أن يلهم أهل الفكر والغيرة في جميع بلاد المسلمين أن يعملوا على تنقية مفاهيم المسلمين للتعاليم الإسلامية من كل الشوائب الدخيلة على الأصل النقي الصافي، حتى تصبح هذه التعاليم الصحيحة قوة دافعة إلى المجد العظيم الذي لن يحتله غير المسلمين الآخذين بالإسلام عقيدة وشريعة، فكراً وعملاً، كما كانت هذه التعاليم في حقبة سالفة من تاريخ المسلمين. * ... * ... *

стр. 50

الفصل الرابع مقدمة صراع قد يجد القارئ في فصول الصراع تكريراً في بعض الأفكار، ألجأت إليه ضرورة تقصِّ الناقد، ومتابعة أقواله وتزييفاته المتكررة.

стр. 51

(١) ظهر الناقد (د. العظم) في هذا العصر، ضمن طائفة من الملاحدة الجدليين الذين ينكرون الله واليوم الآخر، ويكذبون الرسل والأنبياء، ويجحدون الكتب الإلهية والمعجزات، ويرتدون أقنعة العلمانية والبحث العلمي المتقدم، ويستغلون بالباطل كل ثقل التقدم العلمي المادي في الصناعة والتكنولوجيا، زاعمين للناشئين من أجيالنا أن التقدم العلمي الحديث يدعم مذهب الإلحاد والكفر بالله. مع أن العلم الحق إنما يدعم الإيمان بالله لا الكفر به، أياً كان نوع هذا العلم، أما الباطل الذي يلبس ثياب العلمانية فقد يدعم قضية الإلحاد بالله وبآياته، لأنه باطل يرتدي ثياب زور، فهو يؤيد باطلاً مثله، والباطل ينصر بعضه بعضاً. لذلك كان لا بد من اللجوء إلى خطة جدال بالتي هي أحسن مع الكافرين والملحدين، لكشف مغالطاتهم، وفضح أهدافهم وأهداف سادتهم من نشر الإلحاد في الأرض، والأكاذيب والمفتريات، والتلبيس والتدليس، ولئلا يعيثوا في الأفكار فساداً، ويلمؤوها ضلالاً وإلحاداً. أنتركهم يقذفون أجيالنا - أحفاد المؤمنين الصادقين المخلصين - إلى مواقع الهلاك والعذاب والدمار الماحق. وإلى أوحال المهانة والمذلة والخزي!؟ لقد رأيت بعد تردد طويل - كما ذكرت في المقدمات - أنه يجب علي وعلى جميع الباحثين من أنصار الحق والخير والفضيلة أن نكشف زيف هؤلاء المضللين، وأن نُبرز للمفتونين والمخدوعين وجه الحق مؤيداً بدلائل العلم القويم والمنطق السليم، وأن نناقش جدليات الملحدين مناقشة عقلانية علمية هادئة، وأن نجادلهم بالتي هي أحسن، ثم لا يضرنا بعد ذلك أن يُصروا على كفرهم وإلحادهم، فالله هو الذي يتولى حسابهم وعذابهم، أما نحن فما علينا إلا البلاغ المبين.

стр. 52

ورأيت أن من واجبنا أيضاً أن نقيم بينهم وبين أجيالنا سداً منيعاً من المعرفة الرصينة الراسخة بحججها وبراهينها، حتى لا تنخدع هذه الأجيال بزيف ما يكتبون، وزخرف ما يقولون، لا سيما حينما يلبس هؤلاء الملحدون أقنعة العلمانية المزورة، ويتسترون وراء التقدم العلمي الحديث، ويستغلون لأنفسهم مظاهر التقدم الصناعي والتكنولوجيا. مع أن التقدم الصناعي والتكنولوجي لم يكن ولن يكون في الحقيقة ملحداً بالله، بدليل أن معظم أئمة التقدم الصناعي والتكنولوجي وأئمة العلوم الحديثة مؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً يصرِّف أموره بعلمه وقدرته وعنايته وحكمته. من هذا الذي يستطيع أن يثبت حقاً أن علوم الفيزياء والكيمياء والطب، وعلوم الرياضيات والفلك والأحياء والنباتات، وعلوم الذرة والصواريخ والمركبات الفضائية، علوم قائمة على أسس الإلحاد بالله والكفر بقدرته وعلمه وعنايته وحكمته؟ هل هذه العلوم تثبت ببراهينها أنه ليس لهذا الكون خالق قادر مدبر؟ إننا إذا وجدنا ملحداً واحداً من علماء هذه العلوم وجدنا في مقابله عشرات المؤمنين بالله من كبار هؤلاء العلماء أنفسهم، ولو أن علومهم قائمة على قاعدة الإلحاد، أو تشتمل على براهين تنفي وجود الله لكان الأمر معكوساً تماماً، ولأظهر لنا هؤلاء العلماء أدلتهم وبراهينهم، ولأثبتوا لنا ذلك في مكتوباتهم، بيد أننا نجد في أقوالهم الكثيرة ما يدعم قضية الإيمان بالله. إلا أن حركة يهودية أرادت نشر الإلحاد في الأرض فتسترت بالعلمانية، ونشطت عناصر منها فبثَّت نظريات من عند أنفسها وضعت خصيصاً لدعم قضية الإلحاد، وكان ذلك ضمن مخطط يهودي شامل، لإفساد أمم الأرض بالإلحاد والمادية المفرطة، والانسلاخ من كل الضوابط التشريعية والأخلاقية كيما تهدِّم هذه الأمم أنفسها بأنفسها، وعندئذ يخلو الجو - بحسب تصورهم - لليهود قلة في العالم، ومتى خلا لهم الجو استطاعوا - كما يزعمون - أن يحكموا العالم كله حكماً مباشراً ظاهراً.

стр. 53

علماً بأن هؤلاء اليهود الذين تستروا بالعلمانية والبحث العلمي المحايد لم يقدِّموا نظريات تدعم قضية الإلحاد في العوم البحتة الخاضعة للاختبار والتجربة وتقويم النتائج؛ وإنما قدموا نظريات أو فرضيات على الأصل في العلوم الإنسانية ذات الاحتمالات الكثيرة، غير الخاضعة للاختبار والتجربة وتقويم النتائج، وضمن نظرياتهم التي قدموها في علوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد وفلسفة النشوء والارتقاء دسوا قضية الإلحاد والكفر بالله، تحقيقاً للمخطط اليهودي الشامل. وهذا يوضح لنا أن قضية الإلحاد بالله قضية سياسية عالمية، تخدم مصالح خاصة لفئات معينة من الناس، وهذه الفئات تجند الذين يستجيبون لدعوتها، ثم تقدمهم وقوداً لدعم سياستها وخدمة مخططاتها. هذه في هذا العصر هي حقيقة المذهب الإلحادي المنظم الذي تدعمه قوى سياسية ذات ثقل في العالم، أما الإلحاد الفردي الذي تدفع إليه دوافع إجرامية فجورية خاصة فهو موجود في كل عصر، وكذلك نظرات الشك التي قد يتعرض إليها الإنسان في بعض مراحل من حياته، هي أيضاً ذات طابع فردي غير منظم ولا مدعوم، وليس لها قوى جماعية كبيرة تنصرها وتنشرها وتدعو الناس إليها، لأن نظرات الشك في قضية الإيمان لا تحمل أصحابها قضية ذات رسالة تبشيرية، ولا تستطيع هي في نفسها أن تجد أدلة تدعم قضية الإلحاد والكفر بالله، وبذلك تبقى قضية الإلحاد قضية ساكنة صامتة في نفوس أصحابها، لا دوافع تحركها ولا دلائل تدعمها. بخلاف قضية الإيمان فإن وراءها دوافع تدفعها إلى الحركة والنماء والانتشار والبيان المستمر، ومعها مئات الأدلة التي تدعمها، وإن نظر إليها بعض الناس بشك في بعض مراحل حياتهم. إن المؤمنين بالله لهم أدلة لا تحصى على ما آمنوا به، وكل باحث منهم يتكشف له في موضوع اختصاصه طائفة من هذه الأدلة، وهي تقدم له القناعة الكافية بأن الله حق.

стр. 54

أم الملحدون فليس لهم أدلة يمكن أن يعتمدوا عليها في نفس وجود الخالق جل وعلا، إلا مجرد الارتباط بالمادة المدرَكَة بالحواس الإنسانية، أو بالأجهزة التي توصل إليها الإنسان في القرن العشرين، وهذا لا يستطيع أن يقدم أي دليل على النفي. (٢) نحن نعلم أنه لا خوف على الحقائق الدينية الإسلامية من جدليات الملحدين، لأنهم يجادلون بالباطل ليُدحضوا به الحق، ولكن قد تؤثر جدلياتهم المشحونة بالتزييف على الناشئين المطبوعين بطابع الثقافات الحديثة، الموجهة شطر مبادئ ومذاهب معينة، وضعت خصيصاً لمحاربة الدين وهدم مبادئه الحقة. وليس جدالهم بالباطل بدعاً في تاريخ المبطلين، بل هي طريقة كل أهل الباطل، ومن إبليس قائدهم إلى آخر جندي من جنوده، وأصغر تابع من أتباعه، كل منهم سائر على سُبُله ومتبع لخطواته. وقد وصف الله الكافرين عموماً بأنهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، فقال ﵎ في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) : ﴿..وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُو?اْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً﴾ . وهي طريقة لا سبيل لهم سواها، ليؤيدوا أفكارهم ومذاهبهم، وينصروا باطلهم، ويُدحضوا الحق، ما داموا قد التزموا في أفكارهم ومذاهبهم جانب الباطل، وأصروا بعناد على رفض جانب الحق. ولما انغمسوا بكفرهم في رذيلة خلقية خطيرة هي رذيلة جحود الحق، كان لا غرو أن تجرهم هذه الرذيلة إلى رذائل خلقية أخرى، منها أن يجادلوا بالباطل، ويستخدموا كل ذكائهم في تزييف الحق، ويقوم تزييفهم على اصطناع هياكل وهمية لمذاهبهم، وهياكل وهمية لمذاهب خصومهم، ثم يحملون حملاته الهجومية على

стр. 55

هذه الهياكل التي اصطنعوها لمخالفيهم، وعندئذ يسهل عليهم تحطيمها بسرعة، لأنهم هم الذين اصطنعوا بأنفسهم، ووضعوا فيها نقاط الضعف التي يسهل عليهم تهديمها من قبلها. وقد يحاربون الدين كله من خلال رأي ضعيف قاله بعض الناس المنتسبين إلى الدين. أو يحاربون الأديان كلها صحيحها وباطلها، من خلال ما في بعضها من تحريف عن الأصل الرباني، أو من خلال الأديان الباطلة التي تحمل اسم دين، وهي في الحقيقة أوضاع إنسانية مخترعة، وليست ديناً إلهياً. وهذه الطريقة قد استخدمها الناقد (د. العظم) أقبح استخدام فيما زعم أنه نقدٌ للفكر الديني، قال في الصفحة (٢١) من كتابه "نقد الفكر الديني": "يجب ألا يغيب عن بالنا أنه مرت على أوروبا فترة تتجاوز القرنين ونصف القرن قبل أن يتمكن العلم من الانتصار انتصاراً حاسماً في حربه الطويلة ضد العقلية الدينية التي كانت سائدة في تلك القارة، وقبل أن يثبت نفسه تثبيتاً نهائياً في تراثها الحضاري. ولا يزال العلم يحارب معركة مماثلة في معظم البلدان النامية، بما فيها الوطن العربي، علماً بأنها معركة تدور رحاها في الخفاء ولا تظهر معالمها للجميع إلا بين الفينة والأخرى ". فهو في هذا يحشر الأديان كلها صحيحها وباطلها ويعتبرها جبهة واحدة ضد العلم، ثم يوجه طعناته ضد ما في بعضها من باطل، ثم يستنتج من ذلك أنها جميعاً أديان باطلة، باعتبارها جبهة دينية واحدة، وقد وجد بعضها باطلاً، أو وجد في بعضها ما هو باطل. فهل يقبل مثل هذه الحجة الساقطة من لديه أبسط قواعد الاحتجاج المنطقي، التي تعرفها الأوليات الفكرية؟ إنها حجة مرفوضة بداهة شكلاً ومضموناً، وحينما يعتبرها الملحد طريقة منطقية كافية للاحتجاج فإننا نستطيع أن نستخدمها سلاحاً ضد اتجاهه الذي يزعم أنه اتجاه علماني، فنقول له: إن أصحاب الاتجاه العلماني جبهة واحدة، ومن المعروف أن لهم مذاهب شتى متناقضة في معظم القضايا التي

стр. 56

بحثوها وفق أصول البحث العملي الذي توصل إليه العلماء، وفي كثير منها نظريات باطلة، إذن فالاتجاه العلماني كله باطل. مما لا شك فيه أننا لا نقبل هذا الكلام لأنفسنا، ولكننا نكشف به فساد حجة الملحد الناقد للفكر الديني، إذ نستخدم سلاحه ضد اتجاهه، ونحن نرفض مثل هذا الاحتجاج أصلاً. وصنيع الملحد في هذا تزييف مفضوح للحقيقة، وتلاعب شائن في العمليات الفكرية، واستهانة شنيعة بالمنطق الفكري لأجيالنا الناشئة من مثقفي هذا العصر، فهل بلغ بهم الأمر أن تنطلي عليهم مثل هذه الحيلة من حيل التزييف الفكري، حتى بدأ الملاحدة يستخدمونها في تضليلهم؟ أم فقد الملاحدة صوابهم حتى أخذوا يحتجون بما ليس فيه حجة ولا شبه حجة؟ إذ أفلست قواهم المادية في فرض مذاهبهم على الطلائع المثقفة في العالم الإسلامي، لا سيما حينما وجدوا في هذه الطلائع المثقفة جماهير مؤمنة بالله، تنصر الإسلام وتعمل له، وتلتزم بأحكامه وتعاليمه. ولعل الأمرين موجودين معاً، فبعض أجيالنا الناشئة الموجهة ضمن البرنامج الإلحادي قد أمست مرجوجة الأصول الفكرية، تخدعها الحيل المصبوغة بصبغ الثقافات المعادية للدين، والمقنعة بقناع العلمانية الأكاديمية، والمحاطة بهالة مزخرفة من العبارات التي احتلت مركزاً ارستقراطياً بين المجتمعات المثقفة، على الرغم من أنها عبارات جوفاء ليس لها إلا طنين يخدع صغار العقول، وبعض أجيالنا الناشئة المثقفة هي - بحمد الله - مؤمنة بالله مسلمة حقاً، ذات منطق علمي سليم، تعرف الحق، وتناقش بالحق، وتجادل بالحق، وتناصر الحق حيث وجدته. وأرجو أن لا يغيب عن بال سيادة (د. العظم) ومن هم على شاكلته أن كل اتجاه عام في الواقع الإنساني يوجد فيه فئات مختلفة، ويوجد فيه أفكار متباينة، فهل يعني وجود هذا الاختلاف بطلان الاتجاه العام من أساسه؟ أم واجب العاقل المنصف التمييز بين المحقين والمبطلين، وبين الحق والباطل. إن دين الله للناس دين واحد، وهو دين الحق الذي اصطفاه لعباده، وأنزله

стр. 57

على رسله بحسب حاجات الأمم، التي اقتضت أن ينزل إليها متدرجاً على طريقة التكامل، وكان ختم هذا الدين بصورته الكاملة التامة في رسالة الإسلام الذي اصطفى الله لحمله للناس محمداً ﵊. إلا أن الأديان الأولى لم يتوافر لها النقل الصحيح، ودخل إليها عن طريق بعض أتباعها التحريف والتغيير في النصوص وفي العقائد، فجعلها غير ممثلة للدين الحق، غذ دخل إليها كثير من الباطل، كما أن أدياناً حملت هذا الإسلام وهي صناعة بشرية غير ربانية، أفتحشر هذه الأديان كلها بما فيها من حق وباطل ثم يصدر بحقها جميعاً أحكام تتناسب ما في بعضها من باطل، أو أحكام تناسب ما في بعضها من حق؟؟ هكذا كان عمل (د. العظم) لدعم مذهب الإلحاد بالله وجحود اليوم الآخر. (٣) ببالغ من التزييف الوقح بدأ الملحدون من أجراء صانعي الهزيمة العربية في عام ١٩٦٧م يحمِّلون الدين وزور الهزيمة التي اصطنعوها، وكانوا قبل المعركة وفي أثنائها قد عزلوا الدين عزلاً كلياً عن جميع ساحاتها، حتى لم يبق له صوت ولا سوط يرتفعان، ثم يقولون: إن سبب الهزيمة هو وجود رواسب من الذهنيات الدينية الغيبية الاتكالية عند الثوريين الذين قادوا المعركة. وكل عارف بالحقيقة يعلم أن معركتهم لم تكن ضد العدو الباغي، إن معركتهم معه لم تكن إلا معركة صورية أو شبه صورية، أما معركتهم الحقيقة فقد كانت ضد الدين الذي يتابع كتابهم اليوم محاربته بالتزييف والتضليل، بعد أن حاربوا دعاته بالتعذيب والتنكيل حرباً لا هوادة فيها. لقد أفلست عمليات الاضطهاد في تحقيق كل ما يهدفون إليه، فلجؤوا إلى أسلحة التضليل الفكري. مما لا شك فيه أن معركة الإسلام مع الملاحدة العالميين الذين يتحركون

стр. 58

بدفع آلي من القيادات اليهودية العالمية ذات مراحل، كلما أنجزوا في تصورهم مرحلة منها انتقلوا إلى مرحلة أخرى. لقد كانت معركتهم الأولى تهدف إلى إقامة الثورة الاقتصادية والاجتماعية كمرحلة أولى، مع التزييف الفكري بعدم معارضتها للدين، بغية تضليل الجماهير المسلمة بأن تغييراتها الاقتصادية والاجتماعية لا تمس جوهر العقائد الدينية التي تؤمن بها هذه الجماهير، تخديراً لها وتبريداً لمشاعر النقمة التي قد تلتهب ضد ثورتهم، وحين انتهت فيتصورهم هذه المرحلة وبلغت مداها المرسوم لها أخذوا يحضرون للمرحلة الجديدة، وهي مرحلة نسف العقائد الدينية التي ظلت راسخة في قلوب كثرة كاثرة من الجماهير العربية، بغية تغيير الإنسان العربي تغييراً كلياً، حتى في مفاهيمه وعقائده وعواطفه القومية والتاريخية، وسائر مشاعره، وعندئذ يستطيع العدو المحرك من وراء الستار تطويعه وتسخيره واستعباده. وهذا يفسر حملة مكتوبات الملحدين الجديدة، التي تهدف إلى تحضير النفوس والأفكار للمرحلة الآتية من مراحل الحرب المستمرة. قال الناقد (العظم) في كتابه في الصفحة (١٢) : "ولكن الواقع هو أن حركة التحرر العربي غيرت بعض ظروف الإنسان العربي الاقتصادية والاجتماعية، ثم وضعت في نفس الوقت كافة العراقيل والموانع الممكنة في وجه حدوث أية تغييرات وتطورات موازية في ضمير الإنسان العربي وعقله، وفي "نظرته للذات والحياة والعالم" ... ". ثم ذكر أن حركة التحرر العربي قد وقفت على رأسها بدلاً من قدميها فقال: "عبَّرت هذه الوقفة (على الرأس بدلاً من القدمين) عن نفسها في السياسات الثقافية التي اتبعتها حركة التحرر العربي، كما في أسلوب اهتمامها السطحي والمحافظ جداً بالتراث والتقاليد والقيم والفكر الديني، مما أدى إلى عرقلة التغييرات المرجوة في الإنسان العربي نفسه، وفي نظرته إلى الذات والحياة والعالم، تحت ستار حماية تقاليد الشعب وقيمه وفنِّه ودينه وأخلاقه، تحوَّل الجهد

стр. 59

الثقافي لحركة التحرر إلى صيانة للأيديولوجية الغيبية، بمؤسساتها المتخلفة، وثقافتها النابعة من العصور الوسطى، وفكرها القائم على تزييف الواقع وحقائقه". أقل متأمل في هذا الكلام وأشباهه يتبين له أنه إرهاص واضح بمرحلة جديدة من مراحل الحرب اليهودية الماركسية العالمية، ضد الإسلام داخل الوطن العربي، لتحطيم الرصيد الباقي من أمل هذه الأمة في إمكان ظفرها على عدوها، إذا هي استطاعت أن تتحرر من القيود، وتستخدم ما لديها من طاقات محركة، تصلها بدينها وأخلاقها وقيمها. إنهم يمهدون بهذا للثورة الثقافية الفكرية التي تريد اقتلاع كل تراث مجيد للمسلمين، حتى لا يبقى لهم أي أمل بالظفر على عدوهم، وحتى لا يبقى لديهم أي نزوع لاستعادة مركزهم القيادي في العالم. ومما يؤسف له أن العدو القابع وراء الحجب قد استطاع أن يشتري من سلالات هذه الأمة جنوداً مغفلين، يدفع بهم إلى صف المواجهة، ويحملهم الأسلحة الفتاكة ضد أمتهم وأقوامهم وأمجادهم، وأخيراً ضد أنفسهم، لأن العدو سيتخلص منهم متى استنفد طاقاتهم، وصاروا في نظره كالثور الذي يأكل كثيراً، وهو لا يحرث أرضاً، ولا يسقي زرعاً، ولا يدفع كيداً ولا يدرّ بِلَبن. وماذا ترجو الأمة ممن باع نفسه لعدوه وعدوها، ورضي بأن يكون سلاحاً نجساً مصلتاً عليها في أيدي الخنازير؟! وحين نتساءل: كيف استطاع العدو أن يشتري هؤلاء الجنود، وأن يسرقهم من أحضان أمتهم، ليسخرهم هذا التسخير الخبيث الذي لا يرضى به الهمجيون البدائيون، فضلاً عن المثقفين الذين يدعون التقدمية، ويلقبون أنفسهم بالطلائع المتحررة؟ فإن الجواب يأتينا من الواقع بأن العملة التي يشتري بها العدو شباباً من أجيالنا الناشئة. ثم يجندهم في صف المواجهة ضدنا، هي عملة تبذل للأهواء والشهوات بغير حساب، أما مادتها فالمرأة الفاجرة، والشهوة العاهرة، والخمرة المضلة، والرشوة المذلة، ومطامع المال والسلطان، وأحياناً أوراق مجد علمي

стр. 60

تُمنح على صفة شهادات عليا، ويجري ضمن ذلك كله عمليات تغيير كلي لجهاز التفكير، وتغيير كلي في المختزنات العاطفية، وتبديل تام أو ناقص لعناصر الكيان الذاتي التي هي قوام الشخصية. وبعد هذا التغيير والتبديل تتم عملية التجنيد الطوعي، أو التجنيد المسوق بالسلاسل، والمدفوع بالسياط اللاهبة، خوف الحرمان والفضيحة، وأخيراً خوف القتل بأي سبب ظاهر أو خفي. وما التقدم والعقلانيات والبحث العلمي والنظرة الأكاديمية إلا ألفاظ وشعارات تستعمل في الأقوال فقط، وليس لمدلولاتها الحقيقية واقع معتبر لديهم. تزييف في الألفاظ، تزييف في الحقائق، تزييف في المعارف، تزييف في الرجال، تزييف في المؤسسات الصغرى والكبرى، تزييف في الدول وتكوين الأمم والشعوب، هذه هي خطتهم. وغرضهم الحقيقي تدمير الأمة الإسلامية وفي مقدمتها الشعوب العربية تدميراً يشمل ما يسمونه في مصطلحاتهم: "البنية الفوقية - البنية التحتية - الأصعدة العليا - الشرائح الوسطى، والجانبية والعلوية والسفلية" إلى آخر هذه المصطلحات الإيهامية، التي يقذفونها للتغطية حيناً، وللتهويل حيناً آخر، وللتظاهر بارتقاء المستوى الفكري أمام الذين لم تتجاوز عقولهم طور مراهقتها، بغية السيطرة الفكرية عليهم، وتقييدهم بمصطلحات يتميزون بها، ويدسون في المراد منها ما شاءوا. وجملة هذه المصطلحات تدور حول عقائد المسلمين ومفاهيمهم الإسلامية والأخلاقية والاجتماعية، وحول مستويات المجتمع الإسلامي على اختلافها، فهم يشرحونه إلى شرائح وفق مخططهم، ويوجهون لكل شريحة وسائل تدميرها، ويركزون معظم طاقاتهم لتدمير العقائد والمفاهيم والأخلاق وسائر القيم والتطبيقات الإسلامية، ومراكز حماية كل هذه الأثقال التي تقف في طريق تسلطهم الكامل على الأمة الإسلامية وشعوبها المختلفة.

стр. 61

وانطلت حيلة التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي لا تتعارض مع الدين ولا تمس عقائده ومفاهيمه الأساسية كما زعم أجراؤهم والمنخدعون بهم. وتجند لمؤازرتها ومناصرتها فريق الطامعين، وسارت من ورائهم جماهير العمال والفلاحين وصغار الكسبة، وقادة المسير صنائع وأجراء من طبقة القيادات المثقفة، الذين استطاعوا أن يشتروهم أو يغرروا بهم، إذ وجدوا في نفوسهم مواطن ضعف نؤهلهم لهذه العمالة. وقامت الثورة، ورافق إقامتها حملة عنيفة من ضجيج الوعود الكبيرة بتحقيق النصر المنشود، وسارت وفق المخطط الذي رسم لها، وفي الوقت المناسب سيقت إلى خيبة كبرى حملت آلام نتائجها الأمة العربية والأمة الإسلامية من ورائها. وأزيح الستار عن الفصل الأول من التمثيلية، وطلع الملحد العميل يقول: إن الهزيمة قد كانت بسبب وجود رواسب من الذهنية الدينية لدى القيادات الثورية في حركة التحرر العربي، وبسبب عدم التغيير الشامل في تركيب المجتمع كله، لأن التغيير الاقتصادي والاجتماعي لا يكفي لتحقيق النصر، بل لا بد من تغيير يشمل المبادئ والعقائد والتقاليد وسائر المواريث القائمة في المجتمع العربي. هلمَّ إذن إلى هذا التغيير، لتفقد الأمة العربية كل كيانها وكل مقوماتها، وعندئذ تسقط سقوطاً كاملاً في يد عدوها، الذي يستعبدها ويسخرها فيما يريد. وهذا هو ما يهدف إليه العدو في خطته ضمن حربه الشاملة للإسلام والمسلمين. وجاءت حرب رمضان (تشرين أول- أكتوبر) في عام ١٩٧٣م فأظهرت للناس جميعاً أن الإسلام لما دخل في المعركة دخولاً اسمياً وبصورة جزئية ظهرت في الأمة العربية بطولات حقيقية لم يكن لها وجود مطلقاً في حرب (حزيران-يونية) عام ١٩٦٧م، وكان من نتيجتها تحول جزئي لصالح الأمة العربية، وكان في هذا تكذيب واقعي لمفتريات الملحد الماركسي العميل. وقد يبدو عجيباً أن يوجه هؤلاء الملاحدة الماركسيون انتقادهم لحركة التحرر

стр. 62

العربي وقياداتها الثورية، إذ لم تقم بتغيير شامل في مجال سلطانهم، يتناول كل إرث الأمة العربية، من عقائد ومبادئ وأخلاق وعادات ومفاهيم ومشاعر نحو أمجادهم وتاريخهم. ولكن هذا العجب ينتهي تماماً حين نعلم أن المخططات المرحلية للحروب الحديثة التي يحركها أساطين المكر العالميون لا تهتم بالأشخاص ولا بالمنظمات. إن الأشخاص والمنظمات وسائر الأدوات المرحلية هي بمثابة جسور توضع لتنسف متى تم العبور عليها، حتى لا يعود عائد عن طريقها إلى المنطلق الأول، وكل من يقدم نفسه جسراً لها من أشخاص أو منظمات فليعلم أنه سينسف بدداً متى استنفد الماكرون أغراضهم ومنه، وعندئذ لا يجد عاطفة تحنو عليه، ولا وفاء يستقبله. وكل لاحق من هذه الجسور المرحلية لا بد أن يؤدي وظيفة تهديم من سبقه وانتقاد أعماله، ليقدم تبريراً لمرحلته الجديدة، وليمحو من الأذهان ما ترسب فيها من مفاهيم كان يقدمها السابق. وكل ذلك في ترتيب الخطة العامة أزياء فكرية مرحلية، يجب تغييرها لدى تنفيذ المرحلة التالية، إلا أنها تمهيد ضروري لها. وليس لها منا مجرد تحليلات ذهنية، وتقديرات خيالية، بل مكتوبات العدو السرية تنص عليه بصراحة لا تقبل التأويل. مسكينة هذه الجسور البشرية كيف تقدم خدماتها الجلي للشياطين، لتقدم أنفسها فيما بعد ضحايا لهم، وليس لها منهم عبر الرحلة القاسية الشاقة إلا الإباحيات المختلفات، والمواعيد الكاذبات، وأنواع من المساعدات للتسلط على أمتهم في الأدوار المرحلية. ولتحويل الأنظار عن العدو الحقيقي بدأ الملاحدة الماركسيون يهونون من أمر مكايد الاستعمار، ومكايد الصهيونية العالمية، ويوجهون كل اهتمامهم لميراث الأمة العربية من قيم وأخلاق ومبادئ وعقائد وعادات وتقاليد ومفاهيم، ويحملون هذا

стр. 63

الميراث وزر تخلف هذه الأمة، ووزر الهزيمة العسكية التي صنعتها التقدمية العربية بأيديها، سيراً مع المخطط المرسوم لها. ومع أن الماركسيين كانوا مع الذين حملوا شعارات محاربة الاستعمار في الوطن العربي، إلا أن ذلك قد كان منهم خطة مرحلية، أما اليوم فالصهيونية العالمية ليست عدوة لهم، إن عدوهم الأكبر عقائد الإسلام ومبادئه، ومفاهيمه وتشريعاته، وما له من رصيد كبير في الجماهير العربية، لأن هذه هي العدو الأكبر لليهودية العالمية، ومن يسير في ركابها أو يتأثر بدسائسها. قال الناقد (د. العظم) في كتابه "نقد الفكر الديني" في الصفحة (١٣) : "قامت حركة التحرر بتجريد العلاقة الاستعمارية في حياة الوطن العربي عن جملة الظروف التاريخية، والأوضاع الاجتماعية العربية المتشابكة معها، والمحيطة بها إلى درجة جعلت "الاستعمار" يبدو وكأنه الحقيقة المباشرة الوحيدة الماثلة في مجرى الأحداث في المنطقة والمحركة لها. أي: كان هناك اختلال أساسي في التوازن بالنسبة لنظرة حركة التحرر إلى نفسها وواقع مجتمعها، وإلى أعدائها والعالم الخارجي المحيط بها، بصورة عامة. بالغت عملية التجريد هذه في تبسيطها للواقع التاريخي المعقد، مما جعل (الاستعمار) - أحياناً الصهيونية العالمية - يبدو وكأنه القوة الوحيدة المتحكمة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بحركة المجتمع العربي، وبالبيئة التي تثير ردود فعله. أدى هذا القصور إلى ما يشبه الإهمال التام لأوضاع القوى والمؤسسات والتنظيمات والمجهودات الذهنية الموجودة دوماً في التركيب الاجتماعي (العربي) والفاعلة باستمرار في حياته، والمهمة أيضاً في تحديد ردود فعله وأنماط سلوكه الجماعية والفردية. إن الوجه الآخر لعملة تجريد العلاقة الاستعمارية على هذا النحو هو التعصب للوهم المثالي الكبير القائل: بأن الأيديولوجيات الغيبية والفكر الديني الواعي الذي تفرزه مع ما يلتف حولها من قيم وعادات وتقاليد ... إلخ هي حصيلة للروح العربية الخالصة الثابتة عبر العصور، وليست أبداً تعبير عن أوضاع اقتصادية متحولة، أو قوى اجتماعية صاعدة تارة ونازلة تارة أخرى، أو بنيات طبقية خاضعة للتحول التاريخية المستمر، ولا تتمتع إلا بثبات نسبي".

стр. 64

ألا يمثل هذا الكلام وقاحة بالغة النهاية، لا يفعلها إلا أجير ذليل باع نفسه للصهيونية العالمية عن طريق الإلحاد الماركسي؟! ولا يشك خبير بحقائق الأمور أن سبب تخلف العالم العربي هو هجره لمفاهيم الإسلام الصحيحة المتقدمة جداً، ثم تعلقه بوافدات تفد إليه من أعدائه، الذين يخشون أن يصحو من نومه العميق، ويستمسك من جديد بإسلامه، ويثب وثباته المدهشة، ويحتل قيادة العالم مرة ثانية. أما الوافدات الوبائية التي تفد إلى بلاد المسلمين من خارج حدودهم فالذين يحملونها بأمانة تامة للعدو وخيانة تامة لأمتهم وتاريخهم معروفون تماماً، وأقوالهم وأعمالهم تدل عليهم، ولئن اختفوا حيناً فلا بد أن يظهروا بعد حين. (٤) يقول الناقد (د. العظم) في الصفحة (٩) من كتابه: "تبيَّن أيضاً بعد هزيمة (١٩٦٧م) أن الأيديولوجية الدينية على مستوييها الواعي والعفوي. هي السلاح (النظري) الأساسي والصريح بيد الرجعية العربية في حربها المفتوحة، ومناوراتها الخفية على القوى الثورية والتقدمية في الوطن". ويقول أيضاً: "يلعب الفكر الديني دور السلاح (النظري) المذكور عن طريق تزييف الواقع وتزوير الوعي لحقائقها: تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي - مثلاً - والعلم الحديث. تزييف حقيقة العلامة بين الدين والنظام السياسي مهما كان نوعه ". إنه في هذا يخص الإسلام بالذكر إعلاناً عن غرضه الذي يهدف فيه إلى تهديم الإسلام وإطفاء نوره، عن طريق التهجم الصريح المقرون بالشتائم التي يطلقها زوراً وبهتاناً على الدين. ونحن لا ننتظر منه ومن كل الملحدين وسائر أعداء الإسلام غير هذا، فهم يتميزون غيظاً منه كل يوم ألف مرة، لأنه حق قوي كاشف لزيف المبطلين، وكما يقول هذا الكاتب نفسه في أول كلامه في المقدمة عن الفكر الديني:

стр. 65

"من نافل القول أن هذا النوع من الفكر يسيطر إلى حد بعيد على الحياة العقلية والشعورية للإنسان العربي، إن كان ذلك بصورة صريحة وجلية، أو بصورة ضمنية لا واعية". وقبل أن نفند أقواله عن الدين وعن الفكر الديني الصحيح غير المزيف، وأمام حملات الكذب والشتائم الوقحة، نقول ما قال الله تعالى في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ . أي: يريدون مرادات كثيرة، ويتخذون أسباباً متعددة، ليطفئوا نور الله العظيم بأفواههم، بأكاذبيهم وشتائمهم وأباطيلهم وافتراءاتهم ومغالطاتهم ونظرياتهم العلمية الباطلة، والله مُتم نورِه رغم كل محاولاتهم الفاشلة، ولو كرهوا ذلك وتميزوا منه غيظاً. أما ادعاؤه "بأن الفكر الديني يلعب دور السلاح (النظري) عن طريق تزييف الواقع، وتزوير الوعي لحقائقه"، فمجرد شتائم يطلقها تعبيراً منه ومن رفاقه وسادتهم المديرين لحركاتهم عن مدى غيظهم من الإسلام، وعن مبلغ حقدهم عليه، وعلى المسلمين الملتزمين بإسلامهم. وأنت خبير أن الشتائم ليس لها في ميادين الجدل المنطقي مقام. فمن قلت له: أنا موجود هنا أخاطبك، هلُمَّ فناظرني، فقال لك: هذا تزييف للواقع، أنت مزور للحقيقة كاذب، تريد أن تضللني وتزور وعيي، أنت وهم، أنت خيال، أنت ليست شيئاً حقيقياً، فمباذا ترد عليه؟ وبماذا تجيبه؟ لا جواب له عند العقلاء إلا الإعراض عنه، أما الدخول معه في حرب الشتائم فصناعة الغوغائيين، لا صناعة الجدليين المفكرين الذين ينشدون الحق.

стр. 66

وهذا هو سبيلنا مع أي عدو من أعداء الإسلام، أعداء الحق، حينما يوجه له شتيمة: "تزييف الواقع وتزوير الوعي لحقائقه" دون أن يقدم براهين صحيحة تثبت دعواه. ولكنه حينما يقدم ما يراه دليلاً وحجة فإننا لا نسكت عن مناقشتها ونقضها وبيان المغالطات فيها. وأما ادعاؤه: "أن الدين هو السلاح النظري الأساسي والصريح بيد الرجعية العربية، في حربها المفتوحة ومناوراتها الخفية على القوى الثورية والتقدمية في الوطن". فلا شأن للإسلام حقيقة في هذا، والحق قد يتستر به المبطلون من كل جانب، ولا يضير الطود المنيع أن يتستر في ظله من الواديَين فريقان متصارعان متضادان في مذاهبهما. أما التقدمية والرجعية والثورية وغير الثورية فألفاظ يطلقونها بأفواههم وفق أهوائهم. لقد استخدموا الإباحية الفكرية واللفظية أسوأ استخدام، فقد يطلقون عبارة التقدمية على أقبح الرجعيات الفكرية والسلوكية، فالقتل والسحق والتمثيل بالقتلى والتشويه والتعذيب الذي لا يخطر على بال كبار المجرمين، والسلب والنهب وهتك الأعراض، وكل الموبقات تقدمية، مع أنها غاية في الهمجية الممعنة في الرجعية التاريخية، التي ترجع إلى الوحشية البهمية، وتجرُّع قوارير (الفودكا) حتى الارتماء على قمامات الشوارع هي في نظرهم تقدمية، مع أنها في الحقيقة رجعية إلى ما دون مستوى البهائم وأضل سبيلاً، والكفر بالله والإلحاد به تقدمية في نظرهم، مع أن الكفر بالله من رجعيات القرون الأولى. أما الصدق والأمانة والمحبة الإنسانية والإخاء وحسن المعاملة وسائر مكارم الأخلاق وفضائل السلوك فهي في نظرهم وتسمياتهم رجعيات، وهي أمور سخيفة يجب تركها والاستهانة بها. أليس هذا التلاعب بالحقائق تنفيذاً للمخطط اليهودي الشامل، الذي يعمل

стр. 67

على تجريد الأمة الإسلامية من كل قواها المقوّمة لكيانها، حتى تفقد كل مقاومة ضد عدوها، وتستلم لها استسلاماً كاملاً على ذل وضعة وعبودية؟ وهؤلاء الملاحدة هم من أخطر جنود تنفيذ هذه الخطة اليهودية العامة، ولا ضيرإذن أن يكون الإسلام سلاحاً ضدهم لأنهم أعداؤه، وهم ومبادئهم وأفكارهم ومخططاتهم أسلحة فتاكة مسلطة ضد الإسلام ومبادئه وعقائده وتشريعاته والمؤمنين به. وفي كلام الماركسيين عن الرجعة العربية مغالطة قائمة على التعميم، فحينما يطلقون عبارتي الرجعية والرجعيين فإنهم يقصدون الإسلام والمسلمين ودعاته وحماته، ويقصدون أيضاً سائر الأنظمة العالمية المخالفة للنظام الماركسي، وحماة هذه الأنظمة والمستفيدين منها، وفي ضمن هذا التعميم المقصود يقذفون مغالطاتهم، إذ يوهمون بأن الإسلام في نظرياته ومفاهيمه وتشريعاته يدعم النظام الرأسمالي مثلاً، أو يدعم أنظمة الحكم الدكتاتورية، مع أن موقف الإسلام من الأنظمة الرأسمالية المخالفة له مثل موقفه من الأنظمة الماركسية، يخالف هذه وتلك، ويقاوم هذه وتلك، ولا يدعم هذه ولا تلك، إن الإسلام نظام غيرهما جميعاً. هذه هي حقيقة الإسلام التي تشتمل عليها نصوصه، ويعترف بها المسلمون الصادقون، ولكن ما نصنع بالذين يستغلون اسم الإسلام لنصرة مذاهبهم التي تخالف الإسلام وهو لا يعترف بها؟ هذا عيب في الناس وليس عيباً في الدين نفسه، ونفاق الناس للمذاهب والأنظمة، وتسترهم بها، واحتماؤهم بقواها، موجود في كل موقع فكري أو جماعي، ولا يمكن أن يدفعه إلا نظام صحيح ثابت، له في الأرض قوة تحمي مبادئه بحق، وتكشف باستمرار المزيفين الذين يستخدمون اسمه وقوة الجماهير التي تنتسب إليه لدعم انحرافاتهم. فبالنفاق والتزوير والمخادعة قد يستخدم النظام الماركسي اسم الإسلام سلاحاً لدعم نظامه وحمايته، إذا وجد جماهير تنخذع بنفاقه وتزويره، ووجد أجراء

стр. 68

وصنائع تزين أمام الجماهير نفاقه وتزويره وتتلاعب بمفاهيم الإسلام وفق أهوائه، ولا يكون هذا بحال من الأحوال جريرة تلتصق بالإسلام أو عيباً ينسب إليه، فالإسلام من نفاق المنافقين وتزوير المزورين بريء. وبالنفاق والتزوير والمخادعة قد يستخدم نظام رأسمالي اسم الإسلام سلاحاً لدعم نظامه وحمايته، إذا وجد جماهير تنخدع بنفاقه وتزويره، ووجد أجراء وصنائع تزين أمام الجماهير نفاقه وتزويره، وتتلاعب بمفاهيم الإسلام وفق أهوائه، ولا يكون هذا بحال من الأحوال جريرة تلتصق بالإسلام أو عيباً ينسب إليه، فالإسلام الحق بريء من نفاق المنافقين وتزوير المزورين وتلاعب المتلاعبين. فاتهام الإسلام بأنه سلاح في يد الرجعية، أو في يد بعض الأنظمة التقدمية، مغالطة قائمة على التعميم أولاً، إذ يُعمِّم المغالطون اسم الإسلام فيجعلونه شاملاً لدين الله وللمنتسبين إليه بصدق، وللمنتسبين إليه زوراً ونفاقاً، وللمستغلين اسمه وهو منهم بريء، وقائمة ثانياً على تحميل الدين جرائر المنافقين له، والعابثين أمام بعض الجماهير بمفاهيم ينسبونها إليها، وهي ليست منه. ولكن: يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتِمّ نوره ولو كره الكافرون. (٥) قال الناقد (د. العظم) في الصفحة (٩) من كتابه: "يلعب الفكر الديني دور السلاح (النظري) المذكور عن طريق تزييف الواقع وتزوير الوعي لحقائقه: تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي - مثلاً - والعلم الحديث، تزييف حقيقة العلاقة بين الدين والنظام السياسي مهما كان نوعه (الاشتراكية - العربية - العلمية الإسلامية - المؤمنة - الثورية) تزييف الحقيقة حول التصنيف الثوري الصارم للأعداء والأصدقاء على مستوى العلاقات بين الدول في المرحلة الحالية الحرجة (مؤتمر القمة الإسلامي) تزييف حقيقة الصراع الاجتماعي القائم في الوطن العربي بين قوى اجتماعية ثورية صاعدة، وقوى

стр. 69

رجعية معطّلة، بين قوى طبقية مسيطرة، وقوى متمردة مسحوقة مستغلة (الدعوة لبناء الجسور بين الطبقات باسم الإصلاح والتسامح والمحبة وغيرها من القيم الروحية) ولا شك أن عملية التزييف هذه تعمل في صالح مجموعة مصالح طبقية ضيقة ومسيطرة، تنزع نحو الاستماتة في المحافظة على نفسها وعلى مواقعها، وبذلك نحو فرض أيديولوجيتها الدينية ومنظورها الميثولوجي المزيف للواقع على المجتمع بأسره، وعلى حياته الفكرية والثقافية بكاملها تقريباً ". (أ) إذا تركنا شتائم (العظم) للفكر الديني في هذا النص، لأننا عالجناها فيما سبق، فإننا نلاحظ أن الذي يلعب دور التزييف بكل معانيه وصوره هو الفكر اللاديني الإلحادي، لا الفكر الديني المؤمن. فاللادينيون هم الذين يصنعون هذه التزييفات ويستغلونها لستر واقعهم المعادي لجماهير الأمة، والكثرة الكاثرة من شعوبها، ولمبادئ هذه الجماهير وقيمها وأخلاقها وتاريخها ومؤسساتها. (ب) أما ما زعمه من تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي والعلم، فقد كشفنا بطلانه بالشرح العلمي المركز في الفصل الثاني من هذا الكتاب، وأثبتنا بالبراهين المنطقية أنه لا نزاع مطلقاً بين الدين الصحيح والعلم اليقيني الثابت، وسنزيد هذا بياناً في جدليات تفصيلية، نعالج فيها كشف أكاذيبه وتزييفاته في الفصل الثامن من هذا الكتاب، والواقع أن الملاحدة وكل اللادينيين هم الذين يزيفون حقيقة العلاقة بين اللادين والعلم، إذ يصورون كذباً وزوراً أن العلم صديق الإلحاد، أو صديق اللاتديُّن، ويحاول جهدهم ويكدون كداً لاهثاً ليثبتوا وجود التناقض بين الدين والعلم، ويصنعون كل ألوان التزييف والتزوير لإثبات هذه الفرية، ليتوصلوا من ذلك إلى نقض الدين وإبطاله. فمن المزيف للحقيقة والواقع؟؟ (ج) وأما ما زعمه من تزييف حقيقة العلاقة بين الدين الإسلامي والنظام السياسي مهما كان نوعه (الاشتراكية - العربية - العلمية الإسلامية - المؤمنة - الثورية) .

стр. 70

فالمزيفون في الحقيقة هم أصحاب المذاهب والنظم المخالفة للإسلام، ويستأجرون أجراء للقيام في وسط الجماهير المسلمة بالدعاية لصور التزييف التي يصنعونها، ستراً لمواقفهم المعادية للإسلام، وكيداً لجماهير المسلمين، ويسير وراءهم مخدوعون، يظنون أنهم يخدمون الدين بما يصنعون. أما الدين ألإسلامي فلا يعترف بأي نظام مهما كان نوعه، إذا كان يخالف المبادئ الإسلامية الصحيحة، فللإسلام مناهجه ونظمه الواضحة البينة. والمسلمون الصادقون لا يقبلون أية صورة من صور التزييف التي يحاول غير المسلمين مخادعة الجماهير المسلمة بها. (د) وأما ما ذكره " من تزييف الحقيقة حول التصنيف الثوري الصارم للأعداء والأصدقاء، على مستوى العلاقات بين الدول في المرحلة الحرجة (مؤتمر القمة الإسلامية) ". وما ذكره من "تزييف حقيقة الصراع الاجتماعي القائم في الوطن العربي بين قوى اجتماعية ثورية صاعدة، وقوى رجعية معطَّلة، بين قوى طبقية مسيطرة وقوى متمردة مسحوقة مستغلة (الدعوة لبناء الجسور بين الطبقات باسم الصلاح والتسامح والمحبة وغيرها من القيم الروحية) ". فإن الإسلام أشد حرصاً على مقاومة هذا التزييف، إن المؤمنين الصادقين أحرص من الملاحدة على إيجاد التصنيف الصارم، وعلى إقامة الحدود الفاصلة بين الأعداء والأصدقاء، أي: بينهم وبين الكافرين، ولو كانوا من أبناء جلدتهم، ويتكلمون بألسنتهم، ولو كانوا منحدرين من السلالات الإسلامية، ولو كانوا من أقرب أقربائهم، فالإسلام لا يعرف مداهنة ولا مصانعة على حساب الدين والعقيدة، أو على حساب جماعة المسلمين، ولا يقر مبدأ المساومة في أي أمر من أمور الدين، فالعدو عدو ولو كان أباً أو ابناً أو أخاً أو أقرب الأقربين في النسب، والصديق صديق مهما كان بعيداً عن وشائج القرابات، فالله يقول في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) : ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُو?اْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إَنِ اسْتَحَبُّواْ

стр. 71

الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ منكُمْ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ منَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فالأمر في المفهوم الإسلامي ليس بالسهل ولا باليسير، إنه لعب بمصير الأمة، ولعب بمصير دينها، وفيه تمكين عدوها منها، فليست موالاة أعداء الله من المعاصي الفردية العادية، إنها خيانة للأمة جميعها، وخيانة للكيان الإسلامي كله، ودونها بنسبة كبيرة بعض كبائر المعاصي الفردية، لأن هذه الموالاة لأعداء الله فرع من فروع النفاق. والله ﵎ يقول في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَآأَنْتُمْ أُوْلا?ءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُو?اْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٦) حشر الناقد (د. العظم) اتجاهاته السياسية المعينة في صلب قضايا يزعم أنها قضايا نقدية علمية بحتة، فهو بالإضافة إلى أنواع التضليل الذي سلكه في المسائل العلمية ضد الدين، أخذ يحشر اتجاهاته السياسية ليتابع عملية التضليل، ويسلك فيها مسلك الغوغائية الدعائية المعروفة في الكتابات الصحفية، التي يكتبها الملاحدة الماركسيون، فقال في الصفحة (٢٣) من كتابه:

стр. 72

"كان الدين في أوروبا حليف التنظيم الإقطاعي للعلاقات الاجتماعية، ولا يزال على هذه الحال في معظم البلاد المتخلفة وخاصة في الوطن العربي. في الواقع أصبح الإسلام الأيديولوجية الرسمية للقوى الرجعية المتخلفة في الوطن العربي وخارجه (السعودية، أندونيسيا، الباكستان) والمرتبطة صراحة ومباشرة بالاستعمار الجديد الذي تقوده أمريكا. كما كان الدين المصدر الأساسي لتبرير الأنظمة الملكية في الحكم لأنه أفتى بأن حق الملوك نابع من السماء وليس من الأرض. ثم أصبح اليوم الحليف للأوضاع الاقتصادية الرأسمالية والبرجوازية، والمدافع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها، حتى أصبح الدين وأصبحت المؤسسات التابعة له من أحصن قلاع الفكر اليميني والرجعي. فالدين بطبيعته مؤهل لأن يلعب هذا الدور المحافظ، وقد لعبه في جميع العصور بنجاح باهر، عن طريق رؤياه الخيالية لعالم آخر تتحقق فيه أحلام السعادة، وواضح أن هذا الكلام ينطبق على الإسلام كغيره من الأديان ". واضح من هذا الكلام (العظمى) أنه من قبيل الغوغائية الدعائية السياسية، التي تعمل لنصرة مذهب سياسي واقتصادي معين، أثبت الواقع فشله في المجالين السياسي والاقتصادي، وأثبت أنه كان سلاحاً في أيدي الانتهازيين الطامعين باحتلال المواقع الرأسمالية والبرجوازية، عن طريق النهب والسلب والاستغلال الظالم الآثم، وأن شعارات هذا المذهب الاقتصادي لم تكن إلا أقنعة للتضليل. وقد عمد إلى ذكر بلاد إسلامية معينة لأنها ما زالت نوعاً ما ترعى الإسلام، وتحمي شعاراته، وتطبق بعض أحكامه. أما قصة الارتباط صراحة ومباشرة بالاستعمار الجديد الذي تقوده أمريكا فقصة أتقن تشييعها أجراء هذا الاستعمار، وأجراء الصهيونية العالمية، وغايتهم هدم الإسلام من وراء ذلك، وهو يعلم أكثر من غيره دور الماركسية الملحدة التي تعمل لصالح الاستعمار الجديد، وتعمل لصالح الصهيونية العالمية. وحرب رمضان عام (١٩٧٣-١٣٩٣هـ) ودور الدول الإسلامية فيها، ودور المملكة العربية السعودية إذ دخلت فيها بكل ثقلها، ربما يكون قد أغاظه كثيراً،

стр. 73

لأنه جاء على غير هوى سادته، ولأنه كشف زيفاً كثيراً كان يصدّره هو وكل الذين يلبسون أقنعة التقدمية. وأكتفي عند هذه النقطة بهذا القدر لأنه ليس من خطتنا في الدفاع عن الدين وحقائقه أن ندخل معارك سياسية ذات طابع زمني، وذلك لأن الدين دين الله، وهو تعاليم ومفاهيم وحقائق فكرية، ومتى هبطنا بها إلى مستوى الصراع السياسي فإننا تورَّط الدين توريطاً سيئاً، إذ نجسده في واقع بشري، مع أن الواقع البشري غير المعصوم قد يخالف الدين في كثير من التصرفات الإنسانية، والدين لا يحمل جريرتها، وإنما يحمل جريرتها المخالفون للدين أنفسهم، وإن كانوا من أهل الإيمان به والمطبقين لبعض تعاليمه، ومن الذين يرفعون لواءه، ويحرصون على نصرته. إن أي تجسيد للدين في واقع بشري غير معصوم عن الخطأ أو المخالفة يعتبر تشويهاً للدين، وتحويراً في مفاهيمه وتعاليمه، وهذه ليست خطة رشد في الدفاع عن الدين. إن الصراع من أجل الواقع البشري عمل سياسي قد يتصل بالمبدأ إلا أن له مجالاً آخر. وبالتضليل المقصود لمحاربة الإسلام بوصفه ديناً ربانياً؛ يحاول أعداء الإسلام من ملحدين وغيرهم التقاط صور معينة عن الواقع البشري للمنتسبين إلى الدين، ولو كانوا من أئمة المسلمين ومرشديهم، ثم يأخذون هذه الصور البشرية المعينة، ويجعلونها من الدين عقيدة ومفاهيم وأنظمة وغير ذلك، مع أنها في الواقع ليست إلا انحرافات بشرية عن عقائد الدين أو مفاهيمه أو أنظمته، وليس الدين هو المسؤول عنها، ولكن أصحابها هم المسؤولون. وهذا التضليل من أعداء الإسلام مغالطة خبيثة ماكرة، يقصدون منها تشويه الصورة الإسلامية من جهة، واستدراج مغفلين من أنصار الدين ليتورطوا في الدفاع عن الواقع البشري، فيستغله أعداء الإسلام استغلالاً سيئاً.

стр. 74

يضاف إلى كل هذا أن المعارك السياسية الزمنية لها وجهات أنظار مختلفة، ومن العسير جداً تمييز جانب الحق فيها، وما أكثر ما ترى الغوغائية الجماهيرية رأياً أملته عليها الغوغائية الدعائية التي تنصر مذهباً اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً معيناً، وتدعم مصالح معينة، ثم يتبين بعد التجربة أن الرأي المناقض له كان هو الأحق بالاعتبار، وأن محاربته كان رعونة وطيشاً، وتورطاً في مزالق سياسية تكبد المنزلقين خسائر فادحة، وتحمِّلهم مصائب كثيرة، وقد تدفع بهم على أيدي أعدائهم ضحايا رعوناتهم، وعندئذ تجد جنود الأعداء الذين دفعوا بهم إلى هذه المزالق يطبلون ويزمرون ويرقصون على أجساد الضحايا. أما زعمه: أن الدين أصبح اليوم الحليف الأول للأوضاع الاقتصادية الرأسمالية والبرجوازية، والمدفع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها ... إلى آخر كلامه. فالواقع أن هذا الكلام ليس فيه من النقد الفكري شيء، بل هو لون دعائي سياسي صحفي قائم على التضليل. إن أي دارس للنظام الاقتصادي الإسلامي يعلم بداهة أنه نظام فذّ قائم بنفسه، فلا هو نظام رأسمالي يساير الأنظمة الرأسمالية في العالم، ولا هو نظام اشتراكي يساير الأنظمة الاشتراكية في العالم، ولكن قد تتلاقى الأنظمة الرأسمالية معه في بعض الجوانب، وقد تتلاقي الأنظمة الاشتراكية معه في بعض الجوانب، وينفرد الإسلام بمفاهيم خاصة وتنظيم كلي خاص، والشبه الجزئي لا يعني التبعية بحال من الأحوال. وأما تحصن الرأسماليين بالإسلام فيشبه تحصن بعض الاشتراكيين به، وهو ليس حصناً في الحقيقة لهؤلاء ولا لهؤلاء، ولكن يتحارب الفريقان فيختبئ هؤلاء وراء جانب منه، ويختبئ أولئك وراء جانب آخر منه، وتتساقط بعض الضربات من هؤلاء وأولئك على الحصن الإسلامي زوراً وبهتاناً، ولو كان في الحصن الإسلامي جنود حقيقيون لخرجوا وقاتلوا الفريقين معاً، ولطردوهما عن جوانب الحصن.

стр. 75

وأما قوله: "إن الدين قد أصبح المدافع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها". فإننا نقول: ما دامت الملكية الخاصة مكتسبة بطرق مشروعة يوافق عليها نظام الإسلام فاحترامها حق، واحترام الحق من أسس مبادئ الإسلام العامة، ولا يضيره في هذا أن توافقه أو تخالفه أنظمة وضعية ومذاهب اقتصادية أخرى، فالحق أحق أن يتبع. وتعلن بإصرار أن النظام الإسلامي هو الأكمل والأصلح للإنسانية، وستضطر الأنظمة الأخرى أن تتراجع إلى نظامه. وهل عيب في النظام الإسلامي أن يحترم الملكية الخاصة المشروعة، لأنه لا يوافق في هذه الناحية النظام الماركسي؟ إن العيب والنقص فيما خالف الإسلام، نقول هذا بكل فخر واعتزاز. ثم نتساءل فنقول: هل تتنازل الأنظمة الماركسية عن ملكياتها لصالح دول أخرى ماركسية أيضاً؟ إنهم يتقاتلون لحمايتها، فأين بقيت مقومات المذهب؟ مفتريات وأباطيل، وخداع وتضليل!! * ... * ... *
следующие страницы →