٣- برغم أن العلوم لا تؤيد وجود عالم غير مادي تأييداً كاملاً، لأن الدائرة التي تعمل فيها تقع في حدود المادة، فإنها لا تستطيع أن تنفي بصورة قاطعة وجود عوالم أخرى غير مادية وراء العالم المادي.
٤- نستطيع بطريقة الاستدلال والقياس بقدرة الإنسان وذكائه في عالم يفيض بالأمور العقلية أن نصل إلى وجوب وجود قوة مسيطر مدبرة تسير هذا الكون وتدبر أمره.
ثم ختم مقاله بقوله: "إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه، ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم - نحن العلماء - بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته".
٤- المقالة الرابعة:
كتبها (جون كليفلاند كوثران) وهو من علماء الكيمياء والرياضيات، ورئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة (دولث) ، كتبها تحت عنوان: "النتيجة الحتمية".
بدأ الكاتب مقالته بكلمة (لورد كيلفن) وهو من علماء الطبيعة البارزين في العالم: "إذا فكرت تفكيراً عميقاً فإن العلوم سوف تضطرك إلى الاعتقاد بوجود الله".
ثم جاء فيها ما خلاصته:
١- تنقسم العوالم إلى ثلاث أقسام:
(أ) العالم المادي.
(ب) العالم الفكري.
(ج) العالم الروحي.
٢- إن التطورات الهامة التي تمت في جميع العلوم الطبيعية خلال السنين المئة الأخيرة، بما في ذلك الكيمياء، قد حدثت بسبب استخدام الطريقة العلمية في دراسة المادة والطاقة، وعند استخدام هذه الطريقة تبذل كل الجهود للتخلص
стр. 107
من كل احتمال من الاحتمالات الممكنة التي تجعل النتيجة التي تصل إلهيا راجعة إلى محض المصادفة.
٣- أسهب الكاتب في الأمثلة العلمية عن طريق الكيمياء، ليكشف أن سلوك أي جزء من أجزاء المادة مهما صغر، لا يمكن أن يكون سلوكاً عشوائياً ناجماً عن المصادفة، بل كل شيء يسير وفق قانون يهيمن على سلوكه.
٤- ثم قال الكاتب: "فهل يتصور عاقل أو يفكر أو يعتقد أن المادة المجردة من العقل والحكمة قد أوجدت نفسها بنفسها بمحض المصادفة؟ أو أنها هي التي أوجدت هذا النظام وتلك القوانين ثم فرضتها على نفسها؟
لا شك أن الجواب سيكون سلبياً.
وتدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال والفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة، والآخر بسرعة ضئيلة، وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية، ومعنى ذلك أيضاً أنها ليست أزلية، إذ إن لها بداية.
وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة ولا تدريجية، بل وجدت بصورة فجائية.
وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه المواد، وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقاً، وهو منذ أن خُلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة، ليس لعنصر المصادفة بينها مكان.
فإذا كان هذا العالم المادي عاجزاً عن أن يخلق نفسه، أو يحدد القوانين التي يخضع لها فلا بد أن يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي، متصف بالعلم والحكمة".
وهكذا العلماء المنصفون، فما أروع العالم حينما يدفعه علمه وحياده وإنصافه إلى الاعتراف بالحقيقة، ولو كانت تخالف هواه وتشهياته، أو تحد من حريته، أو تلزمه بأن يتواضع ولا يستكبر!
وما أبعد الملحدين عن مثل هذا الموقف الكريم!
стр. 108
٥- المقالة الخامسة:
كتبها (إدوارد لوثر كيسيل) ، أستاذ الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو، وهي بعنوان: "فلننظر إلى الحقائق دون ميل أو تحيز".
وقد جاء في هذه المقالة ما خلاصته:
١- أضاف البحث العلمي خلال السنوات الأخيرة أدلة جديدة على وجود الله، زيادة على الأدلة الفلسفية التقليدية.
٢- لقد عمت بلادنا في السنوات الأخيرة موجة من العودة إلى الدين، ولم تتخط هذه الموجة معاهد العلم لدينا.
لا شك أن الكشوف العلمية الحديثة التي تشير إلى ضرورة وجود إله لهذا الكون، قد لعبت دوراً كبيراً في هذه العودة إلى رحاب الله والاتجاه إليه.
٣- يرى البعض أن الاعتقاد بأزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد بوجود إله أزلي، ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي، فالعلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، ولا يقتصر ما قدمته العلوم على إثبات أن لهذا الكون بداية، فقد أثبتت فوق ذلك أنه بدأ دفعة واحدة منذ خمسة بلايين سنة، والواقع أن الكون لا يزال في عملية انتشار مستمر تبدأ من مركز نشأته.
٤- لو أن المشتغلين بالعلوم نظروا إلى ما تعطيهم العلوم من أدلة على وجود الخالق بنفس روح الأمانة والبعد عن الحيز الذي ينظرون به إلى نتائج بحوثهم، ولو أنهم حرروا عقولهم من سلطان التأثر بعواطفهم وانفعالاتهم، فإنهم يسلمون دون شك بوجود الله، وهذا هو الحل الوحيد الذي يفسر الحقائق، فدراسة العلوم بعقل متفتح سوف تقودنا دون شك إلى إدراك وجود السبب الأول الذي هو الله".
وهكذا أثبت هذا العالم من علماء الأحياء ما توصل إليه بالبحث العلمي المحايد من ضرورة التسليم بوجود الخالق جلَّ وعلا، نظراً في الظواهر الكونية التي ترشد إلى حقائق علمية وراءها، وأثبت أن موجة من العودة إلى الإيمان بالله تعم
стр. 109
معاهد العلم في بلاده.
٦- المقالة السادسة:
كتب هذه المقالة (وولتر أوسكار لندبرج) ، عالم الفسيولوجيا والكيمياء الحيوية وعميد معهد هورمل منذ سنة (١٩١٩م) ، والمقالة بعنوان: "استخدام الأسلوب العلمي".
وقد جاء فيها ما خلاصته:
١- أرجع هذا العالم في مقاله إخفاق بعض العلماء في فهمهم وقبولهم لما تدل عليه المبادئ الأساسية، التي تقوم عليها الطريقة العلمية من وجود الله والإيمان به إلى أسباب لا صلة لها بالبحث العلمي وخص بالذكر منها سببين اثنين:
السبب الأول: ما تتبعه بعض الجماعات أو المنظمات الإلحادية أو الدولة من سياسة معينة ترمي إلى شيوع الإلحاد ومحاربة الإيمان بالله، بسبب تعارض عقيدة الإيمان بالله مع صالح هذه الجماعات أو مبادئها (١) .
السبب الثاني: المعقدات الفاسدة التي تجعل الناس منذ الطفولة يعتقدون بإله على صورة إنسان (٢) وعندما تنمو العقول بعد ذلك، وتتدرب على استخدام الطريقة العلمية فإن تلك الصورة التي تعلموها منذ الصغر لا يمكن أن تنسجم مع أسلوبهم في التفكير، أو مع منطق مقبول، وأخيراً عندما تخيب جميع المحاولات في التوفيق بين تلك الأفكار الدينية القديمة، وبين مقتضيات المنطق والتفكير العلمي، نجد هؤلاء المفكرين يتخلصون من الصراع بنبذ فكرة الله كلية، ومن ثم فلا يحبون العودة إلى التفكير في هذه الموضوعات التي تدور حول وجود الله (٣) .
стр. 110
٢- ثم وجه كاتب المقال إلى الاعتماد في الإيمان بالله على أساس روحاني، وأوضح أن الإيمان بالله مصدر لسعادة لا تنضب في حياة كثير من البشر.
٣- ثم قال: أما المشتغلون بالعلوم الذين يرجون الله فلديهم متعة كبيرة يحصلون عليها كلما وصلوا إلى كشف جديد في ميدان من الميادين، إذ أن كل كشف جديد يدعم إيمانهم بالله ويزيد من إدراكهم وإبصارهم لأيادي الله في الكون".
٧- المقالة السابعة:
كتبها (بول كليرانس إبرسولد) ، وهو أستاذ الطبيعة الحيوية، ومدير قسم النظائر والطاقة الذرية في معامل (أوج ريدج) وعضو جمعية الأبحاث النووية والطبيعية النووية، وهذه المقالة تحت عنوان: "الأدلة الطبيعية على وجود الله".
وقد جاء فيها ما خلاصته:
١- بدأ هذا العالم الطبيعي مقالة بكلمة للفيلسوف الإنكليزي (فرانس بيكون) التي قالها منذ أكثر من ثلاثة قرون:
"إن قليلاً من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد، أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين"، ثم أيد كلمة هذا الفيلسوف بالشرح.
٢- استدل على وجود الله تعالى بدليل اتفاق الناس في الشعور المشترك بوجوده فقال:
وقد لمس الناس عامة -سواء بطريق فلسفية عقلية أو روحانية- أن هناك قوة فكرية هائلة ونظاماً معجزاً في هذا الكون يفوق ما يمكن تفسيره على أساس المصادفة، أو الحوادث العشوائية التي تظهر أحياناً بين الأشياء غير الحية، التي تتحرك أو تسير على غير هدى، ولا شك أن اتجاه الإنسان وتطلعه إلى البحث عن عقل أكبر من عقله وتدبير أحكم من تدبيره وأوسع، لكي يستعين به على تفسير هذا الكون، يعد في ذاته دليلاً على وجود قوة أكبر وتدبير أعظم، هي قوة الله وتدبيره، وبرغم أننا نعجز عن إدراكه إدراكاً كلياً أو وصفه وصفاً مادياً، فهنا ما لا يحصى من الأدلة
стр. 111
المادية على وجوده تعالى، وتدل أياديه في خلقه على أنه العليم الذي لا نهاية لعلمه، الحكيم الذي لا حدود لحكمته، القوي إلى أقصى حدود القوة".
٨- المقالة السادسة عشرة:
كتبها (جورج هربرت بلونت) ، أستاذ الفيزياء التطبيقية، وكبير المهندسين بقسم البحوث الهندسية بجامعة (كاليفورنيا) ، وهي مقالة بعنوان: "منطق الإيمان".
وقد جاء فيها ما خلاصته:
١- قال كاتب المقالة: "إنني أؤمن بالله، بل وأكثر من ذلك، إنني أكل إليه أمري، ففكرة الألوهية بالنسبة لي ليست مجرد قضية فلسفية، بل إن لها في نفسي قيمتها العملية العظمى، وإيماني بالله جزء من صميم حياتي اليومية".
٢- ثم بعد أن قرر مبدأ الأمور البدهية التي نقبل بها قبول تسليم وإيمان، قال:
"وكذلك الحال فيما يتعلق بوجود الله، فوجوده تعالى أمر بدهي من الوجهة الفلسفية، والاستدلال بالأشياء على وجود الله - كما في الإثبات الهندسي- لا يرمي إلى إثبات البدهيات ولكنه يبدأ بها، فإذا كان هناك اتفاق بين هذه البدهية وبين ما نشاهده من حقائق الكون ونظامه فإن ذلك يعد في ذاته دليلاً على صحة البدهية التي اخترناها".
٣- ثم قسم الأدلة إلى أنواع فقال: "والأدلة أنواع: منها الأدلة الكونية، ومنها الأدلة التي تقوم على أساس إدراك الحكمة، ثم الأدلة التي تكشف عنها الدراسات الإنسانية.
فالأدلة الكونية: تقوم على أساس أن الكون متغير، وعلى ذلك فإنه لا يمكن أن يكون أبدياً، ولا بد من البحث عن حقيقة أبدية عليا.
أما الأدلة التي تبنى على إدراك الحكمة: فتقوم على أساس أن هناك غرضاً معيناً أو غاية وراء هذا الكون، ولا بد لذلك من حكيم أو مدبر.
стр. 112
وتكمن الأدلة الإنسانية، وراء طبيعة الإنسان الخلقية، فالشعور الإنساني في نفوس البشر إنما هو اتجاه إلى مشرِّع أعظم".
٤- ثم ناقش الكاتب وضع الملحدين فقال: "ويلاحظ أن للملحدين منطقهم، ولكنه منطق سلبي، فهم يقولون: إن وجود الله يستدل عليه بشواهد معينة وليس ببراهين قاطعة، وهذا من وجهة نظرهم يعني عدم وجود الله تعالى، إنهم يردون على الأدلة الكونية بقولهم: إن المادة والطاقة يتحول كل منهما إلى الآخر، بحيث يمكن أن يكون الكون أزلياً، كما أنهم ينكرون النظام في الكون ويرونه مجرد وهم، وهكذا ينكرون الشعور النفسي بالعدالة والاتجاه نحو موجه أعظم، ومع ذلك لا يستطيعون أن يقيموا دليلاً واحداً على عدم وجود الله، ومن منطقهم أن الأدلة المقدمة لإثبات وجود الله لا تعتبر كافية من وجهة نظرهم، وهناك فئة أخرى من الملحدين لا يعترفون بإله لهذا الكون، لأنهم لا يرونه، ولكنهم لا ينفون وجود إله في كون أو عالم آخر غير هذا الكون، ولا شك أن هذا موقف مائع متضارب لا يستند إلى أساس سليم.
فإذا قارنا بين الشواهد التي يستدل بها المؤمنون على وجود الله وتلك التي يستند إليها الملحدون في إنكار ذاته العلية، لاتضح لنا أن وجهة نظر الملحد تحتاج إلى تسليم أكثر مما تحتاج إليه وجهة نظر المؤمن، وبعبارة أخرى: نجد المؤمن يقيم إيمانه على البصيرة، أما الملحد فيقيم إلحاده على العمى.
وأنا مقتنع أن الإيمان يقوم على العقل، وأن العقل يدعو إلى الإيمان، وإذا كان الإنسان يعجز أحياناً عن مشاهدة الأدلة فقد يكون ذلك راجعاً إلى عدم قدرته على أن يفتح عينيه".
وهكذا مررنا على تلخيص لمقالات ثمان (١) من أصل ثلاثين مقالة لثلاثين عالماً من كبار علماء النهضة العلمية المعاصرة، موجودة في كتاب "الله يتجلى في
стр. 113
عصر العلم" ورأينا منها أن العلوم المادية تؤيد قضية الإيمان بالله جلَّ وعلا، ولا تؤيد قضية الإلحاد مطلقاً.
(ي) ويقول الفيلسوف (هرشل) :
"إنه كلما اتسع نطاق العلوم تحققت وكثرت الأدلة على وجود حكمة خالقة قادرة مطلقة، وعلماء الأرضيات والهيئة والطبيعيات والرياضيات يهيئون بمساعيهم واكتشافاتهم كل ما يلزم لإنشاء معبد العلوم إعلاء لكلمة الخالق".
(ك) أذاعت وكالة (رويتر) على العالم كله برقية جاء فيها ما يلي:
"نيويورك _ ر _ استفتت مجلة "كوليرز" المعروفة عدداً كبيراً من علماء الذرة والفلك وعلم الأحياء (بيولوجيا) والرياضيات، فأكدوا أن لديهم أدلة وقرائن كثيرة تثبت وجود كائن أعظم، ينظم هذا الوجود ويرعاه بعنايته ورحمته وعلمه الذي لا حدَّ له. ويقول الدكتور (راين) إنه ثبت من أبحاثه في المعامل أن في الجسم البشري روحاً أو جسماً غير منظور. وقال عالم آخر: إنه لا يشك في أن الكائن العظم - وهو ما تسميه الأديان السماوية (الله) - هو الذي يسيطر على الطاقة الذرية وغيرها من الظواهر والقوانين الخارقة في هذا الوجود".
(ل) وجاء في كتاب "الله في الطبيعة" للفيلسوف (كميل فلامريون) ، وهو فيلسوف ينكر اليهودية والنصرانية ولا يعرف الإسلام، ما يلي:
"إذا انتقلنا من ساحة المحسوسات إلى الروحيات، فإن الله يتجلى لنا كروح دائم موجود في كل شيء".
ويقول بحسب نظراته الخاصة التي لم يأخذها من التعاليم الدينية:
"ليس هو (أي الله) سلطاناً يحكم من فوق السماوات، بل هو نظام مستتر مهيمن على كاف الموجودات.
ليس مقيماً في جنة مكتظة بالصلحاء والملائكة، بل إن الفضاء اللانهائي مملوء به، فهو موجود مستقر في كل نقطة من الفضاء، وكل لحظة من الزمان، أو بتعبير أصح: هو قيوم لا نهائي منزه عن الزمان والمكان والتسلسل والتعاقب.
стр. 114
ليس كلامي هذا من جملة عقائد ما وراء الطبيعة المشكوك في صحتها، بل من النتائج القطعية التي استنبطت من القواعد الثابتة للعلم، كنسبية الحركة وقدم القوانين.
إن النظام العام الحاكم في الطبيعة، وآثار الحكمة المشهودة في كل شيء والمنتشرة كنور الفجر وضياء الشفق في الهيئة العامة، لا سيما الوحدة التي تتجلى في قانون التطور الدائم تدل على أن القدرة الإلهية المطلقة هي الحوافظ المستترة للكون، هي النظام الحقيقي، هي المصدر الأصلي لكافة القوانين الطبيعية وأشكالها ومظاهرها".
* التعليق على هذه الأقوال المؤمنة:
وباستعراض هذه الأقوال المؤمنة لطائفة من كبار علماء الكون الماديين - ويوجد أمثالها كثير - يتبين للمنصف بوضوح مدى المغالطات والافتراءات التي بنى عليها الملحد الماركسي العربي (د. العظم) كتابه المتهافت "نقد الفكر الديني" لا سيما حينما زعم أن مزاج حضارة القرن العشرين وثقافته ممتلئة بالتردد والميوعة حيال الدين والمعتقدات الدينية، وذلك في الصفحة (١٩) من كتابه.
وتجاهل كل الأقوال المؤمنة التي قالها كبار العلماء الماديين من علماء القرن العشرين، وكل الشهادات العلمية الإيمانية.
وتجاهل أيضاً الأعمال التخريبية لأصول الإيمان، وهي الأعمال التي تقوم بها منظمات عالمية، ترى أن نشر الإلحاد ودعم قضيته مما يخدم مصالحها الخاصة أحسن خدمة، إذ يجعل الشعوب الإنسانية على حافة الانهيار، ومتى انهارت تسلمتها أفواه الذئاب والثعابين الواقفة لها بالمرصاد.
وكل من يخدم قضية الإلحاد باندفاع وحماسة فهو جندي من جنود هذه المنظمة العالمية، وكثيراً ما يكون غراً لا يزيد أجره عند قادة المنظمة على أجر قاتل أمه وأبيه، متى قتلهما ألحق بهما، وقد كان من قبل يمنى بالأماني العريضة، وتتحلب أشداقه على المواعيد الحلوة، وذلك لأن من استخدمه حربة لم يستخدمة إلا ليكسره متى استنفد أغراضه منه.
стр. 115
ألم يطلع الملحد (العظم) على كل هذه الأقوال المؤمنة ونظائرها؟ ألم ينظر من أقوال العلماء إلا أقوال (برتراند رسل) لأنه اتجه إلى الإلحاد؟ ألم يقرأ من أقوال العلماء المؤمنين إلا مقالة الفيلسوف (وليم جيمس) إذ رأى استدلاله على وجود الله استدلالاً ضعيفاً؟ وقد جاء بعده علماء كثيرون كانت لهم أقوال ومقالات مشتملة على بيانات وأدلة أقوى مما ساقه (وليم جيمس) .
أليس هذا من طمس الحقائق والتلاعب بها؟ فأين الأمانة العلمية التي يتظاهر بالغيرة عليها؟
ولكن هذا هو شأن المبطلين حينما ينصرون الباطل الذي يتعصبون له بدافع المصالح والمنافع الخاصة لا بدافع نشدان الحقيقة.
لقد رأينا في حشد هذه الأقوال المؤمنة للعلماء الماديين وكثير منهم من علماء القرن العشرين أن موجة من العودة إلى الدين الصحيح الصافي تسود الأوساط العلمية الكبرى.
فما ادعاه (العظم) في الصفحة (٢٨) من "أن النظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان خالية عن ذكر الله"، ادعاء كاذب وباطل لا أساس له من الصحة مطلقاً.
ولكن هل للمبطل إذا أراد أن ينصر باطله إلا السفسطة، والمغالطة، والمراوغة عن الحق، وصناعة الأكاذيب، والتمويه بالأقوال المزخرفة.
ولنفرض جدلاً أن العلماء الماديين جميعهم أنكروا وجود الله، أفيؤثر ذلك على حقيقة وجود الله جلَّ وعلا؟ هل ينتظر من العلوم المادية المتقدمة وأجهزتها المتطور أن ترينا الله ﵎ رؤية حسية. إن أقصى ما تفعله أن ترينا آيات الله في الكون، أما ذات الله ﵎ فلن تستطيع أن ترينا إياها، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (فصِّلت/٤١ مصحف/٦١ نزول) :
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي? أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ﴾ .
стр. 116
على أننا نقول: هل تستطيع العلوم المادية المتقدمة، وأجهزتها المتطورة، أن ترينا كثيراً من الطاقات الكونية التي غدت حقائق علمية ثابتة لدى العلماء الماديين عن طريق الاستنتاج من ظواهرها وآثارها، وهذه الحقائق التي أثبتوها ليست إلا تفسيرات نظرية للظواهر؟
إن أقوال العلماء الماديين المؤمنين الذين نشأوا في عصر النهضة العلمية المادية الحديثة لتقدم للمتشككين أدلة كافية على أن العلوم المادية ليست علوماً ملحدة في حقيقتها، لكن الإلحاد ملصق بها بطريقة صناعية مقصودة موجهة، من قبل فئات خاصة لها في نشر الإلحاد مصالح سياسية واقتصادية ضد خيرية البشرية وسعادتها.
ومن هذه الأقوال يتبين لنا بوضوح أنهن لا يوجد تناقض ولا تعارض مطلقاً في نظر جمهور العلماء الماديين بين الدين والعلم حول الأساس الأول من أسس العقيدة الدينية، وهي عقيدة الإيمان بالله جلَّ وعلا، وبهذا تنهار المستندات الإلحادية التي تزعم وجود هذا التناقض بالنسبة إلى هذه النقطة بالذات، باعتبارها مجال بحثنا الآن، وباعتبارها أعظم نقطة في الأيديولوجية الإلحادية، والتي يحاول الملحدون جهدهم أن يوجدوا لها المبررات النظرية، أو المبررات العملية، فلا يجدون إلا افتراء الأكاذيب، وصناعة المغالطات، والاحتماء المزور بالتقدم العملي والصناعي، وسرقة أسلحة العلم التي لا تملك في الحقيقة الدفاع عن الإلحاد، وإنما هي في الأصل أسلحة لقضية الإيمان، يحسن استعمالها العالمون بها، وتكون عند الجاهلين بها أسلحة معطلة، ويسرقها الملحدون فيحملونها أمام الجاهلين، فيتخيل الجاهلون بها أنها فعلاً أسلحة للملحدين، وهي تدعم قضية الإلحاد، مع أن الحقيقة بخلاف ذلك، إنها أسلحة للمؤمنين العالمين بها، الذين يحسنون استعمالها.
ومثل الملحدين في نظري إذ يسرقون أسلحة المؤمنين كمثل وارث كنز عظيم، ولكن هذا الوارث قد نشأ وهو يجهل أين خبأ له مورثه كنزه، وأقبل خبراء البحث عن الكنوز ينقبون ويبحثون، وتسلل من وراء هؤلاء الخبراء لصوص،
стр. 117
تظاهروا بأنهم باحثون خبراء، ولكنهم وقفوا يرصدون ما يعثر عليه الباحثون الحقيقيون، ليسرقوه كله أو ما يستطيعون سرقته منه، وكان مورث الكنز قد كتب اسمه ورسم صورته على أحد وجهي مصكوكاته الذهبية علامة على أنها له، وقد خبأها لوارثه، أما الخبراء المنقبون الأمناء: فإنهم لما ظفروا بما وجوده من الكنز، أعلنوا ما شهدوا من كتابة ورسوم على مصكوكاته، وثبتوا استحقاق الوارث لها، وأخذوا أجرهم على أعمالهم. وآخرون لم تكن لديهم الأمانة الكافية أو كانوا جاهلين بقراءة المكتوبات الأثرية أخذوا ما عثروا عليه، وانتفعوا بالكنز، ولم يعلنوا ما شهدوا من كتابة ورسوم على مصكوكاته، ولم يهتموا بأن يعترفوا باستحقاق الوارث لها. وجاء من وراء الفريقين فئة اللصوص، فسطوا على بعض ما استخرجه الخبراء من الكنز، وطمسوا الوجه المكتوب، وأقبلوا يفاخرون بأن الكنز كله هو ملكهم، وهو ميراثهم، والدليل على ذلك أن بعض قطع مصكوكاته الذهبية في أيديهم، قد عثروا عليها وفيها كتابة تشهد لهم بأن مورِّثهم قد خبأها لهم.
وحينما يُقال لهم: أرونا هذه الكتابة التي تشهد لكم يقولون: فلان قال هذا، وفلان قال هذا، وفلان قال هذا، وكل هؤلاء الذين ذكروهم هم من فئة اللصوص أنفسهم، أو من غيرهم ولكن يكذبون عليهم، ويظلُّون حريصين على أن يبقى الوجه الثاني للمصكوكات الذهبية مطموساً، حتى لا تنكشف لعبتهم القائمة على اللصوصية والتزوير.
(٥)
بأسلوب مَهين من الغوغائية الجدلية لمحاربة الدين ومناصرة قضية الإلحاد، قال الناقد (د. العظم) في الصفحة (٣٨) من كتابه:
"جلي أن هذه النظرة الإسلامية للكون هي نظرة غائية، تعتمد في تفسيرها لطبيعة الكون على العلل الغائية، والأهداف السامية، وعلى مفاهيم أخلاقية مثل "الحق والعدل".
هل تنسجم هذه النظرة الغائية إلى الكون والحياة مع النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته؟ لو رجعنا إلى التفسيرات العلمية للكون من (نيوتن) إلى (أينشتاين) هل نجد في صلبها مقولات مثل (الأهداف السامية) أو (الحق والعدل) أو (الروح والجمال والخالق) ؟ هل نجد لهذه المفاهيم الأخلاقية الدينية أي ذكر في النظرية النسبية، أو في ميكانيكا الكموم مثلاً؟ سؤال جدير بالتمحيص والإيضاح والمناقشة على أقل تعديل".
هذا كلامه بالحرف الواحد، فياللعجب العجاب!! أعلى هذا المستوى الفكري السخيف تعرض قضية الإلحاد، وتناقش قضية الإيمان بالله؟!
أهكذا يجازف بمنطقه وفلسفته ليصنع حجة مكشوفة السخف والتفاهة؟
ولكن إذا لم يكن لديه حقائق يناقش بها أفلا يطرح أكوام ألفاظ يغالط بها المراهقين، ويوهمهم فيها أنه يصنع جدليات عالية؟
قد يتصور أن مراهقي الأفكار المفتونين بالألفاظ الحديثة إذا لم يفهموا أكوام ألفاظه هذه فإنهم سيظنون أن كاتبها ضليع بدلالاتها، ما دام قد استخدم في غضونها عبارات النظرة العلمية التي
стр. 118
تسود العالم المعاصر وثقافته، والنظرية النسبية، وميكانيكا الكموم، وله أن يحشر معها إذا شاء عبارات (الجداول الرياضية) و (الطاقة الذرية) و (الطاقة الهيدروجينية) و (طائرات الميغ) و (الأقمار الصناعية) و (حضارة القرن العشرين) و (موسكو) و (نهر الراين) و (جبال هيمالايا) ، إلى غير ذلك من ألفاظ وعبارات لا صلة لها بموضوع البحث.
فما صلة النظرية النسبية وميكانيكا الكموم بالحديث الصريح عن الله تعالى، أو التعرض إلى المفاهيم الأخلاقية، حتى يعتبر عدم ذكر اسم الله والمفاهيم الأخلاقية فيها دليلاً على نفي وجود الله، أو على إلغاء المفاهيم الأخلاقية؟!
إن عمله يشبه عمل من ينكر وجود القطب الشمالي لأنه لم يوجد له ذكر في جدول الضرب، ولا في كتاب "تعلمي سيدتي كيف تطبخين"، ولا في بطن "حصان طروادة"، ولا في "السمفونية التاسعة لبيتهوفن".
هذا مع أن العلامة (ألبرت أينشتاين) صاحب النظرية النسبية قد كان مؤمناً
стр. 119
قوي الإيمان بوجود الله، ومن أقواله: "إن أصحاب العبقريات الدينية في جميع العصور قد عرفوا بهذا النوع من الشعور الديني الذي لا ينتمي إلى نحلة، ولا يتمثل الله في أمثلة بشرية، إنني لأرى أن أهم وظيفة من وظائف الفن والعلم هي أن يوقظا هذا الشعور، وأن يستبقياه حياً في الذين تهيأوا له".
أليس عجيباً أن يقول (أينشتاين) مثل هذا الكلام وهو صاحب النظرية النسبية، ثم يأتي (د. العظم) فيورد (النظرية النسبية) مورد الاستشهاد لإنكار وجود الله، ونقض المفاهيم الأخلاقية الدينية، باعتبار أن هذه الأمور لم تذكر فيها؟
كان عليه قبل أن يستشهد بـ (أينشتاين) وبـ (النظرية النسبية) أن يراجع على أقل تقدير ما يعرف الناس عن هذا العالم، وعن أقواله في الدين، حتى لا يورط نفسه بهذا التهافت الذي سقط فيه.
إن (أينشتاين) لو كان يرى أن نظريته النسبية تتنافى مع الدين لدعم بنظريته الإلحاد، ولأعلن بها نقض الدين، لكنه _كما رأينا_ على العكس من ذلك حريص على إيقاظ الشعور الديني، وإبقائه حياً في الذين تهيأوا له.
لكن (د. العظم) حينما أورد اسم (أينشتاين) و (النظرية النسبية) في غضون كلامه، إنما عمد إلى السفسطة والمغالطة، والإيهام، ليصور للقارئ الجاهل أنه يصنع شيئاً لدعم قضية الإلحاد، فهو يذكر الأسماء الكبيرة في مجال العلوم المادية، ليستر بها تضليله وغوغائيته الجدلية.
وكما أوهم أن (أينشتاين) ملحد، أوهم أيضاً أن العالم (لابلاس) من فئة الملحدين، على خلاف ما عليه واقع حال هذا العالم.
قال (العظم) في الصفحة (٢٨) من كتابه:
" عندما نقول مع (نيتشه) : إن الله قد مات أو هو في طريقه إلى الموت (والعياذ بالله من حكاية هذا الكلام الكبير الشنيع) فنحن لا نقصد أن العقائد الدينية قد تلاشت من ضمير الشعوب، وإنما تعني أن النظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان خالية من ذكر الله تماماً كما قال (لابلاس) ".
стр. 120
إنه يحشر اسم العالم (لابلاس) هنا ليموه بأنه من أنصار قضية الإلحاد بالنظرة العلمية التي وصل إليها الإنسان عن طبيعة الكون والمجتمع والإنسان، ولا يؤيد قضية الإيمان بالله، مع أن (لابلاس) مؤمن أخذاً منن أقواله، وله في الاستدلال على وجود الله وَرَدِّ أقوال الجاحدين كلام طيب، يلغي فكرة الاعتماد على المصادفات، ويرى أن النظام الكوني الرائع لا بد له من خالق.
لقد شرح (لابلاس) دليل الحركة الكونية، وأبان قوة هذا الدليل في جسم الشبهات التي يثيرها الجاحدون فقال "أما القدرة الفاطرة التي عينت جسامة الأجرام الموجودة في المجموعة الشمسية وكثافتها، وثبتت أقطار مداراتها، ونظمت حركاتها بقوانين بسيطة، ولكنها حكيمة، وعينت مدة دوران السيارات حول الشمس والتوابع حول السيارات بأدق حساب، بحيث إن النظام المستمر إلى ما شاء الله لا يعروه خلل..
هذا النظام المستند إلى حساب يقصر عقل البشر عن إدراكه، والذي يضمن استمرار واستقرار المجموعة إزاء ما لا يعد ولا يحصى من المخاطر المحتملة، لا يمكن أن يحمل على المصادفة إلا باحتمال واحد من أربعة تريوليونات، وما أدراك ما أربعة تريوليونات؟ إنه عدد من كلمتين، ولكن لا يمكن أن يحصيه المحصى إلا إذا لبث خمسين ألف عام يعد الأرقام ليلاً ونهاراً، على أن يعد في كل دقيقة (١٥٠) عدداً"
صحيح أن (لابلاس) أعلن قوله:
"إن العالم العظيم الذي سيتمكن من معرفة انتشار الذرات في السحب السديمية الأولية سيكون باستطاعته أن يتنبأ بكل مستقبل الكون وأحداثه" (١) .
ولكن قوله هذا لا يعني إنكاره للخالق، وإنما يدل على شعوره بأن الكون سائر وفق نظام مرسوم خاضع لسلاسل سببية متتابعة، يمكن التنبؤ باللاحق منها لدى معرفة السابق.
стр. 121
وأما ما نسبه (د. العظم) إليه من قوله لنابليون: "الله فرضية لا حاجة لي بها في نظامي" فلست أدري مبلغه من الصحة أمام قوله الذي قرأناه مما كتب بنفسه. وبكل أسف لم نجد لدى الناقد أثراً للأمانة الفكرية التي يتظاهر بالغيرة عليها.
يا عجباً لهذا الفريق الملحد من الناس، ترى أحدهم مريضاً بمرض السرطان الفكري الطاغي، ثم يتهم الأعضاء الرئيسية الأساسية في البناء الفكري الصحيح بأنها نمو سرطاني، وقديماً قال العرب في أمثالهم: "رمتني بدائها وانسلت".
(٦)
وبعد أن حمل (د. العظم) النظرية النسبية ما لا تحمل، واستغل اسم (أينشتاين) لدعم قضية الإلحاد، متجاهلاً أنه كان مؤمناً بالله، ومؤيداً التفسيرات الغائية للكون، بمثل قوله: "إن الشخص الذي يعتبر حياته وحياة غيره من المخلوقات عديمة المعنى، ليس تعيساً فحسب، ولكنه غير مؤهل للحياة".
بعد هذا التضليل والتمويه والتجاهل الذي صنعه (د. العظم) خطا خطوة رفع فيها لواء تمجيد واضعي النظريات الموجهة خصيصاً لمحاربة المفاهيم الإسلامية، والقائمة أساساً على إنكار وجود الله ﵎، من اليهود الذين تحملوا مهمة وضع هذه النظريات المناقضة للمفاهيم الإسلامية باسم العلم، وذلك بدفع من القيادة اليهودية العالمية، فأخذ يمجد بأسماء هؤلاء اليهود (دركهايم) و (فرويد) و (ماركس) فقال في الصفحة (٣٩) من كتابه:
"حين نطرح المسألة بهذه البساطة وبهذا التحديد، يبدو أنه ثمة تناقض واضح بين النظرة الإسلامية الغائية للكون - كما سردها سماحة موسى الصدر - وبين النظرة العلمية، كما تبلورت مع تطور العلم الحديث وتقدمه. من يراجع تاريخ العلم الحديث يكتشف بسرعة أن واضعي دعائمه وفلاسفته شنوا حرباً لا هوادة فيها على إقحام العلل الغائية والمفاهيم الأخلاقية في التفسيرات العلمي لظواهر الطبيعة، ورفضوا النظرة الغائية للكون رفضاً باتاً، لأنهم اعتبروها من إنتاج خيال الإنسان
стр. 122
الأسطوري، ولأنها تعيق تقدم العلم، وانتشار تفسيراته للظواهر الطبيعية مهما كان نوعها، إننا نجد هذا التيار المعادي للنظرة الغائية منذ البداية، عند المفكرين والفلاسفة الذين رسخوا دعائم العلم الحديث، من فرانسيس بيكون، إلى برتراند رسل، مروراً بديكارت، وسبينوزاً، وغاليليو، وداروين، وبافلوف، ودركهايم، وفرويد، وماركس، إلى آخر القائمة الطويلة من الأسماء ".
هكذا، وعلى المستوى من التضليل الغوغائي، أو الحرب (الديماغوجية) وفق تعبيرات الملاحدة الماركسيين، يسير (العظم) في نقده للفكر الديني.
لقد سبق أن برهنا على أن جمهوراً كبيراً من علماء عصر النهضة العلمية الحديثة مؤمنون بالله، ومعترفون بالمفاهيم الأخلاقية التي نبَّه عليها الإسلام أو نادى بها، وذلك منهم انسجام مع النظرة الإسلامية الغائية للكون، ولا يرون في ذلك مخالفة للنظرة العلمية، وإذا استثنينا الملاحدة المعدودين من علماء النهضة العلمية الحديثة، واليهود المدفوعين خصيصاً لوضع النظريات التي تدعم قضية الإلحاد، أمثال دركهايم، وفرويد وماركس فإننا نجد معظم علماء النهضة العلمية الحديثة لا يجحدون الله، ولا ينكرون النظرة الغائية للكون، ولا ينكرون المفاهيم الأخلاقية، بل كثير منهم يؤيد هذه الحقائق ويؤمن بها، ولكن الملحد العميل الذي لا يؤمن بالعلل الغائية ولا بالمفاهيم الأخلاقية، لا يخجل من صناعة التمويه بالأكاذيب والتزويرات والتضليلات الجدلية، التي ليس لها أساس فكري سليم، ولا هي قائمة على احتجاج منطقي مقبول.
إنه يعرض أقواله على طريقة الحقائق المسلم بها، دون أن تقترن بحجج نظرية، أو بشواهد واقعية، ثم يزعم أنها حقائق مسلم بها عند العلماء، ويكتفي بعرض قائمة من أسماء الرجال المشهورين بالعلم والفلسفة، ويحشر في كل مرة أسماء اليهود، الذين وضعوا ما أسموه بنظريات علمية، ولا تزيد في حقيقة حالها على أنها فرضيات صيغت بعناية مقصودة لدعم قضية الإلحاد، ولا يستطيع أن يكتم تمجيدها، وتمجيد كتبهم، وما يسمى نظرياتهم، ولا يخجل وهو عربي العرق أو يبالغ بتأييد المخطط اليهودي العالمي، في هذا العصر الذي تعاني أمته
стр. 123
أقسى المحن وأشهدها من اليهودية العالمية، ومن مخططاتها الرامية إلى الاستيلاء على العالم العربي كله.
إنه لعجب كبير أن تبلغ الخيانة بإنسان ما إلى هذا الدرك الذي ليس من دونه درك أسفل منه.
لو كانت النظرة العلمية الحديثة تناقض أو تعارض النظرة الإسلامية الغائية للكون، لما وجدنا هذا الجمهور الكبير من علماء النهضة العلمية الحديثة مؤمنين بالله، وبتفسيرات النظرة الإسلامية الغائية للكون، وبالمفاهيم الأخلاقية الدينية.
وهذا واحد منهم وهو (أندرو كونواي إيفي) من العلماء الطبيعيين ذوي الشهرة العالمية من سنة (١٩٢٥م) إلى سنة (١٩٤٦م) يقول في مقال له تحت عنوان: "وجود الله حقيقة مطلقة":
"ويظهر أن الملحدين أو المنكرين بما لديهم من شك لديهم بقعة عمياء، أو بقعة مخدرة داخل عقولهم، تمنعهم من تصور أن كل هذه العوالم، سواء ما كان ميتاً أو حياً، تصير لا معنى لها بدون الاعتقاد بوجود الله".
ثم استشهد بكلام العلامة (أينشتاين) ، إذ قال:
"إن الشخص الذي يعتبر حياته وحياة غيره من المخلوقات عديمة المعنى ليس تعيساً فحسب، ولكنه غير مؤهل للحياة".
أليس هذا التفكير الذي يعلن عنه هذا العالم ومن قبله (أينشتاين) تفكيراً قائماً على النظرة الغائية للكون، وعلى اعتبار القيم الأخلاقية؟
إن هذه النظرة الموافقة للنظرة الإسلامية لم تكن عند أصحابها مناقضة للأسس العلمية الحديثة، ولا للنظرة العلمية كما تبلورت مع تطور العلم الحديث وتقدمه، فمن أين (للعظم) وهذا الادعاء الكاذب؟!
إذا كانت هذه النظرة مناقضة لما يسمى بنظريات اليهود (دُركهايم - فرويد - ماركس) أو النظريات التي روجها اليهود كالنظرية الداروينية فلا بأس، إن هؤلاء أجراء المخطط اليهودي العالمي المعروف، وقد وضعوا مذاهبهم لهدم الأسس
стр. 124
الدينية، لا على أساس قناعات علمية صحيحة، وقد أصبح مخططهم مكشوفاً للعالم، وكتب في كشف مكايدهم محققون من العلماء المتتبعين.
أما ادعاء (العظم) بأن النظرة الغائية للكون والمفاهيم الأخلاقية تعيق تقدم العلم وانتشار تفسيراته للظواهر الطبيعية مهما كان نوعها، فهو ادعاء هراء، غير مستند إلى أي أساس نظري أو واقعي. إن الإيمان بالله لا يتعارض بحال من الأحوال مع أي تقدم علمي يُدرسُ فيه واقع حال هذا الكون، وما فيه من طاقات وقوى مشاهدة وغير مشاهدة، وما فيه من نظم وأسباب ظاهرة أو خفية، كما أن المفاهيم الأخلاقية تساعد على ما تقدم المعرفة من جهة، وعلى سعادة الإنسان من جهة أخرى، وضبط سلوكه فيما يحقق للأفراد وللجماعات أوفر نصيب من الخير العيش الرغيد.
ولكن الملحد يكتفي بإطلاق الادعاءات الكاذبة، دون دليل منطقي أو واقعي.
(٧)
يحاول الناقد (العظم) كما رأينا الإقناع بنسف الأسس الأخلاقية من جذورها بينما يتظاهر في موطن آخر من كتابه بغيرته على المبدأ الأساسي لأخلاق الاعتقاد، فتعليقاً على بعض آراء (وليم جيمس) الذي رجح جانب الإيمان بالله استناداً إلى المشاعر الإنسانية الداخلية، التي ترجح جانب الإيمان على جانب الكفر، يقول في الصفحة (٧٥) :
"هنا يثبت (جيمس) حق هذا الإنسان بأن يعتقد بوجود الله، استناداً إلى ما توحيه له طبيعته العاطفية حول هذا الموضوع، أي: بالنسبة لجيمس يحق له أن يحسم الأمر باللجوء إلى عواطفه ومشاعره، ضارباً بعرض الحائط المبدأ الأساسي لأخلاق الاعتقاد".
ويتظاهر بحرصه على مبدأ الأمانة الفكرية، وهو مبدأ أخلاقي، فيقول في الصفحة (٢١) :
стр. 125
"هل باستطاعتي أن أقبل بكل نزاهة وإخلاص المعتقدات الدينية التي تقبلها آبائي وأجدادي، دون أن أخون مبدأ الأمانة الفكرية؟ "
ويكرر تظاهره بالغيرة على الأمانة الفكرية فيقول في الصفحة (٢٩) :
"هذا هو الحد الأدنى من متطلبات الأمانة الفكرية، في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة".
أليس هذا التهافت في كلامه من أعجب الأمور؟ كيف يسوغ لنفسه أن يقف مثل هذا الموقف الأخلاقي لمناصرة قضية الإلحاد والكفر بالله، وقد ذبح القيم كلها والمبادئ الأخلاقية جميعاً، وأعلن أنها أمور لا يعترف بها العلم - بحسب زعمه - ولا يقيم لها وزناً؟
سبق أن نقلنا كلامه في الصفحة (٣٨) من كتابه، وفيه يقول:
"جلي أن هذه النظرة الإسلامية للكون هي نظرة غائية، تعتمد في تفسيرها لطبيعة الكون على العلل الغائية، والأهداف السامية، وعلى مفاهيم أخلاقية، مثل (الحق والعدل) . هل تنسجم هذه النظرة الغائية إلى الكون والحياة مع النظرة العلمية التي تسود العالم المعاصر وثقافته؟ لو رجعنا إلى التفسيرات العلمية للكون من (نيوتن) إلى (أينشتاين) هل نجد في صلبها مقولات مثل الأهداف السامية، أو الحق والعدل، أو الروح والجمال والخلق، هل نجد لهذه المفاهيم الأخلاقية الدينية أي ذكر في النظرية النسبية أو في ميكانيكا الكموم مثلاً؟ ".
فهو بهذا لا يعترف أصلاً بالمفاهيم الأخلاقية، ولا بالحق والعدل، ولا بالأهداف السامية، ولا بالروح والجمال والخالق، فما له وللدفاع عن الأمانة الفكرية؟ وما له وللغيرة على أخلاق الاعتقاد؟ إن كان يريد مناصرتها حقاً فليكن منسجماً مع نفسه على أقل تقدير، وليبق لنفسه من الأخلاق بقية يخاطب بها الناس.
إذا لم يكن للحق قيمة لديه فأين مكان الأمانة الفكرية إذن؟ أليست الأمانة الفكرية أمانة على الحق في جانب المعرفة؟ أليس إلغاؤه لمبدأ الحق خيانة لمبدأ
стр. 126
الأمانة الفكرية؟ وحينما يلغي مبدأ الحق فماذا يأتي بعده غير الباطل والضلال؟ فهل يطالب الأفكار الحرة بأن تكون أمينة على الباطل؟ وأي باطل هذا الذي يريد أن يحرص عليه؟ ألا يرى هذا تناقضاً شائناً مفضوحاً غير مستور بأي شيء؟ أين أخلاق الاعتقاد في موقفه هذا المتَّسم بالتناقض الصريح؟
ينسف الأخلاق كلها من جذورها، ولا يعتر بحق ولا عدل ولا أهداف سامية، ثم يتباكى على الأمانة الفكرية وأخلاق الاعتقاد، ليزين تباكيه هذا قضية الإلحاد والإباحية المطلقة التي يناصرها، ويبشر بها في المجتمع العربي المسلم، خدمة لأسياده الماركسيين، ومن ورائهم القيادة اليهودية العالمية، ما أعجب هذا من إنسان يحترم كرامة نفسه؟!
مادام قد نسف الأخلاق كلها من جذورها فأية أمانة لديه يعتمد عليها في نقل خبر، أو حكاية قول لإنسان، أو تقرير حقيقة من الحقائق العلمية؟
مادام هذا مذهبه فمن الطبيعي أن لا يوثق بشيء يقوله، لأنه إن صدق في واحدة أو أكثر فذلك ليغطي بها فرية يفتريها على الحقيقة، خبراً كانت أو معرفة علمية، وهذا ما يكتشفه الناظر في أقواله بأدنى تأمل، إنه حينما يبحث في العلم الحديث لا يعرض إلا أقوال الملحدين أمثاله، ويجعلهم الممثلين الوحيدين للركب الحضاري كله، وقد يعرض - كما رأينا - على سبيل التضليل بعض الأعلام الكبرى في ضمن ما يعرض من قائمة أسماء، تمويهاً بأن هؤلاء الأعلام الكبرى من مؤيدي قضية الإلحاد، مع أنهم في الواقع بخلاف ذلك.
وأي ناظر في كتابه يرى أنه جندي مطيع، يجعل من نفسه رأسه حربة في يد الماركسية واليهودية العالمية، لهدم كيان أمته، وتهيئة أرضها وأجيالها لاحتلال العدو احتلالاً شاملاً، يتناول الأفكار والنفوس والقوى المختلفة، والأرض والأموال وسائر الثروات والخيرات.
هذه هي الخطة اليهودية التي درسناها في كتبهم، والتي رأينا جملة كبيرة من تطبيقاتها في العالم.
والملاحدة الماركسيون كتبية من كتائب جنود التنفيذ لهذه الخطة اليهودية
стр. 127
العالمية الكبرى، التي غدت من الحقائق المكشوفة جداً، بعد أن كانت مستورة عن كثير من أعين الجماهير.
إنهم مجندون في صف العدو، ولكنهم مخالطون مداخلون، يحتلون مواقع ضمن الصفوف، وهم يتحينون الفرص للانقضاض على أمتهم خدمة لأسيادهم الشياطين.
إنني لأعجب كل العجب من هذه الحرب المستعرة على فكرة الإيمان بالله تعالى، وعلى المبادئ والقيم الأخلاقية، وعلى الفضائل الإنسانية، وعلى الحق والعدل والأهداف السامية، وعلى الروح والجمال والخالق، وعلى التفسيرات الغائية للكون والحياة، فماذا تضر البشرية هذه الأمور من وجهة نظرهم؟
إن هذه المبادئ التي ينادي بها الدين من شأنها أن تكف يد الجريمة في الناس، وتخفف من شرورهم، وتجلب للإنسانية نفعاً عظيماً، ولكن القيادة المجرمة الخفية في العالم تخسر بنشر هذه المبادئ وتطبيقها جنوداً كثيرين تستطيع أن تجندهم عن طريق الإلحاد والإباحية المطلقة، ولا تستطيع أن تجندهم عن طريق الإيمان والتزام المفاهيم الأخلاقية.
لذلك فإن وسيلتهم الوحيدة لتجنيد جيوشهم المجرمة، هي أن ينشروا الإلحاد والإباحية أولاً، ثم ينتقوا جنودهم من هذا الوسط الإلحادي الإباحي، ليدفعوا بهم إلى ارتكاب الجرائم الإنسانية الكبرى، وبذلك يحقق المجرمون المستورون أهدافهم في السيطرة على العالم.
(٨)
نظرت في مناقشته لبحث الفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس) الذي كتبه تحت عنوان: "إرادة الاعتقاد"، فرأيت أن (وليم جيمس) تعرض في بحثه إلى حق الإنسان المفكر بالاعتقاد بوجود الله، ولو لم تكن البينات العلمية والأدلة العقلية كافية بحد ذاتها للبرهان على وجود الله أو عدم وجوده، نظراً إلى أن عواطف
стр. 128
الإنسان ومشاعره ترجح جانب الإثبات، كما أن الإنسان يجد نفسه بين موقفين:
١- فإذا هو أنكر الله وجحده وكان الواقع بخلاف ذلك فإنه يعرِّض نفسه لخسائر كبرى.
٢- وإذا هو آمن به وكان الواقع بخلاف ذلك فإنه لا يخسر شيئاً.
واستنتج من ذلك أن موقف الإيمان على هذا موقف لا خسارة فيه مطلقاً، مع وجود احتمال اغتنام أرباح كثيرة منه، وأما موقف الإلحاد على هذا أيضاً فهو موقف لا ربح فيه مطلقاً، مع وجود احتمال تكبد خسائر كبرى.
وبمقارنة هذين الموقفين يترجح موقف الإيمان على موقف الإلحاد قطعاً، ويكون من حق الإنسان أن يؤمن في مقياس العقل.
ثم بلغ مني العجب مداه حين رأيت الناقد (د. العظم) يناقش بحث (جيمس) مناقشة مشحونة بالمغالطات التي تأتي ببعض العبارات الفلسفية، وليس فيها من الفلسفة الصحيحة شيء، وتستخدم العبارات العلمية، وليس فيها من العلم الصحيح شيء، جلَّ ما فيها سفسطة، ومغالطات، وخطابيات، وتقريرات، وكلها لا تملك من الأدلة شيئاً حتى أضعفها.
هذا على الرغم من أن (وليم جيمس) لم يقدم لقضية الإيمان إلا أضعف الأدلة، وهو الدليل الذي صاغه الشاعر العربي الفيلسوف بقوله:
قال المنجم والطبيب كلاهما *** لا تُبعث الأجساد، قلت: إليكما
إن صحَّ قولكما فلست بخاسر *** أو صحَّ قولي فالخسار عليكما
وهذا هو الدليل الثاني الذي طرحه مؤمن آل فرعون، في مناقشة لهم حول دعوة موسى ﵇، وقد حكى القرآن ذلك عنه بقول الله تعالى في سورة (غافر/٤٠ مصحف/٦٠ نزول) :
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ
стр. 129
صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * ياقَومِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَآءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ .
فهذا الرجل المؤمن من آل فرعون عرض عليهم أولاً دليل البينات التي جاء بها موسى، ثم تنازل معهم إلى مستوى آخر لا يستطيعون أن يرفضوه إذا هم رفضوا البينات، فقال لهم ﴿وإن يك كاذباً فعليه كذبه﴾ ، أي: فإنكم لا تخسرون شيئاً إذا تركتم موسى وشأنه فيما لو كان كاذباً ﴿وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ ، أي: فإنكم تخسرون كثيراً بتكذيبه ومقاومة دعوته فيما لو كان صادقاً، فالمنطق الحق يرجح الأخذ باحتمال صدقه على احتمال كذبه، لأن الأخذ باحتمال الصدق يدفع عنكم احتمالات الخطر دون أن تخسروا شيئاً، أما الأخذ باحتمال الكذب فإنه قد يعرضكم للخطر دون أن تخسروا شيئاً، أما الأخذ باحتمال الكذب فإنه قد يعرضكم للخطر دون أن تجنوا شيئاً من الربح، وهذا منطق عقلي يصح الاستناد إليه والاعتماد عليه، في كل الأمور التي يجد الإنسان نفسه فيها بين موقفين متكافئين نظرياً، إلا أن الأخذ بأحدهما فيه السلامة بصفة قطعية مع احتمال الربح، أما الآخر ففيه احتمال عدم السلامة مع الخسارة، وهذا هو أضعف الأدلة المرجحة.
ويُطرح هذا الدليل عند آخر مرحلة من مراحل النقاش الذي يرفض فيه الملحد أدلة الإيمان الكثيرة، ويعلن تشككه بها، أو يطرح في أول مرحلة من مراحل النقاش، لتوجيه النفس إلى منطقة الإيمان منذ الانطلاقة الفكرية الأولى، ثم تطرح من بعده الأدلة والبينات الأخرى، فهو إما دافع إلى النقلة الأولى التي تتجاوز منطقة الشك المطلق، وإما ممسك بالنفس في منطقة الإيمان قبل أن تنزلق إلى منطقة الشك المطلق.
ولست أدري كيف بلغ (العظم) هذا المستوى الذي نراه في كلامه من ضعف الإدراك لأصل الموضوع، حينما ناقش (جيمس) حول هذا الدليل.
فهو ينقل بعض أقوال (وليم جيمس) ثم يعلق عليها تعليقاً عجيباً، يدلُّ على
стр. 130
ضعف إدراكه للمشكلة، أو استهانته بقارئي كتابه استهانة بالغة، إذ يحاول تضليلهم حتى في البدهيات، انظر هذا المقطع من الصفحتين (٧٦) و (٧٧) من كتابه:
"وهنا يدافع (جيمس) عن نفسه قوله:
١- لا يمكننا أن نعلق الحكم إلى الأبد في موضوع الاعتقاد بوجود الله لأننا بذلك قد نتجنب الوقوع في الخطأ إذا لم يكن الإله موجوداً، ولكننا سنخسر فائدة كبرى فيما لو كان موجوداً".
ويعلِّق على كلام (جيمس) هذا بقوله:
" في الواقع أن (جيمس) يسيء فهم المشكلة: فالمسألة لا تتعلق بالفائدة الدنيوية أو الأزلية التي قد أجنيها من اعتقادي بالله، وبالخسارة المماثلة التي قد أتكبدها من عدم اعتقادي به إذا كان موجوداً. المشكلة أصلاً لا تمت بصلة إلى حساب الأرباح والخسائر، ولا علاقة لها بعقلية الرهان والمجازفة. المشكلة بكل بساطة هي: هل القضية "الله موجود" قضية صادقة أم كاذبة، أم أن صدقها جائز جواز كذبها، وليس لدينا أدلة أو بينات ترجح أياً من هذين الاحتمالين على الآخر؟ يجب أن ينسجم موقفنا الشخصي من قضية وجود الله انسجاماً تاماً مع جوابنا على هذا السؤال، لا مع حساب الخسائر والأرباح".
يا عجباً له ولهذا المنطق الأعور، من منهما يسيء فهم المشكلة (جيمس) أو (العظم) ؟
كيف لا تتعلق المشكلة بالفائدة الدنيوية أو الأزلية التي قد أجنيها من اعتقادي بالله، وبالخسارة المماثلة التي قد أتكبدها من عدم اعتقادي به إذا كان موجوداً؟
إنها مشكلة وجودي وحياتي وسعادتي ومستقبلي، أفلا أبحث عنها؟ أفلا أضعها في الحساب؟ أفأعرض وجودي كله وسعادتي كلها للخطر، دون أن يكون لي في الموقف الذي أتخذه أي ربح، أو أية فائدة؟
هل أتعامل مع أرقام في مسألة رياضية لا علاقة لي بها؟
إنها قضية حياة، قضية سعادة، قضية مصير، إن اللعب فيها لعب بالنار.
стр. 131
هل يفعل (العظم) مثل هذا في مشكلاته الحياتية المصيرية، من أمور معاشه أو صحته ومرضه أو سلامته وتهلكاته أو تجارته واستمثاراته؟ أو نحو ذلك.
إنه هو الذي يسيء فهم المشكلة، أو هو الذي يفسد تصويرها، لتضليل المراهقين فكرياً ونفسياً.
حينما حاول تحديد المشكلة أخذ يهرف في تصويرها، كأنها قضية لا علاقة للباحث بها من قريب ولا من بعيد، فقال:
"المشكلة بكل بساطة: هل القضية (الله موجود) قضية صادقة أم كاذبة؟ أم أن صدقها جائز جواز كذبها؟ ".
ثم قال:
"يجب أن ينسجم موقفنا الشخصي من قضية وجود الله انسجاماً تاماً مع جوابنا على هذا السؤال، لا مع حساب الأرباح والخسائر".
فمن أين له أن يلقي هذه التقريرات المخالفة للحقيقة وللبديهة العقلية دون أي دليل؟ أهو يبحث عن قضية في مجاهيل الجزر البحرية التي لا علاقة له بها؟ حتى يقرر أن المشكلة أصلاً لا تمت بصلة إلى حساب الخسائر والأرباح.
يبدو أنه قد بلغ من السخف الفكري مداه، حين انتقد (وليم جيمس) في ترجيحه جانب الإيمان على جانب الإلحاد، بمرجِّح احتمال الربح الذي لا يقابله احتمال خسارة، بينما رجح (العظم) جانب الإلحاد بدون مرجح مطلقاً، مع قيام مرجح احتمال الخسارة في جانب الإلحاد، ومرجح احتمال الربح في جانب الإيمان، وكلاهما لصالح قضية الإيمان، إلا أنه ألغاهما من الحساب اعتباطاً وحماقة، وزعم أنه لا علاقة لهما أصلاً بالقضية.
أليس هذا تضليلاً يمكن أن يدركه أي ناظر بالبداهة؟
لقد حاول (العظم) طمس جوانب المنطقية في دليل (جيمس) بالمراوغة والمغالطة، وتصدى لنقد أصوله المقبولة فكرياً بسفسطات مرفوضة بداهة.
стр. 132
لقد كان (جيمس) منسجماً مع المنطقية السليمة، ومع البحث عن سلامته وسعادته ومصيره، على فرض أنه لا توجد إثباتات كافية أو بينات علمية تبرهن على وجود الله أو عدم وجوده، فقد رأى أن الأخذ بجانب الإيمان أرجح، استجابة لنداء الفطرة من جهة، وطلباً للسلامة من جهة أخرى، وذلك لأن تعليق الحكم إلى الأبد في موضوع الاعتقاد بوجود الله جُلُّ ما فيه أنه قد يُجَنِّبُ الوقوع في الخطأ إذا لم يكن الإله موجوداًَ، لكنه يوقع في خسارة عظيمة (هي الشقاء الأبدي) فيما لو كان موجوداً، فهل يجازف العاقل بحياته وسعادته الأزلية دون مقابل، ولمجرد وقوف جامد حائر.
أما اختيار سبيل الإنكار والكفر بالله فإن (جيمس) يراه اختياراً متعنتاً لجانب لا دليل عليه مطلقاً، وليس فيه استجابة لنداء الفطرة، وفيه مخاطرة حمقاء توقع الإنسان في احتمالات خسارة كبرى وشقاء أبدي.
أما (العظم) فمنهجه السوفسطائي الديماغوجي اللامنطقي أن يبيح لنفسه أن يقول ما يشاء، دون ضابط عقلي أو علمي أو أخلاقي.
فالحقيقة الظاهرة يقول عنها دون مبالاة أو اكتراث: إنها غير موجودة.
والأوهام المفتراة يقول عنها بجزم وتأكيد: إنها حقائق ثابتة.
ومنهجه الجدلي أن يبيح لنفسه أن يغالط كما يشاء، وأن يزيف أي شيء يريد تزييفه، وأن يلبس أثواب الزور، فيرتدي أردية البحث العلمي، وكلامه مناقض للبحث العلمي، ويحمل شعار الأمانة الفكرية وأخلاق الاعتقاد، وهو في حرب ضروس ضد الأمانة الفكرية وأخلاق الاعتقاد وسائر الأخلاق والقيم.
انظر هذا المقطع الثاني من نقده لبحث (وليم جيمس) لترى ما حشر فيه من مغالطات، يقول في الصفحة (٧٧) من كتابه:
"٢- يقول جيمس في دفاعه عن نفسه: إن الإنسان الذي يعلق الحكم في موضوع وجود الله يرضخ بذلك إلى تخوفه من الوقوع في الخطأ والوهم، بينما كان الأحرى به أن يعتقد بوجوده تمشياً مع أمله في أن يكون اعتقاده صادقاً".
стр. 133
ويعلق العظم على قول (جيمس) هذا بقوله:
"ولكن جيمس مخطئ، لأن خوفنا من الوقوع في الخطأ أهم بدرجات من أملنا في العثور على الحقيقة، أو من رجائنا في أن يكون اعتقادنا صادقاً".
هكذا يقرر (العظم) ثم يأتي بما زعم أنه دليل، ولكنه لو لم يأت به لكان أستر له، إنه يقول في دليله الذي ساقه:
"ذلك لأن عدد الأخطاء التي يمكن أن نقع بها غير متناه، أما الحقيقة فواحدة، وبما أن احتمالات الوقوع في الخطأ أكبر بكثير من احتمالات العثور على الحقيقة، أو احتمال الوقوع على الاعتقاد الصادق، لذلك يضطر الإنسان لأن يضع ضوابط صارمة وحازمة في بحثه عن المعرفة، أملاً منه في أن يخفض احتمالات الخطأ إلى أقل حد ممكن. وبالرغم من ذلك يظل عدد هذه الاحتمالات مخيفاً".
ولا بد أمام هذا الكلام (العظمي) من إلقاء ضحكة سخرية، وذلك لأنه وضع الأشياء التي في غير مواضعها، وذكرني بقصة طالب غبي يحفظ بعض المسائل النحوية والصرفية واللغوية، سأله الممتحن أول ما سأله ما اسمك؟ فقال له: الاسم على أقسام: منه علَمَ، والعلم مرتجل ومنقول، وهو علم شخصي وعلم جنسي، ومنه معارف أخرى غير علم، ومنه نكرة، والنكرة قد تكون اسم جنس، وقد تكون اسم جنس جمعي، وفي باب النداء قد تكون النكرة نكرة مقصودة، وقد تكون نكرة غير مقصودة، ومعاجم اللغة قد جمعت المفردات اللغوية وبينت معانيها، سواء ما كان منها اسماً أو فعلاً، وفيها مئات الألوف من الكلمات، وسار على هذا المنوال في السرد الغبي.
و (العظم) ظن نفسه في مثل صحراء واسعة يبحث فيها عن دينار، واحتمالات الخطأ فيها لا نهاية لها، ونسي أنه في موضوع يتردد بين احتمالين فقط، لا ثالث منهما، أحد هذين الاحتمالين هو أن الله موجود وحق، والاحتمال الثاني هو الاحتمال المناقض له، ولا شيء وراء هذين الاحتمالين، فالقضية كمن جاءنا فقال: في وسطي حزام ناسف، وهنا لا بد أن نكون أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن نرجح احتمال الصدق فنأخذ حذرنا، وإما أن نرجح الاحتمال الآخر فنورط أنفسنا في احتمال الخطر.
стр. 134
و (جيمس) رجح احتمال الإيمان على نقيضه فقط، وليس على احتمالات لا حصر لها.
فمن أين (للعظم) أن يغالط هذه المغالطة المفضوحة؟
من أين جاء بقصة عدد الأخطاء التي لا نهاية لها في موضوع ليس فيه إلا احتمالان متناقضان فقط؟
إنها قصة في البحث العلمي، ولكن ليس هذا مكانها، إنه يضع الأشياء في غير مواضعها، إما على سبيل الجهل واختلال الموازين المنطقية لديه، وإما على سبيل المغالطة واستغفال القارئ والتغرير به، ولكن أي قارئ حصيف قادر على كشف هذا الزيف الذي صنعه.
وبعد هذا التزييف المقصود الذي أراد به السفسطة والمخادعة، ظن أنه ملك ناصية حجة متينة وبلغ ما يريد من تهديم للأبنية الفكرية الإيمانية فقال في الصفحة (٧٧) .
" لا شك إذن أنه - خلافاً لرأي جيمس - من الحكمة أن نخاف من الوقوع في الخطأ أكثر بكثير من أن نتسرع في الانصياع مع أملنا في العثور على الاعتقاد الصحيح والصادق، خصوصاً قبل تصفية احتمالات الخطأ إلى أدنى حد ممكن، عن طريق التفكير العلمي ومنهجه المعروف ".
وهنا نلاحظ أنه قد يكون دارساً لمنهج التفكير العلمي، ولكن لا يعرف مواضع تطبيقه، والأعجب من ذلك أنه يأخذ لنفسه بالاحتمال المقابل، دون أن يناقش نفسه بما ناقش به (جيمس) ، وهذا يدل على أنه يغالط ويراوغ، ويجادل بالباطل.
لقد أثبت هذا الملحد على نفسه وعلى طرائق الملحدين صوراً فيها الكثير مما يضحك العقلاء، إن كان يستهين بمنطق القراء ومدى ثقافاتهم فليعلم أن صغار المثقفين الإسلاميين قادرون على كشف مغالطاته وتزييفاته.
لقد تجاوز في صنيعه قواعد التفكير العلمي ومنهجه المعروف، ومشى في صحرائه التائهة يتغنى بقول الشاعر:
стр. 135
سارت مشرِّقة وسرتُ مغرباً *** شتان بين مشرِّق ومغرِّب
ثم بعد أن ظن أنه قد قرر النتيجة المفحمة قال:
" حتى لو كان الاعتقاد الذي تقبلناه عن طريق العاطفة والميول صادقاً وصحيحاً بمحض المصادفة، فلن يكون له قيمة، لأن شأن هذا الاعتقاد هو كشأن الوصول إلى المال عن طريق السرقة، عوضاً عن طريق العمل الشريف. أي: إننا وصلنا إلى هذا الاعتقاد الصادق بطريق غير مشروعة، ولا يمكننا أن نقيم مبادئ عامة للوصول إلى آراء مدروسة على أساس المصادفة ".
ونحن لا نريد أن نعلق على هذه المناقشة الضعيفة الواهنة كثيراً، لأن موضوعنا لا يهمنا، باعتبار أن قضية الإيمان بالله وتعالى وبما جاءنا عنه، هي بالنسبة إلينا قضية علمية، توصلنا إليها بالمنطق السليم، والحجة الدامغة، والبرهان القاطع، ولا شأن لنا بمن أنكرها أو أغمض بصيرته عنها.
ولكن ننتقد هذه المناقشة من وجهين:
الأول: ما أسماه بالمصادفة التي قد توصل الإنسان إلى الاعتقاد الصحيح الصادق، قد شبهه بكسب المال عن طريق السرقة، عوضاً عن طريق العمل الشريف، وكان منطق التشبيه يقضي عليه بأن يشبهه بالعثور على منجم في جبل، أو لُقَطَةٍ في صحراء، أو كنز لا مالك له.
على أن القضية بالأساس ليست من قبيل المصادفة، إنما هي من وجهة نظر (جيمس) ترجيح قائم على نظر صحيح، يحق للإنسان معه أن يتخذ مذهباً.
يضاف إلى هذا أن الإلحاد الذي تمسَّك به (العظم) وأضرابه، هو الذي يصح أن يوصف بأنه عمل غير مشروع، إلا سند لمذهب الإلحاد مطلقاً، فلا يوجد دليل ولا شبه دليل يدعمه، بل فيه رفض لأدلة الإيمان المثبتة، أو لأدلته المرجَّحة على أدنى المستويات، كالدليل الذي اعتمد عليه (جيمس) .
الثاني: كان الأحرى بالعظم أن يطبق على مذهبه الإلحادي قوله:
"ولا يمكننا أن نقيم مبادئ عامة للوصول إلى آراء مدروسة على أساس المصادفة".
стр. 136
إنه يمنع الأخذ بالمصادفة في مجال البحث النظري للوصول إلى أفكار صحيحة، ويقبل مبدأ وجود الأحداث الكونية وتغيراتها وقوانين الطبيعة كلها والإنسان وعقله الذي يفكر فيه على أساس المصادفة.
هذا مع أننا من وجهة نظرنا الإسلامية لا نقبل أن تكون المصادفة أساساً لإقامة عقائد وآراء ومفاهيم، ولا لقيام أحداث كونية كبرى ذات نظم محكمة، وقوانين ثابتة، ومن عثر مصادفة على رأي صحيح أو اكتشاف علمي، فإننا لا نقبله منه ما لم يدعمه بعد المصادفة بالأدلة الكافية، أو بالتجربة الصحيحة القابلة للإعادة والتكرار.
ثم يختم (العظم) نقده لبحث (وليم جيمس) بقوله:
"في معرض نقدنا لرأي (جيمس) يجب أن نذكر أن المفكر الذي لا يعتقد بوجود الله، أو يعلق الحكم حول الموضوع بأسره، قد لا يفعل ذلك من جراء تكوينه العاطفي، باعتبار أنه ربما كان بطبيعته العاطفة أميل إلى الاعتقاد منه إلى الرفض. إنه يفعل ذلك لأن القناعات الفكرية التي تشكلت لديه على أسس علمية واضحة لا تسمح له بأن يعتقد بوجود الله دون أن يقع في تناقض ذاتي، ودون أن يضحي بوحدة تفكيره ومنطقه".
في كلامه هذا اعتراف ضمني بدليل الفطرة التي تهديه وتنزع به إلى الإيمان (فطرة الله التي فطر الله عليها) ولكنه يكبت فطرته بأوهام الجحود والإنكار، وبما أسماه من قناعات، وهي لا تزيد على أنها مواقف عنادية، مشحونة بالأكاذيب والمغالطات والسفسطات الجدلية. ففي كل أقواله وجدلياته، وفي كل ما ساقه من أقوال لأساتذته، لم نجد ما يولِّد أية قناعة لباحث عن الحقيقة صادق في بحثه.
والسفسطة والمغالطة والكذب لا تشكل له عذراً مقبولاً بين يدي ربه، حينما يأتي ذليلاً حقيراً لا يملك شيئاً.
أما زعمه بأن المؤمن بالله لا تسمح له القناعات الفكرية بأن يعتقد بوجود الله دون أن يقع في تناقض ذاتي، ودون أن يضحي بوحدة تفكيره ومنطقه، فزعم لم يقم عليه دليلاً في كل ما كتب، وإنما ألقاه كلاماً تقريرياً خالياً من أية حجة صحيحة،
стр. 137
وما ساق من جدليات مختلفة لم يحتوِ على شيء مما يدعم بصدق هذا الزعم، أو يقدم لصاحبه عذراً فكرياً مقبولاً عند الله أو عند العقلاء من الناس.
ثم لا يقتصر على الاعتراف الضمني بوجود الفطرة النزاعة إلى الإيمان، بل يرتقي إلى الاعتراف الصريح بوجود الشعور الديني في الفطرة الإنسانية، ولكنه لا يحاول أن يجد طريقاً لتنفيس هذا الشعور وتلبيته بألوان من التعويض الذي لا يسد مسداً صحيحاً، أو بلون من ألوان الوثنية.
يقول في الصفحة (٧٨) من كتابه:
" هذا لا يعني أنني أريد نسخ الشعور الديني في تجارب الإنسان من الوجود ".
أي: ما سبق في كلامه من توجيهه حربه الشعواء على الدين، لا يعني أن الشعور الديني غير موجود بصفة أصيلة في الفطرة الإنسانية بل هذا الشعور موجود، وهو ينزع في داخل النفس الإنسانية نزوع الدوافع الفطرية الأصيلة، التي تتطلب تلبية نفسية وروحية ومادية، وتلبية هذا الشعور يكون بالإيمان والعبادة.
لكن (العظم) يعترف بوجود هذا الشعور الديني، ويحاول عزله عن التلبية الصحيحة، إذ يُغرية بأوهام لا تُلبي دوافعه تلبية صحيحة، فيصرفه عن عبادة الله الحق إلى أوهام عبادات وثنية مختلفة يخترعها له، كعبادة الجمال، أو عبادة البحث عن الحقيقة، أو عبادة الأهواء والشهوات، أو عبادة مطالب الحياة والأعمال المؤدية إليها، ويلحق بذلك عبادة القادة والأسياد، وعبادة الأحزاب، وعبادة الشياطين.
وفي هذا يقول متابعاً كلامه:
"يجب تحرير هذا الشعوب الديني من سجنه، ليزدهر ويعبر عن نفسه بطرق ووسائل مناسبة للأوضاع والأحوال التي نعيشها في حضارة القرن العشرين. لذلك علينا أن نتنازل عن الفكرة التقليدية القائلة بوجود شيء كحقيقة دينية خاصة، وأن نوجه اهتمامنا نحو الشعور الديني المتحرر من هذه الأعباء والأثقال".
إنه بهذا يريد أن يُرجع الناس إلى الجاهلية الأولى، وإلى عبادة الأوثان، وبعد
стр. 138
أن حاول صرف الشعور الديني عن الله جلَّ وعلا، وتوجيهه للوثنيات المادية والخيالية قال:
"وقد يتمثل الشعور الديني بهذا المعنى في موقف الفنان من الجمال، أو في موقف العالم من البحث عن الحقيقة، أو في موقف المناضل من الغابات التي يعمل لتحقيقها، أو في موقف الإنسان العادي من أداء واجباته الحياتية واليومية".
لقد كان بإمكانه أن يعبد الله وحده وهو في هذه المواقف كلها، لأن عبادة الله بمعناها الواسع تتمثل في كل عمل أو تصور أو عاطفة، مما أذن الله به إذا ابتغى به الإنسان مرضاة الله تعالى، لكنه - وكذلك سائر الملحدين - يكرهون الخضوع لمن خلقهم، ويلذ لهم أن يخضعوا لخلقه.
إن الدين ومشاعره والدوافع إليه حقائق مغروزة في الفطرة الإنسانية، لا يملك أي إنسان نسخها من الواقع الإنساني، مهما حاول التضليل في الأمر، وفي حال كبتها يعيش الإنسان ضائعاً قلقاً مضطرب المشاعر، ذا حاجة أصيلة في نفسه، وهذه الحاجة محرومة من التلبية الصحيحة.
في كل إنسان إحساسات فطرية صادقة، تنزع به إلى الإيمان بوجود خالق لهذا الكون كله، ومشاعر فطرية صادقة تتوجه نحو هذا الخالق العظيم بالدعاء، وبطلب المعونة والإمداد الدائم، وتتوجه إليه بالخشوع والإجلال والحب، وحاجات فطرية أصيلة لعبادته والتماس الصلة به، وهذه الإحساسات والمشاعر الفطرية تشترك بالإحساس والشعور بها جميع الخلائق المدركة، على اختلاف نزعاتها، ومستويات ثقافاتها، في البيئات البدائية، وفي المدن المتحضرة، وفي منتديات المثقفين، وفي قاعات العلوم والفنون والمختبرات.
إنها صبغة الله، وفطرته التي فطر الناس عليها، هذه حقيقة بيَّنها الله بقوله في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾
وبقوله في سورة (الروم/٣٠ مصحف/٨٤ نزول) :
стр. 139
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ .
ولكن قد نجد هذه الفطرة مغشى عليها في نفوس بعض الملحدين، ولهذا الغشاء سبب، فالفطرة هذه لا تنطمس إلا في نفس من بالغ في الانحراف من الناس، بدافع غير أخلاقي، كالكبر والعناد، أو الرغبة بالفجور، والانطلاق في الأهواء والشهوات، مع التهرب من مشاعر العدالة الإلهية، وملاحقة الضمير الديني للسلوك. أو في نفس مُضلَّلٍ لعبت بأفكاره وعبثت بشهواته شياطين الإنس، من ذوي المصلحة الأساسية في نشر الإلحاد والكفر بالله في الأرض. ولكن المشاعر الفطرية لدى هؤلاء وأولئك تظل مكبوتة محرومة من التلبية وتنفيس الكرب الذي يتولد عن الكبت، ثم تحاول التنفيس بطرق غير طبيعية، وهذا التنفيس يظهر في صورة هيستيريا عصبية انفعالية، مع الفن تارة، ومع الخمر والمخدرات تارة أخرى، ومع الانتحار أحياناً، ومع (الهيِّيَّة) أحياناً أخرى، وفي جنون الحرب، وفي جنون الانعزالية والانطوائية، وفي جنون العظمة وادعاء الربوبية، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
ومع ذلك فإن هذه الفطرة فقد تتيقظ في نفوس أعتى الكفرة والملاحدة المجرمين، وذلك حينما تشتد عليهم مصائب الحياة، ويقعون في مخاطر محدقة بهم، ولا يجدون وسيلة مادية لدفعها، وهذا ما حصل لفرعون حينما أدركه الغرق فقال: "آمنت برب موسى وهارون آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل".
وهذه صورة تتكرر في حياة الإنسان، كلما أحاطت به شدة لا يجد وسيلة مادية لتفريجها، وقد كشف الله عنها بقوله في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً﴾
وكشف عنها سبحانه بقوله في سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) :
стр. 140
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّو?اْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَاذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
هذا هو واقع الفطرة الدينية في النفوس الإنسانية، إلا أن الملحد (العظم) حاول تحويل هذه الفطرة عن الإيمان بالله وعبادته، إلى الإيمان بالمادة وعبادتها، بتوجيه المشاعر الدينية الفطرية نحوها، فبعد أن قال:
"لا أريد نسخ الشعور الديني في تجارب الإنسان من الوجود".
قال:
"ولكن أرى من الضروري التمييز بين الدين وبين الشعور الديني، ذلك الشعور المسحوق تحت عبء المعتقدات الدينية التقليدية المتحجرة، وتحت ثقل الطقوس والشعائر الجامدة".
يبدو أنه يلقي ما في فكره ونفسه من تحجر وجمود على المعتقدات الإسلامية والشعائر الدينية، حسبه جموداً وتحجراً أنه يرفض الحق المدعم بالأدلة الواضحة، ويكابد ويكدح وراء أوهام وخيالات لا دليل عليها.
يريد أن يجعل بدل الصلاة مثلاً (رقص الباليه) ، وبدل الحج إلى بيت الله الحرام الحج إلى محنط (لينين) ، وبدل ارتياد المساجد ارتياد المواخير والحانات، وبدل عبادة الله عبادة الأوثان والأشخاص، ليتخلص من الشعائر الدينية الجامدة بزعمه.
وإنني غيرة عليه - وعلى كل كافر بالله ملحد - أنصحه بأن يرتدع عن غيه، قبل أن ينزل الله به نقمته، ببلاء لا ينقذه منه أحد إلا الله.
إن ربك لبالمرصاد، وإنه لشديد العقاب، وإنه سبحانه يمهل ليفتح طريق
стр. 141
الرجعة إليه والتوبة والاستغفار، ولا يهمل، إنه يملي للكافرين، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وليسمع قول الله تعالى في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ .
وقوله سبحانه في سورة (الحج/٢٢ مصحف/١٠٣ نزول) :
﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ .
* ... * ... *
стр. 142
الفصل السادس
صراع من أجل قضية الإيمان باليوم الآخر والفكر الدّيني الصّحيح حَوْلها
стр. 143
(١)
اعتمد الناقد (د. العظم) في إنكار الآخرة، والبعث بعد الموت للحساب والجزاء على أقوال (برتراند رسل) (١) ، وزعم أن أقواله تلخيص للنظرة العلمية حول هذا الموضوع، مع أن (رسل) لم يقدم في كلامه إلا مجرد النفي الذي لا تدعمه أدلة علمية، ومعلوم أن النفي المجرد عن الأدلة المصححة للنفي يستطيع أن يفعله أي إنسان، إذ يستطيع أن ينفي به أية حقيقة من الحقائق، فهو لا يكلف صاحبه إلا أن يقول: (لا) ، أو يرفع رأسه إلى أعلى إشارة للنفي، لكنه بذلك يخسر أصل إنسانيته التي زانها العقل السليم، والمنطق المحاكم للأمور بميزان مستقيم.
قال (العظم) في الصفحة (٢٧) من كتابه:
"وفي مناسبة أخرى عندما سئل (رسل) : هل يحيى الإنسان بعد الموت؟ أجاب بالنفي، وشرح جوابه بقوله: عندما ننظر إلى هذا السؤال من زاوية العلم وليس من خلال ضباب العاطفة نجد أنه من الصعب اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار الحياة بعد الموت. فالاعتقاد السائد بأننا نحيا بعد الموت - يبدو لي - بدون أي مرتكز أو أساس علمي. ولا أظن أنه يتسنى لمثل هذا الاعتقاد أن ينشأ وأن ينتشر لولا الصدى الانفعالي الذي يحدثه فينا الخوف من الموت. لا شك أن الاعتقاد بأننا سنلقى في العالم الآخر أولئك الذين نكنُّ لهم الحب يعطينا أكبر العزاء عند موتهم، ولكنني لا أجد أي مبرر لافتراض أن الكون يهتم بآمالنا ورغباتنا، فليس لنا أي حق في أن نطلب من الكون تكييف نفسه وفقاً لعواطفنا وآمالنا، ولا أحسب أنه من الصواب والحكمة أن نعتنق آراء لا تستند إلى أدلة بينة وعلمية".
стр. 144
لا بد أن نضع هذا الكلام للفيلسوف الإنكليزي الملحد تحت مناظير البحث المنطقي والعلمي، لنرى قيمته من الوجهة العقلية والعلمية.
ليس غريباً على (رسل) بعد أن اختار سبيل الإلحاد بالله، واعتبار الكون ظاهرة مادية بحتة، على خلاف ما قدمته الأدلة العلمية والعقلية في هذا المضمار، أن يصعب عليه - في الإطار المادي البحت - اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار الحياة بعد الموت.
وليس غريباً عليه بعد ذلك أيضاً أن لا يجد لعقيدة الحياة بعد الموت، وعقيدة الدار الآخرة للحساب والجزاء، مرتكزاً علمياً يستند إليه.
نعم، إن من ينكر حياة كائن ما بغير دليل يجد من الصعب عليه أن يكتشف المبرر العقلي لوجود إرادة لهذا الكون، لأن إرادته فرع لتصور حياته، وبعد إنكار الأصل يكون إنكار الفرع شيئاً طبيعياً، ومذهباً سهلاً، لكن هذا الإنكار لا يعبر عن الواقع بحال من الأحوال.
إن الإيمان بالحياة بعد الموت للحساب والجزاء في دار غير هذه الدار قضية خبرية، أي: ذات مستند خبري، وليست قضية عقلية بحتة حتى نَبْحث في نطاق العقل عن دليل يدلُّ عليها دون الاستناد إلى الإيمان بالله. فلو أن عالماً من علماء الحيوان تحدث عن وجود حيوان بري غريب رآه بعينيه، وأخذ يصف مشاهداته الحسية له، ثم جاء سمَّاك فقال: لا أجد المبرر العقلي لوجود هذا الحيوان الغريب الذي يتحدث عنه هذا العالم، لما كان كلامه أكثر سقوطاً من ناحية الاستدلال العلمي والعقلي من كلام (رسل) إذ أنكر وجود الحياة بعد الموت، في ظروف غير ظروف هذه الحياة الدنيا، على الرغم من أن هذا الرجل فيلسوف وعالم واسع الاطلاع، إلا أن الهوى قد يحوّل عقل الفيلسوف الكبير إلى عقل السمّاك.
لقد أراد (رسل) أن يخضع الدار الآخرة والحياة الأخرى للمقاييس التجريبية التي تخضع لها ظواهر هذا الكون المادية، في ظروف الحياة الدنيا التي نعيش الآن فيها، مع أن الدار الآخرة والحياة الأخرى لا تخضع بطبيعتها لهذه المقاييس.
إن (رسل) بقياسه هذا يشبه من يزن الضغط الجوي بميزان البقال، أو يزن
стр. 145
الكثافة بميزان الحرارة، أو قيس مقدار الذكاء بمساحة الجمجمة، أو يزن بحور الشعر بالسانتمتر.
ما هو مبلغُ إنكار أي فيلسوف من الصحة إذا هو أنكر قراراً أصدرته دولة كبيرة قادرة، بأنها ستنشئ في برنامج خطتها لربع قرن مدينة نموذجية بديعة جداً، لا تُسكن فيها إلا الطبقة الصالحة الراقية من شبعها، وستنشئ سجوناً إصلاحية أو تأديبية تخصصها للجانحين والخارجين على قوانين الدولة؟!
فإذا قال فيلسوف كبير: لا أجد مبرراً عقلياً أو علمياً يؤكد أن منشأتين من هذا القبيل ستحدثان، أفيكون كلامه مقبولاً عند العقلاء الذين علموا بقرار الدولة؟
من البدهي أن استدلال (رسل) استدلال غير منطقي وغير علمي، وكشف هذا الزيف لا يحتاج إلى فلسفة راقية، وإنما تكفي فيه البديهة العقلية المسلّمة عند جميع العقلاء، وكان الأولى له أن يبني إنكاره لقضية الحياة بعد الموت والدار الآخرة على إنكاره لخالق الكون، فبما أنه جحد الأساس الأول فكل ما يأتي عنه من أنباء وأخبار وقرارات وأحكام مرفوض من وجهة نظره، وعندئذ تكون معالجته من مواقع هذا الأساس، لا مما يتفرع عنه ويبنى عليه.
واعتباره عقيدة اليوم الآخر والدار الآخرة ناشئة عن الصدى الانفعالي الذي يحدثه الخوف من الموت، إنما هو ثمرة من ثمرات جحوده للخالق، وتخيُّله أن هذا الكون كله، وما فيه من نظم رفيعة معقدة جداً، وما ظهر فيه من حياة وفكر، إنما هو نتيجة مصادفات عثرت عليها حركات ذرات الكون العشوائية، فهذه الحركات العشوائية تولَّد عنها هذا النظام البديع، وهذا الوجود كله خال من أي أثر لعقل محرِّك، وحياة ذات إرادة وخلق وتدبير.
فلما كان هذا الكون كله كذلك من وجهة نظره الملحدة الكافرة بالله الخالق المدبر الحكيم، كان طبيعياً أن لا يجد هذا الكون المادي الجاهل الأعمى الخالي من كل تدبير حكيم عليم مهتماً بالآمال والرغبات التي تقوم في نفوس الناس، ولذلك قال: