← Общие книги

Общие книги · id 12725

صراع مع الملاحدة حتى العظم

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (445 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ منكُمْ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ منَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فالأمر في المفهوم الإسلامي ليس بالسهل ولا باليسير، إنه لعب بمصير الأمة، ولعب بمصير دينها، وفيه تمكين عدوها منها، فليست موالاة أعداء الله من المعاصي الفردية العادية، إنها خيانة للأمة جميعها، وخيانة للكيان الإسلامي كله، ودونها بنسبة كبيرة بعض كبائر المعاصي الفردية، لأن هذه الموالاة لأعداء الله فرع من فروع النفاق. والله ﵎ يقول في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَآأَنْتُمْ أُوْلا?ءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُو?اْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٦) حشر الناقد (د. العظم) اتجاهاته السياسية المعينة في صلب قضايا يزعم أنها قضايا نقدية علمية بحتة، فهو بالإضافة إلى أنواع التضليل الذي سلكه في المسائل العلمية ضد الدين، أخذ يحشر اتجاهاته السياسية ليتابع عملية التضليل، ويسلك فيها مسلك الغوغائية الدعائية المعروفة في الكتابات الصحفية، التي يكتبها الملاحدة الماركسيون، فقال في الصفحة (٢٣) من كتابه:

стр. 72

"كان الدين في أوروبا حليف التنظيم الإقطاعي للعلاقات الاجتماعية، ولا يزال على هذه الحال في معظم البلاد المتخلفة وخاصة في الوطن العربي. في الواقع أصبح الإسلام الأيديولوجية الرسمية للقوى الرجعية المتخلفة في الوطن العربي وخارجه (السعودية، أندونيسيا، الباكستان) والمرتبطة صراحة ومباشرة بالاستعمار الجديد الذي تقوده أمريكا. كما كان الدين المصدر الأساسي لتبرير الأنظمة الملكية في الحكم لأنه أفتى بأن حق الملوك نابع من السماء وليس من الأرض. ثم أصبح اليوم الحليف للأوضاع الاقتصادية الرأسمالية والبرجوازية، والمدافع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها، حتى أصبح الدين وأصبحت المؤسسات التابعة له من أحصن قلاع الفكر اليميني والرجعي. فالدين بطبيعته مؤهل لأن يلعب هذا الدور المحافظ، وقد لعبه في جميع العصور بنجاح باهر، عن طريق رؤياه الخيالية لعالم آخر تتحقق فيه أحلام السعادة، وواضح أن هذا الكلام ينطبق على الإسلام كغيره من الأديان ". واضح من هذا الكلام (العظمى) أنه من قبيل الغوغائية الدعائية السياسية، التي تعمل لنصرة مذهب سياسي واقتصادي معين، أثبت الواقع فشله في المجالين السياسي والاقتصادي، وأثبت أنه كان سلاحاً في أيدي الانتهازيين الطامعين باحتلال المواقع الرأسمالية والبرجوازية، عن طريق النهب والسلب والاستغلال الظالم الآثم، وأن شعارات هذا المذهب الاقتصادي لم تكن إلا أقنعة للتضليل. وقد عمد إلى ذكر بلاد إسلامية معينة لأنها ما زالت نوعاً ما ترعى الإسلام، وتحمي شعاراته، وتطبق بعض أحكامه. أما قصة الارتباط صراحة ومباشرة بالاستعمار الجديد الذي تقوده أمريكا فقصة أتقن تشييعها أجراء هذا الاستعمار، وأجراء الصهيونية العالمية، وغايتهم هدم الإسلام من وراء ذلك، وهو يعلم أكثر من غيره دور الماركسية الملحدة التي تعمل لصالح الاستعمار الجديد، وتعمل لصالح الصهيونية العالمية. وحرب رمضان عام (١٩٧٣-١٣٩٣هـ) ودور الدول الإسلامية فيها، ودور المملكة العربية السعودية إذ دخلت فيها بكل ثقلها، ربما يكون قد أغاظه كثيراً،

стр. 73

لأنه جاء على غير هوى سادته، ولأنه كشف زيفاً كثيراً كان يصدّره هو وكل الذين يلبسون أقنعة التقدمية. وأكتفي عند هذه النقطة بهذا القدر لأنه ليس من خطتنا في الدفاع عن الدين وحقائقه أن ندخل معارك سياسية ذات طابع زمني، وذلك لأن الدين دين الله، وهو تعاليم ومفاهيم وحقائق فكرية، ومتى هبطنا بها إلى مستوى الصراع السياسي فإننا تورَّط الدين توريطاً سيئاً، إذ نجسده في واقع بشري، مع أن الواقع البشري غير المعصوم قد يخالف الدين في كثير من التصرفات الإنسانية، والدين لا يحمل جريرتها، وإنما يحمل جريرتها المخالفون للدين أنفسهم، وإن كانوا من أهل الإيمان به والمطبقين لبعض تعاليمه، ومن الذين يرفعون لواءه، ويحرصون على نصرته. إن أي تجسيد للدين في واقع بشري غير معصوم عن الخطأ أو المخالفة يعتبر تشويهاً للدين، وتحويراً في مفاهيمه وتعاليمه، وهذه ليست خطة رشد في الدفاع عن الدين. إن الصراع من أجل الواقع البشري عمل سياسي قد يتصل بالمبدأ إلا أن له مجالاً آخر. وبالتضليل المقصود لمحاربة الإسلام بوصفه ديناً ربانياً؛ يحاول أعداء الإسلام من ملحدين وغيرهم التقاط صور معينة عن الواقع البشري للمنتسبين إلى الدين، ولو كانوا من أئمة المسلمين ومرشديهم، ثم يأخذون هذه الصور البشرية المعينة، ويجعلونها من الدين عقيدة ومفاهيم وأنظمة وغير ذلك، مع أنها في الواقع ليست إلا انحرافات بشرية عن عقائد الدين أو مفاهيمه أو أنظمته، وليس الدين هو المسؤول عنها، ولكن أصحابها هم المسؤولون. وهذا التضليل من أعداء الإسلام مغالطة خبيثة ماكرة، يقصدون منها تشويه الصورة الإسلامية من جهة، واستدراج مغفلين من أنصار الدين ليتورطوا في الدفاع عن الواقع البشري، فيستغله أعداء الإسلام استغلالاً سيئاً.

стр. 74

يضاف إلى كل هذا أن المعارك السياسية الزمنية لها وجهات أنظار مختلفة، ومن العسير جداً تمييز جانب الحق فيها، وما أكثر ما ترى الغوغائية الجماهيرية رأياً أملته عليها الغوغائية الدعائية التي تنصر مذهباً اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً معيناً، وتدعم مصالح معينة، ثم يتبين بعد التجربة أن الرأي المناقض له كان هو الأحق بالاعتبار، وأن محاربته كان رعونة وطيشاً، وتورطاً في مزالق سياسية تكبد المنزلقين خسائر فادحة، وتحمِّلهم مصائب كثيرة، وقد تدفع بهم على أيدي أعدائهم ضحايا رعوناتهم، وعندئذ تجد جنود الأعداء الذين دفعوا بهم إلى هذه المزالق يطبلون ويزمرون ويرقصون على أجساد الضحايا. أما زعمه: أن الدين أصبح اليوم الحليف الأول للأوضاع الاقتصادية الرأسمالية والبرجوازية، والمدفع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها ... إلى آخر كلامه. فالواقع أن هذا الكلام ليس فيه من النقد الفكري شيء، بل هو لون دعائي سياسي صحفي قائم على التضليل. إن أي دارس للنظام الاقتصادي الإسلامي يعلم بداهة أنه نظام فذّ قائم بنفسه، فلا هو نظام رأسمالي يساير الأنظمة الرأسمالية في العالم، ولا هو نظام اشتراكي يساير الأنظمة الاشتراكية في العالم، ولكن قد تتلاقى الأنظمة الرأسمالية معه في بعض الجوانب، وقد تتلاقي الأنظمة الاشتراكية معه في بعض الجوانب، وينفرد الإسلام بمفاهيم خاصة وتنظيم كلي خاص، والشبه الجزئي لا يعني التبعية بحال من الأحوال. وأما تحصن الرأسماليين بالإسلام فيشبه تحصن بعض الاشتراكيين به، وهو ليس حصناً في الحقيقة لهؤلاء ولا لهؤلاء، ولكن يتحارب الفريقان فيختبئ هؤلاء وراء جانب منه، ويختبئ أولئك وراء جانب آخر منه، وتتساقط بعض الضربات من هؤلاء وأولئك على الحصن الإسلامي زوراً وبهتاناً، ولو كان في الحصن الإسلامي جنود حقيقيون لخرجوا وقاتلوا الفريقين معاً، ولطردوهما عن جوانب الحصن.

стр. 75

وأما قوله: "إن الدين قد أصبح المدافع الرئيسي عن عقيدة الملكية الخاصة وعن قداستها". فإننا نقول: ما دامت الملكية الخاصة مكتسبة بطرق مشروعة يوافق عليها نظام الإسلام فاحترامها حق، واحترام الحق من أسس مبادئ الإسلام العامة، ولا يضيره في هذا أن توافقه أو تخالفه أنظمة وضعية ومذاهب اقتصادية أخرى، فالحق أحق أن يتبع. وتعلن بإصرار أن النظام الإسلامي هو الأكمل والأصلح للإنسانية، وستضطر الأنظمة الأخرى أن تتراجع إلى نظامه. وهل عيب في النظام الإسلامي أن يحترم الملكية الخاصة المشروعة، لأنه لا يوافق في هذه الناحية النظام الماركسي؟ إن العيب والنقص فيما خالف الإسلام، نقول هذا بكل فخر واعتزاز. ثم نتساءل فنقول: هل تتنازل الأنظمة الماركسية عن ملكياتها لصالح دول أخرى ماركسية أيضاً؟ إنهم يتقاتلون لحمايتها، فأين بقيت مقومات المذهب؟ مفتريات وأباطيل، وخداع وتضليل!! * ... * ... *

стр. 76

الفصل الخامس صراع من أجل قضيّة الإيمان بالله والفكر الدّيني الصّحيح حَوْلها

стр. 77

(١) تحت عنوان "الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني" أثار الناقد (د. صادق جلال العظم) حول الدين عدة موضوعات سماها "مشكلات" ومن هذه الموضوعات عقيدة الإيمان بالله تعالى. مع أن الملحدين جميعاً في سالف الدهر وحاضره، لم يستطيعوا مجتمعين ولا متفرقين، أن يقدموا أية حجة منطقية أو واقعية مقبولة عند العقلاء تثبت عدم وجود خالق لهذا الكون. وقد قرأنا ما كتبه هذا الملحد وما كتبه غيره من أساطين الإلحاد، فلم نجد لديهم دليلاً واحداً صحيحاً ينفي وجود الخالق جل وعلا، رغم الجهود الكبيرة التي بذلوها للإقناع بمذهبهم، بل لم نجد في كل ما كتبوه دليلاً واحداً يقدم ظناً بعدم وجود الخالق، فضلاً عن تقديم حقيقة علمية في هذا الموضوع، جل ما لديهم محاولات للتشكيك بعالم الغيب، والتزام بأن لا يثبتوا إلا ما شاهدوه من مادة بالوسائل العلمية المادية، وهذا الارتباط بحدود المادة التي لم يشهد العلم حتى العصر حاضراً إلا القليل منها إن هو إلا موقف يشبه موقف الأعمى الذي ينكر وجود الألوان لأنه لا يراها، أو موقف الأصم الذي ينكر وجود الأصوات لأنه لا يسمعها، أو موقف الحمقاء حبيسة القصر التي ترى أن الوجود كله هو هذا القصر الذي تعيش فيه، لأنها لم تشاهد في حياتها غيره. فما حظ هؤلاء من العلم والأمانة العلمية ومطابقة الحقيقة والواقع؟ كذلك الملحدون لاحظ لهم من العلم والأمانة العلمية ومطابقة الحقيقة والواقع، إذ ينكرون الخالق جل وعلا، ويُصرون على إنكاره، وهم لا يملكون دليلاً واحداً على نفي وجوده. قد يستخدمون عبارات ضخمة، يستغلون فيها أسماء التقدم العلمي

стр. 78

والصناعي وتطور مفاهيم العصر، والبحوث العلمية في المعامل والمختبرات، للتمويه بها، وتضليل الأذهان المراهقة، مع أن التقدم العلمي والصناعي لم يتوصل بعد إلى قياس شيء من عالم الغيب، بل ما زال عاجزاً حتى الآن عن قياس أمور كثيرة داخلة في العالم المادي، الذي هو مجال كل أنواع التقدم العلمي الذي انتهت إليه النهضة العلمية الحديثة. فالمعامل والمختبرات والأجهزة العلمية المتقدمة جداً ما زالت عاجزة عن أن تقيس أشياء كثيرة في هذا العالم المادي الذي نشاهد ظواهره، بشهادة كبار العلماء الماديين أنفسهم، وبدليل تجدد المعارف والمكتشفات يوماً بعد يوم، ومتى زعم العلم الإنساني أنه اكتشف كل شيء فقد سقط في الجهل، وأجهز على نفسه بنفسه منتحراً. يضاف إلى ذلك أن العلماء الماديين من بعد كل دراساتهم ومشاهداتهم وملاحظاتهم المادية يحاولون تفسير ما شاهدوه من ظواهر بنظريات استنتاجية، يقررون فيها حقائق غير مرئية وغير مشاهدة، وهي بالنسبة إليهم وبالنسبة إلى أدواتهم ما زالت أموراً غيبية، ومع ذلك فإنهم يضطرون إلى إقرارها والتسليم بها، ويجعلونها قوانين ثابتة يقولون عنها: إنها قوانين طبيعية. ومن أمثلة ذلك قانون الجاذبية، إنه قانون غدا من الحقائق العلمية الطبيعية لدى العلماء الماديين. فما هي حقيقة هذه الطاقة؟ هل باستطاعة العلماء أن يشاهدوها بأدواتهم وأن يعرفوا كنهها؟ وكيف أثبتوها؟ ألم يثبتوها بالاستنتاج العقلي استناداً إلى ما شاهدوه من ظواهرها وآثارها؟ هذه هي الحقيقة. فما بال هؤلاء الملاحدة يسلمون بهذه القوانين الخارجة عن نطاق المشاهدات المادية، وهي بالنسبة إلى حواسهم وإلى الأدوات العلمية المتقدمة أمور غيبية، ثم ينكرون وجود الخالق جل وعلا لمجرد كونه خارجاً عن نطاق الإدراك الحسي، ولا يمكن التواصل إلى إدراكه بالأجهزة العلمية المتقدمة؟

стр. 79

مع أن مئات الأدلة العقلية والاستنتاجية تثبت ضرورة وجود خالق عظيم لهذا الكون، بيده مقاليد السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير. أليس هذا من المفارقات التي لا تستقيم مع البحث العملي والأمانة العلمية؟ إذا لم تصل أدلة الإثبات لديهم إلى مستوى اليقين، ألم ترجح لهم هذه الأدلة احتمال وجود الخالق على عدم وجوده؟ إنها مهما تكن من وجهة نظرهم فهي أقوى حتماً من الاحتمال الآخر الذي هو احتمال النفي، فكيف يأخذون باحتمال النفي دون دليل، ويرفضون احتمال الإثبات ومعه الأدلة الكثيرة، ثم يسعون جاهدين لمحاربة الإيمان بكل ما لديهم من قوة؟ لماذا يعادون من خلقهم كل هذا العداء؟ أهذا جزاء الإنعام والإكرام؟ ألم يتحرك فيهم حس أخلاقي للاعتراف بوجوده؟ ألم ترجف قلوبهم خوفاً من عقابه الذي أعلنه على ألسنة رسله؟ ألم يفترضوا أن يكون الأمر حقاً؟ فبماذا يعتذرون يوم الحساب والجزاء؟ هل يكون عذرهم كافياً ومقبولاً إذا قالوا لربهم يوم الحساب: إنك يا إلهنا وربنا وخالقنا لم ترينا نفسك حتى نؤمن بك؟ ألا تسقط حجتهم هذه حينما يقول الله لهم: ألم أمنحكم عقولاً تستنبطون بها وجودي من آياتي التي بثثتها في كوني وفي أنفسكم؟ ألم أرسل لكم رسلاً مؤيدين بالآيات من عندي فأبلغوكم عني؟ فلماذا كذبتموهم؟ إنني لم أضع في كوني أية حجة تقنع أحداً بعدم وجودي، فلماذا جحدتم وجودي، ولا حجة لكم في ذلك إلا اتباع الهوى، والاستكبار عن الإيمان بي، والرغبة بالتحرر من أوامري ونواهيّ وشريعتي لعبادي؟ عندئذ لا بد أن تسقط حجتهم وينقطعوا، وعندئذ يعلمون علم اليقين أنهم كانوا في الغرور يتقلبون، وفي جهالتهم وضلالتهم يعمهون، وأنهم كانوا يجحدون ربهم من غير أن يكون لهم دليل به يعتذرون.

стр. 80

ويومئذ لا تنفعهم أحزابهم، ولا أئمة الشر الذين كانوا يزينون لهم الكفر بالله وجحود آياته. لست أدري ما هي الثمرة التي يستفيدونها في حياتهم من إنكارهم لخالقهم، حتى يدفعوا بأنفسهم إلى موقع خطر كبير جسيم، يعرِّضون فيه أنفسهم لشقاء أبدي وعذاب لا ينقطع؟ إن إلحادهم لا يفيدهم شيئاً في حياتهم الدنيا، وما هو إلا مذهب عنادي، فليتحملوا إذن جريرة عنادهم. (٢) الحجة الشيطانية ودفعها أخذ (د. العظم) يردد الحجة الشيطانية القديمة التي تقول في آخر سلسلة التساؤل: ومن خلق الله؟ ثم اختار لنفسه سبيل التسليم بقدم المادة وأزليتها. وقد حدثنا الرسول ﷺ عن هذه الوسوسة الشيطانية، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ باللهِ ولينته". وهذه الوسوسة الشيطانية تنطلق على ألسنة الناس بغية التضليل بها، وقد ذكر الرسول ﷺ هذه الحقيقة أيضاً: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله ورسله". أما كلام (د. العظم) حول هذه الحجة الشيطانية القديمة فلا يزيد في مضمونه عن مثل هذا التساؤل، مع الاعتراف بالعجز عن تقديم جواب مقنع حول ادعائه أزلية هذا الكون بالنسبة إلى مادته الأولى، ولا يفوته أن يقذف بلهيب حقده

стр. 81

على خالقه جل وعلا منذ مطلع كلامه، ويغريه بالأمر حلم الله عليه، وعدم وجود سلطة عادل في الأرض تحاسبه. يقول - عليه من الله ما يستحق - في الصفحة (٢٨) من كتابه: "إن قولنا باحتضار الله في المجتمعات المتخلفة يشكل تمثيلاً رمزياً لحالة الثورة والفوران، وفقدان الجذور التي تعاينها هذه المجتمعات في محاولاتها الوصول إلى نوع من التعايش المرحلي بين الأفكار العلمية الجديدة وتطبيقاتها العملية والصناعية، وبين تراثها الديني السحيق، دون أن يتنازل كلياً ومرة واحدة عما في ماضيها من قيم غيبية. لذلك نسمع دائماً أصداء صرخة تقول: حتى لو سلمنا كلياً بالنظرة العلمية للأشياء ستبقى أمامنا مشكلة المصدر الأول لهذا الكون. لنفترض مع (رسل) أن الكون بدأ بسديم، ولكن العلم لا يقول لنا: من أين جاء هذا السديم، إنه لا يبين لنا من أين جاءت هذه المادة الأولى التي تطور منها كل شيء؟ فلا بد للعلم إذن من أن يتصل بالدين في نهاية المطاف. ولكن طرح السؤال بهذه الصورة يبين لنا مدى تحكم تربيتنا الدينية وتراثنا الغيبي في كل تكفيرنا. لنفترض أننا سلمنا بأن الله هو مصدر وجود المادة الأولى، هل يحل ذلك المشكلة؟ هل يجيب هذا الافتراض على سؤالنا عن مصدر السديم الأول؟ والجواب هو طبعاً بالنفي. أنت تسأل عن علة وجود السديم الأول وتجيب بأنها الله، وأنا أسألك بدوري وما علة وجود الله؟ وستجيبني بأن الله غير معلول الوجود، وهنا أجيبك، ولماذا لا نفترض أن المادة الأولى غير معلولة الوجود، وبذلك يُحسم النقاش دون اللجوء إلى عالم الغيبيات، وإلى كائنات روحية بحتة لا دليل لنا على وجودها، علماً بأن ميل الفلاسفة القدماء بما فيهم المسلمين كان دائماً نحو هذا الرأي إذ قالوا بقدم العالم، ولكنهم اضطروا للمداورة والمداراة بسبب التعصب الديني ضد هذه النظرة الفلسفية للموضوع (١) . في الواقع علينا أن نعترف بكل

стр. 82

تواضع بجهلنا حول كل ما يتعلق بمشكلة المصدر الأول للكون. وعندما تقول لي: إن الله هو علة وجود المادة الأولى التي يتألف منها الكون، وأسألك بدوري: وما علة وجود الله؟ إن أقصى ما تستطيع الإجابة به: " لا أعرف إلا أن وجود الله غير معلول" (١) ، ومن جهة أخرى عندما تسألني: وما علة وجود المادة الأولى فإن أقصى ما أستطيع الإجابة به: " لا أعرف إلا أنها غير معلولة الوجود " في نهاية الأمر اعترف كل منها بجهله حيال المصدر الأول للأشياء. ولكنك اعترفت بذلك بعدي بخطوة واحدة، وأدخلت عناصر غيبية لا لزوم لها لحل المشكلة. والخلاصة، إذا قلنا: عن المادة الأولى قديمة وغير محدثة أو إن الله قديم وغير محدث، نكون قد اعترفنا بأننا لا نعرف ولن نعرف كيف يكون الجواب على مشكلة المصدر الأول للأشياء، فالأفضل إذن أن نعترف بجهلنا صراحة ومباشرة عوضاً عن الاعتراف به بطرق ملتوية وبكلمات وعبارات رنانة. ليس من العيب أن نعترف بجهلنا، لأن الاعتراف الصريح بأننا لا نعرف ما لا نعرفه من أهم مقومات التفكير العلمي، وتعرفون أن العالم ملزم على تعليق الحكم عندما لا تتوافر لديه الأدلة والشواهد والبراهين الكافية لإثبات أو لنفي قضية ما. هذا هو الحد الأدنى من متطلبات الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة ". هذا كلام (د. العظم) حرفياً، وعلينا أن نُحَلِّلَه ونكشف للقارئ ما فيه من مغالطات فكرية. سأترك كبيرته الأولى التي أطلق فيها على الله الخالق العظيم سبحانه عبارة الاحتضار، وسبقها في كلامه إطلاق عبارة الموت اقتداء بالفيلسوف الملحد (نيتشه) لأن مثل هذه العبارات التي ليس فيها إلا تطاول وحماقة وسخرية لا تدخل في أي مجال أو في أي مستوى من مستويات النقاش العلمي أو البحث المنطقي، ولا جواب لها في الحقيقة إلا صاعقة ربانية، أو أيَّةُ قاتلة من قواتل السماء تعطيه الرد العلمي على تطاوله، ولكن الله ﵎ حليم، يمهل كثيراً، حتى إذا أخذ بالعذاب أخذ أخذاً كبيراً.

стр. 83

وأبدأ بالتركيز على الحجة الشيطانية التي تساءل فيها عن علة وجود المصدر الأول للأشياء، وزعم فيها أن إحالة المؤمنين ذلك على الله ﵎ يساوي نظرياً وقوف الملحدين عن السديم، الذي اعتبروه المادة الأولى لهذا الكون، وزعم أن كلا الفريقين لا يجد جواباً إلا أن يقول: لا أعرف إلا أن وجود هذا الأصل غير معلول، وزعم أن الملحد اعترف بهذا قبل المؤمن بخطوة واحدة، ثم خادع بأن إعلان الجهل والاعتراف به من متطلبات الأمانة الفكرية حين لا توجد أدلة وشواهد وبراهين كافية. ولدى البحث المنطقي الهادئ، يتبين لكل ذي فكر صحيح، أن هذه الحجة التي ساقها ليست إلا مغالطة من المغالطات الفكرية، وهذه المغالطة قائمة على التسوية بين أمرين متباينين تبايناً كلياً، ولا يصح التسوية بينهما في الحكم. وفيما يلي تعرية تامة لهذه المغالطة من كل التلبيسات التي جللها بها. فإذا وضعنا هذه المغالطة بعبارتها الصحيحة كانت كالتالي: ما دام الموجود الأزلي غير معلول الوجود فلم لا يكون الموجود الحادث غير معلول الوجود أيضاً؟ وكل ذي فكر صحيح سليم من الخلل يعلم علم اليقين أنه لا يصح أن يُقاس الحادث على القديم الأزلي الذي لا أول له، فلا يصح أن يشتركا بناء على ذلك في حكم واحد. وعلى هذه الطريقة من القياس الفاسد من أساسه صنع مغالطته الجدلية. والملحدون حين يصنعون مثل هذا الاستدلال الفاسد يسارعون إلى ستر فساد أدلتهم بعبارات التقدم العلمي، والمناهج العلمية، والتقدم الصناعي، والمناهج العقلية في تقصي المعرفة، والاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد، ويخلطون هذه العبارات خلطاً، ويحشرونها في كل مكان ومع كل مناقشة، تمويهاً وتضليلاً، كأن التقدم العلمي والصناعي للإلحاد وحده، وليس للإيمان، مع أن الدنيا جميعها وما فيها من ماديات قد كانت وما زالت ولن تزال حتى تقوم الساعة للمؤمنين والكافرين وغيرهم على سواء، ضمن سنن الله الثابتة التي لا تتغير، وهي مجال

стр. 84

مفتوح لكل الناس، إذ يمتحن الله بها إرادتهم وسلوكهم في الحياة، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً. فإذا قال الملحد: ولِمَ لا تكون المادة الأولى لهذا الكون (كالسديم مثلاً) قديمة أزلية غير حادثة، تنطلق منها التحولات ثم ترجع إليها التحولات؟ فإن جوابه يأخذه من هذا الكون نفسه، وما فيه من صفات وخصائص. إن هذا الكون يحمل دائماً وباستمرار صفاته حدوثه، تشهد بهذه الحقيقة النظرات العقلية المستندة إلى المشاهدات الحسية، وتشهد بها أيضاً البحوث العلمية المختلفة في كل مجالات من مجالات المعرفة، والقوانين العلمية التي توصَّل إليها العلماء الماديون. وإذا ثبت أن هذا الكون حادث له بداية وله نهاية كان لا بد له من علة تسبب له هذا الحدوث، لاستحالة تحول العدم نفسه إلى وجود، أما ما لا يحمل في ذاته صفات تدل على حدوثه فوجوده هو الأصل، ولذلك فهو لا يحتاج أصلاً إلى موجد يوجده، وكل تساؤل عن سبب وجوده تساؤل باطل منطقياً، لأنه أزلي واجب الوجود، وليس حادثاً حتى يُسأل عن سبب وجوده. ولو كانت صفات الكون تقتضي أزليته لقلنا فيه كذلك، لكن صفات الكون المشاهدة والمدروسة تثبت حدوثه. وهنا تكمن مغالطة الملحد، إذ أراد أن يجعل الكون أزلياً، مع أن البراهين تثبت أنه حادث، وذلك ليتخلص من الضرورة العقلية التي تلزم بالإيمان بوجود خالق لهذا الكون الحادث، لأن الحدوث من العدم المطلق دون سبب موجود سابق عليه مستحيل عقلاً. أما البرهان على أن هذا الكون حادث وليس بأزلي فتقدمه لنا الأدلة العقلية الفلسفية القديمة، والقوانين العلمية الحديثة. فالأدلة العقلية الفلسفية تثبت لنا حدوث العالم من ظاهرة التغير الملازمة لكل شيء فيه، وذلك لأن التغير نوع من الحدوث للصورة والهيئة والصفات، وهذا

стр. 85

الحدوث لا بد له من عل، وتسلسلاً مع العلل للمتغيرات الأولى، سنصل حتماً إلى نقطة بدء نقرر فيها أن هذا الكون له بداية، في صفاته وأعراضه، وفي ذاته ومادته الأولى، وحينما نصل إلى هذه الحقيقة لا بد أن نقرر أن خالقاً أزلياً لا يمكن أن يتصف بصفات تقتضي حدوثه، وهذا الخالق هو الذي خلق هذا الكون وأمده بالصفات التي هو عليها. وحين لا يُسلِّم بمثل هذه الأدلة الفلسفية العقلية طائفة المفتونين بالعلوم الحديثة وقوانينها ومنجزاتها، فإننا نأتيهم بأدلة من هذه العلوم وقوانينها تثبت حدوث هذا الكون. اكتشف العلم الحديث القانون الثاني للحرارة الديناميكية، وهو القانون يسمون (قانون الطاقة المتاحة) أو يسمونه (ضابط التغير) . وهذا القانون يثبت أنه لا يمكن أن يكون وجود الكون أزلياً، إذ هو يفيد تناقص عمل الكون يوماً بعد يوم، ولا بد من وقت تتساوى فيه حرارة جميع الموجودات، وحينئذ لا تبقى أية طاقة مفيدة للحياة والعمل، وتنتهي العمليات الكيميائية والطبيعية، وبذلك تنتهي الحياة. يذكر هذا التحقيق العلمي عالم أمريكي في علم الحيوان، هو (إدوارد لوثر كيسل) ثم يقول: "وهكذا أثبتت البحوث العلمية دون قصد أن لهذا الكون بداية، فأثبتت تلقائياً وجود الإله، لأن كل شيء ذي بداية لا يمكن أن يبتدئ بذاته، ولا بد أن يحتاج إلى المحرك الأولى الخالق الإله". ونجد مثل هذا في كلام (السير جيمس) إذ يقول في كلام له: "تؤمن العلوم الحديثة بأن (عملية تغير الحرارة) سوف تستمر حتى تنتهي طاقاتها كلية، ولم تصل هذه العملية حتى الآن إلى آخر درجاتها، لأنه لو حدث شيء مثل هذا لما كنا الآن موجودين على ظهر الأرض حتى نفكر فيها، إن هذه العملية تتقدم بسرعة مع الزمن، ومن ثم لا بد لها من بداية، ولا بد أنه قد حدثت

стр. 86

عملية في الكون يمكن أن نسميها (خلقاً في وقت ما) حيث لا يمكن أن يكون هذا الكون أزلياً". فحدوث هذا الكون أمر معترف به عند العلماء الماديين، ولكن الملحدين بالله يغالطون في الحقائق، ويتظاهرون بالانتماء إلى قافلة العلم والبحث العلمي زوراً وبهتاناً، ليحتموا بحماها. ورغم هذه الحقيقة التي ثبت بها حدوث الكون لدى العلماء الماديين نرى الناقد (العظم) يحاول أن يسوّي بين الله والكون المادي في موضوع الأزلية، ليتوصل من ذلك إلى التمويه بأن الكون أزلي أو لا ندري علة وجوده، كما أن المؤمنين بالله يرون أن الله أزلي، أو لايدرون علة وجود الله. ومن هذا نلاحظ أنه أقام كلامه على المغالطة،

стр. 87

إذ سوّى في الحكم بين الحادث والأزلي، فزعم أن الحادث أزلي وأن الأزلي حادث، مع أن العلم والعقل يكذبانه ويعريان مغالطته. على أن ادِّعاءه أن المؤمن بالله لا يدري علة وجود الله مغالطة في الحقيقة أيضاً. فمن أصله الوجود، ووجود أزلي، فإنه لا يحتاج إلى علة لوجوده، إذ السؤال عن هذه العلة أمر مخالف للمنطق السليم، أو عبث من العبث، أو مغالطة قائمة على الإيهام بأنه حادث غير أزلي. وهنا يطرح الملحدون على عوام المسلمين مغالطة في سوق الدليل على وجود الله، فيقولون لهم: ألستم تقولون: إن كل موجود لا بد له من موجد، وإن هذا الكون موجود فلا بد له من موجد، وذلك هو الله تعالى؟ فيقول له العامي الذي لا يعرف أصول المغالطات: بلى. عندئذ يستدرجه الملحد فيقول له: الله موجود وهو على حسب الدليل لا بد له من موجد، فيجد العامي نفسه قد انقطع إذ لم يستطع جواباً. لكن الخبير لا يقبل أصلاً صيغة الدليل على هذا الوجه القائم على المغالطة. وذلك لأن المقدمة (كل موجود لا بد له من موجد) مقدمة كاذبة غير صحيحة، فالخبير لا يسلم بها لفسادها، وإنما يقول بدلها: (كل موجد حادث لم يكن ثم كان لا بد لهم من محدث) ، ثم يقول: (وهذا الكون موجود حادث لم يكن ثم كان بشهادة العقل وبشهادة البحوث العلمية) عندئذٍ تتحصل النتيجة على الوجه التالي: (إذن فلا بد لهذا الكون من محدث) ، وهذا المحدث للكون لا بد أن يكون موجوداً أزلياً غير حادث، ولا بد أن يكون منزهاً عن كل الصفات التي يلزم منها حدوثه، حتى لا يحتاج إلى موجد يوجده، بمقتضى الدليل الذي أثبتنا فيه وجود الله. فمغالطة الملحد في المقدمة التي أوهم بها قائمة على التعميم، إذ وضع (كل موجود) بدل (كل موجود حادث) ، ومعلوم أن عبارة (موجود) تشمل الموجود الأزلي والموجود الحادث. وهكذا تجري مغالطات الملحدين، ليتصيدوا بها الجهلة والغافلين من المسلمين، بغية استدراجهم وإحراجهم، ونقلهم من مرحلة الإيمان إلى مرحلة التشكك. فالمؤمن إذن يعلم أن الخالق موجود أزلي ليس له من الصفات ما يلزم منها حدوثه، ووجوده هو الأصل، فلا يسأل عن علة وجوده عند العقلاء أصلاً، والسؤال عن علة وجوده أمر مخالف للحقيقة العلمية المنطقية التي انتهينا إليها. وكما لا يُسأل عمّا أصله العدم: ما هي علة عدمه؟ لأن مثل هذا السؤال لا يرد إلا على افتراض أن أصله الوجود، وهذا يناقش أن أصله العدم، كذلك ما أصله الوجود لا يُسأل عن علة وجوده ولا يبحث عنها، لأن أي سؤال أو بحث عنها لا يكون إلا على افتراض أن أصله العدم، وبهذه العلة تحول من العدم إلى الوجود، لكن هذا الافتراض مرفوض ابتداءً، باعتبار أن أصله الوجود. وبهذا يتضح لنا تماماً أنه لا يُسال ولا يبحث عن علة وجود ما الأصل فيه الوجود. وبهذا أيضاً تسقط المغالطة التي طرحها الملحد في مناقشته، ويظهر فساد

стр. 88

تسويته بين الكون الحادث وبين الخالق الأزلي. وحينما نطالبه بعلة وجود الحادث وهو الكون فليس من حقه المنطقي أن يطالبنا بعلة وجود الله الأزلي. وليس من حق الملحد أن ينكر الوجود الأزلي كله ما دام الواقع يكذبه، والبراهين العلمية تهزأ به، لأنه لو لم يكن في الوجود موجود أزلي لاستحال أن يوجد شيء في هذا الكون، لأن الافتراض على هذا يقوم على أساس العدم المطلق. وهل يتحول العدم المطلق بنفسه إلى وجود؟ هذا من المستحيلات البدهية، ولا يقبله عقل فيه مثقال ذرة من تفكير منطقي سليم. إن هذا الكون الذي نحن جزء منه موجود حادث ذو بداية، وكل ذي بداية لا بد له من علة كانت السبب في وجوده، وإيجاده قد كان عملية من عمليات الخلق، وعملية الخلق إنما تتم بخالق قادر، وهذا الخالق القادر لا بد أن يكون أزلياً، ولا بد أن يكون متحلياً بالكمال المطلق، هذه هي عقيدة المؤمنين بالله. وهكذا وضحت لنا مغالطات العظم في هذا المجال. فأين الأمانة الفكرية التي يغار عليها؟ هل هذا هو المنهج العلمي المتقدم؟ أفي المناهج العلمية المتقدمة بناء الأحكام على المغالطات والأكاذيب؟ ولكن ماذا يفعل المبطلون غير هذا لدعم باطلهم؟ (٣) جنّد الناقد (د. العظم) كل ما لديه ولدى سادته من أفكار ومغالطات، ليثبت وجود التناقض بين الدين والعلم، وليعتبر هذا التناقض حقيقة مقررة، بغية التوصل من ذلك إلى إنكار الدين كله، باعتباره مناقضاً للعمل حسب فريته القائمة على المغالطات والتمويهات. قال في الصفحة (٢٥) من كتابه:

стр. 89

"ولنلمس طبيعة هذا الفارق بين النظرة الدينية القديمة وبين النظرة العلمية التي حلت محلها، سنوجه انتباهنا إلى مثال محدد يبين بجلاء كيف يقودنا البحث العلمي إلى قناعات وتعليلات تتنافى مع المعتقدات والتعليلات الدينية السائدة، مما يضطرنا إلى الاختيار بينهما اختياراً حاسماً ونهائياً". ثم أتى بالمثال الذي زعم أنه يدعم كلامه فقال: " لا شك أن القارئ يعرف التعليل الإسلامي التقليدي لطبيعة الكون ونشأته ومصيره: خلق الله هذا الكون في فترة معينة من الزمن، بقوله: كن فكان، ولا شك أنه يذكر حادثة طرد آدم وحواء من الجنة، تلك الحادثة التي بدأ بها تاريخ الإنسان على هذا الأرض. ومن صلب المعتقدات الدينية أن الله يرعى مخلوقاته بعنايته وهو يسمع صلواتنا وأحياناً يستجيب لدعائنا، ويتدخل من وقت لآخر في نظام الطبيعة فتكون المعجزات، أما الطبيعة فقد حافظت على سماتها الأساسية منذ أن خلقها

стр. 90

الله، أي: إنها تحتوي الآن على نفس الأجرام السماوية وأنواع الحيوانات والنباتات التي كانت موجودة فيها منذ اليوم الأول لخلقها ". ثم يقول في معارضة ما جاء في الدين: " أما النظرة العلمية حول الموضوع ذاته فلا تعترف بالخلق من لا شيء، ولا تقر بأن الطبيعة كانت منذ البداية كما هي عليه الآن ". في هذا الكلام الذي أورده كذب على الدين، ومغالطة في الحقيقة، وتمويهات بذكر بعض أمور هي من الدين، أوردها ليغشي بها على نظر القارئ، فلا يبصر مواطن الافتراءات، ومزالق المغالطات. لقد أدخل فكرة لا يعترف بها الدين أصلاً، ضمن عرضه لطائفة من المفاهيم والعقائد الدينية الصحيحة، ليضلل القارئ بالإيهام الذي اصطنعه له، وليجعله يعتقد أن هذه الفكرة الدخيلة هي فعلاً من المفاهيم الدينية، ما دامت قد وردت ضمن مجموعة مفاهيم صحيحة يعرفها هو عن الدين. لقد زعم أن الإسلام يرى أن الطبيعة قد حافظت على سماتها منذ أن خلقها الله، أي: إنها تحتوي الآن على نفس الأجرام السماوية وأنواع الحيوانات والنباتات التي كانت موجودة فيها منذ اليوم الأول لخلقها. مع أن هذا افتراء صريح على الدين، تكذبه بالنصوص القرآنية، ولست أدري من أين جاء بهذه المفاهيم فألصقها الدين؟ لما تحدث القرآن عن فئة الحيوانات التي خلقها الله لركوب الإنسان، وليتخذها زينة له، ألحقها بقوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ بصيغة الفعل المضارع التي تدل على الحال والاستقبال، للدلالة على أن عمليات التجديد في الخلق الرباني للأشياء مستمرة غير منقطعة، قال الله ﵎ في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) : ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . أليس في هذا إعلاناً صريحاً مخالفاً لما زعم (د. العظم) من أن الدين يقرر أن الطبيعة قد حافظت على سماتها من أن خلقها الله. وبالنسبة إلى الأجرام السماوية لا نجد في النصوص الإسلامية ما يدل على هذا الذي افتراه (العظم) على المفاهيم الإسلامية، بل في النصوص ما يدل على خلاف ذلك، قال الله تعالى في سورة (الذاريات/٥١ مصحف/٦٧ نزول) : ﴿وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ . فكلمة (موسعون) في الآية تشير إلى أعمال التوسعة المتجددة في السماء، وذلك لأن هذه الكلمة من صيغ اسم الفاعل، صيغة اسم الفاعل بقوة المضارع من جهة الدلالة، هي للتعبير عن الحال أولاً ثم عن الاستقبال.

стр. 91

أفلا نجد أن الأمانة الفكرية التي تظاهر (د. العظم) بالغيرة عليها ذبيحة بسكين غَدرِه، وختلة ومخادعته، ومغالطاته، وافتراءاته؟ ومثله سائر الملحدين. لقد غدا معروفاً تماماً أنهم يطلقون بعض العبارات الشريفة للتضليل فقط، وهم لا يلتزمون أي مضمون من مضامينها الصحيحة. أما قوله: إن النظرية العلمية لا تعترف بالخلق من لا شيء. فهو يُشيرُ بهذا إلى نظرية (لافوازيه) التي تقول: لا يخلق شيء من العدم المطلق ولا يعدم شيء وإنما هي تحولات من مادة لطاقة، أو من طاقة لمادة، أو من مادة لمادة. وحين ندقق النظر في أصول ما قرره (لافوازيه) نجد أنها تتحدث عن مجال معين ذي أبعاد، وليس في مستطاعها أن تتحدث عن كل الوجود في كل أبعاده من الأزل إلى الأبد، فهذا أمر لا تستطيع تقريره أية نظرية استقرائية مهما بلغ شأنها، إلا أن يكون كلامها رجماً بالغيب، وتكهناً لا سند له، وطرحاً تخيلياً محضاً. وأبعاد نظرية (لافوازيه) هذه ثلاثة: الأول: البعد الزمني. الثاني: البعد المكاني. الثالث: البعد الإدراكي. وهنا نتساءل: هل رصد واضعو هذه النظرية العلمية ومقرروها أجزاء الكون في كل الأزمان، بما فيها الأزمان السحيقة في القدم، وعرفوا منها أنه لم يخلق في الأزمان القديمة جداً شيء من العدم؟ والجواب: أنهم لم يفعلوا ذلك لأنه لا يتسنى لهم بحال من الأحوال، وهم أبناء النهضة العلمية الحديثة، على أن الأدلة العلمية التي سبق بيانها قد أثبتت أن لهذا الكون بداية، وهذا يعني أنه لم يكن ثم كان، فهو إذن مخلوق من العدم، بقدرة خالق موجود أزلي. فهذه النظرية لا تتحدث عن الانطلاقة الأولى للكون، لأن أياً من الأجهزة

стр. 92

العلمية لا تستطيع أن تسترجع الأزمان السحيقة وترصد الكون فيها، وكذلك لا تستطيع النظرات التحليلية الاستنتاجية أن تحكم على ماضي الكون وانطلاقته الأولى، بالقياس على واقعه النظامي الذي نشاهده في الحاضر، لاحتمال الاختلاف البيِّن بين نقطة البدء وبين ما يأتي بعدها من حالات نظامية مستمرة. فنظرية (لافوازيه) لا تتناول بحال من الأحوال الزمن الأول لبداية الكون، ومجالها يأتي في الأزمان التي يترجح فيها قيام النظام الكوني الذي درسته هذه النظرية، وبهذا يتبين لنا أن التعميم الزمني فيها الشامل لكل أزمان الماضي غير صحيح. ثم نتساءل ثانياً: هل رصد واضعو هذه النظرية العلمية ومقرروها أجزاء الكون في مستقبل ما يأتي من الأزمان، وثبت لهم من رصدهم أنه لا يمكن أن يخلق شيء من العدم، ولا يمكن أن يعدم شيء موجود؟ ولكن كيف يتسنى لهم رصد المستقبل وهم لا يملكون استقدامه؟ جلُّ ما يملكونه قياس المستقبل على الحاضر والماضي، بشرط استمرار نظام الكون القائم، ولا يستطيعون أن يحكموا على الكون بأنه لا يمكن أن يتغير نظامه الكلي، فتأتيه حالة من الحالات يمسي فيها عدماً، أو تنعدم بعض أجزاء منه، أو تضاف إليه أجزاء لم تكن هيئتها ولا مادتها فيه، فهذا حكم لا سبيل إليه، إنه حكم مجهول، والحكم على المجهول باطل. فنظرية (لافوازيه) تنطبق على هذا الكون بشرط استمرار نظامه القائم، وهي لا تحكم على المستقبل حكماً قاطعاً باستحالة تغير هذا النظام، ولكن ما دام هذا النظام الكوني قائماً، فإن ضابطه أن جميع ما يجري من مدركات فيه إنما هو من قبيل التحولات، وبهذا يتبين لنا أن التعميم الزمني فيها الشامل لكل أزمان المستقبل غير صحيح. هذا ما يتعلق بتحديد البعد الزمني للنظرية، أما تحديد البعد المكاني لها فنقول فيه: هل رصد واضعو هذه النظرية ومقرروها هذا الكون في كل أبعاده المكانية؟

стр. 93

ألا يحتمل وجود مكان سحيق فيه لم يرصدوه ولم يعرفوا ما فيه؟ أفيحكمون عليه إذن حكماً غيابياً قياساً على ما رصدوه منه في الأمكنة التي استطاعت أن تبلغ إلى مداها أجهزتهم وملاحظاتهم؟ إن هذا الحكم الغيابي مع جهالة الخصائص والصفات حكم باطل، وهذا طبعاً لا يعني ضرورة مخالفة الغائب للحاضر، ولكن لا يعني أيضاً لزوم موافقته. فلا بد إذن من تحديد مكان النظرية بالأبعاد المكانية التي كانت مجال الملاحظة والقياس والأجهزة، مع التجاوز بصحة قياس ما شابهها عليها، مما لم يخضع للملاحظة المباشرة. وهكذا يظهر لنا تحديد البعد المكاني لهذه النظرية، وهو أمر تقتضيه الدراسة المنطقية الحيادية، وتوجيه الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة، وهذا هو الأمر الذي يتظاهر (د. العظم) بالتحمس له، وبالغيرة عليه. أما تحديد البعد الإدراكي للنظرية فيتلخص بأن النظرية قد اعتمدت على ملاحظة عالم الشهادة من الكون المنظور المدرك، أما عالم الغيب الذي لا تصل إليه الإدراكات الإنسانية المباشرة أو عن طريق الأجهزة، فهو عالم خارج بطبيعته عن مجال النظرية، لذلك فإنها لا تستطيع أن تحكم عليه، لأن حكمهما عليه هو من قبيل الحكم على الغائب المجهول في ذاته وفي صفاته. جُلُّ ما تستطيعه النظريات في هذا المجال هي أن تعلق أحكامها تعليقاً كلياً، أو تصدر أحكاماً مشروطة احتمالية غير جازمة، وهذا ما تقتضيه الدراسة العلمية المنطقية الحيادية، وتوجبه الأمانة الفكرية في البحث الجاد عن المعرفة والحقيقة. وهكذا ظهر لنا أن نظرية (لافوازيه) لم تتناول من الكون إلا مقطعاً محدود الأبعاد الثلاثة: البعد الزماني، والبعد المكاني، والبعد الإدراكي، وهذا المقطع هو مجال ملاحظتها. يضاف إلى كل ذلك أن وجود الحياة في المادة لم يقترن بأي دليل تجريبي يثبت تحول المادة غير الحية إلى مادة حية، عن طريق التولد الذاتي، رغم كل التجارب العلمية التي قامت في عالم البحث العلمي حتى الآن.

стр. 94

لذلك نلاحظ أن الآراء العلمية في هذا المجال ترجع إلى أصول ثلاثة كبرى (١) : * الرأي الأول منها: ما قرره (أغاسيز) في كتابه (تصنيف العضويات) سنة (١٨٥٨م) إذ قرر أن كل نوع من الأنواع خلق بفعل خاص من أفعال القوة الخالقة، و (باستور) مكتشف جراثيم الأمراض على هذا الرأي. والقائلون بهذا الرأي قد استقر مذهبهم على "أن كل حي لا بد أن يتولد من حي مثله". * الرأي الثاني: الرأي الذي قال به (هيرمان أبير هارد ريختر) إذ رأى أن الفراغ الذي نراه مملوءاً بجراثيم الصورة الحية، كالجواهر الفردة التي تتكون منها المادة الصماء، كلامهما في تجدد مستمر، ولا يتطرق لهما العدم، وبنى قاعدته في أصل الحياة على "أن كل حي أبدي، ولا يتولد إلا من خلية". وهذا الرأي يتضمن أن تطورات المادة من المادة، وتطورات الحياة من الحياة. * الرأي الثالث: هو ما ذهب إليه الماديون من أن الحياة نشأت من المادة بالتولد الذاتي. وليس لهذا الرأي أي شاهد تجريبي، أو مستند عقلي، وقال بهذا الرأي الدكتور (باستيان) في إنكلترا، والأستاذ (هيكِل) في ألمانيا. بعد هذه النظرات العلمية المنطقية لنظرية (لافوازيه) وما يتعلق بها، يعترضنا سؤال حول النصوص الدينية، إذ نجد فيها استعمال كلمة (الخلق) ومشتقاتها بالنسبة إلى الأحداث والتغيرات التي توجد داخل مجال النظرية المذكورة، وداخل المقطع

стр. 95

المحدود الأبعاد الثلاثة الذي هو محل تطبيقها، أفلا يعتبر استعمال كلمة (الخلق) ومشتقاتها في مجال تطبيق نظرية (لافوازيه) مناقضاً أو معارضاً لمضمون هذه النظرية؟ وأمام هذا السؤال لا بد من الرجوع إلى استعمال كلمة (الخلق) ومشتقاتها في اللغة العربية وفي نصوص الشريعة الإسلامية. ولقد رجعنا فوجدنا أن هذه المادة اللغوية لا تعني دائماً الإيجاد من العدم المطلق، بل كثيراً ما تستعمل مراداً منها التحويل في الصفات والعناصر التركيبية من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع، ومن هيئة إلى هيئة، ومن خصائص إلى خصائص، دون زيادة شيء على المادة الأولى من العدم المطلق، وفي حدود هذا الاستعمال نجد قول الله تعالى في سورة (المؤمنون/٢٣ مصحف/٧٤ نزول) : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ من طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ . ففي كل صور الخلق هذه نشاهد عمليات التحويل من وضع إلى وضع، ومن حال إلى حال، ومن صورة إلى صورة، ومن خصائص إلى خصائص، وقد أطلق على هذه التحويلات أنها خلق، باعتبار أن القدرة الربانية هي المتصرفة في كل هذه التحويلات. وجاء في القرآن إطلاق الخلق على تغيير هيئة الطين وجعله على صورة طير، نظراً إلى أن الخلق لا يستدعي دائماً أن يكون إيجاداً من العدم، وذلك في قول الله لعيسى ﵇ كما جاء في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي ... ﴾ . وبما أن كل التغييرات الكونية إنما تجري بإرادة الله وقدرته، فهي ظواهر لأعمال الخلق التي يقوم بها جل وعلا.

стр. 96

فعلى التسليم الكامل بنظرية (لافوازيه) ضمن حدودها، لا نجد تعارضاً بينها وبين المفاهيم الدينية التي دلت عليها النصوص الصحيحة الصريحة. لكن مثل هذه الحقائق لا تسر الملحدين، لأنهم حريصون جداً على أن يظفروا بتناقض ما بين العلم والدين، حتى يتخذوا ذلك ذريعة لنقض الدين من أساسه. ولن يظفروا مهما أجهدوا نفوسهم، وستبوء كل مساعيهم بالفشل والخيبة، لأن القرآن حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من عزيز حميد، عليم بكل شيء، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة من السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. (٤) مغالطة بطمس الشهادات المؤمنة للعلماء الماديين طمس الناقد (د. العظم) كل شهادة مؤمنة قالها عالم من علماء النهضة العلمية الحديثة، ولم يعرض من أقوال هؤلاء على كثرتهم إلا شيئاً مما جاء في مقال الفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس) الذي كتبه تحت عنوان "إرادة الاعتقاد". وذلك لأن هذا الرجل يرى في مقاله أن البينات العلمية والأدلة العقلية غير كافية بحد ذاتها للبرهان على وجود الله أو عدم وجوده، لذلك يحق للإنسان أن يتخذ موقفاً من هذه المعضلة يتناسب مع عواطفه ومشاعره. لقد رآه (د. العظم) أضعف المتجهين إلى جانب الإيمان بالله والمستدلين له، فاستشهد بكلامه، ليجعله الممثل الوحيد لفئة المؤمنين، في الحوار المغلق الذي رتب بنفسه فصوله كما راق له، لينصر قضية الإلحاد بالله، وليوهم أن ما قاله (جيمس) هو أقصى ما يحتج به المؤمنون. وإمعاناً في التضليل يصور للقارئ أن كل ثقل العلم الحديث يخدم قضية الإلحاد، مع أن العلم الحديث كله لا يملك دليلاً صحيحاً واحداً يستطيع أن يثبت عدم وجود خالق مبدع لهذا الكون.

стр. 97

ويستشهد بقطعة أدبية للفيلسوف الإنكليزي (برتراند رسل) تحت عنوان: "عبادة الإنسان الحر"، إذ يصور فيها تفسيرات الملحدين لنشأة الكون وتطوره، ونشأة الحياة وتطورها، وأصل الإنسان ونشأته وتطوره، ونشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها، وينكر الآخرة وما فيها من إقامة العدل الإلهي إذ يصور أن الكون بدأ من السديم وهو إلى السديم يعود. وفي غضون كلامه يعتبر من الحقائق العلمية المسلَّم بها نظرية (ماركس) في الاقتصاد والتفسير المادي للتاريخ، ونظرية (فرويد) في السلوك الإنساني والتفسير الجنسي، ونظرية (داروين) في أصل الأنواع، ويمجد هؤلاء الثلاثة، وهو يعلم أن ماركس وفرويد يهوديان وأن معظم ما قدماه من أفكار إنما كان لخدمة اليهودية العالمية، ومحاربة الدين، وأن القيادات اليهودية قد دعَّمت الدارونية وعملت على نشرها والدعاية لها لارتباط أهدافها السياسية بنشر الإلحاد، ولقد أسقطت التجارب والعلوم بحمد الله أفكار ماركس، وفرويد، وداروين. ويعيب على بعض المدافعين عن الدين بأنهم يقدمون أقوالاً تقريرية غير مقترنة بأدلة، ويأتي هو لدعم مذهبه الإلحادي بقصة أدبية كتبها الملحد الإنكليزي (برتراند رسل) ويعتبر هذه القصة هي السند الأمثل للتحقيق العلمي في قصة الخليقة. وهل أصبحت هذه القطعة الأدبية هي التحقيق العلمي العظيم لقصة الوجود كله، التي بدأت بالسدين وستنتهي إلى السديم، وفق النظرات التي يرجحها أصحابها دون مستندات علمية صحيحة، ودون براهين معتبر وفق المنهج العلمي السليم؟ أنَّى لواضعي هذه النظرية أن يشهدوا بداية الكون؟ وكيف يتسنى لهم مشاهدة نهايته؟ يرى كاتب القصة أن السديم الحار دار عبثاً في الفضاء عصوراً لا تعد ولا تحصى، ثم نشأت عن هذا الدوران هذه الكائنات المنظمة البديعة بطريق المصادفة، وأن اصطداماً كبيراً سيحدث في هذا الكون يعود به كل شيء إلى سديم كما كان أولاً.

стр. 98

ويعلق (د. العظم) على هذه القصة الخيالية التي سماها قطعة أدبية جميلة، فيقول في الصفحة (٢٦) . " هذا المقطع الذي كتبه (رسل) يلخص لنا بكل بساطة النظرة العلمية الطبيعية للقضايا التالية: نشوء الكون وتطوره، نشوء الحياة وتطورها، أصل الإنسان ونشأته وتطوره، نشوء الديانات والعبادات والطقوس وتطورها، وأخيراً يشدد على أن النهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم، ولا أمل لكائن بعدها بشيء، إنه من السديم وإلى السديم يعود". وهكذا وبكل بساطة يعتبر (العظم) هذه الأمور حقائق مقررة مسلماً بها علمياً، دون أن تقترن بأي إثبات لها، أهذا هو مستوى الأمانة الفكرية عنده؟ أهذا هو المنهج العلمي السليم؟ ما أبعد المناهج العلمية عن القصص التقريرية، التي تنسجها أخيلة الكتاب والأدباء والشعراء، أو أخيلة واضعي النظريات لأغراض معينة!! ثم استشهد (د. العظم) بكلام آخر قاله (رسل) فقال في الصفحة (٢٧) : "وفي مناسبة أخرى عندما سئل (رسل) : هل يحيا الإنسان بعد الموت؟ أجاب بالنفي، وشرح جوابه بقوله: عندما ننظر إلى هذا السؤال من زاوية العلم وليس من خلال ضباب العاطفة نجد أنه من الصعب اكتشاف المبرر العقلي لاستمرار الحياة بعد الموت، فالاعتقاد السائد بأننا نحيا بعد الموت يبدو لي بدون أي مرتكز أو أساس علمي". أهكذا ترفض الحقيقة التي جاء بيانها بالأخبار الصادقة عن الله، بمجرد الاستبعاد؟ حينما يسمع المؤمن بالإسلام جواب هذا الفيلسوف الإنكليزي عن الحياة بعد الموت، فلا بد أن تسترجع ذاكرته الجواب الجاهلي الذي كان يجيب به كفار العرب البدائيون، إذ قالوا كما حدثنا القرآن عنهم في سورة (ق/٥٠ مصحف/٣٤ نزول) :

стр. 99

﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ وجوابهم الآخر الذي جاء في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) : ﴿وَقَالُو?اْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ وهنا يبدو لنا بوضوح إن الإنكار هو الذي لا يرتكز على أساس علمي، إنما يعتمد على مجرد التقرير للنفي، أو استبعاد فكرة البعث بإطلاق عبارات التعجب. على أن الإيمان بالحياة بعد الموت للحساب والجزاء لا بد أن يعتمد على أساس الإيمان بالله، فإثارة هذه العقيدة دون أساس الإيمان بالله هي من قبيل الاشتغال بالفروع قبل الاتفاق على الأصول، وهذا لا يؤدي إلى نتيجة صحيحة، فإذا تم التسليم بعقيدة الإيمان بالخالق جلَّ وعلا جاء من بعدها عرض أدلة البعث. وعندئذ يمكن أن تأتي الأدلة العقلية التي نبَّه القرآن عليها، منها قول الله تعالى في سورة (يس/٣٦ مصحف/٤١ نزول) : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي? أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ . وحين قلت: إن (العظم) في الحوار المغلق الذي صنعه قد جعل الفيلسوف الأمريكي (وليم جيمس) هو الممثل الوحيد للمؤمنين من علماء النهضة العلمية الحديثة، إذ رأى حجته أضعف حجج المتجهين إلى جانب الإيمان بالله، ليوهم أن ما قاله (جيمس) هو أقصى ما يحتج به المؤمنون، فإنني قلت هذا وفي جعبتي أقوال كثيرة مؤمنة قالها عدد كبير من علماء النهضة العلمية الحديثة، وهي تشتمل على أدلة وقرائن علمية، جعلتهم يؤمنون بالله خالق هذا الكون. وفيما يلي عرض لطائفة من أقوال هؤلاء العلماء وشهاداتهم العلمية، أكشف بها للمخدوعين من أبناء هذه الأمة وقائع التزوير والمغالطات التي يصطنعها الملحدون الأجراء.

стр. 100

وهذه الشهادات من أقوال علماء النهضة العملية الحديثة تكشف عن الأسباب العلمية التي جعلتهم يؤمنون بالله: (أ) يقول البروفيسور (إيدوين كونكلين) : "إن القول بأن الحياة وجدت نتيجة (حادث اتفاقي) شبيه في مغزاه بأن نتوقع إعداد معجم ضخم نتيجة انفجار يقع في مطبعة على سبيل المصادفة". أي: لا يمكن للمصادفة أن توجد هذا الكون ذا النظام المتقن الرائع، إذن فلا بد له من خالق خلقه وأتقنه. (ب) ويقول عالم الطبيعة الأمريكي (جورج إيرل ديفيس) : "لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإن معنى ذلك أنه يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحال سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الإله، وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الإله) ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيباً، إلهاً غيبياً ومادياً في آن واحد! إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي، وهو ليس بجزء من هذا الكون، بل هو حاكمه ومديره ومدبره، بدلاً من أن تبنى مثل هذه الخزعبلات". فهذا العالم الأمريكي من علماء الطبيعة يرى أن نظرات الملحدين هي من قبيل الخزعبلات، أو الخرافات التي ليس لها سند علمي ولا سند عقلي، وهذا هو شأن كل عالم منصف محايد. (ج) ولنسمع إلى رد (كريسي موريسن) الذي كان رئيس أكاديمية العلوم الأمريكية بنيويورك على الملحد (هيكل) إذ قال هذا الملحد متبجحاً: "إيتوني بالهواء وبالماء، وبالأجزاء الكيماوية، وبالوقت، وسأخلق الإنسان". أي: إن الإنسان كان نتيجة اجتماع عناصر خاصة على كيفية خاصة على سبيل المصادفة فرد عليه (موريسن) بقوله: "إن هيكل يتجاهل في دعواه الجينات الوراثية، ومسألة الحياة نفسها، فإن أول شيء سيحتاج إليه عند خلق الإنسان هو الذرات التي لا سبيل إلى مشاهدتها،

стр. 101

ثم سيخلق (الجينات) أو حملة الاستعدادات الوراثية، بعد ترتيب هذه الذرات، حتى يعطيها ثوب الحياة، ولكن إمكان الخلق في هذه المحاولة بعد كل هذا لا يعدو واحداً على عدة بلايين، ولو افترضنا أن (هيكل) نجح في محاولته فإنه لن يسميها مصادفة، بل سوف يقررها وبعدها نتيجة لعبقريته". وهكذا أظهر هذا العالم سخافة أقوال (هيكل) عن طريق الاستدلال العلمي. فالاستناد إلى فرضية المصادفة في تعليل وجود الكائنات المتقنة المنظمة لون من التخريف الفكري، القائم على إرادة التضليل فحسب، وليس مذهباً فكرياً تحيط به شبهات تزينه في عقول القائلين به، وهذا ما تدل عليه الشهادات العلمية المنصفة المحايدة، منها هذه الأقوال، ومنها أقوال أخرى ستطلع على طائفة منها فيما يأتي: (د) وقال عالم الأعضاء الأمريكي (مارلين ب. كريدر) : "إن الإمكان الرياضي في توافر العلل اللازمة للخلق عن طريق المصادفة في نِسَبِها الصحيحة هو ما يقرب من لا شيء". أي: إن احتمال المصادفة احتمال مرفوض رياضياً في تعليل عمليات الخلق المتقن المنظم. (هـ) ويقول أحد علماء الطبيعة: "إن العلم لا يملك أي تفسير للحقائق، والقول بأنها حدثت (اتفاقاً) إنما يعتبر تحدياً وتصادماً مع الرياضيات". (و) إن تعليلات نشأة الكون وتكامله بنظرية النشوء والارتقاء، إنما يلجأ إليها بعض العلماء الماديين هرباً من الاعتراف بالحقيقة الإلهية الكبرى، ولا يؤمنون بهذه النظرية اعتقاداً منهم بأنها حقيقة ثابتة مؤيدة بالبراهين القاطعة، وإنما يلجؤون إليها لأنه لا يوجد أي بديل لها سوى الإيمان بالله مباشرة. ويشهد لهذا ما كتبه (سير آرثر كيث) ، إذ يقول: "إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علمياً ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان،

стр. 102

ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو (الإيمان بالخلق الخاص المباشر) وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه". (ز) ويقول عالم بريطانيا الكبير (سير جيمس جينز) الذي يعتبر أكبر علماء العصر الحديث، في كتابه الشهير "عالم الأسرار": "إن في عقولنا الجديدة تعصباً يرجح التفسير المادي للحقائق". (ح) وذكر (ويتكر شامبرز) في كتابه "الشهادة" حادثاً كان من الممكن أن يصبح نقطة تحول في حياته. ذكر أنه بينما كان ينظر إلى ابنته الصغيرة استلفتت أذناها نظره، فأخذ يفكر في أنه من المستحيل أن يوجد شيء معقد ودقيق كهذه الأُذُن بمحض اتفاق، بل لا بد أنه وجد نتيجة إرادة مدبرة. لن (ويتكر شامبرز) طرد هذه الوسوسة عن قلبه حتى لا يضطر أن يؤمن -منطقياً- بالذات التي أرادت فدبرت، لأن ذهنه لم يكن على استعداد لتقبل هذه الفكرة الأخيرة. وهو مظهر من مظاهر التعصب المادي. ويقول الأستاذ الدكتور (تامس ديور باركس) بعد أن ذكر هذا الحادث: "إنني أعرف عدداً كبيراً من أساتذتي في الجامعة ومن رفقائي العلماء الذين تعرضوا مراراً لمثل هذه المشاعر، وهم يقومون بعمليات كيميائية وطبيعية في المعامل" (١) . ومن هذا يظهر لنا أن التعصب داء دوي صارف عن الحق، وأخطره وأقبحه ما يحمل صغبة العلم، ويتحلى بأثواب المعرفة. (ط) وجاء في كتاب "الله يتجلى في عصر العلم" ثلاثون مقالاً لثلاثين من كبار العلماء الأمريكيين، في الاختصاصات العلمية المختلفة من علوم الكون

стр. 103

السائدة في هذا العصر الحديث، وقد أثبت هؤلاء العلماء في مقالاتهم هذه وجود الله جلَّ وعلا، عن طريق ما وَعَوْه من الأدلة الكثيرة المنبثة في مجالات اختصاصاتهم العلمية. وفي هذا الكتاب يطلع القارئ على نوع من الأدلة العلمية، التي تفرض سلطانهم على العلماء الماديين، من خلال ملاحظاتهم وتجاربهم واختباراتهم العلمية، فتجعلهم يؤمنون بالله، ويجد فيه أيضاً الرد الكافي على مروجي الإلحاد، الذين يزعمون أن العلوم تبعد عن الإيمان بالله، وأن جميع أو معظم العلماء الكونيين ملحدون. ونلخص فيما يلي أبرز ما في هذه المقالات وأجوده: ١- المقالة الأولى: كتبها (فرانك ألن) ، عالم الطبيعة البيولوجية، تحت عنوان: "نشأة العالم هل هو مصادفة أو قصد؟ ". وقد جاء فيها قوله: "إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود فكيف نفسر وجوده ونشأته؟ هناك احتمالات أربعة للإجابة على هذا السؤال: ١- فإما أن يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال، وهذا يتعارض مع ما سلمنا به من أنه موجود. ٢- وإما أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم، وهذا مرفوض بداهة. ٣- وإما أن يكون هذا الكون أزلي الوجود ليس لنشأته بداية، وهذا الاحتمال يساوي ما يقوله المؤمنون بالله بالنسبة إلى أزلية الخالق، لكن قوانين الكون تدل على أن أصله وأساسه مرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو إذن حدث من الأحداث، ولا يمكن إحالة وجود هذا الحدث المنظم البديع إلى المصادفة عقلاً، ولذلك فهذا الاحتمال باطل أيضاً.

стр. 104

٤- وإما أن يكون لهذا الكون خالق أزلي أبدعه، وهو الاحتمال الذي تقبله العقول دون اعتراض، وليس يرد على إثبات هذا الاحتمال ما يبطله عقلاً، فوجب الاعتماد عليه". ولا بد أن يلاحظ القارئ أن استدلال هذا العالم القائم على الحصر العقلي هو في غاية القوة، فكيف يورط الملحدون أنفسهم، فينكرون وجود الله بعد أن أقام لهم سبحانه كل هذه الأدلة والشواهد على وجوده سبحانه؟ ألا يضعون في حسابهم احتمال صدق أخبار الرسل، وبها يعرضون أنفسهم للعذاب الخالد، دون أن يجنوا في مقابل ذلك أي ربح؟. ولكنها مواقف المعاندين، يرون الحقائق، ويرون مواقع العذاب، وتشتد عليهم النذر، ويصرون على مواقف العناد، ويحاولون تبرير موقفهم بالأكاذيب والمخادعات والتضليلات وألوان الزخرف من القول. ٢- المقالة الثانية: كتبها (روبرت موريس بيدج) ، عالم الطبيعة، وأول من اكتشف الرادار في العالم سنة (١٩٣٤م) ، وقد كتب هذه المقالة تحت عنوان: "اختبار شامل". وقد جاء فيه قوله: "وجدنا أناساً موهوبين يحدثوننا عن الغيب، يقولون إنهم رسل الله، وما حدثونا به قسمان: ١- قسم يقولون فيه: إن لهذا الكون خالقاً واحداً يجب الإيمان به. ٢- وقسم يخبروننا فيه عن بعض أمور الغيب التي ستحدث، أما القسم الثاني فقد وقع كما أخبرونا به بعد مئات السنين، وأبدت الأيام وأثبت التاريخ صدق هذه النبوءات جميعاً، وهي من الأشياء التي عجزت العلوم حتى اليوم أن تجد لها تفسيراً، فدل ذلك على صحة رسالتهم، وصدق أخبارهم، ووجب أن نصدقهم فيما أخبرونا به عن الله تعالى وصفاته، وهو القسم الأول، لأن عقولنا لا تمنع منه، بل عندنا من الشعور الداخلي ما يثبته".

стр. 105

ثم قال: "إن الإيمان بوجود الله من الأمور الخاصة التي تنبت في شعور الإنسان وضميره، وتنمو في دائرة خبرته الشخصية". فهذا العالم الذي اكتشف الرادار لأول مرة يدفعه إنصافه وحياده وأمانته الفكرية إلى إعلان إيمانه بالله، مع التواضع الكريم المعروف عند العلماء حقاً، وهكذا العلماء المتحلون بالأمانة الفكرية، كلما ازداد علمهم زاد تواضعهم وزادت كمالاتهم الخلقية، فلا يجحدون التوهم، ولا يستكبرون عن الاعتراف بالحقيقة، والإذعان لما يترجح لديهم من احتمالات وفق المنهج العلمي السليم. أما الجهلة المتبجحون بالعلم فإن الغرور بالنفس يدفع بهم إلى مواقف العجب والكبر، حتى يتطاولوا تطاول الحمقى، فيعلنوا جحودهم بخالقهم ورازقهم، استكباراً عن طاعته، وتطلعاً إلى التحرر من أوامره ونواهيه، تلبية لأهوائهم الجامحة، وشهواتهم الجانحة، أو خدمة لأسيادهم قادة المنظمات الإلحادية في العالم. ٣- المقالة الثالثة: كتبها (ماريت ستانلي كونجدن) ، وهو عالم طبيعي وفيلسوف، وعضو الجمعية الأمريكية الطبيعية، كتبها تحت عنوان: "درس من شجرة الورد". وقد جاء فيها ما خلاصته: ١- إن كثيراً من الأمور التي نسلم بها إنما نعتمد فيها على الاستدلال المنطقي. ٢- من أمثلة ذلك كثير من استنتاجاتنا اليومية في حياتنا العادية، والعلوم الفلكية التي ليس بيننا وبينها اتصال مادي مباشر، وبحوث الذرة، واستخدام قوانين الكتلة والطاقة، في استنباط صفات الذرة وتركيبها وخواصها، مع العلم بأن العلماء لم يروا الذرة حتى الآن بطريقة مباشرة، وقد أيدت القنبلة الذرية الأولى ما وصل إليه العلماء من قوانين ونظريات حول تركيب الذرة غير المنظور ووظائفها. ومن هذه الأمثلة وجود الله، فإننا نستطيع أن نصل إلى معرفته عن طريق الاستدلال المنطقي، الذي يقوم على تفسير النتائج بنظائرها أو مثيلاتها.

стр. 106

٣- برغم أن العلوم لا تؤيد وجود عالم غير مادي تأييداً كاملاً، لأن الدائرة التي تعمل فيها تقع في حدود المادة، فإنها لا تستطيع أن تنفي بصورة قاطعة وجود عوالم أخرى غير مادية وراء العالم المادي. ٤- نستطيع بطريقة الاستدلال والقياس بقدرة الإنسان وذكائه في عالم يفيض بالأمور العقلية أن نصل إلى وجوب وجود قوة مسيطر مدبرة تسير هذا الكون وتدبر أمره. ثم ختم مقاله بقوله: "إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه، ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم - نحن العلماء - بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته". ٤- المقالة الرابعة: كتبها (جون كليفلاند كوثران) وهو من علماء الكيمياء والرياضيات، ورئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة (دولث) ، كتبها تحت عنوان: "النتيجة الحتمية". بدأ الكاتب مقالته بكلمة (لورد كيلفن) وهو من علماء الطبيعة البارزين في العالم: "إذا فكرت تفكيراً عميقاً فإن العلوم سوف تضطرك إلى الاعتقاد بوجود الله". ثم جاء فيها ما خلاصته: ١- تنقسم العوالم إلى ثلاث أقسام: (أ) العالم المادي. (ب) العالم الفكري. (ج) العالم الروحي. ٢- إن التطورات الهامة التي تمت في جميع العلوم الطبيعية خلال السنين المئة الأخيرة، بما في ذلك الكيمياء، قد حدثت بسبب استخدام الطريقة العلمية في دراسة المادة والطاقة، وعند استخدام هذه الطريقة تبذل كل الجهود للتخلص

стр. 107

من كل احتمال من الاحتمالات الممكنة التي تجعل النتيجة التي تصل إلهيا راجعة إلى محض المصادفة. ٣- أسهب الكاتب في الأمثلة العلمية عن طريق الكيمياء، ليكشف أن سلوك أي جزء من أجزاء المادة مهما صغر، لا يمكن أن يكون سلوكاً عشوائياً ناجماً عن المصادفة، بل كل شيء يسير وفق قانون يهيمن على سلوكه. ٤- ثم قال الكاتب: "فهل يتصور عاقل أو يفكر أو يعتقد أن المادة المجردة من العقل والحكمة قد أوجدت نفسها بنفسها بمحض المصادفة؟ أو أنها هي التي أوجدت هذا النظام وتلك القوانين ثم فرضتها على نفسها؟ لا شك أن الجواب سيكون سلبياً. وتدلنا الكيمياء على أن بعض المواد في سبيل الزوال والفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة، والآخر بسرعة ضئيلة، وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية، ومعنى ذلك أيضاً أنها ليست أزلية، إذ إن لها بداية. وتدل الشواهد من الكيمياء وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة ولا تدريجية، بل وجدت بصورة فجائية. وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه المواد، وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقاً، وهو منذ أن خُلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة، ليس لعنصر المصادفة بينها مكان. فإذا كان هذا العالم المادي عاجزاً عن أن يخلق نفسه، أو يحدد القوانين التي يخضع لها فلا بد أن يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي، متصف بالعلم والحكمة". وهكذا العلماء المنصفون، فما أروع العالم حينما يدفعه علمه وحياده وإنصافه إلى الاعتراف بالحقيقة، ولو كانت تخالف هواه وتشهياته، أو تحد من حريته، أو تلزمه بأن يتواضع ولا يستكبر! وما أبعد الملحدين عن مثل هذا الموقف الكريم!

стр. 108

٥- المقالة الخامسة: كتبها (إدوارد لوثر كيسيل) ، أستاذ الأحياء ورئيس القسم بجامعة سان فرانسيسكو، وهي بعنوان: "فلننظر إلى الحقائق دون ميل أو تحيز". وقد جاء في هذه المقالة ما خلاصته: ١- أضاف البحث العلمي خلال السنوات الأخيرة أدلة جديدة على وجود الله، زيادة على الأدلة الفلسفية التقليدية. ٢- لقد عمت بلادنا في السنوات الأخيرة موجة من العودة إلى الدين، ولم تتخط هذه الموجة معاهد العلم لدينا. لا شك أن الكشوف العلمية الحديثة التي تشير إلى ضرورة وجود إله لهذا الكون، قد لعبت دوراً كبيراً في هذه العودة إلى رحاب الله والاتجاه إليه. ٣- يرى البعض أن الاعتقاد بأزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد بوجود إله أزلي، ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي، فالعلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً، ولا يقتصر ما قدمته العلوم على إثبات أن لهذا الكون بداية، فقد أثبتت فوق ذلك أنه بدأ دفعة واحدة منذ خمسة بلايين سنة، والواقع أن الكون لا يزال في عملية انتشار مستمر تبدأ من مركز نشأته. ٤- لو أن المشتغلين بالعلوم نظروا إلى ما تعطيهم العلوم من أدلة على وجود الخالق بنفس روح الأمانة والبعد عن الحيز الذي ينظرون به إلى نتائج بحوثهم، ولو أنهم حرروا عقولهم من سلطان التأثر بعواطفهم وانفعالاتهم، فإنهم يسلمون دون شك بوجود الله، وهذا هو الحل الوحيد الذي يفسر الحقائق، فدراسة العلوم بعقل متفتح سوف تقودنا دون شك إلى إدراك وجود السبب الأول الذي هو الله". وهكذا أثبت هذا العالم من علماء الأحياء ما توصل إليه بالبحث العلمي المحايد من ضرورة التسليم بوجود الخالق جلَّ وعلا، نظراً في الظواهر الكونية التي ترشد إلى حقائق علمية وراءها، وأثبت أن موجة من العودة إلى الإيمان بالله تعم

стр. 109

معاهد العلم في بلاده. ٦- المقالة السادسة: كتب هذه المقالة (وولتر أوسكار لندبرج) ، عالم الفسيولوجيا والكيمياء الحيوية وعميد معهد هورمل منذ سنة (١٩١٩م) ، والمقالة بعنوان: "استخدام الأسلوب العلمي". وقد جاء فيها ما خلاصته: ١- أرجع هذا العالم في مقاله إخفاق بعض العلماء في فهمهم وقبولهم لما تدل عليه المبادئ الأساسية، التي تقوم عليها الطريقة العلمية من وجود الله والإيمان به إلى أسباب لا صلة لها بالبحث العلمي وخص بالذكر منها سببين اثنين: السبب الأول: ما تتبعه بعض الجماعات أو المنظمات الإلحادية أو الدولة من سياسة معينة ترمي إلى شيوع الإلحاد ومحاربة الإيمان بالله، بسبب تعارض عقيدة الإيمان بالله مع صالح هذه الجماعات أو مبادئها (١) . السبب الثاني: المعقدات الفاسدة التي تجعل الناس منذ الطفولة يعتقدون بإله على صورة إنسان (٢) وعندما تنمو العقول بعد ذلك، وتتدرب على استخدام الطريقة العلمية فإن تلك الصورة التي تعلموها منذ الصغر لا يمكن أن تنسجم مع أسلوبهم في التفكير، أو مع منطق مقبول، وأخيراً عندما تخيب جميع المحاولات في التوفيق بين تلك الأفكار الدينية القديمة، وبين مقتضيات المنطق والتفكير العلمي، نجد هؤلاء المفكرين يتخلصون من الصراع بنبذ فكرة الله كلية، ومن ثم فلا يحبون العودة إلى التفكير في هذه الموضوعات التي تدور حول وجود الله (٣) .

стр. 110

٢- ثم وجه كاتب المقال إلى الاعتماد في الإيمان بالله على أساس روحاني، وأوضح أن الإيمان بالله مصدر لسعادة لا تنضب في حياة كثير من البشر. ٣- ثم قال: أما المشتغلون بالعلوم الذين يرجون الله فلديهم متعة كبيرة يحصلون عليها كلما وصلوا إلى كشف جديد في ميدان من الميادين، إذ أن كل كشف جديد يدعم إيمانهم بالله ويزيد من إدراكهم وإبصارهم لأيادي الله في الكون". ٧- المقالة السابعة: كتبها (بول كليرانس إبرسولد) ، وهو أستاذ الطبيعة الحيوية، ومدير قسم النظائر والطاقة الذرية في معامل (أوج ريدج) وعضو جمعية الأبحاث النووية والطبيعية النووية، وهذه المقالة تحت عنوان: "الأدلة الطبيعية على وجود الله". وقد جاء فيها ما خلاصته: ١- بدأ هذا العالم الطبيعي مقالة بكلمة للفيلسوف الإنكليزي (فرانس بيكون) التي قالها منذ أكثر من ثلاثة قرون: "إن قليلاً من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد، أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين"، ثم أيد كلمة هذا الفيلسوف بالشرح. ٢- استدل على وجود الله تعالى بدليل اتفاق الناس في الشعور المشترك بوجوده فقال: وقد لمس الناس عامة -سواء بطريق فلسفية عقلية أو روحانية- أن هناك قوة فكرية هائلة ونظاماً معجزاً في هذا الكون يفوق ما يمكن تفسيره على أساس المصادفة، أو الحوادث العشوائية التي تظهر أحياناً بين الأشياء غير الحية، التي تتحرك أو تسير على غير هدى، ولا شك أن اتجاه الإنسان وتطلعه إلى البحث عن عقل أكبر من عقله وتدبير أحكم من تدبيره وأوسع، لكي يستعين به على تفسير هذا الكون، يعد في ذاته دليلاً على وجود قوة أكبر وتدبير أعظم، هي قوة الله وتدبيره، وبرغم أننا نعجز عن إدراكه إدراكاً كلياً أو وصفه وصفاً مادياً، فهنا ما لا يحصى من الأدلة
следующие страницы →