الثاني: كون اليهود أقلية، لأن الشعور الجماعي كي يكون كاملاً فيما يُقرر يقتضي بتوجيه العداء نحو الأقلية.
* الصنف الثاني:
ما أسماه (فرويد) بالأسباب العميقة، وزعم أنها ترجع إلى الماضي السحيق، وأنها منبعثة من اللاشعور، وهي في رأيه تتلخص فيما يلي:
١- غير الشعوب الأخرى من اليهود، لأنهم آثرُهم عند الله، بوصفهم أكبر أبناء الله.
٢- تمسك اليهود بعادة الختان.
٣- أن الشعوب غير اليهودية لما تركت وثنياتها الأولى تحت قوة الضغط حقدت على أديانها الجديدة في مستوى اللاشعور منها، فأسقطت حقدها على اليهود، لأنها لا تستطيع أن تكره دينها الجديد.
هذه هي التحليلات النفسية التي أرجع إليها (فرويد) كراهية الأمم غير اليهودية لليهود.
وفي اعتقادي أن أي عاقل لا يملك نفسه عن ضحكات ساخرات من هذا التحليل، ومن هذه الأسباب التي ذكرها.
أما زعمه أن من أسباب كراهية الأمم لليهود كونهم غرباء عن الأوطان التي يقيمون فيها، فهو مردود من وجهين:
الوجه الأول: أننا نجدهم مكروهين ولو كانوا هم الأصلاء لا الغرباء.
الوجه الثاني: أننا نجد كثيراً من الغرباء في الشعوب محبوبين محترمين غير مكروهين.
فليست الغربة إذن من أسباب كراهية الأمم لهم، إلا أن ينضم إليها شيء آخرُ من اليهود أنفسهم، كالاستغلال والأنانية وعقدة الاستعلاء وحقدهم هم على الأمم.
وأما زعمه أن من أسباب كراهية الأمم لليهود كونهم أقلية، فهذا خلاف
стр. 212
الواقع تماماً، بل هو عكس الواقع تماماً، إذ الواقع أن العداء يتوجه من الأقلية إلى الأكثرية بدافع الحسد، وليس العكس.
فليست الأقلية من أسباب كراهية الأمم لهم، إلا أن ينضم إليها شيء آخرُ من الأقلية نفسها، كمكايد تكيدها، واستغلالات تستأثر بها، وعقدة استعلاء تفتخر بها.
فالكراهية سببها اليهود أنفسهم، وأعمالهم داخل الأمم التي يعيشون بينها.
وأما ما ذكره من الأسباب العميقة فشيء مضحك جداً جداً.
أما غيرة الشعوب الأخرى من اليهود لأنهم آثرهم عند الله بوصفهم أكبر أبنائه، فلا أحد يعترف لهم بهذه الميزة حتى يغار منهم، ولكن الحسد والغيرة من سمات اليهود منذ تاريخهم القديم.
وأما تمسك اليهود بعادة الختان فمع بالغ السخرية نقول: إن غير اليهود يختتنون أيضاً، والأمم الأخرى لا تكرههم لذلك.
وأما حقد الأمم على أديانها في مستوى اللاشعور، وإسقاط حقدها على اليهود، فتحليل خيالي خرافي لا نظير له إلا في مستشفى المجانين.
فهل يوجد سخف أكبر من هذا السخف الفرويدي باسم التحليل النفسي، لدعم اليهودية العالمية؟!!.
(٧)
ثم إذا تجاوزنا كل ما سبق، ونظرنا إلى نظرية (فرويد) في التحليل النفسي نظرة موضوعية غير متحيزة، فإننا لا نجد فيها ما يبرر للناقد (د. العظم) أن يمجدها ويقول عنها: إنها من أهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية في مجال الدراسات النفسية.
أما فكرة تحليل دوافع الأنفس إلى السلوك فهي فكرة إنسانية قديمة، وليست هي بحد ذاتها من مبتكرات (فرويد) إلا أن هذا الرجل قد أفرط في السبح الخيالي
стр. 213
في تحليل تصرفات الإنسان، إفراطاً حشد فيه أوهاماً وفرضيات أقرب ما تكون إلى التخريف المطلق منها إلى الدراسة العلمية الموضوعية.
بيد أنه باتجاهه نبه الباحثين النفسيين على البحث الموضوعي في مجال التحليلات النفسية، حتى تكونت مدارس التحليل النفسي في عالم العلم، وأصبحت مدرسة فرويد اليهودية في نظر العلماء بدائية متخلفة جداً. والسر في هذا أن فرويد كان مسخراً أساساً لمحاربة الأديان، وتهديم القيم الأخلاقية والاجتماعية، وقد فرضت عليه الخطة اليهودية العالمية أن يضع نظرية تتستر بالعلم لتحقيق هذه الغاية، فاستخدم التحليل النفسي طريقاً إلى ذلك، كما استخدم غيره من اليهود طرقاً أخرى تحت ستار البحث العلمي لتحقيق الغاية نفسها، وطبيعي أن تكون الدراسة العلمية الموجهة أساساً لإبطال حقيقة من الحقائق مُكرهة على أن تحمل في حقيبتها وعلى ظهرها أكداساً من التخيلات والأوهام والفروض التي لا سند لها من الواقع، ومُكره على أن تصوغ نظرية تجمع في لبناتها بعض الحقائق لإقامة بعض الزوايا، ثم تملأ سائر الثغرات بأوراق ملونة مصبوغة، تشبه في ظاهرها صورة لبن البناء وقواعده، وهي في حقيقتها وهم خداع تمزقه أية يد تمتد إليه بالفحص والبحث العلمي.
واقتبس هنا نقداً موضوعياً لمدرسة (فرويد) في التحليل النفسي، مما كتبه صديقنا الدكتور عبد الحميد الهاشمي، وهو نقد مؤلف من النقاط التالية:
١- إن آراء (فرويد) هي أولاً وقبل كل شيء نظرية افتراضية وليست من الحقائق النفسية أو المبادئ العلمية التي أثبتتها التجارب، أو صدَّقتها الملاحظة العلمية.
فليس لآراء (فرويد) تلك الهالة التي يحاول بعض مناصريها أن يُلبسوها ثوب الحقائق العلمية، أو كما تحاول بعض الجهات العالمية أن تحيطها بالدعاية.
٢- تعتبر هذه النظرية امتداداً لفلسفة أفلاطونية، إلا أن أفلاطون كان يحاول أن يسير بالنفس الإنسانية نحو المثالية، أما (فرويد) فقد تشبث - كما يقول تلامذته - بالدافع الجنسي، ليظل هو الدافع والوسيلة والغاية.
стр. 214
والواقع أن الصحة النفسية إذ تسعى للإشباع الشرعي المعترف به فإنها تدعو إلى الضبط والاتزان، لأن الحقيقة الفسيولوجية والنفسية تؤكد أن الإشباع الفوضوي المطلق يزيدها تفتحاً، وتصبح الشغل الشاغل، ومن أجل هذا فالصحة النفسية في مناهجها التكوينية والوقائية والعلاجية دعت إلى التسامي والإبدال، بجانب دعوتها إلى الإشباع المشروع.
٣- لقد تأثر فرويد في آرائه بالحالات الشاذة المرضية التي كان يعالجها في مرضاه، ويكمن الخطأ العلمي في التعميم الذي أطلقه فرويد، إذ أخذ يفسر السلوك المتزن العادي لدى الأسوياء في ضوء ما عاينه من السلوك الشاذّ لدى المصابين.
وهذه نقطة أخذها عليه زملاؤه وتلامذته في العلاج النفسي، وانفصلوا بها عن جماعته ثم عارضوا نظريته بنظريات أقاموها وعرفوا بها.
٤- تأثره واضح بالأساطير اليونانية، كقصة أديبوس.
ويعلق علهيا (روبرت ودورث) بقوه: "ولو بحثت عن رأيي الشخصي في سيكولوجيا فرويد لكان علي أن أقول: إنني لا أؤمن بأن يكون مذهبه صحيحاً بأي معنى مطلق. ولا أن يوضع في مصاف النظريات العلمية الكبرى، التي تربط المعرفة الراهنة. فإنها بكائناتها وثناياها تبدو متخلفة أكثر منها ناظرة إلى الأمام".
وإذا علمنا أن البروفسور (ودورث) يعتبر من رواد علم النفس الحديث فيما بعد الحرب العالمية الأولى في كتبه الكثيرة عن علم النفس التجريبي، وعلم النفس الديناميكي. ورياسته لعلم النفس في لجنة البحث القومي الأمريكي، ولهيئة علماء النفس الأمريكيين. إذا علمنا ذلك أدركنا أن آراء فرويد تمثل في تطور الدراسات النفسية مرحلة بدائية متخلفة لا ينبغي الوقوف عندها في مجال علم النفس الحديث.
٥- إن نظرية الفرويد تعكس الحياة المتناقضة الشاذة للمجتمع الغربي (الأوروبي) بعد النهضة الصناعية المادية، وانتشار الاختلاط المطلق، وشيوع الإباحية بشتى أسمائها، نتيجة الترف والغرور الأوروبي، في عنوان العهد الاستعماري.
стр. 215
فكانت نظرية فرويد انعكاساً أو تبريراً للواقع الشاذ، وليست دراسة علمية دقيقة تنظر إلى المشكلة من جميع أسسها.
٦- والخطأ العلمي النفسي الكبير أن نظرية فرويد تحاول تفسير السلوك الإنساني بنظرة جانبية جزئية. وذلك حين يحاول فرويد أن يحدد السلوك الإنساني بدافع جنسي.
ولقد قام لمناهضة هذا التفسير الجانبي والمتحيز عدة علماء نفسيين لهم وزنهم العلمي حتى يومنا هذا غير من تقدم ذكرهم، ولعل أعظمهم في ذلك (وليم مكدوجل) الذي قام لمناهضة هذا التفسير الضيق والمتحيز، في كتابه "تخطيط علم النفس" سنة (١٩٢٣م) ، وفيه يرد على كل من فرويد ويونج وكارل لتحديدهم دوافع السلوك البشري بدافع واحد أو اثنين.
أما مكدوجل فقد ذكر عدة دوافع سماها غرائز، وقد أوصلها بعد عدة تعديلات إلى عشرة غرائز أو تزيد. منها غريزة الأبوَّة في حماية الصغار، وغريزة المقاتلة مع انفعال الغضب وغريزة الهروب من الخطر مع انفعال مصحوب بالخوف، وغريزة حب الاستطلاع، وغريزة تقدير الذات مع الشعور بالتفوق، وغريزة البحث عن الطعام، وغريزة التجمع مع الشعور بالعزلة، وغيرها ...
٧- في آراء فرويد المتحيزة نحو التفسير الجنسي كدافع لكل سلوك يتجلى التفكير اليهودي، الذي اشتهر به اليهود منذ أيامهم الأولى، وفي اتهامهم لبعض أنبيائهم، وفي معاملتهم للأمم التي عاشوا معها، وهو تحيز مقصود ومخطط، خدمة للسياسة اليهودية العالمية بعيدة المدى.
فهل بعد هذا يسوغ لكاتب عربي أن يمجد آراء فرويد ونظريته، وأن يعتبرها كما ذكر (د. العظم) من أهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية في مجال الدراسات النفسية، إلا أن يكون أجيراً ذليلاً وخادماً مطيعاً للصهيونية العالمية؟
* ... * ... *
стр. 216
الفصل الثامن
صراع لنفي فرية النزاع بين الإسلام والعلم
стр. 217
(١)
أثار الناقد (د. العظم) ما أسماه مشكلة النزاع بين العلم والدين، وفسر الدين بقوله: "أي: الإسلام بصورة رئيسية بالنسبة لنا".
ثم أعلن أنه يريد أن يسترسل في شرح وجهة النظر التي ترى أن الدين كما يدخل في صميم حياتنا، وكما يؤثر في تكويننا الفكري والنفسي، يتعارض مع العلم ومع المعرفة العلمية قلباً وقالباً روحاً ونصاً.
ثم لوَّح بأن هذا الخط المحارب للدين الإسلامي سينتصر كما انتصر على العقلية الدينية التي كانت سائدة في أوروبا. بعد مرور قرنين ونصف من الحرب الطويلة بين العلم والدين هناك، فقال في الصفحة (٢١) من كتابه:
"يجب أن لا يغيب عن بالنا أنه مرت على أوروبا فترة تتجاوز القرنين ونصف القرن، قبل أن يتمكن العلم من الانتصار انتصاراً حاسماً في حربه الطويلة ضد العقلية الدينية الي كانت سائدة في تلك القارة، وقبل أن يثبت نفسه تثبيتاً نهائياً في تراثها الحضاري، ولا يزال العلم يحارب معركة مماثلة في معظم البلدان النامية، بما فيها الوطن العربي، علماً بأنها معركة تدور رحاها في الخفاء، ولا تظهر معالمها للجميع إلا بين الفينة والأخرى".
هذا ما قاله (د. العظم) بلسانه عن نفسه، وعن سائر كتائب ملحدي هذا العصر، ونحن نقول: لا ضير ولا خوف على الدين الإسلامي من هذه الحرب الشعواء التي يشنها الملاحدة المتسترون بالعلمانية، فالدين الإسلامي بمفاهيمه الصحيحة الثابتة، وأصوله الفكرية الراسخة لا يخشى العلم الصحيح الذي يستطيع أن يثبت نفسه بالأدلة الصحيحة عبر الزمان، وستسفر المعركة إن وجدت بين الإسلام والعلم عن التقاء تام على خط واحد بين الصحيح مما نسب إلى الدين،
стр. 218
والصحيح مما نسب إلى العلم، وانتصار الإسلام والمفاهيم الإسلامي على النظريات والفرضيات الباطلة المنسوبة إلى العلم، ولا ضير من تصحيح المفاهيم الاجتهادية التي فهمها بعض العلماء المسلمين في عصور مختلفة، إذا استطاع العلم أن يثبت صحة نظرياته المخالفة لهذه المفاهيم.
وليس هذا تراجعاً في الدين، وإنما هو تصحيح لأخطاء المجتهدين في تحديد بعض مفاهيمه، بما يتوصل إليه العلم من حقائق، ويظل الإسلام هو الدين الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو لا يتحمل بحال من الأحوال جريرة أخطاء المفسرين لنصوصه، والمجتهدين في استخراج مفاهيمه.
ومما لا شك فيه أن المسلمين يتعرضون في هذا لأخطر حرب تعرضوا لها في تاريخهم الطويل، إنها حرب قائمة على التضليل الفكري الذي يلبس أثواب العلمانية، وتقودها أجهزة شديدة الحذق في صناعة المكايد، وفي تزوير الحقائق العلمية، وتزييف مستنداتها، وفي يدها المال الكثير، والأجهزة العسكرية العظيمة، والمراكز التعليمية الكبرى في العالم، والتنظيمات الحزبية المنبثة في كل قطر، وهي لا تهدف إلى مجرد الاحتلال العسكري في خطة غزوها، ولكن تهدف أيضاً إلى احتلال الأفكار ومراكز العقائد، واحتلال النفوس ومراكز العواطف، وتشتري من داخل كل أمة صنائع وأجراء لها، ببذل المال، والوعود والإغراءات ومرضيات الشهوات الفاجرة.
ومع كل هذه الأثقال العتادية التي تحملها هذه الحرب ضد الإسلام والمسلمين فإننا واثقون من أن العقيدة الإسلامية والمفاهيم الإسلامية الصحيحة ستنتصر أخيراً، على كل الحملات الغازية، لأن الحق مؤهل بطبيعته لأن يكون هو المنتصر في آخر الأمر، وإن أصابته أثناء معاركه مع الباطل متاعب ومشقات، وإن سقط من جنوده شهداء كثيرون، ومهما بدا في أول الأمر ظهور مزيف للباطل، إن هذا الظهور زَبَدٌ لا قيمة له، وسيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض مع مكث الحقائق واستقرارها.
والتاريخ يشهد لهذه الحقيقة، فقد جاءت من قبل جيوش غازية إلى بلاد
стр. 219
المسلمين، ففتكت فتكاً ذريعاً، ودمرت تدميراً منكراً، ولكنها رجعت في آخر الأمر تحمل الإسلام في قلوبهم وفي سلوكها وأعمالها، لقد غزا الحق الرباني قلوبها ونفوسها وأفكارها، بعد أن دخلت غازية له تريد تحطيمه وتدمير كل ما يتصل به.
وكم من رجال مفكرين كانوا ملحدين بالله، تأثراً في مطلع حياتهم بأفكار الإلحاد، وبتضليلات المؤسسات الإلحادية في العالم، التي تلبس العلمانية، وتحمل أسلحة التقدم العلمي والصناعي، وشعارات الثورية والتغيير الاقتصادي والاجتماعي، ثم اتجه هؤلاء المفكرون نحو الإسلام لنقده واقتلاعه من جذوره، لكنهم كانوا في الواقع طلاب حقيقة، خدعوا بتزييفات المضللين، فلما درسوا الإسلام، وأمعنوا النظر في كتاب الله القرآن، ليستخرجوا منه ما يحاربونه به، إذا بهم يشهدون الحق فيخشعون لله وإذا بهم يجندون أنفسهم وعلومهم وفلسفاتهم للدفاع عن الإسلام، ولإعلاء كلمة الله بين الناس، وإذا بهم يتحولون إلى دعاة هدى وإيمان، بعد أن كانوا قد تجندوا فعلاً في جيش دعاة الضلالة والإلحاد.
وأما تلويح (د. العظم) بانتصار الإلحاد تحت ستار العلم، وقياسه الدين الإسلامي على غيره، وقياسه المسلمين على الشعوب الأوروبية، فهو تنبؤٌ منه يحمل تفاؤلاً مفرطاً لقضية الإلحاد ونشره في الأرض، واكتساحه للعقائد الإيمانية، وهذا الإفراط في التفاؤل يطمعه به بعض الانتصارات الزمنية التي حققها اليهود على الجيوش العربية، إذ استطاعت دسائسهم أن تعزل الإسلام والمسلمين الواعين عن المعركة.
وأما ما يسمى بالنظريات العلمية التي وضعت خصيصاً لدعم قضية الإلحاد في الأرض فهي نظريات زمنية، لا تلبث طويلاً حتى تأتي كشوفات علمية جديدة، ترافقها أوراق نظريات جديدة تلغيها إلغاءً تاماً، وتقترب النظريات الجديدة من مواقع الإيمان خطوات علمية سليمة، وتخسر قضية الإلحاد كثيراً من أسلحتها التي تلبس رداء التقدم العلمي والصناعي زوراً وبهتاناً، كما قال الله تعالى سورة (الصف/٦١ مصحف/١٠٩ نزول) :
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾
стр. 220
وأما انتصار قضية الإلحاد في أوروبا فقد شرح أسبابه (وولتر أوسكار لندبرج) عميد معهد هورمل منذ سنة (١٩١٩م) ، وخص بالذكر سببين:
الأول: ما تتبعه بعض الجماعات أو المنظمات الإلحادية، أو الدولة، من سياسة معينة ترمي إلى شيوع الإلحاد.
الثاني: المعتقدات الفاسدة التي تجعل الناس منذ الطفولة يعتقدون بإله على صورة الإنسان.
وطبيعي أن هذا السبب الثاني غير موجود في العقائد الإسلامية، لأنها قائمة على الحق الموافق للبراهين العقلية والأدلة العلمية.
ألا فليخفف (د. العظم) وسائر الملحدين من تفاؤلاتهم بانتصار قضية الإلحاد في دنيا المسلمين، فالله من ورائهم محيط، وليمت الملحدون بغيظهم إن شاؤوا، فالله متمٌّ ولو كرهوا.
(٢)
بكل مجازفة مشحونة بالمغالطة زعم الناقد (د. العظم) - لسان طائفة من ملحدي هذا العصر - أن الإسلام والعلم يختلفان ويتنازعان في المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى المعارف والعلوم، وفي البحث عن الحقائق.
وقد غدا واضحاً أن سبيله وسبيل سائر الملحدين في مغالطاتهم، أن يقرروا من عندهم أموراً ينسبونها إلى الإسلام، وما هي بالمفهوم الصحيح له، ليغالطوا الناس بها.
وقد أحصيت في الفصل الأول من هذا الكتاب أصول مغالطاتهم، وهي ترجع إلى تعميم أمر خاص، أو تخصيص أمر عام، أو ضم زيادات وإضافات ليست في الأصل، أو حذف قيود وشروط لازمة، أو التلاعب في معاني النصوص، أو طرح فكرة مختلقة من أساسها، أو تصيد بعض الاجتهادات الضعيفة لبعض العلماء وجعلها هي الإسلام، أو التقاط مفاهيم شاذة موجودة عند بعض الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، أو نسبة أقوال إلى غير قائليها أو إلى غير رواتها، أو كتمان أقوال
стр. 221
صحيحة وعدم التعرض إليها مع العلم بها وشهرتها، أو نحو ذلك مما يتصل بهذا التضليل القائم على التلاعب بالحقائق، بغية تهديم الإسلام وعقيدة الإيمان بالله، ودعم قضية الإلحاد ونشر الكفر والفساد في الأرض، وهم يخدمون في كل ذلك مصالح شياطين الإنس، مقابل أجر يدفع لهم من دمائهم ودماء أمتهم، كالهر الذي يلعق المبرد ليجزيه المبرد من قطرات الدم، وليست هذه القطرات إلا من دماء اللاعق، والتخدير الذي يحقن العدو به أعصابهم كفيل بأن يلغي الإحساس بالأمل، ريثما تتم عملية الاستنزاف.
ولبيان فساد فرية النزاع بين الإسلام والعلم نذكر القارئ بما جاء في الفصل الثاني من هذا الكتاب "الحقيقة بين الدين والعلم" ونزيده هنا بعض تفصيلات تستدعيها طبيعة الجدال والمناظرة.
لقد وضح لدينا بالبيان التحليلي التفصيلي أن الإسلام والعلم لا يختلفان ولا يتنازعان في المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى المعارف والعلوم، وفي البحث عن الحقائق، على خلاف ما افتراه الناقد (د. العظم) .
إن الإسلام والعلم الصحيح يسيران على منهج واحد في الوصول إلى المعارف والبحث عن الحقائق، حتى يصل البحث إلى منطقة عالم الغيب، فإذا وصل البحث إلى هذه المنطقة توقفت الوسائل الحسية وبقي المنهج الاستدلالي، وضمن المنهج الاستدلالي يبحثان وفق منهج واحد، وعند الخلاف المحتمل يبدو الفكر الإسلامي هو المرجح بأدلته الاستدلالية، وبمفاهيم نصوصه الآتية من عالم الغيب نفسه، ولا بد من مراعاة الأصول المنطقية العامة لدى فهم دلالات هذه النصوص.
ويظل حال التوافق بين الإسلام والعلم على المنهج الاستدلالي في مسيرة البحث عما في عالم الغيب من حقائق، حتى تنقطع الوسائل الاستدلالية، عندئذٍ يقول العلم: لقد انتهت رسائلي، ولكني لا أمانع احتمال وجود وسائل أخرى قد يأتي عن طريقها معارف وحقائق داخلة في عالم الغيب، وقد عجزت وسائلي الحسية والاستدلالية عن إدراكها، والحكم عليها بإثبات أو نفي.
стр. 222
وهنا يأتي الدين فيقدم ماعني بالإرشاد إليه والتعريف به. مما هو داخل في عالم الغيب، ولا تملك الوسائل الحسية والاستدلالية إدراكه ولا الحكم عليه بإثبات أو نفي، ولا يملك العلم الإنساني هنا إلا أن يذعن للدين، أو يقول: لا أدري، لكني علمت أن ما جاء به الدين مما علمته بوسائلي قد كان حقا ً.
أما منطقة التكاليف الدينية والتعاليم الشرعية فهي أوامر قيادة، يقصد منها بالدرجة الأولى امتحان الإرادة في مجال الطاعة والمعصية، ويكفي فيها باعتبار الأصل أن تكون كيفية تتبع ما تراه القيادة دون مناقشة، إلا أن الإسلام كان في أوامره القيادية حكيماً، إذ راعى فيها مصالح الأفراد والجماعات، وما يحقق لهم سعادة الحياة الدنيا، إضافة إلى ما وعدهم به من أجر عظيم ينالونه في الآخرة، إذا هم رعوها حق رعايتها. وامتثلوا ما جاء فيها.
لكن الناقد (د. العظم) يقول لنا: هذا كلام تقريري منكم، ولا ينفع في إثبات الحقائق مجرد إيراد أقوال تقريرية خطابية عامة، غير مؤيدة بدلائل واقعية، وإذ يقول هذا الكلام يصر على طرح دعوى التناقض بين الإسلام والعلم في المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى القناعات والمعارف والعلوم.
وحين نتابع كلامه نجده يفتري على الإسلام بمجرد الدعوى فقط، ولا يقدم غير كلام تقريري غير مدعم بأي دليل واقعي، وحينما يأتي بكلام يراه دليلاً نجده في الحقيقة تقريراً جديداً كذباً، أو مغلفاً بمغالطة من مغالطاته.
هذه هي خطته العامة كما رأينا، ولكن سنكشف كذبه وافتراءه في قوله لنا: هذا كلام تقريري منكم للتوفيق بين الإسلام والعلم، وفي دعواه وجود التناقض بين الإسلام والعلم في المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى القناعات والمعارف والعلوم.
يقول في الصفحة (٢٢) من كتابه:
"فبالنسبة للدين الإسلامي، إن المنهج القويم للوصول إلى مثل هذه المعارف والقناعات هو الرجوع إلى نصوص معينة تعتبر مقدسة أو منزلة، أو الرجوع إلى كتابات الحكماء والعلماء الذين درسوا وشرحوا هذه النصوص، أما تبرير العلمية
стр. 223
بأسرها فيستند إلى الإيمان، أو الثقة العمياء بحكمة مصدر هذه النصوص، وعصمته عن الخطأ، ومن نافل القول أن نردد أن الطريقة العلمية في الوصول إلى معارفنا وقناعاتنا عن طبيعة الكون ونشأته، وعن الإنسان وتاريخه، تتنافى تماماً مع هذا المنهج الاتباعي السائد في الدين، لأن المنهج العلمي قائم على الملاحظة والاستدلال، ولأن التبرير الوحيد لصحة النتائج التي يصل إليها هذا المنهج هو مدى اتساقها مع بعضها، ومدى انطباقها على الواقع".
كلام (د. العظم) هذا مشحون بالمغالطات والأكاذيب.
لقد بدأ كلامه عن المنهج العلمي للوصول إلى قناعات ومعارف عن نشوء الكون وتركيبه وطبيعته، وعن تاريخ الإنسان وأصله وحياته خلال العصور، ثم ادعى أن منهج الإسلام القويم في كل هذه المواضيع هو الرجوع فقط إلى نصوص معينة تعتبر مقدَّسة أو منزَّلة، وأوهم في سرد كلامه بعد ذلك أنه لم يكن لعلماء المسلمين في هذا المجالات عمل علمي إلا درس النصوص الدينية وشرحها.
فهل هذه الدعوى تنطبق على الواقع؟ أم هي فرية ومغالطة قائمة على التعميم؟
لو كان هذا الكلام صحيحاً بالنسبة إلى تركيب الكون وطبيعته، وتاريخ الإنسان وحياته خلال العصور، فمن أين نشأت الثروة العلمية العظيمة في هذه المجالات عند المسلمين، والتي كانت مصدر انطلاق الحضارة الحديثة في علومها وبحوثها وكشوفها ومنهجها، باعتراف كبار علماء هذه الحضارة نفسها، وباعتراف كبار مؤرخيها.
هل كانت كل ثروات المسلمين العلمية في هذه المجالات تفسيراً لنصوص دينية؟
إن أصغر دارس لعلوم المسلمين يكذب هذه الفرية، قد نجد في مقدمة كل علم شواهد دينية تحث على دراسة الكون، واكتشاف صفاته وخصائصه وسُننه، وقد نجد في ثناياه نصوصاً دينية تشير إلى بعض المعارف التي اشتمل عليها، باعتبارها
стр. 224
أحد وسائل المعرفة، ولكن ليس معنى هذا انحصار منهج المعرفة عند المسلمين بتفسير النصوص الدينية وشرحها.
هل علم الكيمياء الذي شق المسلمون طريقه قد كان تفسيراً لنصوص قرآنية أو نبوية؟ ومعلوم أن هذا العلم من دراسة طبيعة الكون.
هل علم الفيزياء الذي صحح المسلمون كثيراً من نظريات الفلاسفة فيه قد كان تفسيراً لنصوص دينية؟ وعلم الفيزياء من دراسة طبيعة الكون.
هل علم الفلك الذي برز فيه المسلمون قد كان مجرد تفسير لنصوص دينية؟ وهذا العلم من دراسة طبيعة الكون.
هل علم التاريخ والجغرافيا لم يكونا غير تفسير لنصوص دينية؟ وهما من دراسة طبيعة الأرض وتاريخ الإنسان.
هل علما الطب الذي أبدع فيه المسلمون قد كان مجرد تفسيرات لنصوص دينية؟ وهو من دراسة طبيعة الإنسان وحياته.
هل علم الرياضيات العقلية (الحساب - الجبر - الهندسة) وغيره من العلوم التجريبية والاستدلالية والخبرية والعقلية البحتة قد كانت عند المسلمين مجرد تفسيرات لنصوص دينية واردة في مجالاتها؟
لو أن المسلمين اقتصروا في كل هذه العلوم على مجرد تفسير النصوص الدينية - كما زعم الناقد في فريته - لما تجاوزت معارفهم فيها بعض القواعد الكلية العامة جداً، ولا شك أن ما تدل عليه النصوص الدينية يمثل لدى المسلمين مصدراً من مصادر المعرفة، ولكنه ليس كل مصادر المعرفة، لأن النصوص الدينية في هذه المجالات قد أرشدت ووجهت للبحث، وقدمت بعض قواعد هذه المعرفة، لكنها لم تتبنَّ التعريف المباشر بكل قواعد هذه العلوم، أما المهمة الأولى والأساسية للنصوص الدينية فهي التعريف بالدين، مبادئه وعقائده وتشريعاته للسلوك الإنساني الفردي والجماعي.
ولما وجد المسلمون الدفع الإسلامي إلى دراسة الكون، واستنباط المعارف
стр. 225
والعلوم عن طريق الملاحظة والتجربة والاستدلال، انطلقوا باحثين في شتى مجالات المعرفة التي تيسرت لهم إبان نهضتهم، قبل أن تثبطهم فترة الركود التي أصابتهم بهجرهم لتعاليم الإسلام، وإخلادهم إلى الراحة والكسل، والاستغراق في الشهوات , ورضاهم بأمجاد الماضي، إضافة إلى عوامل أخرى خارجية عنهم، أوقفت عجلة تقدمهم.
فما افتراه (د. العظم) على المنهج الإسلامي هراء ظاهر صنعته المغالطة التعميمية، ولكشف زيفه وافتراءاته نفصل منهج الإسلام للوصول إلى المعرفة.
(٣)
منهج الإسلام للوصول إلى المعرفة
إن المنهج الذي رسمه الإسلام للوصول إلى معرفة حقائق الأمور هو المنهج الأمثل في تاريخ الفكر الإنساني، بتحديد أصوله وقواعده العامة.
وقد كانت أسس النهضة العلمية عند المسلمين هي المرشد والباعث للنهضة العلمية الأوروبية الحديثة، لسنا نقول هذا على سبيل التفاخر، وإنما نقوله تبياناً للحق الذي اعترف به وأعلنه مؤرخو الحضارات الإنسانية من غير المسلمين، لا سيما بعد أن وجد من أبناء جلدتنا أجراءُ لأعداء الإسلام، يحاولون بالمغالطة والتزوير طمس الحقائق، والقيام في العالم العربي بعملية زلزال فكري، يقصد منه خلط المعارف الثابتة، وتشويه صُورها، وتقويض أبينتها، وإقامة أبنية جديدة مكانها، ولكنها في هذه المرة لن تكون صالحة لأهلها، وإنما تكون للشياطين ومعهم القردة والخنازير.
يقوم الفكر الإسلامي أساساً على أن المعرفة الصحيحة هي ما كان مطابقاً للواقع والحقيقة، فما كان مطابقاً للواقع والحقيقة فهو حق، وما لم يكن مطابقاً للواقع والحقيقة فهو باطل. وقد تكون الصورة الفكرية أو القولية مطابقة للواقع والحقيقة من بعض الوجوه، ومخالفة لها من بعض الوجوه، فيكون فيها من الحق على مقدار المطابقة ومن الباطل على مقدار المخالفة.
стр. 226
هذا هو الأساس الأول للمعرفة في الفكر الإسلامي.
وبعد هذا الأساس الأول تأتي قاعدة كلية وراءه، وهي أن كل وسيلة صحيحة تعطينا صورة صادقة عن الواقع والحقيقة هي وسيلة يجب الاعتماد عليها، والثقة بها في تحصيل المعرفة، وإذا لم تستطع الوسائل أن تعطينا صورة صادقة عن الواقع والحقيقة بشكل قطعي، فإن الضرورة تدعونا في الواقع الإنساني إلى قبول الصور التي ترجح مطابقتها للواقع بصورة ظنية، وذلك ريثما يأتي ما هو أقوى، أو تأتي الصورة المطابقة للواقع بيقين. والمرجح الأول والأخير دائماً هو الواقع والحقيقة، وبهما تقاس النتائج.
ونجد هذا في أوائل متون العلوم التي كتبها المسلمون، إذ يقررون أن العلم هو الصورة الذهنية المطابقة للواقع، أو هو الإدراك المطابق للواقع، وإذ يقررون أن الصدق هو الكلام المطابق للواقع، وإذ يقرون جواز العلم بالاحتمال الراجح إذا لم يتوافر لنا اليقين.
ومن هذا يتبين لنا أن الواقع على ما هو عليه في حقيقة أمره هو المرجع الأول والأخير للمعرفة في الفكر الإسلامي، وما عدا ذلك مما له صلة باكتساب المعرفة فلا يعدو أنه من قبيل الوسائل التي قد توصل إليها.
وهذا من الأوليات المنطقية في الفكر الإسلامي، المبينة في متون العلوم الإسلامية، والمنصوص عليها في مصادر الشريعة الإسلامية، والمهتدى بهديها فيما استخرجه المسلمون من معارف، وفيما كتبوا فيه من علوم.
* وسائل المعرفة:
أما وسائل التي وضعها الإسلام في منهجه للوصول إلى المعارف فبيانها فيما يلي:
الوسيلة الأولى: هي وسيلة الإدراك الحسي المباشر أو عن طريق الأجهزة، وذلك متى شهد العقل بصحة هذا الإدراك وسلامته من الخلل، فحينما تشهد الحواس الإنسانية ظاهرة كونية وتتوافق الحواس السليمة في إدراكها، تغدو الصورة
стр. 227
التي قدمتها صورة علمية مقبولة ضمن الحدود التي قدمتها، وضمن الصورة التي نقلتها.
وباستخدام هذه الوسيلة قرر المسلمون في علومهم حقائق كثيرة لم تأتِ بها نصوص شرعية، ولا رجعوا فيها إلى تفسيرات نصوص شرعية وشروح لدلالتها، كما زعم الناقد (د. العظم) في نقده القائم على المغالطات والأكاذيب.
وهل الملاحظة التي يُعتمد عليها في مناهج البحث العلمي إلا تتبع الظواهر بالإدراك الحسي، ورصدها ومحاولة تفسيرها؟
أفلا يحق لنا أن نقول: إن مناهج العلوم الحديثة قد اقتبسها من مناهج البحث عن المسلمين، الذين أخذوا بها إذ حثهم الإسلام على استخدامها، للتعرف على الظواهر الكونية، وما في عالم الحس من حقائق، ولتكون مادة يستدل منها على قوانين الكون وسننه وخفاياه؟
ولئن أنكر (د. العظم) هذه الحقيقة فقد اعترف بها كتّاب كبار من مؤرِّخي الحضارة الأوروبية الحديثة وعلمائها، وأعلنوا فضل حضارة المسلمين على الحضارة الحديثة، في مناهجها وفي نتائجها (١) .
الوسيلة الثانية: هي وسيلة الاستدلال العقلي، وللاستدلال العقلي أصول وضوابط معروفة مدروسة في الفكر الإسلامي، ومعطيات هذا الاستدلال لا تكون علوماً مقطوعاً بها ما لم تكن يقينية غير قابلة لاحتمال النقض، وإلا كانت درجة قبولها مناسبة لدرجة قوة الاحتمال الذي رجحه الاستدلال.
ويعتمد الاستدلال العقلي على التجربة والاستقرار والتأمل العقلي المجرد، الذي يعطي أحكاماً منطقية جازمة، أو أحكاماً منطقية راجحة.
وإذا لم نقل: إن هذه الوسيلة قد اقتبسها علماء النهضة الحضارية الحديثة من المسلمين، فلا أقل من أن نقول بالاتفاق في المنهج، ومعلوم أن المسلمين كانوا هم الأسبق في الواقع التاريخي.
стр. 228
وكان لاستخدام هاتين الوسيلتين: (الإدراك الحسي، والاستدلال العقلي) في الفكر الإسلامي معطيات علمية واسعة، في مختلف مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية، فالإدراك الحسي يحدد الملاحظة ومع الملاحظة أو بعدها أو قبلها أحياناً تستخدم التجربة، ومن ورائهما ينشط الاستدلال العقلي.
وبذلك دوَّن علماء المسلمين في علوم الكيمياء، والفيزياء والطب والفلك والرياضيات (الحساب والجبر والهندسة) والجغرافيا، والتاريخ مدونات كبيرة وكثيرة، أثبتوا فيها معطيات منهجهم العلمي، إضافة إلى ما نقلوه عن غيرهم من منجزات الحضارات السابقة في هذه المجالات.
إن عرض هذه الحقيقة وحدها عن الفكر الإسلامي كافٍ لكشف التزييف الحقير الذي صنعه الناقد (د. العظم) العميل لمنظمات عالمية تخدم الصهيونية في الوطن العربي، إذ زعم أن منهج الفكر الإسلامي للوصول إلى القناعات والمعارف عن طبيعة الكون وتركيبه ونشوئه، وعن تاريخ الإنسان وأصله وحياته خلال العصور، هو الرجوع فقط إلى نصوص معينة تعتبر مقدسة أو منزَّلة، أو الرجوع إلى كتابات الحكماء والعلماء الذين درسوا وشرحوا هذه النصوص.
والغريب في أمره - وهو لسان من ألسنة كتائب الملحدين - أنه يصنع التزييف، ويغالط به، ثم يقرره حقيقة واقعة، ثم يوجه الإدانة على أساسه، ثم يُصدر حكمه القاطع الذي لا استئناف فيه، وينهي المحاكمة هكذا بكل بساطة.
وطبيعي أن يتخذ الملحدون هذه الخطة، إذ لا دين يردعهم، ولا أخلاق تضبطهم، وخطتهم هذه ينطبق عليها المثل "زنَّاه فحدَّه" أي: اتهمه بالزنى كذباً وزوراً، فأقام عليه الحد مباشرة دون بيِّنات.
فلما قرر (د. العظم) فريته عن الفكر الإسلامي وعن منهجه في تحصيل المعارف، وصنع المغالطة كما راق له، قال في الصفحة (٢٢) وما بعدها من كتابه:
"لذلك نجد أنظار المؤمنين دائماً موجهة إلى الوراء، إلى تلك الفترة التي يعتقدون أنه تم فيها كشف هذه الحقائق والمعارف من قبل الله، عن طريق الملائكة والرسل، وينتج عن ذلك أن وظيفة المؤمن والحكيم والفيلسوف والعالم ليست
стр. 229
اكتشاف حقائق جوهرية جديدة، أو اكتشاف معارف هامة لم تكن معروفة من قبل، وإنما العمل للوصول إلى نظرة أعمق، وفهم أشمل للنصوص المنزلة، والعمل للربط بين أجزاء هذه النصوص وتأويلها، ومن ثم تأويل التأولايات، حتى تستنبط معانيها الدفينة، ويتوصل إلى الحقائق والمعارف الكامنة فيها منذ الأزل، وهذا العمل ضروري وجوهري استناداً إلى الآية القرآنية: ﴿وما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ ، فلا عجب إذن إذا وجدنا التاريخ الفكري للدين يتألف دائماً من تفاسير وشروح، وشروح لشروح الشروح".
هذا ما قاله حرفياً، فهل ينطبق على واقع العلوم الطبيعية والرياضية والإنسانية التي دوَّنها المسلمون، واكتشفوا فيها وأبدعوا. وكانوا رادَة الفكر الأوروبي الحديث في هذا المضمار؟!
إنه كلام لا يقبله أصغر طلبة العلوم الإسلامية، أما أن يعرض على العالم الإسلامي في كتاب مطبوع فذلك هو البهتان المبين، والاستهانة بعلماء المسلمين، والاستخفاف بالأجيال الحديثة التي يتصور الناقد أنها غدت تتقبل كل زيف وكذب ومغالطات، دون تحرير ولا تمحيص، ألا فليعلم أن في الأجيال المسلمة الحديثة مؤمنين مفكرين، قادرين على أن يكشفوا الزيف المقنع بالأقنعة الكثيرة، فضلاً عن الزيف المكشوف.
الوسيلة الثالثة: هي وسيلة الأخبار الصادقة، وهذه الوسيلة ركن من أركان وسائل اكتساب المعارف الإنسانية، ومعلوم أن الإنسان ملجأ بالضرورة إلى الاعتماد على الوسيلة الإخبارية، في كل أمر لا يستطيع أن يصل إلى معرفته بنفسه عن طريق الإدراك الحسي أو الاستدلال العقلي، إن العلوم التاريخية تعتمد على المستندات الإخبارية، بوصفها وسيلتها الكبرى، وكل تدوين لأية حقيقة علمية توصل إليها الإنسان إنا هو حكاية خبرية لما توصل إليه، ورواد الفضاء حينما وصلوا إلى القمر وعادوا نقلوا إلينا مشاهداتهم وملاحظاتهم نقلاً خبرياً، وقد يدعمون أخبارهم بالمصورات، وقد لا يدعمون، والمدرس حينما يلقي على طلابه في معاهد العلم سلسلة المعارف، إنما ينقلها إليهم نقلاً خبرياً، وكل الناس يتعاملون فيما بينهم ويكون العنصر الإخباري أهم عنصر في تعاملهم.
стр. 230
وهذه الوسيلة الإخبارية هي الوسيلة التي اعتمد عليها الدين، في نقل الشرائع الربانية للناس، وفي نقل سائر التعاليم والبيانات الدينية، والمعارف الغيبية، عن طريق الرسل والأنبياء المؤيدين بالمعجزات وخوارق العادات، شهادة من الله لهم بأنهم صادقون فيما يبلغون ربهم، وكذلك وجه الإسلام للاعتماد عليها في تحصيل كثير من المعار التي توصل إليها العلماء بمسالكهم، وأمر بسؤال أهل الذكر.
ولما كانت الوسيلة الإخبارية وسيلة قد يدخلها الكذب (١) أو الوهم في نقل الخبر، إذا كان المخبر إنساناً عادياً غير مؤيد بالمعجزة، أي: غير معصوم عن الكذب أو الخطأ، وضع الإسلام منهجاً دقيقاً جداً في تحري الأخبار، وفي تمييز مستوياتها - ثقة وضبطاً وفي اتخاذ ما يجب اتخاذه من احتياطات وتحفظات-، ونهض علماء المسلمين بالتحرير والتمحيص، وكان لهم في هذا المجال أدق الضوابط، وأكثرها سلامة وإتقاناً، لا سيما ما يتعلق منها بنقل النصوص الدينية، وأعرض فيما يلي فكرة وجيزة عن منهج الإسلام بالنسبة إلى المستندات الإخبارية. ليكشف القارئ مدى مغالطات الناقد (د. العظم) حول منهج الإسلام.
يتلخص المنهج الإسلامي بالنسبة إلى المستندات الإخبارية بتقسيم الخبر إلى خمسة أقسام رئيسية:
* القسم الأول: الخبر المقطوع بصدقه.
* القسم الثاني: الخبر الذي يترجح جانب احتمال الصدق فيه على جانب احتمال الكذب.
* القسم الثالث: الخبر الذي يترجح جانب احتمال الكذب فيه على جانب احتمال الصدق.
* القسم الرابع: الخبر المقطوع بكذبه.
* القسم الخامس: الخبر المشكوك فيه.
стр. 231
أما القسم الأول وهو الخبر المقطوع بصدقه فيجب قبوله عقلاً وشرعاً، لأنه خبر لا يخالطه احتمال الخطأ أو الكذب عقلاً، وقد أوضح الإسلام أنه لا بد أن يأتي عن أحد مسلكين:
الأول: أن يخبر بالخبر جمع من الناس يستحيل في مقياس العقل السليم اتفاقهم على الكذب فيه، ويكون ذلك حينما يروي الخبر جمع غفير من الناس تباينت أغراضهم، وافترقت مصالحهم وكانوا بحالة لا يجمعهم فيها على الكذب جامع.
ويحلق به ما تواردت عليه مجموعة من شواهد النقول الإخبارية، ودلائل الآثار الأرضية والكتابية، والمصورات والتسجيلات الصوتية، وبعض الاستدلالات والاستنتاجات العقلية، حتى يصبح التسليم بمضمون الخبر أمراً حتمياً لا شك فيه لدى العقلاء المنصفين، وحتى يصل في نفوسهم إلى درجة اليقين.
والاعتماد على مجموعة الدلائل المختلفة يجب أن يكون مصحوباً بالتبصر العقلي، وبالتمحيص الكامل والاحتياط التام، حتى يشهد العقل بنفي احتمال التزوير في الوثائق، أو الخطأ أو الكذب في الإخبار.
وبهذا المسلك المقطوع به شرعاً وعقلاً حفظ الله القرآن الكريم من التحريف والتبديل، إذ تكفل بحفظه فأعلن في سورة (الحجر/١٥ مصحف/٥٤ نزول) : قوله:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
الثاني: أن يرد الخبر على لسان نبي من أنبياء الله تعالى أو رسوله من رسله، وقد أحاط الله الأنبياء والرسل الذين يبلغون عنه بوضع يجعل التسليم بنقولهم وأخبارهم عن الله قضية مقطوعاً بها عند كل المنصفين من العقلاء، ذلك بسبب ما صانهم به من العصمة عن الكذب وسائر المعاصي، وبسبب ما أيدهم به من المعجزات الباهرات التي لا يأتي بها أو بمثلها إلا رسول مؤيد من عند الله، ومصدق من قبله بلسان حال المعجزات، فالمعجزات التي يجريها الله على أيدي رسله وأنبيائه دليل قاطع على صدق رسالاتهم، وصدق أخبارهم التي يخبرون بها عن ربهم.
стр. 232
فمتى ورد الخبر عن طريق أحد هذين المسلكين كان مقطوعاً به ووجب تصديقه.
ولكن لا بد من التمييز بين لفظ الخبر وبين مضمون الخبر، فإذا أثبت المستند الخبري قطعية الصدق في لفظ الخبر فليس معنى ذلك أن تحديد معنى اللفظ أمر مقطوع به أيضاً، إن تحديد المعنى قضية ثانية، لا بد لها من مستند آخر يحدد المعنى بصفة قطعية غير قابلة لاحتمال التأويل، فإذا تم تحديد المعنى بصفة قطعية وجب حينئذٍ التسليم به عقلاً، كما وجب التسليم بصحة نقل لفظ الخبر قطعاً، وهذا ما يطلق عليه علماء أصول الفقه الإسلامي عبارتي: "قطعي الثبوت، قطعي الدلالة".
أما إذا كان تحديد المعنى غير مقطوع به فإنهم يطلقون عبارتي "قطعي الثبوت، ظني الدلالة"، وفي هذه الحالة يجب التسليم عقلاً وشرعاً بصحة نقل لفظ الخبر، وتبقى الدلالة في مستوى الرجحان، أو قيد الدراسة والبحث لتحديد المعنى.
وقد تكون دلالة النص المقطوع بثبوته مبهمة غير واضحة أصلاً.
فلا تلازم بين كون النص قطعياً وكون معناه قطعياً أيضاً، بل لا بد في ذلك من اتباع منهج علمي دقيق أوضحه علماء المسلمين في علم أصول الفقه الإسلامي.
من أجل ذلك ليس لأحد أن يغالط في دلالات النصوص القاطعة، اعتماداً على ثبوت لفظها ثبوتاً قطعياً، إن لفهم النصوص منهجاً دقيقاً وضع له علماء المسلمين علماً قائماً بذاته، إنه علم أصول الفقه.
وتظل المفاهيم الاجتهادية المأخوذة من دلالات النصوص مفاهيم احتمالية راجحة، قابلة للنقض أو التعديل بأدلة أقوى من أدلتها، حتى تتوافر الأدلة التي تفيد القطع بصحة هذه المفاهيم، وعدم قابليتها للنقض أو التعديل بحال من الأحوال، عندئذٍ يغدو معنى النص قطعياً، وعندئذٍ يصح أن يوصف بأنه قطعي الثبوت قطعي الدلالة، أو قطعي اللفظ قطعي المعنى.
стр. 233
وربما يتوافر المستند الإخباري القاطع بتحديد فكرة من الأفكار، أو معنى من المعاني، دون أن تأتي هذه الفكرة أو المعنى بلفظ واحد قطعي الثبوت، وعندئذٍ تكون القطعية للمعنى أو للفكرة لا للنص اللفظي، وهذا ما يسمونه المتواتر بالمعنى، إذ يرد الخبر بعد ألفاظ كل واحد منها خبر راجح لا قطعي، إلا أن معناها بالمعنى، إذ يرد الخبر بعدة ألفاظ كل واحد منها خبر راجح لا قطعي، إلا أن معناها جميعاً واحداً، فإذا كانت عدة هذه الأخبار من قبيل المتواتر الذي يستحيل اتفاق المخبرين فيها على الكذب كان المعنى الذي دلت عليه مقطوعاً به، لأنه خبر متواتر بالمعنى.
وأما القسم الثاني وهو الخبر الذي يترجح صدقه على كذبه فهو خبر يوثق به في منهج الإسلام وثوقاً ترجيحياً، قابلاً لاحتمال النقض أو التعديل بدليل أقوى منه، ولا يوثق به وثوقاً إلزامياً قاطعاً، لاحتمال الخطأ أو الكذب فيه، وإن كان بحسب الظاهر احتمالاً ضعيفاً.
وأما القسم الثالث: وهو الخبر الذي يترجح احتمال كذبه على احتمال صدقه، فهو خبر معزول عن الثقة به عزلاً ترجيحياً قابلاً لاحتمال التوثيق بمعاضدة أدلة أخرى، ولا يرفض رفضاً نهائياً مبتوتاً به، لاحتمال براءته من الكذب أو الخطأ، وإن كان بحسب الظاهر احتمالاً ضعيفاً.
وهذا القسم يقابل تماماً القسم الثاني في كل أحكامه.
وأما القسم الرابع وهو الخبر المقطوع بكذبه حساً أو عقلاً فهو خبر مرفوض بصفة قطعية.
ولكن قد يكون الكذب في رواية اللفظ فقط، مع صحة المعنى، وفي هذه الحالة لا نرفض المعنى من أجل ثبوت الكذب في اللفظ، بل نقتصر على رفض اللفظ فقط، وننظر إلى المعنى من خلال أدلة أخرى خبرية أو حسية أو استدلالية.
وأما القسم الخامس وهو الخبر المشكوك فيه، أي: ما استوى فيه طرفا التصديق والتكذيب من غير رجحان لأحدهما على الآخر، فهو خبر لا يحكم عليه بإثبات ولا بنفي ويوضع قيد الدراسة والبحث، حتى يرد ما يرجح تصديقه أو تكذيبه.
стр. 234
ومنهج الإسلام في الاعتماد على المستندات الإخبارية يبتدئ بما يمكن أن نسميه بالوحدة الإخبارية.
والوحدة الإخبارية هي الراوي الواحد حينما ينقل لنا خبراً من الأخبار. ولهذه الوحدة الإخبارية في منهج الإسلام شروط لا بد من توافرها حتى تكون أنباؤها مؤهلة لتجريح صدق الخبر، وحتى تكون مائلة إلى جانب القبول، وهي ثلاثة شروط:
١- العدالة، وهي أن لا يعهد على الراوي الكذب أو المعصية الظاهرة.
٢- الأهلية الفكرية لتحمل الأخبار ونقلها كما حُملت، دون نسيان أو اضطراب، أو زيادة أو نقص.
٣- اتصال الراوي بمصدر الخبر أو بمن وراه له.
وهذه الشروط تستدعي الملاحظة الدقيقة لرواة الأخبار، والنظر في أحوالهم الفكرية والخلقية والسلوكية، للتأكد من أن أخبارهم صالحة للقبول، وتستدعي أيضاً النظر في صلتهم بمصدر الخبر، أو بمن رواه لهم، وهنا تتسع مشكلة البحث العلمي في تراجم الرجال، وتتبُّع أحوالهم، وتمحيصهم، لكشف الموثوقين الذين تقبل أخبارهم، وتمييز الضعفاء والوضاعين، وتحديد درجة كل منهم في القبول أو الرفض، ونحو ذلك من البحوث.
وهذا عمل يحتاج إلى جهود مضنية وتحريات واسعة، وقد تضافرت فعلاً جهود علماء المسلمين المضنية، للاضطلاع بهذه المهمة الكبيرة على أحسن وجه عرفه التاريخ، فحرروا ما نقل عن الرسول صلوات الله عليه تحريراً لم يسبقوا إلى مثله، وتفوقوا في أعمالهم من أجل تحرير الأخبار وتنقيحها وتصنيفها على كل أمة نقلت أخبارها، واعتنت بتحريرها، لذلك فلا نجد لدى أية أمة من الأمم ولا شعب من الشعوب ذخائر علمية منقولة بالأخبار الصحيحة الموثوقة مثلما نجد لدى علماء المسلمين، وذلك بسبب وضوح المنهج الذي اتبعوه في التثبت من صحة الأخبار، أو الحكم بأرجحية صدقها.
وقد تكفل علم مصطلح الحديث بتحديد هذا المنهج وتحريره وبيانه،
стр. 235
وتفصيل مسالكه على أحسن وجه، كما تكفَّلت كتب تراجم الرجال ببيان أحوالهم وأوضاعهم، ودرجة الثقة برواية كل منهم، والعصر الذي عاش فيه، إلى غير ذلك مما تستدعيه أصول البحث السليم.
ومما هو طريق في هذا الموضوع أن العلماء الغربيين في هذا العصر قد وجدوا أنفسهم مضطرين للاهتداء بهدي المنهج الإسلامي في تحرير الأخبار وتنقيحها، واتباع الأصول الإسلامية المقررة فيه، إلا أنهم لا يستطيعون استيفاء الشروط الإسلامية في بحث عدالة الرواة لدى التطبيق العملي، لأنه ليس لديهم أي مستند يكشف لهم أحوال رجالهم الغابرين، حتى يرجعوا إليه في تمحيص صادق الأخبار من كاذبها، وصادقي الرجال من كاذبيهم.
والمنهج الإسلامي لا يكتفي في كل الموضوعات بالوحدة الإخبارية الواحدة المقبولة للحكم برجحان صدق الخبر والعمل بموجبه، ولكن القضية في منهج الإسلام تتبع الموضوع الذي يتناوله الخبر، فما كل خبر يترجح صدقه يصلح لأن يعتمد عليه وحده في كل موضوع من موضوعات العلم أو موضوعات الحياة، بل لا بد من نسب في الأرجحية تتفاوت بحسب أهمية الموضوعات، وبحسب النتائج التي تترتب على قبول الأخبار فيها.
فما يقبل في رواية خبر تاريخي عادي لا يقبل في إثبات حق أو إدانة بجريمة، وما يقبل في إثبات حق مالي لا يقبل في الاتهام بالزنى، وما يقبل في رواية حديث نبوي وتصحيحه لا يقبل في إثبات آية قرآنية.
فالموضوعات تختلف فيما بينها، وتتفاوت في نسبة ما تحتاجه من قوة الترجيح التي يقدمها المستند الخبري.
إن بعض الموضوعات تحتاج إلى قوة في المستند الخبري ترتقي إلى مرتبة اليقين الذي لا يقبل احتمال الخطأ، وبعضها يكفي فيه دون ذلك.
١- فالنقل المباشر عن الوحي شرطه النبوة المستجمعة لصفتي العصمة والتأييد بالمعجزة.
стр. 236
٢- والمستند الإخباري الذي ينقل لنا نص آية قرآنية، أو يثبت لنا عقيدة من عقائد الدين، أو أصلاً من أصوله الأولى مما يكفر جاحده يشترط فيه التواتر، أي يشترط فيه القطعية التي لا تتعرض لاحتمال الخطأ أو الكذب.
فإذا لم ينقل النص القرآني بمستند إخباري قطعي لم يثبت قرآناً، وإذا لم تنقل عقائد الدين وأصوله بمستند إخباري قطعي لم يكفر جاحدها، ما لم يكن لها دليل قاطع آخر.
٣- وإثبات الاتهام بالزنى يحتاج في أدنى الحدود إلى قوة ترجيح في المستند الإخباري تتألف من أربع وحدات إخبارية صحيحة.
٤- وإثبات الحقوق بين الناس يحتاج إلى قوة ترجيح في المستند الإخباري تتألف من وحدتين إخباريتين صحيحتين.
٥- والأخبار العادية التي تتضمن أخباراً علمية أو تاريخية أو تتضمن رواية لحديث نبوي تحتاج إلى قوة ترجيح في المستند الإخباري قوامها وحدة إخبارية صحيحة.
٦- والأخبار التي تتضمن مصلحة الشخص الذي يرد إليه الخبر في أمر من أموره الخاصة في حياته، دون أن تتضمن هضماً لحق آخر، أو اتهاماً له، أو إساءة لأحد، أو مخالفة لأمر من أمور الدين، يكفي فيها انفتاح النفس لقبول صحة الخبر، والاقتناع به، دون النظر في حالة المخبر وصفته، لأن موضوعه لا يتطلب أكثر من اتخاذ الاحتياطات والأسباب اللازمة لدفع الخطر أو القرار منه، أو اقتناص المنفعة المرتقبة.
فهل يجد الناقد (د. العظم) أو غيره من أعداء الإسلام في هذا المنهج الذي أبدع فيه الفكر الإسلامي أيما إبداع ثغرة يعلق عليها بانتقاد؟ علماً بأننا لم نرسم في بياننا هذا غير الخطوط العريضة له.
стр. 237
منهج الإسلام عند اختلاف وسائل المعرفة في النتائج
سبق في الفصل الثاني (الحقيقة بين الدين والعلم) ، بيان منهج الإسلام عندما تختلف وسائل المعرفة في النتائج التي يتوصل كل منها إليها، حول موضوع واحد، أو حول نقطة في موضوع واحد، فلا داعي لإعادة تفصيل هذا المنهج.
وخلاصته أن وسائل المعرفة لا تختلف في النتائج التي تتوصل إليها حول موضوع واحد أو حول نقطة في موضوع واحد اختلاف تناقض إلا وبعضها أو جميعها قد دخل إليه الخلل، وعلى الباحثين أن يعيدوا النظر فيما توصلوا إليه من نتائج، واليقيني منها الذي غدا مقطوعاً به نهائياً، وغير قابل للنقض أو التعديل بحال من الأحوال هو الذي يفرض نفسه علمياً، سواء أكان نتيجة إدراك حسي، أو استدلال عقلي، أو نتيجة فهم لنص ديني يقيني الثبوت يقيني الدلالة.
أما النظريات والفرضيات والاجتهادات والإدراكات الحسية، التي لا تقدم يقيناً فهذه قد تختلف فيما بينها وقد تتناقض، وقد يكون الواقع بخلافها جميعاً، والأخذ بالراجح منها أمر تفرضه الضرورة الإنسانية، ولا يكون بعضها حجة على بعض، أو له القداسة المطلقة، لن الحق منها هو ما طابق الواقع والحقيقة، ومادامت نتائجها جميعاً غير يقينية فإن هذه المطابقة تظل مجهولة، أو مشكوكاً بها، أو في مستوى الرجحان فقط، لا في مستوى اليقين المقطوع به.
فليس لأحد أن يأتي بنظرية قابلة للتعديل، أو بفرضية من الفرضيات، ويجعلها علماً مقطوعاً به، ثم يعيب بها ما يفهم من النصوص الدينية، ويزعم بذلك أن الإسلام يخالف العلم، وليس لأحد أن يأتي بفهم اجتهادي في النصوص الدينية، وهو محتمل للخطأ أو التعديل، ثم يجعل هذا الفهم الاجتهادي أمراً مقطوعاً به في الدين، ثم يرد به ما أثبتته الوسائل العلمية الإنسانية إثباتاً نهائياً مقطوعاً به، أو يرد به رداً قطعياً نظريات أو فرضيات من المحتمل أن يكون الواقع مطابقاً لها، فالفهم الاجتهادي في النص الديني أخذ بما ترجح لدى المجتهد من دلالته، مع احتمال أن يكون الواقع بخلافه، والنظرية العلمية فهم اجتهادي في تفسير الظواهر الكونية بما ترجح لدى الباحث من دلالاتها. ويظل العقل في كل
стр. 238
منهما يفرض احتمال أن يكون الواقع بخلاف هذا أو بخلاف هذا، أو بخلافهما جميعاً، فليس أحدهما حجة على الآخر، إلا أن تكون أدلة ترجيحه أقوى، فيتقوى بأدلته دون أن يعطي قطعاً وجزماً بنتائجه.
وتنفرد النصوص الدينية ببياناتها عن أمور الغيب التي تعجز الوسائل الإنسانية عن إدراكها حساً أو استدلالاً.
ولدى اختلاف نتائج وسائل المعرفة حول فكرة واحدة، أو اختلاف نتائج الباحثين في حدود وسيلة واحدة، يجب التوقف عن الجزم والقطع، ويقضي المنهج الأمثل بمتابعة البحث في كل الوسائل الممكنة للظفر باليقين العلمي، ولا يمنع هذا من العمل في تطبيقات الحياة بمقتضى النتائج، ولكل باحث أن يعمل بما ترجح لديه، دون أن يُنحي باللائمة على من خالفه، لاحتمال أن يكون هو المخطئ لا من خالفه فيما توصل إليه، ما لم يظهر فساد الرأي المخالف بيقين، أو برجحان شبيه اليقين، وعند الظفر باليقين العلمي عن طريق أية وسيلة من وسائل المعرفة يتبين فساد كل الآراء المخالفة له، ويحكم عليها عندئذٍ بالمحو من ديوان المعرفة، وبالعزل عن مجالات النظر.
ولهذا أمثلة في الواقع العلمي، لقد سبق في تاريخ المعرفة الإنسانية أن دليل الحس البصري قدم لنا صورة حسية عن شروق الشمس وغروبها، فقرر المشاهدون المبصرون أن الشمس هي التي تتحرك وتسير في السماء من الشرق إلى الغرب، وأن الأرض ثابتة.
ثم انفتحت للإنسان دلائل الاستدلال العقلي اعتماداً على أمارات كثيرة، فغيرت نظرته إلى هذه الحقيقة، وجعلته يفسر مشاهدات الحس تفسيراً آخر، خلاصته أن الأرض هي التي تدور حول نفسها، فتشرق الشمس على قسم منها بهذا الدوران، وتغرب عن قسم آخر، ويتوهم الحس البصري أن الشمس هي التي تسير هذا السير، باعتبار اتحاد النسبة من جهة، وعدم شعور ركاب الأرض بحركتها من جهة أخرى.
وهنا نلاحظ وجود التناقض بين النتيجة التي قدمها الحس البصري
стр. 239
والنتيجة الأخرى التي قدمها الاستدلال العقلي، وقام الجدل بين أنصار شهادة الحس البصري، وأنصار شهادة الاستدلال العقلي.
وكان على الإنسان أمام هذا التناقض في النتائج أن يعيد النظر لاستبانة المخطئ من الوسيلتين للظفر باليقين العلمي، نظراً إلى أن أمارات العقل لم تقدم في حدودها الأولى يقينا ً.
ولدى إعادة النظر تبين للإنسان وجود احتمال كون الحس البصري هو المخطئ، وذلك حين دخل محطة انطلاق قطارات سكة الحديد، وركب في أحدها، وكان في جواره قطار ساكن، ولما انطق القطار الذي هو فيه خدعه حسه البصري فحسب أن القطار المجاور له هو الذي انطلق، وكان هذا من الحس البصري شهادة مخطئة، ثم لما انطلق القطار بعيداً تبين له أن الحقيقة بخلاف ما حسبه من قبل.
وبهذه المراجعة الأولى بدأ الإنسان يشك بشهادة حسه البصري عن الحركة، وبدأ يترجح لديه جانب الاستدلال العقلي في هذا الموضوع، دون أن يستطيع كثير من الباحثين تقديم يقين كامل في أول الأمر يثبت أن الأرض هي التي تدور حول نفسها، وأن الشمس بالنسبة إلى هذه الحركة بالذات ثابتة.
وتابع البحث العملي خطواته، وصعد الإنسان إلى الأجواء العليا، وتحرر من سلطان خداع الحسب البصري على سطح الأرض، وتحقق بالمشاهدة البصرية النتيجة التي قدمها الاستدلال العقلي، وأثبت بيقين علمي أن الأرض هي التي تدور حول نفسها في كل يوم مرة، وبذلك تفسر ظاهرة الليل والنهار، وأنها تدور حول الشمس في كل عام شمسي، وهو السبب في كثير من الظواهر التي تحدث في الأرض.
وهكذا لما برئت شهادة الحس البصري من علة الخطأ التي كانت واقعة فيها اتحدت النتيجة، فكان ما أثبته الحس عين ما أثبته الاستدلال العقلي، ووصل الإنسان إلى معرفة هذه الحقيقة إلى مرتبة اليقين.
стр. 240
أما النصوص الدينية في هذا المجال فلا نجد فيها نصاً ثابتاً قاطع الدلالة على ما يخالف هذه الحقيقة التي أثبتها الاستدلال العقلي، ثم شهدها الحس لما تحرر من منطقة الخداع البصري، بل نجد في النصوص الدينية ما يفهم من عمومها دلالات توافق ما انتهى إليه دليل العقل ثم دليل الحس، وحين نجد بعض العلماء السابقين قد فهموا من هذه النصوص فهماً مخالفاً لهذه الحقيقة فما علينا إلا أن نصحح فهمهم، ونعيد النظر في اجتهادهم، لأن النصوص الدينية المبلغة عن الله بطرق ثابتة يقينية لا يمكن أن تكون دلالاتها الصحيحة مناقضة للحقيقة والواقع، وعملية المراجعة هذه لا تمس النصوص الدينية ذاتها، وإنما تمس المفاهيم الاجتهادية التي فهمها مجتهدون ليسوا بمعصومين عن الخطأ، على أن كثيراً من العلماء المسلمين السابقين قد فهموا من هذه النصوص الدينية مفاهيم تتفق مع النتيجة العلمية التي انتهت إلهيا وسائل الاستدلال العقلي والإدراك الحسي.
والواقع في كل الأحوال هو الحَكَم على كل وسائل الاستدلال.
(٥)
بعد أن أوضحت لنا الخطوط الكلية العامة للمنهج العلمي الإسلامي، ظهر لنا تماماً زيف ادعاءات الناقد (د. العظم) إذ صور المنهج الإسلامي كما يشتهي أن يصوره للناس، لتنفيرهم من الإسلام، وأخذ يغالط في الأمور بناءً على ادعاءاته الكاذبة، ثم أخذ يصدر بناء على مغالطاته وأكاذيبه أحكاماً تقريرية من عند نفسه يتهم بها الإسلام ومنهجه للوصول إلى المعرفة.
وما أعتقد أنه يجهل هذه الحقائق كلها أو بعضها عن الإسلام ومنهجه العلمي، ولكن المبطلين كثيراً ما يعرفون الحق إلا أنهم يراوغون عنه، ويحاولون طمس وجهه المشرق الجميل، لأنه يخالف أهواءهم ولا يحقق لهم ما يشتهون، وهذه هي علتهم النفسية.
أما الشاكون الباحثون عن الحقيقة بإخلاص فإنهم لا يغالطون ولا يكذبون ولا يتلاعبون بالحقائق، ومتى وصلوا إلى إدراك الحقيقة بأنفسهم، أو عُرِّفوا بها عن
стр. 241
طريق المناظرة، فإنهم يستمسكون بها كما لو ظفروا بكنز عظيم، ويسهل عليهم الاعتراف والتراجع عن آرائهم السابقة التي كانوا يتصورونها حقاً أو أموراً مرجحة، لأن معرفة الحق هو الأمر العظيم الذي ينشدونه ويبحثون عنه بإخلاص , ولا يبحثون عن مجرد مبررات يصنعونها بأنفسهم، لتدعيم ما تميل إليه أهواؤهم وشهواتهم، ومصالحهم السياسية أو الحزبية، بخلاف المبطلين في كل ذلك، لا سيما الملاحدة ذوو الأهداف الحزبية السياسية.
لما زعم الناقد (د. العظم) أن المنهج الذي اعتمده الإسلام للوصول إل المعارف والعلوم والقناعات عن الكون وتركيبه وطبيعته، وعن تاريخ الإنسان وأصله وحياته خلال العصور هو الرجوع فقط إلى نصوص دينية معينة تعتبر مقدسة أو منزلة، ورتب فريته كما اشتهى، وخالف فيما ادعاه حقيقة المنهج الإسلامي الذي وضحت لنا خطوطه الكلية العامة، وأدخل في كلامه مغالطات مكشوفة، أورد تعليقة التالي فقال في الصفحة (٢٣) من كتابه:
"إن الروح العلمية بعيدة كل البعد عن هذا المنطق، وهذه النظرة الدينية".
إن أي ناظر في أصول المنهج الإسلامي الذي عرضنا خطوطه الكلية العامة يكتشف بنفسه افتراءات الناقد (د. العظم) وأكاذيبه ومغالطاته، ويرى أنها مرفوضة من أساسها.
إن ما أوضحناه من منهج الإسلام في هذا المجال يقنع - بحمد الله - كل ناظر، ويسكت بالحق كل مناظر، ونضيف هنا شواهد من النصوص القرآنية، تدل على مبلغ الدفع الإسلامي للبحث عن حقائق الكون وحقائق الإنسان، عن طريق النظر في الكون نفسه، وفي الإنسان نفسه، وهذا النظر إنما يتم بوسائل البحث الإنساني، وهي وسائل الإدراك الحسي، ووسائل الاستدلال العقلي.
فمن هذه الشواهد القرآنية ما يلي:
(أ) قول الله تعالى في سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) :
﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ... ﴾ .
стр. 242
ففي هذا النص القرآني دعوة آمرة للبحث العملي في السماوات والأرض عن طريق النظر، لا عن طريق تفسير النصوص.
(ب) وقول الله تعالى في سورة (الذرايات/٥١ مصحف/٦٧ نزول) :
﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي? أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ .
في هذا النص دعوة إلى البحث العلمي في الأرض وفي النفس الإنسانية للتعرف على آيات الله فيهما، وهذا البحث العلمي لا بد أن يعتمد على وسائل الإدراك الحسي والاستدلال العقلي.
(ج) وقول الله تعالى في سورة (العنكبوت/٢٩ مصحف/٨٥ نزول) :
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِيءُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
ففي هذا النص دعوة للنظر في ظاهرة التكوين عن طريق البحث العلمي، الذي يعتمد الوسائل الحسية والوسائل العقلية، لا على مجرد تفسير النصوص وفهم دلالاتها، كما زعم الناقد (د. العظم) في ادعاءاته وافتراءاته ومغالطاته.
وقد اندفع المسلمون فعلاً يطبقون منهج النظر العلمي في أنفسهم وفي الكون من حولهم، للوصول إلى معرفة حقائق الأمور، عن الكون والإنسان والحياة، وسر المبدأ ومفاهيم النشأة، وهذا البحث هداهم إلى تطبيق المنهج التجريبي، في العلوم التي تخضع موضوعاتها للملاحظة والتجربة، الأمر الذي دفع العالم الأوروبي المشهور (جب) إلى أن يقول في كتابه "الاتجاهت الحديثة في الإسلام" (١) :
"أعتقد من المتفق عليه أن الملاحظة التفصيلية الدقيقة التي قام بها
стр. 243
الباحثون المسلمون قد ساعدت على تقدم المعرفة العلمية مساعدة مادية ملموسة، وأنه عن طريق هذه الملاحظات وصل المنهج التجريبي إلى أوروبا في العصور الوسطى".
فهل بعد هذا تبقى أية قيمة لافتراءات الناقد (د. العظم) ؟
إن أي ناظر منصف يعرف هذه الحقيقة عن الإسلام لا يمكن أن يلتفت إلى افتراءاته وافتراءات أمثاله، أو يتأثر بها، ولا بد أن يعلم أن من الهراء الذي ليس له قيمة فكرية قوله في الصفحة (٢٣) من كتابه:
"أما الدين فبطبيعة عقائده المحددة ثابت ساكن يعيش في الحقائق الأزلية، وينظر إلى الوراء ليستلهم مهده".
يقصد بهذا الكلام أن الدين لا يسمح بالبحث والاكتشاف، وإنما يفرض على المسلمين أن يقفوا في معارفهم عند حدود النصوص الدينية وتفسيراتها، دون أن ينظروا في الكون ويبحثوا فيه بوسائلهم الإنسانية الحسية والعقلية.
إن مثل هذا الافتراء لا يدخل إلى على الجاهلين بالإسلام، والأغرار المضللين، أما من قرأ شيئاً عن الإسلام مما كتبه كتاب مسلمون، أو من المصادر الإسلامية المعتمدة فإنه يستطيع بسرعة أن يكشف زيف هذا الكلام وما فيه من أباطيل.
(٦)
يقول الناقد (د. العظم) في الصفحة (٢٤) من كتابه:
"هناك تشابه بين الدين والعلم في أن كليهما يحاول أن يفسر الأحداث، وأن يحدد الأسباب. إن الدين بديل خيالي عن العلم، ولكن تنشأ المشكلة عندما يدعي الدين لنفسه ولمعتقداته نوعاً من الصدق لا يمكن لأي بديل خيالي أن يتصف به".
إن أي ناظر في هذا الكلام (العظمي) لا يرى فيه أي شيء من النقد العلمي، وما زعمه دليلاً فيما كتبه حول هذا الموضوع سبق أن كشفنا زيفه.
стр. 244
إذا كان يريد نقداً علمياً صيحاً فما باله يعطي من عنده تقريراً يلقيه جزافاً من غير أي دليل صحيح، ويتهم فيه الدين بأنه بديل خيالي عن العلم؟
باستطاعة أي جاهل أن يقدم تقريراً لأتباعه من العميان يقول لهم فيه: إن الشمس التي يزعمها المبصرون ليست سوى بديل خيالي عن الشعلات البترولية التي يوقدها الذين اكتشفوا البترول واستخرجوه من أعماق الأرض.
ليس هذا في الحقيقة سوى شتائم باستطاعة أي إنسان محروم من الأخلاق العلمية أن يكيلها، فيسمي الحق باطلاً دون أن يقدم أي برهان، ويتهم الجميل بالقبح، ويصم العالم بالجهل، ويجعل الفضيلة رذيلة، وهكذا بلا ضابط فكري ولا ضابط أخلاقي، ولسنا نريد أن تكون معركتنا مع الملاحدة معركة شتائم، فلنقتسم معهم خطتي رشد وسفاهة، فنأخذ نحن خطة الرشد، ويأخذون هم خطة السفاهة. وخطة الرشد لا بد أن تنتصر في آخر الأمر على خطة السفاهة، لأن للحق قوة وسلطاناً على العقول، ولأن للرشد قوة وسلطاناً على القلوب. وخطة السفاهة ترغي وتزبد ولا حق يدعمها، ولا فضيلة تزينها، أو إلى القلوب تقرِّبها.
إنه لأمر طبيعي في الملاحدة - بعد أن جحدوا وجود الله ﵎ وهو مصدر الدين والمنزل لتعاليمه- أن يعتبروا ما جاء في الدين من أخبار صادقة أموراً خيالية، وأن يتهموا الدين بأنه بديل خيالي عن العلم، لكن البراهين العلمية نفسها تلزمهم بالإيمان بالله لو كانوا مخلصين حقيقة للعلم، إنهم يهربون من الدين إلى التذرع بالعلم، وحينما تردهم البراهين العلمية إلى الدين يراوغون ويخادعون، فيترددون في منطقة مظلمة لا تشرق عليها أنوار الدين ولا تشرق عليها أنوار العلم، ويعصبون أعينهم عن الحقيقة وينادون بالإنكار، والإنكار موقف سلبي تجاه الحقيقة، لا يكلف صاحبه أكثر من كلمة: لا أعترف، أو أنكر، أو أجحد، أو هذا غير صحيح، أو العلم لا يقبله، أو العقل لا يقبله، أو نحو ذلك، وكلما جئته بدليل عقلي أو علمي قال: لا أسلم، أو هذا دليل غير كافٍ، أو لم يعطني قناعة كافية.
ولكن إذا لم يكلفه الإنكار غير مثل هذه الأقوال عند المناظرة فسيكلفه الكثير الكثير عند الجزاء العادل، وسيكلفه خسارة سعادته الأبدية، وحمل ثقل الشقاء
стр. 245
الخالد مع العذاب الأليم، دون أن يحقق لنفسه أي كسب في الحياة الدنيا من موقفه السلبي الإنكاري.
وإن أقول له ما قال الله في سورة (الزمر/٣٩ مصحف/٥٩ نزول) :
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُو?اْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ياعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ .
لقد كان من الأهون عليه يوم الجزاء لو آمن وعصى، وعرَّض نفسه لعقاب العصيان فقط، وحَمَى نفسه من عقاب الكفر الذي لا نهاية له، هذا إذا كان الدافع له إلى سبيل الكفر رغبته بالفجور، والانطلاق في تلبية أهوائه وشهواته. أما إذا كان العناد والكبر هما الدافع له إلى الإلحاد والكفر فهذا شيء آخر لا دواء له إلا التنازل عن الكبر والعناد، أو ليتحمل نتيجة كبره وعناده.
وحين قال (د. العظم) : "إن الدين بديل خيالي عن العلم، ولكن تنشأ المشكلة عندما يدَّعي الدين لنفسه ولمعتقداته نوعاً من الصدق لا يمن لأي بديل خيالي أن يتصف به".
فقد اعترف ضمناً بأنه لا يمكن لأي بديل خيالي أن يظفر بالثقة التي يظفر بها الدين، بما في ذلك الآراء الإلحادية التي يجهد الملحدون بزخرفتها وتزيينها، ومد الأصبغة والطلاءات عليها.
والسر في ذلك أن الدين حق، ولا يستطيع الباطل أن يظفر بما يظفر به الحق.
وأما كون الدين يدعي لنفسه ولمعتقداته الصدق فهذه قضية خاضعة للقياس البرهاني، إذا كانت المعارف الديِّنة مما تستطيع الوسائل الإنسانية الحسية أو الاستدلالية أو العقلية المجردة التوصل إليها. وهنا نجد التلاقي التام بين الثابت من العلم والثابت من الدين. أما غير الثابت من هذا أو ذاك فليس صالحاً من أساسه لأن يقف موقف اليقين والمعارضة، بل هو احتمال قد يكون راجحاً وقد يكون غير راجح.
стр. 246
وحينما يخبر الدين بأخبار صحيحة ثابتة يقينية عن أمور غيبية لا تستطيع الوسائل الإنسانية التوصل إليها بإثبات أو نفي، فهي أخبار ليس من حق العلم الإنساني أن ينفيها، ولكن لما ثبت أن الدين من عند الله، وثبت ببرهان المعجزات صدق الرسول، ورأينا صدق الأخبار الدينية الثابتة في كل الأمور التي استطاع العلم بوسائله الإنسانية التوصل إليها، كان كل ذلك شهادة بأن الأخبار الأخرى عن أمور الغيب وحق وصدق، ويجب الإيمان والتسليم بها.
ويتابع الناقد (د. العظم) بإصرار دعائي كاذب، فيقول:
"إن محاولة طمس معالم النزاع بين الدين والعلم ليست إلا محاولة يائسة للدفاع عن الدين، يلجأ إليها كلما اضطر الدين أن يتنازل عن موقع من مواقعه التقليدية، أو كلما اضطر لأن ينسحب من مركز كان يشغله في السابق".
ما هذا الكذب العظيم الذي لجأ إليه في هذا الافتراء؟! ألا أخبرنا عن قضية واحدة مما تنازل عنه الدين للعلم؟ وما هي المواقع التي تنازل عنها الدين وانسحب منها أو تراجع فيها؟
هل تراجع الإسلام عن عقيدة من عقائده.
هل تراجع الإسلام عن حقيقة ثابتة بنص يقين؟
إذا كان يريد تصحيح اجتهادات بعض المجتهدين من المسلمين فليست هذه الاجتهادات جزءاً من نصوص الدين، حتى يعتبر الدين مسؤولاً عنها، وحتى يعتبر تصحيحها تراجعاً في الدين. إن الخلافات في فهم النصوص الإسلامية ما زالت ولن تزال قوة حركة علمية بين علماء المسلمين.
فدعواه التراجع وتصويره له بالصورة التي راقت له قضية مفتراة لا أساس لها من الصحة، وليأتنا بواحدة منها حتى نناقشه فيها.
إنه لن يستطيع إلا بالمغالطة والتضليل، بيد أن التراجع مشاهد في النظريات العلمية لصالح الدين، وسنعقد لهذا بحثاً منفصلاً.
стр. 247
(٧)
بإصرار مستميت حاول النقد (د. العظم) إثبات ما ادعاه من وجود التناقض بين الدين والعلم، رغبةً بدعم الإلحاد التي يبشر بها في الوطن العربي، خدمة للمنظمة الإلحادية العالمية، ومن ورائها اليهودية العالمية ذات المصالح الخاصة التي تتحقق لها متى انتشر الإلحاد في الأرض وعمَّ الفساد في الشعوب.
ولذلك فهو يصطنع أسساً وهمية لما يريد أن يثبته، ثم يبني عليها أبنية خيالية لا وجود لها إلا في رؤوس أصحابها، أو في رؤوس الذين ينخدعون بأقوالهم، ويسلمون بها دون محاكمة علمية منطقية رصينة.
قال في الصفحة (٢٧) من كتابه:
"فهل من عجب إذن أن نسمع نيتشه يعلن في القرن الماضي أن الله قد مات؟ وهل باستطاعتنا أن ننكر أن الإله الذي مات في أوروبا بدأ يحتضر في كل مكان تحت تأثير المعرفة العلمية، والتقدم الصناعي والمناهج العقلية في تقصي المعرفة، والاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد؟....".
ثم قال في الصفحة (٢٨) :
"إن قولنا باحتضار الله في المجتمعات المتخلفة يشكل تمثيلاً رمزياً لحالة الثوران والفوران، وفقدان الجذور التي تعانيها هذه المجتمعات، في محاولاتها الوصول إلى التعايش المرحلي بين الأفكار العلمية الجديدة وتطبيقاتها العملية، وبين تراثها الديني السحيق، دون أن تتنازل كلياً ومرة واحدة عما في ماضيها من قيم غيبية".
يا عجباً، وأية علاقة للتقدم الصناعي بموضوع إثبات الله أو نفيه؟ وأية علاقة أيضاً للاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد بهذا الموضوع نفسه؟
لكنه صاحب مذهب معين أعماه التعصب لمذهبه، فصار يحشر كل العبارات التي يرددها رفاقه في كل مكان، ولو لم يكن لها أدنى علاقة بالموضوع، حتى لو رأى العالم الطبيب الجراح في غرفة العمليات يجري عملية خطيرة في القلب
стр. 248
لقال له: ما هذه العملية الرجعية؟ إن الاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد تتطلب الرجوع قبل إجراء العملية إلى مفاهيم الحزب الثوري الذي بنى على المعرفة العملية والمناهج الثورية في تقصي المعرفة. ولو رأى الأم ترضع ولدها وتحنو عليه وكان هو لا يرغب بذلك لأطلق العبارات نفسها، فقال لها: ما هذا التخلف؟ إن الاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد المبنية على المعرفة العلمية والمناهج الثورية في تقصي المعرفة تتناقض مع هذه العملية الرجعية السحيقة في القدم تناقضاً كليا، فعملية إرضاع الأمهات أطفالهن تطبيق مناقض للعلم والاتجاهات الثورية، وهي قائمة على تصور باطل للكون والحياة والإنسان، لا سيما نظرية التطور، والثورة الفرنسية، والحقائق العلمية التي اشتمل عليها كتاب "أصل الأنواع" لداروين، وكتاب "رأس المال" لكارل ماركس.
فهو كلما رأى شيئاً يخالف مذهبه الباطل أو يخالف هواه جاء بهذه العبارات نفسها فرددها دون وعي لمضمونها، ودون ملاحظة أية مناسبة بينها وبين الموضوع الذي يستعملها فيه.
وقد ذكرني هذا بقصة الثري الغبي وبائع الببغاء، قالوا: مرَّ ثريٌ غبي على بائع الطيور النادرة فوجده يعرض للبيع ببغاء تتكلم كل شيء، حتى إنها تتكلم بمختلف اللغات، فتعلقت نفس الثري الغبي بشرائها، ولكنه أراد أن يستوثق من البائع عن صحة دعواه، فقال له البائع الخبيث سل الببغاء فإنها تجيبك. فقال الثري لها: يا ببغاء أحقاً أنك تتكمين كل اللغات؟ فأجابته الببغاء: وهل أنت في شك من ذلك؟ فقال لها: فهل تتكلمين الفرنسية فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟ فقال لها: والإنكليزية؟ فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟ فانخدع بالأمر فاشتراها بثمن عظيم إذ استغل البائع الخبيث غفلته. ولما انصرف إلى بيته دعا أقرانه من الوجهاء والأعيان ليطلعهم على تحفته الجديدة، وأخرجها إليهم وقال لهم: كلموها تجبكم بكل شيء، فجعلوا يكلمونها فلا تجيب إلا بقولها: وهل أنت في شك من ذلك؟ عندئذٍ قال لها الثري: لقد كنتُ غبياً جداً بل حماراً إذ اشتريتك أليس كذلك؟ فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟
стр. 249
وهذا هو الجواب الوحيد الذي صدقت به، وما كان لها أن تصدق بغيره، لأن بائعها لم يُعلمها غير هذه العبارة.
وكم نشاهد في الحزبين المتعصبين ببغاوات، لا يفقهون إلا عبارات محفوظة يرددونها بمناسبة وبغير مناسبة، حتى ولو كان أحدهم من الطلائع المثقفة التي تحمل شهادات كبيرة، فالتعصب الحزبي المذهبي أخطر عمىً فكري تصاب به المجتمعات الإنسانية.
لذلك فلا عجب أن نجد من نحن في صدده متهافتاً في كلامه، متخبطاً في أفكاره، يلبس بنطاله من يديه، ويلبس معطفه من رجليه، ويجري التبادل المضحك بين ألبسة الرؤوس والأقدام.
ومن تمويهاته التي أراد أن يجعل منها مشكلة خاصة من مشكلات النزاع بين الدين والعلم قوله في الصفحة (٢٩) من كتابه:
"بعد أن عالجنا بشيء من التفصيل مشكلة الثقافة العلمية والاعتقاد الديني، على مستوى النزاع بين الدين والعلم ننتقل الآن إلى معالجة الموضوع على صعيد ما أسميناه بالمشكلة الخاصة. والسؤال الذي سيدور بحثنا حوله يتلخص بما يلي: كيف يكون موقف الإنسان الذي تعرض للثقافة العلمية، وتأثر بها تأثراً جذرياً من المعتقدات الدينية التقليدية والمؤسسات التي تتجسد فيها؟ أيستطيع هذا الإنسان أن يستمر في الاعتقاد بآدم وحواء، وبالجحيم والنعيم، وبأن موسى شق البحر الأحمر وحوّل عصاه حيَّة تسعى؟ كيف يكون موقف الإنسان الذي نشأ نشأة دينية وتقبلها جملة وتفصيلاً من النظرة العلمية الطبيعية للحياة والكون والإنسان؟ من العسير أن نجد بيننا شخصاً يتمتع بشيء من الحس المرهف وبقسط ولو متواضع من الذكاء والثقافة العلمية لم يعانِ التوتر الذي تنطوي عليه هذه الأسئلة، والقلق الذي تثيره في إحدى مراحل حياته ونموِّه".
أكل المشكلة الخاصة التي زعم سيادة الناقد أنها تحدث القلق والتوتر هي أن يعتقد المثقف العصري بآدم وحواء، وبالجحيم والنعيم، أي بقانون الجزاء الرباني،
стр. 250
وبالمعجزات التي يجريها الله على أيدي رسله ليشهد لهم بصدقهم فيما يبلغون عنه؟
ما هو مدى تأثير هذه العقائد على أي تقدم في الصناعة أو في الفيزياء، أو في الكيمياء أو في الطب والزراعة، أو في الفلك والرياضيات أو في التكنولوجيا أو في أي مجال نافع من مجالات الحياة؟
هل إنكار آدم وحواء يمثل قاعدة الارتقاء في المعرفة، فمن آمن بهما توقف ومن أنكرهما وارتقى؟
هل تنحل مشكلة القلق والتوتر إذا هو آمن بجدٍّ من القرود بدل آدم، وبجدة قردة بدل حواء؟
هل الإيمان بالآخرة وقانون الجزاء الرباني لالتزام فعل الخير وترك الشر يعتبر معوقاً من معوقات التقدم العلمي والصناعي؟ وهل الكفر بهما يعطي شحنة دافعة للتقدم العلمي والصناعي؟
ما هذا الكلام الهراء الذي لا يقوله ولا يقبله إلا السخفاء؟
أيها الملحدون ارفعوا عن قرون الجهل الفاضح والحماقة السخيفة الحجرية أقنعة العلمانية، إن العلم الصحيح الثابت لا يخدم قضيتكم الباطلة، إن العلم الصحيح بعيد عن دعوتكم ومذهبكم كبعدكم عن الله الذي تجحدونه، وعن آياته وبياناته التي تنكرونها، وعن أخباره التي تسخرون منها.
إن ما زعمه الناقد (د. العظم) فيما أسماه بالمشكلة الخاصة التي تحدث في نفس المثقف ثقافة علمية توتراً وقلقاً، حينما يحاول التوفيق بين عقائده الدينية ومعارفه العلمية يشبه مشكلة المدينة التي داهمت الجيوش الغازية أسوارها، وأهلها لا يخرجون للدفاع وصد الغزاة؛ لأنهم يعانون توتراً فكرياً وقلقاً خطيراً حول السؤال التالي: هل وجود الدجاجة كان سابقاً لوجود البيضة؟ أم وجود البيضة كان سابقاً لوجود الدجاجة؟
الحقيقة أن الملحدين هم الذين يعانون من القلق والتوتر، ويقعون تحت وطأة