وحينما يخبر الدين بأخبار صحيحة ثابتة يقينية عن أمور غيبية لا تستطيع الوسائل الإنسانية التوصل إليها بإثبات أو نفي، فهي أخبار ليس من حق العلم الإنساني أن ينفيها، ولكن لما ثبت أن الدين من عند الله، وثبت ببرهان المعجزات صدق الرسول، ورأينا صدق الأخبار الدينية الثابتة في كل الأمور التي استطاع العلم بوسائله الإنسانية التوصل إليها، كان كل ذلك شهادة بأن الأخبار الأخرى عن أمور الغيب وحق وصدق، ويجب الإيمان والتسليم بها.
ويتابع الناقد (د. العظم) بإصرار دعائي كاذب، فيقول:
"إن محاولة طمس معالم النزاع بين الدين والعلم ليست إلا محاولة يائسة للدفاع عن الدين، يلجأ إليها كلما اضطر الدين أن يتنازل عن موقع من مواقعه التقليدية، أو كلما اضطر لأن ينسحب من مركز كان يشغله في السابق".
ما هذا الكذب العظيم الذي لجأ إليه في هذا الافتراء؟! ألا أخبرنا عن قضية واحدة مما تنازل عنه الدين للعلم؟ وما هي المواقع التي تنازل عنها الدين وانسحب منها أو تراجع فيها؟
هل تراجع الإسلام عن عقيدة من عقائده.
هل تراجع الإسلام عن حقيقة ثابتة بنص يقين؟
إذا كان يريد تصحيح اجتهادات بعض المجتهدين من المسلمين فليست هذه الاجتهادات جزءاً من نصوص الدين، حتى يعتبر الدين مسؤولاً عنها، وحتى يعتبر تصحيحها تراجعاً في الدين. إن الخلافات في فهم النصوص الإسلامية ما زالت ولن تزال قوة حركة علمية بين علماء المسلمين.
فدعواه التراجع وتصويره له بالصورة التي راقت له قضية مفتراة لا أساس لها من الصحة، وليأتنا بواحدة منها حتى نناقشه فيها.
إنه لن يستطيع إلا بالمغالطة والتضليل، بيد أن التراجع مشاهد في النظريات العلمية لصالح الدين، وسنعقد لهذا بحثاً منفصلاً.
стр. 247
(٧)
بإصرار مستميت حاول النقد (د. العظم) إثبات ما ادعاه من وجود التناقض بين الدين والعلم، رغبةً بدعم الإلحاد التي يبشر بها في الوطن العربي، خدمة للمنظمة الإلحادية العالمية، ومن ورائها اليهودية العالمية ذات المصالح الخاصة التي تتحقق لها متى انتشر الإلحاد في الأرض وعمَّ الفساد في الشعوب.
ولذلك فهو يصطنع أسساً وهمية لما يريد أن يثبته، ثم يبني عليها أبنية خيالية لا وجود لها إلا في رؤوس أصحابها، أو في رؤوس الذين ينخدعون بأقوالهم، ويسلمون بها دون محاكمة علمية منطقية رصينة.
قال في الصفحة (٢٧) من كتابه:
"فهل من عجب إذن أن نسمع نيتشه يعلن في القرن الماضي أن الله قد مات؟ وهل باستطاعتنا أن ننكر أن الإله الذي مات في أوروبا بدأ يحتضر في كل مكان تحت تأثير المعرفة العلمية، والتقدم الصناعي والمناهج العقلية في تقصي المعرفة، والاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد؟....".
ثم قال في الصفحة (٢٨) :
"إن قولنا باحتضار الله في المجتمعات المتخلفة يشكل تمثيلاً رمزياً لحالة الثوران والفوران، وفقدان الجذور التي تعانيها هذه المجتمعات، في محاولاتها الوصول إلى التعايش المرحلي بين الأفكار العلمية الجديدة وتطبيقاتها العملية، وبين تراثها الديني السحيق، دون أن تتنازل كلياً ومرة واحدة عما في ماضيها من قيم غيبية".
يا عجباً، وأية علاقة للتقدم الصناعي بموضوع إثبات الله أو نفيه؟ وأية علاقة أيضاً للاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد بهذا الموضوع نفسه؟
لكنه صاحب مذهب معين أعماه التعصب لمذهبه، فصار يحشر كل العبارات التي يرددها رفاقه في كل مكان، ولو لم يكن لها أدنى علاقة بالموضوع، حتى لو رأى العالم الطبيب الجراح في غرفة العمليات يجري عملية خطيرة في القلب
стр. 248
لقال له: ما هذه العملية الرجعية؟ إن الاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد تتطلب الرجوع قبل إجراء العملية إلى مفاهيم الحزب الثوري الذي بنى على المعرفة العملية والمناهج الثورية في تقصي المعرفة. ولو رأى الأم ترضع ولدها وتحنو عليه وكان هو لا يرغب بذلك لأطلق العبارات نفسها، فقال لها: ما هذا التخلف؟ إن الاتجاهات الثورية في المجتمع والاقتصاد المبنية على المعرفة العلمية والمناهج الثورية في تقصي المعرفة تتناقض مع هذه العملية الرجعية السحيقة في القدم تناقضاً كليا، فعملية إرضاع الأمهات أطفالهن تطبيق مناقض للعلم والاتجاهات الثورية، وهي قائمة على تصور باطل للكون والحياة والإنسان، لا سيما نظرية التطور، والثورة الفرنسية، والحقائق العلمية التي اشتمل عليها كتاب "أصل الأنواع" لداروين، وكتاب "رأس المال" لكارل ماركس.
فهو كلما رأى شيئاً يخالف مذهبه الباطل أو يخالف هواه جاء بهذه العبارات نفسها فرددها دون وعي لمضمونها، ودون ملاحظة أية مناسبة بينها وبين الموضوع الذي يستعملها فيه.
وقد ذكرني هذا بقصة الثري الغبي وبائع الببغاء، قالوا: مرَّ ثريٌ غبي على بائع الطيور النادرة فوجده يعرض للبيع ببغاء تتكلم كل شيء، حتى إنها تتكلم بمختلف اللغات، فتعلقت نفس الثري الغبي بشرائها، ولكنه أراد أن يستوثق من البائع عن صحة دعواه، فقال له البائع الخبيث سل الببغاء فإنها تجيبك. فقال الثري لها: يا ببغاء أحقاً أنك تتكمين كل اللغات؟ فأجابته الببغاء: وهل أنت في شك من ذلك؟ فقال لها: فهل تتكلمين الفرنسية فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟ فقال لها: والإنكليزية؟ فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟ فانخدع بالأمر فاشتراها بثمن عظيم إذ استغل البائع الخبيث غفلته. ولما انصرف إلى بيته دعا أقرانه من الوجهاء والأعيان ليطلعهم على تحفته الجديدة، وأخرجها إليهم وقال لهم: كلموها تجبكم بكل شيء، فجعلوا يكلمونها فلا تجيب إلا بقولها: وهل أنت في شك من ذلك؟ عندئذٍ قال لها الثري: لقد كنتُ غبياً جداً بل حماراً إذ اشتريتك أليس كذلك؟ فقالت له: وهل أنت في شك من ذلك؟
стр. 249
وهذا هو الجواب الوحيد الذي صدقت به، وما كان لها أن تصدق بغيره، لأن بائعها لم يُعلمها غير هذه العبارة.
وكم نشاهد في الحزبين المتعصبين ببغاوات، لا يفقهون إلا عبارات محفوظة يرددونها بمناسبة وبغير مناسبة، حتى ولو كان أحدهم من الطلائع المثقفة التي تحمل شهادات كبيرة، فالتعصب الحزبي المذهبي أخطر عمىً فكري تصاب به المجتمعات الإنسانية.
لذلك فلا عجب أن نجد من نحن في صدده متهافتاً في كلامه، متخبطاً في أفكاره، يلبس بنطاله من يديه، ويلبس معطفه من رجليه، ويجري التبادل المضحك بين ألبسة الرؤوس والأقدام.
ومن تمويهاته التي أراد أن يجعل منها مشكلة خاصة من مشكلات النزاع بين الدين والعلم قوله في الصفحة (٢٩) من كتابه:
"بعد أن عالجنا بشيء من التفصيل مشكلة الثقافة العلمية والاعتقاد الديني، على مستوى النزاع بين الدين والعلم ننتقل الآن إلى معالجة الموضوع على صعيد ما أسميناه بالمشكلة الخاصة. والسؤال الذي سيدور بحثنا حوله يتلخص بما يلي: كيف يكون موقف الإنسان الذي تعرض للثقافة العلمية، وتأثر بها تأثراً جذرياً من المعتقدات الدينية التقليدية والمؤسسات التي تتجسد فيها؟ أيستطيع هذا الإنسان أن يستمر في الاعتقاد بآدم وحواء، وبالجحيم والنعيم، وبأن موسى شق البحر الأحمر وحوّل عصاه حيَّة تسعى؟ كيف يكون موقف الإنسان الذي نشأ نشأة دينية وتقبلها جملة وتفصيلاً من النظرة العلمية الطبيعية للحياة والكون والإنسان؟ من العسير أن نجد بيننا شخصاً يتمتع بشيء من الحس المرهف وبقسط ولو متواضع من الذكاء والثقافة العلمية لم يعانِ التوتر الذي تنطوي عليه هذه الأسئلة، والقلق الذي تثيره في إحدى مراحل حياته ونموِّه".
أكل المشكلة الخاصة التي زعم سيادة الناقد أنها تحدث القلق والتوتر هي أن يعتقد المثقف العصري بآدم وحواء، وبالجحيم والنعيم، أي بقانون الجزاء الرباني،
стр. 250
وبالمعجزات التي يجريها الله على أيدي رسله ليشهد لهم بصدقهم فيما يبلغون عنه؟
ما هو مدى تأثير هذه العقائد على أي تقدم في الصناعة أو في الفيزياء، أو في الكيمياء أو في الطب والزراعة، أو في الفلك والرياضيات أو في التكنولوجيا أو في أي مجال نافع من مجالات الحياة؟
هل إنكار آدم وحواء يمثل قاعدة الارتقاء في المعرفة، فمن آمن بهما توقف ومن أنكرهما وارتقى؟
هل تنحل مشكلة القلق والتوتر إذا هو آمن بجدٍّ من القرود بدل آدم، وبجدة قردة بدل حواء؟
هل الإيمان بالآخرة وقانون الجزاء الرباني لالتزام فعل الخير وترك الشر يعتبر معوقاً من معوقات التقدم العلمي والصناعي؟ وهل الكفر بهما يعطي شحنة دافعة للتقدم العلمي والصناعي؟
ما هذا الكلام الهراء الذي لا يقوله ولا يقبله إلا السخفاء؟
أيها الملحدون ارفعوا عن قرون الجهل الفاضح والحماقة السخيفة الحجرية أقنعة العلمانية، إن العلم الصحيح الثابت لا يخدم قضيتكم الباطلة، إن العلم الصحيح بعيد عن دعوتكم ومذهبكم كبعدكم عن الله الذي تجحدونه، وعن آياته وبياناته التي تنكرونها، وعن أخباره التي تسخرون منها.
إن ما زعمه الناقد (د. العظم) فيما أسماه بالمشكلة الخاصة التي تحدث في نفس المثقف ثقافة علمية توتراً وقلقاً، حينما يحاول التوفيق بين عقائده الدينية ومعارفه العلمية يشبه مشكلة المدينة التي داهمت الجيوش الغازية أسوارها، وأهلها لا يخرجون للدفاع وصد الغزاة؛ لأنهم يعانون توتراً فكرياً وقلقاً خطيراً حول السؤال التالي: هل وجود الدجاجة كان سابقاً لوجود البيضة؟ أم وجود البيضة كان سابقاً لوجود الدجاجة؟
الحقيقة أن الملحدين هم الذين يعانون من القلق والتوتر، ويقعون تحت وطأة
стр. 251
التناقض بين الحقيقة وبين ما اختاروا لأنفسهم من مذهب باطل من جهة، وبين العناد والخوف من المصير من جهة أخرى، وهذا يظهر في حالات العنف الذي يبدو في تصرفاتهم، والاضطراب الشديد الذي تعاني نفوسهم منه، لأن عقولهم الباطنة وجذور ضمائهم لا تستطيع أن تنكر الحقيقة، بينما لا تستطيع نفوسهم المجرمة وشهواتهم العارمة أن تسلِّم بها، فهم بذلك يقعون في حالات الصراع الداخلي العنيف، الذي لا يحلُّه إلا العناد والإمعان في الجريمة، وتجاهل المصير الخطير المؤلم الذي يقذفون بأنفسهم إليه، ويبدو بعد ذلك صفرة كالحة في وجوههم، وحقداً على الناس في معاملاته، ووحشية عجيبة حين يظفرون.
أما المؤمنون فهم - على العكس من كل ذلك- يظلون مطمئنين في كل أحوالهم، ولا يوجد في داخلهم تناقض بين الحقيقة وما يعتقدون، ويشعرون دائماً بالأمن تجاه مصيرهم، لأن الله قد ضمن لهم الجنة بإيمانهم، وحينما يقلقون بعض القلق من المعاصي التي قد يفعلونها تأتي مفاهيم التوبة ورجاء الغفران فتمسح عن نفوسهم القلق، وتعيد لها طمأنينتها ثقة برحمة الله وعفوه، ومشاعرهم نحو الناس تتدفق بالمحبة والرحمة وإرادة الخير والهداية للناس كل الناس. وحينما يجدون خلافاً بين ما يقوله واضعو النظريات العلمية وما يقوله المجتهدون في فهم النصوص الدينية فإنهم يقولون: إن الحقيقة واحدة، لا تتعدد، والدين لا يلزمنا باعتقاد غير الحقيقة. فلا بد أن يكون الخطأ فيما سمي نظرية علمية ونسب إلى الحقيقة العلمية نسبة غير صحيحة، أو فيما نسب إلى الدين وهو في الواقع اجتهاد خاطئ في فهم النصوص، أما ما هو يقيني في الدين وما هو يقيني في العلم فإنه لا يوجد فيه خلاف مطلقاً، ومعظم الأمور الطبيعية الكونية سكت عنها الدين، لأن البحث الإنساني سيصل إليها بنفسه، وكثير من الأمور الغيبية الكبرى لا يستطيع البحث العلمي أن يصل إليها بنفسه، أو أن يحدد صفاتها وخصائصها، لذلك فهو يعتمد فيها على الدين ولا يستطيع أن يحكم عليها بإثبات أو نفي.
وحينما يتجاوز العلم الإنساني حدوده، ويحاول أن يصدر أحكاماً بإثبات أشياء أو نفيها لا تملك وسائله إثباتها أو نفيها، فإن المؤمنين بالدين يقولون للبحث العلمي: قف ولا تتعد حدودك. لذلك فحينما يأتي باحث إنساني فيحكم على
стр. 252
تاريخ الإنسان حكماً يغلي فيه آدم وحواء وقصتهما في نشأة هذه السلالة البشرية فإن المؤمنين بالدين يقولون له: لقد تجاوزت حدود وسائلك التي تكسبك المعارف الصحيحة، ووقعت في التخيلات الذهنية التي ليس باستطاعتها أن تقدم حقائق علمية.
لست أدري ما هي الحقائق العلمية الثابتة القائمة على أدلة يقينية والتي تستطيع أن تلغي فكرة آدم وحواء وقصتهما الواردة في النصوص الدينية؟ أما الافتراضات والتخيلات والاحتمالات الذهنية فليس من شأنها أن تثبت حقائق علمية، ما دام يوجد ما يناظرها ويكافئها في عالم الافتراضات والتخيلات والاحتمالات الذهنية.
الواقع أنه لا توجد حقائق علمية تنفي آدم وحواء وقصتهما، أما الداروينية فإنها فرضية لا تمثل الحقيقة من جهة، ولا تملك أدلة إثبات صحيحة، ولا تستطيع أن تنقض خبراً دينياً، أو تقوى على ما يفهم من ظاهره حتى نلجأ إلى تأويله بما يتفق مع الحقيقة العلمية، لذلك فإن المؤمنين بالدين لا يعانون تناقضاً في هذه المسألة بين عقيدتهم الدينية ومفاهيمهم العلمي، إنهم يقولون للعم: تابع بحثك حتى تصل إلى اليقين العلمي، الذي لا يرتبط بتقدم في المعرفة أو في الصناعة، أو في الاختراع والإبداع، أو في الحضارة وسعادة الإنسان، وليس من شأن الخلاف العلمي فيها أن يحدث قلقاً وتوتراً، حتى يعطيه سيادة الناقد كل هذه الأهمية.
ولكن كيف يجد الملاحدة مشكلات يهزون بها واقع الصدقة المتينة بين الإسلام والعلم؟ إنهم إذا لم يجدوها في الواقع فلا بد أن يصطنعوها بالتزوير والكذب، وبإيجاد النظريات التي ينسبونها إلى العلم، والعلم منها بريء، ويسخِّرون لترويجها عناصر كثيرة يشترونها بوسائلهم المختلفة.
وأما اعتقاد المؤمنين بالجحيم والنعيم فهو موضوع يتصل الإيمان باليوم الآخر، وقد شرحنا هذا الموضوع سابقاً شرحاً كشفنا فيه زيف جحود الملحدين، وأوضحنا فيه أن الملحدين لا يملكون أي دليل عقلي أو علمي يستطيعون أن ينفوا
стр. 253
به الحياة الأخرى وما فيها من جزاء، بيد أن المؤمنين هم الذين يملكون الأدلة لما يؤمنون به.
فلا نزاع بين العلم والدين، ولكن النزاع بين الإيمان العلمي وبين الكفر الجاهل المخادع الذي يلبس أثواب العلم زوراً وبهتاناً.
وأما معجزات الرسل فقضية تتصل بقدرة الله الخالق القادر على تغيير ما يشاء من أنظمة كونه، لإثبات قضية الإيمان لعباده وتصديق رسله فيما يبلغون عنه، وهذه قضية لا تتعارض مع العقل ولا مع العلم الصحيح.
(٨)
يتابع الناقد (العظم) إصراره المستميت على ادعاء وجود التناقض بين الإسلام والعلم، فنجده يعرض أقوال بعض الباحثين المسلمين الذين يوضحون أنه لا نزاع ولا تناقض بينهما، ثم يعلق عليها بأنها توفيقات خطابية، أي: لا تعتمد على أدلة علمية، بينما لا يأتي هو بأي دليل علمي أو منطقي يثبت فيه ادعاءاته الباطلة، ويكتفي بالخطابيات والتقريرات، والأكاذيب والمغالطات.
إنه حينما أراد التعليق على كلام جيد للدكتور الشهيد صبحي الصالح لم يجد إلا دليلاً سفسطياً أضعف من الدليل الخطابي بكثير.
يقول في الصفحة (٣٤) من كتابه تعقيباً على ما قاله الدكتور الشيخ صبحي الصالح:
"إذا صح قول الدكتور الصالح بأن الباحث يجد في الإسلام ما يريح قلبه وأعصابه، ويرضي فكره وفلسفته، حول الإنسان وطبيعة الحياة وحرية الإرادة ضمن المشيئة الإلهية، تكون المشكلة قد انحلت أصلاً وسلفاً، ولا داعي لكل هذا الضجيج حول انسجام الإسلام مع العلم الحديث، وكل هذا الهجوم على الإلحاد والملحدين، وكل هذا الاهتمام والجدل والنقاش حول مشاكل الشباب المسلم، أمام تحديات الحياة العصرية والقرن العشرين".
لا يخفى على أي ناظر ما في هذا الكلام من سفسطة واضحة، ومغالطة مكشوفة.
стр. 254
إن الضجيج يأتي من غوغائية الملحدين، الذين يحاولون أن يقيموا الحرب بين الإسلام والعلم، ليفتنوا الشاب المسلم عن دينهم ولا يأتي من قبل الباحثين الإسلاميين ضد العلم الصحيح، ولئن وجد شيء من الضجيج من قبل بعض المسلمين فهو ضد النظريات المدسوسة على العلم، وهي تخالف العقائد والمفاهيم الإسلامية، على أن هذه النظريات لا يتحمل العلم اليقيني وزرها.
ومن هنا تأتي سفسطة (العظم) فبينما يكون البحث في دائرة التحليل للحقائق على مستوى النظرة المجردة، البعيدة عن الحدود الضيقة لآراء الناس، إذا به يستدل بآراء الناس المختلفة، لإثبات ما ادعاه حول طريقين من طرق المعرفة، ومغالطته هنا تقوم على أساس التعميم العجيب بين الدين ومفاهيم المجتهدين على اختلافهم وجماهير المتدينين من جهة، ويجعل كل أولئك حزباً متكافلاً متضامناً، وبين العلم اليقيني والنظريات والفرضيات المنسوبة إلى العلم بغير حق، وجماهير الماديين والملاحدة من جهة أخرى، ويجعل كل هذه حزباً متكافلاً متضامناً.
والنتيجة التي يريد أن يستنتجها بهذه السفسطة هي ما يلي:
إذا حصل خلاف بين جزء من الحزب الأول، وجزء من الحزب الثاني فمعنى ذلك أن كل الحزب الأول مناقض للحزب الثاني.
فهل يقبل هذا الكلام الهراء من لديه مُسكة من عقل سوي؟
إنه رفض الكلام الذي سماه كلاماً خطابياً وقدَّم في استدلاله هذه المغالطة المكشوفة، والسفسطة السخيفة.
مع أن حقائق العلم هي التي تقارن بها حقائق الإسلام، ولا تقارن حقائق الإسلام بالنظريات والفرضيات ومذاهب الماديين غير الثابتة، وأهواء الملاحدة الذين يحاولون أن يتخذوا من العلم دريئة لهم، فلا يقدم لهم غير فرضيات احتمالية لا دليل عليها. هذه ليست بعلم وإن سماها أصحابها علماً، وحينما يوجد بينها وبين حقائق الدين تناقض فهو تناقض يشرف الدين ويرفع من قيمته، ويجعله مزيجاً من حقائق وظنون وأوهام.
стр. 255
وفي مقابل كل هذا فإن حقائق الإسلام هي التي تقارن بها حقائق العلم، ولا تقارن حقائق العلم بظنون المجتهدين، أو بأغلاط المخرفين، على أنها من جوهر الدين، ولا تقارن أيضاً بأهواء أصحاب الضلالات الذين ينتسبون إلى الدين، ويحاولون أن يتخذوا منه دريئة لهم، ليحموا أنفسهم ومصالحهم ويبرروا ضلالاتهم.
إن قضية البحث العلمي ليست بمثل السهولة التي أراد أن يصورها (د. العظم) بها، فيتخذ من التعميم الفاسد أحكاماً وهمية باطلة، إن البحث العلمي يحتاج إلى تحليل عناصر الموضوع المطروح للبحث، وبعد تحليل العناصر يحكم على كل جزء مهما صغر بالحكم الملائم له.
إن العلم لا يحمل أباطيل الملحدين ولا يُعتبر مسؤولاً عنها، ولا يحمل ظنون المخطئين ولا يُعتبر مسؤولاً عنها. وكذلك الدين فإنه لا يحمل أباطيل المخرِّفين، ولا يعتبر مسؤولاً عنها، ولا يحمل أخطاء المجتهدين ولا يعتبر مسؤولاً عنها.
فحينما يقام جدل بين جبهة المتدينين وجبهة غير المتدينين فإنه لا يمثل جدلاً ونزاعاً بين الدين والعلم، وإنما يمثل جدلاً ونزاعاً بين منتسب إلى العلم بالباطل وبين منتسب إلى الدين بغير حق، أو بين منتسب إلى العلم بالباطل وبين الدين الحق، أو بين منتسب إلى الدين بغير الحق وبين العلم الحق. أما الدين الحق والعلم الحق فلا نزاع بينهما ولا جدال في الحقيقة.
وباستطاعتنا أن نؤيد هذا المنهج التحليلي المفصل بالأدلة والبراهين القاطعة.
أما من يلجأ إلى التعميمات السوفسطائية بقصد التضليل والمغالطة، فإننا نلجمه بلجام المنطق السديد، ونقول له: عد إلى رشد المعرفة، وإياك ومراوغة المضلين.
وباستطاعنا أن نقرر القانون التالي:
١- كل حقيقة من حقائق العلم الثابتة لا يمكن أن تناقض أية حقيقة من الحقائق الثابتة في الدين الصحيح.
стр. 256
٢- كل حقيقة من حقائق الدين الحق لا يمكن أن تناقض أية حقيقة من الحقائق الثابتة في العلم الصحيح.
٣- ما يبدو من تناقص بين ما ينسب إلى الدين وما ينسب إلى العلم، فإنه لا يخلو إما أن ما نسب إلى العلم أمر باطل أو ما نسب إلى الدين أمر باطل أو فهم خاطئ، أو كلٌّ مما نسب إليهما فاسد النسبة غير صحيح، وفي هذه الأحوال يجب متابعة البحث لتصحيح الخطأ فيما نسب إلى العلم أو فيما نسب إلى الدين.
هذه هي قواعد الإيمان، وهذه هي مناهج المؤمنين، أما الملحد فإنه يريد أن يبحث الأمور على المستوى الذي لا تضبطه قاعة عقلية أو علمية، مستوى المغالطات والأكاذيب والافتراءات. على هذا المستوى يسير في جدلياته ومناقشاته، ويتصور أنه بحيله وألاعيبه يستطيع أن يخدع الطلائع المثقفة من أبناء المسلمين، هذا هو وضعه في كل مناقشاته وجدلياته وتقريراته، في الوقت الذي يطالب فيه الباحثين من المسلمين بالتزام قواعد (ديكارت) في منهج البحث السليم!!
أين التزام قواعد ديكارت في جدلياته ومناقشاته؟! بل في أي مقطع من كلامه نجد هذا الالتزام؟!
إنها لمفارقة عجيبة، بل إنها لوقاحة عجيبة!! وهذه الوقاحة سمة كل المبطلين المصرين على باطلهم ولو عرفوا أنه باطل.
يقول في الصفحة (٣٥) وما بعدها ما يلي:
"واضح أن كلام المُوفِّقِين الخطابيين يبقى دوماً (عن سابق إصرار) على مستوى التعميمات الفضفاضة التي لا تزعج أحداً ولا تحرج مواقف إنسان، إذ هل يعقل أن يكون أحد ضد (الحق) و (العلم) و (المعرفة) ؟. إنه منطق المجاملات وجبر الخواطر الذي يرضي جميع الأطراف ولا يزعج أحداً، لذلك يبتعد هؤلاء الموفِّقُون عن بحث أية مشكلة ذات طابع محدد قد تضطرهم إلى الخروج من مجال المفاخرة بمزايا الدين الإسلامي وحسناته العملية للدخول في مجال التحليل الدقيق للمشكلة المطروحة.
стр. 257
"في الواقع يفتقر كلامهم حتى لأكثر أدوات التحليل الفكري بدائية، كما يفتقر إلى أبسط القواعد المنهجية في التمحيص والتفكير العلمي، حتى قواعد (ديكارت) في منهج البحث السليم التي وضعها في القرن السابع عشر وأصبحت أموراً بدائية وفجة جداً في عصرنا لا نجد لها أي أثر في أبحاث الموفقين الخطابيين. من قواعد (ديكارت) الأساسية: طرح المشكلة المراد حلها بالتحديد، ومن ثم تقسيمها بصورة منتظمة إلى عدد من القضايا الجزئية التي تتكون منها، ومن ثم معالجة الأجزاء الأبسط استعداداً للانتقال إلى المسألة الأكثر تعقيداً وتركيباً، إلى آخر القصة الديكارتية المعروفة حتى في المدارس الثانوية".
هذا كلام الناقد (د. العظم) عن المنهج الديكارتي، والذي أصبح في نظره من الأمور البدائية والفجة، وجاء بعده ما هو أدق منه وأكمل.
ولكن ما باله في جدلياته ومناقشاته لا يطبق أدنى مستويات المنهج الديكارتي الذي يعرفه؟!
هل يقبل المنهج الديكارتي هذه التعميمات التي يسلكها؟ وهذه المغالطات التي يصطنعها؟ وهذه المفتريات التي يفتريها على الحقيقة؟
إن مناقشاته لتفتقر إلى أبسط أصول الفكر الإنساني الموجودة عند الشعوب البدائية فضلاً عن الشعوب المتقدمة حضارياً، فضلاً عن معاهد العلم والدراسة، فضلاً عن المستوى الأكاديمي، فأين هو من تطبيق ما يعرف؟.
لكن التعصب للباطل والإصرار عليه يجعلان الإنسان يخرج حتماً عن دائرة المنهج السوي، ويجعلانه متخبطاً في مناقشاته، ساقطاً في مناظراته، متهافتاً في كلامه. إن المنهج السوي لا يقدم لأقواله الباطلة أدلة إثبات، لذلك فهو مضطر إلى أن يلجأ إلى المراوغة والحيلة والكذب، وهذه لا تقع ضمن خريطة المناهج الفكرية السليمة، ولا تستقيم مع أي منطق عقلي. أين التحليل؟ وأين تجزئة المشكلة إلى عدد من القضايا الجزئية التي تتكون منها؟ ما أصدق تطبيق المثل العربي عليه "رمتني بدائها وانسلت"! فما يرتكبه هو من الخروج عن منهجه المعرفة الصحيحة والمناقشة السليمة، يقذفه على أنصار الحق الذين يعلنون مفاهيمهم على الجماهير،
стр. 258
بالأساليب التي تفهمها هذه الجماهير، إذ ليس باستطاعة الجماهير أن تشارك في مناقشة القضايا الجزئية مناقشة البحث العلمي، وإنما تُطلب من الباحثين تقديم نتائج بحوثهم.
لكن العجب كل العجب أن يأتي الناقد (د. العظم) ومن هو على شاكلته فيتصدى للجدل النقدي، ثم لا يجادل إلا من مواقع الانحراف الخطير عن المنهج الذي يدعو خصومه لالتزامه، ينهي خصومه عن مستوى التعميمات الخطابية، ويستخدم تعميمات المغالطة!!! يطالب بالتحليل الدقيق للمشكلة وبتقسيمها إلى عدد من القضايا الجزئية التي تتكون منها، ثم يأتي هو إلى قضايا متعددة في أصلها، فيضمها في قضية واحدة ويصدر عليها حكماً واحداً. يطالب بالتزام قواعد ديكارت التي أصبحت في نطره أموراً بدائية وفجة جداً في عرنا، ثم يرمي في مناقشاته بكل قواعد ديكارت وبكل القواعد المنطقية رمي النواة، فلا يلتزم شيئاً، ولا يأخذ بأي واجب من واجباتها، ويتظاهر مع كل ذلك بالغيرة على الحقيقة والأمانة العلمية، أهذه هي الأمانة العلمية لديه؟ أفلا يكون منسجماً مع نفسه ومع قواعد البحث العلمي السليم، قبل أن يدعو خصومه لالتزام قواعد البحث العلمي السليم، على أنهم في أغلب أحوالهم ملتزمون، وحينما يبصرون بالخطأ يتراجعون.
أيها الملحدون لا تلبسوا أثواب العلم فإن العلم الصحيح لن ينصر إلحادكم وكفركم بخالقكم وإنكاركم لليوم الآخر، وإنكاركم لنشأتكم الأولى، وجحودكم لمصدر وجودكم، واستهانتكم بمسؤولياتكم في حياتكم الدنيا، إن العلم الحق نصير لقضية الإيمان لا لقضية الكفر، وأما الفرضيات التي تعتمدون عليها فأبعدوها عن مستوى الحقائق العلمية، ولا تحشروها فيها كذباً وزوراً وبهتاناً، إن العلم الحق سيطردها من قصره مهما حاولتم إدخالها فيه.
أيها الملحدون لا تصطنعوا الضجيج للإيهام بوجود النزاع بين الإسلام والعلم فالواقع الحق لا يؤيدكم.
стр. 259
(٩)
يقول الناقد (د. العظم) في الصفحة (٣٦) من كتابه ما يلي:
"يشدِّد القائلون بالتوافق التام بين الإسلام والعلم على أن الإسلام دين خال من الخرافات والأساطير؛ باعتبار أنه هو والعلم واحد في النهاية. لنمحص هذا الادعاء التوفيقي بشيء من الدقة بإحالته إلى مسألة محددة تماماً. جاء في القرآن مثلاً: أن الله خلق آدم منطين، ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس؛ مما دعا الله إلى طرده من الجنة. هل تشكله هذه القصة أسطورة أم لا؟ نريد جواباً محدداً وحاسماً من الموفقين وليس خطابة. هل يفترض في المسلم أن يعتقد في النصف الثاني من القرن العشرين بأن مثل هذه الحادثة وقعت فعلاً في تاريخ الكون؟ إن كانت هذه القصة القرآنية صادقة صدقاً تماماً وتنطبق على واقع الكون وتاريخه فلا بد من القول: إنها تتناقض تناقضاً صريحاً مع كل معارفنا العلمية، ولا مهرب عندئذٍ من الاستنتاج بأن العلم الحديث على ضلال في هذه القضية، وإن لم تنطبق القصة القرآنية على الواقع فماذا تكون إذن (في نظر الموفقين) إن لم تكن أسطورة جميلة؟ ".
يا عجباً كل العجب، وهل كل معارفه العلمية منحصرة في الفرضية الداروينية، المناقضة للحقيقة الدينية التي قص الله علينا قصتها وفق علمه، حتى يقول: لا بد من القول: بأنها تتناقض تناقضاً صريحاً مع كل معارفنا العلمية؟
لكننا نقول له: إن الحق ما قصهُ الله علينا في كتابه، ولو تناقض مع الفرضية الداروينية، وليس هذا تناقضاً بين الدين والعلم وإنما هو تناقض بين الحق الديني وبين ما نسب إلى العلم، وهذا لا يؤثر في جوهر الموضوع.
فالداروينية ليست حقيقة علمية بشهادة العلماء أنفسهم، لأنها لا تملك أدلة إثبات يقينية فيما يتعلق بتاريخ الإنسان ونشأته الأولى، ولأن العلم لا يملك أدلة تنفي وجود الجن والملائكة.
وباستطاعتنا أن نعكس السؤال عليه فنقول له: هل باستطاعة العلم المادي الحديث أن يقدم لنا أدلة يقينية قاطعة تثبت ما يدعيه حول نشأة الإنسان الأولى
стр. 260
وتاريخه؟ إن ما يقولونه هو مجرد احتمال افتراضي لو لم يقولوا به لما وجدوا أمامهم إلا ما يقرره الدين من قضية الخلق الرباني، وهذا ما يتهرب الماديون الملحدون منه من غير دليل. حتى كتب (سير آرثر كيث) يقول:
"إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علمياً، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهذا ما لا يمكن حتى التفكير فيه" (١) .
لماذا لا يمكن قبوله من وجهة نظره ولا التفكير فيه؟
لأنه اتخذ لنفسه الإلحاد مذهباً، فهو لا يريد أن ينقض مذهبه، تعصباً له وإنكاراً للحقيقة الإلهية. وهكذا سائر الملحدين.
إذا حققنا في الأمر وجدنا أن الخرافة والأسطورة تتمثل في بعض المواقف من النظرية الداروينية، وهي المواقف التي تتناقض مع صريح ما جاء في القرآن عن خلق آدم، لأن الفرضية الداروينية في هذه المواقف لا تملك أي دليل غير مجرد الاحتمال الافتراضي، وهذا لا يقدم أية حقيقة علمية.
فادعاؤه التناقض بين الدين والحقائق العلمية في هذه القضية الخاصة ادعاء مخالف لكل القواعد المنطقية والأسس العلمية، ألا فليراجع مفاهيمه مراجعة منطقية قبل أن يتصدى لعمليات نقد كبرى.
ثم قال بعد أن عرض هذه المسألة المحددة كما زعم:
"هل يفترض في المسلم في هذا العصر أن يعتقد بوجود كائنات مثل الجن والملائكة وإبليس، وهاروت وماروت، ويأجوج ومأجوج، وجوداً حقيقياً غير مرئي باعتبارها مذكورة كلها في القرآن، أم يحق له أن يعتبرها كائنات أسطورية، مثلها مثل آلهة اليونانية وعروس البحر والغول والعنقاء؟ يا حبذا لو عالج الموفقون بين الإسلام والعلم مثل هذه القضايا المحددة وأعطونا رأيهم فيها بصراحة ووضوح بدلاً من الخطابة حول الانسجام الكامل بين العلم والإسلام".
стр. 261
يا سبحان الله!! يبدو أن الناقد (د. العظم) عالي الثقافة؟! فهولا يفقه معظم هذه الأسماء التي يغري أبناء المسلمين بأن يجحدوها، عن طريق تساؤلاته الاستنكارية، والظاهر أنه أخذها عن مكتوبات الماركسيين غير المسلمين، ونقلها نقلاً ببغاوياً بالترجمة الحرفية، دون أن يرجع إلى المصادر الإسلامية ويعرف دلالاتها منها، ففي إيراده لهاروت وماروت ويأجوج ومأجوج على أنها كائنات غير مرئية كالجن والملائكة وإبليس جهل فاضح جداً، فمن هذا الذي قال: إن هاروت وماروت ويأجوج ومأجوج مخلوقات غير مرئية كالجن والملائكة؟
إن التخبط الفكري عند الملاحدة الذين يتصدون لمعارضة الحقائق الإلهية يجعلهم يرتكسون ارتكاساً فكرياً شائناً جداً، ومن شأن الباطل أن يتخلى عن أنصاره، ويسبب لهم الهزيمة الفكرية الفاضحة، والحق لابد أن يعلو عليهم ويجعلهم هم وباطلهم زاهقين.
نحن نعلم أن يأجوج ومأجوج (١) من القبائل البشرية الجاهلة المفسدة في الأرض، وهم من سكان الشرق الأقصى وراء سد الصين. وكان سكان غرب الصين قد اشتكوا أمر إغارة قبائل يأجوج ومأجوج عليهم لذي القرنين، الفاتح المؤمن العادل، وطلبوا منه أن يقيم بينهم وبين قبائل يأجوج ومأجوج المفسدة في الأرض سداً عظيماً، يحجز عن سكان غرب الصين غارات سكان شرقها، مقابل خَرج يدفعونه له، فوافق ذو القرنين على ذلك، وطلب منهم أن يعينوه على ذلك بقوة رجالهم الكثيرين، وبالمواد الموجودة في بلادهم، وفعلاً أقام ذو القرنين لذلك السد العظيم , وحجز قبائل يأجوج ومأجوج، وتعذر عليهم الظهور عليه واستئناف غارات الإفساد التي كانوا يغيرونها.
فما علاقة هذه القبائل البشرية التاريخية بالغيبيات وبالكائنات غير المرئية؟.
لو أنه قرأ سورة (الكهف) أو سمعها من المذياع، أو لم يرد التضليل الديماغوجي لما سقط في هذه الفضيحة التي تعبر عن جهل كبير، في موضوع
стр. 262
يتصدى لنقده ومهاجمته، بغية التبشير بمذهبه الإلحادي الكافر بكل القيم.
أو لعله استغرب اسمي يأجوج ومأجوج فاعتبرهما كائنات غير مرئية كالجن والملائكة؟ إذا كان الأمر كذلك فالأسماء الغريبة عليه كثيرة في عالم الناس، وفي عالم العلم، فليجعلها كلها أسماء لكائنات غيبية غير مرئية كالجن والملائكة.
ولكن هكذا يخبط خبط عشواء، ويخلط خلط عمياء، دون الرجوع إلى مصادر الدين الإسلامي ومعرفة المراد منها؟
أهذه هي القواعد المنهجية في التمحيص والتفكير العلمي التي يطالب المؤمنين بها؟
إذا كانت هذه هي قواعده فهيهات أن يصل إلى أية حقيقة من الحقائق، وعليه أن يرتطم دائماً في حفر الجهالة والضلالة، وما دام هذا مستواه فلا بد أن يسقط في حبائل المؤسسات الإلحادية في العالم، وهي المؤسسات التي ترعاها وتديرها من وراء الأستار اليهودية العالمية، لغاية في نفوس اليهود يريدون تحقيقها في شعوب الأرض.
ونظير سقوطه في مسألة يأجوج ومأجوج في حفر الجهل الفاضح سقوطه أيضاً في مسألة هاروت وماروت.
إن هاروت وماروت اسمان لشخصين وجدا قديماً في بابل، وكانا على صورة آدمين يخاطبان الناس، ويعلمانهم السحر الذي علمهما الله إياه، ويأمران الناس بأن لا يكفروا بالله عن طريق تعلمهم السحر، وعنهما توارث الناس علم السحر، وقد أخبرنا الله في القرآن أنهما في حقيقة حالهما ملكان ظهرا على صورة آدميين، على أن في كونهما ملكين وفي تعليمهما الناس السحر خلافاً عن المفسرين، ومهما يكن من أمر فليسا كما زعم (العظم) نقلاً عن كتب الماركسيين أنهما من الكائنات غير المرئية، بل كانا شخصيتين مرئيتين، وكانت لهما قصة مشهورة في تاريخ الناس، وتوارث الناس عنهما أو عن غيرهما علماً ما زالت له رواسب معروفة عند بعض المخصصين بعلم السحر، وإذا كان يجهل ذلك فليسأل سحرة اليهود فإنهم يخبرونهم.
стр. 263
وقد تعرض القرآن لقصتهما في معرض الكلام على بني إسرائيل في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : فقال تعالى:
﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَاكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾
وهكذا ظهر لنا جهل (د. العظم) الفاضح في المسألة الثانية التي يردد ألفاظها، وهو لا يعلم مضمونها، ثم يتصدى لنقدها وفق تصور خيالي لديه.
أما تساؤلها عن الملائكة والجن وإبليس فهذه فعلاً كائنات غير مرئية بالنسبة إلى مستواك إدراك الناس، والملحد بالله وبالدين وبالأخبار الواردة في الدين الحق ينكر هذه الكائنات لأن العلم الحديث لا يملك حتى الآن أدلة إثبات لها.
ولكن هل استقصى العلم المادي الحديث كل ما في الوجود من كائنات وأسرار، حتى يدعي نفي وجود ما لم يشاهده بوسائله؟
لو كان الأمر كذلك لكان على العلماء الباحثين أن يتوقفوا عن متابعة البحث، الذي يضنون أنفسهم فيه لاكتشاف مجاهيل من الطاقات والكائنات الكونية التي يدركون أنهم ما يزالون يجهلونها، لكنَّ هذا لا يدعيه عالم يقدر العلم ويحترم نفسه.
إن العلوم الحديثة لا تملك حتى الآن أي دليل تستطيع أن تنفي به وجود الجن أو الملائكة، بيد أن كثيراً من التجارب الإنسانية تثبت وجود كائنات خفية روحية غير مدركة بالحس، وغير مدركة بالأجهزة العلمية، على أن إنكار المنكرين
стр. 264
لها لا يؤثر على وجودها شيئاً، كما أن إنكار المنكرين لعالم الجراثيم والميكروبات المرئية وغير المرئية لا يؤثر على وجودها في العالم شيئاً.
إن دليل المؤمنين على وجود الملائكة، ووجود الجن مؤمنيهم وكافريهم وشياطينهم ومردته أخبار صادقة جاءت عن الله، بطريق الوحي، وبلَّغها الرسل الصادقون المؤيدون بالمعجزات، كما شاهدوهم واتصلوا بهم بتجاربهم الخاصة، فالمؤمنون بهم إنما يؤمنون تصديقاً لخبر الله الصادق، ولأخبار الرسل الصادقين، والقضية من أساسها تقع في دائرة الممكنات العقلية لا المستحيلات، فالعمدة فيها الخبر الصادق، على أن للناس تجارب كثيرة من هذا القبيل، ولكن هذه التجارب ليست هي عمدة المؤمنين، لأنها لم تصل إلى مستوى البرهان العلمي.
(١٠)
يقول الناقد (د. العظم) في الصفحة (٣٩) والتي تليها من كتابه:
"من الآيات القرآنية التي يحب الموفقون ترديدها في معرض كلامهم عن انسجام الإسلام والعلم الحديث: الوصف القرآني التالي لأصل الإنسان وتكوينه: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة * فخلقنا العلقة مضغة * فخلقنا المضغة عظاماً * فكسونا العظام لحماً * ثم أنشأناه خلقاً آخر * فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ ".
[سورة المؤمنون: الآيات ١٢ -١٤]
ثم قال تعليقاً على هذا النص القرآني ما يلي:
"من الجلي أن عملية نمو الخلية البشرية بالنسبة إلى هذا الوصف القرآني تعتمد على التدخل المباشر والمستمر من قبل الله لنقلها من طور آخر، أي إن نقلها من نطفة إلى علقة يحتاج إلى عملية خلق جديدة، كما أن نقلها من طور العلقة إلى طور المضغة يحتاج كذلك إلى عملية خلق أخرى ... إلخ.
وخلاصة القول هو أن نمو الخلية البشرية يشكل معجزة إلهية لا تعليل لها سوى قدرته المطلقة على الخلق، وتدخله المباشر في سير أمور الكون. هل يتفق
стр. 265
هذا الوصف والتعليل مع معارفنا العلمية عن الموضوع، ومع ما يبينه لنا علم الأجنَّة حول تطور الخلية البشرية في مراحلها الأولى؟ الجواب حتماً بالنفي، لأن علم الأجنة لا يدع مجالاً للشك في أن الخلية تنمو بالتطور العضوي من طور إلى آخر، وفقاً لقوانين طبيعية معينة، بحيث تنمو المرحلة المتأخرة من صلب المرحلة السابقة عليها، وعلى أساس معيطاتها الأولية، كل ذلك بصورة تسمح لنا بالتنبؤ بتطور الخلية، وبالمراحل المستقبلة التي ستمر بها، وتمكننا من التحكم بنموها، بحيث نستطيع تأخيره أو إسراعه أو تشويهه (إن شئنا ذلك) بتعريضها لمواد كيماوية معينة، أو لأنواع محددة من الأشعة، وكم كنت أود لو لم يكتفِ الموفقون الدينيون العمليون بمجرد الاستشهاد بالوصف القرآني لنمو الخلية، وتعدوا ذلك لإيضاح رأيهم في كيفية انسجام هذا الوصف، مع معارفنا العلمية الثابتة عن هذه الظاهرة الطبيعية".
يبدو أن سيادة الناقد ومعه سائر الملحدين الماديين محرومون من منطق التطور العلمي الذي يمكن أن يهدم جميع قواعد إلحادهم، ومحرومون أيضاً من المنطق العقلاني المتجرد الباحث عن الحقيقة.
فحينما يكتشف العلماء ارتباط الظواهر الطبيعية بأسبابها الطبيعية التي تحتاج هي أيضاً إلى تفسير، فهل يعني هذا إلغاء حقيقة الخلق الرباني الكامن وراء الأسباب الطبيعية؟ وحينما يقرر القرآن أن لله ﵎ هو الذي يخلق الأحداث الكونية، فهل معنى ذلك أن عملية الخلق تأتي بشكل مباشر، دون توسط قوانين وعلل وأسباب أوجدها الله في نظام الطبيعة، واختار أن يكون أسلوبه في عملية الخلق كذلك. إن من يرفع الشيء بيده مباشرة يقال عنه: قد رفعه، ومن يرفعه بوساطة حبل يقال: قد رفعه، ومن يرفعه بوساطة سبب غير مرئي كقوة كهربائية أو مغناطيسية يقال: قد رفعه، والخلق يكون بشكل مباشر، ويكون عن طريق القوانين والأسباب والعلل غير الفاعلة بذاتها.
فكلام (العظم) القائم على تصور أن النص القرآني لا يعترف بنظام الأسباب والعلل والقونين الطبيعية كلام فاسد من الوجهة العقلية البحتة، لأن الخلق
стр. 266
لا يقتضي دائماً أن يكون عملية مباشرة، دون أن توجد أسباب اختارها الخالق ليتم عن طريقها أسلوبه في الخلق.
فليكتشف الباحثون ما شاءوا أن يكتشفوه من قوانين وعلل طبيعية وأسباب، فإن هذه كلها لا تملك الفعل الذاتي، وهي بحد ذاتها تحتاج إلى تفسير، والخالق العظيم القادر العليم الحكيم هو القوة الحقيقية الكامنة وراء جميع الأحداث الطبيعية، وإن أراد الملاحدة الماديون الوقوف عند الأسباب، وإقفال عيونهم عما وراء الأسباب التي اكتشفوها، وإن أرادوا جحود الخالق العظيم.
وبهذا يظهر لنا ما في كلامه من مغالطة وتضليل وتفسير غير صحيح للنص القرآني، وهذا من وجهة نظر المنطق العقلاني المجرد.
ثم نقول من ناحية أخرى: لقد توصل العلم الحديث إلى أن القوانين العلمية لا تملك التفسير الكامل للأحداث الكونية، وإنما تكشف عن حلقة من الحلقات السببية لا غير، وهي بحد ذاتها بحاجة إلى تفسير.
يقول العلامة الفلكي الرياضي البريطاني السير (جيمس جينز) كلاماً يعلن فيه هذه الحقيقة، وهذه مقتطفات من أقواله:
"إن الكون كون فكري. الكون لا يقبل التفسير المادي في ضوء علم الطبيعة الجديدة، وسببه - في نظري - أن التفسير المادي قد أصبح الآن فكرة ذهنية.
من الصحيح أن نهر العلم قد تحول إلى مجرى جديد في الأعوام الأخيرة ...
لقد كنا نظن قبل ثلاثين سنة - ونحن ننظر إلى الكون - أننا أمام حقيقة من النوع الميكانيكي.
إن العلم الجديد يفرض علينا أن نعيد النظر في أفكارنا عن العالم، تلك التي كنا أقمناها على عجل. لقد اكتشفنا أن الكون يشهد بوجود قوة منظمة".
ألا فليعد (العظم) دراسته، وليراجع أفكاره وفق ما تطور إليه العلم الحديث، وحسبه تجديفاً في المستنقعات النتنة القذرة.
стр. 267
أما قوله: "إن نمو الخلية يخضع لقوانين تمكننا من التحكم بنموها، بتأخيره أو إسراعه أو تشويهه" فهو لا يتعارض بحال من الأحوال مع العقيدة الإيمانية، لأننا جميعاً في حياتنا على وجه الأرض لا في عالم الأجنة نخضع لقوانين ربانية تمكننا من التحكم بعض الشيء بنمو أجسادنا أو تشويهها أو إتلافها، نظير تحكمنا بالأجنة، والإنسان القديم يعلم هذا كل العلم، ولا يجد فيه معارضة لنظام الخلق الرباني ولا لقاعدته العامة. فالمؤمن يعلم أن لكل ظاهرة سبباً يخضع لسنَّة الله في كونه، ويعلم أن الخلاق الحقيقي من وراء الأسباب هو الله تعالى، إن القضية في نظره تشبه عملية إدارة زر الكهرباء التي يضيء المصباحُ بسببها، ولكن السبب الحقيقي في الإضاءة هي القوة الكهرباء التي يضيء المصباحُ بسببها، ولكن السبب الحقيقي في الإضاءة هي القوة الكهربائية السارية، ومن ورائها المولد الكهربائي، ومن ورائه صانع هذا المولد ومديره، ولو شاء لقطع التيار الكهربائي من عنده فلم يكن لإدارة الزر الكهربائي الفرعي أي أثر، ولانعدمت بذلك كل الظواهر، ولم يكن للأسباب الوسيطة أية قيمة.
هذا هو منطق المؤمنين، وذلك هو سخف الملحدين.
(١١)
من العجيب أن نجد الناقد (د. العظم) ينكر على الباحثين الإسلاميين دعوتهم المسلمين إلى الأخذ بأسباب العلم في كل مجال من مجالات المعرفة، ويرى أن الإسلام يدعو فقط إلى تعلم علوم الدين، أما العلوم الأخرى فإنه لا يهتم بها ولا يشجع عليها، ويرى أن الذين يقولون: إن الإسلام يحث على تعلم كل العلوم النافعة موفقون خطابيون، يحاولون أن يثبتوا الانسجام بين الإسلام والعلم بوسائلهم الخطابية، دون براهين صحيحة، ثم يزعم أن كل النصوص الإسلامية التي دعت إلى العلم والعقل والتفكر موجهة فقط إلى العلوم الدينية والشرعية وما يتعلق بها ويتفرع عنها، لا إلى الفيزياء والكيمياء وغيرهما من العلوم الطبيعية.
يقول في الصفحة (٤٠) والتي بعدها من كتابه:
"من الأقوال التي يرددها الموفقون الخطابيون لإثبات دعواهم الحديث النبوي
стр. 268
القائل: "اطلب العلم ولو في الصين" والآيات القرآنية العديدة التي تحث الإنسان على التعقل والتأمل في الأشياء وطلب العلم والمعرفة، إلى آخره مما هو معروف، كل ذلك ليبينوا مدى اهتمام الإسلام بالعلم والعقل منذ القدم. بطبيعة الحال يعطي هؤلاء المفكرون معنى مطلقاً لهذه العبارات الإسلامية، وكأنها لا تنتمي إلى أي زمان ومكان، منفصلة عن الظروف التاريخية التي قيلت فيها، والمناسبات التي حددت معناها ومغزاها وقتئذٍ. من ضمن هذا الاعتبار يتضح لنا أن العلم الذي حث على طلبه الإسلام هو في جوهره العلوم الدينية والشرعية وما يتعلق بها ويتفرع عنها، وليس الفيزياء والكيمياء مثلاً (راجع كتاب العلم في الجزء الأول من "إحياء علوم الدين") ، والعقل الذي طلب الإسلام من الإنسان استخدامه كان الغرض منه التوصل إلى معرفة الله من تأمل صنعته وخلقته، كما فعل حي بن يقظان في قصة ابن طفيل، وليس الغرض منه صياغة نظرية المادية الجدلية، أو نظرية دوركهايم في الطقوس والعبادات الدينية، أو نظرية الكون المحدب".
لست أدري أي شيء يزعجه إذا كان الإسلام فعلاً يحث على تعلم كل العلوم الدينية والطبيعية والعقلية؟
لكن يبدو أن هذه الحقيقة تؤثر جذرياً على دعوة الإلحاد التي تحاول أن تتخذ من العلم دريئة لها، وتحاول أن تقنع الأجيال بأن الدين والحقائق العلمية على طرفي نقيض، لتصرفهم عن الدين وتضمهم إلى جيوش الملحدين، يضاف إلى ذلك أن الملحدين يخشون أيضاً من دخول الإسلام والمسلمين إلى معاقل العلم الصحيح، لأن هذا الدخول يشكل خطراً حقيقياً على قضية الإلحاد من أساسها، إذ يكشف الباحثون المسلمون عن طريق العلم الصحيح زيف المادية الإلحادية التي تتستر بالعلم، وتزييف ما يستطيع تزييفه لدعم مذهبها الذي ليس له سند صحيح من علم صحيح، ولا من واقع مشهود.
وفي مناقشة كلامه القائم على المغالطة التضليلية نقول:
أما كون الإسلام قد جعل أشرف العلوم ما يصلح حياة الإنسان ويقوِّم سلوكه، ويقصره على طريق الخير مبتعداً عن طريق الشر لاغتنام أعظم قدر
стр. 269
يستطاع اغتنامه من سعادة الحياة الدنيا، وما يُعدُّه أحسن إعداد لسعادة الحياة الأخرى، فهذا حق.
وأما كون الإسلام لم يحث على تعلم العلوم الطبيعية المادية، التي من شأنها أن تحقق المنافع الحسنة للناس، وتخدم قضايا الرفاهية والجمال والقوة والراحة واختصار الزمن وتنظيم الحياة، فهذا باطل.
فمنذ النهضة الفقهية عند علماء المسلمين قرر الفقهاء أنه يجب على جماعة المسلمين تعلم جميع العلوم النافعة للناس، بما في ذلك العلوم الصناعية، فضلاً عن العلوم الضرورية كالطب والزراعة، والعلوم المتصلة بإعداد المستطاع من القوة، وقرروا أن هذا واجب على الكفاية، تقع فيه المسؤولية على جماعة المسلمين عامة، فإذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وإذا لم يقوموا به أثموا جميعاً، واستنبطوا حكمهم هذا من مصادر التشريع الإسلامي، ونصوصه الرئيسية، والإمام الغزالي من الذين قالوا بهذا وقرروه على خلاف ما أوحى به (العظم) إذ قال في غضون ما غالط به: (راجع كتاب العلم في الجزء الأول من "إحياء علوم الدين"، للإمام الغزالي) .
فدعوى (العظم) باطلة في نظر فقهاء المسلمين، والإمام الغزالي في الإحياء قد وجه إلى أشرف العلوم، ولم يقل: إن طلب العلم الذي حثَّ عليه الإسلام منحصر في العلوم الدينية والشرعية، والغزالي نفسه تتبع معظم العلوم المعروفة في عصره فدرسها، وكتب في كثير منها، وواقع حال علماء المسلمين في عصورهم الأولى يكذِّب هذه الدعوى التي طرحها، فقد كانوا بحق طلائع النهضة العلمية الحضارية، بشهادة أساطين علماء الحضارة الحديثة، وما أظن (العظم) أكثر فهماً منهم لنصوص الإسلام وما يستنبط منها من أحكام دينية ومفاهيم إسلامية!!.
أما كون دراسة مختلف العلوم الطبيعية هادية لهم إلى معرفة الله وعظيم قدرته وبديع صنعته فهو يمثل النظر البعيد إلى آخر حلقة في سلسلة المعارف الطبيعية، ولكن هذا النظر البعيد يجعلهم يتابعون حلقات السلسلة حتى غايتها، ضمن حدود الاستطاعة الإنسانية التي تتهيأ لهم، وليس من شأنه أن يقف بهم عند الحلقات
стр. 270
الأولى، لأن الإسلام يحثهم على المتابعة والنظر في كل مراحل الطريق، وبذلك يستطيعون استخراج كل ما ينفع من حقائق علمية.
ومعلوم أن الإسلام يحرص دائماً على الربط بين العلم والإيمان، بين العلم والغاية المثلى منه، كما يحرص على الربط بين الدنيا والآخرة، بين العمل وغاية الخير منه، بين اللذة والمنعم بها وغاية الخير من ورائها، وبذلك يظهر كمال الإنسان.
ولست الآن في صدد إيراد النصوص الدينية، التي تثبت أن الإسلام يدفعنا بقوة إلى البحث العلمي في الكون، للتعرف على كل حقيقة علمية، لذلك أكتفي بعرض طائفة يسيرة منها.
(أ) قال الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ... ﴾ .
(ب) وقال في سورة (الجاثية/٤٥ مصحف/٦٥ نزول) :
﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً منْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
(ج) وقال في سورة (الحديد/٥٧ مصحف/٩٤ نزول) :
﴿وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ .
أليس في هذه النصوص دعوة إلى التعرف على خصائص الأشياء للانتفاع منها؟ وهل يمكن التعرف على خصائصها إلا بالبحث العملي، عن طريق الملاحظة والتجربة والاستنباط وكل الوسائل التي تتيسر للإنسان؟ (١)
ولكن الملحدون يريدون أن يخترعوا للإسلام صورة من عند أنفسهم، لينفروا الناس منه، وليشوهوا جماله وكماله وتقدميته الرائعة، ولن يظفروا.
стр. 271
(١٢)
حول المعجزات
أثار الناقد (العظم) أكثر من مرة موضوع المعجزات الربانية التي أجراها الله على أيدي رسله وأثبتتها الأديان السماوية، بوصفها حادثات تاريخية جرت في تاريخ الكون، وباعتبارها بعض مظاهر قدرة الله المخالفة بصفة استثنائية لمظاهر قدرته في سننه وقوانينه الدائمة.
وزعم أن الحديث عن هذه المعجزات حديث لا يقبله العلم وأن العلماء الماديين لا يرتاحون من وجهة نظرهم إلى الآيات القرآنية التي تروي كيف شق موسى البحر بعصاه، وكيف تحولت النار فجأة إلى برد وسلام على إبراهيم، ونحو ذلك من معجزات ربانية.
الواقع أن مشكلة (العظم) في هذا ومعه سائر الملحدين الماديين مرتبطة أساساً بقاعدة الإيمان الأولى، وبما أنهم أنكروا الحقيقة الكبرى وهي حقيقة وجود الله فلا بد أن ينكروا كل ما يستند إليها وخرق قوانين الكون وسننه لا يتم إلا بقدرة الخالق الذي وضع هذه السنن والقوانين، وبإراداته التي تقتضيها حكمته، لكن الفرضية التي أقام الملحدون عليها عقيدتهم هي إنكار وجود الخالق، واعتبار هذا الكون عملاً مادياً آلياً أنتجته الصدفة التي لا تفسير لها، ولذلك فهم يرون قصة المعجزات المخالفة لنظام الكون وقوانينه الثابتة من قبيل الأساطير، وليست من قبيل الحقائق التاريخية الثابتة.
لأجل هذا فإن معالجتنا لهم يجب أن تبدأ من مستوى القاعدة الإيمانية الأولى، وهي الإيمان بالله وبكمال صفاته، وبقدرته على خلق ما يشاء، وبقدرته على خرق السنن التي جعلها هو ثابتة في كونه، ولو أنه شاء أن يجعلها على خلاف ذلك لجعلها، ولكن أسلوبه في الخلق كان على هذا الوضع القائم على نظام الترابط السببي بين الأشياء، وبين الأحداث والتغيرات فيها.
وهنا تكمن فضيلة الإيمان بالغيب القائم على الاستدلال العقلي، والانتقال من السبب الذي لا يملك تعليلاً عقلياً، إلى مسبب الأسباب كلها الذي تنحصر فيه
стр. 272
كل التعليلات العقلية الصحيحة، والمفسرة لكل الظواهر الكونية، بعد تجاوز سلسلة الأسباب مهما كثرت حلقاتها.
وهنا أيضاً تكمن رذيلة جحود الحقيقة الغيبية الكبرى، لأن هذا الجحود القائم على طرح الأدلة العقلية الاستدلالية والأدلة الفطرية الوجدانية، والتشبث ببعض حلقات السلسلة السببية، مع أنها لا تملك في الحقيقة أي دليل يصح أن تفسر به الظاهرة الكونية، إلا أن الملاحظة كشفت عن ارتباط الظاهرة الكونية بها، كارتباط رأس الحمار بسلسلة رسنه المعقود بذيل آخر جمل في قافلة طويلة تسير في ليل دامس، والغبي أو الأحمق أو المعاند المكابر هو الذي يقف تفكيره عند رأس الحمار، أو عند بعض حلقات السلسلة التي في رسنه، أو عند ذيل البعير.
فالنقاش المنطقي حول هذه النطقة يدعونا إلى الرجوع إلى قضية الإيمان بالله، وقد سبق أن عالجناها ببيان كاف فإليها نحيل القارئ.
على أننا نقول هنا: إن الملحدين قد جعلوا معجزة الخلق كلها ظاهرة طبيعية، وقطعوا الصلة بينها وبين الخالق، أفيقبلون فكرة خرق قوانين الكون وسننه بفعل الخالق لحكمة يريدها، وقد رفضوا الاعتراف بوجود خالق أصلاً؟
ونقول أيضاً: باستطاعتنا أن نناقش قضية المعجزات مناقشة عقلية وعلمية، لإثبات خطأ الملحدين في رفضها بوصفها ظاهرة من الظواهر التي جرت أحداثها في تاريخ الكون، مهما يكن تفسيرهم للظواهر الكونية خاضعاً لقواعد الفكر المادي.
إن إنكار الأحداث التي جرت فعلاً في تاريخ الكون لا يسوغ من وجهة نظر العلم أو من وجهة نظر العقل لمجرد كونها مخالفة في مفاهيمنا للقوانين التي استخرجناها من مشاهدات الطبيعة وأحداثها، وإنما يجب بعد ثبوتها في الواقع محاولة استنباط تفسير وتعليل لها. أما مجرد الرفض والإنكار فليس عملاً علمياً ولا عقلياً.
إن كل ما نشاهده في الكون من أحداث وظواهر لو دققنا النظر فيه ورفعنا عنه ستار الرؤية المتكررة له لكان في مفاهيم العقلاء معجزة من المعجزات، وعجيبة
стр. 273
من العجائب، ولكن تكرر الرؤية له جعله أمراً معتاداً، واتخذ في مفاهيمنا صفة قوانين طبيعية، وسنن لا غرابة فيها، وذلك لأنه ليس بين معظم الأحداث والظواهر الطبيعية وبين أسبابها وقوانينها روابط عقلية، وحينما ندرس أنظمتها كما هي في الواقع، ولا نستطيع أن نجد في العقل مقتضيات لها، غير أن نظام الكون سار على هذا الأسلوب، وكان من الممكن عقلاً أ، يسير على أسلوب آخر ضمن سُلَّم احتمالات لا نهاية لها، وتخصيص هذا النظام دون غيره ليس أمراً يقتضيه العقل.
ولو كان نظام الكون سائراً في متكرر العادة على أن الصخور متى نضجت في أشهر معينة، وبطرق معينة، تحوَّلت نوقاً وأبقاراً وزرافات وشياهاً بحسب اختلاف أنواع الصخور، لكان ذلك هو السنَّة الثابتة في نظرنا، ولكان خلاف ذلك هو المعجزة.
ولو كان نظام الكون سائراً في متكرر العادة على أن الماء يجري من أسفل الوادي إلى أعلى الجبل بنفسه، من غير أن تكون له حافات تسنده، ولا روافع ترفعه، لكان ذلك هو قانون الماء الثابت في نظرنا، ولكان خلاف ذلك هو المعجزة التي يتشكك بها ويطلب إثابتها بالدليل.
وهذا الإمكان التصوري يدلنا على أن النظام الحالي ليس نظاماً فرضته الضرورة العقلية، والارتباطات الفكرية، ولكن أوجدته السلطات ذات الإرادة المختارة، ومهما يكن من أمر فإن الإمكان العقلي الذي لا يرى مانعاً من قبول نظام آخر لو كان هو السائد في نظام الطبيعة، هو نفسه دليل كافٍ عل أنه ليس بين القوانين الطبيعية وأحداثها الظاهرة ارتباط عقلي يوجبها وحدها، ولا يسمح بمخالفتها، فقبول احتمال التغيير لا يتوقف إلا على ثبات وقوع الحادثة التي كان التغيير فيها، وإلا كان رفضاً للإمكان العقلي بدون سند من العقل، ورفضاً للواقع بدون سند من الواقع.
لو أخذنا منطق الأحياء البحرية لكانت الحياة بنظام غير نظامها معجزة من المعجزات، ولو أخذنا معتاد الحياة الأرضية لكانت الحياة بغير إمداد بالنظام الغذائي المعروف أمراً من المعجزات، مع أنه ليس في أي شيء من ذلك ارتباط عقلي
стр. 274
يوجه العقل، ولكن هذا هو الأسلوب الذي جرى عليه نظام الكون، ولو جرى أسلوب الكون على غير هذا النظام لما وجد العقل مانعاً من ذلك، ولما وجد أنه يتنافى مع أي أصل عقلي منطقي أو رياضي، وهذا البرهان يثبت لنا أن رفض المعجزات بدليل من واقع القوانين والسنن الطبيعية رفض فاسد عقلياً وعلمياً، ولا سند له، وتبقى قضية المعجزات من وجهة نظر العلم والعقل احتمالاً إمكانياً بالإمكان العقلي، ولكنه لا يسلم به واقعياً إلا أن يقترن بأدلة إثبات يقبلها العلم والعقل.
وأدلة الإثبات في هذا المجال منحصرة في الأدلة الحسية والأدلة الخبرية.
وقد توافر للذين عاصروا الرسالات دليل المشاهدة الحسية لمعجزات الرسل، فكان ذلك بالنسبة إليهم برهاناً حسياً، وأما بالنسبة إلى غيرهم فعمدتهم في إثبات المعجزات دليل الأخبار الإنسانية المتواترة عند جميع أمم الأديان السماوية، وهذه الأخبار تقطع بوجود معجزات أو آيات من خوارق العادات قد أجراها الله على أيدي رسله، منها معجزات إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم، وكذلك سائر النبيين، وجحود الأخبار المتواترة الصادقة مع وجود الإمكان العقلي، ومع وجود المبرر العقلي لها، ضرب من العناد الذي لا يفعله باحث عالم يدرس الظواهر ويحاول تفسيرها.
والتفسير العلمي للمعجزات الربانية ظاهر فيما يوضحه للدين، من أنها أدلة ربانية يصدِّق الله بها رسله فيما يبلغون عنه.
ومن العجيب أن الملحدين الماديين يقبلون معجزات الطفرة الوحيدة التي تقول بها الداروينية، ولا سند لها إلا الحدس والخيال، ويرفضون المعجزات الربانية التي يجريها الله على أيدي رسله، وهي معجزات ثابتة تاريخياً بشهادة الأخبار المتواترة المقطوع بها، مضافاً إليها الشواهد العقلية والأثرية المؤيدة لها!!
لكن هذا هو شأن الملحدين، إنهم يتناقضون بين ما يقبلون وبين ما يرفضون، تعصباً لإلحادهم، ومعاندة لخالقهم ومكابرة على الباطل.
стр. 275
(١٣)
حول الشهب
قال (د. العظم) (٥٢) من كتابه:
"كما أن علماء الفلك (وليس التنجيم) سوف يجدون بعض الصعوبة، لا شك، في التوفيق بين معلوماتهم العلمية عن النيازك والشهب من ناحية وبين الآيات القرآنية التي تعلمنا أن الشهب هي لرجم الشياطين والجن، حين تحاول الصعود إلى السماء واستراق السمع (أي: الاستماع إلى أحاديث الملائكة) من ناحية ثانية. لكن أصحاب الفكر التوفيقي عودونا دوماً على إطلاق الأحكام الشاملة والتعميمات البديعة بدون التدقيق بالمسائل المحددة التي تحرجهم وتحرج دعواهم".
تعليقاً على هذه الفقرة من كلامه نرى أنه من المستبعد جداً أنه لم يطَّلع بعدُ على مكتوبات الباحثين المسلمين المؤمنين بالله وكتابه، الذين لم يقتروا على مجرد إطلاق التعميمات الشاملة البديعة، التي تعلن وجود التوافق التام بين الصحيح الثابت من المفاهيم الإسلامية، وبين الحق الثابت من النظريات العلمية، بل تابعوا معظم المسائل بالدراسة والبحث والمناقشة للموضوعات بشكل موضوعي محدد.
ولكن شأن الآخذين بالمذهب الإلحادي محاولة طمس الحقائق، وطرح المغالطات والمفتريات، واستغلال أقوال بعض أصحاب المقالات، والأقوال العامة التي يطلقها الباحثين المسلمين بصفة عرضية غير مقصودة، وإلقاء الستور على سائر البحوث العلمية الرصينة التي تتناول كل جزئية بالبحث والدرس والتحقيق، بغية إيهام الأجيال الناشئة من أبناء المسلمين أن المسلمين لا يملكون غير إصدار الأحكام التقريرية والتعميمات الخطابية.
أما ما أثاره حول موضوع الشهب فإننا نجد أنفسنا بالنسبة إليه أمام قضيتين:
القضية الأولى: تتناول الجانب المادي المدروس من الشهب.
القضية الثانية: تتناول الجانب الذي لم يصل العلم بعد إلى اكتشافه ودرسه.
وكل من هاتين القضيتين تتطلب نظراً خاصاً.
أما القضية الأولى التي تتناول الجانب المدروس من الشهب
стр. 276
فلا يبدو فيها تناقض بين ما أعلنه أو أشار إليه القرآن، وبين ما توصل إلهي العلم بالبحث المادي والدراسة النظرية، وليتبين لنا هذا الأمر لا بد من عرض النصوص القرآنية في هذا الموضوع، ومقارنة ما جاء فيها بما يقوله العلماء الماديون ذوو الاختصاص في هذا الموضوع أيضاً.
فمن النصوص القرآنية في هذا الموضوع قول الله تعالى في سورة (الحجر/١٥ مصحف/٥٤ نزول) :
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُل شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾
ومنها قول الله تعالى في سورة (الصافات/٣٧ مصحف/٥٦ نزول) :
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾
ومنها قوله تعالى في سورة (الملك/٦٧ مصحف/٧٧ نزول) :
﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾
ومنها قوله تعالى في سورة (الجن/٧٢ مصحف/٤٠ نزول) :
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ .
стр. 277
فهذه نصوص قرآنية تحدثت عن الشهب، وفيها من الدلائل المادية التي يمكن للعلم المادي أن يدرسها ويكتشفها ما يلي:
١- وجود (شهب) ظاهرة تنقض، وحينما تنقض باتجاه الأرض تكون ثاقبة ملتهبة مضيئة.
٢- وجود (رجوم) أي: قطع من الحجارة مصدرها النجوم أو الكواكب، وهذه النجوم والكواكب هي المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا، أما الرجوم (وهي الحجارة) فقد نشرت في السماء مع الحرس الذين ملئت بهم السماء، وهذه الحجارة المختلفة الحجوم تنطلق شهباً مُبِينةً ثاقبة.
٣- إن هذه الرجوم المنبثة في السماء (أي في الفضاء العالي) لم تكن قبل بعثة محمد ﷺ ، ثم وجدت بعد ذلك.
هذه هي عناصر القضية الأولى، وهي القضية المادية التي يمكن أن تقارن بالعلم المادي وما توصل إليه من معارف في هذا الشأن.
ولدى المقارنة نجد أن العلماء الماديين يقولون ما يلي:
١- يقولون عن انتشار الكتل الصخرية والحجرية ذات الأحجام المختلفة والتراكيب المختلفة، والتي يسمونها بالمتيورات وبالنيازك، وهي منتشرة في السماء فوق الغلاف الأرض ما يلي:
إن الهواء الجوي يحمينا من أسلحة السماء المخيفة، فأسرع مقذوفاتنا النارية ينطلق خلال الهواء بسرعة أقل من نصف ميل في الثانية، على حين يندفع خلال الفضاء العالي عدد لا حصر له من المتيوارت الحديدية المختلفة الأحجام، من حجم الهباء إلى حجم جبل عظيم، بسرعة هائلة تختلف من عشرين إلى مئة ميل في الثانية.
فمن هذا نلاحظ أن النصوص الدينية قد قررت هذه الحقيقة، قبل أن تكتشفها الوسائل الإنسانية للبحث العلمي، ويوم كان العلم الإنساني جاهلاً بوضع السماء.
стр. 278
٢- يقول العلماء الماديون: إن أصل هذه النيازك من الكواكب والنجوم، وهذا عين ما أشار إليه القرآن.
يقولون: إن النجوم يحدث فيها انفجارات من قوت لآخر، وبقوة هائلة، فيطير منها في كل انفجار مئات الأطنان من التراب الناعم، ثم يتجمع بعضه على بعض فتتكون منه النيازك والمذنبات.
٣- ويقول العلماء الماديون عن حالات حدوث هذه الرجوم في السماء وتكاثرها بين حين وآخر:
"إن مذنب بيلا ظهر منشقاً إلى جزئين في عام (١٨٤٦م) ثم ظهر هذان الجزءان في عام (١٨٥٢م) على صورة مذنبين منفصلين، ثم اختفيا بعد ذلك، وظهرت بدلاً منهما جموع حاشدة من متيورات مضيئة صغيرة في جو الأرض".
أليست هذه الرجوم التي مصدرها نجوم السماء وكواكبها، وقد حدثت في فترة نعرفها، وهذا يقرِّب إلى التصور ما حدث في عصر الرسالة المحمدية.
من كل هذا يتبيَّن لنا أن الحقائق العلمية المادية تتفق مع ما جاء في القرآن، وهذا ما يتعلق بالقضية الأولى.
وأما القضية الثانية وهي كون الشهب رجوماً للشياطين تلاحقهم وتحرقهم، فهذه لم يتوصل العلم المادي إليها، لأنها خارجة عن دائرة اختصاصه ومدى وسائله، فهو لا يستطيع من عنده أن يثبتها ولا يستطيع أن ينفيها، ويجب عليه بالنسبة إليها أن يترك الحديث عنها إلى ما يقرره الدين، وما ثبت فيه بالنصوص الصحيحة القاطعة.
فكان الأولى بالعظم حول هذا الموضوع أن يعتصم بالصمت إذا لم يشأ أن يذعن للدين وما جاء فيه.
стр. 279
(١٤)
حول المعرفة الدينية والمعرفة بمعناها العقلي والعلمي
قال (د. العظم) في الصفحة (٧٢) من كتابه:
"ورد معنا ذكر طائفة من المفكرين يقولون: إن المعرفة الدينية تختلف اختلافاً جذرياً وكلياً عن المعرفة بمعناها العقلي أو العلمي، لذلك نجدها دائماً مناقضة للمنطق ومتنافية مع العقل".
قبل أن أتابع ذكر بقية كلامه حول هذه المقدمة، لا بد من التنبيه على أن هذا الكلام كذب على الإسلام والمسلمين لا أصل له مطلقاً. إنه لا يوجد واحد من علماء المسلمين يقول: إن المعرفة الدينية تختلف اختلافاً جذرياً وكلياً عن المعرفة بمعناها العقلي، ولذلك نجد المعارف الدينية مناقضة للمنطق ومتنافية مع العقل.
فلست أدري من أين جاء بهذه الفرية على الإسلام والمسلمين على المعارف الدينية الإسلامية؟!
إن الذي يقوله جميع علماء المسلمين يقضي بأن جميع ما ثبت في الدين يتفق مع مفاهيم المنطق السليم، والعقل الصحيح، والعلم الثابت.
وقد سبق أن بينَّا أن التناقض أو التنافي لو وجد فهو ليس بين ما ثبت في الدين بشكل قاطع وما ثبت في العلم أو العقل بشكل قاطع، وإنما بين ما نسب إلى الدين وهو ليس منه وبين الحقائق العلمية الثابتة، أو بين ما نسب إلى العلم وهو ليس منه وبين الحقائق الدينية الثابتة، أو بين ما نسب إلى الدين وما نسب إلى العلم وكل منهما لم تصحَّ نسبته إلى صاحبه.
ولكن قد توجد أمور ثبتت في الدين والعقل لا يستطيع مستقلاً أن يثبتها، كما لا يستطيع أن ينفيها، فهي لا تناقض أصول العقل والمنطق ولا تتنافى مع العلم، إنما عجزت الوسائل العلمية عن إدراكها والوصول إلى معرفتها، وعجزت التصورات العقلية عن إدراكها وتحديدها، وهذا شيء يُعزى إلى قصور المعرفة والإدراك، وليس من التناقض ولا من التنافي حتماً. ونظير هذا يحدث في
стр. 280
مجال الدراسات العلمية الإنسانية البحتة. إن العلماء قد استنبطوا من الظواهر المادية كثيراً من القوانين، منها مثلاً قانون الجاذبية، مع أن أية وسيلة علمية لا تستطيع أن تحدد كنه هذه الطاقة التي تظهر آثارها، ولا يستطيع العقل أيضاً أن يتصور صورة مادية لها، ولا أحد يقول مع ذلك: إنها مناقضة للمنطق ومتنافية مع العقل.
وبعد هذه المقدمة التي افتراها على الإسلام والمسلمين، قال في متابعة كلامه:
"يقول أصحاب هذا المذهب: إن العقل الإنساني قاصر عن أن يعرف طبيعة الإله، وعن أن يحيط به ولو إحاطة جزئية. إنه عاجز عن تصوره وعن التعبير عن طبيعته، وعّر البعض عن هذا الرأي بقولهم عن الله: (كل ما يخطر في بالك فهو خلاف ذلك) .
وقبل أن نتابع بقية كلامه نقول: هذا كلام لا علاقة له بالمقدمة التي افتراها، فكون العقل الإنساني قاصراً عن تصور ذات الخالق جلَّ وعلا، وعاجزاً عن معرفة كنه هذه الذات، لا يعني بحال من الأحوال أن ذاته سبحانه مناقضة للمنطق ومتنافية مع العقل. جُلُّ ما في الأمر إثبات العجز للجهاز المدرك، علماً بأن العقل عاجز عن إدراك أو تصور كثير من الحقائق العلمية الثابتة في الكون المادي المدروس، حتى إن العقل لم يستطع إلى يوم الناس هذا أن يدرك كنه ذات نفسه، فهل جهله بذات نفسه ينفي وجوده، باعتبار أن هذا الجهل مناقض للمنطق ومتنافٍ مع العقل بحسب دعوى (د. العظم) ؟
стр. 281
هذا كلام فارغ وسخيف ومتهافت لا يقبله من لديه مثقال ذرة من عقل، وهو في حقيقته يسخر من قائله ولا يخدع قارئه.
ثم إن (د. العظم) بعد أن وضع المقدمة المفتراة، وبنى عليها مسألة غير ذات علاقة بها مطلقاً بقصد المغالطة والتضليل، قال موجهاً اعتراضاته:
"توجد عدة اعتراضات على هذا الموقف. أولاً: هل بإمكاني أن أقيم علاقات جدية بيني وبين هذا الإله، الذي تتجاوز طبيعته تجاوزاً مطلقاً منطقي ومشاعري وأفكاري ومثلي وآمالي؟ هل بإمكاني أن أجد عزاء في إله جُلُّ ما أعرفه عنه أنه مهما خط في بالي من أفكار وصفات فهو يختلف عنها اختلافاً مطلقاً؟ إن وجود مثل هذا الإله وعدم وجوده سيان بالنسبة إليه. إن هذا الإله ليس إلا تجريداً فارغاً من كل معنى ومحتوى، ولا يمكن لإرادة إنسان أن تتعلق بتجريد محض، تجاوز بمراحل التجريد الذي وصفه أرسطو باسم (المحرك الأول) فإذا كان بإمكانك أن توجه ابتهالاً أو دعاء إلى المحرك الأول فمن المؤكد أنك لن تستطيع أن توجه لإله لا يمكنك أن تصفه بشيء على الإطلاق، لأنه بطبيعته مخالف لكل ما يرد في ذهنك من أفكار وكل ما تنطق به من صفات".
هذا هو الاعتراض الأول الذي وجَّهه، وهو بهذا الكلام يضيف إلى افترائه في المقدمة ومغالطته فيما بنى عليها، فيطرح هنا كذباً جديداً ومغالطة في الحقائق ويدَّعي على الفكر الإسلامي تعميماً كاذباً مخالفاً للحقيقة تماماً.
إن أحداً من المسلمين لا يقول: إن العقل قاصر عن أن يعرف شيئاً عن الله الخالق جلَّ وعلا، أو قاصر عن أن يحيط ولو إحاطة جزئية بصفاته، فهذا من الكذب على المفاهيم الإسلامية.
لكن الذي يقوله المسلمون إنما هو منحصر في معرفة كنه ذات الخالق، والذات شيء والصفات ذات الأفعال والآثار شيء آخر، فقول المسلمين: "كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك"، قول منحصر في معرفة كنه ذات الخالق، لا في معرفة صفاته، وذلك لأن تصورات الأفكار كلها مقتبسة من صور الكون
стр. 282
الحادث، وهذه الصور المادية لا تليق بكمال الله جلَّ وعلا، إذ ليس كمثله شيء، ولا يتوقف على معرفة كنه ذات الخالق شيء من الإيمان ولا من العلاقة به.
إننا نتعامل مع كثير من طاقات الكون دون أن نعرف كنه ذاتها. عقولنا لا نعرف كنه ذاتها. معظم ما هو داخل في أجسامنا لا نعرف كنه ذاته. أفيؤثر هذا على إيماننا بها وتعاملنا معها؟
ولا بد أن يلاحظ القارئ حشد المغالطات التي صنعها (د. العظم) ويكتشفها ويعرف ما فهيا من زيف لا يحتاج كشفه إلى كد ذهني.
لقد جعل الشيء الذي يعجز العقل عن إدراكه وتصوره شيئاً مناقضاً للمنطق ومنافياً للعقل، وهذا باطل بداهة كما أوضحنا، إن أموراً كثيرة جداً يعجز العقل عن تصورها وتحديد ذاتها وهي واقعة فعلاً، وحينما يدركها العقل لا يرى فيها مناقضة للمنطق ولا منافاة للعقل. الأعمى يعجز عن تصور الألوان، مع أن الألوان لا تناقض المنطق ولا تتنافى مع العقل، لا في مفهوم المبصرين ولا في مفهوم العميان.
ليكن واضحاً لدينا تماماً أن قصور الجهاز المدرك عن إدراك بعض الحقائق لا يعني بحال من الأحوال أن هذه الحقائق مناقضة لمنطق الأشياء. هذه بديهة ولكن (د. العظم) أراد أن يغالط بها، وأراد أن يموِّه بها على السذج من المخدوعين المفتونين بعبارات (أصول البحث العلمي) و (قواعد المنطق الحديث) و (ما توصلت إليه الحقائق العلمية) وأمثالها من العبارات التي غدت شعارات للتمويه والتضليل فقط يستعملها بعض أصحاب المذاهب ذات الأغراض الخاصة، كسائر الشعارات الجميلة، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، إن هذه الشعارات تحمل بريقاً لفظياً يسرُّ السامعين ويعجبهم، ولكن ليس لها عند مستغليها مضمون عملي تطبيقي.
وبعد أن بنى (د. العظم) هذا البناء الوهمي على المقدمة الكاذبة الأولى، وجَّه عدة اعتراضات عليه، وهذه الاعتراضات وجهها على اعتبار أن من نسب إليهم هذا المذهب من المفكرين المسلمين يرون أنه لا يمكن إدراك أي شيء عن ذات الخالق ولا عن صفاته.
стр. 283
وهنا تكمن مغالطته الثانية، وهي مغالطة تعتمد على تعميم تمويهي كاذب لقضية خاصة، وذلك لأن عبارة: "كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك" عبارة خاصة بتصور كنه ذات الله، وليست شاملة لذاته وصفاته، ولكن (د. العظم) عمَّم في دلالتها وفي مفهومها تعميماً باطلاً، ليوجه اعتراضه على منطقة التعميم التي ادعاها زوراً وبهتاناً.
إن صنيعه يشبه صنع من قال: إن الماء صخر جامد، والذين يقولون: إن السفن الشراعية تجري بالهواء لا بد أن يسلموا بأن هذه السفن تجري في الجبال والصخور والرمال، وكلامهم هذا معترض من وجوه:
الأول: أن الماء ليس صخراً جامداً.
الثاني: أن السفن البحرية لا تجري في الجبال والصخور والرمال.
الثالث: أن السفن البحرية قد تجري بالمحركات الآلية.
هذا لون عجيب جداً من المغالطات التي تصطنع الأكاذيب، والتعميمات، وتضع الأشياء في غير مواضعها، ومع ذلك فإن المنطق (العظمي) يقبله، ويقبله مع سائر الملحدين!!
وعلى مثل هذا المنطق يريدون أن يصنعوا جيلاً عربياً تقدمياً.
من الطبيعي بعد أخذ المجال التعميمي الذي ادعاه كذباً على الفكر الإسلامي أن يصل إلى منطقة تجريد مطلق لا يفهم منه شيء، فبينما كان أصل الموضوع منحصراً في كنه ذات الله، إذا به يجعله شاملاً للذات والصفات كلها وسائر المفاهيم، وهذا ما لا يقول به أحد في الوجود، ولما وصل في أكذوبته إلى هذا المستوى وجه اعتراضه كما راق له فقال: "هل بإمكاني أن أقيم أية علاقات جدية بيني وبين هذا الإله ... إلى آخر كلامه".
من الطبيعي أن إلهاً لا يفهم عنه شيء من ذات ولا من صفات مطلقاً أن يكون تجريداً فارغاً من كل معنى ومحتوى. لكن أحداً من المؤمنين بالله لا يقول بمثل هذا الكلام الباطل.
стр. 284
إن المؤمنين يثبتون لله صفات كثيرة من صفات الكمال، بل هم يثبتون له كل صفات الكمال، وينفون عنه كل صفات النقصان، ويستطيعون أن يتصوروا من صفاته على مقدار عقولهم، ويطلقون الحدود دون حصر، إنهم يؤمنون بصفة وجوده الواجب سبحانه، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم، ويؤمنون بصفة قدرته الكاملة القادرة على خلق كل ممكن، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم، ويؤمنون بصفة إرادته واختياره التي تختار من الممكنات ما تشاء، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم، ويؤمنون أيضاً بصفات علمه وسمعه وبصره وصفات أفعاله، ويستطيعون أن يتصوروا من هذه الصفات على مقدار عقولهم، وهكذا إلى كثير من صفاته سبحانه.
فهل هذا هو التجريد المطلق الذي ادَّعاه (د. العظم) كذباً وبهتاناً؟!
ألا يسوغ في منطق العقل أن نؤمن بموجد نعلم كل صفاته التي لها آثار متصلة بنا، من خلق ورزق، وإحياء وإماتة، وعدل وجزاء، ورحمة وعقاب، وغير ذلك دون أن نعلم كنه ذاته وطبيعتها الخاصة؟
إن العلماء الماديين يؤمنون بالجاذبية، وهم لا يعلمون من خصائصها إلا أنها قوة تجذب. إنهم يعتقدون بها، ويتعاملون معها، لمجرد معرفة صفة من صفاتها، دلت على آثارها، فكيف بمن علمنا من صفاته أشياء كثيرة متعلقة بنا؟
يا عجباً لمنطق الملحدين!! إنهم يقيمون علاقات جدية مع أوهام إلحادية، وعلاقات جدية مع قوانين طبيعية لا يعرفون كنه ذاتها، وإنما تظهر لهم بعض آثارها التي تدلهم على بعض صفاتها، ثم يستكبرون عن أن يقيموا علاقات جدية مع الله، الذي يظهر لهم من آثاره أنه قادر عليم، عادل حكيم، خالق رازق، محيي مميت، سميع بصير، نافع ضار، يجازي المحسنين والمسيئين.
وإن تعجب فعجب قولهم وعجب منطقهم.
ثم إن (د. العظم) وجَّه اعتراضاً ثانياً على البناء الفاسد نفسه الذي بناه فقال:
"ثانياً: إذا كان الإله لا يوصف ولا يدرك بالنسبة إلى البشر فما معنى قولنا إذاً
стр. 285
بأنه (رحيم وبأنه عادل) . عندما ننعت الله بالرحمة والعدل ماذا نعني بهذه الصفات؟ أليس هناك من شبه على الإطلاق بين الرحمة والعدل عندما نطلقهما على الله، وبين تصورنا الإنساني لهاتين الصفتين؟ إذا كان الجواب بالنفي هل تكون إذن أذهاننا فارغة من كل معنى وتصور؟ عندما ننعت الله بالرحمة والعدل، هل ننسب إليه كلمات لا معنى لها على الإطلاق بالنسبة للبشر؟ في الواقع إننا في موقف حرج حيال هذا الموضوع، فإما أن ننعت الله بالعدالة وفقاً لتصور يشبه إلى حدِّ ما وبصورة غامضة تصورنا الإنساني لهذه الصفة، وإما أن يكون قولنا بعدالته كلاماً فارغاً من كل معنى ومحتوى. أي: إننا مرغمون إما على التشبيه وما يترتب عليه من عواقب، أو على التنزيه التام وما يستتبع من نتائج.
يوجد حل تقليدي لهذه الكتلة من التناقضات والمشكلات، وهو الأخذ بظاهر المعنى والتصديق به مع تفويض معرفة حقيقته إليه تعالى، أي التصديق دون معرفة، والإيمان على طريقة العجائز".
مرة ثالثة يلجأ في هذا الموضوع بالذات إلى المغالطة والتمويه عن طريق التعميم الفاسد.
فبعد المغالطة السابقة التي اعتمد فيها على تعميم العجز البشري في واقعهم الدنيوي عن إدراك ذات الله وكنهها، بالنظر إلى أن الأبصار لا تدركه سبحانه، وبعد أن جعل هذا العجز البشري شاملاً للذات والصفات وهو ما لم يقل به أحد، فقز قفزة جديدة إلى مغالطة جديدة، تعتمد على تعميم خلط فيه جميع ما نسب إلى الله من صفات في النصوص، ليعطيها حكماً واحداً عاماً، باعتبار أن بعضها مما يوهم التشبيه بالمخلوقات قد ثار حوله حوار في فهم المراد منه بين المفكرين من علماء المسلمين.
ويبدو أعن علمية المغالطة القائمة على تعميم الخاص أهم عناصر مغالطاته، كما أنها أهم عناصر مغالطات (فرويد) أحد قادته المثاليين في نظره، إذ كان (فرويد) يأخذ من الحالات الشاذة النادرة أحكاماً عامة مطلقة، مخالفاً بذلك كل منهج علمي.