← Общие книги

Общие книги · id 12725

صراع مع الملاحدة حتى العظم

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (445 стр.). Показаны 421–445 · переход к 426.

стр. 421

﴿وَاعْلَمُو?اْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ وقال لهم أيضاً: ﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُو?اْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وتحدث الله عن الكافرين عامة بمثل ذلك، فقال تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) : ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُو?اْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ أي: لا يظنوا أنفسهم قد سبقوا المؤمنين بعددهم وعدتهم، فإنهم لا يعجزون المؤمنين الصادقين، لأن الله مع المؤمنين بمعونته وتأييده ونصره، ولكن على المؤمنين أن يقوموا بما أوجب الله عليهم، وأن يحققوا في أنفسهم الشروط التي يستحقون بها تأييد الله لهم، ونصرهم على عدوهم، ومن ذلك أن يعدّوا لأعدائهم ما يستطيعون من قوة، ومن أجل ذلك أتبع الله الآية السابقة بقوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ ومهما تكن مكايد الكافرين كثيرة وخطيرة وذكية فإن الله قد ضمن للمؤمنين توهين هذه المكايد، وردها عليهم، متى صدق المؤمنون وأخلصوا لله في جهادهم، وبذلوا ما في وسعهم في سبيل الله وهذا الضمان نلاحظه في قول الله الذي ذكرناه قريباً من سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) : ﴿ذالِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ وفي قول الله تعالى في سورة (الطور/٥٢ مصحف/٧٦ نزول) :

стр. 422

﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ أي: فمكايدهم تعود عليهم، ولا ينال المؤمنين الصادقين ضرها البالغ، ولذلك خاطب الله المؤمنين بقوله في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ فقد جاءت هذه الآية في معرض الحديث عن اليهود، وهم أكثر الناس مكايد للمؤمنين ولسائر الناس. فما على المؤمنين الصادقين الملتزمين بأوامر الله إلا أن يواجهوا أعداء الله بثبات وصبر، بعد أن يعدوا لهم ما يستطيعون من قوة، وتكون نسبة عدوهم لا تزيد على ضعفهم. لقد كان التكليف أول الأمر يلزم المؤمنين بأن يقابلوا عشرة أضعافهم، ثم خفف الله هذه النسبة إلى ضعف واحد، نظراً إلى حالة الضعف النفسي الذي عليه الناس مهما بلغ إيمانهم، إذ لا يرتقي شعورهم الجماعي العام إلى مستوى النسبة العظمى، ولو بلغ شعورهم الجماعي إلى هذا المستوى لكتب الله لهم النصر على عدوهم، وإن كانت قوته عشرة أضعاف قوتهم أو أكثر، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) : ﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * ياأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن منكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ منكُمْ مئَةٌ يَغْلِبُو?اْ أَلْفاً منَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ أي: ليس لهم غاية يفقهونها فترفع قواهم المعنوية على القتال، ولا أمل لهم فيما بعد الحياة الدنيا، لذلك فهم شديدو الحرص على الحياة، وهذا هو مولد الجبن في قلوبهم. وعقب ذلك جاء التخفيف في هذا المستوى من التكليف الإلزامي، فقال تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :

стр. 423

﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُو?اْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ففي هذا وعد من الله بأن ينصر المؤمنين الصادقين الصابرين على عدوهم، ولو كان عدده ضعف عددهم، على أنهم لو وثقوا بالله حق الثقة، وصبروا وصدقوا لنصرهم على عدوهم ولو كان عدده ضعف عددهم عشر مرات، فالوعد الأول لم ينقطع، ولكن التكليف بالمواجهة هو الذي جاء فيه التخفيف، ولذلك جاءت الآية مصدرة بقول الله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً﴾ . والوقائع والأحداث التاريخية قد أيدت هذه الحقيقة، فالله قد نصر ر سله بالحق على الذين كفروا وظلموا من أقوامهم، ونصر الذين آمنوا وصبروا وصدقوا واستقاموا في كل وقائعهم ضد الذين كفروا، ولم تتحول رياح النصر عن المؤمنين إلا بذنوب قد ارتكبوها، وقد حقق الله بنصره لرسله وللمؤمنين الصابرين الصادقين سننه التي وضعها، وحقق وعده الذي وعد به أولياءه، والذي أعلنه بقوله تعالى في سورة (غافر/٤٠ مصحف/٦٠ نزول) : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ الْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُو?ءُ الدَّارِ﴾ وبنظرة تفصيلية نلاحظ أن الله ﵎ قد نصر نوحاً على قومه فأغرقهم وأنجاه والذين آمنوا معه، ونصر هوداً وصالحاً وإبراهيم ولوطاً على أقوامهم، ونصر موسى على فرعون وملئه وجنوده، ونصر داود وسليمان، ونصر عيسى فأنجاه من قومه، ونصر محمداً والمؤمنين معه وتوج لهم جهادهم بالفتح المبين، ونصر المجاهدين المسلمين من بعده، ففتح لهم أبواب ممالك الأرض، وما توقف عنهم النصر إلا حينما عصوا في الواجبات والشروط التي فرضها الله عليهم، والتي كانوا يستحقون بها إمداد الله لهم بمعونته ونصره. ولنأخذ حياة الرسول محمد ﷺ لنرى كيف نصره الله في كل مواقفه على أعدائه، وكيف خذل الكافرين.

стр. 424

لقد نصره الله يوم هاجر من مكة إلى المدينة، بوسائل خفية غيبية، وأخرى مشهودة ما كان الكافرون ليحسبوا حسابها، وقد تحدث الله عن هذا النصر بقوله لأصحاب الرسول في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) : ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وتحدث الله عن هذا النصر أيضاً بقوله لرسوله في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ثم نصر الله الرسول والمؤمنين في غزوة بدر الكبرى على الكافرين أعدائهم وأعداء الله، وسورة الأنفال تدور حول أحداث هذه الموقعة العظيمة وما أظهر الله فيها من آيات نصرة لرسوله والمؤمنين معه، رغم أنهم كانوا أقلة أذلة، وقد امتنَّ الله عليهم بهذا النصر، فقال ﵎ في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلا?ئِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى? إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَاذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلا?فٍ مِّنَ الْمَلا?ئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أي فبعزته ينصر، وبحكمته يقضي بنصره للمؤمنين الصابرين الصادقين على الكافرين المصرين المعاندين الصادين عن سبيل الله.

стр. 425

وفي غزوة أحد نصر الله المؤمنين في أوائل الأمر، ثم حول الله عنهم رياح النصر بسبب معصيتهم أوامر الرسول صلوات الله عليه. وفي غزوة حنين حين تحولت أول الأمر رياح النصر عن المسلمين بسبب اغترارهم بكثرتهم واعتمادهم على أنفسهم، ثم نصرهم الله وأيد رسوله والمؤمنين الصادقين، وأنزل جنوداً من عنده، وخذل الذين كفروا، وبين الله هذا بقوله تعالى في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) : ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذالِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ﴾ فأصاب الله المؤمنين يوم حنين بما أصابهم به أولاً ليؤدبهم ويربيهم حتى لا يغتروا بأنفسهم، وحتى لا ينقطعوا عن الاعتماد على الله والثقة به والتوكل عليه، ثم تدارك القلة الباقية منهم بنصره المبين، ليثبت للمؤمنين أن النصر من عنده سبحانه، يرفعه متى شاء، ويضعه حيث شاء. وفي غزوة الخندق كان نصر الله للمؤنين برد الكافرين عن حصار المدينة، وهم يعانون آلام غيظهم، إذ لم ينالوا خيراً من حملتهم الظالمة الآثمة، وقد بين الله ذلك بقوله تعالى في سورة (الأحزاب/٣٣ مصحف/٩٩ نزول) : ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ وفي غزوة بني قريظة كان نصر الله للمؤمنين بقذف الرعب في قلوب اليهود وإنزالهم من حصونهم، واستسلامهم للقتل والأسر، وقد بين الله هذا النصر بقوله تعالى في سورة (الأحزاب/٣٣ مصحف/٩٠ نزول) :

стр. 426

﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ . وفي غزوة بني النضير كان نصر الله للمؤمنين بأن قذف الرعب في قلوب بني النضير من اليهود، وتم إجلاؤهم عن المدينة، ونصر الله رسوله والمؤمنين معه، ونزل في أحداث هذه الواقعة التي تمت بنصر المؤمنين وخذل الكافرين سورة (الحشر/٥٩ مصحف/١٠١ نزول) ، وفي هذه السورة يقول الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي? أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّو?اْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم منَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُواْ ياأُوْلِي الأَبْصَارِ * وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ وهكذا وضح لنا بالشواهد الواقعية كيف يعاقب الله الكفارين بأنواع من العقاب المعجل في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر وأشق، وهذا العقاب المعجل للكافرين ليس عقاباً كاملاً، وإنما هو عقاب جزئي للتذكير والتربية والاعتبار، وهو أيضاً بشرى للمؤمنين ومثوبة لهم. * العقوبة بالقوارع الجزئية: ومن العقوبات المادية المعجلة التي ينزلها الله بالذين كفروا وأصروا على كفرهم وعنادهم أنواع القوارع والمصائب التي تحل بهم، وقد بين الله ذلك بقوله تعالى في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) :

стр. 427

﴿وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ويدل على ذلك أيضاً قول الله تعالى في سورة (السجدة/٣٢ مصحف/٧٥ نزول) : ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ منَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكرَ بِآيَاتِ رَبهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ والعذاب الأدنى هو العذاب المعجل في الدنيا والغرض منه رجاء إصلاحهم أو الاتعاظ بهم، وقد يدخل في العذاب الأدنى عذاب ما بين الموت والبعث. * العقوبة بالإهلاك العام والتدمير الشامل: ويأتي في قمة أنواع العذاب المعجل للكافرين عقابهم بالإهلاك العام والتدمير الشامل، لقمع بؤرة الشر التي لم تُجدِ فيها كل وسائل الإصلاح، وليكون هذا العقاب عبرة لغيرهم، حتى يرتدعوا عن كفرهم وطغيانهم وتماديهم في الفساد، ولينصر الله بذلك رسله والمؤمنين. لما اشتد استهزاء الكافرين برسول الله ﷺ خاطبه الله مطمئناً ومسلياً له بقوله في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ فكان عقاب الله لهم بالإهلاك العام، والعذاب الشامل. وقص الله علينا في القرآن طائفة من قصص إهلاك الأولين، ليكون ذلك عبرة لأولي الأبصار، وأوضح لنا أن إهلاكهم كان جزاء لهم بسبب كفرهم وتماديهم في الغي والفساد، وانتصاراً لرسله الذين كذبوهم وسخروا منهم وكادوهم كيداً كبيراً. فمن أمثلة ذلك إهلاك الله أهل سبأ، لقد كان إهلاكهم جزاء لهم بسبب

стр. 428

كفرهم وبغيهم، قال الله تعالى في سورة (سبأ/٣٤ مصحف/٥٨ نزول) : ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّاتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجْزِي? إِلاَّ الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُو?اْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ فهؤلاء السبئيون في القديم قد عاقبهم الله بالسيل العرم، وجازاهم بسبب كفرهم العنيد الظالم، بعد أن وسع عليهم في الرزق، وعاملهم بعفوه وغفرانه (بلدة طيبة ورب غفور) لكنهم ما رعوا نعمة الله حق رعايتها، فبدلهم الله بجنتيهم الطيبتين جنتين ذواتي أكل خمط، ثم أهلكهم ومزقهم كل ممزق. وأوضح القرآن أن عقاب الكافرين يحمل غايتين: الغاية الأولى: الجزاء بالعقاب للكافرين. الغاية الثانية: الجزاء بالثواب للمؤمنين الصادقين. فمن ذلك ما قصه الله تعالى من قصة قوم نوح وإهلاكهم وإنقاذ نوح ومن آمن معه، ليتعظ بها قوم محمد ﷺ ، فقال تعالى في سورة (القمر/٥٤ مصحف/٣٧ نزول) : ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى المَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ

стр. 429

قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ فعقاب قوم نوح وإنقاذ نوح بالمعجزة الربانية كان ذلك جزاء لنوح الذي كُفِر - أي: كفر به قومه وكذبوه - وهذا جزاء بالثواب، وكان أيضاً جزاء بالعقاب للكافرين المكذبين، إذ كانوا هم الطرف المعاقب المهلَك. ومن الملاحظ بوضوح أن ما عرضه الله في كتابه من قصص الأولين، قد كان الغرض منه إيقاظ مشاعر الاعتبار والاتعاظ، ولم يكن الغرض منه مجرد عرض قصص من القصص التاريخية، مهما كانت المواقف الفنية المثيرة ظاهرة فيها، ولذلك تبرز في القصة القرآنية الأحداث المشتملة على مواطن العظة والاعتبار، ويأتي فيها لفت النظر إلى الاتعاظ والاعتبار، في آخر عرض القصة أو في أوله أو في أثنائه. ففي النص السابق نلاحظ في آخره قول الله تعالى: ﴿فهل من مدَّكر؟ فكيف كان عذابي ونذر؟﴾ . ونلاحظ في القرآن تنبيهاً عاماً على الاعتبار بجميع ما أجراه الله في الأمم السابقة، فمن ذلك قول الله تعالى يخاطب رسوله محمدا ﷺ في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) : ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ . ففي قوله تعالى: ﴿فكيف كان نكير؟﴾ توجيه ظاهر للاتعاظ والاعتبار بكل ما جرى للأمم السابقة من عقاب لهم على كفرهم وتكذيبهم. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة (يوسف/١٢ مصحف/٥٣ نزول) : ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي? إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّو?اْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا

стр. 430

فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ففي هذا النص تصريح بأن الغرض من عرض قصص الأولين أن تكون عبرة لأولي الألباب، وهم أصحاب القلوب الواعية والأبصار المدركة. ومن هذا نلاحظ أن القرآن يعتمد - في ضمن ما يعتمد - على التربية بالقصة، لما للقصة الواقعية من تأثير قوي في النفوس، وتنبيه قوي على الاعتبار والادِّكار، ومعلوم في الظواهر التاريخية أن تكرر النتائج للمقدمات دليل على ثبات السنةَّ الكونية، فهي تدل عند ذوي العقول على أن للمستقبل حكم ما جرى في الماضي، لذلك كان من الطبيعي الاستشهاد بأحداث الماضي دليلاً على ما يجري في المستقبل، وباعتبار أن ذلك من سنن الله الثابتة. وذلك جعل الله أنبياء الأولين أدلة لأولي الألباب، يحاسبون عليها، ويلامون على الاستهانة بها، وعدم الاعتبار والاتعاظ بما اشتملت عليه من مواطن عظة واعتبار، وهذا ما نلاحظه في قول الله الموجه للذين كفروا بمحمد ﷺ في سورة (التغابن/٦٤ مصحف/١٠٨ نزول) : ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَينَاتِ فَقَالُو?اْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ففي هذا النص نلاحظ توجيه اللوم والتوبيخ لهم إذ لم يتعظوا ولم يعتبروا بأنباء الذين كفروا من قبل. وعلى هذا الأساس التوجيهي التربوي جاءت قصص القرآن.

стр. 431

(ب) العقوبات المؤجلة: الجزاء المؤجل إلى ما وراء ظروف هذه الحياة الدنيا هو الجزاء الأكبر، وربما يدخر الله لبعض الناس كل جزائهم فينالون كل نصيبهم من هذا الجزاء الأكبر. ولما كان البحث عن واقع هذا الجزاء المؤجَل من أمور الغيب التي لا يستطيع العقل المجرد أن يتحكم في صورها وأشكالها أو يحكم على مراحلها، لأن بينها وبين العقل حجاب الزمان والمكان، كان المرجع فيها النصوص الدينية الصحيحة ومفاهيمها المقبولة. وقد دلت النصوص الدينية الصحيحة على أن أنواع العقاب المؤجل تبدأ منذ فترة الموت فما بعد الموت، ثم يكون عقاب أشد في يوم الحساب، وهي المدة التي تكون بعد البعث إلى الحياة الجسدية مرة أخرى، وتستمر حتى إصدار الأحكام النهائية، ثم يكون العقاب الأشد الأكبر في دار العذاب التي أعدها الله للمجرمين. فهي مراحل ثلاث: أولاها: مرحلة البرزخ، وهي المدة الفاصلة بين الحياتين الماديتين. ثانيتها: مرحلة يوم الحساب، وهي تكون بعد البعث وقبل دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. ثالثها: مرحلة دار الجزاء الأكبر. وفي هذه المراحل الثلاث أيضاً يتلقى المؤمنون المتقون أنواعاً من ثوابهم، وثوابهم الأكبر يكون في المرحلة الأخيرة، إذ يدخلهم الله جنته. * عقاب الكافرين في المرحلة الأولى: لقد دلت النصوص الإسلامية دلالة صريحة على وجود عقاب للكافرين في المرحلة البرزخية التي تبدأ بالموت، وتستمر حتى يبعثهم الله إلى الحياة الجسدية مرة أخرى. والموت إنما هو انفصال الروح عن الجسد، ومفارقتها له، كما يخلع لابس الثوب ثوبه.

стр. 432

لقد قص الله علينا طرفاً من قصة موسى مع فرعون وآل فرون ومن آمن من آل فرعون، ثم ختم ذلك بقوله في سورة (غافر/٤٠ مصحف/٦٠ نزول) : ﴿فَوقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُو?ءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُو?اْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ . الضمير في ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا﴾ يعود على الرجل الذي آمن من آل فرعون، فوقى الله مؤمن آل فرعون سيئات ما مكر آل فرعون، ونزل بفرعون وآله سوء العذاب من الله، وجاء تفسير سوء العذاب هذا بيان عرضهم على النار غدواً وعشياً، وهذا العرض على النار واضح أنه يكون في مدة البرزخ بين الموت والبعث بدليل قول الله تعالى عقب ذلك ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ . فدل هذا على أن عرضهم على النار غدواً وعشياً يكون قبل قيام الساعة، أي: قبل البعث. ثم بعد البعث يحاسبون ويقال لملائكة العذاب: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. وفي أقوال الرسول ﷺ نصوص كثيرة تثبت ما في هذه المرحلة من نعيم وعذاب. أما كون عذاب الروح أو نعيمها في هذه المدة ذا صلة بالأجساد الميتة أو البالية أو غير ذي صلة بها فلا شأن لنا به، وقدرة الله لا يُعجزها شيء تتعلق به مشيئته سبحانه، على أنه يكفي لتحقيق ما دلت عليه النصوص بالنسبة إلى هذه المرحلة أن يكون العذاب والنعيم للروح ولو لم يكن للروح أية صلة بأبدانها. * عقاب الكافرين في المرحلة الثانية: علمنا أن هذه المرحلة تبدأ بالبعث إلى الحياة بعد الموت للحساب والجزاء الأكبر. وقد دلت النصوص الإسلامية على أن هذه المرحلة تشتمل على عذاب الموقف الطويل، في حر شمس دانية من رؤوس الخلائف، ولا ينجو منه إلا

стр. 433

المؤمنون الذين أكرمهم الله بأن يستظلوا في ظل عرش الرحمن يومئذٍ، يوم لا ظل إلا ظله، وتكون درجة عذاب هذا الموقف مناسبة لحال الواقف وكفره وكثرة معاصيه شدة وضعفاً، ويستمر هذا الموقف زمناً يعلمه الله، حتى يتمنى الكافرون أن يقضى عليه بعذاب جهمنم، لينصرفوا إليها وينتهوا من موقف الحساب. وفي هذا الموقف أو في مرحلة من مراحله يعرض الذين كفروا على النار دار عذابهم، ويقال لهم مع هذا العرض: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها؟! فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون، وفي بيان هذا يقول الله تعالى في سورة (الأحقاف/٤٦ مصحف/٦٦ نزول) : ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ويقال لهم بعد عرضهم على النار: أليس هذا بالحق؟ فيقولون: بلى وربنا. ولكن هذا الاعتراف يومئذٍ لا ينفعهم، لأنهم يعترفون بما يشهدون، وهم عليه معروضون وإليه واردون، ولذلك يقال لهم: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (الأحقاف/٤٦ مصحف/٦٦ نزول) : ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَاذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ وحين يرون العذاب قريباً منهم تكون حالتهم حالة من علم مصيره المحتوم، فغلى فؤاده بالألم، وظهرت المساءة على وجهه، وفي بيان هذا يقول الله تعالى في سورة (الملك/٦٧ مصحف/٧٧ نزول) : ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَاذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي: هذا الذي كنتم به تكذِّبون، إذ كنتم بسببه أو في موضوعه تدعون الأباطيل والأكاذيب.

стр. 434

وحين يعرضون على النار يساقون إليها زمراً بحسب أنواع كفرهم وظلمهم، أو بحسب كتلهم وزمرهم في الدنيا، وفي بيان هذا بقول الله تعالى في سورة (الزمر/٣٩ مصحف/٥٩ نزول) : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُو?اْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَاذَا قَالُواْ بَلَى وَلَاكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُو?اْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ . إنهم يؤمرون بالدخول، وليس الدخول أمراً سهلاً، فمن الطبيعي أن يحجموا، لذلك فهم يدعون دعَّاً فيُدفعون بشدة، مهانين مُذَلِّين، قال الله تعالى في سورة (الطور/٥٢ مصحف/٧٦ نزول) : ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ للْمُكَذبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَاذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَاذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُو?اْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا الدَّع إلى جهنم لا بد أن ينتهي إلى كبكتهم فيها على وجوههم كالركام الذي يقذف بعضه على بعض، قال الله تعالى في سورة (النمل/٢٧ مصحف/٤٨ نزول) : ﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الشعراء/٢٦ مصحف/٤٧ نزول) : ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾

стр. 435

وبعد هذا الدعِّ وبعد الكبكبة في النار لا بد أن يباغتوا بمس النار فتبهتهم فلا يستطيعون ردها، قال الله تعالى في سورة (الأنبياء/٢١ مصحف/٧٣ نزول) : ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ فمسُّ النار يأتي مباغتاً، والدفع يأتي بعد إحجام، والأمر بالدخول يأتي قبل ذلك والله أعلم. * عقاب الكافرين في المرحلة الثالثة: وهي مرحلة دخولهم دار العذاب، وقد جاء في نصوص القرآن لمحات تفصيلية لألوان العذاب في جهنم، إلا أن معظم النصوص تحدثت عن عذاب جهنم وشدته وشدة إيلامه بشكل عام. * وفيما يلي طائفة من النصوص التي تتحدث عن عذاب الكافرين في النار بشكل عام: ١- فمنها قول الله تعالى في سورة (الحج/٢٢ مصحف/١٠٣ نزول) : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآياتِنَا فَأُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ فوصف العذاب هنا بأنه مهين، أي فيه إهانة شديدة لهم وإذلال بالغ جزاء كبرهم واستعلائهم. ٢- ومنها قول الله تعالى في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فهم أصحاب النار، وهم خالدون فيها لا يخرجون منها. ٣- ومنها قول الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾

стр. 436

فجاء وصف العذاب هنا بأنه عذاب شديد. ٤- ومنها قول الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ففي هذه الآية بيان أن جلود الكافرين المعذبين في نار جهنم كلما نضجت واحترقت وانقطع إحساسها خلق الله لهم جلوداً غيرها، ليذوقوا العذاب المتجدد. ٥-ومنها قول الله تعالى في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـ?ئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ فقد جاء وصف النار هنا بأنها جحيم، أي مؤججة مضرمة شديدة الحرارة. ٦- ومنها قول الله تعالى في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُو?اْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ اله إِلاَّ اله وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فجاء وصف العذاب هنا بأنه عذاب أليم. ٧- ومنها قول الله تعالى في سورة (الملك/٦٧ مصحف/٧٧ نزول) : ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ * وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي? أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وفي هذا النص وصف شهيق جهنم وفورانها من شدة حرها كأنها تتميز من الغيظ، وفيه بيان أن أصحاب النار يلقَون فيها أفواجاً أفواجاً، ولا يقذفون فيها دفعة واحدة، وفيه بيان أن كل فوج يسأله خزنة جهنم من الملائكة فيقولون له: ألم يأتكم نذير؟ فيقولون: بلى، ويعترفون بذنبهم ويتحسَّرون على أنفسهم. وهذا تطبيق

стр. 437

ما جاء في قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ ، فما من فوج كافر يدخل النار إلا يُسأل هذا السؤال: ألم يأتكم نذير؟ فيقولون: بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا: ما أنزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير. * أما النصوص التي جاء فيها مزيد من تفصيل عقاب الكافرين في هذه المرحلة الثالثة الأخيرة فكثيرة، ونستعرض فيما يلي طائفة منها مقتبسين ما فيها من تفصيلات: ١- لقد جاء في القرآن بيان شراب الكافرين في جهنم فقال الله تعالى في سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ فلهم شراب من حميم، أي: شراب من ماء حار يغلي. ٢- وجاء في القرآن بيان طعامهم وشرابهم فيها، فقال الله تعالى في سورة (الدخان/٤٤ مصحف/٦٤ نزول) : ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَاذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الواقعة/٥٦ مصحف/٤٦ نزول) : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلُّونَ الْمُكَذبُونَ * لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ من زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَاذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدينِ﴾ وقال تعالى في سورة (الصافات/٣٧ مصحف/٥٦ نزول) : ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً للظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي? أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا

стр. 438

الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ فمن هذه النصوص يتبين لنا أن طعامهم في دار العذاب من شجر فيها من زقوم، وأن شرابهم على هذا الطعام من الحميم. والزقوم شجر منتن الراحئة مرُّ الطعم كالمهل (١) ، ينبته الله في أصل الجحيم / وإذا أكله آكله غلى في بطنه كغلي الحميم، وطَلع (٢) هذا الشجر كأنه رؤوس الشياطين، ولكن الكافرين يجدون أنفسهم في دار عذابهم مضطرين لأن يأكلوا من شجر الزقوم، فيملؤوا بطونهم منه، ثم بعد ذلك يسرعون فيشربون وهم ظامئون من الحميم، لكن الحميم لا يطفئ شدة ظمئهم، وما يغلي في بطونهم، فيستزيدون ويستزيدون ويشربون شرب الهيم، والهيم هي الإبل التي يصيبها د اء يقال له: داء الهُيَام، فهي تشرب ولا تروى. ثم يُعتَل الكافر ويؤخذ إلى سواء الجحيم، ثم يصب فوق رأسه من عذاب الحميم، ويقال له على سبيل الإهانة والإذلال: ذق إنك أنت العزيز الكريم. ولهم أيضاً طعام آخر من غسلين، وهو في كلام العرب ما يخرج من الأشياء المستقذرة كالجراحة ونحوها عند غسلها، قال الله تعالى في سورة (الحاقة/٦٩ مصحف/٧٨ نزول) : ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ﴾ ٣- وجاء في القرآن بيان لباسهم في دار عذابهم، إن لهم ثياباً خاصة من نار، تُقطَّع لهم على مقادير أجسادهم، قال الله تعالى في سورة (الحج/٢٢ مصحف/١٠٣ نزول) : ﴿هَاذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ

стр. 439

مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَآ أَرَادُو?اْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ فللكافرين ثياب من نار مقطعة مفصلة على مقادير أجسامهم، ويعذبون بسائل يغلي من شدة حرارته، يصب من فوق رؤوسهم فيصهر به ما في بطونهم، وتصهر به جلودهم، ويحاولون الخروج من عذابهم وغمهم، فتلاحقهم ملائكة العذاب بمقامع (١) من حديد، فيضربونهم، ويعيدونهم في العذاب، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق. ٤- وجاء في القرآن بيان ما يوضح في أعناق الكافرين من أغلال حامية يعذبون بها في دار عذابهم، فقال الله تعالى في سورة (سبأ/٣٤ مصحف/٥٨ نزول) : ﴿ ... وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي? أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) : ﴿أُوْلَائِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي? أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ ٥- ويعذب الكافرون في النار بسلاسل محمية يسلكون فيها، طول كل واحدة منها سبعون ذراعاً، قال الله تعالى في سورة (الحاقة/٦٩ مصحف/٧٨ نزول) : ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَآ أَغْنَى عَني مَالِيَهْ * هَّلَكَ عَني سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلاَ

стр. 440

يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ﴾ ٦- وجاء في البيانات القرآنية أن عذاب الكافرين في نار جهنم عذاب دائم لا نهاية له، وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا، بل حياتهم فيها مستمرة، وعذابهم فيها لا ينقطع، كما أنه لا يخفف عنهم من عذابها، قال الله تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ * إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فهم يدعون ربهم وهم في نار جهنم أن يعيدهم الله إلى دار الابتلاء ليؤمنوا ويعملوا صالحاً، ولكن الله لا يستجيب إلى طلبهم هذا، ويقول لهم: "أولَم نعمركم؟ " أي: أولَم نجعل لكم في دار الابتلاء عمراً كافياً لاختباركم وامتحانكم، فأصررتم على كفركم وعنادكم، ويقول لهم أيضاً: "وجاءكم النذير"، أي: وقد جاءكم رسول فأنذركم عاقبة كفركم فكذبتم وعصيتم. على أنهم لو ردوا إلى دار الابتلاء لعادوا لما نُهوا عنه، ألمح إلى هذه الحقيقة قول الله تعالى في النص: ﴿إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور﴾ ، فهو يعلم ما تنطوي عليه صدورهم من كبر وعناد، فلو أعيدوا إلى دار الابتلاء لعادوا إلى اختيار الكفر على الإيمان، لأن إعادتهم حينئذٍ سيرافقها محو ذكريات العذاب في نار جهنم، فترجع إليهم حينئذٍ نفسيتهم الأولى المستكبرة المعاندة، ويعودون سيرتهم الأولى، وليست المقادير ألعوبة في أيدي المتشهِّين المتلاعبين، وصرَّح بهذه الحقيقة أيضاً قول الله تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :

стр. 441

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذبَ بِآيَاتِ رَبنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ففي هذا النص تصريح بأنهم لو ردوا إلى دار الابتلاء لعادوا إلى ما نهوا عنه من الكفر والتكذيب، إلا أن تمنيهم العودة إلى دار الابتلاء هنا يكون حينما يوقفون على النار، ويشاهدون دار عذابهم، بينما نجد في النص السابق أن طلبهم العودة إلى دار الابتلاء يكون بعد دخولهم النار، وتقلبهم في ألوان عذابها. ويطلب الكافر مثل هذا الطلب أيضاً إذا جاءه الموت وعلم منزله من العذاب، عندئذٍ يسأل ربه أن يرجعه إلى الحياة ليؤمن ويعمل صالحاً، ولكن طلبه يرفض لانتهاء زمن امتحانه، وفي بيان ذلك يقول الله تعالى في سورة (المؤمنون/٢٣ مصحف/٧٤ نزول) : ﴿حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي? أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَائِكَ الَّذِينَ خَسِرُو?اْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ * رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ ففي هذا النص بيان طلبهم الرجعة إلى الحياة الدنيا عند موتهم، رجاء أن يعملوا صالحاً، فيرفض طلبهم. وفيه أيضاً بيان أنهم يطلبون هذا الطلب حينما تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون، إذ يقولون: ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا إلى ما كنا عليه من الكفر والتكذيب فإنا ظالمون، فيقول الله لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، أي: ابتعدوا مطرودين مُذَلِّين مهانين.

стр. 442

ويطلب الكافر مثل هذا الطلب أيضاً وهو في موقف الحساب، وقد دلَّ على ذلك قول الله تعالى في سورة (السجدة/٣٢ مصحف/٧٥ نزول) : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَاكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِني لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَاذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ومن جملة هذه النصوص يتضح لنا أن الكافرين يطلبون الرجعة إلى دار الابتلاء أربع مرات. الأولى: عند موتهم ومشاهدتهم منازلهم في دار العذاب. الثانية: في موقف الحساب إذ يقفون عند ربهم ناكسي رؤوسهم. الثالثة: عندما يعرضون على النار بعد الحساب، ويرون ما في النار من عذاب. الرابعة: حينما يكونون في نار جهنم وهم يذوقون ألوان عذابها الأليم. وفي كل هذه المرات يُرفض طلبهم، وترد عليهم تمنياتهم. ٧- وجاء في القرآن بيان أن الكافرين الذين ماتوا وهم كفار لا يغفر الله لهم، ولا يقبل منهم فدية، إنهم قد ختموا حياتهم في دار الابتلاء بالكفر والعناد وتحدي الحقيقة الإلهية الكبرى، وقضي الأمر، فلا رجعة ولا استئناف ولا غفران ولا فدية. إن عفو الله وغفرانه يوم القيامة من المنح التي يختص الله بها عصاة المؤمنين، فلا يكون للكافرين منها نصيب. أما في الدنيا فباب العفو والغفران مفتوح لهم إن آمنوا، فإذا ماتوا مصرين معاندين فقد قطعوا بأيديهم عن أنفسهم حبل الرجاء، وقد أعلن الله

стр. 443

لهم وهم في الحياة الدنيا أنه لن يغفر لهم إذا ماتوا وهم كفار، ولن يقبل منهم أية فدية، على أنهم يومئذٍ لا يملكون فدية يقدمونها. دلَّ على ذلك قول الله تعالى في سورة (محمد/٤٧ مصحف/٩٥ نزول) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وقول الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ وقول الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذالِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ فمن هذه النصوص القرآنية تتضح لنا القاعدة الإلهية العامة في الغفران، وهي أن الله لا يغفر ذنب الكافر به أو الإشراك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فالأمر بالنسبة إلى الذنوب الواقعة في مجال احتمال الغفران منوط بمشيئة الله ﵎. ولا طريق للكافرين والمشركين الذين ماتوا من قبل أن يتوبوا إلا طريق جهنم خالدين فيها، قال الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ أما عدم قبول الفدية منهم فقد دل عليه قول الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ

стр. 444

افْتَدَى بِهِ أُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ وقول الله تعالى في سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) : ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ ويظل الكبر ملازماً لهم حتى رؤية العذاب، لذلك فهم يخفون ندامتهم. وقول الله تعالى في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ وهكذا تؤكد النصوص أن الكافرين في الآخرة محرومون من فضل المغفرة بسبب كفرهم، وأنهم لا سبيل إليهم إلى فداء يفتدون به، وأنهم لا نصير لهم، وأنهم لا مخرج لهم من العذاب. * ... * ... * ألا فليعلم الذين اختاروا لأنفسهم سبيل الكفر بالله عن طريق الشرك به، أو عن طريق الجحود والإلحاد هذه الحقائق، فهي نُذُر لهم، ولا يلوموا بعد ذلك إلا أنفسهم. ما على الرسول إلا البلاغ. وما على مبلِّغ رسالة الرسول إلا البلاغ. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. إن الله بصير بالعباد، يقيم فيهم عدله، ويمنح محسنيهم فضله. ولا يظلم ربك أحداً. * ... * ... *

стр. 445

كان الفراغ منه في ليلة الاثنين ٢٠ من جمادى الأولى سنة ١٣٩٤ هـ الموافق لـ ١ من حزيران (يونيه) لسنة ١٩٧٤ م بمكة المكرمة. والله أسأل أن ينفع به ويهدي، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني