وما خوطب به الرسول ﷺ فهو خطاب عام لكل المؤمنين ما لم يكن من خصوصيات الرسول بدليل خاص.
(ب) أصول جدليات الكافرين حول الحقائق الدينية:
لقد جادل الكافرون في قضية الإيمان الكبرى: في قضية التوحيد، في قضية الرسول والرسالة، في قضية الإيمان باليوم الآخر، في قضية الكتاب المنزل من عند الله، في قضية القضاء والقدر، إلى غير ذلك.
وكانت جدلياتهم في كل ذلك تعتمد على ما يلي:
١- الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم، وظاهر أن هذا ليس بحجة مقبولة عند العقلاء، لأنه تعبير عن التقليد الأعمى.
٢- جحود الحقائق والأدلة الظاهرة بالمكابرة، والإصرار على اعتبارها من قبيل السحر أو الكذب أو الباطل، أو أساطير الأولين، وظاهر أن مثل هذا ليس بحجة، وإنما هو فرار من الإذعان إلى إطلاق الشتائم وتكذيب للحقائق بالأوهام.
٣- الاحتجاج بالاستغراب والاستبعاد، دون سند من العقل الصحيح، والاستغراب والاستبعاد حجة مرفوضة، لأنها تعتمد على عدم الألف للموضوع، أو أنه لم تسبق فيه مشاهدة حسية، وليس شيء من ذلك بمقبول منطقياً، فما كل حقيقة يجب أن تكون مألوفة، أو يجب أن تسبق فيها مشاهدة حسية للناس، كلهم أو بعضهم.
٤- الاحتجاج بامتياز الكافرين على المؤمنين بوسائل الرفاهية والترف في الحياة، واعتبار ذلك دليلاً على فساد عقيدة المؤمنين ومنهجهم، لأنهم لو كانوا على حق لأغناهم الله وزادهم رفاهية وترفاً، وهذه حجة ساقطة، لأن أي عاقل يدرك أسس الإيمان وأهداف الحياة الدنيا، يعلم أن الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، وأن إحدى مواد الامتحان في هذه الحياة الابتلاء بالغنى أو بالفقر، بحسب حالة كل إنسان، وأن الابتلاء بالغنى ليس تكريماً، وأن الابتلاء بالفقر ليس بإهانة، حتى إذا انتهت فترة الامتحان وجاء دور الجزاء الأكبر في الأخوة،
стр. 387
ظهر تمييز المؤمنين على الكافرين، فللمؤمنين دار النعيم الخالد، وللكافرين دار الشقاء الأبدي.
٥- الاحتجاج بتعللات القضاء والقدر، وفق المفاهيم الجبرية المرفوضة في الدين، وظاهر أن مثل هذا ليس بحجة أصلاً، ما دام الدين - الذي هو مصدره الوحيد -يرفضه ولا يقبله، وذلك لأن مفاهيم القضاء والقدر الصحيحة إنما نأخذها على الدين، فمن تعلل بعلة دينية يرفضه الدين نفسه، فقد كذَّب على الدين ليحتج عليه بما ليس فيه ولا منه.
٦- جدال لا أساس له إلا الكبر الطبقي، كقول الكافرين عن فقراء المؤمنين: "لو كان خيراً ما سبقونا إليه" وهذه حجة مضحكة للعقلاء، وقد زينها في أذهانهم اغترارهم بأنفسهم واستكبارها بما لديهم من متاع الحياة الدنيا.
٧- اللجوء إلى عمليات الصد عن استماع الحق، والشتائم الهزء والسخرية ونحو ذلك، مما يفعله المبطلون حينما تتهاوى حججهم، وتتساقط أدلتهم، وينقطعون فلا يستطيعون مجاراة الفكر بالفكر، والحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان.
(ج) نظرات تفصيلية حول جدلياتهم:
ونلقي في هذه الفقرة نظرات تفصيلية حول طائفة من جدليات الكافرين في قضايا الإيمان الكبرى، لنتبين مدى ما هم فيه من سقوط فكري فاضح حينما يعالجون قضايا تتعلق بعقائدهم ومناهجهم في الحياة، مخالفين فيها حقائق الدين وشرائعه.
* جدالهم حول قضية التوحيد:
لقد جادلت عاد قوم هود رسولهم هوداً ﵇ في آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، مع أن معبوداتهم هذه لا تزيد في واقع حالها على أنها أسماء سموها هم وآباؤهم، لا يؤيد استحقاقها للعبادة سند من علم أو عقل، ولا سلطان من دين صحيح، وقد حكى الهل جدالهم لهود ﵇ في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
стр. 388
﴿قَالُو?اْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونِي فِي? أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُو?اْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾
فهم قد اخترعوا من عند أنفسهم أسماء وجعلوها آلهة يعبدونها، وجادلوا فيها بغير قاعدة علمية، واكتفوا بحجة التقليد الأعمى.
وجادل كفار قريش رسول الله محمداً صلوات الله عليه في قضية التوحيد، ولم يكن لهم حجة إلا التعجب من جعل الآلهة إلهاً واحداً، واتهام الرسول ﷺ بالاختلاف والافتراء على الله، وقد وصف الله حالهم ومقالتهم في سورة (ص/٣٨ مصحف/٣٨ نزول) فقال تعالى:
﴿وَعَجِبُو?اْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ منْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَاذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ الهاً وَاحِداً إِنَّ هَاذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَاذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَاذَا فِى الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَاذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ﴾
وليس في تعجبهم ولا في اتهام الرسول بالاختلاق حجة مقبولة عند العقلاء، فالتعجب لا ترفض به الحقائق، والاتهام بالكذب والاختلاق لا يمثل حجة ذات وزن مطلقاً لدى العقول السليمة، باستطاعة أي إنسان أن يتهم كل الناس بالكذب والاختلاق، وأن يطلق كلمة الباطل على أية حقيقة، ولكن هذا شأن الذين لا يحترمون نفوسهم وعقولهم.
* جدالهم في قضية الرسول والرسالة:
جادل الملأ من قوم نوح لرفض رسالته التي أرسله الله بها، وإثبات أنه مفترٍ كذاب، ولكنهم لم يأتوا بأية حجة منطقية مقبولة لدى العقلاء، وكانت حجتهم مجرد توجيه التعجب والاستغراب والاستبعاد، إذ تعجبوا أن يكون الرسول بشراً مثلهم، وافترضوا أن الواجب يقتضي بأن يكون ملكاً من الملائكة لو أن الله شاء أن يرسل رسولاً.
стр. 389
هذه كانت حجتهم مع أن الحكمة تقتضي بأن يكون الرسول إلى البشر من البشر أنفسهم لا من الملائكة.
ويحكي الله لنا مقالة الملأ من قوم نوح في سورة (المؤمنون/٢٣ مصحف/٧٤ نزول) :
﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هَاذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَاذَا فِي? آبَآئِنَا الأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾
فهؤلاء بعد أن قدموا التعجب كحجة لهم انتقلوا إلى الاحتجاج بأنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الأولين، وفي هذا تبرر للتعجب من جهة، واحتجاج بالتقليد الأعمى من جهة أخرى، ثم انتقلوا إلى إطلاق الشتائم، وكل هذا ليس له في مجال الاحتجاج المنطقي نصيب، ولكن دافع الكبر كان حجاباً لهم على الاستجابة له، أومأ إلى ذلك قولهم "يريد أن يتفضل عليكم".
ومثلما قال قوم نوح قال أيضاً من بعدهم قوم هود، يقول الله تعالى حكاية لقولهم في سورة (المؤمنون/٢٣ مصحف/٧٤ نزول) :
﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا مَا هَاذَا إِلاَّ بَشَرٌ مثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾
وهكذا نلاحظ أنهم لم يقدموا دليلاً في جدالهم حول قضية الرسول وقضية الآخرة غير مجرد الاستغراب والاستبعاد، وإيراد عبارات التعجب، وأنت خبير بأنه ليس في التعجب شيء يصح أن يحتج به أصلاً، ولكنها تعلات الكافرين.
стр. 390
ودرج مشركو قريش وسائر كفار العرب على طريقة أسلافهم في الاحتجاج لرفض رسالة الرسول محمد ﷺ ، ويقص علينا أنباء جدلياتهم فيقول جلَّ وعلا في سورة (الفرقان/٢٥ مصحف/٤٢ نزول) :
﴿وَقَالُواْ مَا لِهَاذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا? أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾
هذه مقالات قالوها رداً على دعوة الرسول لهم، وهي كما رأينا تشبه مقالات الأمم قبلها، وهي تمثل صورة الجدال المتعنت، الذي اشتط في مطالبه، زاعماً أنه يريد أن يستوثق من صحة رسالة الرسول وصدق نبوته.
لقد تعجبوا من أن يكون الرسول بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، زاعمين كما زعم الذين كفروا من قبلهم أن الرسول الذي يتلقى عن الله ويبلِّغ الناس ينبغي أن يكون ملكاً، حتى يصلح لاستقبال الرسالة الربانية وتلقي الوحي الإلهي، أو يكون هذا الملك مرافقاً للرسول من البشر.
هكذا طرحوا مقالاتهم على هذا الأساس الضعيف الذي لا يشتمل على حجة صحيحة.
وقد جاء الرد القرآني على مقالتهم هذه في قول الله تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَقَالُواْ لَوْلا? أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ .
وفي قول الله تعالى في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُو?اْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُو?اْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل
стр. 391
لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلا?ئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾
فإذا أردنا أن نحلل هذا الرد القرآني إلى عناصره وجدنا فيه بياناً كافياً مفحماً.
إن يتضمن بيان فساد ما زعموه من ضرورة كون الرسول ملكاً، وبيان أن الحكمة تقتضي أن يكون الرسول إلى البشر من البشر لا من الملائكة، فلو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزَّل الله عليهم ملكاً رسولاً، لكنهم بشر، فالحكمة تقتضي أن يكون الرسول إليهم من جنسهم، لأن الرسول مبلغ رسالة ربه، وقائد أمته، وأسوة لهم في كل الشؤون التي يعظهم بها، فلو كان الرسول إلى البشر من الملائكة لا من الناس لكانت حجة الناس عليه أنه لا يشعر بمثل مشاعرهم، وليس له من الغرائز والشهوات والأهواء مثل ما لهم، لذلك فهو لا يصلح أن يكون أسوة لهم، ثم لا يكون حجة عليهم في استقامته والتزام شريعة ربه، ولو كان ملكاً لكان أبسط جواب يردون عليه أن يقولوا له: لو كان لك مثل غرائزنا وأهوائنا وشهواتنا لعصيت مثلنا، ولما استقمت على صراط الله، ولكنه لما كان كامل البشرية مستجمعاً لكل عناصرها وخصائصها كان حجة عليهم في سلوكه، وأسوة لهم في جميع الأمور.
وكان للكافرين مطلب آخر أخلف من مطلب كون الرسول ملكاً، فقد طالبوا أن يكون مع الرسول شاهد من الملائكة يراه الناس ويبلِّغ عن الله، ثم يقوم الرسول من البشر بوظائف الرسالة.
وقد جاء الرد القرآني على هذا في قوله تعالى: ﴿ولو أنزلنا مَلَكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون﴾ .
وهذا الرد يتضمن بيان طبيعة الملائكة، وأنهم إذا نزلوا وظهروا للناس بيهئتهم الحقيقة فإن أمراً خطيراً من أمور الغيب ينكشف عندئذٍ للناس، وعندئذٍ لا يبقى للكافرين أي عذر يعتذرون به، ولا يبقى للإمهال أي معنى، فإذا أصروا على الكفر بعد ذلك فإن أمر إهلاكهم لا بد أن يقضى في الحال، وعندئذٍ فهم لا ينظرون،
стр. 392
فليس بعد كشف الغيب مجال للإمهال، كما أنه ليس بعد انكشاف الغيب عند الموت مجال للتوبة، وليس بعد ظهور الآيات الكبرى كطلوع الشمس من مغربها مجال للتوبة أيضاً، فمن رحمة الله بهم أن لا ينزل إليهم الملائكة بصورهم وهيئاتهم الحقيقية، ليترك لهم مجالاً للتوبة والإيمان بعد روية وأناة وتبصر بالحقائق الكبرى.
وجاء في الرد القرآني أيضاً قوله تعالى ﴿ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً، وللبسنا عليهم ما يلبِسون﴾ .
ويتضمن هذا الرد أن الله لو استجاب لهم فأرسل لهم رسولاً ملكاً في حقيقته لكان مقتضى الحكمة يُلزم بأ، لا ينزل إليهم بصورته وهيئته الملائكية، وعندئذٍ فإن أفضل صورة ملائمة يحسن أن يتمثل بها هي صورة رجل من الناس، ولو أنزل الله ملكاً على صورة رجل من الناس لالتبس عليهم الأمر، ولما علموا هل هو بشر أو ملك؟ ولانتهى بهم الأمر إلى مثل ما هم فيه من لبس، إذ يلبسون على أنفسهم الحقائق، فيكفرون بالرسالة.
إنهم كفروا برسالة محمد ﷺ وهم يعلمون أمانته وصدقه، ويشاهدون الآيات التي آتاه الله إياها، فكيف يكون حالهم مع ملك يأتيهم على صورة رجل وهم لا يعرفون شيئاً عنه؟! إن التباس الأمر عليهم سيكون أشد وأبلغ.
من كل ذلك يتضح أن الحكمة تقتضي من كل الوجوه أن يكون الرسول المرسل إليهم بشراً لا ملكاً.
ولكن من حقه أن يطالبوا بآيات صدق نبوته ورسالته، وقد آتى الله كل رسول من الآيات ما يكفي لإثبات أنه رسول الله حقاً، وهنا تنقطع حجة الكافرين، وتدمغهم حجة الحق، ولا يبقى لهم إلا العناد.
أما اقتراحهم أن يُلقى إلى الرسول كنز أو أن تكون له جنة يأكل منها فهو اقتراح تعنتي عنادي ليس له قيمة جدلية ولا منطقية، على أنهم لم يقتصروا على المطالبة بأن يلقى إليه كنز أو تكون له جنة، بل أضافوا إلى ذلك مقترحات أخرى مشابهة، منها ما تضمنه قول الله تعالى في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
стр. 393
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَاذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً * وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلا?ئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُو?اْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُو?اْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾
باستطاعتنا أن نحصي من النصوص السابقة مطالبهم ومقترحاتهم التعنتية التي علقوا إيمانهم بالرسول على وجود بعضها بما يلي:
الاقتراح الأول: أن يكون الرسول ملكاً لا بشراً، وهذا هو المطلب الأساسي الذي ينم عن كبر نفوسهم عن اتباع بشر مثله، ولو اصطفاه الله عليهم واختاره لحمل رسالته.
الاقتراح الثاني: أن ينزل إلى الرسول ملك يؤيده ويشهد له ويدعو إلى الله معه، يراه الناس ويخاطبونه.
الاقتراح الثالث: أن يلقي إليه كنز عظيم فيكون أغنى قومه.
الاقتراح الرابع: أن تكون له في الدنيا جنة كبيرة من نخيل وعنب تتفجر الأنهار خلالها تفجيراً، فإذا اكتسب مجد الثراء والغنى والرفاهية مثل عظماء الأرض اتبعوه.
الاقتراح الخامس: أن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً يجري في مكة أو ما حولها كأنهار الشام ومصر والعراق.
الاقتراح السادس: أن يكون له بيت عظيم من زخرف (أي: من ذهب) يرتفع به ارتفاع الملوك العظماء.
الاقتراح السابع: أن ينزل عليهم العذاب الذي أنذرهم به، فيسقط السماء
стр. 394
عليهم كسفاً (أي قطعاً تهلكهم) وهذا إمعان منهم بتكذيبه، وليس طلباً حقيقياً للعذاب.
الاقتراح الثامن: أن يأتي بالله وملائكته قبيلاً (أي: طرفاً سماوياً) يحاربهم وينصر الرسول إن كان صادقاً، وهذا أيضاً إمعان منهم بتكذيب رسالته.
الاقتراح التاسع: أن يرقى في السماء، ومع ذلك فلن يؤمنوا به لمجرد رقيه، بل لا بد من أن ينزَّل عليهم من السماء كتاباً مسطوراً يقرؤونه.
ولدى التحقيق نجد أن الباعث لكل هذه المطالب المتعنتة كبر في صدورهم وهوى في نفوسهم. لقد رفضوا اتباع بشر منهم، واستكبروا أن يكون الرسول إنساناً ليس له ملك ولا ثراء، وليس له جاه عريض عند الناس، وقد صرحوا بكبرهم هذا، وقص الله علينا تصريحهم بقوله في سورة (الزخرف/٤٣ مصحف/٦٣ نزول) :
﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَاذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَاذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ... ﴾ .
على أن الله تعالى لو استجاب لهم فأنزل عليهم كتاباً من السماء فلمسوه بأيديهم لما آمنوا به، لأنهم متعنتون، وقد بين الله واقعهم هذا بقوله تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾
وأما مطالبهم التي تستند إلى عنصر الكبر الطبقي فهي مطالب لا تستحق الإجابة أصلاً، لأنها فاسدة في قواعدها الكفرية والأخلاقية والدينية، وما كان الامتياز بالمال والثراء وامتلاك الجنات ليؤهل للتكريم عند الله ولا عند العقلاء من الناس، فليس من شأن دين رباني ولا من شأن أي مبدأ صحيح أن يعترف بمثل هذا الامتياز الذي ليس له أساس مقبول، ولا أن يستجيب للمطالب التي تتعلق به، فالاستجابة توحي بالاعتراف، وهذا يخالف أصل المبدأ، وقد اختار الله لخاتم أنبيائه أن
стр. 395
لا يكون من أهل الغنى والثراء الكبير، وأن لا يكون ملكاً من الملوك، لتصحيح مفاهيم الناس عن عناصر التفاضل الصحيح، لذلك فلا ينقض الله حكمته هذه، وقضية الرسالة تحتاج إلى خصائص لا يدخل المال والثراء وامتلاك الجنات فيها، والاصطفاء بالرسالة فضل من الله ورحمة، والله يختص بفضله ورحمته من يشاء.
بقي ما طلبوه من الآيات المادية كتفجير الأنهار في مكة وما حولها، وإزاحة جبالها وتوسيع أراضيها، وغير ذلك من آيات تشبه الآيات المادية التي أجراها الله على أيدي موسى وعيسى وصالح وغيرهم من النبيين، وهذا المطلب قد أكدوه وألحوا عليه، وذكره الله في مناسبات متعددة، منها قوله تعالى في سورة (الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) :
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ..﴾ .
وقد يبدو للنظر الأول تساؤل يتضمن الميل إلى تلبية طلبهم الآيات، إلا أن واقع حالهم ما كان ليفتقر إلى إقامة الأدلة للاقتناع بصدق رسالة محمد ﷺ ، فقد أنزل الله من الآيات ما فيه الكفاية لمن أراد أن يقتنع بالحق، وفي مقدمة هذه الآيات معجزة القرآن، وإنما كانوا يطالبون بالآيات المادية على سبيل التشهي والتعنت، والله ﵎ لا يتخذ خرق سننه الدائمة ألعوبة في أيدي المتعنتين أو المتفكهين المتشهين، إنما يخرقها بمقدار حاجة الناس إلى إقامة الدليل الذي يدلهم على صدق رسالة الرسول، على أن الله لو أنزل هذه الآية التي طلبوها لكذبوا بها، فقد كذب بها من قبلهم من الأمم، وفي هذا يقول الله تعالى في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) :
﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾
وبعد أنواع ذات مراحل من جدال الذين كفروا حول رسالة الرسول وإقامة الحجة عليهم بأدلة مختلفة، لم يكن من فريق منهم إلا الإصرار على موقف الإنكار، ولم تُجدِ فيهم حجج ولا براهين، وموقفهم هذا قد أعلنه الله في آخر سورة
стр. 396
(الرعد/١٣ مصحف/٩٦ نزول) :
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾
ولما لم تنفع فيهم ألوان المعالجة بالحجة المقنعة، ولم تُجد فيهم البراهين، كان من الخير حسم الأمر معهم، وقطع أطراف الجدال، وإعلان الاستغناء عنهم فقال الله لرسوله: ﴿قل: كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ ، وفي هذا إشعار بنفض اليد من رجاء إصلاحهم، وبإنهاء معالجتهم والصبر على مجادلتهم، وفيه أيضاً إعلان أن الرسول ليس بحاجة إلى شهادة منهم على أنه رسول الله، وإنما غرضه هدايتهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والأخذ بأيديهم إلى السعادة الخالدة، أما الشهادة له بأنه رسول الله حقاً فيكفيه منها شهادتان:
الأولى: شهادة الله له بها، وذلك فيما أتاه من آيات عظيمة، وفي مقدمتها القرآن المعجز في لفظه ومعناه.
الثانية: شهادة من عنده علم الكتاب، وهم الذين عرفوا من كتبهم صفاته فآمنوا به، وشهدوا له بأنه رسول الله حقاً، والذين رأوا في معجزة القرآن ما يثبت لهم أنه رسول الله فشهدوا له بذلك.
وبهذا يحسم الأمر وينقطع الجدال، ويصبح الموقف موقف انتظار حكم الله في أهل الكفر.
ومن قبل محمد ﷺ جاء عيسى ﵇ قومه بطائفة من الآيات البينات والمعجزات الباهرات، فقال الذين كفروا من قومه ﴿إن هذا إلا سحر مبين﴾ وأخذوا يجادلون في آيات الله على هذا الأساس الفاسد، وهذا ما بيَّنه الله بقوله في سورة (المائدة/٥ مصحف/١١٢ نزول) :
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ
стр. 397
وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي? إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَاذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾
هذا مع أن الآيات التي جاء بها عيسى ﵇ آيات عظيمة، وهي حق وليست بسحر، ولكن المصرين على الكفر بالمكابرة لا يجدون سبيلاً إلا أن يجادلوا بالباطل، فيجعلوا ما هو حق واضح مشاهد ملموس سحراً من السحر.
وهذا اللون من ألوان جدال الكافرين لون يعتمد على جحود الواقع الملموس واعتباره وهماً من الأوهام، وسحراً من السحر الذي تنخدع به الأبصار، دون أن يكون له في الواقع حقيقة تطابق ما أدركه الحس بالتوهم أو بالتخيل، وما دام الكافرون مصرين على موقف الجحود والإنكار مهما ظهر لهم وجه الحق، فليس لهم حجة أمام البينات المادية المدركة بالحس إلا أن يقولوا ك ﴿إن هذا إلا سحر مبين﴾ .
وقد أوضح الله هذه الحيلة الجدلية من حيل الكافرين بقوله لرسوله في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾
* جدالهم في قضية الآخرة:
وجادل الكافرون في قضية الآخرة والبعث بعد الموت، وكان أهم ما اعتمدوا عليه من حجة إظهار التعجب، والإنكار على أساس الاستغراب والاستبعاد، وظاهر أن مثل هذا لا يمثل حجة مقبولة عند العقلاء.
لقد عرض القرآن جدلياتهم في هذا الموضوع، فمنها قول الله تعالى في سورة (النمل/٢٧ مصحف/٤٨ نزول) :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُو?اْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَاذَا
стр. 398
نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَاذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَاذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾
فقد اشتملت مقالة الكافرين الجدلية لإنكار الآخرة والبعث بعد الموت للجزاء يوم الدين - كما جاء في هذا النص - على عنصرين:
العنصر الأول: الإنكار القائم على الاستغراب والاستبعاد.
العنصر الثاني: الإنكار القائم على بعد أجل يوم الدين ومرور أجيال من الآباء والأجداد دون أن يأتي وقت تحقيق الموعود به، وهذا ما جعلهم يتوهمون أن قضية الآخرة أسطورة لا تتحقق.
وظاهر أن هذا التصور فاسد من أساسه، لأن نظام هذه الحياة الدنيا لا يكفي له عشرات الألوف من السنين، حتى إذا طال أمد بقائه كان ذلك دليلاً على استمراره بلا نهاية، وأنه ليس وراءه نظام آخر أو حياة أخرى.
إن هذا النظام الكبير الذي تقوم عليه الحياة الدنيا، وما رتب له من خلائق، وما جعل فيه من ظروف امتحان لذوي الإرادات الحرة، ومن قُضي لهم أن يمروا في هذا الامتحان، كل ذلك لا يكفيه ألوف مؤلَّفة من القرون، ولا يستكثر عليه طول زمن مهما طال، فالآخرة حياة خلود وبقاء دائم، ومهما طال عمر الدنيا فإنه بالنسبة إلى الآخرة يسير جداً، ولكن الإنسان قصير النظر يقيس الأمور على نفسه وحدود أجله، ولا يتصور الأبد الخالد تصوراً صحيحاً، حتى يتضاءل في نظره عمر الدنيا مهما طال، وآجال الحادثات تقاس بواقع نظام تكوينها، وبمقادير وظائفها في الوجود ِ، ولذلك نشاهد أن عمر بعض الجراثيم قصير جداً يناسب مقدار وظيفته في الحياة، بينما يطول نسبياً عمر بعض الحشرات ذات الوظيفة السنوية، ثم يطول عمر بعض الحيوانات الأخرى، وهكذا ضمن سلم تصاعدي، ويزيد طولاً عمر بعض حيتان البحر، والنظام العام الذي يحوي كل ذلك لا بد أن يستوعب كل ما ربت له أن يمر فيه.
стр. 399
أما الحياة الأخرى فهي دار الخلود، والدنيا بالنسبة إلهيا كلمحات عابرة من دهر مديد.
فما قدمه الكافرون لإنكار الآخرة لا يصح أن يعتبر حجة صحيحة مقبولة عند العقلاء، وإنما هو تكذيب بالآخرة من غير دليل، والباعث عليه الإخلاد إلى الأرض والاغترار بزينة الحياة الدنيا، وأما استطالة أمد ظروف هذه الحياة الدنيا فتعلَّة جدلية ليس لها أساس منطقي.
وكانت طريقة القرآن في الرد عليهم تشتمل على لفت نظرهم إلى مظاهر عدل الله في الذين كذبوا بيوم الدين من أهل القرون الأولى، وكيف أ، زل الله بهم معجَّلاً من عقابه في الحياة الدنيا قبل يوم الحساب ليقيم البرهان بتنفيذ معجل الجزاء على صدق مؤجله، وأحالهم على دليل المشاهدة في واقع الأرض، وما جرى فيها من أحداث عقاب مدمر على الذين كفروا وكذبوا بيوم الدين، فقال الله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين﴾ ، ثم قال لرسوله: ﴿ولا تحزن عليهم، ولا تكُن في ضيق مما يمكرون﴾ ، وذلك لأنهم لا يستحقون أن تحزن من أجلهم، إذ اختاروا لأنفسهم سبيل الجحود والتكذيب بالحق، ورضوا لأنفسهم مصير هذا التكذيب، وأما مكرهم بك وبدعوتك فلا تكن في ضيق منه لأن الله ناصرك.
ثم إنهم في جدلهم يتساءلون عن الزمن الذي يتحقق فيه الوعد، فيقولون للرسل: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟) .
وبما أن الله قد أخفى عن عباده أجل قيام الساعة كما بيَّن لهم ذلك في نصوص متعددة، فإن أحسن جواب لهم على سؤالهم تهديدهم بأنهم سيأتيهم بعض الجزاء الذي وعدوا به، فيلنتظروه معجلاً في ظروف هذه الحياة الدنيا، إذا أصروا على كفرهم وعنادهم وتكذيبهم، فقال تعالى لرسوله: ﴿قل: عسى أن يكون
стр. 400
رَدِف لكم بعض الذي تستعجلون﴾ .
ففي هذا تلويح تهديدي بقرب أجل عقابهم المعجل في الدنيا، إنهم يستعجلون الآخرة، وهذا يعني أنهم يستعجلون عقابهم، فقل لهم: (عسى أن يكون رَدف لكم بعض الذين تستعجلون) ، ومعنى رَدِف لكم: تبعكم (١) ، واستعمال الفعل الماضي في (رَدِفَ) يدل على أن الشيء قد صار قريب الحصول جداً، حتى كأنه قد وقع فعلاً، فهو نظير قول المؤذن قد قامت الصلاة، مع أن المباشرة بها لم تحدث فعلاً، ولكن الاستعداد التام للمباشرة بها والاتجاه للتنفيذ يجعل الصلاة كأنها قد قامت فعلاً، فيصبح بهذا الاعتبار الفعل الماضي الموضوع أصلاً للدلالة على أمر قد وقع فعلاً، دالاً على أن الأمر قد صار قريب الوقوع.
وربما يكون تعبيراً عن أن أمر عقابهم قد قضي في السماء كما تطلق القذيفة، فهي في طريقها لتصل إلى هدفها.
ثم بيَّن أن تأخير عقابه فضل منه على عباده، ليترك لهم فرصة للتوبة، لكن أكثر الناس لا يشكرون، فقال تعالى: ﴿وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون﴾ .
ومما عرَض القرآن من جدلياتهم في موضوع الآخرة والبعث بعد الموت للحساب والجزاء، قول الله تعالى في سورة (ق/٥٠ مصحف/٣٤ نزول) :
﴿ق? وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُو?اْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَاذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾
فالأمر الذي صدهم عن الإيمان واحتجوا به تعجبهم من أن يأتيهم رسول منهم، وتعجبهم من خبر الرجوع إلى الحياة بعد الموت للحساب والجزاء، مع أن مجرد التعجب من الأمر دون أساس عقلي أو علمي لا يصلح دليلاً للنفي ولا يصح الاحتجاج به لإنكار الحق.
ولما أنكروا الآخرة بحجة الاستغراب والاستبعاد وإطلاق عبارات التعجب تصوروا أنهم قد ملكوا حجة مقنعة، فأخذوا يتساءلون عن حال الرسول فيقولون:
стр. 401
هل هو يفتري على الله كذباً؟ أم به جنة؟ نسُوا خلقهم الأول، وعمُوا عن الحقيقة الظاهرة التي تشهد بأن من بدأ الخلق قادر على إعادته.
وقد ذكر الله تساؤلهم هذا بقوله في سورة (سبأ/٣٤ مصحف/٥٨ نزول) :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبئُكُمْ إِذَا مُزقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ منَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً منَ السَّمَآءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لكُل عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾
ففي هذا تنبيه قوي على الدليل الكبير الدال على أن الله قادر على أن يخلقهم خلقاً جديداً، فالذي خلق السماوات والأرض قادر على إعادة خلقهم بعد فناء أجسادهم، فلا مجال لاستغرابهم واستبعادهم.
وبعد أنواع ذات مراحل من جدال الذين كفروا حول الآخرة والبعث بعد الموت للحساب والجزاء، وبعد إقامة الحجة عليهم بأدلة مختلفة، لم يكن من فريق منهم إلا الإصرار على موقف الإ، كار، ولم تجد فيهم حجج واضحة ولا براهين دامغة، وقد عرض الله موقفهم المتنعت هذا في أوائل سورة (سبأ/٣٤ مصحف/٥٨ نزول) :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * ليَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَائِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي? آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ من رجْزٍ أَلِيمٌ﴾
وموقف الرسول هنا موقف إصرار على الإيمان في مقابل إصرار الكافرين على الكفر.
стр. 402
ولما كان الموضوع هنا يتعلق بعقيدة الآخرة ولا يتعلق بشخص الرسول كان موقف الرسول متسماً بعنف الإصرار المقرون بالقسم ﴿بلى وربي لتأتينكم﴾ .
ولما كان موقفهم في موضوع الرسالة يتعلق بشخصه صلوات الله عليه إذ قالوا له: ﴿لست مرسلاً﴾ كان موقفه هناك يتسم بلين المتبرئ من المصلحة الشخصية، إذ عمله الله أن يجيبهم بقوله: ﴿كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ .
* جدالهم في قضية الكتاب المنزل من عند الله:
وجادل الكافرون في القرآن، فأنكروا نسبته إلى الله، واتهموا الرسول ﷺ بافترائه على الله، ولم يكن لهم من حجة إلا الرفض، وادعاء أنه أساطير الأولين، اكتتبها الرسول عن الكتب السابقة، أو هو من قبيل السحر، وليس شيء من ذلك بحجة مقبولة عند العقلاء.
من الطبيعي أن الكافرين ليس لهم ما يقولونه عن القرآن بعد أن كذبوا به إلا أنه أساطير الأولين، أو أن الرسول وضعه من عنده وافتراه على ربه، وأن يتهموا قوة تأثيره على العقول والنفوس بأنها من قبيل السحر، وقد ذكر الله مقالاتهم هذه في عدة مواضع من القرآن، منها قول الله تعالى في سورة (الفرقان/٢٥ مصحف/٤٢ نزول) :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُو?اْ إِنْ هَاذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُو?اْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ .
ومنها قول الله تعالى في سورة (سبأ/٣٤ مصحف/٥٨ نزول) :
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَاذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَاذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾
стр. 403
ومنها قول الله تعالى في سورة (الأحقاف/٤٦ مصحف/٦٦ نزول) :
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَينَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَق لَمَّا جَآءَهُمْ هَاذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .
وهكذا كان جدلهم حول القرآن متردداً بين ثلاث حجج باطلة، هي في حقيقتها دعاوَى وليست بحجج.
الأولى: ادعاؤهم أن الرسول قد افتراه، وهو ادعاء مرفوض لما فيه من ظلم وزور، والواقع القرآني يكذبه، وذلك أن إعجاز القرآن دليل كافٍ على أنه ليس عملاً إنسانياً، وإنما هو تنزيل من عند الله، وقد تحدّى الله الإنس والجن أن يأتوا بمثله فما استطاعوا، وبذلك سقط ادعاء افترائه على الله.
الثانية: ادعاؤهم أنه أساطير الأولين اكتتبها الرسول عن الكتب السابقة، وهذا ادعاء مرفوض بداهة بشهادة واقع حال الرسول المعروف في تاريخ حياته، وبشهادة الواقع القرآني العربي المعجز بعربيته، والمعجز بكل مضامينه.
وقد أطلق المشركون إشاعات زعموا فهيا أن محمداً يتلقى القرآن عن رجل أعجمي كان في مكة له علم بكتب أهل الكتاب، فرد الله عليهم بقوله في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) :
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَاذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾
إن البديهة تقضي برفض ادعائهم الذي يحمل تكذيب نفسه بنفسه، إن هذا القرآن كلام عربي معجز ببيانه العربي وأساليبه العربية، فكيف يزعمون أنه يعلمه إياه رجل أعجمي، وهم العرب بفصاحتهم وبلاغتهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل سورة منه.
الثالثة: ادعاؤهم أن القرآن هو من قبيل السحر، أي: إن قوة تأثيره على
стр. 404
القلوب والنفوس مستمدة من قوة سحرية، وهذا ادعاء يمثل الهروب من وجه الحقيقة الناصعة، ذات التأثير المستمر.
وليس من شأن مثل هذه الدعوى أن يكون لها نصيب من الثبات حينما تستمر قوة تأثير القرآن. إن السحر وفق مفاهيم مدعيه عمل عارض يخدع ولا حقيقة له، وواقع القرآن حقيقة مستمرة باقية، لذلك فليس من شأن مثل هذه الدعوى الباطلة أن تنفع في جدال نظري، ما دامت ساقطة سقوطاً ذاتياً بشهادة الواقع.
والكافرون الذين كفروا بالقرآن لم يكفروا به إلا تعنتاً وعناداً، وما كانت تنقصهم الأدلة التي يرون فيها أن هذا القرآن من عند الله، والمتعنت لا سبيل إلى إقناعه، وهذا ما كشفه الله من حالهم في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾
فهم يفرون من التصديق به إلى باطل جدلي لا أساس له من علم ولا من عقل، لأن واقع حال القرآن يكذب ما فروا إليه، فهو حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
إنهم ما داموا مصرين مكابرين فإنهم لن يؤمنوا ولو رأوا كل آية، ويفرّون إلى إطلاق الأباطيل الجدلية، وهذا ما بيَّنه الله بقوله في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي? آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُو?اْ إِنْ هَاذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾
وبعد أنواع ذات مراحل من جدال الذين كفروا حول القرآن، وسقوط أدلتهم وحججهم ودعاويهم الباطلة، لم يكن من فريق منهم إلا الإصرار على موقف الجحود والإنكار، فوقفوا أخيراً منه موقف المتعنت، فأعلنوا رفضهم الإيمان به،
стр. 405
رغم كل البراهين التي اقترنت بالقرآن والدالة على أنه كلام الله حقاً، وقد بين الله موقفهم هذا بقوله في سورة (سبأ/٣٤ مصحف/٥٨ نزول) :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَاذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُو?اْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الَعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي? أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
فهؤلاء الذين كفروا قد انتهوا بعد الجدال الطويل حول القرآن، ودمغهم بالحجج القواطع إلى الإصرار على عدم الإيمان، فقالوا: ﴿لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه﴾ ، فانتقلوا من الكفر بالقرآن إلى الكفر بالذي سبقه من الكتب الربانية.
وموقف الرسالة تجاه هذا الإصرار المتعنت هو موقف المعرف الذي يتحول من موقف المجابهة بالجدال إلى موقف الإعراض، مع بيان عاقبة الإنكار بغير حق، وبيان مصير المنكرين أتباعاً ومتبوعين، وإثارة مشاعر الخوف من هذا المصير الوخيم، وهذا هو الموقف الذي لا سبيل سواه.
ومن البديع في النص القرآني هذه النقلة التي نقلهم بها إلى مشهد من مشاهد يوم الدين، إذ يتجادل الكافرون يومئذٍ، فيلقي الأتباع مسؤولية التضليل على قادتهم في الحياة الدنيا، ويتبرأ القادة منهم، ويجعلونهم مسؤولين عن أنفسهم وعن جرائمهم، والصورة الجدلية تكون بينهم على الوجه التالي:
المستضعفون: لولا أنتم لكنا مؤمنين.
المستكبرون: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين؟!
стр. 406
المستضعفون: (بل مكرُ الليلِ والنهارِ) أي: مكرم لنا في الليل والنهار (إذْ) كنتم (تأمرونَنَا أن نَكفُر باللهِ ونَجعل له أنداداً) هو الذي جعَلَنا نكفر.
الحكم العادل: يحمِّل كلا الفريقين المسؤولية على مقدار كسبه، ويجازي كل واحد بعمله، وتجعل الأغلال في أعناق الذين كفروا.
المستكبرون والمستضعفون: يسرّون الندامة حين يرون العذاب.
* جدالهم بالسباب والشتائم والمشاغبات والصد عن الحق ونحو ذلك:
حجج الكافرين التي قد يتصنعون فيها الهدوء، وقد يحاولون إبرازها بصورة منطقية في أول الأمر، حين تنقطع بهم وتتخاذل وتبدأ بالتصاغر والانهزام تثور ثائرتهم، ويطيش صوابهم، ويلجؤون إلى خطة السباب والشتائم والمشاغبات، وصرف أتباعهم عن سماع الهدى، وصدّهم عن مجالسه، حتى لا يتأثروا به فيتبعوه.
والدفع بالسباب والشتائم لا يدخل في نظام جدال العقلاء المتناظرين لبلوغ الحق، وإنما هو خطة السفهاء، للتغلب بأية وسيلة، ولإثبات المذهب والرأي ولو عن طريق الإكراه بالقوة، فإذا لم توجد القوة، فبالمشاغبة والشتيمة وتقطيع الناس عن داعي الحق، وهذه هي خطة الكافرين وسائر المبطلين.
* أسلوب الشتائم:
ومن الشتائم اتهام داعي الحق بأنه مبطل، واتهام الحق بأنه باطل أو سحر أو كذب أو نحو ذلك.
وقد بيَّن الله لرسوله هذا الأسلوب السفيه من أساليب دفع الكافرين للآيات البينات التي سيأتيهم بها، ليهيئه نفسياً لتحمل الصدمات القاسيات التي يوجهونها له، وتحمل أنواع المكابرات والافتراءات التي يفترونها عليه.
إنه سيأتيهم بالحق المبين فيقولون له: إن أنت إلا مبطل من المبطلين، فما عليه إلا أن يصير عليهم، ويلازم نشر دين الله والدعوة إليه، فحجتهم الجدلية في هذا إنما هي مقابلة الحق باتهام صاحبه بأنه مبطل، وليس هذا في الحقيقة حجة، إنما هو دافع بالسباب، ومقابلة للحق بالشتائم.
стр. 407
هذا الإعداد النفسي من الله لرسوله، ولكل داعٍ إلى الحق من بعد الرسول، نجده في قول الله تعالى في سورة (الروم/٣٠ مصحف/٨٤ نزول) :
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَاذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُو?اْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ .
فمن الملاحظ أن الله يوصي رسوله في هذا النص بالصبر على شتائم الكافرين، حين يتهمونه بأنه مبطل، وهو يأتيهم بالآيات البينات والحجج الظاهرات، ويوصيه أيضاً بالرزانة والرصانة ورجاحة النفس حتى لا يستخفه الذين لا يوقنون بمثيراتهم وجدلياتهم الباطلة، وشتائمهم المنكرة، فالرزانة والرصانة ورجاحة العقل والنفس من سمات كبار الدعاة إلى الحق، مهما استثيروا واستغضبوا، إن أوزانهم الراجحة لا تستخفها المثيرات من رياح الشتائم أو أعاصير السباب المنكر.
وظاهر أن هذه الوصية التي أوصى الله بها رسوله وصية يطالب بها كل داعٍ إلى الله، فالجدال متى بلغ حد الغضب تحول عن مقصده، وارتدى رداء التعصب والانتصار للنفس، وسلك مسالك الهوى، وأدخل فيه الشيطان وساوسه ودسائسه، وربما انحرف المحقون بسبب ذلك عن منهج الاستقامة.
وقد لجأ الكافرون فعلاً إلى خطة الشتائم، فأخذوا يتهمون الرسول صلوات الله عليه بأقوال شتى، منها المقالات التالية:
ساحر كذاب - إنه لمجنون - شاعر مجنون - قد افترى على الله كذباً - بل افتراه، بل هو شاعر -.
وقالوا عن القرآن: سحر - أساطير الأولين - شعر - مفترى - أضغاث أحلام - إلى غير ذلك من عبارات.
وهكذا نوَّع الكافرون عبارات الشتائم لما عجزوا عن متابعة الجدال المنطقي، ومقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل.
стр. 408
وقد ذكر الله في القرآن أقوالهم التي أطلقوها وفيما يلي طائفة من النصوص القرآنية التي حكت أقوالهم:
(أ) فمنها قول الله تعالى في سورة (ص/٣٨ مصحف/٣٨ نزول) :
﴿ص? وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُو?اْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَاذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ الهاً وَاحِداً إِنَّ هَاذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَاذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَاذَا فِى الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَاذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ * أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾
ففي هذا النص يحكي الله لنا مقالة الكافرين عن الرسول صلوات الله عليه، إذ قالوا: هذا ساحر كذاب، وإذ قالوا عن القرآن: إن هذا إلا اختلاق، وأمام هذا التهجم بالسباب لم يبقَ من معالجتهم إلا الإنذار بالعذاب القريب، وذلك في قوله تعالى: ﴿بل لما يذوقوا عذاب﴾ .
(ب) ومنها قول الله تعالى في سورة (الصافات/٣٧ مصحف/٥٦ نزول) :
﴿وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُو?اْ إِن هَاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾
فهم يتكلفون إعلان السخرية من الآيات الربانية، لتغطية موقفهم الذي أصابتهم فيه الدهشة من الآيات، ثم يوجهون اتهامهم الذي يشتمون به من جهة، ويحاولون به تفسير ظاهرة الآيات من جهة أخرى تفسيراً يصرفها عن حقيقتها.
(ج) وقد بلغت بهم الوقاحة مداها فواجهوا الرسول ﷺ بقولهم له: إنك لمجنون، وقد قص الله علينا ذلك بقوله في سورة (الحجر/١٥ مصحف/٥٤ نزول) :
﴿وَقَالُواْ ياأَيُّهَا الَّذِي نُزلَ عَلَيْهِ الذكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾
стр. 409
وهذه الوقاحة مقرونة بالسخرية، إذ كان بدء كلامهم يصفه بأنه قد نزَّل عليه الذكر، فلما أتبعوه بقولهم له: إنك لمجنون دلَّ على أنهم مستهزئون بما قالوا أولاً.
إنهم لم تنقصهم الأدلة، ولكنهم متعنِّتون معاندون، ولو رأوا أقوى الآيات لتعللوا في رفضها بأوهى التعلات، وقد بين الله هذا من واقعهم بقوله في السورة نفسها سورة (الحجر/١٥ مصحف/٥٤ نزول) :
﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾
(د) ومنها ما قصه الله عنهم بقوله في سورة (الصافات/٣٧ مصحف/٥٦ نزول) :
﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو? آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾
وما قصه بقوله في سورة (الدخان/٤٤ مصحف/٦٤ نزول) :
﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾
وكذلك قال فرعون عن موسى، وقد حكى الله لنا مقالة فرعون في سورة (الذاريات/٥١ مصحف/٦٧ نزول) :
﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾
وما من رسول إلا قال عنه قومه مثل ذلك، قال الله تعالى في سورة (الذرايات/٥١ مصحف/٦٧ نزول) :
﴿كَذَلِكَ مَآ أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾
وهذه هي التعلة التي يفر إليها المكذبون بالحق، لشتيمة داعيه، وصرف الجماهير من الناس عن اتباعه.
стр. 410
* أسلوب المشاغبة:
ومن غريب ما لجأ الكافرون إليه في جدالهم أسلوب المشاغبة، رجاء أن يغلبوا الحق به.
لما انقطعت حجتهم حول القرآن، ورأوا أن له تأثيراً عجيباً على قلوب الناس، وأن تأثيره هذا قد أخذ يجلبهم إلى الإسلام، ويفتح بصائرهم على الحق، فتستنير بنور المعرفة الربانية، قال بعضهم لبعض: لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه لعلكم تغلبون.
فنهى القادة أتباعهم عن الاستماع للقرآن ليصرفوهم عنه حتى لا يؤثر في قلوبهم ونفوسهم، وليقفوا قلوبهم عن مشاهدة نوره، وأمروهم باللغو فيه، مشاغبة وتشويشاً، لملء فراغ السمع، حتى لا يلتقط منه أتباعهم شيئاً، وحتى لا يلتقطوا هم أنفسهم منه شيئاً فيؤثر على قلوبهم، كما حصل لكثير من الذين أسلموا بقوة تأثير القرآن، وعللوا نهيهم وأمرهم هذين برجاء الغلبة، فقالوا: "لعلكم تغلبون".
وخطة المشاغبة هذه غوغائية أتقنتها تماماً أحزاب الهدم والتخريب التي ظهرت في القرن العشرين.
وخطة المشاغبة خطة تقدم الدليل ضد المشاغبين بأنهم قد غدوا خائبين مغلوبين، منهزمين من معركة البيان والبرهان، ومتحولين إلى معركة الشغب واللغط والضجيج والغوغائية.
وفي بيان مقالة الكافرين هذه قال الله تعالى في سورة (فصلت/٤١ مصحف/٦١ نزول) :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَاذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾
ولما لم يكن من شأن الحق أن يقابل الجنوح بالجنوح، أو يعارض الفساد بالفساد، أو يتحول من المناظرة بالحق إلى اللغط والمشاغبة، باعتبار أن ذلك من خطط الجاهلين الذين لا يملكون حجة ولا يحيرون جواباً، أعرض القرآن عن مقالتهم هذه، ولجأ إلى بيان سوء المصير الذي سوف يلاقونه يوم الدين، باعتبار أنه
стр. 411
جزء من أصل بيانات الرسالة، فقال الله تعالى عقب الآية السابقة:
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُون﴾
إنه لا سبيل بعد موقفهم العدائي الذي سدوا فيه كل مسلك من مسالك البحث والمناقشة والإقناع والاقتناع إلا سبيل التهديد والوعيد بسوء المصير، وعليهم بعد ذلك أن يتحملوا عاقبة كفرهم بالحق، وإنكارهم لما جاء به الرسل من لدن عزيز حكيم، لا يضره كفرهم شيئاً، وهو غني عن إيمانهم وعن طاعتهم، ولكن يهديهم بما أنزل في الدين إلى طريق نجاتهم وسعادتهم الخالدة.
* جدالهم المستند إلى واقع امتيازهم بمتاع الحياة الدنيا زينتها:
بمنطق الكبر الطبقي أورد الكافرون طائفة من جدلياتهم الباطلة، فمن ذلك ما قصه الله علينا بقوله في سورة (مريم/١٩ مصحف/٤٤ نزول) :
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُو?اْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾
فالكافرون يحتجون على سلامة مذهبهم بواقعهم المتميز بالرفاهية، وكثرة ما بين أيديهم من متاع الحياة الدينا وزينتها، وبارتفاع المكانة الاجتماعية على الطلائع الأولى من المؤمنين، ويتصورون أن منطقهم السليم في الحياة هو الذي جلب لهم هذا الامتياز، لذلك فلا يمكن أن يكون المؤمنون الذين هم دونهم في الثراء والرفاهية والمكانة الاجتماعية أعقل منهم وأعرف بالحق، وقد اعتبروا هذا حجة كافية لتفضيل مذهبهم على ما ذهب إليه المؤمنون فقالوا للذين آمنوا: "أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً"، أي: بما لدينا من فهم للأمور استطعنا أن نكون خيراً مقاماً في الحياة، مالاً وثراءً وأثاثاً ورياشاً ورفاهية عيش، واستطعنا أن نكون أحسن ندياً، أي: أعظم جاهاً في المجالس، وأحسن ترتيباً لها، فكيف نتَّبع طريقتكم وأنتم دوننا مقاماً ومجلساً.
стр. 412
ومع أن هذا دليل ساقط لا قيمة له إلا أن أصحاب الامتياز الطبقي، يريدون أن يجعلوه دليلاً، لقد نفخ الكبر نفوسهم، فتوهموا أن ما هم عليه هو الصواب، وأن كل ما سواه خطأ، وهكذا يفعل الكبر في النفوس.
ومقالتهم هذه نظير مقالتهم الأخرى التي ذكرها الله بقوله في سورة (الأحقاف/٤٦ مصحف/٦٦ نزول) :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَاذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾
فهم بدافع الكبر الطبقي يرون أنفسهم أحق بأن يسبقوا إلى كل خير، وإذا لم يسبقوا إلى الإيمان بل سبقهم إليه الذين هم دونهم في الطبقة الاجتماعية، فهو إذن ليس بخير.
وهذا غاية الغرور بالنفس، إذ يجعل صاحبه يتصور لنفسه العصمة عن الخطأ، لذلك فهو غير مستعد لأن يغير موقفه، أو يغير مذهبه، أو يتنازل عن كفره أو شركه أو سلوكه.
وإذْ لم يهتدِ هؤلاء الكافرون بهدى الله، ولم يؤمنوا بدينه، فلا بد أن يقولوا عن الدين: هذا إفك قديم، وظاهر أن هذا جدل كلامي لا أساس له حتى يكون حجة تطرح بين العقلاء، وهو لا يعدو أن يكون لوناً من ألوان السباب والشتائم التي لا تصدر إلا عن الجاهلين.
وقد كانت طريقة القرآن في الرد على احتجاجهم بالتفوق الطبقي في متاع الحياة الدنيا وزينتها وجاهها بتقديم براهين من الواقع، تثبت أن التفوق الطبقي لم يكلن ليحمي أصحابه الكافرين بالله من سخط الله ونقمته وشديد عقابه، وهذا ما رد الله به على مقالتهم الواردة في سورة (مريم/١٩ مصحف/٤٤ نزول) :
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾
أي: فلم يحمِ هؤلاء من نزول عذاب الله فيهم علو طبقتهم الاجتماعية التي
стр. 413
يدل عليها حسن أثاثهم، وحسن مظهرهم وشارتهم وهيئتهم، ولم تغن عنهم مكانتهم الاجتماعية شيئاً عند الله، لقد أهلكهم الله بكفرهم ودمر عليهم تدميراً.
وهذا البرهان الواقعي من أقوى البراهين الدالة على فساد حجتهم التي احتجوا بها، إذ زعموا أن امتياز طبقتهم الاجتماعية يلازمه صحة رأيهم، إذ اختاروا لأنفسهم سبيل الكفر بالله على الإيمان به.
وما أكثر ما يفتتن الناس بزخرف هذا الدليل، فيتبعون آراء أصحاب المكانات الاجتماعية القائمة على الامتياز بمتاع الحياة الدنيا وزينتها وجاهها، معطلين أفكارهم وعقولهم عن البحث والتتبع للحقائق ببصر نافذ ومنطق سديد.
* جدالهم القائم على التعلل بالقضاء والقدر:
من جدليات الكافرين الفاسدة احتجاجهم بالقضاء والقدر لتبرير ما هو من كسبهم، ولرفض أوامر التكليف الرباني ونواهيه.
سبق معنا بيان تعللهم بالقضاء والقدر وفق المذهب الجبري الفاسد، الذي كذبهم الله به، إذ ادعوا فيه على الله ما ليس من مقاديره الجبرية، فقالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، أي: إنهم أشركوا بحكم كونهم مجبرين بالقضاء والقدر على الشرك. وقالوا: لو شاء الله ما حرمنا من شيء، أي: إنهم حرموا أشياء مما أباح الله في شريعته لعباده بحكم كونهم خاضعين لسلطان القضاء والقدر ليس لهم في أعمالهم كسب اختياري. وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم، أي: إنهم عبدوا آلهتهم من دون الله بمقتضى سلطان القضاء والقدر وليس لهم في ذلك كسب إرادي، أو على معنى أن هذه الأشياء قد أذن الله بها، فلو لم يأذن بها لما مكَّنَنَا منها، ولاستخدم قدرته في جبرنا على ما يحبّ، وتجاهلوا أنهم موضوعون موضع الامتحان في الحياة.
وقد كذبهم الله بكل ذلك وأبان أنهم يخرصون على الله، فما لهم بما زعموا من علم عقلي أو نقلي يعتمدون عليه.
فقال تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ
стр. 414
كَذالِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
أي: فلو شاء أن يسلبكم ما منحكم من حرية الاختيار في الحياة ويجبركم على نجد واحد من نجديها لهداكم أجمعين.
وقال الله تعالى في سورة (النحل/١٦ مصحف/٧٠ نزول) :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا? آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذالِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾
ففي هذه الآية بيان أنهم قالوا هذه المقالة فعلاً، وأنها مقالة كان مشركو الأمم السابقة يتعللون بها.
وقال الله تعالى في سورة (الزخرف/٤٣ مصحف/٦٣ نزول) :
﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً من قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُو?اْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ من نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾
فهم يتعللون بالمذهب الجبري الفاسد في القضاء والقدر، وقد كذبهم الله به، ويستمسكون بحجة التقليد الأعمى لآبائهم، وبأنهم مستمسكون بالسير على آثارهم.
ومن منطقهم الفاسد في هذا المجال رفضهم الإنفاق على الفقراء والمساكين وذوي الحاجات، بحجة أن الله قد أراد لهم أن يبقوا فقراء محتاجين لا يجدون من يساعدهم، إهانة لهم وإذلالاً، ولو شاء الله لهم غير ذلك لأغناهم فأطعمهم، فإذ قد
стр. 415
جعلهم فقراء فهم لا يستحون المعونة والمساعدة، وقد ذكر الله مقالتهم الفاسدة هذه بقوله في سورة (يس/٣٦ مصحف/٤١ نزول) :
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُو?اْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾
وهنا نلاحظ أنهم لما تصوروا أنهم ملكوا بمقالتهم ناصية حجة مفحمة، قالوا للذين آمنوا: إن أنتم إلا في ضلال مبين، أي: إذ تدعوننا إلى الإنفاق من أموالنا للفقراء والمساكين ذوي الحاجات، وإذ تنفقون أنتم عليهم من أموالكم.
وحين ندرك فلسفة الحياة وحكمة الخالق يظهر لنا فساد هذه الحجة التي ساقوها، وذلك لأنه لا يلزم من الإفقار في الحياة الدنيا أن يكون الغرض منه الإهانة، كا لا يلزم من الإغناء أن يكون للتكريم، لاحتمال أن الغرض من كل منهما الابتلاء.
وقد رفض القرآن فهمهم هذا رفضاً كلياً وأبان أن الغرض الأساسي من الإغناء والإفقار هو امتحان الإنسان في أي من هذين الأمرين، فليس الإغناء للتكريم، وليس الإفقار للإهانة، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة (الفجر/٨٩ مصحف/١٠ نزول) :
﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبي? أَكْرَمَنِ * وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبي? أَهَانَنِ * كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾
فالأمران كلاهما للابتلاء، إذ يبتلي الله الغني بالغنى ويأمره بالإنفاق ليبلوه هل يشكر نعمة الله أو يكفرها، ويبتلي الفقير بالفقر ويأمره بالرضا والصبر والمشي في مناكب الأرض بحثاً عن الرزق، ليبلوه هل يرضى ويصبر أو يسخط ويضجر.
ولما أورد الكافرون حجتهم: "أنطعم من لو يشاء الله أطعمه"، قصدوا منها أن الله أراد فعلاً أن لا يطعم هذا الفقير، وهذا كذب على الله، بل أراد أن يمتحن
стр. 416
الغني بإطعامه، فالله قد أطعمه بالأمر التكليفي، إذ أمر الأغنياء بسد حاجات الفقراء، وأطعم الآخرين بتيسير سبل الرزق لهم. وذلك زجرهم عن مقالتهم الكاذبة فقال تعالى في النص: "كلا"، ثم أبان تعالى أن علتهم الحقيقية هي داء الشح في نفوسهم، فقال لهم: "بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام"، أي: مع أن الله قد أمركم بذلك، فأنتم تعصون الأمر الإلهي وتتعللون بالقدر، تعللاً تكذبون به على الله، فتضيفون إلى معصية أمر التكليف الذي أمركم به جريمة الكذب عليه جلَّ وعلا.
(٩)
عقوبات الكافرين المعجلة والمؤجلة
للكافرين عقوبات ربانية يعاقبهم الله بها جزاء كفرهم، قسم منها معجل يجري ضمن ظروف هذه الحياة الدنيا، وضمن سننها ومقاديرها، وقسم آخر مؤجل إلى مابعد ظروف هذه الحياة الدنيا.
(أ) العقوبات المعجلة:
أول ما يخسره الكافر بكفره معونة الله التي يمد بها أولياءه، ثم يصيبه مقت من الله يضيق به صدره، وتتكدر به نفسه، فلا يكون في داخل نفسه منشرحاً ولا مسروراً، لأنه يكون محروماً من الرضا بالمقادير، وهذا يجعله فريسة للحزن والهم، فهو دائماً حزين على ما فاته من خير، مهموم لما يطمع بالحصول عليه، وفي ذلك عذاب له يُقضُّ مضجعه وينغص عليه حياته، ويحرِمه من التمتع الصحيح بما يصيب من لذَّات، حتى إذا ضاقت به الحياة، وقلت عليه نسمات آمالها، وكثرت عليه خوانق أكدارها وآلامها، وصار صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء، أو كأنما يهوي منها فيتمزق فتخطفه الطير من كل جانب، عندئذٍ يحاول أن يفر من الحياة، بالخمر والقمار، أو بالمخدرات أو بالانتحار.
يضاف إلى ذلك أنواع الخيبة التي تُمنى بها أعمالهم وتدبيراتهم التي يواجهون بها أولياء الله الصادقين العاملين بما أمرهم الله، وصور الخذلان والهزيمة
стр. 417
إذ ينصر الله المؤمنين الصادقين عليهم، وأنواع العقوبات المادية والمهلكات الجسدية والنفسية التي ينزلها الله بهم، ثم ما ينال بعضهم من تدمير شامل، كما حصل لبعض الأمم التي كفرت برسل ربها وكتبه واليوم الآخر وأكثرت في الأرض الفساد.
والنصوص القرآني التي بينت عقوباتهم المعجلة كثيرة. فمنها ما يبيِّن واقع حالهم النفسي القلق المضطرب المتمزق، المشحون بالهموم والأكدار. ومنها ما يشتمل على وعيد الكافرين بأنواع العقوبات المعجلة، وهذا الوعيد قد يكون وعيداً جازماً مقطوعاً به، وقد يكون تهديداً صريحاً، وقد يكون تلويحاً وتعريضاً بالتهديد، وألوان التربية القرآنية في هذا كثيرة ومتنوعة. ومنها ما يشتمل على وعد المؤمنين الصادقين بالظفر والنصر والتأييد ضد أعدائهم، وهذا يتضمن وعيداً للكافرين بأن الله سيخذلهم ويذلهم وينصر المؤمنين عليهم. ومنها ما يشتمل على بيان قصص ووقائع تاريخية أنزل الله فيها بالكافرين عقوباتهم المعجلة في الدنيا، وفي عرض هذه القصص بيان لسنة الله في عباده حتى يعتبر بها الذين كفروا إن كانوا من الذين يعتبرون ويتعِّظون.
والعنوان الشامل لعقوبات الكافرين معلن في قول الله تعالى: ﴿فمن كفر فعليه كفره﴾ ، أي: فكفره يكون عليه ضرراً وأذى، ولا يكون لمصلحته بحال من الأحوال، لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة، وحينما يتصور أن كفره سيجلب له فائدة أو مصلحة أو خيراً عاجلاً فإن كفره لا يزيده إلا خساراً، كل هذا نجده موضحاً في قول الله تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) :
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً﴾
والمقت الذي ينزل عليهم يملأ صدورهم ضيقاً وحرجاً، وهماً وحزناً، والخسارة يلاحقهم حيثما توجهوا، كل ذلك بسبب كفرهم بما يجب أن يؤمنوا به مما أنزل الله على عباده.
стр. 418
* العقوبة بالضيق والحرج في صدورهم:
جاء في البيانات القرآنية أن الله يعاقب الكافرين ضمن سننه في الحياة الدنيا بضيق وحرج وصدورهم، فقال تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَآءِ كَذالِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾
فالذين لا يؤمنون يعاقبهم الله بهذا الرجس النفسي، وهو ضيق وحرج في صدورهم، وهذه نتيجة طبيعة لكفرهم، وهذه العقوبة تأتيهم ضمن سنن الله الكونية؟ فمن يرد الله أن يضله (أي: أن يحكم عليه بالضلال) بسبب كفره وعناده يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعَّد في السماء.
وبمقدار ضعف التصورات الإيمانية لدى المؤمنين ضعفاء الإيمان يأتيهم نصيب من هذا الضيق والحرج في الصدور.
* العقوبة بالتمزق النفسي والقلق:
وجاء في البيانات القرآنية أن حالة من التمزق النفسي تصيب الكافرين بسبب كفرهم وإشراكهم بالله ما لم ينزِّل به سلطاناً. فقال الله تعالى في سورة (الحج/٢٢ مصحف/١٠٣ نزول) :
﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾
فحالة التمزق والضياع والانهيار والقلق التي تصيب الإنسان في كيانه الداخلي هي من العقوبات النفسية التي يعاقب الله بها الكافرين ضمن سننه الكونية، لأن الكفر بالله أو الإشراك به مما يسبب هذه النتائج في داخل النفس ضمن قوانين الأسباب والمسببات.
стр. 419
* العقوبة بالخذلان والهزيمة أمام جند الله:
ومن العقوبات المعجلة للكافرين خذلانهم وهزيمتهم أمام جند الله المؤمنين الصادقين القائمين بما أوجب الله عليهم، ولو كانوا أقل منهم عدة وعدداً، وإفساد تدبيراتهم ومخططاته ومكايدهم التي يدبرونها لمحاربة جند الله وإطفاء نور الله، وبذلك تتحقق حكمة الله ووعه في نصر أوليائه وخذل أعدائه.
قال الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُو?اْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾
ففي هذا النص نلاحظ أن الغاية من خذلهم ونصر المؤمنين عليهم إضعاف قوتهم في الأرض بقطع طرف منهم، أو كبتهم، أي: إغاظتهم وإحزانهم، ليكون ذلك برهاناً على أن الله ولي الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم. والعاقل متى أدرك دلالة هذا البرهان كان ذلك محرضاً له على الإيمان.
ولذلك قال الله لرسوله في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
ووسائل خذلهم ونصر المؤمنين الصادقين عليهم كثيرة مختلفة، منها إلقاء الرعب في قلوبهم. ومنها توهين كيدهم ورد مكايدهم إليهم وجعلها في نحورهم. ومنها إمداد المؤمنين ضدهم بالقوة المعنوية العالية، وبالملائكة وبالأحداث الطبيعية، كالرياح والأمطار ومواقع الأرض وغير ذلك.
أما إلقاء الرعب في قلوبهم فيدل عليه قول الله تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾
стр. 420
فإلقاء الرعب في قلوبهم قد كان بسبب كفرهم وإشراكهم بالله ما لم ينزل به سلطاناً.
وأما توهين كيدهم فيدل عليه قول الله تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿ذالِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾
وطبيعي أن يولي الكافرون الأدبار حينما يقذف الله في قلوبهم الرعب ويوهن كيدهم، ولذلك خاطب الله الذين آمنوا بقوله في سورة (الفتح/٤٨ مصحف/١١١ نزول) :
﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾
وقد حذر الله الكافرين من عقوبة خذلهم ونصر المؤمنين عليهم، بالتلويح مرة، وبالتصريح أخرى، وبالتطبيق العملي في معاركهم ضد المؤمنين الصادقين.
فمن صور التلويح بالتهديد قول الله تعالى في سورة (النور/٢٤ مصحف/١٠٢ نزول) :
﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
فهم مهما بلغت قوتهم في الأرض لا يعجزن المؤمنين الصادقين القائمين بما أوجب عليهم، لأن الله يمد أولياءه بمعونته ونصره، ويخذل أعداءه وما النصر إلا من عند الله، أما في الآخرة فمأوى الكافرين النارُ دار العذاب، ولبئس هذا المصير مصيرهم.
وقد جاءت هذه الآية طمأنةً للرسول والمؤمنين بوجهها الصريح، واشتملت أيضاً على تلويح تهديدي للكافرين بموجب دلالتها المتعلقة بهم، ولو لم يكن الخطاب فيها موجهاً بصراحة لهم، لكن آية أخرى قد جاء فيها توجيه الخطاب للكافرين بأنهم غير معجزي الله، فقال تعالى يخاطب المشركين في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) :
стр. 421
﴿وَاعْلَمُو?اْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾
وقال لهم أيضاً:
﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُو?اْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
وتحدث الله عن الكافرين عامة بمثل ذلك، فقال تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُو?اْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾
أي: لا يظنوا أنفسهم قد سبقوا المؤمنين بعددهم وعدتهم، فإنهم لا يعجزون المؤمنين الصادقين، لأن الله مع المؤمنين بمعونته وتأييده ونصره، ولكن على المؤمنين أن يقوموا بما أوجب الله عليهم، وأن يحققوا في أنفسهم الشروط التي يستحقون بها تأييد الله لهم، ونصرهم على عدوهم، ومن ذلك أن يعدّوا لأعدائهم ما يستطيعون من قوة، ومن أجل ذلك أتبع الله الآية السابقة بقوله:
﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾
ومهما تكن مكايد الكافرين كثيرة وخطيرة وذكية فإن الله قد ضمن للمؤمنين توهين هذه المكايد، وردها عليهم، متى صدق المؤمنون وأخلصوا لله في جهادهم، وبذلوا ما في وسعهم في سبيل الله وهذا الضمان نلاحظه في قول الله الذي ذكرناه قريباً من سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿ذالِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾
وفي قول الله تعالى في سورة (الطور/٥٢ مصحف/٧٦ نزول) :
стр. 422
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾
أي: فمكايدهم تعود عليهم، ولا ينال المؤمنين الصادقين ضرها البالغ، ولذلك خاطب الله المؤمنين بقوله في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾
فقد جاءت هذه الآية في معرض الحديث عن اليهود، وهم أكثر الناس مكايد للمؤمنين ولسائر الناس.
فما على المؤمنين الصادقين الملتزمين بأوامر الله إلا أن يواجهوا أعداء الله بثبات وصبر، بعد أن يعدوا لهم ما يستطيعون من قوة، وتكون نسبة عدوهم لا تزيد على ضعفهم.
لقد كان التكليف أول الأمر يلزم المؤمنين بأن يقابلوا عشرة أضعافهم، ثم خفف الله هذه النسبة إلى ضعف واحد، نظراً إلى حالة الضعف النفسي الذي عليه الناس مهما بلغ إيمانهم، إذ لا يرتقي شعورهم الجماعي العام إلى مستوى النسبة العظمى، ولو بلغ شعورهم الجماعي إلى هذا المستوى لكتب الله لهم النصر على عدوهم، وإن كانت قوته عشرة أضعاف قوتهم أو أكثر، وهذا ما بينه الله بقوله في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * ياأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن منكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ منكُمْ مئَةٌ يَغْلِبُو?اْ أَلْفاً منَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾
أي: ليس لهم غاية يفقهونها فترفع قواهم المعنوية على القتال، ولا أمل لهم فيما بعد الحياة الدنيا، لذلك فهم شديدو الحرص على الحياة، وهذا هو مولد الجبن في قلوبهم.
وعقب ذلك جاء التخفيف في هذا المستوى من التكليف الإلزامي، فقال تعالى في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
стр. 423
﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُو?اْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
ففي هذا وعد من الله بأن ينصر المؤمنين الصادقين الصابرين على عدوهم، ولو كان عدده ضعف عددهم، على أنهم لو وثقوا بالله حق الثقة، وصبروا وصدقوا لنصرهم على عدوهم ولو كان عدده ضعف عددهم عشر مرات، فالوعد الأول لم ينقطع، ولكن التكليف بالمواجهة هو الذي جاء فيه التخفيف، ولذلك جاءت الآية مصدرة بقول الله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً﴾ .
والوقائع والأحداث التاريخية قد أيدت هذه الحقيقة، فالله قد نصر ر سله بالحق على الذين كفروا وظلموا من أقوامهم، ونصر الذين آمنوا وصبروا وصدقوا واستقاموا في كل وقائعهم ضد الذين كفروا، ولم تتحول رياح النصر عن المؤمنين إلا بذنوب قد ارتكبوها، وقد حقق الله بنصره لرسله وللمؤمنين الصابرين الصادقين سننه التي وضعها، وحقق وعده الذي وعد به أولياءه، والذي أعلنه بقوله تعالى في سورة (غافر/٤٠ مصحف/٦٠ نزول) :
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ الْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُو?ءُ الدَّارِ﴾
وبنظرة تفصيلية نلاحظ أن الله ﵎ قد نصر نوحاً على قومه فأغرقهم وأنجاه والذين آمنوا معه، ونصر هوداً وصالحاً وإبراهيم ولوطاً على أقوامهم، ونصر موسى على فرعون وملئه وجنوده، ونصر داود وسليمان، ونصر عيسى فأنجاه من قومه، ونصر محمداً والمؤمنين معه وتوج لهم جهادهم بالفتح المبين، ونصر المجاهدين المسلمين من بعده، ففتح لهم أبواب ممالك الأرض، وما توقف عنهم النصر إلا حينما عصوا في الواجبات والشروط التي فرضها الله عليهم، والتي كانوا يستحقون بها إمداد الله لهم بمعونته ونصره.
ولنأخذ حياة الرسول محمد ﷺ لنرى كيف نصره الله في كل مواقفه على أعدائه، وكيف خذل الكافرين.
стр. 424
لقد نصره الله يوم هاجر من مكة إلى المدينة، بوسائل خفية غيبية، وأخرى مشهودة ما كان الكافرون ليحسبوا حسابها، وقد تحدث الله عن هذا النصر بقوله لأصحاب الرسول في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) :
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
وتحدث الله عن هذا النصر أيضاً بقوله لرسوله في سورة (الأنفال/٨ مصحف/٨٨ نزول) :
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
ثم نصر الله الرسول والمؤمنين في غزوة بدر الكبرى على الكافرين أعدائهم وأعداء الله، وسورة الأنفال تدور حول أحداث هذه الموقعة العظيمة وما أظهر الله فيها من آيات نصرة لرسوله والمؤمنين معه، رغم أنهم كانوا أقلة أذلة، وقد امتنَّ الله عليهم بهذا النصر، فقال ﵎ في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلا?ئِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى? إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَاذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلا?فٍ مِّنَ الْمَلا?ئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾
أي فبعزته ينصر، وبحكمته يقضي بنصره للمؤمنين الصابرين الصادقين على الكافرين المصرين المعاندين الصادين عن سبيل الله.
стр. 425
وفي غزوة أحد نصر الله المؤمنين في أوائل الأمر، ثم حول الله عنهم رياح النصر بسبب معصيتهم أوامر الرسول صلوات الله عليه.
وفي غزوة حنين حين تحولت أول الأمر رياح النصر عن المسلمين بسبب اغترارهم بكثرتهم واعتمادهم على أنفسهم، ثم نصرهم الله وأيد رسوله والمؤمنين الصادقين، وأنزل جنوداً من عنده، وخذل الذين كفروا، وبين الله هذا بقوله تعالى في سورة (التوبة/٩ مصحف/١١٣ نزول) :
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذالِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ﴾
فأصاب الله المؤمنين يوم حنين بما أصابهم به أولاً ليؤدبهم ويربيهم حتى لا يغتروا بأنفسهم، وحتى لا ينقطعوا عن الاعتماد على الله والثقة به والتوكل عليه، ثم تدارك القلة الباقية منهم بنصره المبين، ليثبت للمؤمنين أن النصر من عنده سبحانه، يرفعه متى شاء، ويضعه حيث شاء.
وفي غزوة الخندق كان نصر الله للمؤنين برد الكافرين عن حصار المدينة، وهم يعانون آلام غيظهم، إذ لم ينالوا خيراً من حملتهم الظالمة الآثمة، وقد بين الله ذلك بقوله تعالى في سورة (الأحزاب/٣٣ مصحف/٩٩ نزول) :
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾
وفي غزوة بني قريظة كان نصر الله للمؤمنين بقذف الرعب في قلوب اليهود وإنزالهم من حصونهم، واستسلامهم للقتل والأسر، وقد بين الله هذا النصر بقوله تعالى في سورة (الأحزاب/٣٣ مصحف/٩٠ نزول) :