← Сияса и кади

Сияса и кади · id 12726

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ابن عربشاه

Полный текст (515 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فقال بلغني أن الزوج الخاطب غير طالب ولا راغب وإذا كان كذلك فلا بغني الغناء إلا العناء ولا يؤثر في القلوب والأسماع بل تنغر عند سماعه الطباع فكل شيء لا يصدر عن رغبة القلب فان أيجابه لا يفيد إلا السلب فيضحك على القائم والقاعد ويسخر مني الصادر والوارد ويروح تغزلي في البارد وإنما ذكرت ذلك لأعراض على آراء المالك أنه إذا أولج أمر الرعية إلى أحد من الخاصكية ينظر إلى شفقته ويسير وفور مرحمته ثم يوليه عليهم ويتقدم بالطاعة إليهم فيستقيم إذ ذاك فعلهم وفعله ويظهر في حركاته وسكناته عدله وليس العدل في القضايا تساويها ولا إجراؤها على نسق واحد يحويها بل معرفة مقاديرها وبيان تقريرها في المبادي وتحريرها ثم أجراؤها على مقتضى مدلولها ورد فروع كل مسئلة إلى أصولها ووضع الأشياء في محلها وإيصال الحقوق إلى أهلها ومعرفة منازل أربابها وأوضاع أصحابها ومراتب طلابها فمن لم يحقق هذه الأمور أضاع مصالح الجمهور فأعطى غير المحق ما لا يستحق ومنع الحق عن المستحق وقد قيل يا أبا السعود أن حقيقة الجود إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وإلا كان كالباذر في السباخ وأشبه في أمره أجير الطباخ الذي لم يعرف معنى العدل فقصده فوقع في الجدل فسأل الغزال شيخ الأوعال عن هذا المثال (فقال) كان عند بعض الأشياخ من الطباخين أجير طباخ له رغبة منهمه على معرفة طبخ الأطعمة وكيفية ترتيبها وصنعة تركيبها

стр. 282

وكان مغرماً بذلك يسلك فيه كل المسالك ويرد فيه الموارد ويتبع كل صادر ووارد ففي بعض الآناء وقف على طبيب منت الأطباءفسمعه يقول أن أصلاً من الأصول العدل والتسوية بين الأطعمة والأغذية والعقاقير والأدوية فمن لم يستعمل الأستوا في درجات الغذاء والدواضل عمله وغوى وأصل هذا المزاج ولا ينكره إلا ذو لجاج فان العناصر الأربعة منها المضرة والمنفعة وقد تولد منها السوداء والبلغم والصفراء والدم فمتى اعتدلت هذه المتولدات صحت الأبدان واللذات ومتى عن الاعتدال عدلت أمرضت وقتلت وكذلك النير الأعظم والكوكب المضيء في العالم إذا حل في مركز الاعتدال استقام للعالم الحال وطاب الزمان واعتدل وذلك عند نزوله في برج الحمل فتصور ذلك الولهان أن المقصود التسوية في الأوزان فانصرف وهو فرحان وقصد طعام الزبر باج وعبى من مفرداته ما يحتاج ثم أنه ساوى بين أوزانها وقصد العدل في ميزانها وخلط كعقله أخلاطها ووضعها في قدر وساطها فخاب عمله في عدله وبان نقصه في فضله فلما رعى الملك والوزير ما سلكه السفير في نظام هذا التقرير شكراً له مساعيه وأخصبا في الإكرام والإعزاز مراعيه وقالا جزاك الله خيراً عن شفقتك وحسن صنيعك لمرسليك ورفقتك فمثلك من يصلح للسفارة بين الملوك وتولى أمور الرعية من الغنى والصعلوك فانك ناصح لمن فوقك شفيق على من دونك

стр. 283

ثم قال الوزير أن هذا الملك الكبير مقاصده العظيمة أن تكون الأمور مستقيمة وأن يصلح العباد والبلاد ويطمئن المستفيد والمستفاد فاحتفظ أيها السفير المنير الضمير بما سمعت ورأيت وشاهدت ووعيت واجعله من عنوان أنبائك ومقدمات أفعالك وآرائك وأبلغه من يحفك من أمامك وورائك ومهما وصلت إليه قدرتك وأحاطت به يدك وكلمتك من إبلاغ الخير إلى مسامع الوحش والطير عن هذا الملك وأوصافه وتطلعه إلى مراقي السير والإحسان واستشرافه وما تسكن به الخواطر وتطمئن به الضمائر وتقر به العيون بالسرور وتستقر به القلوب في الصدور فلا تأل فيه جهداً وأوسع فيه جداً ولا تنه في إنهائه حداً فان المجال واسع وميدان المقال شاسع وقد أذن لك فيه وأن أخفيته في نفسك فالله مبديه ثم كتب له بذلك مراسيم عن ثغر الأماني مباسيم وأفيض عليه خلع الكرامة وأضيف إليه الحمامة ورجع إلى أهله مغموراً بفضله مسروراً بقوله مشكوراً بفعله فائزاً بالمطلوب ظافراً بكل مرغوب فارغ البال طيب الحال فاتصل بأهله في دياره وهم في انتظاره فبادروا بالسلام وقابلوه بالاستلام وقالوا ما وراءك يا عصام فبلغ الجواب بارشق عبارة وأليق خطاب وذكر لهم ما رأى وسمع ووعى فانتشرت هذه الأخبار حتى ملأت الأقطار وتسامع بها وحوش القفار وفاح بطيب نشرها الأزهار فكان جميع البر معطار ثم اجتمع رؤساء الوحوش والبهائم رعرفاء الصوادح والبواغم وكل ساكن في القفار من سائم وحائم وأرسل كل إلى أمته رسوله يدعوها إلى ما يحصل سولها وسوله فلبت كل أمة دعوة رسولها وأقبلت

стр. 284

لاستماع المراسيم وقبولها فاجتمعوا في رياض مرج أخضر وحلقوا لاستماع المراسيم حول المنبر وأطرقوا وسكتوا واستمعوا وأنصتوا وتناول المرسوم الصادح من الباغم وصعد على الغصن الناعم مطوق الحمائم وابتدأ باسم الكريم الغفور وقرأ على رؤس الأشهاد مضمون المنشور ودعاهم إلى الطاعه والدخول في سنن السنة والجماعه وأنهم لا يتاخرون عن الحضور بعد الأطلاع على مضمون المنشور فانه فرمان أمان لكل من أجناس الحيوان ولم يبق مقالاً لمتخلف ولا مجالاً لمتأخر ومسوف كما قيل: فمن جاءنا طوعاً أقمنا بمجده ... ومن يأب لا يعتب علينا فعالنا إلى آخر الرسالة مع ما تحمله الرسول من مشافهة ومقاله ومن ملاطفات تشرح الصدر وتستنزل البدر وتوضح ما للملك من جلالة وقدر فتلقى الكل هذا الكلام بآذان القبول والأكرام واتفقوا على التأهب والمسير والأحتفال بالكبير وأخذوا في تعبية التقادم والخدم وفرضوا ذلك على ما لكل من طوائف وحشم وتصدعوا عن هذا المرسوم على أن يجتمعوا في يوم معلوم ثم أعد كل عتاده وأكمل خدمته وزاده واجتمعوا لذلك اليوم الموعود وتوجهوا إلى الخدمة في الطالع المسعود ولما دخلوا الدرب وضربوا في الأرض أيمن ضرب توجهت الحمامة بالبطاقة بهذه البشارة والطلاقة فانتشر هذاالخبر وملأ البدو والحضر فلما وصل الطائر دقت البشائر وسرت الأهل والعشائر ثم إن الملك دعا الوزير وقال اعلم أيها الناصح الخبير والبحر النحرير أن الوحوش واصلة إلى منزلك وبخفها وحافرها نازلة في ساحلك وإن راية سلطاننا بعون الله بالنصر نتشرت ووحوش الجنود والعساكر بحمد الله تعالى على بساط بسيط الطاعة حشرت وفي هذه الجيوش أصناف الوحوش وطوائف السباع

стр. 285

وأنواع الذئاب والضباع وفيهم الفراعل والثعالب والعسابر والأرانب ولا شك أن هيبة الملك صادعة وحرمة السلطنة باسطة فارعه وحضرة السلطان ذات جلال وإن كانت جامعة لصفتي الجلال والكمال وما عند كل أحد مسكة للملاقاة ولا ثبات جنان عند المشاهدة لملك إذا رآه فمن لم يكن بيننا وبينه اجتماع فقد وقرت هيبتنا في قلبه على السماع ومن تصدينا له في ميادين الصيد وأفلت بعد معافاة الكد والكيد قد رأيته على العيان ولا يحتاج في معرفة قوة سلطاننا إلى ترجمان وعلى كل تقدير فمشاهدتنا على غالبهم أمر عسير لأنه ربما يتذكر منهم متذكر أو يتفكر منهم متفكر واقعة أو سابقة وقعت أنجرح فيها من نصل أنيابنا مفاصل عراقيبه أو تعلق بها من أشعاره وأوباره مشاطة جلابيبه ومن لم ينجه منا ضباحه ولم يكن سلاحه من كلاليب مخاليبنا إلا سلاحه فبمجرد ما يقع نظره علينا أو تمثل بالوقوف لدينا يرجف فؤاده وينفض عيبة كرشه زاده فينكص من الخوف على عقبيه ولا يعرف أمره من حواليه فيتبعونه ويحصل الفشل ويقع الخباط والخلل فيبهم ما أوضحناه ويفسد أضعاف ما أصلحناه وينهدم من أول الأمر إلى آخره ما بنيناه ويتعوج من مستقيم السلطنة ما سويناه فلا يحصل من عزة المملكة إلا على مثل ما حصل لأبي الحصين من شيخ الديكه فقال الوزير ينعم مولانا الأجل بتقرير هذا المثل (قال الملك) سمعت مخبراً أنه كان في بعض القرى الرئيس ديك حسن الخلق وديك مرت به التجارب وقرأ تواريخ المشارق والمغارب ومضى عليه من العمر سنون واطلع من حوادث الزمان على فنون

стр. 286

وقاسى حلوه ومره وعانى حره وقره وقطع للثعالب شباك مصايد وتخلص لأبن آوى من ورطات مكايد ورأى من الزمان وبنيه نوائب وشدائد وحفظ وقائع لبنات آوى وثعالب وطالع من كتب حيلها طلائع كتائب وأحكم من طرائقها عجائب وغرائب فاتفق له في بعض الأحيان أنه وقف على بعض الجدران فنظر في عطفيه وتأمل في نقش برديه فرأى خيال تاجه العقيقي ونظر إلى خده الشقيقي ونفض بزائله المنفش وسراويله المنقش والثوب الذي رقمه نقاش القدرة من المقطع والمبرقش فأعجبته نفسه وأذن فاطريه حسه وتذكر ما قاله الأسعد المادح في المعتصم بن صمادح وهو: كأن أنوشروان أعطاه تاجه ... وناطت عليه كف مارية القرطا سبى حلة الطاوس حسن لباسه ... ولم يكفه حتى سبي المشية البطا فصار يتيه ويتبختر ويتقصف ويتخطر فاستهواه التمشي سويعة حتى أبعد عن الضيعة فصعد إلى جدار وكان قد انتصف النهار فرفع صوته بالأذان فأنسى صوته الكناني والدهان فسمعه ثعلب فقال مطلب وسارع من وكره وحمل شبكة مكره وتوجه إليه فرآه فسلم عليه فلما أحس به أبو اليقظان طفر إلى أعلى الجدران ثم حياه تحية مشتاق وترامى لديه ترامي العشاق وقال أنعش الله بدنك وروحك وروى من كاسات الحياة غبوقك

стр. 287

وصبوحك فانك أحييت الأرواح والأبدان بطيب النغم والصياح في الآذان فان لي زماناً لم أسمع بمثل هذا الصوت وقاك الله نوائب الفوت ومصائب الموت وقد جئت لأسلم عليك وأذكرك ما أسدى من النعم إليك وأبشر ببشارة وهي أربح تجارة وأنجح من الولاية والأمارة لم يتفق مثلها في سالف الدهر ولا يقع نظيرها إلى آخر العصر وهي أن السلطان أيد الله بدولته أركان الإيمان أمر منادياً فنادى بالإيمان والأطمئنان وأجراء مياه العدل والإحسان من حدائق الصحبة والصداقة في كل بستان وأن تشمل الصداقة كل حيوان من الطير والوحوش والحيتان ولا يقتصر فيها على جنس الإنسان فيتشارك فيها الوحوش والسباع والبهائم والضباع والأروى والنعام والصقروالحمام والضب والنون والذباب وأبو قلمون ويتعاملون بالعدل والأنصاف والإسعاف دون الأعساف ولا يجري بينهم إلا المصادقة وحسن المعاشرة والمرافقة فتمحى من لوح صدورهم نقوش العداوة والمنافقة فيطير القطا مع العقاب وببيت العصفور مع الغراب ويرعى الذئب مع الأرنب ويتآخى الديك والثعلب وفي الجملة لا يتعدى أحد على أحد فتأمن الفارة من الهرة والخروف من الأسد وإذا كان الأمر كذا فقد ارتفع الشر والأذى فلا بد أن يتمثل هذا المرسوم ويترك ما بيننا من العداوة والخلق المذموم ويجري بيننا بعد اليوم المصادقة وتنفتح أبواب النمحبة والمرافقة ولا ينفر أحد منا صاحبه بل يراعي مودته ويبالغ في حفظ جانبه وجعل الثعلب يقرر هذا المقال والديك يتلفت إلى اليمين والشمال ويحتاط غاية الاحتياط ولا يلتفت إلى هذا الهذيان الخياط فقال الثعلب يا أخي مالك عن سماع كلامي مرتخي أنا أبشرك ببشائر عظمه لم تنفق في

стр. 288

الأعصر القديمة وإنما برزت بها مراسيم مولانا السلطان الجسيمة وأراك لا تلتفت إلى هذا الكلام ولا تسر بهذا اللطف العام ولا تلتفت إلي ولا تغول علي وتستشرف على بعد الشيء فهلا أخبرتني بما أضمرت ونويت وتطلعني فيما تتطاول إليه على ما رأيت حتى أعرف في أي شيء أنت وهل ركنت إلى أخباري وسكنت فقال أرى عجاجاً ثائراً ونقعاً إلى العنان فائراً وحيواناً جارياً كأنه البرق سارياً ولا عرفت ما هو ولكنه أجرى من لهوا فقال أبو الحصين وقد نسي المكر والمين بالله يا أبا نبهان حقق لي هذا الحيوان فقال حيوان رشيق له آذان طوال وخصر دقيق لا الخيل تلحقه ولا الريح تسبقه فرجفت قوائم الثعلب وطلب المهرب فقال أبو المنذر تلبث يا أبا الحصين وأصبر حتى أحقق رؤيته وأتبين ما هيته فانه يا أبا الحصين يسبق طرف العين ويكاد أبا النجم يخلف النجم في الرجم فقال أخذني فؤادي وما هذا وقت التمادي ثم أخذ يسلح وولى وهو يصدح بقوله: لابس التاج العقيقي ... لا تقف في طريقي إن يكن ذا الوصف حقاً ... فهو والله السلوقي فقال الديك وإذا كان وقد قلت إن السلطان رسم بالصلح بين سائر الحيوان فلا بأس منه عليك فتلبث حتى يجيء ويقبل يديك وتعقد بيننا عقود الصداقة ويصير رفيقنا ونصير رفاقه فقال ما لي برؤيته حاجة فدع عنك المحاجة واللجاجة فقال أو ما زعمت يا أبا وثاب إن السلطان رسم الأعداء والأصحاب أن يسلكوا طرائق

стр. 289

الأصدقاء والأحباب فلو خالف المرسوم هذا الكلب لما قابله الملك إلا بالقتل والصلب قال لعل هذا المشوم لم يبلغه المرسوم ثم ولى هارباً وقصد للخلاص جانباً (وإنما أوردت) يا نفيس هذا المثال لتقييس أحوال من دان لك من هذا الحيوان ولا تشقها بعصا واحدة واحسب حال كل واحد على حده فربما يكون في هذه البهائم من لا هو بأحوال الصلح عالم ولم تبلغه الدعوة وإنما انضاف بسبب رجوه أو آمن على سبيل التبعية والتقليد ولم يطلع على موارد الوعد والوعيد ولا وقف على ما وقع من الأتفاق ولا يثبت لمصادمة اللقاء وقت التلاق فيصدر منكم حركة تؤدي إلى قلة بركة وتستطرد إلى نفرة جفول فيدهمنا هدم ما أسسناه على غفول ويقع من الفساد ما لا يمكن تلافيه ويضيع نقود جواهر جهدنا وكدنا فيه وإذا كانت الدنيا محل العوارض والغالب أنه عند مشارفة المقصود يحصل العارض والعاقل لا يغفل عن هذا الخطر فعند صفو الليالي يحدث الكدر وقد كفاك من ناداك بقوله: إذا قربت يداك إلى مرام ... وقلت تخولت نفسي مناها فلا تأمن من الدهر اختلاسا ... بحول فمكره في ذاتنا هي كجان لم يصبه الشوك إلا ... وقد وصلت يداه إلى جناها فالرأي السديد يا أبا سعيد يقتضي أن تمضي الحمامة المطوقة إلى تلك الجموع المفرقة وتنادي في كل نادي بين الحاضر والبادي والرائح والغادي بحقائق الأمور وتطيب خاطر الجمهور وما هم قادمون عليه ومن هو الواصلون إليه ليعلموا أنهم في صفقتهم رابحون وأنهم على هدى من ربهم وانهم مفلحون

стр. 290

فتوجهت الحمامة بهذه النقوش وشهرت النداء في طوائف الوحوش بما هم عليه قادمون وأنهم للملك يسار خادمون ثم تبعها الوزير ومعه كل أمير وكبير من خواص المباشيرن والأعيان الملازمين وكبراءالأطيار ورؤساء الأخيار واستقبلوا ملوك الوحوش والهوام ورؤساء السوائم والسوام وقابلوا ملتقاهم بالإعزاز الإكرام ووعدوهم بكل خير وإحسان ووصلوا بهم إلى ميدان الأمان وحين حل عليهم نظر السلطان قبلوا الأرض ووقفوا في مقام العرض وأدوا من واجب العبودية النفل والفرض فانزل كلاً في مقامه بعد أن أحله في محل إكرامه وأفاض عليه خلع إحسانه وإنعامه وعلت منزلة الوزير وتقدم كما تقدم وأشير وصفا لهم الزمان وعاش في ظل عدلهم كل ضعيف من الحيوان وتقلبوا في رياض الأماني على بساط الأمان (وفائدة هذه الحكايات تنبيه أشرف جنس المخلوقات وألطف طائفة المكونات وهو نوع الإنسان الذي اختصه الله تعالى بأنواع الإحسان وأيده بالعقل وأمده بالنقل على انه إذا كان هذا الفعل الجليل يصدر في التنظير والتمثيل من أخس الحيوانات وما لا يعقل من الموجودات فلأن يصدر من أولى النهى وأولى الفضل والمكارم والعلى أولى وأحرى لا سيما من رفع الله في الدنيا مقداره وأعلى على فم الخلائق منارة وحكمه في عبيده المستضعفين واسترعاه على رعية سامعين مطيعين وسلطه على دمائهم وأموالهم وبسط يده ولسانه في رفاهيتهم ونكالهم والأصل في هذا كله قول من عم عبيده بفضله وبقوله اهتدى العالمون وتلك الأمثال نضر بها للناس وما يعقلها إلا العالمون) آخر الباب السادس والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين آمين.

стр. 291

الباب السابع في ذكر القتال بين أبي الأبطال الريبال وأبي دغفل سلطان الأفيال

стр. 292

(قال) الشيخ أبو المحاسن من ليس له في الفضل مساو ولا مواس فلما أنهى الحكيم حسيب كلامه لأحلى من النسيب قبل أخوه بين عينيه وأفاض خلع الأنعام عليه استزاده وفتح لجامع فضله باب الزيادة وكان قد وقع بين ملك الأفيال وبين ملك الأسود المسمى بالريبال المكنى بأبي الأشبال وأبي الأبطال مقال أدى إلى جدال وأتصل بحرب وقتال فسأل الملك أخاه هل سمع من ذلك شيأ ووعاه فأجاب بالإيجاب وذكر في الجواب الأمر العجاب (فقال) كان يا ملك الزمان في بعض أطراف الهنود من عساكر الأفيال جنود في جزيرة عظيمة كبيرة من جنسهم وجلدتهم ونفسهم ملك عظيم ذو جسم جسيم وشكل وسيم منظره بديع وهيكله رفيع طويل الخرطوم واسع الحلقوم مبسوط الأذنين حديد العينين طويل الأنياب في جراب كثيف في المرأى خفيف في الموطأ عدد جيشه غزير ومدد جنده كثير وهو فيهم ملك كبير ذو قدر خطير منفرد بالسرير ورثه كابراعى كابر وكل جيشه رؤساء وأكابر لأوامر طائعون ولما يراه تابعون فبلغه في بعض الأيام أن في بعض الغياض والآجام مكاناً في غاية النزاهة معدن الفواكه والفكاهة ذا مياه عذبة ومروج رطبه أراضيها أريضه ورياضه طويلة عريضة أطيارها تسكر بألحانها وأشجارها

стр. 293

تخجل قدود الملاح بأغصانها وأزهارها زهره وأنوارها نضره ونسيم الصبا والشمال تنتشر إلى الآفاق طيب أنفاسها العطره وأنه يصلح أن يكون لملك الأفيال مقاماً مع أن من الجبال والحصون وعصاما غير أن فيه أسد هصورا جمع فيه جنداً كثيراً ولا زال الناقل يصف ريطنب ويعجم في حسن شمائلهم ويعرب حتى قال بعض الندماء الحاضرين من الكبراء لو قصد الملك ذلك المكان وجعله لنفسه من بعض الإسكان وتنقل إليه في بعض الأوقات وساعات التفرج في المتنزهات لا راح نفسه الخطيرة من وخم هذه الجزيرة ووجد لذة الطعام ونشوة الشراب على المدام والأسد الذي فيها وأن كان مالك نواحيها وبيد تصرفه زمام نواصيها وجماجم قلاعها وصياصيها لكنه ملك عادل وسلطان فاضل تمنعه شهامته وكرم نفسه وكرامته ورياسته وزعامته أن يضايق الملك في ذلك أو يضيق سلوكها على سالك وأن شرع في الممانعة وأخذ في أسباب المدافعة بالمقارعة والمنازعة فالعساكر المنصورة وأعدادهم الموفورة فيهم بحمد الله لذلك قوة وكفاية ولهم في بداية الحروب هداية وفقاهة ليس لشرحها غايةولا لفروع أصولها نهاية يحيون في مباحثها النفوس ويعيدون في مدارس الحرب بتكرار الضرب فأني الشجاعة بعد الدروس فيكفون الملك أمره ويكفون أذاه وشره ولا زال يفتل منه في المغارب والذروة ويقوى بتمويهاته دواعي الحرص والشهوة حتى اقتنصته إشراك المطامع وأوقعته في عبودية شهوة تلك المواضع ودعته النفس الأبية وحمية الجاهلية وباعث العصبية إلى الاستيلاء على تلك الأماكن البهية والولايات السنيه والمساكن الزهيه

стр. 294

وأسامة سوارح اللحاظ في مراعي نزهة تلك الغياض ومروج أراضي هاتيك الرياض وأزعج في ذلك المقتضى وأسلمه العدل والخلق الرضى على عليه سيئ الطباع واستولت عليه فوارغ الأطماع وعشقها على السماع وكان عنده إخوان هماً له عضدان هما وزيراه وفي مهامه مشيراه مسعداه في الأمور ومنجداه في أحوال السرور والشرور أحدهما واسطة خير قليل الشر عديم الضير قد جرب الزمان وعاناه وقالب قوالب وقائعه بالمقايسة ما قاساه اسمه مقبل وهو كاسمه مفضل والآخر بالعكس في جميع حركاته وكس وهو كاسمه مدبر بكل شيء مخبر قصد غبار فتن يثيره وعسكر بلاء يغيره وطالب أذى وعناء يعيره أو سر يذيعه أو مكر يشيعه أو متسوق شريبيعه وهما ملازمان الخدمة واقفان في مقام الحشمة والحرمة كالفتق والرتق والباطل والحق والكذب والصدق وفي الإفساد والإصلاح كالمراهم والجراح ومصلح الدرهم ومفسد الراح ومرشد العقل ومعتل الأقداح وفي الوفاق والشقاق كالسم والترياق وفي الحكم والقضاء كالداء والدواء وفيما يقع من الحوادث المفرجات والكوارث كالخر والبرد والشوك والورد فاختلى الملك بأخويه واستشارهم فيما أنهى إليه فقال أخوه المقبل يا مولانا أبا دغفل لو لم يكن بهذا المكان أحد من أدنى الوحوش فضلاً عن الأسد لكان عدم قصده ترفعاً وترفها والتوجه إلى الاستيلاء عليه موجهاً فكيف وذلك في ولاية مالك وهو مالك صعب كابي حفص الصعب ملك كبير عادل وسلطان خطير فاضل مطاع في

стр. 295

صاغيته متبوع في حاشيته عادل في رعيته سيرته شكورة ومحاسنه مأثورة وهيبته وبسالته غير منكورة وهو جار حسن الجوار لم يضبط عليه ما يقتضي انتزاع ملكه من يديه ولم يتعرض إلى متعلقاتنا ولا آذى أحداً في ولايتنا وأن مولانا السلطان لم يصدر منه إلا العدل والإحسان إلى الأباعد والأجانب فضلاً عن الجيران لا سيما الملوك الأكابر ومن ورث الملك كابراً عن كابر ولقد تلقفت من أفواه الحكماء وتشنفت مسامعي من جواهر ألفاظ العلماء بثلاث نصائح هي من أحسن المنائح إحداهما أحذر أيها الموفق أن تقع في دم بغير حق ثانيتها إياك يا ذا التوفيق وأموال الناس بغير طريق ثالثتها إياك يا ذا الشيم الكريمة وهدم البيوت القديمة وأعلم أن الله تعالى عم رزقه وخص كل موجود بما يستحقه وقد أقام الأسد في تلك الأماكن وهو أن كان متحركاً فهو فيها ساكن ولو لم يستأهل لما اختص بتلك المناهل وما ينكر هذا الأجاهل أو من هو عن الحق ذاهل وحاشى أن تنسب يا رئيس الأخيار إلى حسد أسوء جوار وعظمتك تأنف عن ذميم الأخلاق وكيف وقد انتشر بالفضل صيتها في الآفاق وإذا كان للشخص ما يكفيه فينبغي أن يقتصر عما يطغيه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقد أحسن في المقال من قال: يا أحمد اقنع بالذي أوتيته ... إن كنت لا ترضى لنفسك ذلها واعلم بان الله ﷻ ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلها فالتفت الملك إلى المدبر وأشار إليه كالمستخبر ماذا تشير أيها الأخ والوزير فقال جميع ما قرره مولانا الوزير حق وجملة ما ذكره وحرره صدق نصائح ترشد العقول وتزين عقود المعقول والمنقول ولكن لا يخفي

стр. 296

على كريم العلوم أن الأسد حيوان ظلوم غالب طالب وخلاص الرعية من شره واجب ويلزم كل أحد أن يخلص الرعايا من ظلم الأسد ومولانا يبلغه ظلمه ولم يحط بأحوال الأسد علمه وأنه من أظلم البرية لمن تحت يده من الرعية وأنه يجب على مولانا السلطان خلاص الرعية منه على أي وجه كان وأيضاً فانانعامات مولانا البارة على كل أحد من الخلق دارة والخرج والكلف والكرم الذي بأنامله ائتلف كل يوم في ازدياد والعساكر المنصورة كل وقت نزداد وإذا لم تتسع الولايات وتكثراً الجهات والاقطاعات كان الخرج أكثر من الدخل والمصروف من الخزانة كالوابل والدخل كالطل وإذا زاد المصروف على الحاصل عجز الواصل وفرغ الحاصل ودل ذلك على ركاكة الهمة وقصور النهمة والملك يجب عليه والمندوب في شرع همته إليه أن يكون كل وقت جديد في فتح وترق ومزيد وتوسعه الممالك وتنزيه بساط السلطنة عن المنازع والمشارك والاستكثار من الجند والرعية واستجلاب خواطرهم الأبية بالجوائر السنية والانعامات السمية ولا يجوز في ملة الإسلام أن يتعدد الخلفية الإمام ولله در القائل العلي الشمائل: إذا ما لم ثكن ملكاً مطاعاً ... فكن عبد المالكه مطيعاً فان لم تملك الدنيا جميعاً ... كما تهواه فاتركها جميعاً وناهيك يا مالك الممالك والمماليك في علو الهمة وصدق العزمة وغوص الأفكار في استخلاص ممالك الأقطار قضية فحلا الرجال تيمورلنك الأعرج الدجال مع نائبه الله داد أحد القواد ونواب البلاد فسأل أبو مزاحم أخاه عديم المراحم عن تلك القضية وإيضاحها عن جليه

стр. 297

(فقال) إن تيمورلنك رأس الفغساق الأعرج الذي أقام الفتنة على ساق لما حل بالممالك الرومية في شهور سنة خمس وثمانمية وأسر مالكها واستخلص ممالكها استمر في ممالك العرب يصول وفي فكره استخلاص ولايات الشرق يجول وكان أقصى ما انتهت إليه في الشرق مملكته ونفذت بسهام أحكامه فيه أقصيته بلداً يسمى أشباره قد أعده لشياطين النهب والغارة وبثى فيه قلعه ونقل إليه من ذوي المنعة جنداً منتخبا من كل يقعة وهو في بحر ممالك المغل والتتار والحد الفاصل بين ممالكه وولايات عباد الشمس والنار وأمر على أولئك الأجناد شخصاً يدعي الله داد وهو من خواض أمرائه ورؤساء جنده وزعمائه فمن جملة ما أمره به ذلك المشوم وهو مخيم ببلاد الروم أنه أبرز إليه مراسلة فيها أمور مجملة ومفصلة أمره بامتثالها وإرسال الجواب ببيان كيفية حالها منها أنه يبين له أوضاع تلك الممالك ويوضح كيفية الطرق بها والمسالك ويذكر له مدنها وقراها ووهدها وذراها وقلاعها وصياصيها وأدانيها وأقاصيها ومفاوزها وأعارها وصحاراها وقفارها وأعلامها ومنارها ومياهها وأنهارها وقبائلها وشعابها ومضايق دروبها ورحابها ومعالمها ومجالها ومراحلها ومنازلها وخاليها وآهلها بحيث يسلك في ذلك السبيل الأطناب الممل ويتجنب مأخذ الإيجاز وخصوصاً المخل ويذكر مسافة ما بين المنزلتين وكيفية المسير بين كل مرحلتين من حيث تنتهي إليه طاقته ويصل إليه علمه ودرايته من جهة الشرق وممالك الخطا وتلك الثغور وإلى حيث ينتهي إليه من جهة سمر قند علم تيمور وليعلم أن مقام البلاغة في معاني هذا الجواب هو أن يصرف فيه ما استطاع من حشو واطناب وتطويل وإسهاب وليسلك في بيانه الطريق الأوضح من الدلالة وليعدل عن الطريق الخفي في هذه الرسالة إلى أن يفوق في وصف الأطلال

стр. 298

وتعريف الرسوم وحدود ألد من صفة الشيخ القيصوم فامتثل الله داد ذلك المثال وصور له ذلك على أحسن هيئة وآنق تمثال وهو أنه استدعى بعدة أطباق من نقي الأوراق وأحكمها بالإلصاق وجعلها مربعة الأشكال ووضع عليها ذلك المثال وصور جميع تلك الأماكن وما فيها من متحرك وساكن فأوضح فيها كل الأمور حسبما رسم به تيمور شرقاً وغرباً بعداً وقرباً يميناً وشمالاً مهاداً وجبالاً طولاً وعرضاً سماء وأرضاً مرداء وشجراء غبراء وخضراء منهلاً منهلاً ومنزلاً ومنزلاً وذكر أسم كل مكان ورسمه وعين طريقه ووسمه بحيث بين فضله وعيبه وأبرز إلى عالم الشهادة غيبة حتى كأنه شاهده ودليله ورائده وجهز ذلك إليه حسبما اقترحه عليه كل ذلك تيمور في بلاد الروم يمور وبينهما مسيرة سبعة شهور وكذلك فعل ذلك البطل وهو بالبلاد الشامية سنة ثلاث وثمانميه مع القاضي ولي الدين عمدة المؤرخين أبي هريرة عبد الرحمن بن خلدون أغرقه الله في فلك رحمته المشحونوقد سأله عن أحوال بلاد العرب وما جرى فيها من صلح وحرب وما وقع فيها من خير وشر ونفع وضر ثم أنه اقترح عليه وتقدم بالأمر إليه يوضع أوضاعها ورسم مدنها وقلاعها وحصونها وضياعها وتخطيط ولاياتها وأشكالها وهيآنها فامتثل ذلك وأبداه وعلى حسب ما اختاره واقترحه أنهان وبين ذلك مثل ما ذكره أعلاه فشاهد أوضاعها وخبر وهادها وبقاعها كأن الحائل رفع من البين وعاين ذلك الإقليم بالعين فانظر إلى هذا الأعتمي وهو سطيح نصف آدمي وهمته العالية كالبرق تضرب تارة في الغرب وأخرى في الشرق

стр. 299

(وإنما أوردت) هذه القضية ليقف سامعها على مقدار الهمة العلية فلا يرضى الملك الهمام بالمنزلة الدينية ولا يقنع بالدرجة الوطية بل يجتهد في تكثير الجند والرعية وفتح الأقاليم العربية والعجمية ولا يقتصر على الحالة السوية وإنما يلازم طلب الارتقاء بكرة وعشية ويكون سعيه كالشكر يطلب المزيد وكما يستديم طلب الزيادة من مولاه يستديم زيادة العبيد والافينسب إلى قصور الهمة وإفلاس الذمة ونقصان الحرمة وبطلان الحشمه وأعظم بها من وصمه وبالعجز والتقصير يضيع حقوق الملك الخطير وتجد الرعية للطعن مقالاً وفي ميدان الأعراض عن الملك مجالاً وهذا خلاف موضع الإمامة وعكس ما تقتضيه الرياسة والزعامة فان موضع السلطنة أن يتعاطى الملك مهما أمكنه من أسباب الفتح والفتوح وما يستميل به من الرعية القلب والروح وذلك بالإحسان والإكرام والبذل والإنعام فبه تقوى رغبتها وتزداد محبتها فإذا لم يكن ذلك فل المملوك عن الممالك واسمع قول الأديب ذي الرأي المصيب وهو: إذا أهملت أمر العبد يوماً ... وقصرت العليق عن الحمار توقف في المسير أبو زياد ... وقام العبد يجري للفرار وقيل (والدر يقطعه جفاء الحالب) وقال أشرف جنس الإنسان علو الهمة من الإيمان فالرأي السديد عندي والذي بلغ إليه جهدي إنفاذ هذه العزيمة وسلوك طريقها القويمة وإبرازها من مكان القول إلى ظواهر العمل والحول والاعتماد على ما قيل:

стр. 300

فلا تثن عزمك خوف القتال ... بسمر دقائق وبيض حداد عسى أن تنال الغنى أو تموت ... فعذرك في ذاك للناس باد فان لم تنل مطلباً رمته ... فليس عليك سوى الاجتهاد فأقبل الملك على المقبل وقال توجه بكليتك علي وأقبل شعر: ولا تبق مجهوداً برأيك أنه ... سديد ومن يقف السديد سديد فان القلب قد مال إلى العزم والأخذ في التوجه بالحزم وترجح جانب الوثوب إلى جهة هذا المطلوب فأمعن النظر وأجل قداح الفكر ولا تخف رأياً بسنح في أي جهة ترجح فقال افعل بشرط أن يقبل أعلم زدك الله علماً وفضلاً وكرماً وحلماً أن الذي رآه العلماء وأشار به ذوو الحنكة من الحكماء أن من طلب وفور خيره وفائدة نفسه في مضرة غيره لا يتمتع بتلك الفائدة ولا تثمر معه تلك العائدة وهو أعلى تقدير حصولها والاستيلاء على فروعها وأصولها وإن لم يظفر بها فلا تستفيد النفس غير كربها مع زيادة الحسرة وسوء الصيت في الشهرة ووفور الندم وزلة القدم وكل من أراد تمشية هواه ولم يلتفت إلى ما سواه ورأى نفسه أحق من غيره فلا تطمع أبداً في خيره ولا يكاد يسلم من الانكاد ولا يصفو له زمان ولا تدوم له أخلاء وأخوان ولا تزال ديم الهموم من غمام الغموم تهمي على حدائق آماله وتسقي مزارع أحواله إلى أن تحظل نخلات نيته وتيبس حقول طويته ويحصده حراث الفنا ويدرسه دارس الردى ويذري حبات وجوده الهوان

стр. 301

في الهوى وينقل عن بيدر الشقاء إلى طاحون البلاء فهناك يجدح سويق أفعاله ما يزيغه فيحسوه ويتجرعه ولا يكاد يسيغه ويصهر به ما في البطون ويقال له ذوقوا ما كنتم تكسبون هذا وإذا كان الدخل لا يفي بالخرج وخيف من ذلك وقوع هرج ومرج فبحسن التدبير يتصرف الملك الخبير وبكفاية الوزير وتوفير المشير يجل الحقير ويكثر النزر اليسيركما قيل: قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد وبالخلق الحس وحسن السياسة تملك رقاب أولي الرياسة فضلاً عن العوام وهذا بحسب المقام ولا يتصور أن مجرد المال هو شبكة صيد الرجال فان حفظ الممالك هو وراء ذلك وقد قال رسول خلاقكم أنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم وشيء يحتاج تحصيله والانقطاع إلى وصوله إلى بذل أموال وأرواح وكد نفوس وأشباح وأتعاب خيل ورجال وارتكاب شدائد وأهوال وبعد حصوله يتكلف في محافظته وحراسته وملاحظته إلى تحمل هموم وغموم وكلامه وكلوم وآخر الأمر يخرج من اليد ولا يبقى إلا النكد والكد فتزول في الدنيا اللذات معاناة الكدورات وتجرع الغصص والمشقات وتبقى في الآخرة التبعات لجدير بان لا يلتفت إليه ولا يعول عليه ولا يهتم له بشان ويستغني عنه وأن احتج إليه بقدر الإمكان والأفمثل الذي يعلق به فؤاده ويربط بدوامه وبقائه اعتقاده ويتصور ذلك بفكره الفاسد ونظره الكاسد كمثل كسرى لما مات ولده وتفتنت عليه كبده وحصل له عليه الاضطراب ورده عن خطئه الهلول إلى الصواب فسأل أبو الحجاج أخاه المحجاج عن بيان هذا الأمر وكيفية إطفاء هذا الجمر

стр. 302

(فقال) المقبل ذكر محدث معدل أن كسرى كان له ولد قد سكن منه سويداء الخلد يخجل البدر ليلة تمامه ويستميل الغصن حاله قيامه وكان يحبه حبا جاوز النهاية وتعدى الحد والغاية وكان لشدة شغفه استبعد حلول تلفه بل أحال وفاته وأذهله عن درك الحق وفاته فأدركه الأجل المحتوم واستوفى مداه المعلوم فاضطرب كسرى لونه واصطدم بصخور فراقه واصطلم ولم يقر له قرار ولا طاعة اصطبار فوعظه العلماء فما أفاد وثبته الحكماء بضرب الأمثال فأعياهم المراد وكان في بلده رجل بهلول يتردد إليه ويدخل في أكثر أوقاته عليه فيلاطفه في محاروته ويبتهج بكلماته في مخاطبته فدخل عليه البهلول وهو كئيب ملول لا تسر حاله صديقاً ولا يهتدي إلى السكون طريقاً فسأله عن حاله وما أوجب توزع باله وتغير أقواله فقال يا بهلول عدمت ولدى وقرة عيني وراحة روحي وجسدي (شعر) : لا صبر يجدي على فراقه ... ولا معين على احتراقه وقلت: أواه من فرقة الأحباب أواه ... لقد كوى من حشا قلبي سويداه قال البهلول نعوذ بالله من ساعات الذهول يا ملك الأنام أن عيسى ﵊ شكا إليه بعض حواريه شيأ يشابه ما أنت فيه فقال ﵇ كن لربك كالف الحمام يذبحون فراخه ولا يفارق مناخه ولا ينفر عنهم ولا يشكو منهم ثم أن البهلول قال وأنا إليك سؤال فاجبني بجواب شاف فانك ذو ألطاف فلا يكن فيه جراف

стр. 303

فقال سل فكلامك لا يمل قال أكنت ترجو أن ولدك لا يموت أبداً وأنه يصير في الدنيا مخلداً فقال لا ولكن أردت أن يبق مده ويتمتع بشبابه وبنعيمها عنده ويلتذ بطيب المآكل والمشارب ويقضي من أواطار الشباب المآرب ويؤنس أنداده وصحبه ثم يقضي بعد ذلك نحبه قال هب أنه عاش مهما رمت وقام وقعد في الدنيا كما قعدت وقمت وعاش العيش الطيب وهمي عليه من سما ملاذها الوابل الصيب وحصل له من العيش الهني والعمر السني أمثال الجبال وأعداد الرمال فعند مفارقة العيش وحلول الخفة والطيش هل يدفع عنه ذاك شراً أو يرفع عنه بؤساً وضراً أو يجلب له نفعه أو يذهب من ذلك شيء معه أو يفيده أدنى فائدة أو يعود عليه منع عائده قال لا قال فلا تاس على معاش يكون عقبى أمره إلى لاش وعمر ذاك مصيره وسواء طويله وقصيره وكثير تنعمه ويسيره (شعر) : وإذا كان منتهى العمر موتاً ... فسواء طويلة والقصير (غيره) : فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما شئت من صيت وصوت فحبل العمر موصول بقطع ... وخيط العيش معقود بموت فهب أنه عاش ونهب الملاذ وحاش وعلا في ارض التنعم وغلا وجاش كل ذلك في المقدار على حسبما تختار وأنه جاءه القضا وقد قضى وطره ومضى ثم قضى تحبه وقضى فجبر الكلام كسرا وسرى عنه همه وأسرى وقال الآن سكنت فنعم الناصح أنت

стр. 304

(وإنما أوردت) هذا التنبيه أيها الملك النبيه لا عرض على الخواطر السعيدة والآراء السديدة والآراء الرشيدة أن الأقتصار عن هذا أولى وأليق بالركون تحت إرادة المولى قال المدبر المفنن المعبر ثلاثة أشياء ينبغي لطالبها أن لا يفتكر في عواقبها الأول الأسفار في البحار والغوص فيها إلى القرار فان طالب الجواهر النفيسة ومن قصد أن يكون في صدر التجارة رئيسه لا يخشى من الغرق ولا عنده من ذلك فرق فهذا يعبى بضائع المال وذاك يغطس إلى قعر الأوحال وكل منهما لا يتفكر في العاقبة والمآكل الثاني المقدم على الحرب والرشق والطعن والضرب ومصارعة الأبطال ومباشرة أسباب القتال لا ينزعج لصوت ولا يفتكر في الهزيمة والجراح والموت والثالث طالب الرياسة والملك ذي السياسية لا يفتكر في الاقتحام ولا يتوانى في الأقدام ولا يتأمل في العواقب ولا يلتفت إلى المناقب ويلقي نفسه في الأخطار ويضرب إلى أعماق الأقطار ويجعل جل همه بلوغ الأوطار وقيل: بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلى سهر الليالي تروم العز ثم تنام ليلاً ... يغوص البحر من طلب اللآلي وقيل: إذا هم ألقى بين عينيه عزمة ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا قال المقبل الحكيم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم أولوا الألباب المميزون بين الخطأ والصواب الناظرون من مبتدأ لأمور في أعقابها المستبصرون قبل وقوعها في مآلها ومآبها الآتون بيوت النوائب والنوازل من أبوابها قالوا إذا تحمن أبو الحصين وأغلق عليه من وراء

стр. 305

جدار بابين صم حاصره أسد من خارج ساوت قوة الخارج قوة الوالج ولا شك أن حركة العساكر وقطع الفيا في والدساكر والتوجه إلى قتال من هو ساكن في سربه محتاط في إقليمه ودربه متحصن في قلاعه متدرق بحجفة امتناعه يحتاج في الأموال إلى إخراج وفي الرجال إلى إزعاج وتحمل أخطار وتجشم أسفار وأخذ ضعفاء تحت أقدام وهدم دور وقطع أرحام ومع هذا كله حصول المقصود موهوم والظفر به غير معلوم فان حصل فقد مر أن لا ثبات ولا تمنع وأن احتجب فهو وراء ستر التمنع فكم من دماء حينئذ تراق وقد كانت مصونة وأموال تهدر وقد كانت مضمونه وأعراض تهتك وقد كانت محترمة وأنفس تذل وقد كانت عزيزة مكرمه والحق في هذا متضح ومن نجا برأسه فقد ربح وقد قدمت هذا التقرير وهندست هذا التقدير لأن العاقل الماهر في التجارة كما يحسب الربح يحسب الخسارة وكل هذا في العاجلة فصلا عن المحذورات الآجلة من غضب الله وعقابه وتوبيخه وأليم عذابه وإذا خرج الأمر عن اليد ودخل على القلب الاشتغال بالنكد وذهب المال والمنال ونقصت الأهبة والرجال وتناقص العدد والعدد وتناكص المدد والمدد فأي حرمة تبقى للملك عند الرعايا وقد قلت عنهم منه الأرفاد والعطايا وكيف يستقر ملكه أو يدور على فلك الثبات فلكه فلا تخافه الرعية ولا يرجونه ولا يسمعون كلامه ولا يطيعونه ويصير كالسحاب الخلب لا يوثق منه بوعد ولا يحصل منه مطلب أن تكلم عابوا كلامه وأن حكم نقضوا أحكامه وأن حلم قالوا عاجز وإن تقدم في الحرب قالوا مجنون مبارز

стр. 306

وأما الغني ذو المال فهو على عكس هذه الأحوال فان رأوا منه فضلاً كان لكل مكرمة أهلا فرفعوه إلى العيوق وكان العظم المرموق أن أعطى قليلاً استصغر واحتما عنده وأطنبوا بلسان الثناء في شكرهم رفده وأن يخل قالوا مدبر لا يضيع ماله وإن كذب صدقوا قيله وقاله وفي الجملة حركات الغنى مستصوبه وكلماته مترشفة مستعذبة وقد قيل: إن ضرط الموسر في مجلس ... قيل له يرحمك الله أو عطس المعسر في مجمع ... سبوا وقالوا فيه ما ساء فمضرط الموسر عرنينه ... ومعطس المفلس مفساه وكما قيل: الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسود غير السيد المال ولقد رشفت من أفواه الحكماء ونصائح البلغاء بل شاهدت من النوائب وتلقفت من ذوي التجارب وتحققت في الدهر أبا العجائب أن الفقر شيب الفتيان وسقم صحيح الأبدان ومبعد الأقارب وجاعلهم أجانب وقاطع الأرحام ومانع السلام ومبغض الأحباب ومفرق الأتراب ومشتت شمل الأصحاب وبالجملة فالذي يجب على ولي الأمر التأمل في قصارى هذا الأمر والتفكر في عاقبة هذه الحركة وما يحدث فيها من شؤم وبركه وأن يجبل قداح التدبر والتبصر والتصبر ويثبت في صدر هذا المورد المضيق وما فيه من مجال أو ضيق ولا يعتمد فيه على القوة والحول وأسباب الطول وكثرة الشوكة والعدد وإمداد العدد والمدد مع عدم الاكتراث بالأخصام وقلة المبالاة بكل أسد ضرغام فان الأسد سلطان السباع وملك

стр. 307

عظيم كثير الجند والأتباع شجاعته مشهورة وشهامته مأثورة به يضرب المثل ويشيه كل بطل ونحن وإن كان لنا عساكر كالجبال تهدم الحصون وتدك القلال لكن ما جر بنا مصارعة الأسود ولا مارسنا مقارعة النمور والفهود ولا نعرف طريق بلادهم ولا طريقة جدالهم وجلادهم وأن لهم في الحروب أساليب وفي افتراس الفرائس أنياب ومخاليب أن لا تتم هذه الأمور وتقصر حبالنا عن مصادمة مالهم من قصور فيرجع وبال هذه الأمور علينا إذ ابتداؤه أو لا منسوب الينا ولا تحصل إلا على الندامة والتوبيخ والملامة ويخطبنا الجد الوبيل بما قيل: تبني بأنقاض دور الناس مجتهداً ... دار استنقض يوماً بعد أيام وقال المدبر ولا شك أن جوهر هذا النظام وعقود هذا الكلام صادر عن فكر بعيد ورأي سديد وأمر رشيد وتأمل في العواقب مفيد أصله الحكمة وفرعه الشفقة وزهره المعرفة وثمره الفطنة ولكن من حين استولى على الملك كيومرث ومرث على سرير التحكم أصبع الولاية أبلغ مرث وسن قواعد السياسة وأسس بنيان الرياسة وذلك زمان الأبتداء وأول ما تملك على الدنيا وإلى هذا اليوم لم يزل القوم من الملوك في روم وطلب الزيادة والسوم ولا عتب في ذلك ولا لوم وقل لي أي ملك مالك تحكم في الممالك وسلك فيها المسالك ولم يقصد فيها الولايات الشاسعة ولا الأقاليم الواسعة ولم يطلب الترفع على الأقران وعلو المكان بقدر الإمكان والملك عقيم والعاجز سقيم وكيف يتصور أيها الملك الأكبر أن تكون همة الملك أدنى من همة تاجر في البحر ينهمك فان التاجر إذا افتكر في لذة الفائدة وما يعود عليه

стр. 308

العائدة وغرته كما يقال التسع أواق الزائدة يضع جميع ماله وما تصل إليه يده من خدمة ورجاله في الفلك المشحون ولا يرهب ريب المنون ويركب هو أيضاً فيه ولا يلتفت إلى عجائب دواهيه ولا يفتكر في الغرق ولا في جبر السفينة ولو نخرق ويسلم قياده إلى متصرف الهواء ونفسه وماله إلى حاكم الماء ودونك يا ذا الحشمة والوافر الحرمة ما قاله العاشق العالي الهمة: إن تهو بدر فليكن ... ابن الخليفة ذي السرير أو ابن سلطان الورى ... أو ذي الوزارة أو أمير وتجنب الأوغاد والغوغا وذا القدر الحقير إن الخطير هو الذي ... قد قام بالأمر الخطير وأما قولكم عساكرنا أغمار لا دراية لهم بتلك الديار ولا معرفة لهم بمصادمة الأسود ومقاومة تلك الجنود فاعلم أيها الوزير الفاضل الكبير إن الأسد ملك كاسر وعلى سفك الدماء حاسر وأن في رعيته من آذاه وأنكاه في ذويه وأبكاه وكسره جبراً واسترعاه قسراً واستولى عليه قهراً فهو منتظر تنفس الزمان مترقب انقلاب الحدثان متوقع أيها الفضيل معنى ما قيل: إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ ... نصيب ولا حظ تمنى زوالها فإذا سمع بأحد خرج على الأسد ولو كان أقل الأعوان فضلاً عن ملك الأفيال بل قيل الأفيال الفاضل في ذاته الكامل في صفاته العادل في رعيته البار بأهل ولايته المحسن إلى أهل مملكته المشفق الحليم الرؤوف

стр. 309

الرحيم فبالضرورة يبادر إلى الملاقاة ويسارع إلى ما كان يتمناه ويغتنم عبودية الملك وبعدها غاية مرتجاه فيدل على عورات العدوة ومظان عثراته ويرشد إلى طرائق نكاياته ونكباته ويناديفي النادي نلت مرادي على رغم الأعادي ويعلن بإنشادي للحاضر والبادي: إذا كان للإنسان في دولة امرئ ... نصيب وإحسان تمني دوامها وأيضاً في ذلك الإقليم من متشبث بأمر جسيم وهو ماله من مال وأولاد واقطاعات وعقار وبلاد وسوائم ومواش وأثقال وحواش فلا يمكنه التحول عن طريقنا ولا التحمل لوعودنا ويروقنا ولا قوة المقاومة ولا طاقة المصادمة فبالضرورة يصانع عن تعلقاته وينشبث بذيل سنتنا مع الجماعة فنستمد بآرائه وروائه ونستفيد فيما نحن بصدده دواء لدائه فقال الملك للمقبل ما الجواب عن هذا الخطاب فقال هذا المقال وإن كان لا يخلو عن الاحتمال ووقوعه غير محال لكن الأقرب إلى الذهن إن هذا لا يقع لأنه أمر مبتدع ولأن طبائعنا مخالفة لطبائعهم وأوضاعنا غير أوضاعهم وناهيك إن كلاب الحارة في النهب والغارة يمزق بعضهم بعضاً ويتناحرون فيما بينهم حرصاً وبغضاً حتى إذا دخل بينهم ذيب أو حيوان غريب توجهوا إليه واتفقوا عليه فمزقوا أديمه وهتكوا حربمه وجعلوا لحمه لجماعتهم وليمة وعند الأسد من الوحوش أنواع ما بين سباع وضباع ونمور وذئاب وقرود وذباب وفهود وكلاب كلهم على طباعه متفقون على اتباعه وإن اختلفت عليهم الثياب لكن الكل كلاب أولاد كلاب وكل من هؤلاء على ما هم عليه متفقوا الأهواء له على خصمه في مجادلته وخصمه دربة في المساورة ووثبة في المغوره وأنواع في الكر والفر

стр. 310

وروغان في الخير والشر ومداخل ومخارج ومدارك ومعارج وليس في عساكرنا سوى الصدمات والحطم بقوة النهضات والعزمات فأن أفاد هذا الاصطدام وإلا فما ثم إلا الأنهزام فلما بلغ المقبل في الكلام إلى هذا المقام وكان رسخ في قلب الملك من كلام المدير الوسخ فما أثر نصح المقبل وما أفاد لأن النفس بطبعها مائلة إلى الفساد فشرع الملك واعتمد على التوجه إلى بلاد الأسد وأمر رؤساء فيلة الهنود بجمع العساكر والجنود وأشيع ذلك في أطراف الممالك فاطلع على هذه الأحوال غراب يكنى أبا المر قال كان له وطن وولد وسكن في ممالك الأسد لكنه قدم جزيرة الأفيال للتنزه على سبيل التفرج والتفكه فشرع يتأمل في هذه الأمور ويستنتج من قضاياها ما يتولد من سرور وشرور فانتهى سابق أفكاره في ميدان مضماره إلى أن هذه القضايا تسفر عن بلايا ورزايا وإراقة دماء وخراب أماكن وهلاك رعايا سواء تمت للأفيال أو رجعت عليهم بالوبال فخاف على سكنه ودمار أهله ووطنه فادى فكره الأسد أن يطلع على ذلك الأسد ليتداركه بحسن آرائه ويعترف للغراب بحسن وفائه فبكر بكوره وقصد دوره فوصل في أقرب زمان ونادى الريبال أبا الزعفران وقال الله الله أني أنا النذير العريان وأطلع الأسد على هذا النكد وقرر معه حقيقة الأحوال وما عزم عليه ملك الأفيال فتشوشت لذلك الخواطر وتصدعت لخوفه الأكابر والأصاغر ثم أمر السباع وطوائف الوحوش بالاجتماع مع رؤساء مملكته وأساطين خاصته ورعيته وذكر لهم هذا الأمر المهول وما عزم عليه ملك الفيول وأذن لكل واحد منهم في ذلك بما يقول فوقع الاتفاق من أولئك الرفاق أن يتفق أعيان كل جنس من الحيوان على رئيس من جنسهم يقيمونه مقام نفسهم يرضون بأقواله ويقتفون

стр. 311

آثار أفعاله وليكن من أهل الحصافة والكفاية واللطافة والدراية والشفقة العامة والمعرفة التامة بعقد معهم للمؤامرة مجلس رأي ومشاورة فمهما وقع عليه الاتفاق واجمع عليه الرفاق واستثصوبه الأسد وارتضاه اتبعوه وعملوا بمقتضاه فتقدمت طائفة الآساد إلى تاج منها نهاد سبع يسود على طوائف الأسود طالما افترس الأقران وانغمس في دماء الشجعان وأضاف جوارح الصيد فضلات ما افترسه من عمرو وزيد كاسر جاسر باسل باسر حاسر قاسر ظاهره أبي وباطنه بالمكر غني: أسد يسود على الأسود زئيره ... رعد وعيناه بروق وتخطف فقدموه واختاروه واستشاروا رأي رأيه وامتاروه واختارت النمور نمرايمور سريع الوثبة بديع الضربة لطيف الحركات خفيف النهضات قوى الشماس خفي الاختلاس كثيراً ما كسر أسامهوسامي اسود خفان فاسر ضرغامه كما قيل: نمر تخاف الأسد من وثباته ... وتحار في حركاته وثباته وقدمت الثعالب ثعلباً لطيف الروغان ظريف الزوغان خفي الحيل قوي الميل طالما فر من طبل وأهل على الصيادين من أهوال وأحرق السلوقيات سلاحه ونفذ في غالب الأسود بالمكر سلاحه: يضل بني سلوق من دهاء ... فيخلص من مخالبها سليما

стр. 312

واعتمدت الذئاب في هذا الباب على ذئب فعله عجيب وأمره غريب سديد الختل والختر شديد المكر والكسر طالما أفسد ثله ودخل في قطيع ماشية فقطعه كله يعجز الأسود والنمور والفهود شيمته الغدر والخديعة ودأبه المكر وسوء الطبيعة شعر: وقد جمع الضدين نوما ويقظة ... يخاف الرزايا فهو ويقظان نائم فاختلى بهم أبو الأشبال وشاورهم فيما دهمه من الأهوال ونوجه بالخطاب إلى الأسد وقال ما رأيك في هذا النكد فقال لا تطلب النصر في هذا الحصر إلا من مالك العصر ومصرف أحوال الدهر بين الفرج والقسر وهو الله وعز شأنه وجل جلاله فأنا مظلومون وهم ظالمون ونحن ما اعتدينا عليهم ولا تقدمنا بالظلم إليهم فسيرد الله كيدهم في نحرهم وسحيق بهم عاقبة مكرهم وهذا أمر مقرر وأظنه هو المقدر وأما ما يتعلق بنا وبهم من الفرار والصلح أو حربهم فاذكره على التفصيل وأخبر في ذلك الرأي الجميل أما الفرار فلا سبيل إليه ولا معول أبداً عليه وأني ذلك وهو عيب ما وصمت به الأسود ولا لهم به وصف معهود وبنا يضرب المثل في الشجاعة والبسالة وتتشبه بنا الأبطال في الأقدام لا محالة وكيف نترك بلادنا وأهلنا وأولادنا من أول وهلة ونعزم على الرحلة ولا صادمناهم ولا واقفناهم ولو فعلنا ذلك فهربنا وتركنا مالنا وذهبنا لفسدت أمورنا وخربت ممالكنا دورباً ولا نفرط نظامنا وتعوج قوامنا واستمرت هذه الملامة إلى يوم القيامة ولدام علينا هذا العار ولا يقر لنا بعد ذلك قرار وأعلم أيها الملك نو والله وجه السرير بك أن العمر السنى ما مر في العيش الهني وقد قيل: ما العمر ما طال به الدهور ... العمر ما طاب به السرور

стр. 313

والعمر الذي يمر في نكد لا يحتسبه من ذوي الكفاية أحد وحسبك ما ذكره المترجم من حكاية الملك المعزول مع النجم فسأله أبو الأشيال سرد هذا المثال (فقال) الأسد ذكر القائل أن أهل بابل كانت عادتهم في دينهم وسلوك طريقهم مع سلاطينهم أنهم إذا اعتنوا بشخص ملكوه واتبعوا طريق أمره وسلكوه وبذلوا في طاعته ما ملكوه فإذا أرادوا عزله تركوه ونشزوا عنه وفركوه وأهملوا إحسانه وفذلكوه وسكنوا غيره في سرير الملك وحركوه فاتفق أنهم ولوا واحداً وأعزوه ونصروه ثم خذلوه وأقبلوا عليه أولاً ثم قتلوه وكانت مدة ما بين ذلك يسيره وعمر أيامه في ولايته قصيرة فحصل له أولاً السرور ثم تراكمت عليه بالعزل الشرور فاحتوشته الفكر وبات يصارع القضاء والقدر ثم قال لو راقبت في أول الجلوس ما في الطالع من سعود ونحوس ثم اخترت لساعة ارتقائي وقتاً يطول فيه بقائي وذلك يكون نجمي في برج ثبت لما انقلبت كواكب سعدي عن الاستقامة ولا نبت ولكن حيث فات ذلك في الابتداء فاندراكه في الانتهاء فلعل ذلك يفيد ويردني إلى سرير السرور يعيد ثم طلب منجماً حاذقاً ماهراً فائقاً وقال انظر في طالع جدي وتأمل برج نحسي وسعدي واختر لي ساعة يصلح فيها النزول عن السرير ويكون العود إلى السرير بواسطة الناظر إليها غير عسير فان الناظر إلى الطالع هو الجالب والمانع فامتثل المنجم ما رسم وشرع في وضع الأشكال والقسم ثم قال أحسن ما نظر في الطالع المسعود من حين الميلاد فانه أول الوجود فإذا أخذ الطالع سن ساعة الميلاد ترتب عليه ما

стр. 314

يصدر على ذلك المولود من السعد والإسعاد ومن الخوف والرجاء في عالم الكون والفساد فهل اطلع الملك في أي ساعة وجد وكم أتى عليه من حين ولد قال نعم أعرف مدة عمري جزماً وهي اثنان وعشرون يوماً فتعجب المنجم من مقاله ولم يقف على حقيقة حاله فقال ليوضحالملك ما أشار لأقف على حقيقة هذه الأسرار فقال مدة استيلائي على السرير هو هذا القدر اليسير وأنا لا أحسب العمر ولا أعتد بوصال بيض ولا سمر إلا هذه الأيام والليالي ولا أحتسب سواها عمرا ولو بيع باللآلئ وقد قلت: وعمر مضى بالهجر لست أعده ... ولكنني أقضيه في زمن العمل وإنما عرضت يا بطل على رأيك السعيد هذا المثل لتعلم أن أيام المحنة لا تعد عمرا ولو قضى الإنسان فيها زمانا طويلا ودهرا وأما الصلح يا ذا الركون فعلى أي وجه يكون ومن أين يقع بيننا وبينهم اتفاق وسكون وليسوا من جلدتنا ولا على ملتنا وفي عصر وأوان ذل الأسد واستكان وخضع للفيل ودان أو أعطى الغضنفر النباج والضرغام الصعب الناج لغيره الجزية والخراج وهو في الحقيقة سلطان الوحوش ووهاب التاج فلم يبق إلا الاستعداد للمصادمة والتأهب للمقاحمة والمقاومة ولنا من ذلك في البين إحدى الحسنين أما الظفر بهم وهو المرام وأما الشهادة فنموت ونحن كرام وقد قال السيد السديد من قتل دون ماله فهو شهيد وقيل يا حاتم طي: حسن الثناء على الميت خير من سوء الثناء على الحي والموت في مقام العزة مع النشاط والهزة أرفع من الحياة بذلة ووخزة وكسرة ونخزة وقد كنت أنشدت وقديما أرشدت:

стр. 315

هو الموت إن لم تلقه ضاحكا فمت ... عبوسا بوجه أفتر اللون أغبرا ومن لم يمت في ملتقى الخيل مقبلا ... عزيزا يمت تحت السنابك مدبرا فأقبل الريبال على أبي مرسال وقال أيها النمر وصاحب الخلق الزمر ماذا نشير في هذا المهم والمشكل الذي دهم فقال إن الأفيال أكبر جسوما وأعظم حلوما وأقوى في الضرب وأعدى في الحرب وقد استعدوا وأقبلوا واتقنوا أمورهم وأعملوا وأنا أخشى أن يكونوا أقوى بطشا وأن نعجز عن المقاومة في المصادمة فإن فينا العاجز والضعيف والذميم الجثة والخفيف ومن لا عرف الأفيال ولا رأى تلك الأشكال فينفر من مصادمة الجبال فيطؤننا تحت أخفافهم وتنكسر شوكتنا في أول مصافهم فلم يبق إلا الفرار ولا يقر لنا بعد ذلك قرار فيستولون عنوة وقسرا على هذه الديار وينفرط النظام ونرضى عند ذلك بالسلامة والسلام ونقع في البلاء العريض الطويل وانظر يا مولاي إلى ما قيل: هل للمرائر من صون إذا وصلت ... أيدي الرعاء إلى الخلخال والخدم فعندي الرأي ذو الأصالة أن ينتخب الملك من يصلح للرسالة ويحسن السفارة ويحسن العبارة فيسكن من فوره شغبهم وثورة لهبهم وسورة غضبهم ويعدهم ويمنيهم ويحسن التقريب ويقصيهم وفي ضمن هذه الأوقات وأثناء هذه الحالات يراقب أوضاعهم ويخبر جمعهم وأجماعهم ويتوصل إلى أسرارهم ويواصلنا بأخبارهم ويطالعنا بمخامر أفكارهم ويكتب ما قدموا وآثارهم ونستمر على المراسلة والمقاومة والمطاولة فإن تيسر رجوعهم وانكشف بالهوينا جموعهم وإلا فنكون قد استعددنا عن الاستبصار فنتعاطى أمور قتالهم بعد التأمل والاختبار وإن أمكننا أن نأتيهم

стр. 316

بالليل ونحل بهم الدواهي والويل بعد أن يركنوا إلى جانبنا ويأمنوا من نوائب مصائبنا فربما نصل إلى بعض القصد أو يوافق بعض حركاتنا السعد فالتفت الدوكس إلى العلمس وقال أي سيد وذا الأمر الرشيد ماذا ترى فيما طرأ وكيف طريق القوم فيما جرى قال السمسام يا مولانا الضرغام الذي سمعته من أولي التجارب وتلقفته من الأصحاب والأجانب أنه من التوفيق إذا ابتلى الشخص بعداوة من لا يطيق أن يدافعه بالهدايا والتحف ويحابيه بشيء من الظرائف والنتف فإنه قيل في الأمثال إن خير الأموال ما ادخر لدفع البؤس ووقيت بنفائسه النفوس فأهب النهاب بأبي وثاب يا أبا الحصين ما رأيك في البين وأي آراء الأصحاب أقرب إلى الصواب فتقدم الثعلبان وتكلم فأبان وقال أسعد الله الأحد مولانا الأسد وجعل رأيه الأسد وفعله على أعدائه الأشد اعلم أيها الدلهاث أن أمورنا لا تخلو عن إحدى ثلاث أما المقابلة بالمقابحة وأما المهادنة والمصالحة وقد تقرر فيما تقدم وتحرر بيان كل منهما وما يصدر فيهما وعنهما وأما الفرار وتولية الأدبار وترك الأوطان والديار فأف لذلك من عار وسبة وشنار فما بقي إلا الحالة الثالثة وهي بعساكرهم عابثة

стр. 317

ولقلوبهم كارثة وهي طريقة الاحتيال والتوصل إلى لقائهم بطرائق المكر في جب الوبال فإن صائب الأفكار يعمل ما لا يعمله الصارم البتار فبشباك الحيلة تصاد كل فضيلة وتهون كل جليلة وأنا أفصل ما أجملت وأبين ما فصلت أما المقابلة والأخذ في أسباب المقاتلة فلا طاقة لنا به ولا باب لدخول قبابه لأنا عاجزون عن المصادمة قاصرون عن المقاومة محتاجون إلى الطعام والشراب وبعض عساكرنا لا يعيش إلا باللحم والكباب وجيشهم الذي قد ملا وسد الوهد والفلا يقنعون بالحشيش والكلا فلا يتكلفون لحمل زاد ولا يحتاجون إلى عدة وعتاد وأيضا أحوال عساكرنا المفرقة المضمومة لاختلاف أجناسها وأنواعها غير معلومة فلا اعتماد عليهم ولا يتحقق الركون إليهم فإنهم أجناس مختلفة وطوائف غير مؤتلفة وبينهم معاداة وفي جبلتهم النفرة والمنافاة وبعضهم غذاء بعض وفي قلبه منه العداوة وبغض لو ظفر به كسره وأكله وإن استبصر به خذله فهم كالقفل المجمع ولون اتفاقهم ملمع وأما عساكر الأفيال فبينهم اتفاق على كل حال لأنهم جنس واحد وما بينهم مخالف ولا مناكد ولهم اعتماد على قوتهم وعلى اتفاقهم وشوكتهم والمعتمد على مثل عساكرنا إن لم يضبط بطريقة كلية أمر عشائرنا ينفرط أمره ويخمد في إيقاده نار الحرب جمره ويعلوه من بحر النوائب غمره ويظفر به أعدائه زيده وعمره ويصيبه من الحطة ما أصاب الصياد من القطة فسأل أبو الحارث عن بيان هذا الحادث قال الثعلب ذكر أن رجلا ذا كيد كان مغرما بالصيد وكان عنده قط صياد يجترئ على النمس والفياد فكان يوما بين يديه فمر عصفور عليه فطفر كالنمور وحصل من الهواء العصفور فأعجب به

стр. 318

صاحبه ثم قصد الصيد وهو مصاحبه وحمله تحت إبطه وبالغ في حفظه وضبطه وركب جواده وتوجه يروم اصطياده فرقى سفح جبل فخرج من وراء صخرة طائفة من الحجل فتوجه إليه وألقى القط عليه فطار الطير وخاف القط وقصد رجوعه إلى تحت الإبط فطفر إلى جبهة الجواد وأنشب فيها مخاليبه الحداد فجفلت الفرس من القطة وخبطت بفارسها الأرض شر خبطة أزهقت فيها نفسه وأبطلت حسه (وإنما أوردت) هذا المثل ليحترز أيها البطل في هذا الأمر من وقوع الخلل ويتفكر في أمر هؤلاء الجماعة وكيف ثباتهم في دعواهم السمع والطاعة فإنهم لا يصلحون للقتال خصوصا مصادمة عساكر الأفيال فالملك لا يعتمد على مثل هذا العسكر اللهم أن يتقرر أمرهم على صدق اللقاء ويتحرر وأما ذكره مولانا أبو سهيل في تبييت عساكر الأفيال بالليل فهو رأي معتبر ولكن فيه نظر لأن ذلك إنما يكون إذا كان العدو في سكون وعن توقع النكبات في ركون فبينما هم في غفلة ذاهلون جاءهم باسنا بياتا وهم قائلون وأما إذا كانوا مستعدين يقظين مجدين وقد توجهوا للقتال وانتصبوا للمناضلة على هذه الحال فلا شك أنهم اتقنوا أمرهم وأخذوا أسلحتهم وحذرهم فأعدوا لكل نائبة نابا ولكل نائفة بابا ولكل حرب حرابا ولكل ضرب ضرابا ولكل شدة سدة ولكل عُدة عِدة ولكل جزة جمزة ولكل وفزة فزة ولكل نفرة طفرة ولكل فرة كرة ولكل أزمة حزمة ولكل كسرة جزمة فربما يكونون افتكروا منا هذه المكيدة وأعدوا في مقابلتها داهية نصبوا لها مصيدة فنتوجه إليها غافلين فنشب في شركها

стр. 319

ذاهلين فيصيبنا من النكل ما أصاب الجمل من الجمال فقال الريبال هات يا أبا الترهات أخبرنا يا أبا نوفل أخبار الجمل المغفل (قال) كان جمال فقير ذو عيال له جمل يتعيش عليه ويتقوت هو وعياله بما يصل منه إليه فرأى صلاحه في نقل ملح من الملاحة فحد في تثقيل الأجمال وملازمته بإثقال الأثقال إلى أن آل حال الجمل إلى الهزال وزال نشاطه وحال والجمال لا يرق له بحال ويجد في كده بالاشتغال ففي بعض الأيام أرسله مع السوام فتوجه إلى المرعى وهو ساقط القوة عن المسعى وكان له أرنب صديق فتوجه إليه في ذلك المضيق ودعاه وسلم عليه وبث عظيم اشتياقه إليه فلما رأى الخزر هزاله وسأله أحواله فاخبره بحاله وما يقاسيه من عذابه ونكاله وأن الملح قد قرحه وجب سنامه وجرحه وأنه قد أعيته الحيلة وأضل إلى الخلاص سبيله فتألم الأرنب وتأمل وتفكر في كيفية عصر هذا الدمل ثم قال يا أبا أيوب لقد فزت بالمطلوب وقدظهر وجه الخلاص من شرك هذا الاقتناص والنجاة من الأرتهاص والأرتصاص تحت حمل كالرصاص فهل يعترضك يا ذا الرياضة في طريق الملاحة مخاضة فقال كثير وكم من نهر وغدير فقال إذا مررت في خوض ولو أنه روض أو حوض فابرك فيه وتمزق وتنصل من جملك وتفرغ واستمر يا أبا أيوب فان الملح في الماء يذوب وكرر هذه الحركة فانك ترى فيها البركة فأما أنهم يغيرون حملك أو يخففوه أو تستريح بذوبه من الذي أضعفوه فتحمل الجمل للأرنب المنة وشنف

стр. 320

بدر هذه الفائدة أذنه فلما حمله صاحبه الحمل المعهود ودخل به في طريقه المورود ووصل إلى المخاضه برك فضربوه فما قام ولا احترك وتحمل ضربه وعسفه حتى أذاب من الحمل نصفه ثم نهض انتهاضه وخرج من المخاضه ولازم هذه العادة إلى أن أفقر صاحبه وأباده فأدرك الجمال هذه الحيلة فافتكر له في داهية وبيله وعمد إلى عهن منفوش وغير في مقامرته شكل النقوش وأوسق للجمل منه جملاً بالغ فيه تعبية وثقلاً وسلط عليه الظمأ ثم دخل به إلى الماء فلما توسط الماء برك وتغافل عنه صاحبه وترك فتشرب الصوف من الماء ما يملؤه البرك ثم أراد النهوض فنأى به الربوض فقاسى من المشاق مالا يطاق ورجع هذا الفكر الوبيل على الجمل المسكين بإضعاف التثقيل فساء مصيره وكان في تدبيره تدميرء وما استفاد إلا زيادة النصب وأمثال ما كان يجده من التعب والوصب (وإنما أوردت) هذا المثل عن الجمل ليعلم الملك والحضار إن العدو الغدار والحسود المكار يتفكر في أنواع الدواهي ويفرع أنواع البلايا والرزايا كما هي الحال ويبذل في ذلك جده وجهده ولا يقصر فيما تصل إليه من ذلك يده فتارة تدرك مكايده وتعرف مصايده وتارة يغفل عن دواهيها فلا يشعر الخصم إلا وقد تورط فيها وعلى كل حال لا بد للشخص له وعليه من الأحتيال وأما طلب الصلح وإرسال الهدايا فمن أعظم المصائب وأكبر الرزايا فان ذلك يدل على عجزنا والخور وينادي على هواننا في البدو والحضر ويجرئ علينا الغريب ويذهب حرمتنا عند القريب ودونك
следующие страницы →