Полный текст (515 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
طائعاً مختاراً ليس إكراهاً ولا إجباراً أنه لا يسلك مع الجرذان إلا طريق الأمان والإحسان وأنه لا ينوء إليه بقصد سوء بحيث تتأكد المحبة وتزداد الصداقة والصحبة فرجع الجرذان وهو بهذه الحركة جذلان وصار كل يوم يأتي أبا غزوان بما التزم به من الغداء والعشاء كل صباح وعشاء إلى أن صح القط واستوى وسلمت خلوات بدنه من الخو والخوا وصارت المحبة تنعه بكل يوم عقد مجدداً ويزداد كل منهما في الآخر محبة وتودداً وكان لهذا القط ديك وهو صاحب قديم وصديق نديم كل منهما يأنس بصاحبه ويحفظ خاطره بمراعاة جانبه للديك تعويق عن زيارة الصديق فغاب عنه مدة وكل منهما للفراق في شده فلم يتفق لهما إلا وقد حصل للقط الشفاء وزال الشقاء فسأل الديك صاحبه بماذا صارت علته ذاهبة وذاك الهزال بأي شيء زال فاخبره بأحوال الجرذ أبي جوال وأنهى أمره من الأول إلى الآخر وبالغ في الشكر في الباطن والظاهر وأنه كان سبب حياته ونجاته من مخاليب مهلكاته وأنه لم يكن مثله في الأصحاب وقد صار أعز الأصدقاء والأحباب فغار الديك على الصاحب القديم وأختشى أن يفسد ما بينهما المفسد الذميم فضحك مستغرباً وصفق بجناحيه متعجباً فقال له مم تضحك فقال من سلامة باطنك وانقيادك لمداهنك وحسن صنائعك مع المنافق مخادعك ومكارم أخلاقك مع ناقض ميثاقك وإصغائك لهذا الخبيث بمشوه الكلام ومموه الحديث ومن يا من لهذا البرم الواجب القتل في الحل والحرم المفسد لفاسق المؤذي المنافق الذي خدعك حتى أمن على نفسه واستطرق بذلك التمكن من أذاه ونحسه فتسلط الأذى كما يختار وانهمك في الشر آمناً منك البوار كل ذلك بسببك
стр. 247
ومكتوب في صحائف كتبك مع أنك بمشكور ولا بالخير مذكور وأن الذي شاع وذاع وملأ عنك الأسماع أنك ستحل عقده وتنكث عهده وتنقض الإيمان وتجازي بالسيئة الإحسان وأنه لم ير منك ما يسره وهو متوقع منك ما يضره وأعظم من هذا أنه آذى وحشر فنادى وبالشر بادي فقال أنه أحياك بعد الموت وردك بعد الفوت ولولا فضله عليك وبره الواصل إليك لمت هزالاً وجوعاً ولما عشت أسبوعاً ولكنه أشبع جوعك وجلب هجوعك واستنفذ من مخاليب المنية بعد ذهابك رجوعك فشفاك وعافاك وصفا لك وصافاك وكفاك وأنك كافيته مكافأة التمساح وجازيت حسناته بالسيآت القباح ولم يكن لإحسانه إليك ولا لما من به عليك سبب ولا علاقة سوى طهارة نفس زكت أخلاقه ولا لإساءتك إليه سبب تنقم به عليه إلا ما أسداه من مكارم شيمه الواصلة إليك وفوائد نعمه السابغة عليك وقد أشاع هذا كله في الشوارع والحارات خصوصاً في هذه المحلة ثم أقسم بمن عطفه عليك وساق
فضله إليك وجعلك محتاجاً إلى نواله وأسبل عليك لباس صدقاته وافضاله ليستوفين منك ما صنعته وليحفظن عليك ما عليه ضيعته وليوقعنك في طوى بليه يعجز عن خلاصك منها كل البرية فليريحن منك جنس الفار وليخلدن ذكر هذه القضية في بطون الأسفار وبالجملة فهل سمعت أن جرذناً صادق هره أو اتفق بينهما مرافقة في الدنيا ولو مره ومناصحة القط والفار كمصادقة الماء والنار:
فأنت كواضع في الماء جمراً ... وأنت كمودع الريح الثرايا
فلما سمع القط هذا الكلام تألم باطنه بعض إيلام وما صدق ولكن ظن واشتغل خاطره لأمر عن وتلهبواشتغل ومن يسمع بخل وقال للديك جزاك الله عني خيرا وما أكثر شفقتك طيرا ولكن من قال لك هذا المقال
стр. 248
قال أنت محب وعلى مودة الجرذان مكب وقد قال سيدا لعرب والعجم ﷺ حيك للشيء يعمي ويصم وقال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب عمية ... كما أن عين السخط تبدى المساويا
ولقد غرك بلقيمات من الحرام والسحت المنغمس في الآثام وجعلها بمنزلة حبة الفج فلا تشعر بها إلا وأنت في السلخ وقد وقعت ولا رفيق ولا أخ هناك يعرف تحقيق هذا الكلام ولكن أنت الآن راقد مثل النيام والكلام ما يفيد ولا بد أن الله تعالى يجري ما يريد وما في إشاعة الكلام طائل وكأنك أنت القائل:
ظن العذول بان عذلي ينفع ... قل ما تشأ فعلي أن لا أسمع
وما قلت لك هذا الكلام إلا من فرط الشفقة والضرام ورعاية لحق ما وجب علي من القيام وحفظاً للصداقة القديمة والمودة التي سحائبها ديمه وأنا لو غششت كل أحد ما خطر لي أن أغشك وأنا لا استشهد على صدقي إلا يقينك الساكن عشك فرجح جانب صدق الديك كفاك الله شر من يؤذيك وقال القط في خاطره بعد ما أجال قداح ضمائره هذا الديك من حين انفلقت عنه المبيضة وسرحت أنا وإياه من الصدقة في روضة ما وقفت له على كذب ولا سمعت عنه أنه لزور مرتكب مع أنه مؤذن أمين بين ظهور المسلمين وهو بالصدق قمين وما حمله على هذا إلا المحبة وقديم المودة والصحية وهو أبعد من أن يكذب ويخدع وأي قصد له في أن يغش ويتصنع
стр. 249
وتردد أبو هريرة في تيه الخيرة بين الديك والفريره ثم قال للديك وقاك الله شر أعاديك فكيف أعرف صدق هذا الحبر وهل للدلالة على سوء طويته علامة تنتظر قال نعم ورب الحرم علامة ذلك أنه إذا دخل عليك ونظر إليه أن يكون منخفض الرأس مجتمع الأنفاس متوقعاً حلول نائبه أو نزول مصيبة صائبة أو شمول بليه غائبة ملتفتاً يميناً وشمالاً متخوفاً نكالاً ووبالاً طائفاً يتنقب خائفاً يترقب وذلك لأنه خائن والخائن خائف وهذا بائن وبينما هما في المحاورة والمناظرة والمشاورة يتجاذبان القيل والقال دخل المفسد أبو جوال وهو غافل عن هذه الأحوال فرأى أبا القيظان يخاطب أبا غزوان فخنس وقهقر وتخوف وتشور وهو غافل عما قضاه الله وقدر فاشمأز لرؤيته الديك وابرأل وانتغض واشمعل فارتعد الجرذان من شيخ الديكة لما رأى منه هذه الحركة وانتفش وانزوى وتقبض وزوى وأشبه بغدادياً بلع الدوا ونظر يميناً وشمالاً كالطالب للمفر مجالاً والقط يراقب أحواله ويتميز حركاته وأفعاله فتحقق ما قاله أبو سليمان ونظر إلى الجرذان نظر الغضبان وهمز واكفهور ورقصت شواربه وابزأر فاضطر الجرذان وطلب الأمان فنسي السنور العهود والأيمان ونفض عرق العداوة القديمة والعدوان وطفر على الجرذان وأدخله في خبر كان وأخلى منه الزمان والمكان
стр. 250
(وإنما أوردت) هذا التنظير أيها الصاحب البصير لفائدتين جليلتين عظيمتين إحداهما الإعلام بالتحقيق إن العدو العتيق لا يتأتى منه صديق ثانيتهما الإعلام بان الواجب على الحكام أن لا يعجلوا بالانتقام فربما يورثهم الاستعجال الندامة في المآكل في حالة لا يفيد العذل والتنفيذ وعند ذلك لا يمكن التدارك بل إذا نقل إليهم وأورد عليهم ما يثير الغضب ويحمي سن نار السخط اللهب لا يفلتون زمام التثبيت والتفكر من أنامل التأني والتدبر خصوصاً السلاطين والملوك الأساطين فان قدرتهم واسعة وأطراف أوامرهم شاسعة وأوهاق اختيارهم طويلة ومراعي المراد لمرامهم منيله وآدان الكون لأوامرهم سميعة وعين المكان لمراسيمهم مراقبة مطيعة فمهما أرادوا من النفع أوصلوا ومهما اختاروا من الضر فعلوا وذلك في كل حسن ممسين أو مصبحين ولذلك قالوا القاضي لا يحكم حكماً إلا وهو راضي ولا يحكم وهو غضبان وهو مشغول الخاطر ولا غرثان فان وجدوا طريقاً إلى الخير بادرواإليه وإذا قصدوا إيقاع شر توقفوا لديه ولا يهملوه بل يسبروا غوره إلى أن يقفوا عليه فربما يكون من مداخله عدوا أو حاسد بتعاطي من له غرض فاسد ثم أعلم يا ذا التبصرة والتذكرة أنه من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره فلما وعى يسار هذا الحوار قال ما أزهى هذه النصائح وأزكى ما لها من روائح وأنا أقبل عليها وأقبلها ولا يزال مرتشف سمعي مقبلها وعلى ذلك أعاهدك ومهما رأيت غيره أعاقدك فانه للملك المصلحة وللملك زين ومسلحة وأيضاً فاشترط ما بدا لك مما يزين حالك ويصون مالك ومآلك
стр. 251
قال وأريد أن تكون حرمتي موفره وكلمتي معتبرة ومنزلي على أقراني مرتفعة ومكانني في الممالك متسعة بحيث تكون مزيتي ظاهره ومرتبتي لاكفائي باهرة وكلامي في محل الإصغاء والقبول متصلاً بالنجاح في السؤال والمسؤل فان حسن العهد وحفظ الود ورعاية الحقوق القديمة السابقة والخدمة المستمرة المتلاحقة دليل على كمال المروأة والوفاء ونهاية لعتوة والصفاء لا سيما من الملوك والأكابر في حق خدمهم الأصاغر ففي الحقيقة رفعة الخادم وكمال حرمته من رفعة مخدومه وعزته وكل من رفع قدر خدمه وحافظ على حفظ حشمه ومنع جانبهم ورعى حاضرهم وغائبهم إنما حفظ أطراف حشمته وراعي جانب عظمته وحرمته وكل كبير امتهن خدامه وأذل جماعته
وقوامه ولم ينزل منازلهم ولا عرف فضائلهم وساوى باواخرهم أوائلهم فإنما أضاع مكانة نفسه ولم يفرق في الفكر بين نومه وغده وأمسه وإذا لم يصغ الملك لكلام الوزير واستقل بأوضاع ناصحه والمشير فابتذله وانتهز واستقله واحتقره خصوصاً في المجامع والمحافل بين العساكر والجحافل فأي حرمة تبقي له عنده البقية من سائر الخدم والرعية وأي مرسوم كلام يسمع له عند العوام فيتكدر خاطره وتتغير سرائره فيدعوه ذلك والعياذ بالله إلى شق العصا إذ صار على باب مخدومه معلقاً كالخصي وقدره في المكانة وقوله في البلاغة صار كالزيف في الصاغه والغسو في الدباغة وناهيك أيها الخبير ما قالته لامها الزاغه قال يسار أخبرني بذلك يا جهينة الأخبار (قال) ذكر أن زاغه في بلد مراغه انتشى لها فرخه انتشر لها بين الطيور صرخه وكانت ذات بهجة لطيفه وصفات ظريفة وتربت بتيمة
стр. 252
بالدلال وجمعت بين فنون الكمال فلما بلغت مبلغ الزواج خطبها من صنوف الطير الأزواج وترادفت عليها الخطاب ودخلوا على أمها في ذلك من كل باب فكانت تأبى عليهم ولا تلتفت إلى بذلهم ولا إليهم إلى أن بلغ خبرها إلى بومة كريهة الوجه مشومه بينها وبين أم الزاغه صداقة قديمه فخطبتها لأبنها وأبانت للطير مزيد غبنها فاستشارت الأم ابنتها وأظهرت في ابن البومة رغبتها وقالت أي ربيبة الخير قد رغب فيك أصناف الطيور فكنت أدافعهم وأسوف بهم وأمانعهم وقد اشتهر صيتك بين الكبراء وخطبك مني الأمراء والوزراء وأنا على المطاولة والرد والمقاولة وقد استحييت منهم واختشيت غائلة ما يصدر عنهم ولم أفعل ذلك إلا عارية لحالك وخوفاً من زوج ظالم بقدرك غير عالم يستضعف جانبك ويكره أهلك وأقاربك ثم لا نقدر على مقاومته ونتعب في مرافقته ومفارقته لا سيما أن صار بينكما معاشقه فيصير نكاحكما الدماشقه كل يضمر السوء لصاحبه حالة المعانقة كل يا أحسن معنى بما قال الشاعر:
رأيت الذي لأكله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ونعوذ بالله من اختلاف الوداد وأن يصبر نكاح السنة كنكاح أهل بغداد فأن صادفتما في محله مثلي أبي بكر الرباني ودله أو مثل الفرغاني وعلى أو جارة تشبه عيشة تلي خرجتما من يدي وزدتما نكدي فكنت لهذه الأمور أخشى تقلبات الدهور وأرد خطاب الجمهور وقد خطبك يا كريمة ابن صاحبة قديمة وهي البومة الفلانية وهي صاحبة هنيه وأخلاق ابنها رضيه وهو شخص فقير الحال حقير نقلبه في أيدينا كما نريد ونتصرف فيه تصرف الموالي في العبيد لا في الطير جنس يحبه بل كلهم يكرهه ويسبه ولا لهناصر علينا ولا جارح يدلي به إلينا فهو تحت طاعتك كما تحبين وفي ربقة إرادتك كما تريدين لا كالحمام يتطوق بطوق
стр. 253
الفخر ولا كالهدهد يتتوج بتاج الكبر فما رأيك في هذا الأمر فقالت الزويغة مقالة بليغة حفظت شيا وغابت عنك أشيا ما أصنع بزوج ممتهن وبغض الأجناس ممتحن مكسور مهجور يتطير بين الطيور هذا يخطفه وهذا يلقفه وهذا ينقره وهذا ينئره وهذا يأثره وهذا يكسره وإذا لم يكن للزوج حرمه ولا تسمع له كلمه خصوصاً عند زوجته وأهل بيته وعثرته فأي قدر يكون له عند غيرها وأني ينشر بالسعد جناح طيرها وقد قال رب السموات والأرض ومالك الطول والعرض والبسط والقبض والرفع والخفض الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وقال من جعلهم قوامين وذواتنا منعوجه وللرجال عليهن درجة ومقدار المرأة بين جيراني وأهلها إنما يعرف بقدر حرمة بعلها وأنا كيف يبقى حالي وبالي وما على ومالي بين جيراني وصواحبي وأهلي وأقاربي إذا كان زوجي ذليلاً مهيناً محتقراً بين الناس خربنا والله لا يكون لي زوجاً ولو بلغ رأسه الأوج ولا أمد إليه باعي ولا يرفع له في مركب الزوجية شراعي (وإنما) أوردت هذا المثال يا شبه الغزال لا بين أنه إذا لم يكن لي في دارك عزه ولا يرفع مكانتي ومكاني نشاط وهزه فلا يرجوني الصديق الموافق ولا يخافني العدو المنافق فيختل أمري ويضيع في غير حاصل عمري وإذا ما أهمل مرسومي تعدى الوهم إلى مخدومي قال يسار أبشر أيها الوزير المشفق والكبير المحقق والحكيم الماهر المدفق بالدرجة العلية والمرتبة السنية والكلمة المقبولة والوظيفة الفاضلة لا المفضوله ولكن أنا أيضاً لي عليك شروط تزين عقودها الملتفات
стр. 254
في المروط هن لدار السعادة أبواب وللترقي إلى درج السيادة أسباب ومثلك لا يدل على صواب وهي أن تتقلد العمل مبسوط الأمل بجميع ما قررته وتتعاطى ملازمة كل ما حررته من إقامة ناموس المملكة المبجلة ورعاية شرائط السلطنة المفضلة ومحافظة جانب مخدومك والإنهاء إلى مسامعه جميع ما في معلومك وتقديم مصالحه على مصالحك ومعاملة رعيته بالجهد في نصائحك وكفه عن المظالم والعدول به عن طريق المآثم والغيرة على دينه واعتقاده ويقينه أكثر من الغيرة على دنياه وفي الجملة لا يكون الملك إلا لله بحيث لا تكون من قبيل لم تقولون ما لا تفعلون وإياك والرشا والبرطيل والدخول لعرض الدنيا في الأباطيل وتوق ظلم الرعية للأغراض الدنيه أو الأعراض الدنويه واتق دعوة المظلوم وإن يصل سهامها إلى مولانا المخدوم وأعلم أننا إن بنينا أساس الأمور على قواعد الظلم والشرور فنحن من الخاسرين ومن الذين ظلموا والله لا يحب الظالمين وسيقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين بل ابن الأمور على أساس التقوى فانك بالتقوى تقوى وبروايتها تروى فمن تحلى بالقضايا العاطلة وتشبث بأذيال الأمور الباطلة ولم يقصد وجه الله في حركاته وسكناته وأدخل شوائب الرباء والسمعة في أعماله وطاعاته لا يمشي له حال ولا يصلح له مال ولا مآل ويصيبه ما أصاب السائح الذي ادعى إخلاص العمل الصالح ثم شرع في حركته وأخلص فظهرت آثار براءته فلما قصد الأعراض الدنيه فسد ظاهره بفساد النيه فسأل المشرقي عن حال ذلك الشقي (قال) كان في أقصى بلاد الصين طوائف غير ذي عقل رصين
стр. 255
أنبت لهم في بعض الجبال زراع القدرة ذو الجلال في رياض النزاهة والكمال شجرة ذات بهجة وجمال أصلها في أرض الملاحة ثابت وفرعها في أصل المحاسن نابت وغصنها إلى سماء العلى واصل وورقها كعقود الجمان بالبهاء متواصل لا سموم الصيف يزيل زهرتها ولا عواصف الخريف تذهب خضرتها ولا صرصر الشتاء يعري أغصانها ولا لواقح الربيع تذري أفنانها فاعجب بحسنها أهل تلك الديار وأشربوها إشراب بني إسرائيل عجلاً جسد إله خوار ثم تفانوا
في حبها وتهالكوا على قربها فعبدوها كما عبدوه واعتقدوها كما اعتقدوه واستولى على عقولهم الشيطان وصار يخاطبهم من الشجرة واحد من الجان فزادهم فيها اعتقاداً وعمهم بعبادتها كفراً وعناداً فقدم تلك البلاد فقير من السائحين وهو من عباد الله الصالحين فلما رأى تلك الحالة أفزعه ذلك وهاله وأخذته غيرة الإسلام وغضبة دعته ليالقيام فأخذ فأساً وقصدها ليقطع ساقها وعضدها فلما قرب إليها وأراد وضع الفأس عليها سمع منها صوتاً خوفه وعن مراده أوقفه فقال أيها الرجل الصالح والقادم السائح فيم ذي الهمة وعلام هذه العزمة المهمة وما قصدك بهذه الصدمة فقال غيرة لله أيها المضل اللاه شجرة تعبد من دون الرحمن ولا يغار لهذا الشان إنسان فلاقطعنك أيتها الشجرة المضلة ولا جعلنك حطباً ومثله فانك قد أضللت كثيراً من الناس وفعلت ما لم يفعله الوسواس الخناس وأنك لا تنفيع ولا تضرين سوى إنك إلى النار تجرين
стр. 256
فقالت أيها الرجل الزاهد الصالح العابد أنا ما آذيتك ولا ضار رتك وإن رأيت نفعتك وبررتك وحاشاك أن تؤذي من لا آذاك وأنا أعلم أيها الرجل الكبير أنك غريب وفقير وما أقدمك على هذا البأس إلا الغربة والأفلاس فكف عن هذا الأمر وأطفئ فائرة هذا الجمر وارجع إلى منزلك واشتغل بطاعتك وعملك وأنا أوصلك كل نهار ديناراً ذهباً نضاراً كاملاً وافياً معياراً يأتيك هينا ميسراً كحل صباح مبكراً إذا استيقظت من رقدتك تجده موضوعاً تحت وسادتك وهذا هو الأليق بحالك وأفرغ لخاطرك وبالك وأخلص لك من ورطات المهالك وإذا أصلحت مع الله سريرتك وطهرت من أدناس الدنيا سرك وسريرتك فاترك الناس ولو كانوا جيرتك أو أهلك وعشيرتك وعليك بخويصة نفسك فإذا أنقذتها من الورطات فأمسك وقد قال منزل القرآن ليحرسكم يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم فلما سمع بالدينار ألهاه الطمع والاغترار فبردت همته وضعفت في الله قوته وتركها ورجع وترك القيام وهجع فلما أصبح الصباح وحاز بالصلاة الفلاح بادر إلى الفراش وطلب المعاش فوجد الدينار كما ذكره الشيطان وأشار فالتفقه وابتهج وتحقق أنه فتوح باب الفرج واستمر على ذلك أسبوعاً والذهب عنده مجموعاً ثم بعد ذلك قصد الفراش بسرور وأهتشاش فلم يجد شيأ من الذهب فتحرق قلبه والتهب فأخذه الحنق والقلق وأخذ الفأس وانطلق فلما قرب من الشجرة نادته بألفاظ عكره قف مكانك واذكر شانك وقل لي في ماذا جيت فلا حبيت ولا حبيت فقال جئت لأقطعك ومن الأرض أقلعك غيرة على الدين وقياماً بحق رب العالمين
стр. 257
فقالت كذبت إنما غرت وسيبت وقمت وقعدت وبرقت ورعدت لفقدك الذهب الذي عنك ذهب وإنما كانت الغيرة الصحيحة والقومة المليحة الناهضة النجيحة القومة الأولى فإنها كانت والحق قد تجلى فلو قامت الجلائق لردك واجتهد وافي منعك وصدك لما ظفر وابك ولا قاموا بحروبك وأما الآن فهذه الغضبة غضبة الفاجرة لقحبة التي حصلت بواسطة عدم الدينار فهي التي أثارت منك ما أثار فلو دنوت مني خطوه وتقدمت من مقامك رتوه دققت عنقك وشققت زقك وقد قلت أني لا أضر ولا أنفع ولا أجلب ولا أدفع فأما المنفعة يا صلمعة بن قلمعة فأنك رايتها في الدنانير التي لقينها فتقرر النفع يا مستحق الصفع وأما المضرة فقسها على المنفعة يا أبا مره فان الذي له قدرة على المبرة ربما يقتدر على الإيذاء والمضرة وإن شئت تقدم وجرب لتعلم واخبر واسبر وانظر كيف أنثر منك لراس بهذا الفأس وحقق وصدق أن كتفك حملت حتفك فبهت الرجل وتحير وخاف وخار وقهقر وانقطع حبل رجائه وأفلت يتلفت إلى ورائه (وإنما ذكرت) هذا لتعلم أيها الوزير المكرم إن كل أمر لا يقصد به وجه الله فان عقباه الندم وإن حسن أولاه وكل قصد ليس لغرض صالح فان شجرة غراسه لا تثمر الفضائح فترك الشروع فيه أولى ومحو صورته من لوح الضمير أجلى ومن لم يترك مالاً يعنيه وقع فيما يعنيه وحل به من الفضيحة والأيام ما حل بذلك المفسد في مدينة السلام فسأل الزنيم المشرقي البصير الأفريقي كيف كانت تلك الفضيحة ليأخذ منها لنفسه النصيحة
стр. 258
(قال) كان في مدينة بغداد صانع حرير أستاذ خبير له جارسني الجوار وزوجة تخجل البدر عند الكمال والشمس قبل الزوال وذاك الجار الجاني يدعى ابن الفرغاني ففي بعض مطارده لمح زوجة جاره فتعلق قلبه بها واشتغل من هواها نار أحشائه بهبوبها فأخذ يلهو بها إلى أن أفسدها وإلى الضلال أرشدها وكان الزوج
مغرماً بها فوجد على حالها منبهاً فصار يراقبها من كلفه ولا يغفل عنها لشدة شغفه ويجتهد فيكفها عن الخيانة وأن تحفظ الغيب وتؤدي الأمانة ففي بعض الأوقات رأى في بعض الطرقات صياداً ومعه طير أوثق رجليه بسير فسأله عن طيره وإلى أين قصده في سيره فقال هذا من الجوارح السوانح لا البوارح يحاكي الصوادح ويباكي النوائح وفيه سر عجيب وأمر غريب وهو أنه إذا كان في بيت ورأى فيه على صاحبه كيت وكيت أخبر زوجها خبره وقص عجره ويجره وقد رغب فيه رئيس يشتريه فأنا ذاهب به إليه أقدمه لديه وامتن به عليه فرغب فيه الحريري واشتراه وأتى به إلى داره وقال لزوجته أكرمي مثواه وأحسني مأواه فانه يخبر بكل ما رآه وهو من أحسن صفاته وأعجب أموره وحكاياته ومهما فعلت زوجة الإنسان ذكره على وجهه كما كان فقالت نحن بحمد الله في بركه آمنون مما ينقل عنا من حركه فان رأى شيأ يهوله لا يكتمه عنا بل يقوله فتركه إلى الزوج وذهب فدخل الحريف الملتهب فرأى المرأة وحدها والطير عندها فأخذ في المهارشه ومديدة للمناوشة فقالت كف يدك واحفظ الذمام فانه قد حصل علينا رقيب نمام فكف يدك يا حبيب لئلا نصاب ولا نصيب وتفكر في قول الشاعر المصيب:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل على رقيب
стр. 259
فقال وأين الرقيب يا ست الجار والحبيب قالت هذا الطير ليس غير فان له خواص عجيبة وفيه أشياء لطيفة نجيبه منها أنه تمام ومهما رآه أو سمع من الكلام فانه يفض عنه الختام ويذكره لصاحب البيت على التمام فقهقه بصوت عال وسخر منها وقال صدق سيد المرسلين الذي قال النساء ناقصات عقل ودين ثم أقسم بحياتها وحسن ذاتها وصفاتها ليولجن القضيب في الكثيب بمرأى من ذلك الرقيب حتى إذا فرغ من أمره يمسح في منقاره رأس ايره ليعملها صحة ما أوهمها ثم حاورها وغلبها وساورها وقلبها وحل الصدر بالتكمه وتعلقت الحلقة بالسكة وامتزجت الألف العربية بالكاف الكوفية والتهم زر الوردة الثصبيبة شفاه الوردة النسرينينه واستمر في أخذ وعطاء ولا وطاء كأنهما أفواج الحجاج أو ثباج الأمواج في شيل وحط وقبض وبسط وهرج ومرج ودخل وخرج واستمر من نحو هذا التصريف في بحث الرفع والجر ومن علم المطاردة والركوب في صنعة الكر والفر ومن علم الزندقة والإلحاد في عالم الحلول والاتحاد إلى أن دفق الإبريق العقيق في قدح اللجين شراب الرحيق وقد أنشد الحريف هذا النظم الظريف وهو:
لو تنظر الرقبا وقد عانقه ... والشمع مشتعل وبابي مقفل
طور أشاهده وأرشف تارة ... وأضمه من بعد ما أتأمل
وإذا تعشى ذيل ثوبي بادلى ... من جيبه شيء عليه المقتل
стр. 260
فلما سال الميزاب بما جرى وقضى زيد منها وطرا نهض ليبر قسمه حسبما ميزه وقسمه وأدنى من منقاره غرموله وكان للطائر مدة لم يتناول مأكوله فتصوره قطعة لحمه صدمها إليه طعمه فانشب مخاليبه فيه فاستغاث بملء فيه وكاد أن يغمى عليه واستعان بحبيبة قلبه إليه فأقبلت المرأة كالحدأة فأشار عليها أن تكشف عن ساقيها وترى الطير بظرها وحمرته فربما يلتهي ويترك آلته فتكشفت وأدنته إليه وعولت في خلاص صاحبها عليه فوثب لشدة قرمه وتأثير الجوع وألمه ليلهم ذاك الفلهم فانشب مخاليب رجله الأخرى في فلهم تلك البظرا فاشتبكوا في البلاء اشتركا وبينما هما في تعاظل الكلاب وإذا بالزوج قد دخل من الباب فرآهما على تلك الحال من الاشتباك والاعتظال ونقل الطير ما قال بالأفعال دون الأقوال فصح قوله وفعله وفعل مهما ما يجب فعله (وإنما أوردت) هذا البيان لا علم أشرف جنس الحيوان إن الشروع فيما ليس فيه منفوع يجب الأبعاد عنه والفرار منه وعدم الإصغاء إليه والتوجه والإقبال عليه ولهذا قال النبي النبيه ﷺ عليه من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه قال المشرقي ما بقي إلا أن ترتقي فلقد طال البيان وضاع الزمان (شعر) :
فانهض هديت إلى ما رمته عجلاً ... فالدهر عات وللتأخير آفات
وكانت هذه المحاورة تحت ظل شجرة فيها وكر حمامة وكان لها
стр. 261
بالبلد إقامة في برج رجل من أهلالزعامة ثم اختارت العزلة واحتسبتها نعمة جزلة فاختارت هذا المقام ولها فيه عدة أعوام فسمعت جميع ما قالا من مبدئه إلى منتهاه فلما وعت ما اتفقا عليه وتداعيا إليه أخذت تضرب أخماساً لأسداس وتتأمل فيما يتجلى من عرائس معانيه من القدم إلى الرأس وتجيل في صور مبانيه قداح النظر وتلاحظ سيرة فحاويه بلوامح الفكر وتجوز مذاهبه وتروز عواقبه وتقيس مداركه بمعرجه وتميس في مداخله ومخارجه فادى قائد فكرها ورائد نظرها إلى أنه ربما يكون لهما شأن وعلو مكانة ومكان فان محاورتهما وما مر من مناظراتهما كانت منطوية على ذكاء وفطنه وتجارب وحكمة وعلو همه صادرة عن فكره مصيب ورأى له في السداد أوفر نصيب ولم يبق لهما في القدر إلا مساعدة القضاء والقدر وإذا كان الأمر كذلك قالا ليق في قطع هذه المسالك المبادرة إلى التعرف بهما وإعانتهما والتقرب إلى خواطرهما ومساعدتهما على ما هما فيه ومساعفتهما بما تصل إليه اليد وتحويه لأنهما في حالة الشدة وزمان الانفارد والوحده محتاجان إلى المساعدة والمساعفة والمرافده وفي مثل هذه الحالة تظهر الفضيلة ويتحملان المنة والجميلة وتقع مساعدتي أحسن موقع ويتميز لي عندهما أرفع موضع فأنه إذا علا شأنهما وارتفع بدون معاونتي قدرهما ومكانهما واجتمع عليهما الجنود وأقبل إليهما الوفود وكثرت الحفدة والأتباع وتكاتفت العساكر والأشياع فما يظهر لمن يتقرب إليهما ويترامى لديهما إذ ذاك كبير فائدة ولا كثير عائده
стр. 262
ثم أنها توكلت على الرحمن وصدحت على الأغصان بقولها:
على الطائر الميمون والبشر والسعد ... سموت إلى العليا نهدا على نهد
ثم هبطت وبين أيديهما سقطت فاذكرت قول الرئيس هذا الشعر النفيس:
هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع
وقبلت الأرض ووقفت في مقام العرض ولزمت شرائط الحشمة وأدت مواجب الخدمة وهنأت نفسها والكون بسلطنة الملك يسار ذات الصون وقالت أني لكما نعم العون وموطني في هذه الشجرة وأنا لأوامركم مؤتمرة وقد وعيت ما قلتماه وما دار بينكما وذكرتماه ورأيته صادراً من مشكاة السعادة مشرقاً بأنوار السيادة سهامه نافذة في قلب الغرض وسيتعبد جواهر الرعايا بأدنى عرض فان حسامه مطيق لفصل القصد وشأنه سيبلغ أعلى اليمن والسعد وها قد جئت مبادرة واردة منهل الطاعة وصادره فأمر الأمتثل وانظر الأحتفال وتحكما لا طيع وتكلما فأني سميع فأن أشرتما فالقصد قاف وأن استشر فالرأي كاف وإن خبرتما فالحزم وإن استنهضتما فالعزم شاف وإن استخدمتما فالعبد خادم صاف مصاف فلما رأيا من الحمامة هذه الكرامة تبسم الزنيم وتفاءل وأشرق وجهه وتهلل وتيمن بطلعة الورقا وعلم أن أمرهما برقى وقال يسار هذا من علامات اليسار وجبر الانكسار والخروج إلى اليمن من اليسار وعنوان السعود وحصول النجح والمقصود فان مسبب الأسباب العزيز الوهاب
стр. 263
تبارك وتعالى وجل جلالاً هو مسهل الصعاب ومفتح الأبواب وإذا أراد أمراً هيأ أسبابه وفتح على الضعيف طاقته وبأنه ووسع رحابه وسدد إلى مرامي المرام لراميه نشابه وحصول مثل هذا الصاحب الصادق والرفيق الموافق والمعين المصادق أدل دليل على أن الله الجليل ييسر هذا المطلوب ويظهر هذا النجح المحجوب ثم أنهما استشار الحمامة في كيفية نيل الزعامة والشروع في هذا الأمر والتوصل إلى دعوة زيد عمرو وطريقة اشتهاره وتعاطي أسباب انتشاره فقالت أنا من جنس الطير مشهورة بينهم بالخير ولهم إلى سكون وعلى مناصحتي اعتماد وركون فالصواب في فتح هذا الباب دعوة الجمهور من الطيور أنابه زعيم وفي الرسالة حكيم فان اقتضى الرأي الرفيع توجهت ودعوت الجميع بعد التخيير والتشهير بين الكبير منهم والصغير أن أبا الجراء السلطان وأبا الجداء الوزير وقد وقع الاتفاق في الآفاق على هذا الوفاق فليبتهج سائر الطيور بهذا الفرح والسرور وليقرأ على رؤوس الجمهور هذا المقال المنشور ولبيادر إلى الخدمة بالحضور ولا يتخلى أحد من آمر ومأمور والحذر الحذر من المخالفةوعدم الانقياد والمؤالفة فقد طاب الوقت وراق وزال المقت والشقاق والمسارعة في أقرب زمان ليأخذ والأنفسهم الأمان ولا يركبوا من التعويض سوى متن مسافة الطريق فاعجب الملك والوزير من الهديل هذا الهدير فكتب بذلك بطاقة وحملتها الحمامة بأحكم وثاقة ثم أخذت إلى الجو ووقيت من الجوارح السو ثم هبطت إلى مجمع الطير وهو نادي الندى والخير فرأت منها خلقاً كثيراً وجمعاً غزيراً فسلمت سلام المشتاق وعانقت عناق العشاق
стр. 264
فترحبوا بمقدمها وسألوا عن معرب أحوال ومعجمها وقدموا موائد الضيافة وأظهروا السرور واللطافه فبثتهم كثرة الأشواق وما عانته من ألم الفراق وقد حرضها شدة الشوق وساقها إليهم أشد سوق وبعثها أيضاً باعث وهو من أحسن الوقائع وأيمن الحوادث وذلك أن شخصاً من أصلاء بني سلاق الحاكم على بني زغار وبني براق تولى سلطنة السباع ومالكيه الذئاب والضباع مضافاً إلى ذلك الحكم على الطيور والقيام بسياسة أمور الجمهور وأقام له في ذلك وزيراً كافياً ناصحاً مشيراً يدعى أبا زنمه المشرقي من نسل تكابك الأرتقى وهو من الفحول وكباش الوعول وقد أرسلوني إلى الجماعة يأمرونهم بالدخول في رياض الطاعة ليحصل لهم الرعي والرعاية والرفاهية والحماية ويأمنوا صيد الكائد وكيداً لصائد ثم شرعت نبت للكبير والصغير ما شاهدت من مخابل الملك والوزير وحسن شمائلها ويمن خصائلهما وما هما عليه ونسبا إليه من الشجاعة والدين والعقل المتين والفضل المبين والقناعة والعفه والمجد الذي لا تدرك وصفه وأن الملك المعلوم قد عف عن تناول اللحوم وقد قنع بما يسد الرمق من حشيش النبات والورق وقد تكفل برفع المظالم وردع الظالم وأجراء مراسم العدل وأحياء مواسم الفضل فان أنابوا وأجابوا ربحوا وأصابوا وطالوا وطابوا وأن أبو وصبوا واهتز وللمخالفة وربوا ثم كسهم الدمار وأركسهم فلا يلوموا إلا أنفسهم فصدقوها من أول وهله والرائد لا يكذب أهله لأنهم كانوا بها واثقين ولكلامها في الحوادث مصدقين فما وسعهم إلا الطاعة والتوجه إلى خدمة
стр. 265
الملك في تلك الساعة وبعد ما تبادروا بالتصديق طاروا بالفرح ودخلوا الطريق واستصحبوا من الخدام
والتقادم ما يصلح للمخدوم من الخادم فلما قربت الديار ودنوا من ولاية الملك يسار تقدمت الحمامة وسبقت وأخبرت الملك والوزير بما فتقت ورتقت فاستبشروا بما تقدم وبادر الوزير لملاقاة المقدم فتلقاهم بالاحترام والتوقير وأكرم الكبير والصغير ومشى معهم بالإكرام والحرمة وأوقف كلاً منهم في مقام الخدمة وحين استقر بهم المقام افتتح الوزير الكلام فأثنى على الله تعالى وضاعف التحية على نبيه ووالي ثم امتدح الملك الذكي بثناء يخجل المسك الزكي وذكر بعد ذلك ما يتعلق بسياسة الممالك وأن الله من بالملك عليه وساق سلطنة الوحش والطيور إليه وذكر مقام كل من الطيور وما وظيفته بين أولئك الجمهور فأطاع الكل وتابعوا وعلى ما اقترحه عليهم بايعوا وأنشدوا فارشدوا:
ونحن أتينا ظائعين ولم نكن ... عصاة فرم غير الطيور عساكرا
ولما انقضى الوطر من قضايا الطير أخذوا في استدعاء جموع الغير من الوحوش الكواسر والبهائم الجواسر والهوام النواشر والجوارح النواسر وأرسلوا في تلك الجماعة الحمامة وقلدوها فيه طوق الزعامة فتوجهت نحو الوحش وإلى كل فارح من الصيد وجحش وكانوا بذلك قد سمعوا وللمشاورة فيه قد اجتمعوا فبلغت الحمامة الرسالة وأظهرت ما فيها من بسالة وكان آخر ما وقع عليه الاتفاق الوفاق وعدم النفاق وقصد الارتقاء والتوجه إلى خدمة الملك يسار صحبة الرفاق وقالوا لا شك أن الكلب بالوفاء مشهور وبحسن الرعاية والحراسة مذكور ويقدر أن يرعانا من الإنسان ويجمينا من السباع ومؤذيات الحيوان وأوصافه مذكورة في الكتاب وناهيك بفضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب
стр. 266
فتقدم خزز من بين تلك البزز يدعى رئيس الأرانب محبب إلى الأقارب والأجانب وهو مشهور بالحصافة موصوف بالذكاء والظرافه والمعرفة التامة والتجربة المفيدة العامة بعيد الفكر في العواقب سديدالرأي حازم مراقب وقال يا معشر الأصحاب وأولي الأبصار والألباب كيف خفي عليكم ولم يتضح لديكم عاقبة هذه الأمور وما فيها من عكوس وشرور وهل بصلح للرياسة وإقامة السلطنة والسياسة أهل النذالة والخساسه المنصف بالقذارة والنجاسة أو ما علمتم أن من أفحش السباب الشتم باخس من الكلاب أو ما سمعتم في كلام مالك أزمة القلب في حق عامله بالسلخ والسلب فمثله كمثل الكلب أو ما قال صاحب الشرع في حق ما ولغ فيه الكلب بالسبع ثم التعفير بالتراب وهو مذهب كثير من الأصحاب وأن يطهر بالدباغة منه الإهاب لا أصلي تقي ولا وصف نقي ولا نسب طاهر ولا حسب ظاهر ولا وجه زاهر ولا شكل باهر فان كنتم نائمين انتبهوا واعرضوا فما قصدتم إليه وانتهوا فلعن الله زماناً صار فيه التيس وزيراً والكلب سلطاناً ولقد أرشد من أنشد:
لقد جار صرف الدهر في كل جانب ... من الأرض واستولت علينا الأراذل
هل المسخ إلا أن ترى العرف منكراً ... أو الخسف إلا حين تعلو الأسافل
فتصدى الهديل للجواب وقال لا شك ولا ارتياب أن المستحق للسلطنة الإمام العادل والشخص الكامل الفاضل ولا يقدح في هذا الفصل دناءة الأصل فقد قال القيوم الحي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وكل من اتصف بالهمة العلية والأوصاف السنية
стр. 267
ومكارم الأخلاق والشيم وانتشر بها صيته بين الأمم يستحق أن يرأس بين العرب والعجم وأما الأنساب ففي نص الكتاب قال من بقوله يهتدي المهتدون فإذا نفخ في الصور فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وقال الشاعر:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً ... فسوف يغنيك ذا عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
وقال أيضاً:
لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما تجلى يومه لأبن أمسه
وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبقى الفخار بنفسه
وأما الأوصاف فلا شك ولا خلاف في أن الكلاب فضلت على كثير ممن لبس الثياب وما ذاك إلا لأوصاف اختصتها وآثار اقتفتها واقتضتها وهي مشهورة وعن الكلاب مسطوره ومن جملة محاسنهم مأثورة وأما الأوصاف الذميمه فيمكن صيروتها مستقيمة وذلك بحسن التأديب والتربية والتهذيب والتمرين والتشذيب حتى يصيرنا به مديه وهذا ليس فيه مريه ويجتزي بالفاكهة والبطيخ عن اللحم السليخ وبالخبز الشعير عن أكل لحم الحمير وناهيك يا أبا وثاب ما قيل في الكلاب ولا بسبي الثياب (شعر) :
وما ضر أهل الكهف إيمان كلبهم ... ولكنهم زادوا يقيناً على هدى
وماذا أفاد العلم بلعام وهو من ... بني آدم لما إلى الأرض أخلدا
стр. 268
وهذا السلطان قد عاهد الرحمن إن لا يمزق حيوان ولا يذوق لحمان وأن يقنع بالكفاف ويسلك طريف العفاف وما ذاك لعجز ينسب إليه ولا لوهن طرأ عليه بل سمت همته عن ذلك ترفعاً وسلك طريق الملوك في أحياء هممها ومعاليها تطبعاً وبضدها تتبين الأشياء فان أحببتم كان لكم الحظ الأوفر وإن امتنعتم فقد أعذر من أنذر وبلغ من حذر وما قصر من بصر والعاقل من يتبصر عيوبه ويسلك من الخلق الجميل دروبه وقد قيل لأمير النجل ذاك الأسد الفحل كرم الله وجهه وجعل له إلى الرضوان أحسن وجهه يا أمير الامؤمنين وابن عم سيد المرسلين ممن تعلمت الأدب قال من قليل الأدب يعني إذا رأيت في أحد خلقاً ذميماً أو وصفا فسد بادرت إلى افتقاد نفسي وتأملت في حدسي وحسي هل أبا محلى بذلك الوصف أم لا فان لم يكن اجتهدت أن لا يكون وأن كان أبعد عنه عرضي وأصون وحسبك يا ذا الرتبة العالية استنكاف اللص العاقل من قول تلك الزانية فقالت الخزز للحمامة:
أخبريني بذلك الاستنكاف يا ذات الكرامة ... قالت الحمامة ذكر رواة الأخبار عن شاطر من الشطار
قد بلغ في الشطارة واللصوصية غاية المهارة يسرق الوهم من الخاطر والرائحة من الطيب العاطروالنوم من أجفان الوسنان واللماطة من أسنان الجيعان ويأتي على كوامن الغيوب فضلاً عن خزائن الجيوب ويلف الرخيص والغالي والوضيع والعالي وقد أعجز المقدم والوالي ففي بعض الأوقات قصد جهة من الجهات فبينا هو في المناهضة
стр. 269
والمناهزة غشيه الوالي مع العسس والجلاوزه ومعهم امرأة بغى قد خرجت عن الصراط السوى وهم يضربونها وعلى أفظع حالة يسحبونها وهي تستصرخ المسلمين وتستغيث أئمة الدين فلما أحس اللص بهم نكب عن دربهم وولاهم عطفه ونزوى في عطفه وانتظر حتى يمروا فسمع المرأة وهم بها قد أضروا وهي تصيح بلسان فصيح وتقول يا أهل الإسلام وأمة خير الأنام أنجدوني وارحموني وأسعدوني لا سرقت ولا نقبت ولا اختلست ولا سلبت ولا ظمعت في مال أحد ولا نهبت ولا وقفت لأحد في درب وإنما استنفق من حاصل دار الضرب وذلك ملكي وحوزي وثمرة لوزي وجوزي باشارة سهام الحاظي الملوزة من قسى حواجب بالجمال متوزة وسفارة نظام الفاظي المعززة المشبه باب طريقها درراً في العقيق والرفيق مغرزه فما لي على أحد ولا طمعت في مال أحد فيحصل له منى ملل فلما سمع قاصد الحرام هذا الكلام أفاق خاطره وراق وتنبه لقبح صنعته وأن الزواني تانف من حرفته وتستنكف مما هو مفتخر بفضيلته فقال لعن الله فعلاً تنتقصه الخواطي وتباً وسحقاً لمتعاطيه من متعاطي ثم عاهد الله التواب ورجع إليه عن صنعة الحرام وتاب (وإنما أوردت) هذه المناقب يا شيخ الأرانب لتعلم أن العاقل من يتصفح جرائد أعماله ويتأمل صحائف حركاته وأحواله وأن هذا الملك صفى شراب صفاته من كدورات الهوى براورق للراقبة ونقى رياض ذاته من شوك الأخلاق الذميمة بمنكاش المعاتبة بقدر طاقته وإمكانه وهو مثابر على ذلك في غالب ازمانه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها وليس لك أن تعترض بان النفس لا تغير طبعها وليس
стр. 270
الأكمة كالأرمد ولا السطيح كالمقعد، ولا سحبان كباقل ولا العاقل كالتعاقل، ليس التكحل في العينين كالكحل وتخرج يا مسكين.
بواقعة السلطان محمود بن سبكتكين مع وزيره حسن الميمندي بسبب القضية الواقعة لأبن الجندي فسأل أبو عكرشة أبا عكرمة عن هذه الواقعة ليتبين من التمثيل مواقعه (فقال) إن السلطان محمود ذا الطالع المسعود الذي فتح بلاد الهنود جرى بينه وبين وزيره مباحثه وقع فيها عن دقيق العلوم منابئه في أن الطباع هل تقبل التغيير أم لا تستحيل عما جلبها عليه الفاطر الخبير فقال الوزير نعم تقبل التغيير بواسطة التأديب وحسن التهذيب وحسن التشذيب والتهذيب وقد شاهدنا الطباع من الوحوش والسباع بواسطة التعليم تركت الخلق الذميم واكتسبت الوصف المستقيم فجريان هذا الإمكان أحرى أن يوجد في جنس الإنسان فقال السلطان المظفر لا تتحول الطباع ولا تتغير ولا يمكن صرفها عما جبلت عليه ولا يتصور فال من ليس في كلامه اشتباه فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله
стр. 271
وقال القائل وتأبى الطباع على الناقل واستمر هذا الكلام بينهما عدة أيام إلى أن ركب السلطان وقصد السيران والوزير في ركابه من خدمه وأصحابه فرأيا من بعد شاباً من أولاد أحد الجند وهو جالس على فرع شجرة يابس يريد قطعه لما عدم نفعه وقد جعل ظهره إلى طرف الفرع وهو عمال بالمنشار في أصله للقطع فتأمل السلطان والوزير في هيئة ذلك الظبي الغرير ثم قال السلطان للوزير بين الأعيان وطبع هذا أيضاً داخل في الأمكان وهو يقبل التغيير والتعليم ويمكن استحالته بالتأديب والتفهيم فلم يجر الوزير جواباً لا خطأ ولا صواباً ثم أشار إلى بعض خوله أن يذهب بذلك الشاب إلى منزله فلما نزل من الركوب أحضر ضلك الشاب المرعوب الغافل المحبوب ثم طلب له مؤدباً حاذقاً مهذباً وأمره أن يجتهد في تعليمه ويبالغ في تأديبه وتقويمه ويوقفه من العلوم على دقائقها ويسلك به إلى خفايا طرقها وطرائقها فاشتغل بتربيته ليلاً ونهاراً وبذل مجهوده في سراً واجهاراً إلى أن برع في أنواع العلوم وضبطها من طربقى المنطوق والمفهوم ولما فرغ من العلوم أدناها وأنهارها من مبتدئها إلى منتهاها شرع به في علم إدريس وهو علم النجوم النفيس واستطرد منه إلى علم الرمل المنير ونوسل بهإلى أن توصل إلى إخراج الضمير فأتقن هذه العلوم لا سيما إخراج الضمير الموهوم فلما أتقن ذلك وسلك فيه أدق المسالك أحسن الوزير إليه واستصحبه إلى الملك ودخل به عليه فقبل الأرض وأدى من شرائط الخدمة النافلة والفرض وقال للسلطان محمود أن هذا هو ذاك الشاب المعهود وقد برع
стр. 272
في العلوم ووصل إلى استخراج الضمير المكتوم وقد بدلت بلادته بالذكاء وصار فؤاده كابن ذكاء فان اقتضت الآراء السلطانية سبرته واعتبرت فهمه بعدما اختبرته فادخل السلطان يده في كمه ونزع خاتمه من بصمه وأطبق يده عليه ليسبر منتهى علمه وينظر ما قاله الوزير في كيفية هذا التبديل والتغيير ثم أخرج يده من كمه وقال ليظهر نتائج علمه ليخبرنا بما في كفي وعن حواس العيون مخفي فتقدم الشاب ورفع الإصطرلاب ووضع أوضاع الحساب وخط ذلك النقي أشكال لحيان والنقي وسائر الأوضاع من الطريق والاجتماع ثم نظر وسبر وعبس وبسر وقدر وافتكر وقال دل الشكل والله أعلم أن ما حواه الكف المكرم شيء من المعادن محفوف بسودد أسواد بائن وهو في أفضل الأشكال لأنه مستدير وفي أحسن الألوان لأنه مستنير وفي دائرته قطر ومركزه وفي وسطه ثقب لمغرز وهو ثقيل أما في الثمن أو في التحميل ثم تأمل بعد الوقوف في أن هذا الموصوف ماذا يكون فقال كان والله أعلم فردة طاحون فضحك السلطان الكبير وخجل لذلك الوزير ثم قال السلطان أبي والله وله السبحان أن يكون بأقل كسحبان:
إذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بنافع أدب الأديب
(وإنما أوردت) هذه المسائل لئلا يعترض قائل ويستدل بمثل هذا الدليل على أن الطباع لا تقبل التغيير والتحويل بل الطباع تتغير:
ومن ذا الذي يا عز لا يتغير ... فسبحان من لا يحول ولا يزول
الذي وضع عالم الكون على الانتقال والحلول وكل لجلال عظمته مخبت يمحق ما أراد
стр. 273
بثبت ويمحو ما يشاء ويثبت ومذهب أهل الثبات في المحو والإثبات أن الكافر قبل الإسلام كافر عند الملك العلام وبعد ما انخرط في سلك المؤمنين صار مؤمناً عند رب العالمين وعلى هذا التقدير والتقرير أيها الفاضل الكبير والعالم النحرير فالملك يسار نظر بعين الاعتبار وتنصل من رذائل الأوصاف وتخلق بأخلاق الأشراف من التلبس بالعدل والأنصاف ولولا نيته الصالحة ما صارت صفقته في المبايعة رابحه ولا كانت كفة فضله راجحة ولا زايله النكد ولا أطاعه أحد والأعمال بالنيات وعلى مقدار النيات العطيات وجنس هذا الملك في الأوصاف المتباينة مشترك فانه قد جمع بين خصائص الحيوان حتى كأنه سبع بهيمة إنسان كما قيل:
جمع الكلب في حلاه صفات ... فهو سبع بهيئة إنسان
وكما قيل أيضاً:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاً ... يكلمه من حبه وهو أعجم
وأنا يا مولاي أعرض عليكم هذا الرأي وهو شاهد عدل وحكم فصل وهو أن يقع الاتفاق على واحد منكم من خلص الرفاق من تحققتم حسن آرائه وصدقه في أنبائه وصحة دينه ورصانة عقله ويقينه فانطلق في ركابه إلى حضرة الملك وجنابه فيكتحل بأنوار طلعته ويشمله ميامن رؤيته ويطالع جميل صفاته ليسكن إلى فضيل حركاته وينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين فيزول باليقين الشك ويظهر خلاصة الذهب بالحك ثم يأخذ لكم العهد والميثاق بما يقع عليه الاتفاق وما ترضونه وترونه من الصواب ويرد عليكم بذلك الجواب فان وافق قصدكم توكدون عليه عهدكم وتتوجهون بقلوب مطمئنة وخواطر في حصول المرام مستكنة والأفترون رأيكم فيما عليكم ومالكم
стр. 274
فاستصوبوا هذا الرأي واسترضوه واستعذبوا لطيف معناه واستحسنوه وانتدبوا لهذا الأمر الخطير من يصلح أن يكون عند الملوك السفير فوجدوا ظبياً طيب العناصر قد عقدت على غزارة فضله الخناصر من أعقل الجماعة وأذكاها وأحسنها رأياً وأدهاها فقلدوه الزعامة وأرسلوه مع الحمامة على أن يجتمع بالملك يسار ويعاهده على ما يقع عليه الاختيار ثم يسمع أقواله ويشاهد أفعاله ويميز أحواله ثم يرد عليهمالجواب فيميزوا ما فيه من خطا وصواب فيبينوا عليه ويرجعوا إليه فتوجه الظبي والحمامة مستصحبين الأمن السلامة فلما قربت الديار سبقت الحمامة إلى خدمة الملك يسار وأخبرته بصورة الأخبار وأن الظبي في العقب مقبل بما يحبه الملك ويجب فأمر الملك الوزير أن يتلقى الظبي الغرير مع جمع الطير الكثير فتقدم الوزير وقال أسأل مولانا الملك المفضال أن صدر من هذا القاصد خطاب أن يشار إلى برد الجواب فان ذلك أعلى للحرمة وأدنى للحشمة وأقوى لناموس الملك والرياسة وأزهى لطاوس البسوق والسياسة فان كان ذلك الجواب متحلياً جيده بعقود الصواب كانت سعادة الملك الملهمة وفي خدم الملك من تصدى للأمر وأبرمه فان خرج عن طريق الجادة فلا ينسب إلى الملك تلك المادة بل يتلقاه الملك بكرسه ويكون الخطأ منسوباً إلى خدمه فأجابه إلى ما سأل وتقدم الوزير للملاقاة مع سائر الخول فتلقوا الظبي بالترحاب وفتحوا في وجهه للكرامة أوسع باب ومشوا معه حتى وصل إلى الحضرة وشاهد تلك الحشمة والنضرة فقبل الأرض ووقف وعرف مقدار الملك وأعترف وأدى الرسالة وبين للملك ما فيها من رقة وجلاله فقابله الملك بما يليق بحشمته وأجلسه بالقرب من حضرته وخاطبه بما أذهب دهشته وآنسه بملاطفات جلت وحشته وسأله عمن خلف وراءه واستقصى في التفحص أحواله وأنباءه فبلغ عبوديتهم وطاعتهم وأن
стр. 275
الإخلاص والطاعة شملت جماعتهم وفتح فم الدعاء بلسان ذلق وخطاب طلق وكلام غير معقد ولا قلق وأطال في الدعاء وأطنب في الشكر والثناء وسال شمول المراحم وكف كف المتعدي والمزاحم فانهم انبسطوا وانشرحوا وابتهجوا باستيلاء هذا الملك وفرحوا وشكروا الله هذه النعمة وأنى يفون بشروط العبودية والخدمة ثم سأل أخذ الميثاق وتأكيد العهد بالإيثاق بالأمان والاطمئنان لمن وراءه من الوحوش والغزلان فأعطاهم الأمان وشملهم بالإحسان على أن لا يراق لهم دم ولا يهتك لهم حرم وأنهم يرعون حيث شاؤا ويسرحون حيث ذهبوا وجاؤا وأن الملك يسار حاكم سلوق وزغار وخليفة براق وكوباك والتتار قد عاهد الملك الجبار أن لا يتعرض لوحش القفار ولا لأحد من أجناس الأطيار حتى ولا لحيتان البحار ولا يريق لهم دماً ولا يقصد لهم أذى ولا ألماً ويرعى جانبهم ويقضي مآربهم ويحفظ شاهدهم وغائبهم ويمنعهم من مناويهم ولا يسلط عليهم من يؤذيهم ما داموا تحت طاعتي وفي جواري وذمتي فقبلت الغزالة بشفاه العبودية خداً لجداله وقالت هذا كان المأمول وجل القصد من الصدقات والمسؤل والذي جيء لأجله فقد حصل من صدقات الملك وفضله ولكن العلم العالي محيط بان وحوش البسيط أقوام ضعاف ليس بينهم ائتلاف وهم طوائف كثير والاختلاف أجناس متفرقة وأنواع متمزقة ليسوا كقطائع الغنم مجتمعين ولا كحشار الخيل ممتنعين ولا بعضهم لبعض متبعين ثم لم تزل العداوة بينهم قائمة وعيون الصلح والاتفاق عنهم نائمة لا يضبطهم ديوان ولا يحصرهم حسبان ولا يمتعهم من التعدي سلطان القوى يكسر الضعيف ويمزقه والشاكي يستطيل على الأعزل ويفرقه ولأجل هذا المعنى لا يمكن اجتماعهم في مغنى بل البعض في قلل الجبال متوطن والبعض في
стр. 276
سرب التلال متحصن والبعض متشتت بذيل الكهوف
والمغارات والبعض الآخر في الآجام والآكام خوف الغارات وكل يخاف حلول البلاء قد اتخذ لذلك القاصعاء والنافقاء واستعد بفنون الكيد خوفاً من جوارح الصيد وإذا كان الأمر كذلك فاجتماعنا متعسر وحفظنا في الملك غير متيسر فلا بد من ترتيب قاعدة تعم منها جميع الوحوش الفائدة ويشمل أمنها غائب الملك وشاهده وإلا فالحاضر آمن وقلب الغائب غير مطمئن ولا ساكن فليفتكر للرعية في ضابطة تكون الحرمة فيها للقريب والنائي باسطه فالتفت الملك للوزير وقال أجب هذا السفير فقال الزنيم يا أحسن ريم هذه الأفكار من قصور الأنظار وعدم التأمل والاستبصار وإلا فان السلطان في كل مكان كلمته عليا ووجوده كالشمس في الدنيا فكما أن الشمس إذا استوت وعلى سرير كبد السماء احتوت عم فيض شعاعها الجبال والآكام والتلال والآجام وانتشر على البحر والبر واشتهر على الفاجر والبر فرست الأزهار والأثماروشبت مشاعل الكلا في القفار وطبخت الغلال وفواكه الأشجار وصبغت في كوامن المعادن جواهر الأحجار كما قيل:
كالشمس في كبد السماء محلها ... وشعاعها في سائر الآفاق
كذلك الملك العظيم إذا انتشر صيت عظمته وعدله في سائر الأقاليم شمل فضله الشريف والوضيع وبلغ جود جوده والرفيع وردع عدله الطائع والعاصي ووسع نواله الداني والقاصي وأنه كالغمام الصيب الصبيب على الربيع الخصيب والديمة المطبقة والمزنة المغدقة إذا انتشرت في
стр. 277
الآفاق وصارت لام عهد عاهدها للأستغراق فروت الحضيض والبقاع وعمت الوهاد والتلال والبقاع وخاطبها ظمآن الرياض وعطشان الغياض شعر:
أمطر على سحاب جودك مرة ... وانظر إلي برحمة لا أغرق
هذا ومتى انتشر في الأطراف أنكم التجأتم إلى هذه الأكناف وتطرز بشمول الصدقات السلطانية من ملابس طاعتكم الطراف والأطراف منعت العواطف الملوكية والخواطر الشريفة السلطانية عوادي المعادي وكفت أكف المصادم والمصادي فلا يجترئ أحد على التعرض لكم ولا يخطر ببال مخالف أن يقطع سبلكم قال الرسول الأمر كما يقول مولانا الأمير وما أحسن هذا التقرير ولكن مع المراحم السلطانية وصدقات العواطف الملوكية وحسن الطوية وإحسان النية فلا بد للسياسة وضبط الرياسة وقواعد الملك في الحراسة من ضابط يبني عليه الملك لأمره أساسه لا يتميز به كبير دون صغير ولا يختص برعايته جليل غير حقير فان من أحسن أوصاف الملوك والأكابر أن لا يغفلوا عن تفقد أحوال الصعاليك والأصاغر ولا يقتصر وافي ذلك على نوع دون جنس كما يفعله لغلبة الهوى بعض حكام الأنس مع أنهم مسؤلون عن جليلها وحقيرها ومحاسبون على كبيرها وصغيرها وفي شأنهم قد قال من في ضبط حركاتهم وملكاتهم استقصاها ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وقد تنبه لهذا الفعل الرجيح أيها الوزير النصيح والمنطق الفصيح أنوشروان وهو من الكفار واشتهر عنه قضية الحمار فسال الوزير بيان هذا التقرير
стр. 278
(فقال) الريم بلغنا أيها الكريم أن أنوشروان بالغ في نشر العدل والإحسان ومعاملة الرعية كبيراً وصغيراً بالسوية وبذلك في ذلك جهده واستنهض لمساعدته وكده وكده واختشى أن يمنع المتظلم الفقير الأبواب بسبب حاجب أو كبير لغرض أو عرض أو ارتشاء من في قلبه مرض فيمشي مدلس البراطيل من خوف الأباطيل ويضيع بحث صارخ الحق في أوقات التعطيل فاداه قائداً اجتهاده وانتهى به رائد مراده إلى أن يعقد في طاق مبيته ومجتمع خاطره عن تشتيته من محاذي السرير حبل من الحرير ويربط طرفه الأدنى في حلقة الباب حيث لا حاجب ولا بواب وهو مكان مجتمع الجمهور ولا يمنع أحد فيه من الوقوف والمرور وأن ينشد فيه أجراس من خالص الذهب لا النخاس بحيث إنه إذا حرك الحبل صوتت الأجراس صوتاً أخرس الطبل ثم أمر منادياً أن يرفع صوتاً عالياً بان من كان شاكاً فعليه بتحريك ذلك الحبل ليقع الظالم في الكبل أو ينتصر المظلوم من بعد ومن قبل فاشتهرت هذه العادة ونال بها في الدنيا السعادة وعظم صيته وخمدت عفاريته وانتصف صفاريته ففي بعض الظهائر عند قائلة الهواجر وأنوشروان في مبيته قد طاب اضطربت الحبل والأجراس أشد اضطراب ففز أنوشروان مذعوراً وتصور المحرك مظلوماً مقهوراً فابتدر بطلبه لينظر في ظلمه وسببه فتبادروا إلى إحضاره واستكشاف أخباره وإذا هو حمار حرب جنب جسمه من الجرب خرب ومتن ظهره من الحكة نقب وقد هد عمارة عمره هادم الهرم وألهت حشيش حشاشته من
стр. 279
الجوع ماضي الضرم يحمله صاحبه ما لا يطيقه ويقطع عنه قوته وعليقه يؤذيه ولا يداويه ولا يداريه فطلب مالكه وعتبة ثم زخره وضربه ثم أمر بالنداء في الأسواق وامتد ذلك حتى بلغ الآفاق وعم الضواحي والرزداق أن يسلك بما ملكت اليمين الإرفاق ولا يفتر عليها في الأنفاق وكل من عنده دابة قد استعلمها في صباها واستوفى في خدمته قواها يراعي حقوقها إذا كبرت ولا يضيع ما قدمت بما أخرت وصك وجهذلك الرجل صكا وكتب عليه بفرض حماره صكا (وإنما ذكرت) هذا المثال في معرض ما يقال من أن عدل السلطان خير من خصب الزمان وأيضاً فان قصد الملك إذا كان صالحاً كان أمره في جميع الأزمان ناجحاً وسخر الله له من يرشده إلى قصده ويعينه على أمور شعائره ويحيي ذكره من بعده وتدر على يده سحائب البركات ويجري منها على غير قصده أبحر الخيرات وحفظ كل من إليه ينتسب ورزقه كل ذلك من حيث لا يحتسب وحاصل هذه المقدمة أن المسؤل من الصدقات المعظمة انه إذا ترامى على أبواب عدلها شاكي أو تعلق بأسباب معدلتها متظلم باكي تتصدى هي بنفسها لكشف ظلامته ولا تترك الغير في فصلها لإقامته وأن الفقير من جماعتنا والضعيف من أهل طاعتنا إذا مست الحاجة به إلى بث شكوى أو رفع بلوى يتقدم إلى شكواه بلا واسطه ليأمن في أمره المغالطة ويصادف مقسطه لاقاسطه ويتساوى في كل من مشرب العدل والأنصاف ومراعي الفضل والألطاف الظباء والأسود والذئب والعتود والعقاب والعصفور والحمام والصقور ولا يتقدم في الدعاوي من حيث التساوي الوجيه على الجاهل ولا
النبيه على الخامل ولا الكبير على الصغير ولا الجليل على الحقير
стр. 280
فان اقتضت الآراء العالية توليه عامل في ناحية فليكن ممن له شفقة تامة ورحمة في أمر الرعية عامه ويعرف ذلك بمن حربته العلوم الكريمه وتحققت أن نيته في رعاية الرعية مستقيمة قد صارت له الشفقة ملكه وكل من العدل والأنصاف قد ملكه ولا تولى أحد الغرض أو من في قلبه من أذى المساكين مرض وأن الطبيعة إذا اعتادت عاده والمسجية إذا جعلت لها بعض الأوضاف قلادة سواء كان ذلك مذموماً أو محموداً مقبولاً عند العقل والشرع أو مردوداً فإنها فإنها تبرزه في غالب الأوقات ولا نتخلف عن ملابسته في أكثر الحالات (شعر) :
العين تعرف من عيني محدثها ... إن كان من خربها أو من أعاديها
وكل قضية لا يساعدها القلب فمنتها على العكس والقلب ونظيرها يا رئيس المدارة قضية من زوجته أمه وهو كاره فسأل الوزير من السفير تقرير هذا النظير (فقال) كان شاب من العراب قصدت أمه تأهله فزوجته بامرأة أرملة ولم يكن له احتياج ولا رغبة في الزواج واختار التخلي للصلاة على مذهب الإمام الشافعي ﵀ ولكن فر من العقوق وكتب على نفسه الحقوق فلما عقدت الوليمة وصممت العزيمة وجمعت النساء والرجال أرسلت أمه إلى جار لهم قوال أستاذ في صنعته ماهر في حرفته فدعته إلى الجمع ليبتهج بحسن غنائه السمع فيشغل الوقت ويذهب المقت ويحصل للحضور النشاط والسرور فتخلف وأبي وعن الحضور بنا فسئل عن تصلفه وسبب تخلفه
стр. 281
فقال بلغني أن الزوج الخاطب غير طالب ولا راغب وإذا كان كذلك فلا بغني الغناء إلا العناء ولا يؤثر في القلوب والأسماع بل تنغر عند سماعه الطباع فكل شيء لا يصدر عن رغبة القلب فان أيجابه لا يفيد إلا السلب فيضحك على القائم والقاعد ويسخر مني الصادر والوارد ويروح تغزلي في البارد وإنما ذكرت ذلك لأعراض على آراء المالك أنه إذا أولج أمر الرعية إلى أحد من الخاصكية ينظر إلى شفقته ويسير وفور مرحمته ثم يوليه عليهم ويتقدم بالطاعة إليهم فيستقيم إذ ذاك فعلهم وفعله ويظهر في حركاته وسكناته عدله وليس العدل في القضايا تساويها ولا إجراؤها على نسق واحد يحويها بل معرفة مقاديرها وبيان تقريرها في المبادي وتحريرها ثم أجراؤها على مقتضى مدلولها ورد فروع كل مسئلة إلى أصولها ووضع الأشياء في محلها وإيصال الحقوق إلى أهلها ومعرفة منازل أربابها وأوضاع أصحابها ومراتب طلابها فمن لم يحقق هذه الأمور أضاع مصالح الجمهور فأعطى غير المحق ما لا يستحق ومنع الحق عن المستحق وقد قيل يا أبا السعود أن حقيقة الجود إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي وإلا كان كالباذر في السباخ وأشبه في أمره أجير الطباخ الذي لم يعرف معنى العدل فقصده فوقع في الجدل فسأل الغزال شيخ الأوعال عن هذا المثال (فقال) كان عند بعض الأشياخ من الطباخين أجير طباخ له رغبة منهمه على معرفة طبخ الأطعمة وكيفية ترتيبها وصنعة تركيبها
стр. 282
وكان مغرماً بذلك يسلك فيه كل المسالك ويرد فيه الموارد ويتبع كل صادر ووارد ففي بعض الآناء وقف على طبيب منت الأطباءفسمعه يقول أن أصلاً من الأصول العدل والتسوية بين الأطعمة والأغذية والعقاقير والأدوية فمن لم يستعمل الأستوا في درجات الغذاء والدواضل عمله وغوى وأصل هذا المزاج ولا ينكره إلا ذو لجاج فان العناصر الأربعة منها المضرة والمنفعة وقد تولد منها السوداء والبلغم والصفراء والدم فمتى اعتدلت هذه المتولدات صحت الأبدان واللذات ومتى عن الاعتدال عدلت أمرضت وقتلت وكذلك النير الأعظم والكوكب المضيء في العالم إذا حل في مركز الاعتدال استقام للعالم الحال وطاب الزمان واعتدل وذلك عند نزوله في برج الحمل فتصور ذلك الولهان أن المقصود التسوية في الأوزان فانصرف وهو فرحان وقصد طعام الزبر باج وعبى من مفرداته ما يحتاج ثم أنه ساوى بين أوزانها وقصد العدل في ميزانها وخلط كعقله أخلاطها ووضعها في قدر وساطها فخاب عمله في عدله وبان نقصه في فضله فلما رعى الملك والوزير ما سلكه السفير في نظام هذا التقرير شكراً له مساعيه وأخصبا في الإكرام والإعزاز مراعيه وقالا جزاك الله خيراً عن شفقتك وحسن صنيعك لمرسليك ورفقتك فمثلك من يصلح للسفارة بين الملوك وتولى أمور الرعية من الغنى والصعلوك فانك ناصح لمن فوقك شفيق على من دونك
стр. 283
ثم قال الوزير أن هذا الملك الكبير مقاصده العظيمة أن تكون الأمور مستقيمة وأن يصلح العباد والبلاد ويطمئن المستفيد والمستفاد فاحتفظ أيها السفير المنير الضمير بما سمعت ورأيت وشاهدت ووعيت واجعله من عنوان أنبائك ومقدمات أفعالك وآرائك وأبلغه من يحفك من أمامك وورائك ومهما وصلت إليه قدرتك وأحاطت به يدك وكلمتك من إبلاغ الخير إلى مسامع الوحش والطير عن هذا الملك وأوصافه وتطلعه إلى مراقي السير والإحسان واستشرافه وما تسكن به الخواطر وتطمئن به الضمائر وتقر به العيون بالسرور وتستقر به القلوب في الصدور فلا تأل فيه جهداً وأوسع فيه جداً ولا تنه في إنهائه حداً فان المجال واسع وميدان المقال شاسع وقد أذن لك فيه وأن أخفيته في نفسك فالله مبديه ثم كتب له بذلك مراسيم عن ثغر الأماني
مباسيم وأفيض عليه خلع الكرامة وأضيف إليه الحمامة ورجع إلى أهله مغموراً بفضله مسروراً بقوله مشكوراً بفعله فائزاً بالمطلوب ظافراً بكل مرغوب فارغ البال طيب الحال فاتصل بأهله في دياره وهم في انتظاره فبادروا بالسلام وقابلوه بالاستلام وقالوا ما وراءك يا عصام فبلغ الجواب بارشق عبارة وأليق خطاب وذكر لهم ما رأى وسمع ووعى فانتشرت هذه الأخبار حتى ملأت الأقطار وتسامع بها وحوش القفار وفاح بطيب نشرها الأزهار فكان جميع البر معطار ثم اجتمع رؤساء الوحوش والبهائم رعرفاء الصوادح والبواغم وكل ساكن في القفار من سائم وحائم وأرسل كل إلى أمته رسوله يدعوها إلى ما يحصل سولها وسوله فلبت كل أمة دعوة رسولها وأقبلت
стр. 284
لاستماع المراسيم وقبولها فاجتمعوا في رياض مرج أخضر وحلقوا لاستماع المراسيم حول المنبر وأطرقوا وسكتوا واستمعوا وأنصتوا وتناول المرسوم الصادح من الباغم وصعد على الغصن الناعم مطوق الحمائم وابتدأ باسم الكريم الغفور وقرأ على رؤس الأشهاد مضمون المنشور ودعاهم إلى الطاعه والدخول في سنن السنة والجماعه وأنهم لا يتاخرون عن الحضور بعد الأطلاع على مضمون المنشور فانه فرمان أمان لكل من أجناس الحيوان ولم يبق مقالاً لمتخلف ولا مجالاً لمتأخر ومسوف كما قيل:
فمن جاءنا طوعاً أقمنا بمجده ... ومن يأب لا يعتب علينا فعالنا
إلى آخر الرسالة مع ما تحمله الرسول من مشافهة ومقاله ومن ملاطفات تشرح الصدر وتستنزل البدر وتوضح ما للملك من جلالة وقدر فتلقى الكل هذا الكلام بآذان القبول والأكرام واتفقوا على التأهب والمسير والأحتفال بالكبير وأخذوا في تعبية التقادم والخدم وفرضوا ذلك على ما لكل من طوائف وحشم وتصدعوا عن هذا المرسوم على أن يجتمعوا في يوم معلوم ثم أعد كل عتاده وأكمل خدمته وزاده واجتمعوا لذلك اليوم الموعود وتوجهوا إلى الخدمة في الطالع المسعود ولما دخلوا الدرب وضربوا في الأرض أيمن ضرب توجهت الحمامة بالبطاقة بهذه البشارة والطلاقة فانتشر هذاالخبر وملأ البدو والحضر فلما وصل الطائر دقت البشائر وسرت الأهل والعشائر ثم إن الملك دعا الوزير وقال اعلم أيها الناصح الخبير والبحر النحرير أن الوحوش واصلة إلى منزلك وبخفها وحافرها نازلة في ساحلك وإن راية سلطاننا بعون الله بالنصر نتشرت ووحوش الجنود والعساكر بحمد الله تعالى على بساط بسيط الطاعة حشرت وفي هذه الجيوش أصناف الوحوش وطوائف السباع
стр. 285
وأنواع الذئاب والضباع وفيهم الفراعل والثعالب والعسابر والأرانب ولا شك أن هيبة الملك صادعة وحرمة السلطنة باسطة فارعه وحضرة السلطان ذات جلال وإن كانت جامعة لصفتي الجلال والكمال وما عند كل أحد مسكة للملاقاة ولا ثبات جنان عند المشاهدة لملك إذا رآه فمن لم يكن بيننا وبينه اجتماع فقد وقرت هيبتنا في قلبه على السماع ومن تصدينا له في ميادين الصيد وأفلت بعد معافاة الكد والكيد قد رأيته على العيان ولا يحتاج في معرفة قوة سلطاننا إلى ترجمان وعلى كل تقدير فمشاهدتنا على غالبهم أمر عسير لأنه ربما يتذكر منهم متذكر أو يتفكر منهم متفكر واقعة أو سابقة وقعت أنجرح فيها من نصل أنيابنا مفاصل عراقيبه أو تعلق بها من أشعاره وأوباره مشاطة جلابيبه ومن لم ينجه منا ضباحه ولم يكن سلاحه من كلاليب مخاليبنا إلا سلاحه فبمجرد ما يقع نظره علينا أو تمثل بالوقوف لدينا يرجف فؤاده وينفض عيبة كرشه زاده فينكص من الخوف على عقبيه ولا يعرف أمره من حواليه فيتبعونه ويحصل الفشل ويقع الخباط والخلل فيبهم ما أوضحناه ويفسد أضعاف ما أصلحناه وينهدم من أول الأمر إلى آخره ما بنيناه ويتعوج من مستقيم السلطنة ما سويناه فلا يحصل من عزة المملكة إلا على مثل ما حصل لأبي الحصين من شيخ الديكه فقال الوزير ينعم مولانا الأجل بتقرير هذا المثل (قال الملك) سمعت مخبراً أنه كان في بعض القرى الرئيس ديك حسن الخلق وديك مرت به التجارب وقرأ تواريخ المشارق والمغارب ومضى عليه من العمر سنون واطلع من حوادث الزمان على فنون
следующие страницы →