Полный текст (515 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قال أبو صابر يا أخي نظرك قاصر وفكرك غير باصر لا تراقب ما بينيديك ولا تنظر ما أمامك ألك أم عليك فإذا أدهمك ما دهاك عجز عنه نهاك فلا تشعر إلا وقد وقعت وانخرق ما راقعت فلا يمكنك التدارك والتلاف إلا وأنت رهين التلاف وأما أنا فأراقب ما يصير من العواقب وأنظر أمامي الطريق على بعد فأميز المسلوك من قبل ومن بعد فلا أصل إلى صعب إلا وقد أذللته ولا إلى وعر إلا وقد سهلته ولا إلى وهدة إلا وقد عرفت طريقها ولا إلى عقبة إلا وقد كشفت واسعها ومضيقها فاستعد للأمر قبل نزوله وأتأهب للخطب قبل حلوله واحتال لقطعة وصوله وأحله قبل أن يعقد وأقيمه دون أن يقعد وهذه قاعدة للفقهاء وأصل كبير للحكماء من العلماء أنهم قالوا أن الدفع أهون من الرفع ومن كلام الألباء وأصول حذاق الأطباء قوله:
الطب حفظ صحة برء مرض ... من سبب في بدن إذا عرض
(وإنما أوردت) هذا المثل عن الحمار والجمل لتعلمي ياست الحجل أنه لا بد لنا من الأهبة قبل النكبه فما كل مره تسلم الجره وقد قرب وقت وضع البيض وبعده يدهمنا من سيل العسكر الفيض فلا بد من أعمال الفكر المصيب في وجه الخلاص من هذا الأمر العصيب كما قيل:
مهد لنفسك قبل النوم مضطجعاً
قالت غرغره الحكيمة المدبرة جميع هذه الأخبار لا تخلو عن دقيق الأنظار وتحقيق مصيب الأفكار وغامض معاني الأسرار وكل عاقل يقبله يديه ويقبل يديه ويمتثله ويقبل عليه وكل فكر مصيب يجثو للأقتباس بين يديه
стр. 387
ولكن طلاب الأغراض الدنيوية والمسارعون إلى نيل المرادات والأمنية على فرق شتى وأنا أفصلها حتماً منهم من يبلغ الآمال بقوة الجند وبذل الأموال ومنهم من يساعده الدهر ويعاضده معاون العصر وينهض له مسعد التقدير فيقوم معه كل كبير وصغير كما قيل:
وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا
فيقبض له المساعد ويعضده المقارب والمباعد فلا يحتاج إلى كبير ولا في سعي ولا في استماع النصيحة ونفعها إلى وعي بل يصل إلى قصده بدون كده وبغير جهده وجده فمهما فعل أنجح قصد أفلح وحيثما توجه أربح وأينما مال أرجح ومنهم من يحتاج إلى جهد جهيد وسعي مديد وكد طويل عريض وجد عريض غير غريض مع مساعد ناصح ومعاون صالح وتعاطي أسباب وقرع أبواب وفكر دقيق ومسعد رفيق حتى يبلغ مراده ويصل إلى ما أراده ومنهم من تغلب عليه العجلة والطمع وشدة الحرص والهلع فيسارع إلى نيل ما يرومه فيلقب في هرة الحرمان حرصه وشومه فيقع من التعب والنصب في هوه ويحرم لكونه اعتمد على ماله من حول وقوة فيصير كما قيل:
الحرص فوتني دهري فوائده ... فكلما زدت حرصاً زاد تفويتا
ومنهم من يتمنى ثم يتكاسل ويرجو ويترقب ويتساهل فيحرم مقصده ويرد عجزه من مراده يده وقد قيل في المثل تزوج التواني بنت الكسل فاولد الزوجان الفقر والحرمان فانظر يا ذا لركون والوقار والسكون نحن من أي هذه الفرق نكون وأنت تعلم أنا لا نقدر على مقاومة العقاب ولا أن ندفع عن أنفسنا ما ينزل بنا من عقاب فانه إذا طار العقاب يبلغ الثريا والسحاب ونحن إذا تحركنا في الهو افلا نقدر أن نرتفع عن وجه الثرى وقد قيل في المثل كما ترى أين الثريا من الثرى وقيل من تعلق بخصم
стр. 388
هو أقوى منه فلقد سعى في هلاك نفسه برجله ووضع تراب الدمار على رأسه بيده وكنت يا بدري أنشدتك من شعري:
ومن يتشبث في العداوة كفه ... بأكبر منه فهو لا شك هالك
وكان مثله مثل النملة الخفيفة التي نبتت لها أجنحة ضعيفة فتحركها دواعي الطيران فتتصور أنها صارت كالنسور والعقبان فبمجرد ما ترتفع عن الثرى إلى الهواء التقمها عصفور أو خطفها أصغر الطيور ولهذا قيل:
إذا ما أراد الله أهلاك نملة ... أطال جناحيها فسيقت إلى العطب
ونحن ما لنا اطلاع على مكان من الغيب فنزه نفسك عن هواجس الريب وليس لنا مساعد من الأقارب والأباعد ولا لنا مال ولا خيل ول رجال ونحن أقل من أن يساعدنا زمان أو يعيننا على العقاب أعوانفلم يبق إلا الركون والأتكال على حركات السكون فما تدري غداً ماذا يكون وأعلم أن حركاتنا مع العقاب والجامع لنا معه من الأسباب متحدة في الحقيقة وطريقتنا معه من جنس ماله من طريقه وهي الطيريه وكلنا فيها سويه وهو منها كاعجاز القرآن من الفصاحة في الطرف الأعلى ونحن منها كاصوات الحيوان في الأطراف الأدنى فالأولى يحالنا الأصطبار إلى أن يصل لكسرنا من عالم الغيب إنجبار كما قيل:
مهلاً أبا الصقر فكم طائر ... خر صريعاً بعد تحليق
زوجت نعمي لم تكن كفأها ... آذانها الله بتطليق
(وقيل) :
الأمر يحدث بعده الأمر ... والعسر مقترن به اليسر
وحلاوة الصبيان من عسل ... تلهى وأن حلاوتي الصبر
والصبر يعقب بعده شكر ... من نعمة تأتيك أو أجر
стр. 389
فقال الذكر هذه الفكر من الصواب قريب وسهمها عند أولى البصائر والتجارب مصيب ولكن من يتكفل بوفاء العمر الغدار والأيصال إلى الأوطار ويقوم بالأمن من حوادث الليل والنهار وأنسبت انشادي في الوادي يا زين النادي وجمال الحاضر والبادي:
لئن بادرت في تسليم روحي ... أتاني من ورائي من يعوق
وأن أسرعت نحو الوصل عذراً ... فعمري من ورا ظهري يسوق
ثم قال النجدي والرأي السديد عندي والذي أعيده فيه وأبدي أن نتوجه إلى حضرة العقاب ونكشف عن وجه مرادنا لديه النقاب ونطلب منه الأمان من عوادي الدهر ونكبات الزمان ونستظل بجناح عاطفته وننتظم في سلك جماعته وخدمته فانه ملك الطيور وبيده أزمة الجمهور وهو أن كان سلطان الجوارح والكواسر وشيمته سفك الدمار والتمزيق بمخاليبه النواسر لكنه ملك عالي الهمة ومن شيم الملوك الشفقة والرحمة ولا تقتضي همته العالية إلا الشفقة الوافية خصوصاً على من يرتمي لديه وينتمي إليه ولا تدعه شميته الأبية وهمته العالية الحميه وشمائله الشهمة الملوكية أن يتعرض إلينا بضرر أو أن يطير إلينا منه شرر قالت غرغره بعد الاستغراب في الكركرة العجب كل العجب من رأيك المنتخب أنك تخلط منه الغث بالسمين وتسوق فيه الهجان مع الهجين فتارة تصيب حدقة الغرض وأخرى تصرف السهم حيث عرض فتصير كما قيل:
تلونت حتى لست أدري من الهوى ... أريح جنوب أنت أم ريح شمأل
هذه المصائب التي نشكوها والنوائب التي نقر أسورها ونتلوها هل هي غير ما نقاسيه من العذاب ونعانيه من أليم العقاب في لحظة من ملاقاة عسكر العقاب ثم أنك أنت تحركت في آرائك وسكنت وشرقت في أفكارك وغربت وتباعدت وتقربت وارتفعت يا سلطان وامتنعت وسقطت وجلت
стр. 390
وحمت وقعدت وقمت ثم أسفر رأيك السديد وفكرك الرشيد وأمرك السعيد عن أن تجرنا بسلاسل الحديد إلى العذاب الشديد وتخلدنا فيه الدهر المديد ولا الله بل تريد أن نمشي بأرجلنا إلى الشكبة ونلقي بأيدينا أنفسنا إلى التهلكة وقد أشبهت في هذه الحركة مالكا الحزين والسمكة فقال النجدي لأبنه السعدي أريحي وغني (شكوى الجريح إلى العقبان والرخم) فقالت له أزل الغصة بقص هذه القصة (فقال) كان في بعض المروج من قرى سروج نهر كثير الحيتان شديد الجريان وفي مكان من مصون مأوى المالك الحزين البلشون فكان يتصرف في السمك نصرف المالك فيما ملك قضى في ذلك عمره وزجى أوقاته في طيب عيش ومشره إلى أن أدركه المشيب ورحل عنه العمر القشيب وكساه خياط الدهر دلق ومن نعمرة ننكسه في الخلق ورأى من الكبر أصناف العبر إلى أن ضعفت قوته عن الاصطياد وجرى عليه من الآلام والأنكاد ومن نوائب الدهر ما الزمان به معتاد فصار يمر عليه برهة من الأوقات وهو عاجز عن تحصيل الأقوات فتوجه في بعض الأحيان وقد علته كآبة الأحزان ووقف على النهر متفكراً في تصرفات الدهر فمرت به سمكة لطيفة الحركة فرأته في ذل الانكسار سابحاً في بحر الأفتكار لا قدرة له ولا حركة ولا نهضة لاختطاف السمكة فلم يلتفت إليها ولا عول عليها وقد أوطأته الحوادث أقدام الهمومالكوارث وبدل ربيع شبابه بخريف الهرم وحرارة حربه ببرودة السلم فوقفت لديه وسلمت عليه وسألته عن موجب تفكره وسبب تحزنه وتحيره
стр. 391
فقال تفكرت ما مضى من الزمان الناضر وما تقتضي فيه من طيب العيش وانشراح الخاطر وقد تبدل وجوده بالعدم ولم يحصل من ذلك سوى الذنوب والندم وقد وهنت العظام واستولى على الجسد السقام وتزلزلت أركان الأعضاء وتراكمت فنون الأدواء واشتعل الشيب وانقد وجر الآلام وقد:
عزمت على إخلاء جسمي روحه ... من خرق شيب كل عنه الراقع
قلت اسكنيه يا عمارة عمره ... قالت فكيف وبيت جسمك واقع
ثم قال ولم أفق من هذه السكرة ولا وقعت في هذه الفكرة إلا وسفينة العمر بالساحل قد أرست وأصيل شمس العيش على قلة الفناء أمست فما أمكنتي إلا التلافي بالتوبة والندم قبل حلول نوائب الأجل وزلة القدم والتطهر من جنابة المظالم بمياه الاستعبار والالتجاء إلى جانب الحق بالالظاظ في الاستغفار وغسل أوساخ الذنوب والمظالم بدموع الإنابة والاعتذار:
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب للرأس شامل
فاعلمي أن جامح هواي قلع ضرس الآمال والطمع وجارح متمناي خوافي الشره والهلع وقد قدمت إلى هذا المكان لا تحلل من الأسماك والحيتان فأني طالما أغرت على عشائرهم وأولادهم وخضت في دماء قلوبهم وأكبادهم وشتت شملهم وخوفت جلهم وقلهم. وأرعبتهم وأرهبتهم وأقلقتهم وفرقتهم وغربتهم وبالدماء شرقتهم فرأيت براءة الذمة في الأولى أولى والمبادرة بالتوبة قبل المصير إلى الأخرى أحرى فلعل أحمال الذنوب تخف وسحائب الغفران تكف
стр. 392
فلما سمعت السمكة هذه الخديعة ووعت ما فيها من حركة بديعة تشربتها أضلاعها ودعاها انخداعها إلى أن قالت فما ترى أيها العبد الصالح أن أتعاطاه من المصالح فقال ابلغني السمك هذا الكلام بعد إبلاغ التحية والسلام وأن يكون القوم من بعد اليوم آمنين من سطواتي سالمين من حملاتي ساكنين إلى حركاتي بحيث تتجلى الظلماء ويعود بيننا الحرب سلماً وينام السمك في الماء قالت لا بد من أخذ العهود على الوفاء بهذه العقود وأقلها المصافحة على المصالحة ثم تأكيد الأيمان بخالق الأنس والجان ولكن كيف أصافيك وأنا طعمتك وأني أتخلص من فيك إذا وضعت فيه لقمتك قال لها ابرمي هذا العلف واربطي به حنكي لتأمني التلف فأخذت قبضة من الحشيش وفتلت وإلى ربط فكه أقبلت فعندما مد منقاره إلى الماء وقربت منه السمكة العمياء لم يفتر أن اقتلعها ثم ابتلعها (وإنما أوردت) هذه اللطيفة يا ذا الحركات الظريفة لتعلم أن قربنا من العقاب ألقى بنا أنفسنا إلى أليم العقاب وأين عزب عنك نهاك حتى تسعى بنا إلى عين الهلاك ونحن قوت العقاب وغذاؤه ولداء جوعه شفاؤه ودواؤه وهل يركن إلى العقاب ويؤمن منه ضرب الرقاب وقد قيل:
أنفاسه كذب وحشو ضميره ... دغل وقربته سقام الروح
وقد قيل:
أنهاك أنهاك لا آلوك معذرة ... عن نومك بين ناب الليث والظفر
قال النجدي اسلمي يا قرينة الخير واعلمي أن الريح وقت الربيع تكسو أكناف الأشجار من أنواع الأزهار ووجه الصحاري والقفار من أنوار
стр. 393
الأنوار ما يدهش البصائر ويروق الأبصار وينعش الأجسام ويشفي الأسقام ويبرد الغليل ويبرئ العليل لا سيما وقت السحر ونسيم الصبا في ضوء القمر يربى القلب والروح وبحي الصب والجروح وكذلك المعرفات النشر واللواقح والمعطرات بطيب الروانح ودونك قول الحق في كلمته ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته وفي المصيف الجرور العسيف والسموم العصيف المذيب المذيف وفي الشتاء وأيام الخريف الصرصر المخيف يصفر اللوم ويغير الكون ويعرى الأشجار ويسقط الثمار ويثير الغبار وربما كانت إعصاراً فيه نار وتسقم الصحيح وتطبر الهشيم في الريح ومنها الأعجاز الموشحات والأيام النحسات والقواصف والعواصف والحواصبوالحراجف والصرصر والنكباء والزعرع والرخاء وقد قال فيها العزيز العليم فأرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته كالرميم ثم اعلمي يا ربة الحجال وفتنة الرجال إن النار تحرق من يقربها وتذهب ما يصحبها وتنشف الطراوة وتشوه الطلاوه وتنتقم ما تجده
стр. 394
وتلتهم وتزدرده وتسود بدخانها وتؤلم الأجساد بقربانها وتمحو الآثار وتهدم الديار مع أنها تنضج الأطعمة وتصلح الأغذية وتهدي النور وتد في المقرور وترشد الضال في القفار ورؤس الجبال قال من يقول للشيء كن فيكون أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين وكذلك الماء يا ذات الثغر الألمي يذهب الظما ويجلب النما ويبرد الصدور ويطفئ الحرور وينبت الزروع ويدر الضروع ويحمل المراكب وما فيها من مركوب وراكب وما فيها من مركوب وراكب قال القادر على كل شيء وجلعنا من الماء كل شيء حي وإذا طغت المياه والعياذ بالله أغرقت المراكب وخطفت الراجل والراكب واقتلعت الأشجار واقتطفت الحجار وأتلفت الزروع والثمار وإن تراكمت الأمطار قطعت سبل الأقطار وهدمت الديار وردت الآبار وسل عن ذلك ملابس الأسفار ومجالس الرتب من أهل الأمصار وإذا تكائف الرش غرقت مصر وآذى أهلها العطش ونعوذ بالله من هجوم السيل في ظلام الليل وكذلاك التراب يا زين الأحباب ينبت الحصرم والعنب والثمر والحطب والشوك والرطب ويشرع سنان الشوك المحدد وغصون السهم المسدد ويربى الورد والأزهار والرياحين والأنوار والأقوات والثمار والرياض النضرة والغياض الخصرة ثم إذا ثار وهاج الغبار خرج من تحت الحوافر فاعمى النواظر ففيه الحلو والمر والزوان والبر والناعم والخشن والقبيح والحسن والأرض مهاد وفراش وفيها أسباب المعاش
стр. 395
وهذه المضرة والمنفعة مركبة في هذه العناصر الأربعة التي هي أصل الكائنات وسنخ ما نشاهده من المخلوقات وإذا كان ذلك كذلك وقاك الله شر المهالك وأوضح لك أوضح المسالك فاعلمي بالتحقيق يا صاحبة الثغر العقيق إن هذا الملك الأعظم بل كل أولاد بني آدم مركبون من الرضا والغضب والحلم والصخب والرفع والحط والقبض والبسط والقهر واللطف والظرافة والعنف والخشونة واللين والتحريك والتسكين والبخل والسخاء والشدة والرخاء والوفاء والجفاء والكدورة والصفاء واعلمي يا نعم العون وقرينة الصون إن هذا الكون سروره في شروره مندمج ووروده في صدور مندرج وصفاؤه مع كدره مزدوج وجفاؤه بوفائه ممتزج فيمكن أن العقاب لكونه ملكاً مالك الرقاب مع وجود هيبته القاهرة وسطوته الباهره وخلقه الشرس الصعب الشكس إذا رأى ضعفنا وذلنا وانكسارنا وقلنا وترامينا لديه وتعولنا عليه يضمنا إلى جناح عاطفته ويسبل علينا خوافي مرحمته ويعاملنا بالألطاف ويسمج لنا بالإسعاف دون الأعساف ويعمل بموجب ما قيل:
لكل كريم عادة يستعدها ... وأنت لكل المكرمات امام
والقادر على الكسر والجبر لا سيما إذا كان من ذوي النباهة والقدر لا يعامل ذوي الكسر بالكسر لانا في مقام الأبوة والتقوى على الضعيف ضعف في القوة وقالوا المصغر لا يصغر وسجدة السهو ولا تكرر قالت غرغرة ذات التبصرة هذا وأن كان داخلاً في حيز الإمكان لكن أخاف يا ذا الألطاف أنا بمجرد الوقوف بين يديه في الصفوف لا
стр. 396
نمهل بأداء الكلام ولا للثبات في المقام بل نعامل بالتمزيق والتخريق وننحر بعد في الطريق وتهوى بنا خواطف الطير في مكان سحيق فيفوتنا هذا المطلب إذ قيل الطبع أغلب وهذا وصلنا إليه وتمثلنا بين يديه وأما إذا اعترضنا دونه عارض وجرحنا من جوارح الطير معارض ولا حول يحمينا ولا قوة تنجينا فينتف ريشنا كل باغ ويتجاذب لحمنا كل طاغ فيصير مثلنا مثل النمس والزاغ فسأل اليعقوب تلك الرقوب كيف هذا المثل أخبريني يا ست الحجل (قالت) كان في بعض البساتين العاطرة والرياض الناضرة مأوى زاغ ظريف حسن الشكل لطيف في رأس شجرة عالية أغصانها سامية وقطوفها دانية فاتفق لنمس من النموس في وكره ضرر وبوسفانزعج عن وطنه واحتاج إلى مفارقة سكنه فقاده الزمان إلى هذا المكان فراقه منظره وشاقه نوره وزهره وأعجبه ظله وثمره وأطربه بخريره نهره فعزم على السكنى فيه وتوطن إلى أن توطن في نواحيه ذرآه أحسن منزل وإذا أعشيت فانزل ووقع اختيار ذلك الطاغ على وكر في أصل شجرة الزاغ فسوى له وكراً وحفره في أصل تلك الشجرة وألقى عصا التيسار واستقرت به هناك الدار فلما رأى لزاغ هذه الحال داخله الهم والاوجال وخشى أن يتدرج من أدناها ويتدحرج إلى أعلاها وينشد الأصحاب في هذا الباب:
ولما مضى الشوق ... إلى نحو أبى طوق
تدحرجت لكني ... من تحت إلى فوق
فيصل إلى وطنه القديم ويذيقه العذاب الأليم فليس له خلاص من هذا الاقتناص إلا مفارقة الوطن والانزعاج بالتحول عن السكن وكيف يفارق ذلك النعيم ويسمح بالبعد عن الوطن القديم وهو كما قيل:
стр. 397
بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
فغلبت محبة وطنه على قلبه ولم يطاوله على فراقه لشدة حبه ثم اعتراه في ذلك الوسواس وأخذ يضرب أخماساً لأسداس في وجه الخلاص من هذا البأس فرأى المدافعة أولى الممانعة عن جوارحه لخاطره أجلى ثم افتكر في كيفية المدافعة وسلوك طريق الممانعة فلم ير أوفق من المصانعة وتعاطي أسباب المخادعة ليقف بذلك أولاً على حقيقة أمره ويعرف معيار خيره وشره ويصل إلى مقدار قوته وضعفه ورصانة عقله وفهمه وسخفه ويسبر حالتي غضبه ورضاه ويدرك غور أحواله ومننهاه ثم يبني على ذلك أساس دفعه وهدم ما يبنيه من قلعته لقلعه فهبط إلى النمس من الهواء وحفظ شيأ وغابت عنه أشياء وسلم عليه سلام المحب على الحبيب وجلس منه بيمكان قريب وخاطبه خطاب ناصح لا مريب وابتهج بجواره واستأنس بقرب داره وذكر له أنه كان وحيداً وعن الجليس الصالح والأنيس الناصح فريداً وقد حصل له الأنس بمجاورة النمس وأنه صدق من قال في هذا المقال:
انفراد المرء خير ... من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير ... من جلوس المرء وحده
فاستمع النمس حديث الزاغ وما طغى بصر يصيرته عن سكايده وما زاغ ثم افتكر في نفسه ونظر في مرآة حدسه فرأى أن هذا الطير بخبث السيرة مشهور وبسوء السريرة مذكور ولا أصله زكي ولا فرعه على ولا غائلته مأمونة ولا صحبته ميمونة ولا خير عنده ولأمير بل يخشى منه الضرر والضير وكأنه فيه قيل:
стр. 398
وهو غراب البين في شؤمه ... لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ
ولم يكن بيننا وبينه قط علاقة ولا واسطة محبة ولا صداقة وأما العداوة فإنها مستحكمة وكل منا للآخر ما كلة ومطعمه ولا أشك أنه إنما قصد طريقة سوء ومكيدة نكد فأن أضعت فيه الفرصة أطلت الغصة ووقعت من الندامة في قصة وحصة ولا يفيدني إذ ذاك الندم أني وقد فات المطلوب وزالت القدم (وأحزم الحزم سوء الظن بالناس) فالذي يقتضيه الحزم والرأي السديد والعزم القبض عليه إلى أن يظهر ما لديه ثم وثب من مريضه وأنشب في الزاغ مخاليب مقبضه وقبضه قبضه أعمى لا كالقابض على ألما فلما رأى الزاغ هذا النكد وأنه قد صار كالفريسة في مخاليب الأسد ناداه يا كريم الخير ويا أيها الجار الحليم عن الضير أنا رغبت في مصادقتك وجئتك محباً في موافقتك ومرافقك وأردت إزالة وحشتك وموانستك بإبعاد دهشتك وحاشاك أن تخيب ظني فيك وتعامل بالجفاء من يوافيك وأنشده:
وحاشاك أن تمشي بوجهك معرضاً ... وما يحسن الأعراض عن وجهك الحسن
والكرام لا يعاملون الجلساء إلا بالمؤانسة وحسن الوفاء والإبقاء على خير والبعد من الضير وأنا قد صرت جليسك وجارك وأنيسك وقد قيلوكنت جليس قعقاع بن شور ولا يشقى لقعقاع جليس مع أنه لم يسبق مني سبب عداوة ولا ما يوجب هذه الفظاظة والقساوة وهذه أول نظرة فما موجب هذه البدرة وما سبب هذه النفرة قال النمس أيها الزاغ الكثير الرواغ وانحس باغ وانجس طاغ اسمك ناطق انك منافق وهو خبر صادق إذ هو في الخارج للواقع مطابق ورؤيتك شاهده أنك تنقض المعاهدة وعين منظرك دل على مخبرك وقد قيل:
стр. 399
والعين تعرف من عبتي محدثها ... إن كان من حزبها أن من أعاديها
من أين بيننا صداقة ومتى كان بين النموس والزاغ علاقة وكيف تنعقد بيننا صحابه وأنى يتصل لنا مودة أو قرابة بين لي كيفية هذا السبب ومن أين هذا الإخاء والنسب أما أنت فلي طعمه وأما أنا فلحمي لسدي غذائك لحمه يسوءني ما يسرك وينفعني ما يضرك:
الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم أن لا تحبونا
أنا واقف على ما في ضميرك وعالم بسوء فكرك وتدبيرك قد اطلعت منك على الهواجس كما اطلع ذلك الماشي على ما في خاطر ذلك الفارس قال الزاغ بين لي بلا جدل كيف هو هذا المثل (قال) النمس ذكر رواة الأخبار ونقلة الآثار أنه ترافق في بعض السباسب راجل وراكب وكان مع الراجل من البضائع رزمه وقد جعلها كارة وخرمها أوثق خرمه وقد أعياه حملها حتى أعجزه نقلها فقال للراكب أيها الرفيق الصاحب لو ساعدتني ساعة بحمل هذه البضاعة لكنت أرحتني ونفست عني وشرحتني:
كذى المجد يحمل أثقاله ... قوى العظام حمول الكلف
قال الفارس لا أكل فرسي ولا أتعب نفسي ونفسي فان مركوبي لم يقطع البارحة عليقه وأنا خائف أن لا يقطع بي طريقه وإذا خفت تخلفي في سيري فأني أتكلف حمل أثقال غيري
стр. 400
فبينما هما في هذا الكلام إذ لاح في بعض الآكام فأطلق العنان وراء الأرنب وذهب وراءهما كرأي الزنادقة كل مذهب فوجد فرسه قوية النهضة سريعة الركضة فرأى أنه أضاع حزمه في عدم أخذه الرزمة وما ضره لو أخذها وساق وذهب إلى بعض الآفاق وأقام بها أوده وأنتفع بها وولده وترك الماشي بلا شيء ثم رجع بهذه النية الضارة ليحمل عن الماشي الكارة وقال له اعطني هذا الحمل المتعب لأريحك من حمله في هذا المذهب وابلغ ريقك واقطع طريقك فقال له قد علمت بتلك النية وما أضمرت من بليه فاتركني بحالي فلي حاجة بمالي فثم أن النمس كسر الزاغ وحصل له بأكله الفراغ (وإنما أوردت) هذا المثال لتعلم بأفحل الرجال إن العقاب لا يؤمن ولا يقطع فيه بالظن الحسن ولا يركن إلى خطفة بوارقه بمخاليب صواقعه وصواعقه ولا إلى غوائله وبواثقه وهذا إن سلمت شقة حياتنا من تشقيق غواشيه وتخلص برد وجودنا من تمزيق حواشيه وإن بينك وبين هذا المراد خرط القتاد والموانع التي هي دون سعاد فما الوصول إلى ملك الطير قريب التناول في السير ولا سهل المأخذ ولا سريع المنفذ وأين الحجل من العقاب ذاك في نعائم النعيم وهذا في عقاب العقاب فتدبر عاقبة هذا الأمر وتأمل في الفرق بين التمر والجمر والظاهر عندي وما أدى إليه فكري وجهدي إن عاقبة هذه الأمور ليس إلا القطوع والقصور دون الوصول إلى الملك في القصور
стр. 401
قال الذكر لقد كررت عليك مراراً وأسندت إلى سمعك إنشاء وأخبار أن علو همة هذا الملك وفضله الخالي عن شرك وكرم نجاره وأمن خادمه وجاره وفيض إحسانه وبسط كرمه وامتنانه وانتشار صيت حشمته واشتهار رأفته ورحمته لا يقتضي حرمان من قصده وأم جنابه وأعتمده ولجأ إلى جناح عاطفته وتشبث بذيل ملاطفته وحاشاه أن يصم مصون همته بابتذال دناءة ويشوه جمال وفائه لمن ترفق له بنكتة جفاء تخيب رجاءه خصوصاً إذا رأى مني خضوع العبودية والقيام بمراسيم الخدمات الأديبة والمقام بمراكز مرضيه والوقوف عند كل ما يعجبه ويرضيه فأني بحمد الله تعالى أعرف مداخل الأمور ومخارجها وعندي الاستعداد الكامل لصعود معارجها وأعلم طرق المجاز إلى حقائقها وسلوك دروبهاوطرائقها فالأولى أن نقتصر عن المحاورة ونكتفي بهذه المساورة في المشاورة ونتوكل على مقلب القلوب ونتوجه نحو هذا المطلوب بعزم شديد وحزم سديد فان تيسر لي ملاقاة حضرته والتمثل في مراكز خدمته وحصلت لي مشاهدته واتفقت مخاطبته ومعاهدته أنشأت خطبة تدفع الخطوب وتجمع القلوب وتؤلف بين المحب والمحبوب وأرجو أن تكون نافعه لمصالح الدين جامعة فان كلامي في مقامي كما قيل في المثل:
فأوجز لكنه لا يخل ... وأطنب لكنه لا يمل
وآخر الأمر سلمت غرغرة زمام انقيادها إليه وعولت في عمل المصالح عليه ثم قالت له عيش واسلم وتيقن وأعلم انك إذا قصدت هدمة الملوك وأردت في طريق مصاحبتهم السلوك فانك محتاج في ذلك المنهاج إلى نور وسراج يهديك إلى صفات جميلة وتلبس بخصائل نبيلة تتحلى بجمالها وتتعلى بكمالها وتتجلى في شمائل جلالها
стр. 402
الأولى أن تقدم في جميع مصادرك ومواردك الملك على جميع مقاصدك الثانية أن تتلقى أموره بالتعظيم وتقيم أوامره بالاحترام والتفخيم الثالثة تحسن أقواله وتزين أفعاله بوجه لا يتطرق إليه تشويه ولا يحتاج فيه إلى تنبيه الرابعة تجتهد في صيانة عرضك عن الخنا وإياك أن تقول في حضرته أنا فتقع في العنا الخامسة أن تعد على الدوام ومرور الأيام خدماتك الوافرة وحقوقك المتكاثرة عن حقوق نعمه قاصرة السادسة إذا وقعت منك زلة فلا تتعد بها جمع القلة بل اطلب لتلك الهفوة في الحال محوه واقصد مراحمه وعفوه فان الذنوب إذا تراكمت وتجمعت وتزاحمت أشبهت المزبلة المدمنة وفاحت روائحها المنتنة والإنسان غير معصوم والآدمي بالخطأ موسوم السابعة احفظ وجهك في حضرته عن التقطيب وكلامك أن يفوح منه غير الطيب الثامنة إياك ومصادقة أعدائه ومعاداة أوليائه التاسعة كلما زادك رفعة وتقريباً مل إلى التواضع واعظامه تصويباً
стр. 403
العاشرة لا ندخر عنه نصيحة وانصحه في الخلوة لئلا يؤدي إلى الفضيحة وإذا أقامك في أمر ولو أنه المشي على الجمر لا تطلب منه أجراً ولا تبد لذلك ذكراً فأن الطمع يورث العقوق والمن يسود وجه الحقوق وأعلم أن حضرة الملوك عظيمة ومجالسهم جسمية تنزه عن الكذب والغيبة والنميمة والأقوال الوخيمة والأفعال الذميمة وإياك أن تتعدى القواعد الكسرويه وتتخطى القوانين السلطانية فان أعظمها كان أن يعرف كل إنسان تقصير نفسه في خدمة مخدومه ويعترف له من إحسانه بعمومه ويقيم واجب همة ملكه ومقام مرسومه قال النجدي أخبريني يا دعدي وحظي وسعدي وابنة السعدي ومزينة القواعد بشيء من تلك القواعد (قالت) من القواعد الكسرويه الدائرة بين البرية ما وضعها بعض الملوك وحمل رعيته فيها على السلوك وكان مشهوراً بالعدل والإحسان مذكوراً بإقامة البرهان متصافاً بالصفات الحميدة مكتنفاً بالشمائل السعيدة من الدين والعفة وعدم الطيش والخفة بعقل راجح الكفة والعلم الوافر والحلم العاطر وذلك أنه في بعض الأيام أمر أن يجتمع الخواص والعوام ما بين أمير ووزير وكبير وصغير وغني وفقير وجليل وحقير وعالم وجاهل ومعضول وفاضل ومذكور وخامل وناظر وعامل وحال وعاطل وحاكم وقاض وساخط وراض وجندي وتبع وأخرق وصنع ووضيع وشريف ولطيف وكثيف وثقيل وخفيف وقريب وبعيد ومقبول وطريد
стр. 404
وشقي وسعيد وسوقة وتاجر وسفيه وفاجر ودان وقاص وطائع وعاص وصالح وطالح وضاحك وكالح ومصيب ومخطئ ومسرع ومبطئ وصياد وملاح وسياح وسباح وبلدي وفلاح ومسلك وسالك ومملوك ومالك بحيث لا يتخلف عن الحضور أحد ولا يجزي في التقاعد والدعن ولد ثم مهد لهم في روض أرايض ومرج طويل عريض تصفق مياه أنهاره طرباً وتتناغى بأطيب الألحان فصحاء أطياره الخطباء وتتراقص بزهر الوقت أغصان أشجاره ويلتذ بفواكه الجنان جاني ثماره فهو كما قيل: يلتذ جانيه بأنعم مقطف ومنه ساكنه بأكرم معطف
والورق بين محلق في جوه ... طرباً ومنحط عليه مرفرف
وأمر بفرش ذلك المكان بالفرش الحسان من الديباج والحرير وأطلق مجامر الند والعبير وبين لكل مقاماً معلوماً ومجلساً مقسوماً وأحل كلاً منهم محله واسبغ عليهم ذيل إحسانه وطله ثم أمر بأنواع الأطعمة المفتخرة وأصناف الملاذ الطيبة العطرة فأحضرت في أواني الفضة والنضار ووضعت بين يدي أولئك الحضار بحيث عمت الجميع ووسعت الشريف والوضيع وجلس الملك في مجلس السلطنة واكتنفه من العساكر الميسرة والميمنتة وأخذ كل مكانه ورتب أصحابه وأعوانه ثم أقام عليهم أرباب الديوان وأدخل جميعهم في دفاتر الحسبان وأمر منادياً سيداً يرفع بصوته الندا في ذلك الجمع بحيث شمله من الجميع النظر والسمع يا أهل هذا المكان برز مرسوم السلطان إن كل من هو فر مرتبه من
стр. 405
مرضاه أو معتبه لا يلاحظ من فوقه ولو أنه من أمير وسوقه بل يلاحظ حال من هو دونه فائزة كانت منزلته أو مغبونه فان ذلك أجمع للقلوب وأدعى للشكر المطلوب وأجلب للرضا بحوادث القضا فان من رأى نفسه في مقام ونظر غيره في أدنى من ذلك المقام استقام وكانت عنده منزلته عليه وعد لنفسه على غيره مزبه فتوطنت نفسه على الرضا واستقبلت بالشكر وارد القضا مثال ذلك الرئيس النازل في الصدر إذا رأى من هو دونه في القدر لم يشك في أن محله محل البدر وباقي الرؤساء كالنجوم فلا يأخذه لذلك وجوم وقد قال الحي القيوم في در كلامه المنظوم وما منا إلا له مقام معلوم وكذلك النائب بالنسبة إلى الحاجب والدوادار بالنسبة إلى البزدار والخزندار بالنسبة إلى جابي الدراهم والدينار والمهتار بالنظر إلى السائس والبرقدار وكذلك بالنسبة إلى الحارس وكاتب السر المرتفع بالنسبة إلى المدير والموقع والزمام بالنظر إلى سائر الخدام وأيضاً القاضي مع الفقيه والفقيه مع التاجر النبيه والتاجر مع السوقي السفيه والغنى والأمير بالنسبة إلى المأمول والفقير وعلى هذا القياس أوضاع جميع الناس من أرباب الصنائع وجلاب البضائع وأهل المدن والقرى وذوي البيع والشرا والوهد والذرا وأولى الوضاعة والشرف من أنواع المكتسبات والحرف إلى أن ينزلوا في المراتب
стр. 406
ويتدحرجوا من اليفاع إلى الحضيض في المناصب ويتعاونوا في المناصب والمناقب ويصل قدرهم ونظرهم في ذلك إلى كل ذي فعل سيئ حالك كأرباب العظائم وأصحاب الذنوب والجرائم فينظر المعتوب حاله بالنسبة إلى المضروب والمشتوم حاله بالقياس إلى حال المكلوم والصحيح بالنسبة إلى حال الجريح ويلاحظ مضروب العصا حال المسلوخ بالمقارع ومضروب المقارع أحوال مقطوع الأكارع وكذلك المقطوع بالنسبة إلى مصلوب الجذوع والمصاب بالمال بالنسبة إلى مصلوب الجذوع والمصاب بالمال بالنسبة إلى مصاب البدن والأعرج بالنسبة إلى المقعد الزمن وكذلك العوران بالنظر إلى مصاب العميان وليتأمل الناظر ما قاله في ذلك الشاعر:
سمعت أعمى مرة قائلاً ... يا قوم ما أصاب فقد البصر
أجابه أعور من خلفه ... عندي من ذلك نصف الخبر
ولتكن هذه القواعد مستمرة العوائد بين الصادر والوارد ليعلم أن مصائب قوم عند قوم فوائد فاستمرت هذه القوانين مستعملة غير منسية ولا مهملة من زمان ذلك السلطان إلى هذا الزمان وانظر أيها الفضيل إلى معنى ما قيل في هذا القبيل وهو:
على كل حال ينبغي الشكر للفتى ... فكم من شرور عن سرور تجلت
وكم نقمة عند القياس بغيرها ... ترى نعمة فاشكر لدى كل نقمة
(وإنما) أوردت هذه الأمثال وأطلت النفس في بيان هذه الأحوال لتأخذ منها حظك وتكررها فيما أودعته حفظك وتجري بها ليلاً ونهاراً لفظك حتى تصلح المنادمة الملك ولا يعلق بذيل مكانتك من الحساد مرتبك وترضى بأي مقام أقامك فيه وتعلم انه أعلى مقام ترتضيه حيث هولك يرتضيه وتجعل: مورد لسانك ومقعد جنابك في طلبك رضاه ما كنت أنشدتك إياه من قديم الزمان وأنا عليه الآن وهو:
стр. 407
وأعلى مقاماتي وأسنى وظائفي ... وأحسن أسمائي أنت ترضاه
فقال الذكر ما أحسن عقد هذه الدرر لقد أفصحت إذ نصحت وزينت بما بينت فجزاك الله خيراً وكفاك ضيراً فحقيق على أن أقتدي بآثارك واهتدي بأنوارك فما أرجح ممزانك وأغرز حسنك وإحسانك لقد جمعت بين فصاحة النقل ورجاحة العقل ومزجت روح الحصافة الظرافه وجلوت صورة النصيحة في خلعة اللطافة ثم أنهما توكلا على العزيز الوهاب وقصدا حضرة ملك الطير العقاب فواصلا السير بالسرى واستبدلا السهر بالكرى ولم يزالا في سير مجد وطلب مكد بين الادلاج والدلجة مقارن مقارن حتى وصلا إلى جبل قارن وكان عند العقاب أحد المقربين من الحجاب بؤبؤ نقي الجؤجؤ تقي البؤبؤ أحسن منظراً من اللؤلؤ صورته مسعودة وسيرته محمودة وهو بين أولئك الطير مشكور الأحوال مشهور الخير وفيه من المعرفة والدين والعقل الرصين والرأي المتين ما يصلح أن يكون به مقتدى السلاطين وعنده من الوقوف على دقائق الأمور ما فاق به الجمهور وساد به على سائر الطيور وكان صيته قد اشتهر حتى ملأ البدو والحضر فترك النجدي بنت السعدي في مكان وقصد اليؤيؤ لعرض عليه ماله من شان فوصل إلى جنابه وأتى بيت مقصده من بابه حتى دخل عليه وقبل يديه وتمثل لديه فتوجه اليؤيؤ إليه وأشار بتقريبه منه وأزال دواعي الوحشة عنه وأقبل
стр. 408
عليه بكليته وزاد في إكرامه وطلابه فانشده بديها ولم يقل أيها مفصحاً معلناً مستعيناً مضمناً:
لقد قص ريشي الدهر عن كل مطلب ... وألهمني سعدي بأنك رائش
ففي سمري مد كهجرك مفرط ... وفي قصتي طول كصدك فاحش
ثم قال اعلم أيها الرئيس المحتشم النفيس أن مولدي في جبل من جبال أذربيجان في مكان يضاهي الجنان ويباهي روضة رضوان أنزه من عنصر الشباب وأفكه من معاقرة الأتراب وأرفه من منادمة الأحباب على رقيق الشراب نشأت فيه مع قرينه جميلة أمينة فقضيت فيه غض العمر وزجيت فيه بض الدهر قانعا بما تيسر من الرزق فأرغما عما في أيدي الخلق متمسكا بذيل العزلة أعد الانفراد نعمة جزلة مكرراً درس ثلاثة نجم النفس القرينة الصالحة الجار المؤنس والكفاف من القوت ومما كنت أنشدت وفي مبدأ أمري أرشدت:
وحسب الفتى قوت وخل وزوجة ... ليرتاح في الدنيا ويكتسب الأخرى
وكنت من الدهر على هذا اقتصرت ومن لذيذ العيش على القناعة اختصرت ولكن كان مأوانا ومصيفنا ومشتانا محل الحوادث وممر العوائث والعوابث ومعبر المصائب ومورد الصيد ومورد الموطئ عمرو وريد فكنا كلما ولد لنا مولود وتحدد لنا بالبهجة والابتهاج عهود حصل للعين قره وللروح مسرة نقول هذا يبقى ذكرنا بعدنا ويحيى آثارنا عند حلولنا لحدنا فلم يكن أسرع من هجوم خاطف أو هبوب ريح نكبة عاصف يخطفه من بيننا ويجذبه من قبلنا وعيننا فان سلم من تلك المكايد وتخلص من سهم
стр. 409
المصائب والمصايد حطمته عساكر الملك المنصورة وملأت الأقطار الجنود الموفورة فلا يخلو منها مكان قدم إلا وقد غص بمواطئ تلك الأمم فتذهب مناقرة العين وتدهك غلطاً تحت الرجلين وهذا هو البلاء الطام والمصاب العام ولا بد منه في كل عام فكأنه أيها النبيه النبيل في شأننا قد قيل:
أيا ابن آدم لا يغررك عافية ... عليك شاملة فالعمر ممدود
ما أنت إلا كزرع عند خضرته ... بكل شيء من الآفات مقصود
فان سلمت من الآفات أجمعها فأنت عند كمال الأمر محصود فضاق منا لهذا العطن فلم أر أوفق من مفارقة السكن والمهاجرة من الوطن فعرضت على القرينة هذه الحال وأسرت عليها بالارتحال وقلت لها المرء من حيث يوجد لا من حيث يولد فأبت وكبت وشاقت في: ذلك ونبت فلا زلنا نتحاور ونتشاور ويرمى كل منا سهم رأيه إذ يساور حتى لانت أخلاقها الصعبة بعد أن ثلث ما في الجعبة ثم أعطت القوس باريها وسلمت الدار بانيها وأدركت ملامح مقاصدي معانيها وسمحت بالانتقال من تلك البلاد وسلمت إلى يد تدبيري زمام الانقياد فرحلنا بعيده وقاسينا شدة شديدة وقصدنا هذا الحرم إذ رأيناه مشتملاً على اللطف والكرم وقطعنا شباك مصايد وخلصنا من إشراك كل صائد وفطمنا أنفسنا عن حبات الطمع وتجرعنا من كاسات الجزع وأقداح الفزع جرعاً بعد جرع فوصلنا بحمد الله إلى جنابك الأمين وبشرنا مبشر الإقبال أنك لكل خبر ضمين فحمدنا عند صباح الفلاح السرى وأنشدنا لسان السعد مبشرا:
وجدت من الدنيا كريماً نؤمه ... لدفع ملم أو لنيل جزيل
وإن لم يكن بيننا سابقة خدمة لكن تعارف أرواحنا له قدمه مع أن كرم ذاتك الجميلة وما جبلت عليه من صفات نبيلة يغني قاصد صدقاتك عن
стр. 410
واسطة ووسيلة ووالله أني لواثق بان ظني بوفاء مكارمك صادق فاسأل إحسانك يا ذا الخير إيصالي إلى خدمة ملك الطير وإن كانت رفعة مكانه في العيوق ودون الوصول إليه بيض الأنوق لكن بواسطة الوسيلة يحصل هذا الشرف والفضيلة ولا زالت الرؤساء والأكابر يأخذون بيد الضعفاء والأصاغر ولرأيك العلو والشرف والسمو والعف والحنو فاهتز اليؤيؤ لهذا الكلام وارتاح وظهر في وجهه تباشير المسرة والأرتياح وأنشد:
قدمت بأنواع المسرة والهنا ... على خير منزول وأيمن طائر
فأهلاً وسهلاً ثم أهلاً ومرحبا ... وبشرى ويسرى بالعلى والبشائر
أعلم أن قدومك صدق ومرافقتك سبب الرفق ورؤيتك فتح باب الفتوح وروايتك غذاء القلب وراحة الروح أبشر بكل ما تؤمل وتختار فقد ذهب العثار وجاء الأمن واليسار أصبت مرامك وزينت مقامك وآنست منزلك وأويت مأملك خاطرك وبشر أهلك وعشائرك وأخبر غائبك وحاضرك ولقد قادك الرأي السديد والأمر الرشيد والفال السعيد حتى أويت إلى ركن شديد وملك كريم خلقه عظيم وفضله جسيم وجوده عميم ونظيره عديم رؤف برعيته لا يخيب أمله ولا يريب سائله ولا يقطع واصله ولا يمنع حاصلة لقد أنبتت ساعيك أزهار الأمن والأمان وتفتحت لورودك في رياض سعد الزمان نواظر نرجس النعمة وشقائق فضل النعمان
стр. 411
فاعلم أن هذا الملك ذو جناب منيع وقدر رفيع وبيان معانيه بديع عزير المنال جامع لصفتي الجمال والجلال قد اختار العزلة في رؤس الجبال فلذلك طبعه لا يخلو من جساوة وقلبه من قساوة وأن غذاءه من اللحوم ومن الحيوانات مشروبه والمطعوم مخاليبه كالاسل ويلجأ إلى الله تعالى إذا نسر منقاره ونسل وحقيقة أمره أن كنت عنه تسل:
ممقر مر على أعدائه ... وعلى الأدنين حلو كالعسل
فإذا التجأ إليه فقير أو آوى إليه ضعاف أو كسير أو قصده محتاج أو سلك إلى باب مرضاته منهاج فلا يمكن ألطف منه ولا أشفق ولا أقرب من عطفه على مؤمليه ولا أرفق فهو كما قيل (بيض قطاً يحضنه أجدل) وسبب ذلك أن ضميره المنير خال من المكر طاهر من التزوير لا يعرف ختلاً ولا خديعة ولا خيانة ولا وضيعة ولا كذباً ولا قطيعة ولا في خاطره فساد ولا عنده سوء اعتقاد ولا يعرف غير الحق ولا يقول إلا الصدق وذلك لبعده من مخالطة الناس وعزلته عن كل ذي وسواس وخناس فلقد اتفق العالم أن صحبة بني آدم سم قاتل وهم باتل فان دأبهم المكر والتلبيس والخداع والتدليس وحسبك قول شاعرهم في كشف ضمائرهم وشرح حقيقة سرائرهم:
صن من الناس جانباً ... كي يظنون راهباً
قلب الناس كيف شئ؟ ... ت نجدهم عقارباً
стр. 412
ولقد أرشد من أنشد:
بنو آدم إن رمت من خيرهم جنى ... فأحلى الذي تجنيه من وصلهم صبر
مكارمهم مكر ورؤيتهم ريا ... وودهم مؤذ وجبرهم كسرفإن كان فيهم صالح أفسدوه وإلى سبل الضلال أرشدوه والكلام في هذا المقام لا يبلغ التمام فيكتفي بالقليل عن الجليل وشمس النهار ولا يحتاج في وجودها إلى دليل فانهض الآن فقد آن التوجه إلى خدمه السلطان فما كل زمان يحصل هذا الإمكان فان الاجتماع به كل وقت مشكل فتوكل على الله بأحسن متوكل فإذا دخلت عليه وتمثلت بين يديه فاعرف كيف تقف وانظر يا ذا الكمال ماذا يناسب الحال ويقتضيه المقام من فعل وكلام فاسلك طريقته وراع مخارجه وحقيقته وادخل معه من ذلك الباب ومثلك لا يدل على صواب فما أسرع اللطف وأقرب العنف من حركات الملوك والكبراء وأبعد الرفق وأشرد الخلق من ملكات السلاطين والخلفاء وأقصى مدانيهم إذا غضبوا وأوحش مؤانسهم إذا صخبوا وأقرب مباعدهم إذا عطفوا وأعجب مناددهم إذا لطفوا ويكفيك يا ذا العقل المتين ما قيل في شأن الملوك والسلاطين:
إن الملوك بلاء أينما حلوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وأن أرضيتهم ملوا
وإن مدحتهم ظنوك تدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكل
فاستغن بالله عن أبوابهم كرماً ... إن الوقوف على أبوابهم ذل
وقال سيد الأنام طرا لا تجاور ملكاً أو بحراً فان رضوا رفعوك فوق الأفلاك وإن غضبوا والعياذ بالله فهو الهلاك وناهيك من تقلبات الملوك
стр. 413
يا ذا الإرشاد في السلوك أطفأ الله غضبهم عنك قضية صدرت من تيمورلنك فسأل فحل الحجل الوزير الأجل بيان ذلك المثل الصادر من الأعرج الأشل (فقال) الدستور مما حكى عن تيمور من وقائع الأمور وشدة عزمه وحزمه وثباته على ما يقصده وحزمه وحلول نقمته بمن يعارضه ويعاكسه فيما يرسم به ويناقضه أنه لما توجه بالجنود إلى بلاد الهنود وذلك في سنة ثمانمائة وصل بجيوش الطاغية إلى قلعة شاهقة أقراط الدراري بآذان مراميها عالقة والرجوم المارقة من النجوم الخارقة تتعلم الأصابة من رشاقة سهامها الراشقة كان بهرام في مهواه أحد سواطيرها وكيوان في مسراه خادم نواطيرها والشمس في استوائها غرة جبينها وقطرات السحاب في الأنكساب تترشح من قعر معينها وشقة الشفق الحمراء على آذانها مراميها وأنوف أبدانها سرداق وكريات النجوم في القبة الخضراء لعيون مكاحلها وأفواه مدافعها طابات وبنادق وكان الثريا في انتصابها قنديل معلق على بابها لا يحوم طائر الوهم عليها فأنى يصل طائش السهم إليها ولا يتعلق خدم خدمتها خلخال خيال وافتكار فضلاً عن أن يحلق على معصم عصمتها من عساكر الأساورة سوار وفيها من الهنود طائفة ثابتة الجنان غير خائفة جهزت أهلها وما
стр. 414
تخاف عليه إلى الأماكن المعجزة وتثبتت هي في القلعة حافظة لها متحرزة مع أنها شر ذمة وطائفة قليلة وطائفة ذليلة لا خير عندهم ولا مير ولا فائدة سوى الضرر والضير ولا للقتال عليها سبيل ولا حواليها مبيت ولا مقيل بل هي مطلة على المقاتلة مستمكنة على المقاتلة فأبى تيمور أن يجاوزها دون أن يجاورها بالحضار ويناجزها واللبيب العاقل لا يترك وراءه لخصمه معاقل فجعلت المقاتلة تناوشها من بعيد ويصب كل من أهلها عليهم من أسباب المنايا ما يريد وكان كل يوم مقتل من عسكره ما لا يحصى والقلعة تزداد بذلك إباء واستعصا وهو يأبى الرحيل عنها إلا أن يصل إلى غرضه ففي بعض أيام المحاصرة مطرواً وبواسطة المطر وانحصروا وصار يحثهم على القتال ثم ركب لينظر ماذا يصنعون في تلك الجمال فلم يرتض أفعالهم لما عكست أو حالهم أحوالهم فدعا رؤس الأمراء وزعماء العساكر والكبراء وأخذ يمزق أديم عصمتهم بشفار شتمه وبشق ستر حرمتهم بمخاليب لعنه وذمه ونفخ الشيطان في خيشومه وألهب فيه نار غضبه وشومه وقال يا لئام وأكله الحرام تتقلبون في نعمائي وتتوانون عن أعدائي جعل الله نعمتي عليكم وبالاً وألبسكم بكفرانها خيبة ونكالاً يا نابذي لذمم وكافري النعم وساقطي الهمم ومستوجبي النقم ألم تطؤا أعناق الملوك بأقدام إقدامي ألم تطيرواإلى الآفاق بأجنحة إحساني وإكرامي ألم تفتحوا مغلقات الفتوح بحسام صولتي أما سرحتم في منتزهات الأقاليم سوائم تحكمكم بترعية دولتي بي ملكتم مشارق الأرض ومغاربها وأذبتم جامدها وأجمدتم ذائبها:
ألم أك ناراً يصطليها عدوكم ... وحرزاً لما ألجئتم من ورائيا
وباسط خيري فيكم بيمنيا ... وقابض شرعتكم بشماليا
стр. 415
ولا زال يهمهم ويغمغم ويهذرم ويبرطم وهم مطرقون لا يحيرون جواباً ولا يملكون منه خطاباً ثم ازداد حنقاً وكاد أن يموت خنقاً فاخترط السيف بيده اليسرى وهمز به على قمم أولئك الأسرى وهم أن يجعل رقابهم قرابة ويسقي من دمائهم نمل فرنده وذبابه وهم على تلك الحال في الخزي والإذلال باذلو أنفسهم ناكسو رؤسهم ثم تراجع وتماسك وملك نفسه قليلاً أو ثمالك فاغمد عن تشريقهم حسامه ولم يلق لأمره دبرة ولا قبلة أمامه فغلف غربه وشامه ثم نزل عن مركبه واستدعى على الشطرنج الكبير ليلعب وكان عنده ممن فاق جنده شخص يدعى محمد قاوجين ذو مكان مكين ومقام أمين مقدم على كل الوزراء مبجل دون سائر الأمراء وافر الطول مقبول القول مسعود الرأي ميمون الفصل مرغوب الفضل محبوب الشكل فتشفع الوزراء إليه وتراموا في حل هذا الأشكال عليه وقالوا ساعدنا ولو بلفظه وراقبنا ولو بلحظة واعمل معنا بهذا المعنى وهو:
ساعد بجاهك من يغشاك مفتقراً ... فالجود بالجاه فوق الجود بالمال
فأجابهم والتزم أن برده عما تأزم به وأزم وراقب مجال المقال وراعى فرص المجال وشرعت أفكار تيمور تغور في أمر القلعة وتفور وجعل يستضوي أضواءهم ويستوري آرائهم ولا يسع كلاً منهم إلا القبول لما يستصوبه
стр. 416
رأيه ويقول ففي بعض الأحايين اتفق أن قال محمد قاوجين وقد زل به القضاء وأحاطت به نوازل البلاء أطال الله بقاء مولانا الأمير وفتح بمفاتيح آرائه وراياته حصن كل أمر عسير هب أنا فتحنا هذه القلعة بعد أن أصيب منا جانب من أهل النجدة والمنعة هل يفي هذا بذا أم هل يوازن هذا النفع بهذا الأذى فما احتفل بخطابه ولا اشتغل بجوابه بل استدعى شخصاً من البر قد أريه قبيح المنظر إلا أنه في هيئة ذرية يدعى هراً ملك إذا عرف سهك ووجه في السواد سدك أوسخ من في المطبخ واسنخ من في المسلح لعاب الكلب طهور عند عرقه وعصارة القبر حليب بالنسبة إلى مرقه فعند ما حضر لديه ووقع نظره عليه أمر بثياب محمد قاوجين فنزعت وبخلقان هراملك فخلعت ثم ألبس كلاً ثياب صاحبه وشد وسطه بحياصته ودعا دواوين محمد وباشريه وضابطي ناطقة وصامته وكاتبيه ثم نظر ماله من ناطق وصامت ونام وجامد وملك وعقار وأهل وديار وحشم وخدم من عرب وعجم وأوقاف وإقطاع وبساتين وضياع وخول واتباع وخيل وجمال وأحمال وأثقال حتى زوجاته وسراريه وعبيده وجواريه فانعم بذلك كله على ذلك الوسخ وأمسى نهار وجود محمد قاوجين الزنخ وهو من ليل تلك النعمة منسلخ
стр. 417
ثم قال تيمور وهو كالنمور يمور اقسم بالله وآياته وذاته وصفاته ووحيه وكلماته وأرضه وسمواته وكل نبي ومعجزاته وولي وكراماته وبرأس نفسه وحياته لئن آكل محمد قاوجين أحداً أو شاربه أو ما شاه أو صاحبه أو كلمه أو صافاه أو أوى إليه أو آواه أو راجعني في أمره أو شفع عندي فيه أو فاه بعذره لا جعلنه مثله ولا صيرنه مثله ثم طرده وأخرجه وقد سلبه نعمته وأخرجه فسار مسلوب النعم قد حلت في لحظة نوائب النقم فسحبوه بالولق ورآى نعمته على أقل الخلق واتصل غيره بالحلق وقطع منه الحلق ففلقت حبة قلبه أشد فلق ولم يزل على ذلك في عيش مر وعمر حالك وحاشا أن تشبه قضيته قصة كعب بم مالك فكان يستحلي مرارة الموت ويستبطي إشارة الفوت وكل لحظة من هذا الحيف أشد عليه من ألف ضربة بالسيف فلما هلك تيمور أحياه ورد عليه خليل سلطان ما كان سلبه جده إياه (وإنما أوردت) هذه السيرة لتقيس على هذا المثل نظيره وتعرف أخلاق الملوك ومعاملاتهم الغني والصعلوك وأن نظرهم نضار وأعراضهم بوار ودمار ومن أراد أن يطلععلى سر القضاء والقدر فليراقب شفتي الملك إذا نهى وأمر وقال من أحسن المقال:
قرب الملوك يا أخا القدر السمى ... حظ جزبل بين شدقي ضيغم
стр. 418
وأعلم يا أبا الفضائل أن هذا الملك له شمائل وصفات وفضائل يستدل بظاهرها على باطنها ويتوصل بظهور باديها على حركات كامنها فإياك أن تغفل عن مراقبتها وتهمل حال عاقبتها بل أجعل شواهدها نصب عينك لتقرب من حياتك وتبعد عن حينك منها إذا رأيته رجع من الاصطياد ظافراً منه بالمراد وقد اقتنصه وحصله وملأ منه الحوصلة وسكنت منه بواعث الشره التي هي منفخ لواعج الطيش والسفه ومنها إذا رايته جلس في مجلس السرور وبسط لجبهة الكرم جناح النشاط والحبور وضم عن مطامح الحرص القوادم والخوافي وطلب من رؤساء المملكة الأنيس المصافي ومن ندماء الحضرة الجليس الصافي ومن مطر بي الأطيار البلبل والهزار ومن رقص بدفوف الأزهار صفق من ذي عود وطار فاستمع لهذا وباسط ذاك وطفق جلساؤه ما بين منصت وحاك فان هذه الأوقات لما فيها من علامات هي الانبساط وأيام الفرح والنشاط فاعمل فيها ما بدا لك وأطنب مقالك وكرر جوابك وسؤالك فانك في كعبة الأمن فاستلمها وقد هبت رياحك فاغتنمها والعب بإبطيك وصفق بجناحك وأهدر في قننقتك واسجع في تقبقتك فأن الوقت لك لا عليك والسعد الطالع ناظر إليك ومنها إذا رأيته جالساً صامتاً أو إلى الأرض باهتاً أو محمرة عيونه أو مضطر باسكونه أو أفعاله على غير استواء أو أقواله دائرة مع
стр. 419
الهواء قاياك والدخول عليه والمثول بين يديه فانه إذ ذاك يجعل ديار جسدك بلاقع ولو أنك النسر الطائر فتصير في مخاليبه اتعس واقع وعلى كل حال فليكن عندك لكل مقام من هذه المقامات مقال وإن كان السكوت أصلح فاغلق باب الكلام قطعاً ولا تفتح فكثيراً ما تخلص الساكت من البلاء وأفلح وناهيك النصيح بقوله الفصيح وهو:
وراقب مقام القول في كل مجلس ... خصوصاً مقامات الملوك الأكابر
فكم من بليغ فوق ذروة منبر ... رمته أفاعي النطق تحت المقابر
قال المفلح النجدي للمرشد المجدي جزى الله مولانا عن صدقاته أوفر صلاته وواصله بموائد إكرامه في عشيته وغداته فما أشمل إحسانه وحسناته وأسعد حركاته وسكناته وأوفر شفقته على قاصدي عتباته طالب أنت دليله كيف لا يفتح إلى الخير سبيله ويرجع إلى حصول المقام مبيته ومقيلة ثم إن اليؤيؤ والشفوق تركهم وطار إلى العيوق ثم رجع على الفور ووجهه يرف كالنور فدعا اليعقوب وتوجه وهو معه مصحوب وأخذا في السير إلى خدمة ملك الطير وفرعا في جبل يسامي في المثل قبة الفلك أو مركز الملك يستمد السحاب من ماء واديه وتسبح سماك السماء في بحر ناديه بعرق جبين الوهم من صعود عقباته ويقصر ساعد الفكر في سلم الهواء عن الترقي إلى أدنى درجاته ويستريح راقي الخيال في عدة مواضع عند قصده فروع هضباته فهو كما قيل:
وطود تلوح الشمس من تحت ذيله ... إذا هي في كبد السماء استقرت
فلا زال يسيران وفي الجو يطيران اليؤيؤ أمام قائد الزمام والخجل وراءه ينشد هذا الكلام:
لكل إمام أسوة يقتدى به ... وأنت لأهل المكرمات إمام
стр. 420
فوصلا من تلك المدارج إلى أعلى المعارج وانتقلا في تلك المسالك عن دركات المهالك وانتهيا إلى أوج رأيا ملكة النيران جاريه في حضيضه ودرر الدراري راكدة في قعر مغيضه يشتمل على مروج ورياض ومراع وغياض وبحار وحياض تنادي خبراتها سكان ربع المسكون انصبابها عليهم وفي السماء رزقكم وما توعدون رياض تلونت ومرج بازاهير تحسنت وأرض قال لها صانع القدرة إذا تمكنت تكوني كأخلاق الكرام فتكونت وأخذت زخرفها من رضوان خازن الجنان وازينت فولجا دار سلطنة العقاب بعد مقاسات عقاب العقاب كما قيل
مكاناً فيه سلطان الطيور ... تصدر بالسرور على السرير
أطاف به صنوف الطير طرا ... عكوفاً بالحضور وبالحبور
لكل في مباشرة مقام ... يقوم به جليل أو حقير
قد اكتنفته الميمنة والميسرة وأحدقت به المقدمة والمؤخرة كل واقف في مقامه شاهينه مع كركيه وبازيه مع حمامه فالأنيس صاحب الظرف والكيس حامل القبر كالأوزان يترنم في مقابلة الإيوان ويمدح ملك الأطيار والأمراء والحضار والكبراء والنظار وينشدهم جليل الأوصاف ورقيق الأشعار فمما أنشده الأوزان من مناقب السلطان ووجه الخطاب إلى العقاب قوله:
стр. 421
مقامك أعلى أن يقوم يقوم بوصفه ... بيان بليغ أو لسان فصيح
أجلتك عنقاً مغرب فاختفت فما ... تلوح لطرف في البلاد طموح
والنسر الطائر المقدم على العساكر قد أظله بالجناح وليس عليه في طلبة سيادة الطير جناح رافع اللواء صاف في جو السماء رئيس الدير حامل القبة والطير كما قيل:
ونسر تفر الطير من قرب ظله ... وفي ظله للسعد مأوى ومنزل
والسنقر في ثوبه الفهري وخلقة وخلقه النمري أمير سلاح الجوارح ورأس عساكر السوانح والوارح كما قيل:
هو السنقر العالي بهمته التي ... تعلت على أيدي الملوك بها يده
والشاهين الدوادار عليه المصالح المملكة المدار قد تصدى لقضاء الحوائج لكل داخل وخارج ينظر في الولاية والعزل ويتعاطى الأمور بالجد لا بالهزل فيقضي المآرب ويوصل المطالب إلى الطالب كما قيل:
طويل العنق رحب الصدر ضخم ... له في آل قسطنطين ضبط
تغشى من سواد العين ثوباً ... عليه من دم الأحشاء نقط
والكركي الراطن بالتركي يتجلى في ثوبه المسكي كاتب الأسرار وصاحب الأخبار لسان المملكة ومحور الفلكه مستخدم السيف والقلم وفي الفضائل والفوضل نار على علم كما قيل:
وكركي يحيد الصقر عنه ... شطر ثانيلهيبه بطشه وشديد بأسه
стр. 422
والتم المشهور ناظر الجيش المنصور صدر الديوان وقاضي الجند والأعوان كما قيل:
وتم تم دست الطير منه ... كقاض زان أرباب الكتاب
عليه من المهابة ثوب مجد ... كوجه الطائعين لدى الحساب
والطاوس كأزهى عروس في أفخر ملبوس مقدم على الخواص كالناظر الخاص ناشر مروجه الأرتياح يتجلى بجمال هيئة الفائق على الوجوه الملاح كما قيل:
ثوبه قد حار فيه ... كل صباغ عليم
ولسان الحسن نادى ... صبغة الله الحكيم
فيروق العين منه ... فوق أوصاف الكليم
والبازي الأمير الكبير صاحب الرأي والتدبير أمير الميمنة قد رتب صفه وزينه كما قيل:
وباز أشهب عيناه حمر ... يضيء وفي جناحيه النجاح
والصقر الشهم السابق في الطيران الوهم أمير الميسرة قد فاق بشهامته عسكرة كما قيل:
وصقران يلح في القفر ظبي ... أتيح له من الجو أنصاباً
أقام بمخلب عن شهم سهم ... ونسر عن قوى الناب نابا
والباشق الجاووش ورأس نوبة العساكر والجيوش
كما قيل:
نظر إلى الباشق في صيده ... ينقض كالسهم من الراشق
يقفو حماماً مثل معشوقة ... اتبعها الحب حشا العاشق
стр. 423
والببغاء تتجلى في الحلة الخضراء وتنثر من الخاتم الياقوت درر الثناء وتخبر بعجائب الهند وتسرد غرائب رغائب السند كما قيل:
تسمت درة لكن كساها ... حكيم الصنع ثوباً من زبرجدومن لها بمنقار عقيق وخاط شعارها من عين عسجد
والهدهد لابس التاج ينهى إلى موقع الدراج أخبار المارة والأحوال السارة كما قيل:
وهدهد ألبس ثوب ألبها ... فعم إذ خص بصدق النبا
أغرب إذ شرق في حسنه ... ففاق أهل التاج حتى سباد
والحمام مقدم البريديه يتردد في مواقف العبودية والعصافير كالمماليك الأجلاب في الكتاب يدرسون العلم والآداب والبلبل والهزار ومطوقات الأطيار وساجعات الأشجار مسبحات الواحد القهار يتناشدون ويرددون نغمات الأوتار ومطربات رنات الأوطار وضروب الموسيقاه من حنك المنقار والشجر ورق الزرزور وذوات الهديل من الطيور حتى جناح الزنبور تغرد فتخجل العود والطنبور وزواجر الطير تبشر بالفرح والخير وأنواع الجوارح في الحافات والطير في الجو صافات كل يفدي ويقدم جسده وروحه ويسبح من آتاه الملك كل قد علم صلاته وتسبيحه
стр. 424
فتقدم اليؤيؤ إلى الحضرة والملك في أبهى نضره وقبل مواطئ سلطانه ووقف من مقام خدمته في مكانه وقال شخص عارف بطرائق السلوك يليق لخدمة الملوك واقف بالباب يروم تقبيل الأعتاب يطلب لذلك الدستور والأنعام بآذان الحضور ليشمله النظر الشريف ويحظى بحظ وريق وريف هل يرجع كالمصروف عن خدمته أو يدخل كالدولة والإقبال فعطف بالقبول وأذن له بالدخول وسمح بالمثول فتوجه اليؤيؤ على عجل إلى الحجل فدخل وهو من الحياء متأثر وفي ذيل الدهشة والهيبة متعثر وعليه غلالة سابوريه وخلعة نيسابوريه ستشملا بشمله كافورية كأنه شيخ الصوفية فلما وقع نظره على العقاب قوى جأشه ورفع الحجاب وحل عقدة لسانه من لكنة الخطاب ثم قبل الأرض ووقف وأنشد بديهاً وما وقف:
ولو أن فقفوراً وكسرى وتبعاً ... رأوك لخروا بين أيديك سجدا
وما إن وفوا حقاً عليهم وإنما ... على قدر ما في الوسع مد الفتى يدا
فابتدر اليؤيؤ بلفظ يخجل اللؤلؤ للحجل يريد إزالة الدهشة والخجل وطيب المقام ببسط الكلام أيها الغريب الأريب الأديب النجيب رأيناك روحاً ملخصاً وعقلاً مشخصاً صحبتك مرغوبة ومنادمتك مطلوبة لقد حللت محل الأمن والأماني وعقدة السعد والتهاني فدع دهشتك وذر
стр. 425
وحشتك وأفصح بكلامك عن كمالك وعن مقامك بمقالك فعباراتك عقيلة العقل وواسطة عقود النقل فان كان عندك نصيحة تصلح للملوك أو وصية ترشد أهل السلوك بين العدل بنورها طرائقه ويزين العقل بمجازها حقائقه وتستقيم بها الأمور ويستفيد منها الجمهور أو نوع رفع مظلمة أو حط مأثمة أو كشف بلوى أوبت شكوى أو حاجة في نفسك وما قاسيته في يومك وأمسك أو لطيفة تشرح بها الصدور وتبسط بإيرادها الحضور فهذا وقت تشنيف المسامع بجواهرها ونثر دررها على بادي الحاضرين وحاضرها فان المحل قابل وعنك الإصغاء إلى أطواق لطائفك مائل ومحال الحلم لذاك واسع وسجال الكرم داسع وفاعل الصنيعة صانع وكف اللطف معط لا مانع فقال الحجل بعد أن زل الخجل وحال الوجل وجال الزجل من غير ريث ولا عجل الحمد لله الذي آسى جراحنا وأحيا بعد التلف أرواحنا قد كنا في بيداء الحيرة والهلاك وظلماء الضر والخوف في انهماك ومرت علينا سنون ونحن في الخسار والغبون ونار الاشتياق تضطرم وبواعث تقبيل الأعتاب الشريفة السلطانية في الفوائد تزدحم إذ قد انتشر جناح عدلها ونجاح ظلها وسماح وابلها وطلبها وكرر كل لسان محامد فضلها واشتهر لكل حيوان مآثر نبلها فهي أمان كل مخوف وملجأ كل ملهوف لكن كانت العوادي تقرع تلك الدواعي وغواشي الحوادث تعترض دون المساعي تارة باكتناف المخلوف وطوراً باحتفاف الخواطف وحيناً يضعف المباني وآونة بعدم المعاون والمعاني والآن يا ملك الزمان بحمد الله المنان أزحنا المهالك والمهاوي واسترحنا من ضرب المسالك والمساوي إذ قد طرنا بجناح النجاح من جنح الجناح وصرنا إلى محل السماح والرباح فزالت
следующие страницы →