Полный текст (515 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
مقامك أعلى أن يقوم يقوم بوصفه ... بيان بليغ أو لسان فصيح
أجلتك عنقاً مغرب فاختفت فما ... تلوح لطرف في البلاد طموح
والنسر الطائر المقدم على العساكر قد أظله بالجناح وليس عليه في طلبة سيادة الطير جناح رافع اللواء صاف في جو السماء رئيس الدير حامل القبة والطير كما قيل:
ونسر تفر الطير من قرب ظله ... وفي ظله للسعد مأوى ومنزل
والسنقر في ثوبه الفهري وخلقة وخلقه النمري أمير سلاح الجوارح ورأس عساكر السوانح والوارح كما قيل:
هو السنقر العالي بهمته التي ... تعلت على أيدي الملوك بها يده
والشاهين الدوادار عليه المصالح المملكة المدار قد تصدى لقضاء الحوائج لكل داخل وخارج ينظر في الولاية والعزل ويتعاطى الأمور بالجد لا بالهزل فيقضي المآرب ويوصل المطالب إلى الطالب كما قيل:
طويل العنق رحب الصدر ضخم ... له في آل قسطنطين ضبط
تغشى من سواد العين ثوباً ... عليه من دم الأحشاء نقط
والكركي الراطن بالتركي يتجلى في ثوبه المسكي كاتب الأسرار وصاحب الأخبار لسان المملكة ومحور الفلكه مستخدم السيف والقلم وفي الفضائل والفوضل نار على علم كما قيل:
وكركي يحيد الصقر عنه ... شطر ثانيلهيبه بطشه وشديد بأسه
стр. 422
والتم المشهور ناظر الجيش المنصور صدر الديوان وقاضي الجند والأعوان كما قيل:
وتم تم دست الطير منه ... كقاض زان أرباب الكتاب
عليه من المهابة ثوب مجد ... كوجه الطائعين لدى الحساب
والطاوس كأزهى عروس في أفخر ملبوس مقدم على الخواص كالناظر الخاص ناشر مروجه الأرتياح يتجلى بجمال هيئة الفائق على الوجوه الملاح كما قيل:
ثوبه قد حار فيه ... كل صباغ عليم
ولسان الحسن نادى ... صبغة الله الحكيم
فيروق العين منه ... فوق أوصاف الكليم
والبازي الأمير الكبير صاحب الرأي والتدبير أمير الميمنة قد رتب صفه وزينه كما قيل:
وباز أشهب عيناه حمر ... يضيء وفي جناحيه النجاح
والصقر الشهم السابق في الطيران الوهم أمير الميسرة قد فاق بشهامته عسكرة كما قيل:
وصقران يلح في القفر ظبي ... أتيح له من الجو أنصاباً
أقام بمخلب عن شهم سهم ... ونسر عن قوى الناب نابا
والباشق الجاووش ورأس نوبة العساكر والجيوش
كما قيل:
نظر إلى الباشق في صيده ... ينقض كالسهم من الراشق
يقفو حماماً مثل معشوقة ... اتبعها الحب حشا العاشق
стр. 423
والببغاء تتجلى في الحلة الخضراء وتنثر من الخاتم الياقوت درر الثناء وتخبر بعجائب الهند وتسرد غرائب رغائب السند كما قيل:
تسمت درة لكن كساها ... حكيم الصنع ثوباً من زبرجدومن لها بمنقار عقيق وخاط شعارها من عين عسجد
والهدهد لابس التاج ينهى إلى موقع الدراج أخبار المارة والأحوال السارة كما قيل:
وهدهد ألبس ثوب ألبها ... فعم إذ خص بصدق النبا
أغرب إذ شرق في حسنه ... ففاق أهل التاج حتى سباد
والحمام مقدم البريديه يتردد في مواقف العبودية والعصافير كالمماليك الأجلاب في الكتاب يدرسون العلم والآداب والبلبل والهزار ومطوقات الأطيار وساجعات الأشجار مسبحات الواحد القهار يتناشدون ويرددون نغمات الأوتار ومطربات رنات الأوطار وضروب الموسيقاه من حنك المنقار والشجر ورق الزرزور وذوات الهديل من الطيور حتى جناح الزنبور تغرد فتخجل العود والطنبور وزواجر الطير تبشر بالفرح والخير وأنواع الجوارح في الحافات والطير في الجو صافات كل يفدي ويقدم جسده وروحه ويسبح من آتاه الملك كل قد علم صلاته وتسبيحه
стр. 424
فتقدم اليؤيؤ إلى الحضرة والملك في أبهى نضره وقبل مواطئ سلطانه ووقف من مقام خدمته في مكانه وقال شخص عارف بطرائق السلوك يليق لخدمة الملوك واقف بالباب يروم تقبيل الأعتاب يطلب لذلك الدستور والأنعام بآذان الحضور ليشمله النظر الشريف ويحظى بحظ وريق وريف هل يرجع كالمصروف عن خدمته أو يدخل كالدولة والإقبال فعطف بالقبول وأذن له بالدخول وسمح بالمثول فتوجه اليؤيؤ على عجل إلى الحجل فدخل وهو من الحياء متأثر وفي ذيل الدهشة والهيبة متعثر وعليه غلالة سابوريه وخلعة نيسابوريه ستشملا بشمله كافورية كأنه شيخ الصوفية فلما وقع نظره على العقاب قوى جأشه ورفع الحجاب وحل عقدة لسانه من لكنة الخطاب ثم قبل الأرض ووقف وأنشد بديهاً وما وقف:
ولو أن فقفوراً وكسرى وتبعاً ... رأوك لخروا بين أيديك سجدا
وما إن وفوا حقاً عليهم وإنما ... على قدر ما في الوسع مد الفتى يدا
فابتدر اليؤيؤ بلفظ يخجل اللؤلؤ للحجل يريد إزالة الدهشة والخجل وطيب المقام ببسط الكلام أيها الغريب الأريب الأديب النجيب رأيناك روحاً ملخصاً وعقلاً مشخصاً صحبتك مرغوبة ومنادمتك مطلوبة لقد حللت محل الأمن والأماني وعقدة السعد والتهاني فدع دهشتك وذر
стр. 425
وحشتك وأفصح بكلامك عن كمالك وعن مقامك بمقالك فعباراتك عقيلة العقل وواسطة عقود النقل فان كان عندك نصيحة تصلح للملوك أو وصية ترشد أهل السلوك بين العدل بنورها طرائقه ويزين العقل بمجازها حقائقه وتستقيم بها الأمور ويستفيد منها الجمهور أو نوع رفع مظلمة أو حط مأثمة أو كشف بلوى أوبت شكوى أو حاجة في نفسك وما قاسيته في يومك وأمسك أو لطيفة تشرح بها الصدور وتبسط بإيرادها الحضور فهذا وقت تشنيف المسامع بجواهرها ونثر دررها على بادي الحاضرين وحاضرها فان المحل قابل وعنك الإصغاء إلى أطواق لطائفك مائل ومحال الحلم لذاك واسع وسجال الكرم داسع وفاعل الصنيعة صانع وكف اللطف معط لا مانع فقال الحجل بعد أن زل الخجل وحال الوجل وجال الزجل من غير ريث ولا عجل الحمد لله الذي آسى جراحنا وأحيا بعد التلف أرواحنا قد كنا في بيداء الحيرة والهلاك وظلماء الضر والخوف في انهماك ومرت علينا سنون ونحن في الخسار والغبون ونار الاشتياق تضطرم وبواعث تقبيل الأعتاب الشريفة السلطانية في الفوائد تزدحم إذ قد انتشر جناح عدلها ونجاح ظلها وسماح وابلها وطلبها وكرر كل لسان محامد فضلها واشتهر لكل حيوان مآثر نبلها فهي أمان كل مخوف وملجأ كل ملهوف لكن كانت العوادي تقرع تلك الدواعي وغواشي الحوادث تعترض دون المساعي تارة باكتناف المخلوف وطوراً باحتفاف الخواطف وحيناً يضعف المباني وآونة بعدم المعاون والمعاني والآن يا ملك الزمان بحمد الله المنان أزحنا المهالك والمهاوي واسترحنا من ضرب المسالك والمساوي إذ قد طرنا بجناح النجاح من جنح الجناح وصرنا إلى محل السماح والرباح فزالت
стр. 426
العلل والسد الخلل وحللنا في عقوه منيفة وسدة شريفة فأمنا شرك المكايد وشرر المصايد وتوسدنا مهاد الدعة واستظللنا جناح الأمن والسعه وانه قد قيل عدل السلطان خير من خصب الزمان وقيل الملك العادل والإمام الفاضل كالأب الشفيق والوالد الرفيق يعامل بالسوية ويحفظ الرعية ويحرسها من برد الماء وحر النار كما يحرس الوالد الولد من هبوب الهواء وشم الغبار وقلت:
نزلنا في ذرى ملك كريم ... يرانا مثل أولاد الكرام
أضل نوائب الأيام عنا ... فلم ترنا ولا في الاحتلام
ولا مطر السماء يصيب منا ... كأن مقامنا فوق الغمام
فقال الملك أهلاً وسهلاً وناقة ورجلاً طب قلباً ونفساً واهنأ معنى وحساً لقد حللت بساحة الاستراحة وباحة للأمن مباحة وقاحة ليس لصائد بها وقاحة ولا لجارحة جارح بها جراحه وقد حصلت من جواسر الكواسر ومناسر النواسر ونزلت بوادي الخير ونادى ملك الطير فأكرمت صدر منزلك ونلت غاية أملك فاذهب بسلام وأت بما لك من خادم وغلام وأهل وثقل وفرس وحمل وأثاث وقماش ومعاش ورياش وتخير مكانا تختار وجار احسن الجوار فقال أيها الملك السعيد أنا شخص فقير غريب فقير لا ابرق لي ولا حصير وقلت:
أنا لولا الحيا وخوف العار ... لم أكن في الأنام إلا عاري
من رآني فقد رآني وبيتي ... ودثاري ومركبي وشعاري
стр. 427
غير أن لي قرينه مثلي فقيرة مسكينة صابرة على السراء والضراء قضينا معاً ماضي الصباح والمساء لم يترك عقيل الحوادث لنا داراً ولا بد العوابث عقالاً ولا عقاراً ولا مخلب العوائث جاراً ولا جواراً ولا ناب الكوارث ولداً ولا قراراً والويل كل الويل لمن كان مستقره في طوارق الليل ومن حوادث الدهر على طويق السيل وقد طال الكلام في كيت وكيت وقضايا ذيت وذيت إلى أن لم يبق في البيت سوى البيت ولما بلغ العرم الزبى وحزام الهم الطبي وما حال من يرى أفلاذ كبده تتقطع ويشاهد كل وقت قرة عينه بمخاليب الجوارح تتبضع ولا يد للمدافعة تمتد ولا نهضة للممانعة تشتد فينشد:
كفى حزناً أني أرى من أحبه ... رهين الردى يرنوا لي بطرفه
أود بمالي لو يفدي ومهجتي ... ولكن يد التقدير غالت بحتفه
ولما تكرر ضر أيوب وتضاعف حزن يعقوب تركنا تلك بالاضطرار وعلى أبوابك الشريفة وقع الاختيار فرصدنا للتحويل أيمن الساعات واخترنا للرحيل أحسن الأوقات ثم صممنا العزيمة ونادانا هاتف السعد أسرعا نديمي جذيمه فقطعنا المهامه والقفار وسرينا الليل والنهار فكم رغنا عن أبي الحصين ولقينا مالا قى الحسين بكربلاء من الكرب والبلاء وكم لجأنا من بني زغار إلى كهف وأجم وغار
стр. 428
واحترزنا من قنافذ وأفعوان ذي سم نافذ ونفرنا من حبات أسراك وحدنا عن أوهاك شباك واخترنا الجوع وعدم الهجوع على الحب المبذور لاصطياد الطيور كل ذلك في المسالك والسعد قائدنا والفلاح رائدنا واليمن دليلنا وظلال أمنك ظليلنا وفي تهاني سعدك مبيتنا وكنف فضلك مقيلنا حتى حللنا بدار الأمان ونزلنا بحرم مولانا السلطان فنادانا فضل خالق الورى لا تخافا أنني معكما أسمع وأرى ألقيا عصا التسيار وانزلا عند خير جار فتركت القرينة في منزلة حصينة وكل بلادك أمينة وأممت مقامك الشريف وجنابك المنيف مقاماً عظيماً وجناباً كريماً ومجلساً عالياً وباباً سامياً فتوخيت ثم نوديت:
هذا هو الملك الذي من بابه ... يعطي المخوف أمانة لزمانه
عم الورى إحسانه فكأنما ... أرزاقهم كتبت على إحسانه
ثم نهض اليعقوب من مكانه وقبل الأرض بين يدي سلطانه وتوجه فائزاً بأمنيته حتى وصل إلى حليلته فأخبرها بما جرى بتخيير المشتري وكيف رأي اليؤيؤ والملك وصورة ما فعل به وسلك وكيف تلقى مقدمة وأكرمه الملك بما أكرمه وقرر كيف كان خطابه وعلى أي صورة حسناً رد جوابه فسرصدرها وانشرح وطارت بهذا الأمر من الفرح ثم توجها إلى حضرة السلطان وحصل لهما من الأنعام والإحسان ما نسيا به الأوطان وسلكا بنفس مطمئنة في خدمة الملك مع الجماعة وأهل السنة وخوطب اليعقوب من الملك أسكن أنت وزوجك الجنة فلما استقرت بهما الدار وتبدل انكسارهما بالأنجبار أفيض عليهما من الصدقات والادرارات والنفقات ما لم يخطر ببالهما ولا دار على خيالهما وحصل لهما الأمن والأمان والسلامة والاطمئنان وانشرحت
стр. 429
خواطرهما وابتهجت بالسكون سرائرهما واستمر النجدي ملازم الخدمة وتوفرت عند الملك وابتاعه له الحرمة وسمعت كلمته وتزايدت حشمته ولم يزل صبيح الطلعة نجيح السعي والنجعه وضئ المنظر مقضي الوطر يرتع على بساط النشاط ويطير في رياض الأمن والانبساط مؤدياً شرائط الخدمة على الوجه الأحسن قائماً بمواجب العبودية مهما أمكن إلى أن تميز على سائر الخدم وتقدم على السابقين في الخدمة وثبات القدم ناشراً ألوية النصيحة ناثراً الأثنية الصريحة منادماً باللطائف الصحيحة والنوادر المليحة بالعبارات الفصيحة والإشارات الرجيحة حافظاً زمام الاحتشام مراعياً مقامات الكلام على مر الأيام وكر الشهور والأعوام ثم ختم لكلام في هذا المقام بأعظم ختام وهو حمد الله الملك العلام وشكره المستدعي لمزيد الأنعام والصلاة والسلام على سيد الأنام وآله وأصحابه السادة الكرام عليه وعليهم التحية والسلام وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 430
الباب العاشر
في معاملة الأحباب والخادم والأعداء والأصحاب
وبه تمت أبواب الكتاب
стр. 431
قال الشيخ أبو المحاسن الراوي من الأدب الاحاسن فلما أبان الحكيم عن هذا الفضل الجسيم وكشف نقاب البيان عن مخدرات هذا التبيان فتلألأ من وراء سجيف ألفاظه وجوه معانيه الحسان عظم في أعين الأعاظم وكبر لدي الأعراب والأعاجم ورفعه أخوه وعظمه ذووه فأضاء منارة وعلا مقداره وملأ الآفاق أنواره ووقع من الملك على الاعتماد عليه اختياره ثم استزاده من فيض هذا العيوب واستسقاه من خوض هذا الشؤبوب واستطعمه من أخبار العقاب واليعقوب إن كان ثم بقية تجلو القلوب الصديه فامتثل الإشارة وحسن العبارة وقال ثم أن أبا الحجاج دعا القبيح أبا الدجاج واختلى به دون أصحابه وقال له أعلم يا جليس الخير وأنيس الطير ورئيس الدير أني تحملت من اليؤيؤ المنة العظيمة والجميلة الجسيمة حيث أرشدك إلى بابي ونظمك في سلك أصحابي ولا حرم أنه قام بما يجب عليه وعرف مقدار إحساني وميلي إليه وأنه لا وثق أعواني وأصدق خلاني وصاحب قديم ومخلص عديم النظير نديم وصديق كافي وناصح مصافي وأني لا تيمن بطلعته وأتبرك بمشاهدته واستنجح بآرائه واستصبح في المهمات المظلمة بلامع ضيائه ولقد حصل منك على عضد معاضد وساعد مساعد وكهف وذخر وسند وظهر فإياك أن تترك ذيل مودته أو ترغب عن صحبته ومحبته وأن تقتصر يا ذا الوقوف في صداقته على الوقوف فافضل المحبة وأكمل المودة ما تزادي على مر الدهور وترادف على كر العصور وثبت أصله وغزرت فروعه وفاض من سويداء القلب على مجاري الجوارح نبوعه بحيث يقع الاتحاد وينمزج بالصفاء الوداد فقد قيل لا تصح المحبة بين أثنين حتى بصيراً كالعينين حيثما نظرت إحداهما ما شزرا مالت معها
стр. 432
تابعة الأخرى بل يصيرا كالنفس الواحدة لا كل واحدة على حده ولا كما تقول الملاحده بل يكمل لكل واحدة ولا كما تقول الملاحده بل يكمل لكل واحد بالآخر ألهنا ويحصل له بوجوده السنا وإذا خاطبه قال يا أنا ولا تعمل يا أكمل كما قيل:
ملأت حشاشتي شوقاً وحباً ... فان ترم الزيادة هات قلبا
فان الفتاح عنده الفتوح وباب الفضل والزيادة مفتوح وكرم الله لا يضاهي وفضله كعمله لا يتناهى وانظر يا فضيل وذا العلم العريض الطويل إلى ما قيل وهو:
أيها السائل عن قصتنا ... أنا من أهوى ومن أهوى أنانحن روحان حللنا بدنا من رآنا لم يفرق بيننا
نحن مذ كنا على عهد الهوى ... تضرب الأمثال للناس بنا
فإذا أبصرته أبصرتني ... وإذا أبصرتني أبصرتنا
وألطف من هذا وأرصن ما قاله القائل وأحسن وهو:
أنا والمحبوب كنا في القدم ... نقطة واحدة من غير مين
فبرانا الله إذا أظهرنا ... مهجة واحدة في بدنين
فإذا ما الجسم أمسى فانيا ... تلتقينا واحداً من غير بين
ولقد ذكرك عندي بأنواع الفضل وبوفور التجارب والعقل وهذا يدل على نصحه وقوة دينه وصدقه في المحبة وحسن يقينه ولم يذكر غير الواقع ولا جازف فيما أنهاه إلى المسامع بل قال قليلاً من كثير وقطرة من غدير ولم يخبر بذلك غير خبير فأني أعرفك كما عرف ووقفت على فضائلك كما وقف ثم أنت عندي فوق ما وصف فأريد منك نصائح بالخير لوائح تتضمن فوائد وعوائد وفرائد تكون لنهم الحكمة موائد ولشهم الحكام قوائد ولنخور ألباب المنقول قلائد ولضبط أساس الملك والدين قواعد وعقائد
стр. 433
فتلقي مثاله بالامتثال وقبل الأرض في مقام العبودية وقام وقال لتحط العلوم الشريفة والآراء العالية المنيفة أن صانع العالم تعالى وتعاظم وبنى أمور المبدأ والمعاد وما بينهما من معاشر مستفاد على دليلين عظيمين جليلين أحدهما العقل الذي هو مناط التكلف وثانيهما قواعد الشرع الشريف فان أردت أن تكون سعيد الدارين فاستمسك بأذيال هذين الدليلين أما العقل فهو الدليل القاطع على وجود الصانع وهو مستقل بالقطع إلى السمع غير محتاج إلى السمع وكما هو مستقل بالدلالة على وجود ذاته كذلك هو مستقل بالدلالة على تحقيق صفاته ثم ورد بذلك الشرع فتأكدت في وجود الصانع دلالة العقل بالسمع وأما وجدانية الصانع فكل من العقل والنقل دليل عليها قاطع وقد تظافرا بالاستباق إليه وتظاهرا في الدلالة عليه بقول الكافر يوم المصير لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير وبالعقل والسمع يستقيم أمر المبدأ والمعاش وبالسمع فقط مبيت المعاد عاش لأن أمور المعاد من الشرع تستفاد والعقل في ذلك تابع سامع لأوامر الشرع طائع والمسموع في ذلك دليل قاطع وعلى كل تقدير أيها الملك الكبير فاجعل العقل وزيراً تجده لك في ظلمات المشكلات سراجاً منيراً واتخذ النقل هادياً ونصيراً يكن بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً وعامل الرعية بالعدل يعاملك الله بالفضل وأعلم أن الدنيا في معرض الزوال وأنه لا بد عنها من الانتقال وأن الله وجل سلطانه جلالاً اقتضت حكمته وجرت بين عباده سنته أن يكون الإنسان على خلاف ما فطره الرحمن فانه خلقه
стр. 434
للعبادة وركب فيه عناده وأقامه للعمل وجبله الكسل فأمره بالصلاة وهو كسلان وبالصوم وهو شهوان وبالزكاة وحبب إليه المال وبالحج وكره إليه الانتقال وبالرضا وركز فيه الغضب وبالتسليم والصبر وخمره بالضجر والصخب وبالتواضع ووضع فيه التيه وبالتخلق بأخلاق خالقه وفيه ما فيه وحكم عليه بالموت وقد تحقق انه ليس له منه فوت وهو يكره عن الدنيا التحويل وأقل أقسامه أنه يحب العمر الطويل وعلى هذا قد تعود أن يفعل في المكان المثزود أفعال المقيم الؤمبد والدائم المخلد وبنى بناء من لا ينتقل وعن قليل يتركه ويرتحل لا سيما من تعلق بالدنيا قلبه وتشبث بالمال والولد والجاه والتحكم حبه وقد أخبر العزيز الوهاب في أصدق كتاب وأوثق خطاب فقال زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب فالنفس مائلة إلى الإقامة راغبة في دوام السلامة تحب طول العمر في الزمان وأن أحوجت الثمانون السمع إلى ترجمان وقد قيل:
وأحسن ما كان الفتى في زمانه ... مع السعد والجاه العظيم معمراوأشهى ما سمع الحاكم وألذ ما تلقاه من قول الناظم قوله:
فلا زلت بين الورى حاكماً ... بجاه عريض وعمر طويل
ولقد بلغني يا ملك الزمان أن الملك العادل أنوشروان أساس ملكه على العدل وعامل رعيته بالإحسان والفضل ويكفيه من الفضائل وحسن الشمائل قول سيد الأواخر والأوائل ولدت في زمن الملك
стр. 435
العادل وقال الرحمن في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل والإحسان وقد قيل في الأقاويل لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال ولا مال إلا بالعمارة ولا عمارة إلا بالعدل فلا ملك إلا بالعدل ومن أقوى الصفات العدلية عمارة بلاد الرعية وبذل الجهد في العمارة ليكثر الربح وتقل الخسارة فإذا عمرت البلاد وترمم الطريف والتلاد حصلت الأموال وكثرت الرجال وانتظمت الأحوال فقد بلغني يا ملك الزمان أن الملك أنوشروان كان ماراً في سيرانه بين جنده وأعوانه فرأى شيخاً كأنه قوس قطان نثر على رأسه قزع أقطان وهو في بعض البساتين يغرس ونصب تين من انحناء قامته وبياض هامته مع شدة حرصه وتعبه على نصب غرسه ونصبه فقال له يا ذا التجارب ومن هو من شرك الفناء هارب الأم ترتع في ميادين الأمل وقد تطوقت باوهاق الأجل تبني وأركان جسدك واهية وتغرس وقوائم يدنك كإعجار نخل خاوية وربيع شبابك قد استولى عليه خريف الهرم وصيف الهرم وصيف وجودك قد أدركه شتاء العدم ومحت نسيم طراوتك
стр. 436
عواصف الذبول ومسحت قوى عبالتك بقواصف النحول وقد آن أن تغرس للآخرة فانك قد قصرت عظاماً ناخرة فقال يا ملك الزمان وعادل الأوان قد تسلمناها عامرة قد غرسوا وأكلنا ونغرس ويأكلون وفي الحقيقة كلنا زارعون وغارسون:
لقد غرسوا حتى أكلنا وإننا ... لنغرس حتى يأكل الناس بعدنا
وابعد فلاح عن الرشد والفلاح من يتسلم المعمور ويتركه وهو بور فاعجب أنوشروان وفور عقل الشيخ ألفان وحسن خطابه وسرعة جوابه فقال زه يعني أحسنت وهي كلمة تحسين ولفظة إعجاب وتزيين وكانت علامة للإحسان إذا تلفظ بها السلطان يعطي المقول في حقه أربعة آلاف درهم لرفقه فأعطوا الشيخ الهم أربعة آلاف درهم فقال أيها السلطان أن الغراس بثمر بعد زمان غراسي لحسن طاعته أثمر من ساعته فقال زه فأعطوه أربعة آلاف أخرى ورفعوا منزلته قدراً فقال وأعجب من هاتين القضيتين أن الغراس يثمر مرة وأنا غراسي يثمر مرتين فقال زه فأعطوه القدر المعلوم وزاده في التكريم والتعظيم والتفيخم وقال له أنوشروان أن أمهلك الزمان حتى تأتيني بباكورة هذا البستان فأنا أقطعك خراجه وأقضي مالك من حاجة فأمهله الدهر وطال به العمر وأدرك ما نصبه ولم يخيب الله تعبه فحمل إلى الملك الباكورة ووفى له الملك نذوره
стр. 437
(وإنما أوردت) هذا المثل ليعلم مولانا الملك الأجل أن الدنيا وأن كانت ظلاً زائلاً وحائطاً مائلاً فهي مزرعة للآخرة وأن الآخرة هي الدار الفاخرة وأن الله تعالى وجل جلالاً ولاك هذه المزرعة وعلق بالأوامر العلية ما بها من مضرة ومنفعة وحكمك في البلاد وملكك رقاب العباد قاياك أن تغفل عن عمارتها بالزراعة أو تسلم زمام تدبيرها إلى يد الإضاعة فانك منقول منها ومسؤل عنها ومصالح عساكرك بها منوطة وأحوال ملكك بالعساكر مربوطة تعمرت الضياع والقرى ترفهت الأجناد والأمرا واستراحت الرعية واستمرت مناظم الملك مرعية وتوفرت الخزائن واطمان الظاعن والساكن وقلت المظالم وكفت أكف الظالم وملاك هذا كله العدل والأستوا ومجانبة الأغراض الفاسدة والهوى وهذا الذي يقتضيه مقامك ويتم به مرامك فان الملك إنما هو ملك بالأجناد فلا بد له من عمارة البلاد والنظر في مصالح العباد لينتظم بنظره مصالح العالمين ويستقيم أمر العالم إلى الحين الذي قدره أحكم الحاكمين فان سنة الله حرت على هذا السنن وما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن ولهذا قال سيد سكان الخيف أنا نبي السيف والجهاد فرض عين على الملوك لا على الفقير والصعلوك فالملوك في نوع من السيادة تقتضي من المال ازدياده ليقيموا من الأسلاك عماده ويقتفوا من الشرع مرادهويقصموا الكفر وعناده ويبيدوا أهله وأولاده وينهبوا أطرافه وتلاده ويوطئوا سنابك الإيمان بلاده وواجب على كل حاكم أن يبذل في ذلك اجتهاده ويجعل الجهاد إلى الآخرة زاده وعتاده ويصون عن الكفر بلاد الإسلام وعباده إلى يوم يلقى
стр. 438
معادة فيجازيه الله الحسنى وزيادة هذه طريقة الملوك ومن تبعهم في الإقتداء والسلوك وإياك أيها الملك العظيم وصاحب الملك الجسيم وأخذ المال من غير حله ووضعه في غير محله ولو كان موضع الخير وقصد به نفع الغير فانه لا يفي ذاك بذا ولا يقوم نفعه بما فيه من أذى فذلك كإنشاء المغارس وبنيان المدارس وتنوير المساجد وتعمير المعابد وسد الثغور وعمارة القبور وإقامة القناطر والجسور وعمل مصالح الجمهور وإطعام الطعام وكفالة الأيتام والحج إلى بيت الله الحرام وإعطاء السائل وإغناء الأرامل وصرف النفقات وإخراج الزكوات والصدقات ومثله الوبيل كما قيل:
بنى مسجد الله من غير حله ... فصار بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
قال من لم يخف عليه إخفاؤها لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ثم أخبر بخبر ما يصدر عنكم فقال ولكن يناله التقوى منكم فان طلب من هذا أجر خسران وكفر لأنه في صورة الاستهزاء وهل يطلب بقبيح الحرام حسن الجزاء بل الواجب في هذا على كل من آذى رد المظالم ورجع الحقوق إلى أهلها وإيصالها إلى محلها أما يرضى ظالم غوى وتحمل الحرام هوى أن يتخلص سواء بسوا وشر الناس يا ذا البأس من اتبع قضية أياس فسأل العقاب عن بيان هذا الخطاب (فقال) في الشام شخص من اللئام تصدى لفصل الأحكام ومشى من الظلم في ظلام وشرع في أخذ الأموال على سبيل التعدي والوبال فكان إذا أخذ من أحد ألفاً ادخر لنفسه من ذلك نصفاً وتصدق بالخمسمائة الأخرى على أولي الضرر والضر أكل واحد درهماً وعد ذلك مغنماً وقال هذه فائدة علينا بالربح عائدة الحسنات خمسمائة والسيئة واحدة وواحد يدعو علينا يتوجهون بالثناء والدعاء إلينا
стр. 439
ثم قال ذلك الجاحد ولا تعجز الخمسمائة عن الواحد (هذا وأن كان والعياذ بالله صرف ذلك الحرام في الفسق والملاه ونيل الأغراض الفاسدة وإقامة الجاه فهو أشد في النكال وأعظم في الوزر والوبال وهذا المقام يطول فيه الكلام وأقل ما في الباب أن الحلال حساب والحرام عقاب وقد سمعت يا جليل القدر ما نطق به السيد الصدر الذي أخجل نور طلعته الشمس والبدر سيد الأنام ومصباح الظلام وحبيب الملك العلام عليه أفضل الصلاة والسلام يوماً لأصحابه السادة الكرام ﵃ وأرضاهم وجمعنا في مستقر رحمته وإياهم أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال أن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت جسناته قبل أن يقضي ما عليه خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار وهذا إذا كانت هذه الطاعات من الصلاة والصوم والزكاة واقعة في محلها ومصاريفها في حلها فأنها لا تفيد الظالم إلا في وفاء المظالم وأما إذا كانت من الحرام ومنشأ غراسها من مياه الآثام فهي وبال على وبال وثبور فوق نكال على كسر ونقصان فوق خسر (وقال أيضاً) أفاض الله عليه سحائب صلواته فيضاً لتؤذن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء فاستعذ بالله
стр. 440
يا مولى الطير ومولى الخير من نار هذا الشرر أن تتفرق طاعتك شذر مذر وأعيدك يا سلطان الصافات وما اكتسبته من الطاعات والخيرات أن ينقل إلى ديوان غيرك أو يفوز بخبرك سوى طيرك اللهم إلا أن يكون يا ذا الوقار والسكون على وجه ما قال من أحسن المقال:
ويكتسب الطاعات ذخر العلما ... يجود بها يوم القيامة على العاصي
أو على وجه ما قيل وأحسن به من وجه الجميل:
يجود بما ضن الجواد بمثله ... من الوفر بل لو أمكنته شمائلهلعاد على المرضى بصحة جسمه وجاد على الموتى بعمر يطاوله
ومن على النوكي بوافر عقله ... وقسم في الحمقى من الرأي كامله
وثقل ميزان المخف بأجره ... لدى الوزن لما آد بالوزر كاهله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بلها فليتق الله سائله
ولأجل عذا الخطر العظيم والخطب الجسيم تورع عن الحلال الزاهدين وشمر عن التلوث بالدنيا ذيل الرغبة العابدون قال سيد البشر والشفيع المشفع في المحشر لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي منها كافر شربة ماء وقال ﵊ والتحية والإكرام اللهم رزق آل محمد قوتاً
стр. 441
ومع هذا كله فالملك والرعية أمانة ومن تقلد ذلك فقد أوجب على نفسه ضمانه فليجتنب خيانته ولا يشين بها أمانته قال صفوة الله تعالى وخيرته من بريته كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته ومصداقه قول رب العالمين وملك الملوك والسلاطين وهو أصدق القائلين أنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوماً جهولاً فاعلم يا ملكاً أعطي الزمان أمانه أن هذا الملك الذي بيدك هو من جملة الأمانة التي أشفق السموات والأرض الجبال وأبين أن يحملنها خوفاً من النكال والوبال وخشية أن لا يفين بحقوق حملها أو يضعنها في غير محلها فيعاقبن أو بالعتاب يخاطبن فتعففن عن الرغبة في الثواب خوفاً من العتاب والعقاب وعملن بموجب ما قيل:
هجرتك لا قلى مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود
كهجر الحائمات الورد لما ... رأت أن المنية في الورود
تفيض نفوسها ظمأ وتخشى ... حماماً فهي تنظر من بعيد
تصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بالحاظ الودود
ثم حمل هذه الأمانة بنو آدم لما قدره وقضاه العلي العظيم في سابق القدم ولما فيها من أحكام وحكم وأن الصادق المصدوق أخبر فيما روى عنه أبو ذر قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر أنك ضعيف وأنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها فمن جملتها الصلاة والصوم والزكاة والوضوء والاغتسال ومراقبة ذي الجلال في السر والإعلان بقدر الطاقة والإمكان وعلى هذا جميع الطاعات وأنواع
стр. 442
العبادات هي في رقاب العباد أمانات ومن أعظمها وأهمها وأحكمها الإمرة والحكومة والتصدي لفصل الخصومة والسلطنة العلية وأمور الملك البهية والقيام بأمور الرعية فيجب على السادة الحكام ومالكي أزمة الأنام أن يراقبوا الله تعالى في كيفية أدائها ويطالبوا أنفسهم على ممر الأنفاس بالقيام بوفائها ويراعوا أوامر سلطان السلاطين في أمور عبيده المستضعفين خصوصاً المظلوم والفقير والضعيف والمسكين فإذا عاملوا عباد الله بالعدل عاملهم الله بالفضل قال الله المنان في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل والإحسان وقال السيد الكامل والسند الفاضل أشرف الأواخر والأوائل صلى الله عليه صلاة تفنى البواكر والأصائل سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله أمام عادل بدأ في هذا الفصل من ذكر الصفات بالعدل والعدل يا ذا الوجه النير الوسط هو الخير قال من أمره قهر وسطا وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء أي للأنبياء تشهدون لهم على أممهم لعدالة فيكم ويكون الرسول عليكم شهيداً أي يزكيكم أي وكما جعلنا نبيكم إمام القبلتين حائز الفضيلتين جعلناكم حائزين خصلتين بالغين مرتبتين وهما كونكم عدو لا شهداء على الناس مقبولي الشهادة في الأداء وكون الرسول معد لكم وبتزكيته على الأمم مفضلكم وقال ﷺ وشرف وكرم وفخم وعظم عدل السلطان يوماً يعدل عبادة سبعين سنة وقال ﵊ والتحية والإكرام والذي نفس محمد بيده أنه ليرفع للسلطان العادل إلى السماء مثل عمل جملة الرعية
стр. 443
وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﵇ قال ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم وروى كثير بن مرة ﵁ قال: قال: ﵊ السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده فإذا عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر وإذا جار كان عليه الإثم وعلى الرعية الصبر وعن أبي هريرة ﵁ يرفعه لعمل الإمام العادل في رعيته يوماً أفضل من عبادة العابد في أهله مائة سنة أو خمسين سنة وقال قيس بن سعد ستين سنة وأعلم أيها الملك الأعظم واسلم أن العدل ميزان الله تعالى في الأرض به ينتصف بعض الرعية من البعض وبه يؤخذ للضعيف من القوي ويعبد الله على الصراط والسوى ويتميز الحق من الباطل والحالي من العاطل وهو من صفات الذات وأعظم الصفات بمعنى أن الله تعالى جلالا له أن يفعل في ملكه ما يشاء فيؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عن من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويحكم ما يريد والخلق كلهم له عبيد وجميعهم بعض ملكه نافذ فيهم سهم أمر ملكه فلا اعتراض على فعل المالك ولا فيما يسلك بمملوكة المسالك ولا مجال لاعتراض عبده على ذلك لا سيما إذا كان مولاه كريماً وفي أفعاله مدير حكيماً فمن عرف أن الله عدل وأن أفعاله جارية بين العدل والفضل يتلقى نقمه بالصبر
стр. 444
ويقابل نعمه بالشكر ويطمئن خاطره وتسكن إلى مولاه سرائره فلا يستقبح موجوداً ولا يستهجن مفقوداً ولا يستثقل حكماً ولا يرمي في الكون ظلماً بل يستقبل الأحكام بالرضا ويستسلم لموارد القضا ويقابل العوارض بما قاله ابن الفارض:
وكل أذى في الحب منك إذا بدا ... جعلت له شكري مكان شكيتي
وأعدل المخلوقات وأوسط الكائنات الأنبياء ﵈ فأنهم أعدل الخلق مزاجاً وطبيعة وأقوم الناس منهاجا وشريعة وأوسط البشر أفعالاً وأقسطهم أعمالاً وأقوالاً وإنما يعترض على أقوالهم ويتعرض لأفعالهم من هو عن الصواب منحرف وعن جادة الحق منصرف ومن عين يصيرته عمياء عن مراقية التحقيق كالأعمى الذي خرج وهو ماش عن سواء الطريق فيعثر في شوك أو حجر أو يصدمه حيوان أو شجر فيقول نحو هذا عن الطريق فانه يحصل للمارة تعويق ويعيب على واضعه وإنما العيب في طبائعه والجهل منسوب إليه لعمى قلبه وعينيه كما قال ذو الخويصره لسيد الرسل البررة لما قسم الغنيمة قسمة مستقيمة اعدل فأجابه الكامل المكمل بأنه أن لم يعدل فمن يعدل وأنه رأى ذا الخويصره الذي أعمى الله بصره خاب وخسر ولاقى اليوم العسران لم يعدل ذلك المفضل وكيف يقال هذا الكلام لمثله ﵊ قود أمره الله تعالى بالعدل ونشر سر هذا النقل واقر عينكم بقوله وأمرت لا عدل بينكم
стр. 445
قال الأسد الغالب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وجعل إلى رضوانه له احسن وجهه أما عادل خير من مطر وابل وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم وقيل الملك يدوم مع العدل ولو كان الملك كافراً ولا يدوم مع الظالم ولو كان مسلماً وما تعاطى حاكم ذو فضل فصل قضية في فصل أحسن سلوك طريقة العدل ولذا بقي أسم أنوشروان مخلداً بالعدل على مر الزمان وإلى يوم ينصب الميزان مع أنه كان مجوسياً يعبد النيران وللسنة التي اخترعها بالسلسلة التي وضعها باقية في ممالك الصين معمول إلى آخر حين وقيل أنه كان شديد الوداد للاصطياد وكان يعشق البازي والزروق والصقر والباشق والبيدق فسأل يوماً من الباز دار لم كانت هذه الأطيار قصار الأعمار قال لأنها تظلم الطيور والظالم عمره قصير فتنبه بهذه الكلمة واتعظ وكف يده عن الظلم واحتفظ ثم أسس قواعد العدل فانتشر ذكره إلى يوم الفصل ويكفيه من الفضائل قول السيد الكامل ولدت في زمن الملك العادل وروى أن بعض الملوك العادلين والحكام الفاضلين استولى عليه الكبر ووقر في أذنه وقروقر وكان قبل الصمم في العدل والكرم كما قيل:
وأنه مظلوم وغنة سائل ... على أذنه أحلى من الشهد في الفم
стр. 446
فحزن لفقد سمعه وتأسف وتحرق وتلهف وتأرق وبكى وتأوه واشتكى وقال ما أتلهف من عدم سماع الحديث الأعلى فقدي صوت المستغيث ولا كنت أتلذذ من متكلم إلا بالإصغاء إلى خطاب المتظلم ثمقال لئن حرمت ذلك من طريق الأخبار فلأتوصلن إليه من طريق الأبصار ثم أمر بأشعار النداء في الأطراف والأرجاء أنه من كانت له ظلامه فليظهر له علامة وهي أن يلبس ثوباً أحمر ويقف فوق ذلك التل الأخضر لنعرف علامته ونكشف ظلامته وقيل أن السلطان السعيد نور الدين الشهيد لما أمر ببناء دار العدل وعزم أن يقيم فيها للحكومات الفصل أدرك الأمير الكبير صاحب الرأي المنير أسد الدين شيركوه السلطان ما يعتمده السلطان ويرجوه وما يحمله على ذلكم ويدعوه وعلم أن ذلك الأسد لا يسامح عنده أحد وأنه لا يراعي في الحق أميراً ولا كبيراً ولا صغيراً فانه مع الحق وبالحق قائم لا تأخذه في الله لومة لائم فجمع مباشرى ديوانه وأكد ما قاله لهم بأيمانه لئن شكا منهم أحد أو بلغه عن أحد من حاشيته ظلم أو نكد ليذيقنه أشد العذاب ولينزلن به أنكى عقاب وقال ما برز هذا الأمر العزيز الغالي ببناء هذا المقعد العام العالي إلا الأجلى ولأجل أمثالي فما وسعهم إلا طلب الخصوم واسترضاء العادل والمظلوم
стр. 447
(وروى) أن أحد الصدور هصبه بعض عمال المنصور وأخذ منه كفراً من الكفور فتوجه إلى الخليفة وضرب له أمثالاً ظريفة وقال أصلح الله أمير المؤمنين وأقام به شعائر الدين ونصر به المظلومين على الظالمين أأذكر ظلامتي أولا أم أضرب أمام حاجتي مثلاً فقال دع الجدل وأضرب المثل فقال ألهمك الله العدل وأقام بك قواعد الفضل أن الطفل إذا نابه ما يكرهه أو قرعه خطب يجبهه فر إلى أمه وأجهش إليها من همه فأوى إلى حضنها وأندس تحت بطنها لأنه لا يعرف سواها فيستكشف بها عن نفسه ما دهاها ولا يظن أن غيرها يدفع عن نفسه ضيرها فإذا عرف أباه بث إليه شكواه واستدفع به ما عراه لأنه قد وقر في وهمه أن أباه أقوى من أمه وأن غيره من الناس لا يقدر على دفع البأس فيلجأ إليه فيترامى في دفع شدائده عليه ولا يقبل عذره أن ترك نصره أو قصر في مبتغاه أو تهاون في متمناه ولهذا قال بدر الحي أن النساء والصبيان يظنون أن الرجل يقدر على كل شيء فإذا أشتد واستوى وأصابه من أحد جوى تقدم إلى الوالي لأن مقامه عالي وهو أقوى من أبيه فيستكشف به ما وقع فيه فإذا صار رجلاً وأصابه من أحد نكد وبلاً استنجد بنائب السلطان فوجده له أحسن معوان فاشتكاه ورفع بلواه وكفاء إذ دعاه ما دهاه ورعاه عما عراه فانه أقوى من الوالي وأقدر على دفع الظلامة من كل منهمك غالي وهو السلطان الحاضر والعامل والناظر على البادي والحاضر فإذا ظلمه الوالي والعامل ونقصه حقه ذو الحكم الكامل تعلق بأذيال عدل السلطان واستكشف بمراحم نصرته ما دهاه من عدوان إذ قد تحقق ورأى
стр. 448
وصدق أنه أقوى من الكل وإلى مرسومة مرجح الجل والقل ولايد فوق يده وأنه قد انتهى حديث رفعته لعلو سنده وبلغ في التسلط ونفوذ الأمر إلى أقصى أمده إذ هو ظل الله في أرضه وخليفته في إقامة نفله وإحياء فرضه وقابض أزمة المخلوقين ومنصف المظلومين من الظالمين فإذا لم ينصفه السلطان مع القدرة الكاملة والإمكان توجه بشكواه إلى سلطان السلاطين وطلب رفع ظلامته من رب العالمين لعلمه أنه الحكم الذي لا يجوز والحكيم الذي بيده مقاليد الأمور والحاكم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأنه أوقى من السلطان ولا يحتاج في الشكوى إلى بيان ولا إلى دليل ولا برهان وقد نزلت بي حادثة للقلب كارثة وبالفكر عابثة وللسر عائثة وهي أن العامل الفلاني ظلمنني وأخذ مكاني فأنا أشكوه إليك وقد تراميت عليك وعرضت قصتي بين يديك لأنك نعم السند وليس فوقك أحد ولا في الحكام إلا من هو لك بمنزلة الغلام وما بعدك إلا الله مولى لا يخيب من رحاه ويجيب المضطر إذا دعاه فان وعيت قصتي وكشفت غصتي وإلا رفعتها إلى الله وقطعت النظر عما سواه وهذا أوان الموسم وأعمال المنسيم وأنال متوجه إلى حرمه ومترام على باب إحسانه وكرمه فلما وعى المنصور خطابه أرسل من سحاب جفنه عبابه وقال حباً وكرامة يا ذا الزعامة بل أنصفك وبالفضل أسعفك وأضعف كرامتك وأكشف ظلامتك وأوصلك حقك وأعطيك مستحقك وأمر فكتب إلى واليه يضع من معاليه ويأمره بردأراضيه وطلب مراضية والتحلل من ظلم أياديه وإكرام محله
وناديه
стр. 449
وروى موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم في بعض مناجاته وسؤاله حاجاته سأل الله من فضله أن يريه نكتة من عدله فأمره أن يتوجه إلى مكان ويختفي فيه عن العيان فامتثل ما به أمر واختفى في ذلك المكان على شط نهر فما كان سارع من قدوم إنسان إلى ذلك المكان فبمجرد ما وصل إليه نزع من ملبوسه ما عليه وكان معه كيس فيه مال نفيس فأودعه ئيابه ورام في الماء انسيابه فدخل في ذلك النهر وغلغل فيه إلى أن غاب عن النظر فاقبل فارس فوجد ثياباً بلا حارس فنزل عن الدابة وفتش ثيابه وأخذ كيس الذهب وركب فرسه وذهب وأسرع في الذهاب إلى أن زال شخصه وغاب ثم أقبل شخص ذو شجب وعلى ظهره حزمة حطب فانتهى إلى ألما وقد برح به الظمأ وأمضه التعب وأخذ منه النصب فطرح عن ظهره الحطب وقصد الراحة وقد ظهر الذي كان في السباحة فوجد عند ثيابه شخصاً من أترابه فأستأنس به وتأوه لمكتئبه وما يقاسيه من نصبه ثم اشتمل ملبوسة وتفقد كيسه فما وجده فعض يده فسأل الحطاب عما كان في الثياب وطلب منه الكيس بالتعبيس فقال ما رأيته ولا حويته فقال هل كان معك أحد فقال لا والواحد الأحد قال فهل كان هناك سواك قال لا والذي سواك قال يا أخي أنا وضعت الهميان بيدي في هذا المكان ولم يطل على ذلك زمان ولا حضر سواك حيوان ولا طمث عذراء هذا الموضع أنس ولا جان فلا اشك أنك أخذته ولنفسك افتلذته فاقسم بعالم الخفيات وكاشف البليات المطلع على الضمائر والنيات
стр. 450
أنه ما رأى له همياناً ولا يعرف لذلك مكاناً فقال لو شهد لك الكون والمكان ونطق ببراءتك جوامد الزمان وزكاهم الكرام الكاتبون لما شككت أنهم كاذبون لأن إنكار المحسوس مكابرة والمثابرة على الباطل للحق مادبرة خذلك منه يا فقير الثلث والثلث كثير واردد على الثلثين وإن أبيت فاجعله بيني وبينك نصفين فما زاد ذلك على اليمين وما شك هذا أنه يمين فقال اردد على مالي وإلا قتلتك فلا لك ولا لي فقال ما رأيت ما لك فافعل ما بدا لك فشرع في تفتيشه وبالغ في فحصه وتنبيشه فلم يهتد إلى شيء سوى الضلال والغي فأخذه الحنق واشتد به الأرق وثارت نفسه الأبية واتقدت ثورته الغضبية فضربه بمحدد فقتلته وجد له بالإهلاك فجد له ثم تركوه وذهب ولم يحظ من الذهب بغير اللهب كل هذه الأحوال وموسى ﵇ يشاهد ما فيها من أفعال وأفوال ثم ناجى فقال يا ذا الجلال أنت عالم بحقائق الأمور وسواء عندك البطون والظهور سألت فضلك أن تريني عد لك فأريتني هذا المغرم وأنت أعلى وأعلم ففي ظاهر ما أمرتني وبكرامته غمرتني من الشريعة المطهرة ونص التوراة المحرم أن هذا الحكم جور وظلم فأطلعني على الحقيقة وبين لي سلوك هذه الطرقة فقال الله تعالى وجل جلالاً يا موسى المقتول قتل أبا القاتل والقاتل سرق الكيس من أبي الفارس الخائل ففي الحقيقة الفارس النبيه وصل إلى ماله المخلف عن أبيه والقاتل إنما استوفي قوده ممن قتل والده وهذه الأمور إنما تتضح يوم النشور تبلى السرائر وتكشف الضمائر وينادي يوم التناد لا ظلم اليوم إن الله قد حكم بين العباد
стр. 451
ونظير هذه القصة ما ذكره الله تعالى وقصة في روض كلامه النضر عن موسى والخضر ﵉ والتحية والإكرام إذ ركب السفينة وخرق خرقاً مؤدياً إلى الغرق وقتل النفس الزكية وأقام بغير أجر أركان الجدار الواهية وبعض ذلك مخالف لظاهر الشريعة تنفر عنه النفس السليمة والطبيعة ولكنه موافق للحكمة الإلهية ومقتضيات العقل الحقية الذي لا يطلع عليه الأعالم الأسرار الخفية ولهذا قال جل وواحد أحداً وتعالى فرداً صدمداً عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ثم استثنى من هذا المقول إلا من ارتضى من رسول وإنما الشريعة الزاهرة وردت بما تقتضي من الحكم الظاهرة فتعبدنا الله في الشرائع بظاهرها ما يثبت في الوقائع (قيل) من أيقن بحقية أربعة كان من ضيق أربعة في سعه وأمن ودعه من أيقن أن الصانع الضار النافع لم يخطئ ولم يغلط أمن من العيب والشطط ومن أيقن أن الخلاق ومقسم الأرزاق لم يحف في خلقه ولم يمل في رزقه أمن من الحسد واستراح من النكد ومن أيقنبوقوع المقدور وأنه لا ينجيه منه محضور أمن من الغم ولم يتساقط عليه الهم كما قيل:
ما قد قضي يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يقدر
ومن عرف أصله أمن من الكبر تصله وكتب في قضية إلى أعدل خلفاء بني أمية من
стр. 452
عامله بحمص أنه هدم الدمص وعدم النمص وأن ربضها رابض ومرعى رياضها بأرض وأنها محتاجة إلى عمارة وزراعة وحراسة ومناعة فكتب إليه عمر بن عبد العزيز هذا الجواب المفيد الوجيز وهو حصنها بالعدل ولق طرقها من الحدل يثبت ألبنا وينبت الكلا والسلام وقيل أمير بلا عدل كغيم بلا مطر وعالم بلا ورع كشجر بلا ثمر وشاب بلا توبة كمشكاة بلا مصباح وغنى بلا سخاء كقفل بلا مفتاح وفقير بلا أدب كطابخ بلا حطب وامرأة بلا حياء كطعام بلا ملح وقاض جائر كملح على جرح وقيل العالم بستان سياجه الشريعة والشريعة سياج يخدمها الملك والملك راع يعضده الجيش والجيش أعوان يكفلها المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية أحرار يستعبدها العدل والعدل سلك به نظام العالم وليعلم أن الملة الأحمدية والشريعة المحمدية هي أعدل الملل وأقوم النحل مثلاً النصارى لا يتحامون الحائض أيام أقرائها ولا فرق بين الحائض وغيرها من نسائها
стр. 453
واليهود يجتنبونها فلا يؤاكلونها ولا يشاربونها ويقربونها رأساً ويعدونها رجساً وركساً فسلكت الشريعة المحمدية في ذلك أعدل الطرق وأفضل المسالك فتعاشر كالأطهار وحرم قربان ما تحت الإزار وفي بعض الملل على الذي قتل القود والقصاص وليس في الدية خلاص وفي بعض الدية لا غير وما للقصاص فيها سير ودين الإسلام المرفوع كل فيه مشروع والعدل في الاعتقاد يا ملك البلاد ترك التخليط وسلوك ما بين الأفراط والتفريط والقول بالتقديس والتنزيه واثبات الصفات من غير تعطيل ولا تشبيه واقتباس النور من جمرين وسلوك أمر بين أمرين والعدول عن المذهب البغيض وهو مذهب الجبر والتفويض والعدل في الفقيهات يا معشوق المخدرات والحذريات الذي قام عليه النص دليلاً ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا
стр. 454
فمن العدل الوضوء والمعتاد ثلاث مرات ومن نقص أو زاد فقد تعدى وظلم كذا قال النبي المكرم ﷺ أي تعدى أن أسرف وظلم أن أجحف والعدل في الصلاة أن تكون على مرتضى الشرع ومقتضاه وهي أداؤها في أفضل الأوقات مؤداة مع الجماعات في الصف الأول على الوجه الأكمل عن يمين الأمام من الافتتاح إلى الاختتام مع تعديل الأركان بل التعديل فرض عند بعض الأعيان لا نقرا كنقر الطير ولا تطو بلا يضر بالغير والعدل في الزكاة أن لا يتمموا الخبيث منه ينفقون ولا يجعلوا الله ما يكرهون وليسوا بآخذيه الآن يغمضوا فيه ولا يكلف جابي المال أن يعطي كرائم الأموال والعدل في الصوم يا سيد القوم أن لا يتنول فوق الغذاء المعتاد ولا يصل بالوصال إلى درجة الإجهاد ويعجل الفطور ويؤخر السحور والعدل في الحج أن لا يماري في الأنفاق ولا يضار الرفاق بالشقاق كما يفعله أبناء الزمان فان ذلك خسران والازدياد من ذلك نقصان ولقد بلغك يا قمر ما قاله عمر لخادمه يرفا وذا لا يخفي كم بلغت نفقاتنا مقداراً قال ثمانية عشر ديناراً يا أمير المؤمنين قال ويلك أجحفنا بيت مال المسلمين وإياك والأشر وقاك الله كل شر فقد بلغك قيمة راحلة
стр. 455
سيد البشر ليدل ذلك على ترك البطر والأشر ولا يقصر في نفقته بحيث يصير كلا على رفقته وكذلك في كل الأنفاق يا ملك الآفاق قال من عز كلاماً مقالاً ومقاماً والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً والعدل في النكاح يا حبيب الصباح لمن عليه يقوى فهو أقرب للتقوى وهو يا أبا حسان واجب عند التوقان سنة عند القدرة عليه مستحب عند استواء طرفيه مكروه عند العجز عنه وهذا بحث قد فرغ منه وقس يا ذا الكرامات على هذا سائر العبادات وجميع العادات وعقود المعاملات ولا تتعدا الحدود في الحدود فان ذلك مردود وعلى قانون العدل وردت الشريعة المطهرة وجرت قديماً شرائع الأنبياء البررة وكذلك مقادير الملة المحمدية عليه افضل صلاة وأزكى تحيه محررة على القواعد العدلية وفيها من الحكم الإلهية ما يعجز عن إدراكها القوىالعقلية قال الله تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبيان وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وحاصل الأمر يا ذا النهي والأمر أن العدل هو قوام كل فضيلة كما أن الصبر هو أساس كل خصلة جميلة وأن أردت بسط هذا البيان فدونك القول والتبيان في تفسير القرآن المنزل على أشرف إنسان إن
الله يأمر بالعدل والإحسان فقد أشبع التقرير ودقق التحرير في روضة النضير فارس ميدانه الأمام الخطير فخر الدين الرزاي في تفسيره الكبير
стр. 456
والعدل يجري في لصفات كما يمشي في الذوات ومرتبتا في العلو أن يكون بين التقصير والعلو كالكرم الذي يكون بين الإسراف والتبذير والشح والتقتير والتواضع الذي بين الضعة والتكبر وبين التصعر والتصغر والشجاعة التي بين التهور والخفة والجبن الطائش الكفة والقناعة التي بين الحرص والطمع والنذالة والهلع وبين العجب والتصلف والاحتشام والتقشف والإخلاص الذي بين الشرك والهوى وبين الإعجاب والريا والعفة التي بين التهافت على المشتبهات والترفع عن تناول المباحات والطيبات والحزم الذي بين سوء الظن والوهم والوسواس وبين إذاعة السر والأسختفاف وعدم ألا مبالاة بالناس والحلم الذي بين الغضب بلا سبب وبين التغاضي عن اللئام عند موجب الانتقام والشفقة ولين الجانب للأقارب والأجانب الذي بين القوة والاستكبار وبين الرخاوة واللين المستلزم لتضييع حقوق الأهل والجار وحفظ الحقوق الذي بين التكلف والعقوق يراعي فيها الحدود ولا يخرج فيها عن الحد المعهود فالخروج عنها يسمى عناداً وقساوة والتقصير فيها يدعى ركاكة ورخاوة مثلاً من يستحق العفو لا يضرب ومن يستأهل الضرب لا يقطع ولا ينكب ومن استوجب القطع لا يقتل ومن وجب عليه حد لا يهمل وتجري أمور الشرع الشريف على ما ورد به الأمر المنيف فما ثم أحد أكرم من الله ولا أرحم ولا أعلم بأمور مخلوقاته ولا أحكم قال السميع البصير ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
стр. 457
وروى أن الإمام المسدد جعفر بن محمد دخل على الرشيد وهو في أمر شديد قد استولى عليه الغضب واستخفه الطيش والصخب فقال يا أمير المؤمنين إن كان غضبك لرب العالمين فلا تغضب له أكثر من غضبه لنفسه وقد حد لكل شيء حداً من نقمه وبأسه فلا تتعد حدوده فانه قد ملكك عبيده فتذكر من وقوفهم بين يديك واقتدارك عليهم إذا تمثلوا قياماً لديك قدومك يوم القيامة عليه ووقوفك خاضعاً منفرداً بين يديه ومن انتقامك منهم سؤاله إياك عنهم فسكن من غضبه واقتدى بأدبه وقال الحكماء للإسكندر عليك بالاعتدال في كل الأمور فان الزيادة عيب والنقصان عجز وفي الحديث خير الأمور أوسطها ولهذا قيل في الأقاويل ينبغي للإنسان الراجح العقل في الميزان أن يحصل من كل علم مقدار ما يحتاج إليه ويعول في مشكلاته عليه مثلاً علم الأدب ما ينال به عند أربابه الرتب كاللغة والنحو والصرف ولو أنه أدنى حرف ليقوم بذلك لسانه ومن علم المعاني ما يبدع به بيانه ومن العروض والقوافي المقدار الوافي والمعيار الكافي ومن الطب ما يعرف به
стр. 458
مزاجه ويصلح به علاجه ويقوم به اعوجاجه ومن علم التفسير والقرآن ما يقتدر به على بيان كلام الرحمن ومن علم السنة والحديث ما يميز به الطيب من الخبيث ويضبط به أقسامه وصحته وسقامه والأنساب والرجال ومالهم من صفات وأحوال أن لم يكن مفصلاً فعلى الأجمال ويندرج فيه علم التاريخ العالي الشماريخ ومن علم الكلام ما يصحح به دينه ويقيم به اعتقاده ويقينه ومن علم الأصول وما اشتمل عليه من معقول ومنقول ما يقدر على استنباط الأحكام ومعرفة أدلة الحلال والحرام ومن علم الفروع ما يحكم به أصناف العبادات وأنواع العادات وطرائق العقود وإقامة الحدود ومن علم مكارم الأخلاق ما يصيد به قلوب الرفاق ويكتسب به الذكر الجميل والثناء الجليل ومن الحرف ما يحصل به القوت الحلال ولا يصير على الناس كلاذ إملال وقد قيل خالطوا الناس مخالطة أن غبتم حنوا إليكم وإن متم حنوا إليكم ومن علم الركوب والرمي والسباحة والخط ولعب الرمح والسياحة وعلم الفرائض والحساب وطرائق المبايعات والكتاب ما يقدر به على الدخولإليه إذا تكلموا فيه بين يديه بحيث يكون له فيه مشاركة والمام ولا يكون بين الخواص كالعوام وكل ما ذكر فسلوكه عدل والتلبس به كمال وفضل ورأس مال الجميع التقوى فان الإنسان الضعيف بالتقوى بقوى قال الله تعالى ولكن يناله التقوى منكم وبالجملة فالعاقل العادل بل الكامل الفاضل لا يستنكف عن نوع من العلوم ولا تبرد همته عن اقتباس منطوق ومفهوم قال معلم الخير ومحذر الشر تعلموا حتى السحر وقال:
стр. 459
عرفت الشر إلا ... للشر لكن لتوقيه
ومن لم يعرف الخير ... من الشر يقع فيه
وكل مصافي السريره وذي بصيرة منيره يتوجه إلى التعلم والاستفادة ويجعل مراده مراده أي علم كان خصوصاً إذا كان من الشرف بمكان قال بعض الوزراء لابنه يا بني تعلم العلم والأدب ولا تسأم فيهما من الطلب فلولا العلم والأدب لكان أبوك في السوق حمالاً وللنوق جمالاً فبالعلم والأدب ركبنا أعناق الملوك وأحوج الناس يا ذا الأفضال إلى اكتساب الفضل والعلم والكمال السلاطين والملوك ومن تبعهم في السلوك فانهم بين خلق الله تعالى المرموقون والسابقون بجلائل النعم لا المسبوقون وبحفظ بلاده وعباده المستوثقون منهم موثوقون فهم المتحملون لأعباء العدل المكلفون بالمحاسبة عنه والفضل قال من يقول للشيء كن فيكون قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فهم أقدر على التحصيل من غيرهم والزمان والمكان تابعان لسيرهم والخاص والعام يتمنى قربهم ويسلك في التوصل إلى جنابهم دربهم ويبذل في ذلك ما وصلت إليه يداه ويجعل تحصيل ما يرمونه غاية متمناه فيبذل جهده في ايصالهم إليه ويكد قلبه وقالبه في اطلاعهم عليه قال الشاعر:
ولم أر في عيوب الناس نقصاً ... كنقص القادرين على التمام
وقال بعض المؤرخين الملوك لأولاده يا بني اكتسبوا العلم والفضل وادخروا الحلم والعدل فان احتجتم إلى ذلك كان مالاً وإن استغنيتم عنه كان جمالاً وقال بعض الحكماء العلم ملك ذو أعضاء رأسه التواضع ودماغه المعرفة ولسانه الصدق وقلبه حسن النية ويداه الرحمة ورجلاه مثابرة
стр. 460
العلماء وسلطانه العدل ومملكته القناعة وسيفه الرضا وقوسه المساءلة وسهمه المحبة وجيوشه مشاورة الأدباء وزينته النجدة وحكمه الورع وكنزه البر وماله العمل الصالح ووزيره اصطناع المعروف ومستقره جودة الرأي ومأواه الموادعة ورفيقه مودة الأخيار وذخيرته اجتناب الذنوب والحاصل يا ملك الطير ويا مالك عنان الخير أن قوام العالم ونظام بني آدم سيف الملوك والسلاطين وقلم العلماء الأساطين فمهما حدث من شر محاه سيف الملوك ومهما وجد من خير أثبته فلم علماء الإرشاد والسلوك وفي الحقيقة يا شيخ الطريقة العالم عبارة عن هؤلاء وبصلاحهم تصلح الأشياء وبفسادهم والعياذ بالله تفسد الدنيا إذ هم لزوال الفساد وطهارة العباد وعمارة البلاد بمنزلة الصابون للأوضار والاستغفار وللأوزار فإذا فسد هؤلاء فما لفسادهم دواء كما قيل:
الذنب صابون الاستغفار يغسله ... كالثوب ينظف بالصابون أن وسخا
فما الذي يغسل الصابون من دنس ... إذا رأيناه صار الذنب والوسخا
وناهيك يا ملك العقبان ما فسد من الزمان وجرى من الدماء من طوفان وانمحى من أمهات البلدان عند استيلاء الكافر جنكيز خان فسأل العقاب عن كيفية هذا المصاب والعقاب ومن هو جنكيز خان الذي أفسد وخان وما أصله وفصله وكيف كان قطعه ووصله حتى نفذت في كبد العالم بالفساد نصله
следующие страницы →