Полный текст (515 стр.). Показаны 491–515 · переход к 496.
стр. 491
القلق والأرق رقاده وعلم المسلمون أنه خان وأنه لا طاقة لهم بالتتار فخافوا حلول البوار ونزول الدمار وتيقنوا خراب الديار لأن السلطان عاجز ولا بد من قدوم بلاء ناجز وقالوا إذا كان هذا الخور من شرذمة قليلة من التتر في طرف من أطراف بلاده لا فيهم أحد معتبر من أجناده ولا
رئيس يشار إليه من أولاده ولا درى ولا أعلم بما جرى فكيف إذا دهم بطامته الكبرى وأحشاد جيوشه العظمى فترك خوارزمشاه ببخارى عشرين ألف مقاتل وفي سمرقند خمسين ألف مناضل وقرر معهم أنه سيجمع الجنود ويستجيش أبطال المسلمين ويعود وتوجه بثبات عزم وإضاعة حزم إلى سرير ملكه خوارزم ثم انتقل إلى خراسان وخيم بضواحي بلح في مكان وأقام رخى البال كأن الشيء ما كان ثم لا زال يضمحل ويذوب ويحل به ما يحله من نوائب الخطوب حتى انتقل إلى جوار الرحمن في أطراف طبرستان في سنة سبع عشرة وستمائة وكانت ولايته في العشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة وكان ملكا عظيما وسلطانا جسيما ذا صولة فاهرة ودولة باهرة وجولة أرقدت الملوك بالساهرة فاضلا فقيها عالما نبيها اضمحل بأدنى حركةملكه وغرق في بحر الفناء بعد الطغيان فلكه وركن إلى الخطا فوقع فيه وخانته عساكره ومخالوه ودود الخل منه وفيه كان في خزنته عشرة آلاف دينار من أجناس الأقمشة والأمتعة والأسلحة ما لا يحصيه إلا الواحد القهار وكان فيها ألف حمل من القماش الأطلس
стр. 492
وأضعاف ذلك من نفيس النفائس وأنفس ومن الخيل المسومة عشرون ألف جنيب ومن المماليك الملوك عشرة آلاف كل له في دار الملك ربع خصيب وأوفر حظ ونصيب فما أفاد ذلك ذره بل نبشوا بعد موته قبره وقطعوا رأسه وفجعوا به ناسه فسبحان من لا يزول سلطانه وعز وعلا من لا يذل شأنه:
فما كف ذو كف له رائد الردى ... ولا مال بالأموال عنه حمامه
ولا ملك كلا ولا ملك حمي ... حمى ملكه لما عراه انهدامه
وبسط المقول فيه شرح بطول (وأما) أمر الطاغية صاحب الفئة الباغية جنكزخان لما وصل قصاده من عند السلطان بعد الفناء والشدة لحاهم محلوقة ووجوههم مسودة وقد قتل رئيسهم وخلا من نقد مرادهم كيسهم ذهب حفاظه والتهب شواظه وطمت بحار كفره وتلاطمت وتزعزت أطواد شركه وتصادمت وبينما هو يرغى ويزبد ويقوم من غضبه ويقعد إذ جاءه الخبر الثالث وهو شر الحوادث إذ فيه خبر من قتل من الكفار وانتقل من دار الخسار إلى دار البوار جهنم يصولنها وبئس القرار فأعمل في قلبه نصله وكان أولا قد زاد على قرحه قرح مثله ثم كان هذا القرح ملحا مذرورا على جرح فقامت قيامته وتعوجت بالحزن قامته وود لو أحرق الكون بأنفاسه وهدم أساس المكان بفأس بأسه ثم تروى وافتكر وتهوى من حر هذا الشرر ثم قصد مذهب الاعتزال وانزوى عن جماعته في مكان خال ودخل إلى مكان خراب وعفر وجهه في التراب وتضرع إلى الله الحليم وقال يا خالق يا قديم أنا أردت أن أعمر
стр. 493
بلادك وأنعش عبادك فظلمهم يا الله عبدك خوارزمشاه وتعدى علي وكرر الإساءة إلي فانتصر لي منه وانتقم فإنك جبر من كسر وعون من ظلم واستمر على هذه الحال ثلاثة أيام وليال لا يأكل ويشرب ولا يفتر عن التضرع والطلب يمرغ رأسه ووجهه في الثرى ويقصد فيما يرومه رب الورى وقد قيل:
تضرع جنكزخان لله ساعة ... وأخلص فيما رامه وهو مشرك
فما خاب فيما رامه من فساده ... وما زال يعثو في الأنام ويسفك
فما بال من لله طول حياته ... يوحد بالإخلاص هل هو يهلك
ثم نهض نهضة أنام فيها الأنام وقام قومة أقام بها ساعات القيام فتوجه من مشركي التتار وعساكر الكفار بالبحار الطامية والأمطار الهامية وجبال النيران الحامية في شهور سنة خمس عشرة وستمية ومشوا على ممالك الإسلام وساروا على بسك العالم سير الغمام وأرادوا طفاء نور الإيمان من أشراكهم بظلام فوصلوا إلى البلاد وهي جنة المرتاد آمنة مطمئنة ساكنة مستكنة وليس لها مانع ولا ممانع ولا لهم عنها دافع ولا مدافع ولا بها حام ولا محام ولا سام ولا مسام فاخنوا على جند وقراها وولايتها وما ولاها رابع صفر عام ستة عشر وأظهر فيها علامات الحشر فأدهشوا وهلها وسبكوا أهلها ودكوا جبلها وأحاظ بها ثبوره وويله واستمروا في نهبها ست عشرة ليلة ثم تنقلوا عن جند إلى ولايات اند كان وفناكث وخجند فأخذوها
стр. 494
وقتلوا وفعلوا كما كانوا فعلوا ثم إلى بلدة مرغينان وكانت دار ملك ايلك خان ثم إلى أطراف تركستان ومنها سيرام وتاش كبدو باقي البلدان ثم إلى تسف وأنزار وسغناق ومامن أمهات البلاد في تلك الآفاقفمشوا على سهل البلاد ووعرها مشي الجراد على القصير الأخضر
فكأنهم موسى على شعر مشت ... أو منجل فوق الحصيد الأصفر
أو شعلة ثار الهوا فتعلقت ... فوق الصعيد على الهشيم الأغبر
فكل من أطاعهم وقصد اتباعهم صار من جلدتهم ودخل في عدتهم ومن عصى أو توقف أو خالف أو تخلف سقوه كأس الدمار وأحلوه وقومه دار البوار وأسروا حريمه وأولاده ونهبوا طارفه وتلاده ثم أن تلك الدواهي المصمية يوم الثلاثاء رابع المحرم سنة سبع عشرة وستمية وصلوا إلى بخارى بلدة فضلها لا يجارى قبة الإيمان وكرسي ملوك بني سامان مجمع العلماء والزهاد ومنبع المحققين من الفقهاء الأمجاد والمدققين من النبهاء والأنجاد وفيها من الأكابر والأشراف وأوساط الأمائل والأطراف الجم الغفير والطم الكثير فلما رأى العساكر السلطانية والجيوش الخوارزمشاهية الذي كان أرصدهم السلطان لحفظ البلدة من طوارق الحدثان وهم عشرون ألفا أن البلاء زحف إليهم زحفا وأن كسرتهم منهم لا تخفى وأن سيل الويل حطم
стр. 495
وموج بحر الدواهي التطم ومن لم يدرك من الغرق نفسه ارتطم شمروا الذيل وخرجوا تحت الليل وقصدوا جيجان والعبور إلى خراسان ومقدمهم من أمراء السلطان كورخان وسونج خان وحميد النوري وكوحلي خان فبينما هم على نهر جيحون قاصدين العبور صادفتهم طلائع جنكزخان الكفور فوضعوا السلاح فيهم ومحوهم عن بكرة أبيهم فما أبقوا منهم عينا ولا أثرا ولا سمع لهم أحد خبرا فوهي أمر البلد إذ لم يبق لهم مدد فطلبوا الأمان وأرسلوا لذلك القاضي بدر الدين بن قاضي خان فأجابهم إلى ذلك وأناب فاطمأ نواو فتحوا الأبواب فدخلوا المدينة يرفلون وهم من كل حدب ينسلون فعصى بقية العسكر في القلعة وتصوروا أن يكون لهم منه منعة ففي الحال أمر الرجال بطم الخندق بكل ما وجدوا جل أو دق فأتوا بنفائس الأقمشة والذخائر المدهشة والكتب والربعات والمصاحف الشريفة والختمات وطرحوها في الخندق ومشى العسكر عليها وتسلق ونقبوا النقوب وأنفذوا الثقوب وكان قد نادى بالأمان للقاضي والدان فعجزت القعلة وذهب ما بها من منعة وكان فيها فئة نحو من أربعمائة فباشروا عن آخرهم واستولوا على باطنهم وظاهرهم ثم مدوا أيديهم إلى المخدرات وفجروا ظاهرا بالمسترات وجعل الناس ينظرون ويبكون وهم يفتكون وينكون لا يستطيعون دفعا ولا يملكون ضرا ولا نفعا فاجتمع من أئمة الدين ومن أعلام العلماء المهتدين ومن لم يرض
стр. 496
بعمل المفسدين جماعة غاروا وثاروا وفاروا وانضموا إلى العلامة القاضي صدر الدين قاضي خان وأولاده السادة القادة الأعيان والحاكم الشهيد الإمام العالم السعيد والإمام ركن الدين إمام زاده واختاروا الموت على الشهادة فحملوا على الفئة الطاغية والطائفة الكافرة وقاتلوا حتى قتلوا وإلى جوار الله مقبلين انتقلوا فاستشهدوا عن آخرهم ولحق أصاغرهم بأكابرهم ودخل جنكزخان إلى المدينة وطاف بها على هينة وسكينة حتى انتهى إلى باب الجامع مكان نزه موضع رائع ومحل شريف ومعبد واسع ولم يكن لذلك البلد الكبير والجم الغفير والجمع الكثير والمصر الواسع من الجوامع سوى جامع واحد يجمع الصادر والوارد ويسع ما شاء الله من الأمم وهذا على مذهب الإمام الأعظم وهكذا كل أمصار الحنفية في الممالك الشرقية والممالك الهندية وغالب البلاد التركية فقال جنكزخان هذا بيت السلطان فقالوا بيت الرحمن ومأوى للعباد والعلماء والزهاد وذوي الطاعة والاجتهاد فقال إن أولى ما أقمنا أفراحنا في بيت من خلق أرواحنا ورزق أشباحنا ثم ألوى إليه وأقبل عليه ونزل عن دابته ودخل الجامع مع جماعته ثم دعا بأمرائه وكبراء جنوده وزعمائه واستدعىالخمور والطبول والزمور وهش إلى الكفار وعظمهم وبش فرحاً واحترمهم فسجدوا له مئهم الملوك وضربوا له الجنوك وعرفوا حقه ورعوا ورفعوا بالثناء صوتهم ودعوا فأذن لهم بالجلوس وأن تدار عليهم الكؤس فجلس كل في مكانه بين إضرابه وإخوانه وقام بعض في مقامه في موقف حده واحتشامه فتصدر في مجالس العلم والأذكار ومحاريب الصلاة والكفرة الفجارة ورؤس المشركين من المغل والتتار واستبدلت محافل العلم والتدريس بجحافل الشرك والتنجيس
стр. 497
ثم احضروا العلماء والأشراف والكبراء وسادات الأنام ورؤساء الخواص والعوام وأنزلوا بهم الثبور والويل واحتفظوا بهم واستحفظوهم الخيل وصارت الناس حيارى سكارى وما هم بسكارى وأخذتهم بهته إذ أتاهم العذاب بغتة ولم يكن بين رحيل ةالسلطان وبين هجوم هذا الطوفان غير خمسة أشهر وأيام ساروا فيها سير الغمام وهجموا على العالم هجوم الظلام وكأن الناس كانوا نياماً ورأوا في
منامهم أحلاماً فلم يوقظهم من هذا الرقاد سوى ابراق البلايا بالإرعاد فانسد عليهم طريق الخلاص وخانهم المدد في شدة الأقتنص وتنادوا ولات حين مناص إذ فارقهم العسكر وهم في حال المضطر وكان من جملة أولئك الأعيان شخص ولي يدعى السيد الشريف جلال الدين علي بن حسن الزيدي وهو المقدم والمقتدي والمسلك إلى طريق الهدى وأعلى سادات ما وراء النهر ولدوحة ساداتهم بمنزلة الثمر والزهر قد قبض عليه ربطوا إلى عنقه يديه ثم استنظروه مراكبهموأنشبوا فيه مخاليبهم وهو واقف بباب الجامع في هيئة الذليل الخاضع فرأى الأمام الهمام البحر الطام علم العلماء الأعلام أفضل علماء عصره وأنبل فقهاء دهره الشيخ ركن الدين ابن الإمام بوأهما الله تعالى دار السلام وهو في مصل حاله متسربل بسربال نكاله فقال أيها الإمام المفضال ما هذه الأحوال ثم أنشد معنى هذا المقال:
أرى حالة بذت لساني فليس لي ... طريق إلى أني أفوه بلفظة
أعض لها كفي وأمعك مقلتي ... أفي النوم هذا أم أراه بيقظة
فأجاب الإمام ما هذا محل الكلام كن عبد الإرادة واتبع ما أراده واستمروا يشربون الخمور على أصوات الزمور ويضربون الطبول ويتراقصون رقص التتار والمغول ثم صعد المنبر ابن جنكيز خان الأكبر
стр. 498
واسمه توشي خان وتكلم بكفر وكفران ثم غنى ورقص ودعا لأبيه ونكص ثم صعد بعده أبوه وتكلم بكلام سمعوه ودعا بالخمور ثم غنى وشرب ثم غنى وطرب ثم قال أيها الرجال أن خيلنا هي رأس المال وقد رعيتم الوهد والبقاع وحلفتم شعور الكلا من قمم البقاع وقد شبعتم فلا تنسوا الجياع ألا فاشبعوا خيلكم ولا تحرموها نيلكم رعيتم الخضيم فابغوا لها القضيم وامتثلوا أمر سلطانكم تحظوا منه بامانكم فنهضوا قياماً وامتثلوا مرسومه مراماً وتهارجوا كالحمير وابتدروا واطلب القمح والشعير ثم طغى وتكبر وبغى وتجبر ونزل عن المنبر فلم يكن بأسرع من اتيانهم بالحبوب والقضيم المطلوب وأدخلوا الخيل إلى الجامع وطلبوا لها مرابط ومواضع ثم أفرغوا الخزائن المصاحف والختمات وظروف الكتب وأوعية الربعات وصبوا فيها الشعير وأطعموا فيها الخيل والبغال والحمير فتبددت الكتب المنيفة والمصاحف الشريفة والربعات المعظمة والختمات المكرمة تحت السنابك والحوافر ومواطئ أقدام كل كافر وصارت أبحر القاذورات والخمور على تلك النفائس والذخائر تمور ثم أنه خرج من البلد وأمر أن لا يترك في البلد أحد بل يخرجون إلى المصلى وولى حفظهم من كفر وتولى ومن تأخر قتلوه وبتكوه وبتلوه فخرجوا كالجراد وانتشروا على الوهاد واجتمعوا في المصلى ثم على المنبر تعلى وخطب خطبة تركيه كافرية مشركية منها أنكم ركبتم عظائم وأتيتم ما ثم وجرائم فتقدم ربكم إليكم أن سلطني عليكم وهذه الأوزار إنما جناها
стр. 499
منكم الكبار فلأجل هذا عم البلاء وذهب بجريمة الكبراءالأصاغر والضعفاء ثم ضبط أسماء التجار واستخلص ما عندهم من درهم ودينار وقال هذا ثمن مالي من نقد وأعيان الذي كان منحكموه السلطان فلما استخلص الأموال أمر بقتل الرجال وأسر النساء والأطفال والنهب العام لسائر الأغنام ومن أخذ فهو له لا يقطع أحد سبله ثم أمر بهدم البلد والإحراق وإعدام عينها على الإطلاق فمهما قال فعلوه وكل ما رسم به امتثلوه فساووا بالبلد الأرض واستوفوا أعمار أهلها بالفرض والقرض فلم يبق منهم ديار ولم ينج من تلك النار العظيمة نافخ نار وقيل انه نجا من هذه الواقعة رجل ياقعة فوصل إلى خراسان فسألوه عن هذا الشان كيف كان فقال لهم بذلك اللسان ما صورته:
آمدند وكندند وسوختند ... وكشتند وبردند ورفتند
يعني هجموا وهدموا وأحرقوا وأرهقوا ونهبوا فقيل لم يوجد في الفارسي في هذا المعنى أحسن من هذه الألفاظ ولا أرصن ولا أوجز ولا أمتن ثم أمر الجند بالتوجه إلى سمر قند فتوجهوا بالأثقال من الأموال والأسرى من النساء والأطفال مشاة حفاه أذلاء عراة فلم يتوقف كل أعتمي أعقف وكافر أغلف في ضرب رقبة من أعيا أتوقف فوصلوا إليها واخنوا عليها وفيها من العساكر الأكفا مائة ألف وعشرون ألفاً سبعون من أهل البلد وخمسون من المرصدين للمدد فتجهز عسكر للفا وخرجوا من البلد للملتقى فكمن لهم التتار من اليمن واليسار في رواب وتلال
стр. 500
تسمى بالأحصار فناوشهم من عساكر الكفار شر ذمه ثم ولت أمامهم منهزمة فركب البلديون أعقابهم وداسوا أذنابهم إلى أن ابعدوا عن البلد وانقطع عن البلديين المدد هرج الكمين من خلفهم لقطع رجل مددهم وكفهم ورجع عليهم الفارون وأحاط بهم الغرون ونلاحق بعم عساكر لا لأول لهم ولا آخر فلم يفلت منهم واحد ولا صدر عن حياض تلك الملحمة وارد فلما شاهد العساكر الخوار زمشاهيه ما نزل بالجنود البلدية من داهية ورزية لم يسعهم إلا الترامي عليهم والأنحياز إليهم فدار واوداروا واللبيب من داري فوقوا بذلك أنفسهم وأهليهم ناراً فلم يركنوا إليهم ولا اعتمدوا عليهم فرأوا مصلحتهم في سلبهم أسلحتهم فطلبوا منهم عدتهم ثم فرقوا عدتهم كما فعل تيمور الغدار في بلاد الروم بالتتار عند كسر ذلك الخوان في سنة خمس وثمانمائة بايزيد بن عثمان فلم يبق لأهل البلد معين ولا مدد فاستسلموا اللقضا وجروا طوعاً وكرهاً في ميادين الرضا فاحل بهم بوار وأنزل دماراً ففعل بسمر قند وأهلها ما فعل ببخاري ودور أسوارها بدلالة آثارها من الفراسخ اثنا عشر لا يمتري في ذلك اثنان من البشر فقس ما في ذلك من الخلائق والأمم فالكل براهم سيف القلم كما يبرى السيف القلم ثم قوى العزم وسدد الحزم وجهز طائفة من العساكر إلى خوارزم مع ولديه أحدهما المدعو بجفتاي والآخر المسمى باكتاي وهي تخت خوارزمشاه وفيها من الأمم ولا يعلمه إلا الله معدن الأفاضل ومقطن الأمائل محط رحال أهل التحقيق ومقصد رجال الفحول ذوي التدقيق ولوفور ما بها من الرؤس لم ينفرد برياستها رئيس لكثرة ما بها من الناس لم يتعين اسياستهم رأس فاتفق أكابرها لضبط أمور المسلمين على تقديم شخص يدعى حمار نكين فبعد حروب يطول شرحها ويهول برحها ويجب قرحها ويستحب طرحها أخذوها عنوه بعد ما قاسوا جفوه
стр. 501
فاستصفوا أرباب الحرف ومن تعلق من صنعة بطرف فكانوا نحواً من مائة ألف بيت أو يزيدون أن عددتهم وعديت ثم ميزوا النساء والأطفال وكانوا كعدد الحصى والرمال فقرقوهم على ذلك العسكر الثقيل فكفى الحقير منهم والجليل ثم فصلوا بالحسام المفصال مدارع ذوات ما بقي من الرجال ثم أراد واحصر من قتل وإقامة عدد من بتك وبتل فكان حصة كل فناك قتال على أن عددهم أكثر من القطر والرمال أربعة وعشرين مقتولاً ثم فعلوا بالبلدكعادتهم الأولى فهدموا أسوارها ومحوا آثارها وأجروا من بحر الدماء أنهارها فانمحى العلم والعلماء واندحى الفضل والفضلاء واستشهد الرؤساء والكبراء وناهيك بالقطب الولى الشيخ نجم الدين العكبري وتوجه جنكيز خان من سمر قند قاصداً السلطان ومر من أطوار عسكرة بكل أحشب حتى أناخ ترمذ وتخشب فامتنعتا عليه ولمناعتهما لم تلتفتا إليه وكانتا كثيرتي العدد والعدد غزيرتي المدد من مددوهما من أمهات البلاد مملوأتان من آلات الجهاد ومقاتلة الأجناد فاهلك ناسهما وسقاهما من خمر التشريد كأسهما فلم يبق لهما فيأ ولم تغن العدد والعدد عنهما من الله شيأ (ومن) غريب ما وقع من البدع أنه أمر بأهل ترمذان يقتلوا عن آخرهم مع أهلهم وعشائرهم ولا يبقى فيها على أحد وأرصد على ذلك لرصد فاتفق أن امرأة من المخدرات تخجل الشموس النيرات قبضوا وتقدموا بإراقة دمها إليها فتشفعت فما أفاد وتضرعت فما زاد إلا
стр. 502
العناد فلما أسلمت رتلوها اللجين وعلمت أنه جاءها الحق المبين قالت لأولئك الكفار لا تقتلوني يا حضار وأنا أفتدي نفسي منكم بعقود من اللؤلؤ كبار فانهوا القضية إليه وعرضوا ما قالته عليه فقال اتركوها ثم بما قالت طالبوها لننظر أصدقت أم اختلقت فاطلقوها ويتقاض ى اللؤلؤ أقلقوها فقالت لم أفه بزور ولا دليتكم بغرور وإنما اللؤلؤ كان عندي وحين استخلصتم مالي كان في يدي فخفت منكم فابتعلته
وتباً لفعل صنعته فامهلوني حتى أتبرز ويخرج مني ذلك المحرز فانهوا كلامها إليه وعرضوا أمرها عليه فقال ابقروا بطنها وانظروا قطعها فان وجدتم شيأ فهو لكم وإن كانت كاذبة فقد استحقت فعلكم فشقوا بطنها البطين واستخرجوا منه الدر الثمين فلما رأوا صدقها وحققوا نطقها أمرهم بشق بطون جميع القتلى وتفتيش ما طرحوه من جبال الاشلا فلم تنج رؤوس الروس من المثلة بعد القتل ولا بطون الصدور من ظهور التنكيل أثر البتل ثم أمر بهدم الحصون بعد ابتذال المال والعرض المصون فمحيت الديار ولم يبق فيها ديار ثم عبر من جيحون إلى خراسان وجعل نصب عينيه ممالك السلطان وتوجه إلى بلخ وهي إحدى معاقل الإسلام وفيها من أمم الأنام ما لا يدرك ضبطه سابق الأقلام بل يخرج عن حصر الأوهام ولا يحصيه إلا الملك العلام وكان السلطان قد انشمر عنها كما ذكر إلى نواحي طبرستان فوصل بتلك البحار الطامية في ثمان عشرة وستمية فخرج إليه الأعيان وطلبوا منه الأمان فأجاب سؤالهم بما يصلح حالهم ثم اختشى من السلطان جلال الدين بن المرحوم قطب الدين فلم يركن إليهم ولا عول عليهم فأمر بإراقة الدماء وهدم البناء وإحاطتهم بدائرة الفناء فأفنوهم عن آخرهم وساووا بالحضيض بقاع عمائرهم
стр. 503
ثم أرسل ولده تولي خان إلى محاصرة طالقان فعصت عليه ولم تسلم قيادها إليه فاستمرت في الحصار مدة وأذاقها لباس البأس والشدة إلى أن أخذوها وأبادوا خلقها ودكوها ثم أن جنكزخان الكافر الخوان معدن الكفر والطغيان لما استوبل هواء خراسان فألوى إلى بلاده وترك تولي خان من أولاده وولاه خراسان وهو محاصر طالقان وأقام في ممالك إيران من كفار أمرائه أميران أحدهما يدعى سنتاي وهو من قبيلة الجفتاي والآخر يدعى يما وهو من الكفار اللؤما وترك معهما من الكفار الأراذل والتتار الأسافل ثلاثين ألف مقاتل فوصل إلى رواة ووضعا السيف في الأئمة الهداة وابتدآ في القتل والنهب والفتك والسلب والقهر والأسر والقسر والكسر ثم أخذا في الإتلاف طريق الائتلاف وذهب كل منهما للاختلاف في الفساد على مخلاف فصالا وجالا وأوسعا في الدمار والبوار وخاضا في دماء المسلمين واجتهدا في إهلاك الإسلام والدين وخلا لهما الجو فباضا وصفرا وكان السلطان قطب الدين قد أخلى الدنيا منالملوك والكبرا فلم يلبث لهما فضلا عن مخاتل أو مقاتل فأهلكا الدين وأبادا وتصرفا في نصرة الشرك على الإسلام كيفما أرادا فاستخلصا جوين وطوس وأعدما ما
стр. 504
بهما من نفائس ونفوس وحام وخيوشان واسفراين وآمل وقومس وتلك البلدان فمحوا من كتب كتائبها أسطارها وأطفئوا منارها وأظهروا من صفة الجلال والقهر آثارها وأجروا من الفتن كالدماء بحارها وأضرموا من الشرور نارها كل ذلك قتلا ونهبا وسبيا وسلبا وهدما وإحراقا وصدما وردما وإغراقا ثم بلغهم أن حريم السلطان جلال الدين في قلاع آمل أمنين فقصدوها وحاصروها ورصدوها فقل ناصروها فاستولوا عليها ووصلوا كما أرادوا إليها فبقروا وفتكوا وبروا وبتكوا وسبوا وسبكوا وسفوا وسفكوا وكووا وشووا وغووا ولووا وعووا وما ارعووا ثم إنهم صادفوا العكس الزمان وانقلاب الدهر على السلطان وسوء التدبير وشؤم الحظ المبير وهم في بعض المسير من غير مخبر ولا معلم في سدفة ليل مظلم حريم السلطان خوارزمشاه لأمور قدرها الله مع والدته وجواريه وبناته وسراريه وكان لشدة ما نابهم من الزمان قد ضاق عليهم وتغير بل تنكر لهم الكون وقل عنهم النصير وقل العون وخافوا الابتذال بعد الصون فتركوا ما هم فيه من مكان وقصدوا البعد عن خراسان فتوجهوا إلى أطراف أصفهان ومعهم من نفائس الأموال والجواهر وأنواع المفاخر والذخائر ومصونات الخزائن ومكنونات المعادن ما لا يعلمه إلا مانحه ومن الكنوز ما ينوء بالعصبة مفاتحه وما لم يجتمع لسلطان قط ولا ضبطها قلم ديوان ولا حظ فتباغتوا مواجهة وتواجهوا
стр. 505
مباغتة وتباهتوا مشافهة وتشافهوا مباهتة فوقعن في شبكة الصيد وأحاطت بهن دائرة الكيد وتورطن فيما فررن منه وتربطن بأوهاق ما نفرن منه وناداهن لسان الحظ وهاتف الطالع الفظ:
وإذا أراد الله إنفاذ القضا ... وظهور قهر للبصائر باتلا
جعل الدواء لذاك ممرضا ... وفوائد الترياق سما قاتلا
والكون خصما والمكان منقضا ... والعيش موتا والصديق مقاتلا
فلم يشعرن إلا وقد وقعن من نيران الفتن في تنور وتورطن من بحار المحن في دردور وتبسمت إلى بكائهن ثنايا البلايا وتكالمت على جباه مصابهن عقود الرزايا فظفرت حامية الكفر بذلك المغنم البارد ولم يصدر من حلقة صيده شارد ولا وارد فحازوا تلكالمسرات ونزل إلى حضيض قنصهم من سماء المنافسة الشموس النيرات فهتكوا أستارهن وخبروا ديارهن وضبطوا شعارهن ودثارهن وأحرزوا ما معهن من كنوز المعادن ونفائس المكامن وذخائر الخزائن ثم أضافوهن إلى زبانية غلاظ واحتفظوا بهن أشد احتفاظ وساقوهن إلى بلاد التتار مهتكات الأستار عاريات حافيات حاسرات مشايات وأمورهن أن يجتمعن كل ليلة عندما ينشر الظلام ذيله في كل منزله وصباح كل مرحلة ويقمن على أنفسهن العزا وينحن بما تقدم ويبكين بما جرى ويعددن على خوارزمشاه ويذكرن ما قدره الله عليه وقضاه وينعين ما كن فيه من النعم وما صرن إليه من الهوان والنقم وليدمن على هذه الطريقة حتى يقطعن من سفرهن طريقة ويصلن بجنكزخان على ذلك الامتهان والذل والهوان فيرى فيهن رأيه من نكال ونكاية ورحمة وعناية
стр. 506
فامتثلن ما أمروهن به فكن ينبهن النيام ويبكين المتنبه واستمررن على هذه الحال في الخزي والإذلال والمشقة والابتذال بعد ذلك الصون والدلال يصدعن بنحيبهن الجبال ويتفطرن بالنظر إليهن أكباد الصخور والتلال ثم إن تولي لما أخذ طالقان وأهلك أهلها بسيف الطغيان ولم يدع فيها من يتنفس وهدم إلى الأرض بنيانها المؤسس توجه إلى جانب من بلاد العجم وأهلك ما شاء الله تعالىمن خلائق وأمم فصار في أحد الجوانب يعبث وكل من سنتاي الخبيث ويما الكافر العثيث في جانب يبيد المسلمين ولا مغيث فدكوا قزوين وهمذان وصكوا اران وتيلقان وأغاروا على ممالك أذربيجان وبلغهم أن السلطان جلال الدين له في سجاس جماعة مجتمعين مقدمهم السلاحدار بكتكين وفيهم من الأعيان كوحبوغاخان فتوجه إليهم يما فبدد شمل أولئك الزعما وأبادهم وفرقهم وشتتهم ومزقهم ثم غاروا على غالب عراق العجم فأوسقوا القفار بالضرم وأوسعوا البحار بأمطار الدم وملئوا الوجود بالعدم ثم قصدوا أردبيل وجعلوا أهلها ما بين اسير وقتيل وكانوا في أول المرور قد صالحوا أهل نيسابور وانتقلوا إلى مرو منها وراودوا أهلها عنها فأغلقوا أبوابهم وأقلقوا جوابهم فحطموا عليها ودخلوا إليها وحكموا في أهلها السيوف وكان شهر الصيام ففطر وهم على كاسات الحتوف ونقل إلى جوار الله تعالى منهم المئين والألوف فضبطوا من أمكن ضبطهم من القتلى واستسعد بنيل الشهادة من الشهدا فكان ألف
стр. 507
ألف نسمة وثلثمائة ألف وثلاثين ألفا مكرمة وكل هذه الفتنة والفترة في سنة ثمان عشرة عامت في الدنيا عوما وكانت مدة نحو تسعين يوما ثم توجهوا إلى شروان وأفاضوا من دماء البحار الطوفان ودخلوا من الباب الحديد واتصلوا من الدست بذلك الشيطان المريد فتيقظ الناس من الفكرة وأفاقوا مما كانوا فيه من السكرة وتصوروا أنها سحابة صيف انقضت أو نسمة أزمنة هبت بارقة أو مضت ولكن احتاطوا واستعدوا وتحفظوا واستمدوا وحصنوا الحصون والمعاقل وجمعوا الجنود الجحافل فلم يكن بأسرع من إيابهم وتعاطي ما كانوا عليه من دأبهم والشروع في أعمال حرابهم بخراجهم وأخذهم في ضروب ضربهم وضرابهم واستقر تولي في ممالك العجم وهو أبو هلاكو الكافر الأغتم فوصلوا إلى شيراز وقد استعدت للحصار واستمدت للمناوشة والنقار فأخذوها عنوة وزحفاً وقتلوا منها مما أمكن ضبطه سبعين ألفاً ثم توجهوا إلى طوس فأزهقوا ما بها من نفوس ثم إلى سائر القلاع بالحضيض واليفاع فاستولوا على الكل قهراً وأخذوه وقسراً وسعوا في إحلال البؤس وإزهاق النفوس ثم إلى موقان ولم يبقوا بها أحداً كائناً من كان وعم القتل المبير كل صغير وكبير ثم حل أولئك البور ببلدة نيسابور فكافحت بعدما كانت صالحة وتحصنت بعد أن أذعنت واعتمدت على عددها واستندت إلى عددها وبرجالها استعانت بعد أن كانت قد دانت
стр. 508
ولانت واستكانت وكان فيها من آلات الحرب ورجال الطعن والضرب مالا يحصى ولا يبلغه الأستقصا فكان فيها من المجانيق المرسلات الصواعق على أسوار الحصار ثلثمائة منجنيق أصغرها كالغضبان في المقدار خارجاً عن المكاحل والمدافع المهلكات بالصواعق الصواقع ومن رماة القوس القصير المنفذ حكمه قاضي التقدير ثلاثة آلاف بطل مل أرمي من بني ثعل وأما عدد الضارب
والنابل والقاتل والرامح والناطح والصارع والقارع والحاذف والجارف والخاطف والقاطف والناهب والسالب فالضابطون فيه تاهوا وما يعلم جنود ربك إلا هو فوجه التتار إليها وأخنوا كالقضاء المبرم عليها وحمى الوطيس وخاطر بنفسه كل خسيس وبذل مهجته من الغزاة كل نفيس فقتل من أهل العدوان طغاجار خان زوج ابنه جنكيز خان وكان من فتاة الكفار المعتبرين بين التتار فخنق العدو ولذلك وسدد المسالك وسمع بذلك تولى الكافر الموغولي وكان في بعض الجوانب مشغولاً بالدواهي والمصائب ففار دم قلبه وتأججت نيران كربه وتأسف لفقد ختنه وثار غبارا حنه فتوجه من فوره بحنقه وحوره ونزل على نيسابور وحل بالبوار على أولئك البور وزحف بالعساكر وتقدم بالطعن والضرب كل كافر فلم تمض غلوه حتى أخذوها عنوه ودخلها من كفر من التتر يوم السبت خامس عشر صفر سنة تسع عشرة وستمائة من الهجرة وأعطىتولى لأخته ذلك عوضاً عن زوجها الهالك وقال لها تسلي عن ذلك المفقود بهذا الموجود وتحكمي في أهل البلد بما ترتضيه من سرور ونكد وتصرفي في الأموال والأرواح فمهما تريه فهو لك مباح
стр. 509
فأمرت أن لا يبقى على ذي روح وأن تجري السيول من الدم المسفوح فأطلقوا في ميادين الحتوف أعنة صوارم السيوف فجدت جباه الجياد وجادت بجواد الجد على أجياد الأجواد وصارت كالسن الشعراء النقاد تهيم من النظام والنثر في كل واد فمحوا عن لوح الوجود بلسان شواظ السيف ذات الوقود سطور ذوات ذلك السواد الأعظم وكتاب كتائب تلك الخلائق والأمم وزادوا في الأشتياط حتى قتلوا الكلاب والقطاط ثم أمرت أن تجمع رؤس أولئك الجمهور ويميز رؤس الإناث من الذكور فميزوا رؤس الرجال عن قمم ربات الحجال وطرحوا كل كاشية في ناحية فصارت الرؤس كرواسي الجبال وتلك الدور والقصور كالأعصر الخوال ولم يخلص من قطع الارؤس سوى أربعة أنفس كانوا من ذوي الحرف فجذبتهم المهارة من سفح بحر الفناء إلى الطرف ثم ركبت تلك البسوس ووقفت على تلال الرؤس فلم تنطفيء نارها ولا برد أوارها وزعمت أنها لم تستوف ثأرها وأن دود ترابها من علق تلك الأمم ما تكفت وغيظة غيظها بزائر ما تشفت واستغاثت بالرجال وصاحت بلسان الحال وأنشدت:
وهب إن النساء سللن سيفاً ... فصلن وجلن كالفحل الغيور
فزلزلن الجبال فطرت خوفاً ... يضاهين السحاب على الطيور
وصار لسفكهن البر بحراً ... أيغنيهن ذاك عن الأيور
стр. 510
فأمرت بهدم البلد وإحراق ما فيها من آلات وعدد فدكوها دكاً وأعدموها سبكاً وسفكاً وتصرفت أيدي النوائب فيها فتكاً وبتكاً ثم أن تولي لوى العنان وقصد هراة من خراسان فأخذها بالأمان ولم ينج من ذلك الطوفان سوى تلك الكورة واستمرت تخت أوامرهم مقهورة وأمهات بلاد خراسان ومقر سرير السلطان كانت أربعة أمصار كل ذات اعتبار جليلة المقدار نيسابور وقد صارت بور وبلخ وقد كسيت من البوار ثوب سلخ ومر الرود وقد انحت من الوجود ولم يفز بالنجاه إلا بلجدة هراه وسائر الأمصار شملها البوار ولبست من خلع الدثور والدثار وكل منها مصر جامع وبرها وبحر واسع وبحرها كصدر البر مداه شاسع وأما القرى والقصبات والرسانيق والمزدرعات فأكثر من أن تحصر أو تضبط بحساب دفتر فأبيد ذلك كله وأبير فالحكم لله العلي الكبير كل ذلك في أدنى مده وأوهى رقده وما ذكر ذرة من طور وقطرة من بحور فسبحان من لا يسئل عما يفعل ثم أن جنكيز خان الهامة الهامية والفتنة الطامة الطامية لما علق به المرض وحصل له في خراسان العرض رجع إلى بلاده واستمر مرضه في ازدياده ولم يزل على ذلك حتى أورد سبيل المهالك وتسلم روحه الخبيثة مالك وحين أيس من الحياة وقنط من رحمة الله جمع المعتمد عليه من أولاده المشاركين له في عتوه وفساده وهم جفتاي وأوكناي وأوليغ نوبين
стр. 511
وجرجاي وكا كان وأو رجان وأوصاهم بوصايا وطرائق في سياسة الرعايا حافظوا عليها وتناهضوا إليها فثبت لهم من ملكهم أساساً لم ينهدم وأقام بنياناً إلى يومنا لم ينخرم وعروش قواعد أركانها لم تنثلم مع كثرة عددهم ووفرة مددهم وشكاستهم وشراستهم وشماستهم وتعاستهم وغلاظتهم وفظاظتهم واختلاف أديانهم واتساع بلدانهم وهلك الطاغية جنكيز خان وانتقل إلى الدرك الأسفل من النيران واستقر في لعنة الله وعقابه وأليم زجره وعذابه في رابع شهر رمضان الشامل بالفضل والإحسان والبركة النامية الهامية سنة أربع وعشرين وستميه في سرة ملكه المشوم وأعظم أمصاره أيميل وقوفان وقراقروم واستمرت بعده الفتن والشرور المحن تغير علىممالك الإسلام وتبير شعائر شرائع خير الأنام وتثير غبار الأفساد والمفسدين في وجوه سنة سيد المرسلين وتحصر جنود الإسلام وتقص جيوش العلماء الأعلام وتنقص أطراف الأرض وتنقص أركان الدين بعضها على بعض وناهيك يا مولانا السلطان بفتن هلاكو تولى بن جنكيز خان وبعده أبغا ابن هلاكو الذي تجبر وطغى وتكبر وبغى وبعده ابنه ارغون وبعده ابنه قازان المفتون واستمرت بحار الفتن منهم تؤثر عنهم ومرجها يمور إلى أن نبغ الأعرج تيمور فأهلك الحرث والنسل واختلط المباح بالسيل وحل بالعالم الباس وفسدت أحوال الناس وإنما ذلك كله بفساد الرأس ومن جملة فتنهم وطعنهم جالوا في معركة وصالوا في دست بركه فقتلوا في مثل حرب البسوس وقطعوا في ناحية من الروس جملة أرادوا ضبط عددها بعد أن أبانوها عن جسدها فلم يقدروا أن يحصروها
стр. 512
فرسم لتلك البغاة سلطانها أن يقطع من الرؤس آذانها يقطعون من كل رأس أذناً ولتكن الآذان اليمنى فجدعوا آذان بعض الرؤس وشكوها وفي خيوط سلكوها ثم قلائد ربطوها وبعد ذلك ضبطوها فكانت نحو مائتي ألف أذن مجدودة وسبعين ألف أذنت معدودة (وإنما) ذكرت يا ملك الطير أمثال ما جرى من الشر والخير وجلوت عن مرآه ضميرك المنير صورة ما مر في الزمان المنير وما فعله من ملكه زمام الاقتدار وأمهله سلطان السلاطين الذي يخلق ما يشاء ويختار وصرفه في بلاده وعباده وبين له طريق صلاحه وفساده وأخبركم أيها الملوك والحكام بأموركم في دنياكم وحلا صور أحوالكم على أعين أبصاركم وبين حاكمكم في مراياكم فقال وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ودفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم فانظر ما في هذه السير من الحكم والعبر لتعلم أن الدنيا محل الغير ومحك العقول والفكر والحال بها هدف لسهام القضاء والقدر مبتلى بكل خير وشر ونفع وضر غافل عن مواقع الحذر آمن وهو على شرف الخطر مقيم وقد جد به السفر مناقش بما مضى من أنفاسه مما حلا ومر ومحاسب على ذوات ما اكتسبه مطالب بالفتيل والقطمير مما ارتكبه فلما وصل الحجل في الكلام إلى هذا المقام قبل العقاب بين عينيه وزاد قرب هلديه وأفاض خلع الأنعام عليه وقال صدق عليه أفضل الصلاة والتسليم حيث قال كلمة الحكمة ضالة كل حكيم
стр. 513
ونطق بالحق من قال لا تنظر إلى من قال وانظر
إلى ما قال فاهل التحقيق وذو والنظر الدجقيق راقبوا المعاني ولم ينظروا إلى القوالب والمباني فان سليمان ﵇ وهو ملك الجن والأنام والوحوش والطير والهواء والهوام ونبي مرسل وملك ذو فضل وسلطان الفصل بالعدل استفاد النصائح من نملة وجمع هدهده مع ملكة سبأ شمله ويوجد في السقاط ما لا يوجد في الأسفاط ولقد ينطق بالفوائد من هو كافر وجاحد فيؤخذ من أقواله ولا يقتدي بافعاله وقد قيل إن الحسن البصري رحمة الله عليه دخل صبي مسجده وصلى بين يديه فرآه لا يتم سجوده ولا يرضي بصلاته معبوده فدعاه وخاطبه وأنكر عليه وعاقبه وقال له تمم سجودك ترض معبودك فقال يا شيخ المتقين هذه سجدات شخص من المؤمنين لو سجد إحداها ابليس لا آدم لما كان من الملعونين ولو سجدها فرعون مرة لكان من المسلمين ولم يصر من أهل العناد المطرودين (ورأى يوماً صبياً ومعه سراج وهو سالك في منهاج فساله عن ناره وما فيها من أنواره من أين أخذها وكيف افتلذها فلم يجاو به إلا باطفاء السراج وسؤاله أين ذهب ذلك النور الوهاج قل لي أين ذهبت تلك الأنوار أقل لك من أين جاءت تلك النار
стр. 514
ثم أن العقاب ولي الحجل ما تحت يده من رقاب وقدمه على سائر الخدم وصنوف الطير وأجناسه من الأمم وجعله الدستور الأعظم والوزير المقدم المكرم وفي هذا المقام أمسك الحكيم حسيب عن الكلام وختم ما افتتحه من الحكم والأحكام بالدعاء والثناءوالصلاة والسلام قال الشيخ أبو المحاسن المخجل بأدبه امرأ القيس وأبا فراس فلما انتهى الحكيم في مقترحه وما قصده من بيان محاسنه وملحه إلى هذا المحل وفصل من فضله ما أجمل من جمل نهض الوزير وقبل قدميه واعترف له بالفضل المنعم به عليه وأنه مالك أزمة الأنشاء وملك الكلام يصرفه كيف شاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وكما أنه شيخ المنقول وأستاذ المقول فمن أنواره ألفاظه تنير العقول ومن كنوز عباراته تستخرج جواهر المعقول وأما أخوه الملك فطار بسروره به عن سريره واتخذ في مهام أموره مقام أميره ثم أدت آراء فكرته أن يستعمل أخاه لكشف كربته ويمشي مفي السعي بينه وبين أخوته لرتق ما انفق وسد ما خرقه سيل الحسد فانبثق أمره العالي ونهض بأمر الله المتعالي وأنفق من جواهر أفكاره في سوق المناصحة الرخيص والغالي ورصع ما استخرجه من بواقيت تلك من عباراته بما يستعبده عقود الاآلي وتعاطي الإصلاح وساعده لحسن النية وخلوص الطوية السعد والنجاح:
стр. 515
وهذب في الفضل ما رتبه ... ورتب بالفضل ما هذبه
وأعجب ذا اللب ما شاده ... فأثنى عليه بما أعجبه
وأغرب في السبق أشرافه ... فالله ذا السعد ما أغربه
فما شذ بالصدق عن نصحه ... ولا شذ خل لما
فاستمال الخواطر النافره وأطفا بزلال ألفاظه العذبة شواظ الناثرة وسكن بنسيم ملاطفاته قتام الأخلاق الثائرة فاطمأنت القلوب وطهرت من غش التشاحن الجيوب واتصل بالمحب المحبوب وحصل الأمن والأمان ومساعدة الزمان ومعاضدة الأخوان ومصافاة الخلان وطيب العيش والمكان وأفضل من هدا جميعه شفقة السلطان والاستقامة على الإسلام والإيمان ونسأل الله تعالى إتمام نعمه وإسبال ذيل إحسانه وكرمه واللطف في القضا والعفو عما مضى والمعاملة بإحسانه الجزيل وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار من الأختان والأصهار والمهاجرين والأنصار وسلم تسليماً يطيب الاعطار ويتمسك بأذيال عرفه خياشيم الأزهار في الأسحار ما دامت الإعصار ودارت الأدوار وترادف الليل والنهار وحشرنا في زمنهم مع المصطفين الأخيار أنه كريم ستار حليم غفار (قال مؤلفه رحمه الله تعالى) نمقة مؤلفه ولفقة مصنفه فقير عفواً لله تعالى من غير تردد ولا تفكر ولا تعمق في تدبر مع توزع أحمد بن محمد بن عرب شاه الحنفي سامحه الله تعالى وعامله بما يرضيه تفصيلاً وإجمالاً لا بما يقتضيه عدلاً وجلالاً في أواخر شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثمانمائة أحسن الله خاتمها وعاقبتها وجعل آخرها خير من أولها بمنه وكرمه.