Полный текст (515 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
والعدل يجري في لصفات كما يمشي في الذوات ومرتبتا في العلو أن يكون بين التقصير والعلو كالكرم الذي يكون بين الإسراف والتبذير والشح والتقتير والتواضع الذي بين الضعة والتكبر وبين التصعر والتصغر والشجاعة التي بين التهور والخفة والجبن الطائش الكفة والقناعة التي بين الحرص والطمع والنذالة والهلع وبين العجب والتصلف والاحتشام والتقشف والإخلاص الذي بين الشرك والهوى وبين الإعجاب والريا والعفة التي بين التهافت على المشتبهات والترفع عن تناول المباحات والطيبات والحزم الذي بين سوء الظن والوهم والوسواس وبين إذاعة السر والأسختفاف وعدم ألا مبالاة بالناس والحلم الذي بين الغضب بلا سبب وبين التغاضي عن اللئام عند موجب الانتقام والشفقة ولين الجانب للأقارب والأجانب الذي بين القوة والاستكبار وبين الرخاوة واللين المستلزم لتضييع حقوق الأهل والجار وحفظ الحقوق الذي بين التكلف والعقوق يراعي فيها الحدود ولا يخرج فيها عن الحد المعهود فالخروج عنها يسمى عناداً وقساوة والتقصير فيها يدعى ركاكة ورخاوة مثلاً من يستحق العفو لا يضرب ومن يستأهل الضرب لا يقطع ولا ينكب ومن استوجب القطع لا يقتل ومن وجب عليه حد لا يهمل وتجري أمور الشرع الشريف على ما ورد به الأمر المنيف فما ثم أحد أكرم من الله ولا أرحم ولا أعلم بأمور مخلوقاته ولا أحكم قال السميع البصير ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير
стр. 457
وروى أن الإمام المسدد جعفر بن محمد دخل على الرشيد وهو في أمر شديد قد استولى عليه الغضب واستخفه الطيش والصخب فقال يا أمير المؤمنين إن كان غضبك لرب العالمين فلا تغضب له أكثر من غضبه لنفسه وقد حد لكل شيء حداً من نقمه وبأسه فلا تتعد حدوده فانه قد ملكك عبيده فتذكر من وقوفهم بين يديك واقتدارك عليهم إذا تمثلوا قياماً لديك قدومك يوم القيامة عليه ووقوفك خاضعاً منفرداً بين يديه ومن انتقامك منهم سؤاله إياك عنهم فسكن من غضبه واقتدى بأدبه وقال الحكماء للإسكندر عليك بالاعتدال في كل الأمور فان الزيادة عيب والنقصان عجز وفي الحديث خير الأمور أوسطها ولهذا قيل في الأقاويل ينبغي للإنسان الراجح العقل في الميزان أن يحصل من كل علم مقدار ما يحتاج إليه ويعول في مشكلاته عليه مثلاً علم الأدب ما ينال به عند أربابه الرتب كاللغة والنحو والصرف ولو أنه أدنى حرف ليقوم بذلك لسانه ومن علم المعاني ما يبدع به بيانه ومن العروض والقوافي المقدار الوافي والمعيار الكافي ومن الطب ما يعرف به
стр. 458
مزاجه ويصلح به علاجه ويقوم به اعوجاجه ومن علم التفسير والقرآن ما يقتدر به على بيان كلام الرحمن ومن علم السنة والحديث ما يميز به الطيب من الخبيث ويضبط به أقسامه وصحته وسقامه والأنساب والرجال ومالهم من صفات وأحوال أن لم يكن مفصلاً فعلى الأجمال ويندرج فيه علم التاريخ العالي الشماريخ ومن علم الكلام ما يصحح به دينه ويقيم به اعتقاده ويقينه ومن علم الأصول وما اشتمل عليه من معقول ومنقول ما يقدر على استنباط الأحكام ومعرفة أدلة الحلال والحرام ومن علم الفروع ما يحكم به أصناف العبادات وأنواع العادات وطرائق العقود وإقامة الحدود ومن علم مكارم الأخلاق ما يصيد به قلوب الرفاق ويكتسب به الذكر الجميل والثناء الجليل ومن الحرف ما يحصل به القوت الحلال ولا يصير على الناس كلاذ إملال وقد قيل خالطوا الناس مخالطة أن غبتم حنوا إليكم وإن متم حنوا إليكم ومن علم الركوب والرمي والسباحة والخط ولعب الرمح والسياحة وعلم الفرائض والحساب وطرائق المبايعات والكتاب ما يقدر به على الدخولإليه إذا تكلموا فيه بين يديه بحيث يكون له فيه مشاركة والمام ولا يكون بين الخواص كالعوام وكل ما ذكر فسلوكه عدل والتلبس به كمال وفضل ورأس مال الجميع التقوى فان الإنسان الضعيف بالتقوى بقوى قال الله تعالى ولكن يناله التقوى منكم وبالجملة فالعاقل العادل بل الكامل الفاضل لا يستنكف عن نوع من العلوم ولا تبرد همته عن اقتباس منطوق ومفهوم قال معلم الخير ومحذر الشر تعلموا حتى السحر وقال:
стр. 459
عرفت الشر إلا ... للشر لكن لتوقيه
ومن لم يعرف الخير ... من الشر يقع فيه
وكل مصافي السريره وذي بصيرة منيره يتوجه إلى التعلم والاستفادة ويجعل مراده مراده أي علم كان خصوصاً إذا كان من الشرف بمكان قال بعض الوزراء لابنه يا بني تعلم العلم والأدب ولا تسأم فيهما من الطلب فلولا العلم والأدب لكان أبوك في السوق حمالاً وللنوق جمالاً فبالعلم والأدب ركبنا أعناق الملوك وأحوج الناس يا ذا الأفضال إلى اكتساب الفضل والعلم والكمال السلاطين والملوك ومن تبعهم في السلوك فانهم بين خلق الله تعالى المرموقون والسابقون بجلائل النعم لا المسبوقون وبحفظ بلاده وعباده المستوثقون منهم موثوقون فهم المتحملون لأعباء العدل المكلفون بالمحاسبة عنه والفضل قال من يقول للشيء كن فيكون قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فهم أقدر على التحصيل من غيرهم والزمان والمكان تابعان لسيرهم والخاص والعام يتمنى قربهم ويسلك في التوصل إلى جنابهم دربهم ويبذل في ذلك ما وصلت إليه يداه ويجعل تحصيل ما يرمونه غاية متمناه فيبذل جهده في ايصالهم إليه ويكد قلبه وقالبه في اطلاعهم عليه قال الشاعر:
ولم أر في عيوب الناس نقصاً ... كنقص القادرين على التمام
وقال بعض المؤرخين الملوك لأولاده يا بني اكتسبوا العلم والفضل وادخروا الحلم والعدل فان احتجتم إلى ذلك كان مالاً وإن استغنيتم عنه كان جمالاً وقال بعض الحكماء العلم ملك ذو أعضاء رأسه التواضع ودماغه المعرفة ولسانه الصدق وقلبه حسن النية ويداه الرحمة ورجلاه مثابرة
стр. 460
العلماء وسلطانه العدل ومملكته القناعة وسيفه الرضا وقوسه المساءلة وسهمه المحبة وجيوشه مشاورة الأدباء وزينته النجدة وحكمه الورع وكنزه البر وماله العمل الصالح ووزيره اصطناع المعروف ومستقره جودة الرأي ومأواه الموادعة ورفيقه مودة الأخيار وذخيرته اجتناب الذنوب والحاصل يا ملك الطير ويا مالك عنان الخير أن قوام العالم ونظام بني آدم سيف الملوك والسلاطين وقلم العلماء الأساطين فمهما حدث من شر محاه سيف الملوك ومهما وجد من خير أثبته فلم علماء الإرشاد والسلوك وفي الحقيقة يا شيخ الطريقة العالم عبارة عن هؤلاء وبصلاحهم تصلح الأشياء وبفسادهم والعياذ بالله تفسد الدنيا إذ هم لزوال الفساد وطهارة العباد وعمارة البلاد بمنزلة الصابون للأوضار والاستغفار وللأوزار فإذا فسد هؤلاء فما لفسادهم دواء كما قيل:
الذنب صابون الاستغفار يغسله ... كالثوب ينظف بالصابون أن وسخا
فما الذي يغسل الصابون من دنس ... إذا رأيناه صار الذنب والوسخا
وناهيك يا ملك العقبان ما فسد من الزمان وجرى من الدماء من طوفان وانمحى من أمهات البلدان عند استيلاء الكافر جنكيز خان فسأل العقاب عن كيفية هذا المصاب والعقاب ومن هو جنكيز خان الذي أفسد وخان وما أصله وفصله وكيف كان قطعه ووصله حتى نفذت في كبد العالم بالفساد نصله
стр. 461
فقال هذا رجل من بقايا التتار الساكنين من بلاد الشرق في قفار وهم من بقايا يأجوج ومأجوج عن الإسلام منحرفون وعن الإيمان عوج سموا بالترك لأنهم تركوا عن دخول السد بالخروج فكانوا قبل جنكيز خان مبددين في صحاري لا يتفق منهم اثنان مسيرة أماكنهم ومدى مساكنهم شرقاً بغرب نحو من ثمانية أشهر وشمالاً بجنوب لا ينقص عن هذا المدى ولا يقصر حدها من الشرق حدود ممالك الخطاوأقصاها خان بالق وهي مدينة عظمى ووراءها شرقاً يا من يرقى ينتهي الحد بعد السير الجد إلى بلدة عظيمة ولا يأتيها جسيمه تدعى خيسار وأهلها كفار وهي مبدأ مملكة الصين يا ذا المجد الرصين ومن الشمال نواحي قرقير وسلنكاي ومن الجنوب بلاد تدعى تنكيت وتيت هذه يا ذا النسك هي التي يتولد غزالها المسك ومن الغرب وهي جهة قبلة تلك البلاد إذا صلى المسلمون منهم والعباد حدود بلاد أو يغور وما وإلى تلك الكفور من بلاد تركستان يا ذا الإحسان ويسير المجد منها إذا انفصل عنها كذا وكذا شهر حتى يصل من جهة غربها إلى ما وراء النهر ثم هؤلاء التتار كانوا تلك القفار بين هذه الحدود الأربعة في مضيعة وأي مضيعة يتوالدون في ذلك البر ويتهارجون في ذلك السهل والوعر كالحيوانات السائبة في البر والبحر لا حاكم يردعهم ولا دين واعتقاد يجمعهم وهم فيما بينهم قبائل وشعوب وأصناف وضروب وخلائق وأمم لا يعرفون الإسلام والسلم بل كل أمة تلعن أختها وتنهب
стр. 462
تختها وتأكل رختها وكل طائفة تعد غارتها وتقصد جارتها وكل من قوى على غيره كسره أما قتلته وأما أسره لم تزل المكافحة بينهم قائمة والمناطحة بين ثيرانهم وكباشهم دائمة وعيون الرشد والاهتداء عنهم نائمة وضواري الظلم والاعتداء في مسارح سوارح إسلامهم سائمة يعدون النهب غنيمة والفسق والفجور والنميمة أجمل صنعة وأكمل شيمة يأكلون والكلاب والفار وما وجدوه منن صيد القفار والميتة والدم والهوام لا يعرفون الحلال والحرام ويلبسون جلودهم وأوبارها وأصوافها وأشعارها كما كان مشركو العرب في الجاهلية قيل إشراق شمس الملة المحمدية لا زرع لهم ولا ثمر سوى نوع الشجر يشبه شجر الخلاف هو ثمرهم في الشتاء والاصطياف اسمه قسوق وهم على ما هم عليه من الفسوق يعبدون الأوثان والأصنام ويسجدون للشمس إذا بزغت من الظلام ويعظمون النجوم ويعبدونها وتخاطبهم الجن ويرصدونها وفيهم كهنة يعتقدونها وسحرة وساجع وزجره يجبى خراجهم إلى ملك الخطا وهم على أشد كفرو خطا قد تركب الكفر في أحشائهم وإن الشيطاين ليوحون إلى أوليائهم وأعلى من فيهم أكابرهم وذويهم علامة رياسته وانفراده بسياسته وأنه فيهم ذو يأس شديد ورأي سديد ومال مديد كون ركابه من حديد وباقي أعيانهم وذوي مكانتهم وإمكانهم أن كانوا ذوي جد فركابهم قضيب ملوي أوقد وعندهم أفخر ملبوس جلود الكلاب والنموس والذئاب والتيموس
стр. 463
وقس على هذا جميع تجملاتهم ومفاخر آلاتهم فهم في قديم الزمان وبعد الحدثان من حين بلغ ذو القرنين بين السدين وساوى على ياجوج ومأجوج بين الصدفين إلى آخر وقت كانوا في قلة ومقت وضيق حال وسوء بال لا دنيا رخيه ولا آخره رضية حتى نبغ منهم هذا اللعين الطاغية تموجين الذي تسمى بجنكيزخان وساعده قضاء الديان فأمده الزمان وأعطاه المكان لأمر يريده الرحمن وقضاء قدره على عبيده في سالف الأزمان فطعم العالم بالفساد فاهلك العباد والبلاد وأخلى والديار والدار وعم غالب بلاد الإسلام بالشنار والبوار فصلى الله على سيد بني عدنان بل أشرف جنس الإنسان الذي قال يخرج في آخر الزمان رجل يسمى أمير العصب أصحابه مخسورون محقرون مقصون عن أبواب السلطان ياتونه من كل فج عميق كانهم قزع الطريق يورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها فاتبعه منهم النساء والرجال اتباع اليهود والكفرة والمسيح الدجال أمم لا يحصرها حساب ولا يحصيها ديوان ولا كتاب وما يعلم جنود ربك إلا هو فارشدوا إلى طريق الضلال بعدما تاهوا وصار كل من أولئك الطغاة الكفرة الهجرة الأوغاد اللئام وكل كلاب خادم كلاب الصعود يجري سيفه الكال الكدود من
أشراف الملوك وملوك الأشراف وفي أعضاد الأسود وفي قارب النمور والفهود وكل ماضغ شيح وقيصوم وعلج من أولئك العلوج وعلجوم يتفكه في أنواع المستلذات من المشروب والمطعوم وكل صعلوك معلوك من تركي متروك أو خدام
стр. 464
مملوك يتحكم في رقاب أكابر الملوك ويستعبدون أحرار أولادهم ويستفرشون زوجاتهم وبناتهم في بلادهم:
على رأس عبد تاج عز يزينه وفي رجل حر قيد ذل يشينهومن لا يعرف البطائن المروية ولم يسمع بالرقاع الكرباسيه يستوطي الإستبراق والديباج ويتقلب على تخوت الصندل والساج ويترقى إلى سرر الأبنوس والعاج ويعامل التجار والمضاربين في البر والبحار بألوف الألوف من الدرهم والدينار فيجي إليهم نفائس المضارب من المشارق والمغارب ومكامن المعادن وذخائر الخزائن كل ذلك بواسطة ذلك الطاغية واستيلاء الفئة الباغية وكان من أمر هذا المصاب الذي بدل حولاة العيش بمرار المصاب وخلد في الدهر قواعد البلايا والأوصاب أن الله القاهر فوق عباده الذي لا يسئل عما يفعل من مراده بل له المراد في عباده وبلاده المتصرف في ملكه تصرف المالك في ملكه لما أراد ابتذال الصون وعموم الفساد في عالم الكون واستئصال غالب أهل الأرض وإذاقة بعض عباده بأس بعض وأظهار آثار غضبه على صفحات الشهود وإبراز أسرار قهره على وجنات الوجود ولحس سطور صدور علماء العالم على روح الورد بلسان نار السخط ذات الوقود ونقص أرض العلم من أطرافها وإخلاء ربوع المحاسن من ألافها اينع هذا التنين المبين من أوعار تلك القفار وأغوار أوغادها تيك التتار فكان
стр. 465
ممتازاً على أقرانه بوفور عقله وحسن بيانه ذا فكر مصيب ورأي صائب وحزم مجيب وعز ثاقب وهمة تباري الأفلاك وثبات يجاري السماك كسر بصدماته الأكاسرة وقص بسطواته القياصرة وقرع بعزماته على قمم الفراعنة والجبابرة وقهر بحملاته قهارمة خوافين القياصرة وكان أميالاً يقرأ أولا يكتب أعجمياً عجر يا لا يحسب ولا ينسب لا طالع ولا اقتفى في سياسة الممالك والآثار بل فرع ما فرعه من القواعد في صحيفة تفكيره واخترع ما ابتدعه من تدبير الملك من مطالعة هو لجنس ضميره فأسس قواعد لو أدركه إسكندر ودارا لما وسعهما لاقتفاء أثره وشيد مباني لو بلغت نمرود شداداً لبنيا قصور قصورها على أركان خبره وخبره ورتب تجهيز السرايا والجنود وربط عقود الجيوش والبنود بطرائق يعجز عنها مهندس الحكمة ويتقاعد عن حل رموزها معزم الفطنة وغاية ما يتعاناه ويستعمله ويتعاطاه جيوش الأتراك في بسيط الأرض من إبرام طرائق عساكرهم والنقض إنما هو من قوانين ما رتبه وأفانين ما هذبه وركبه وله في ترتيب حراب الحروب وما فن الضرب والضراب من ضروب وطرائق الاصطياد مخترعات دقائق لم يسبق إليها من لدن كيخسرو وكيقباد احكم الموافق ونصر المصادق وكبت المعادي وكسر الأعادي واستطال مع كثرة مخالفيه عليهم وأنفذ سهم تحكمه فيهم واليهم وصال فيهم حسبما أراد وجال واتسع له في التضييق على الإسلام والمسلمين المجال
стр. 466
فكل من عامله بالمجاملة وتلقاه بالعبودية وحسن المعاملة أبقى على نفسه وأهله وماله وحصنهم من أليم خيله ورجاله ومن قابله بالمقاتلة وتلافى صف قتالة سورة المجادلة محا سطور ركونه من لوح الوجود وأوطأ سنابك خيله منه الجباه والخدود فخرب ديارهم ومسح آثارهم مع شكره وإسلامهم وتبدد عساكره ونظامهم ومع أن أكثر الملوك والسلاطين وحكام الممالك الإسلامية من الأمراء والأساطين لعدم اكتراثهم بالأتراك والتتر وشدة ما هم فيه من لنخوة والبطر ولاعتمادهم على حصونهم والحصينة وتعويلهم على معاقلهم المكينة ولكثرة العدد والعدد ومساعدة المدد والمدد ولوفور العمائر ببلادهم وخراب بلاده وبسطة استعدادهم وضيق استعداده لم يعاملوه إلا بالمكافحة ولا ردوا جواب خطاياته إلا باللعن والمكالحه والسب والمقابحة ولا قابلوه إلا بالمرامحه والمراوسة والمناطحه فقتلهم وأبادهم واستصفى طارفهم وتلادهم وتوطن ديارهم وبلادهم وأبادهم عن آخرهم وأطفأ قبائل عشائرهم فمد لأكابرهم أسمطة الرزايا ووضع في أفواه أصاغرهم أثدية المنايا وأضافهم في ولائم الدمار وأطافهم على نجائب الانكسار في ملابس البوار فاستأصل شأفتهم بالكليه وحكم فيهم المنية فلم يسبق من مائة ألف إنسان مثلاً مائة إنسان وذلك أيضاً أما على سبيل التغافل أو على سبيل النسيان وسيذكر على سبيل الأجمال ما يدل على تفصيل ما له من أحوال وشواهد ما فزعه من أهوال واستمر ذلك في ذريته وإن كانوا رجعوا عن ملته وأصل هذه الأصلهالتي أضحت بخلقان اللعن أكسى من بصله قبيلة من تلك التتار
стр. 467
الساكنين في تلك القفار تسمى قنات ظلمة عتات غير أمناء ولا ثقات منها آباؤه وأجداده وفيها أقاربه وأحفاده واخوته وأولاده فنشأ
كما ذكر بطلاً باسلاً وشجاعاً كاملاً سهام أفكاره في عمره مصيبة ورهام آرائه في مكره خصيبه ثم اتصل بعد ما أخنى وخان بملك يسمى باونك خان وأظهر من أنواع الفراسة والفروسة والكياسة ما فاق به أناسه وفات من العقل قياسه فقر به الملك وأدناه ولمهماته اصطفاه ولا زال يترقى عنده إلى أن ملك جنده وصار عضده وزنده ودستور ممالكه ومسلك مسالكه وحاكم أمرائه وناظم أمور وزرائه وناظر جمهور كبرائه وعين أعوانه وعون أعيانه وأعز من أخوته وأولاده وأبر من حفدته وتلاده وكثفت حواشيه وعظمت غواشيه وملأت السهل والوعر فواشيه ومواشيه فثقل على الوزراء وصعب على الأمراء إذ مدار الملك صار عليه ومرجع الأمير والمأمور إليه فحسده أولاد الخان وإخوانه وأجناده وأسرته وأعملوا له المكائد ونصبوا له المصائد وتعاطوا إفساد صورته وتواطؤا على إخماد سيرته فصاروا يتناوبون على ذلك في غيبته ويمزقون أديم عرضه عند الخان ويشقون ستر عصمته بمخاليب البهتان ويراقبون الكلام أوقات القبول ويواظبون في السعاية عليه بدلائل المعقول حتى أوغروا صدر الملك عليه وأخذ يفكر في كيفية إيصال الإساءة إليه ولم يقدر على
стр. 468
مواجهته لوفور جماعته وكثرة حاشيته فان أوتاده كانت ثابته وغراس هيبته كالارزة نابتة وفروع دوحة عصابته قد أحاطت بالملك من كل جهاته حتى قيل إن ذلك الثقيل كان له القرابات وذوي الأرحام والعصابات والأولاد والأحفاد ما جاوز في التعداد عشرة آلاف نسمة كل له حرمة وكلمه فأضمر له السلطان البيات وانتخب لذلك من عسكرة أولي الثبات الثقات ولم يختلف عليه في ذلك اثنان لأنه كان قد استحكم فيهم منه الشنآن وعلموا أن سهم مكرهم نفذ وحسام فكرهم في قطعه فلذ ورأوا من الرأي أرصنه أن يراقبوا لحتفه مكمنه فتواعدوا على ليلة معينة يدهمون فيها مأمنه وكان عند الخان صبيان محرمان لا يؤبه إليهما ولا يعول في الأمور عليهما يدعى أحدهما كلك والآخر باده فانسلا من بين أولئك القادة وسلكا طريقاً غير العادة وأتيا تموجين الطاغية اللعين في خفية ونبها وعيه وأخبراه وبصراه وأنذراه وحذراه بما تمالأ عليه الملك مع عسكره المنهمك وقالا أيها العفريت قد طنجت لك قدر التبييت فتنبه من النوم وراقب في الليلة الفلانية هجوم القوم فانه قد مرج المارج الفتنة فامرج وعن وهاد غفلتك اعرج إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك وباعاه من السر ما جرى بتخيير المشتر يوقصا عليه القصص فخلصا طير حياته من القفص وظبى نجاته من القنص فشكر لهما ما فضلهما واستكتمهما قولهما ثم تثبت في أمره عن زيده وعمره وجمع تلك الليلة رجله
стр. 469
وخيله ولم يبد تلك الحال لأحد من الرجال بل أخلى بيوته ولازم سكوته وقصد أحد الجوانب بما معه من راجل وراكب وأقام في كمين ينظر أيصدق الواشي أم يمين فما مضى هزيع من الليل إلا وقد هبطت الخيل فوجدوا البيوت خاليه والأطلال خاوية فتحقق صدق الناقل وأنه ناصح عاقل فعمل مصلحته وأخذ حذره وأسحلته وتقرر وقوع النكد فتقدم أمامهم واستعد فقصدوه وبالأذى رصدوه ولا زالوا يتبعونه حتى التقوا بمكان يسمى ببا لجونه وهو عين ماء في حدود بلاد الخطا فاشتعلت بين الفريقين نار الحرب وقصد كل منهم الآخر بالطعن والضرب فأعانه الله ونصره فكسر الخان وعسكرة وفر بمن معه من فئة وذلك في سنة تسع وتسعين وخمسمائة وغنم تموجين من الأموال والمواشي والأثقال وذخائر الخزائن ونفائس البحار والمعادن ما فات الحد والحصر خارجاً عن سعادة النصر وهرب الخان وتهدمت منه الأركان فجمع جنكيز خان عسكرة وضبط أسماء من حضره ومن كان شاهد القتال ومواقف الحرب والجدال من والنساء والصبيان والرجال ومن خادم ومخدوم وخاصم ومخصوم ومأمور وأمير وكبير وصغير حتى السائس والجمال والطباخ والبغال والطفل والرضيع والنذل والوضيع ومن شهد تلك الغارة أو كانفي تلك الدارة ولو حاضرا للتفرج مع النظارة واستبشر بوجودهم وتميز بور ودهم فأثبتهم في الديوان بأسماء آبائهم وجدودهم وفرق عليهم ذاك الفيء ولم يرفع إلى خزائنه منه شيء بل وزع ذلك المغنم الوافر العظيم المتكاثر على الحاضرين معه العساكر وضبط أسماءهم في الدفاتر وفرق ذلك العرض العربض الطويل على قدر الحقير منهم والجليل ووعدهم بكل جميل
стр. 470
وأما الغلامان اللذان أخبراه وعلى ما كان أضمره الخان أظهراه وكانا سبب حياته وخلاصه من الموت ونجاته فانه جعلهما
ترخان فصار السهم مقاصده كأنهما شرخان والثرخان عبارة عن المعافي المطلق يستوفي حقوقه ولا يقوم بما عليه من حق لا يؤاخذ بقصاص أن قتل وقس على هذا ما يوجب القول والعمل مقضي المآرب موصول المطالب لا يكلف بخدمة ومباشرة ولا بحضور ومعاشرة مهما طلب أعطى ويعد مصيباً ولو يخطى وأعلى مراتبه في مراعاة جانبه أنه يدخل على السلطان من غير استئذان وهو نائم سراريه ونسائه وجواريه فيذكر ماله من مآرب فتقضى ومن شفاعة فتقبل وتمضي ويعطي بذلك مناشير وتواقيع وتقارير تبلغ التاسع من أولاده ويشمل أحكامها جميع أسباطه وأحفاده ولما انتصر وحصل أمنه واستقر وتعاظم أمره واشتهر وعظم وانتشر قرر كل من حضرة تلك الوقعة فيما يليق به من منصب ورفعه فأقبلت القبائل إليه وانهالت الرؤس والوجوه عليه ورجع الخان واستعد وأعد ما وصلت إليه يده من عدد واستعان عليه بالمدد والعدد ثم تقلايا كرتين وتصاولا مرتين انكسر الخان في الأولى وقبض عليه بعد الكسرة في الأخرى وأباده وأستملك بلاده واستولى على عساكره واستحوذ على ذخائره وعشائره وهربت أولاد الخان ولجأت إلى أطراف تركستان ثم راسل سلطان الخطا والصين بكلام رصين يدل على عقل حصين واسم ذلك السلطان التون خان وطلب المهادنة والموافقة والمصافاة والمصادقة فلم يلتفت إلى كلامه فضلاً عن إعزازه وأكرامه على حسبه واستناداً إلى نشبه ونسبه واعتماداً على سعة ممالكه
стр. 471
وكثرة ملوكه ومناعة حصونه وعمارة بلاده ووفرة مملوكه فان ممالك جنكيز خان بالنسبة إلى ولايات الخاقان لاش وأقل من لاش وعساكره وقبائله بالنظر إلى أهل الصين أو شاب أو باش فرجع قصاد جنكيز خان بالخيبة وذكروا ما رأوا لملك الصين من عظمة وهيبة فلم يلتفت إليه ثم قصد التوجه عليه بعدد كالرمال ومدد كالجبال وواقعة فكسره ونافقه فحصره وقبض عليه وأباده واستصفى ولايته وبلاده وكانت هذه الكسرة والنصرة في سنة إحدى وستمائة متن الهجرة فاستقل من غير منازع ولا ممانع ولا مدافع فلما خلصت له الممالك وانقاد له المملوك والمالك أخذ في ترتيب الأمور وتهذيب الجمهور وطير أجنحة مراسيمه إلى أطراف ممالكه وأكناف أقاليمه فرفع جميع ما هم عليه من النهب والغارات والتحزبات وطلب الثارات فهدم قواعد الظلم والتعدي في ممالكه فلم ير أيمن من ولايته ولا آمن من مسالكه وهي ممالك المغل والخطا وإلى الصين شرقاً وولايات المغل والجنا وبلاد الترك وإلى حدود أترار ما وراء النهر غرباً فجرى بعد النهب والأسار في ممالك المغل والتتار والبغي والعدوان العدل والأمان والسلامة والاطمئنان وبعد السرقة والخيانة الوفاء وألمانة وأمر بوضع البرد والمنارات والعلائم والأشارات وعمرت المفاوز والمناهل وسكنت الصحاري والمذاهل وعرفت طرق المهامه
стр. 472
والمجاهل وائتلفت تلك الطوائف والأمم وانتشر صيت عدلها في العرب والعجم واخترع كما ذكر أنواع سياسات وقرر للمملكة قواعد بنيان وأساسات ألف بها بين تلك الطوائف فلم ير بينهم مخالف ولا غير موالف على سعة ممالكهم واختلاف مسالكهم وتعدد أديانهم وتفاوت كيل أخلاقهم وميزانهم فانهم كانوا ما بين مسلمين ومشركين ومجوس وأرباب ناقوس ويهود ومن لا يدين لمعبود وصباه وغواه وعباد الشمس والنجوم ومن يسجد لها أو أن الرجوم وكل منهم بتعصب لمذهبه ويغض من مذهب صاحبه فلم يتعرض لأحد في دينه ولا وقف له في طريق اعتقاده ويقينه وأما هو فلم يتقيد بدين لا كافر مع الكافرين ولا ملحد مع الملحدين ولا يتعصب بملة من الملل ولا يميل لنحلة من النحل بل يعظم علماء طل طائفة ويحترم زهاد كل ملة على دينهاعاكفة وبعد تلك الخصلة قربه حيث يعظم كل دين وحزبه وكل من احتار من أولاده وأسباطه وأحفاده وأمرائه ورعيته وأجناده ديناً من الأديان لا يعترض عليه أي دين كان فبعضهم كان مسلماً حنيفاً وبعض كان يهودياً وبعض نصرانياً مجوسياً إلى غير ذلك من الإلحاد والزندقة وعدم الاعتقاد وحيث لم يتعرضوا إلى دنياه ولا نازعوا ملكه الذي تولاه لم يشاققهم في دينهم ولم يوافقهم في يقينهم واخترع هو لنفسه في الملك قواعد حمل عليها المقارب والمباعد ثم لما لم يكن له كتاب ولا خط ولا لأولئك الحروف قلم يعرفون به قط أمر أذكياء قبيلته وعقلاء مملكته أن يضعوا له خطاً وقلماً يكون لهم علما وعلما فوضعوا له قلم المغل واشتغلوا به أهم شغل نسبوه إلى قبيلته
стр. 473
ليدلوا به على فضلته فقالوا قوتاً تقويعني قلم قتات وهي قبيلة ذلك القتات فوضعوا مفرداته ورتبوها ثم حملوها وركبوها وهي أربعة عشر حرفاً ظاهرة بيتهم لا تخفي وهذه صورة مفرداتها
فأمر أولاده وأحفاده وجماعته وأجناده ومهرة الرجال والأذكياء والأطفال أن يتعلموا هذا الخط وينشروه ويتداولوه ويشهروه بينهم حتى ملأ رأسهم وعينهم فرسموا به المراسيم والمناشير ورصعوا بجواهره جباه المساطير ووضعوا الرسومات الديوانية والتوقيعات السلطانية وابتدع لهم يتواريخ وحساب كل ذلك بهذا الكتاب ثم لما تقرر أمره وانتشر في الآفاق ذكره مهد قواعد أسسها ونصب في دوحة ملكه أصول خلاف غرسها ووضع على ما اقتضاه رأيه التعيس وفكره الخسيس طرقاً وافانين ودرب في أمور الحكومات أساليب وقوانين فجعل لكل حكومة حكماً وفوق لكل حادثة سهماً وفرع لكل حسنة مثوبة ولكل سيئة عقوبة وقرر لكل معصية حداً ولكل بنيان مخالفة هذا ولكل فرع أصلاً ولكل سهم من الوقائع نصلاً وبين كيفية الصد والحرب وسلك في كل ذلك الطريق والدرب وألقى دروس ذلك على أولاده وحفدته وجيوشه ورعيته بحيث أنهم حفظوها ورعوها وفي سير سيرهم هرجاً ومرجاً فمن أحكامها المظلمة وفروعها المعتمة صلب السارق وخنف الزاني وأن شهد بذلك واحد فلا يحتاج إلى ثاني ثم فصل حد السارق بهذيان فارق في السرقة من حركاه أو بيت شعرواه بوجوب الصلب وبقطع اليدان كان بالنقب ثم كلا السارقين يؤخذ ما لهما من مال وعين ويسترق ما لهما من أولاد وينتقل إلى السلطنة ما لهما من طريف وتلاد
стр. 474
ومنها حقية دعوى من سبق سواء كذب أو صدق ومنها استعباد الأحرار وتوارث الفلاح والأكار ومنها توريث نكاح لزوجة لأقارب الزوج وتداولهم إياها فوجاً بعد فوج فان تزوجها أحد منهم كان أحق بها ولا تخرج منهم وإلا زوجها بمن شاؤا وأخذوا مهرها وباؤا ومنها عدم العدة وعدم انحصار الزوجان في عده ومنها الأخذ بقول الجواري والصبيان وبما يتفوله على الرجال العبيد والنسوان ومنها امتثال أمر السلطان على الفور من غير توان ومنها لزوم ما لا يلزم من العطايا وإيجاب ما يتبرع به الإنسان من التجملات والهدايا حتى لو أعطى شخص شخصاً من ماله هدية أو شقصاً فان ذاك يلزمه وفي كل عام يغرمه ومنها الجثو بين يدي الحاكم على الركب وقت التحاكم ومنها مطالبة الجار بالجار ومعاقبة البريء بجريمة مرتكب الأوزار وذلك لأدنى مناسبة من معرفة أو مصاحبة فضلاً عن أكبر أو شديد قرابة ومنها أن لا يتقدم الوضيع على الشريف ولو كان ذا مال عريض وجاه كثير ومنها العمل بما يقتضيه العقل والكف عما لا يدركه ولو ورد به النقل ومنها منع عفو الحاكم وأن عفا المظلوم عن الظالم ونحو هذه الخرافات الباطلة والهذيانات العاطلة ومن أسخفها وأوسخها وأخسفها أنه لو أخذ أحداً أبله عن قواعدهم ذو غفلة من ثب أحدهم قملة فان دفعها إلى صاحبها خلص من تبعية عواقبها وغرامة مطالبها فان شاء قصعها وأن أراد وضعها وربما اختار عودها إلى مكانها فرجعها وأن قتلها أو رماها وإلى صاحبها ما أداها فان صاحبها يخاصمه وإلى حاكم التتار يحاكمه ويدعى عليه بين يديه بان هذا الإنسان عمد إلى حيوان
стр. 475
ربيته بين سحري ونحري وغذيته بدم صدري وظهري قصدا وأضاعه عمداً منغير سبب تقدم إليه ولا إيذاء اجترأ به عليه فينسب إلى الأجترام ويأخذ ديتها منه بالأغترام وقس على هذا اليسير أنواعاً من الكثير ومن نتن هذه البعرة على خرافة البعير ومن هذه القواعد أمر الأقارب والأباعد بما يستصوبه العقل ويستنتجه النقل من سلوك طريق الفتوة ومعاملة الخلق بالمروة والكرم والإحسان والمداراة مع كل إنسان والكف عن الظلم والغارات اللهم إلا في طلب الثارات ثم وضع طرق المكاتبات والمراسلات والمشافهات والمخطبات فكان فكان في المكتبات طريقة رسمه أن لا يزيد على وضع اسمه مثل أن يقول في أول الكتاب وبراعة استهلال الخطاب عند ابتداء المقال بعد عدة أوصال جنكيز خان كلامي ثم يكتب تحته من نصف السطر الثاني إلى فلان ليفعل كذا ولا يتعلل بان وإذا ثم يذكر مخ المقصود بطريق معهود بين العبارات من غير مجازات واستعارات ويختم بذكر الزمان واسم المنزل والمكان وإذا استدعى أحداً إلى الطاعة وملوك السنة أسوة الجماعة فانه يتجنب التهويل والتهديد ويتحامى عن التشريد والتشديد ويرغب بالوعد ويترك الوعيد ثم يقول أن سمعتم وأطعتم فزتم وغنمتم وأن أبيتم وتماديتم فليس أمر ذلك إلينا ولا درك علمه علينا ويرى فيكم الخالق القديم رأيه فان في تقديره وتدبيره كفاية فهذه القاعدة باقية في تلك
الفئة الباغية مستمرة على الدوام وإلى هذه الأيام وجارية على هذا النمط يكتبون اسم الخان والخاقان فقط وكذلك الأمراء والوزراء والمباشرون والكبراء يكتبون في أول الكتاب فلان لا كنية ولا جناب وهكذا إلى الأكابر من الأداني يذكرون اسم الكبير ووظيفته فلان لا الفلاني
стр. 476
ولما فرغ من ترتيب هذه القواعد الملعونة وخرج بها على خلاف الشريعة الميمونة وقرر عليها الأمور الديوانية والأحكام السلطانية أمر بها فكتبت وبهذا الخط رتبت ورسمت في طوامير ولفت في شفق الحرير وزمكت بالذهب ورصعت بالجواهر كما فعل ماني النقاش الكافر واضع مذهب المجوس ومصور على صفحات الطروس ومبرز بطريق المحسوس ليكون أقرب إلى تفهيم النفوس في كتابه المسمى بزند واستاثم أمر باحترامها وتوقيرها والمحافظة على ضبطها وتحريرها والعمل بها والإقتداء بما فيها وتعلق أهل ملته بقوادمها وخوافيها ثم رفعت إلى خزائنه وهي عندهم أعزو من الكبريت الأحمر في معادنه واسمها بالمغلي التوره وتفسيرها الملة المأثورة فإذا جلس منهم سلطان على سرير وذلك بما للرؤساء من اتفاق وتدبير وعادتهم في ذلك أنهم إذا رفعوا عليهم سلطاناً وأرادوا أن يبنوا الدار المملكة خاناً اجتمع الأمراء من الأطراف واستدعوا أركان الثغور والأكناف واشتروا فيما بينهم مدة أيام واستمروا في ذلك ما بين نقض وإبرام وربما أقاموا في ذلك الجمع العام حولاً جميعاً أرضعفي عام ويسمون تلك الجمعية قورلتاي وهي مستمرة الحكم في المغل والحفتاي وسبب ذلك تدافع الإمرة والفرار من تلك السلطنة الحلوة المره كما كان الصحابة الكرام يتدافعون الفتاوى خوف الآثام
стр. 477
فإذا وقع الاتفاق بين الرفاق وأمراء الجند ورؤساء الآفاق على واحد من أولاد الخان وأن يكون عليهم الممالك والسلطان وتصوب الرأي عليه وتسدد وضعوه على لبد أسود ثم رفعه من الأرض إلى السرير أربعة أنفس مكل أمير كبير كل حامل بطرف رافع في زعمه راية الشرف والخان يصيح بلسان فصيح يا رؤساء ويا أمراء ويا ملوك ويا زعماء أنا ما أقدر أن أتسلطن عليكم ولا طاقة لي أن أتحكم لديكم ولا قوة لي بهذا الحمل الثقيل والدخول تحت هذا الأمر العريض الطويل فيقولون بلى يا مولانا الخان تقدر أن تقوم بحمل أعباء هذا الشأن فيتكرر الخطاب ويتعدد الجواب حتى يجلسوه على السرير ويبتهج بذلك الكبير والصغير والمأمور والأمير ثم يأتون بالتوراة الجنكيز خانية الملعونة الشيطانية مجبلة معظمة محترمة مكرمه فينهضون إعظاماً لها ويتبركون بمسكهم أذيالها فينشرونها ويشهرونها ثم ينصتون فيقرؤنها ثم يبايعون الخان على إقامتها وأن يراعى أحكامها حق رعايتها ويبايعهم على امتثال أحكامها وإجراء نقضها وإبرامها فيجيب كل منهم الأمر على ذلك وأن يقيم شعائرها المملوك والمالك ثم يضربون له الجنوك ثلاث مرار ثم يتوجهون إلى الشمس في وجه النهارويضربون لها الجنوك ويسجد لها من فيهم من ملك ومملوك ولا يفعلون هذا الفعل الشنيع إلا في أيام الربيع فإذا تعاقدوا وتبايعوا وتعاهد وتتابعوا رفعوا تلك الكفريات واحضروا الآلات الخمريات فأدار الخان عليهم الكاسات واستعملوا الأقداح والطاسات وفتح الخزائن وأظهر المكامن ونثر النثار من الدرهم والدينار وخلع الخلع والتشاريف وأعاد في دروس النفائس أبحاث
стр. 478
التصريف واستمروا على ذلك أياماً والأنعامات تدر عليهم خاصاً وعاماً ثم يأذن لهم فيتفرقون ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون وهذه الطريقة مستعملة وإلى آخر وقت غير مهملة في جميع ممالك الشرق من الخطا والدشت والصين والمغل والجتا وفي ولايات الجفتاي والروم قد اعتاد والغالب هذه القواعد والرسوم فقدموها على القواعد الإسلامية والشرائع الأحمدية المحمدية اللهم ألهمنا الصواب ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة أنك أنت الوهاب وسبب تحركه إلى ممالك الإسلام وتوجه عنان سخطه إلى طلب الانتقام هو أنه لما استقر أمره وانتشر بعد الجور بالعدل ذكره وطابت بلاده وأمنت وخمدت حركات الظلم وسكنت توجه من بلاد ما وراء النهر فئة في سنة ثلاث عشرة وستمائة فيهم ثلاثة أنفار من أعيان التجار أحدهم يدعى أحمد الخجندي والآخر عبد الله ابن الأمير حسن الجندي والثالث أحمد بلجيخ ومعهم من أنواع المتاجر ونفائس الأقمشة والذخائر ما يصلح للملوك أولى المفاخر فوصلوا إلى بلاده
الجاري فيها مياه كفره وعناده وانتهوا إلى قوقات والمسيل وهما محل سريره الذليل فاكرم نزلهم ورفع محلهم وأنزلهم في قباب بيض وأفاض عليهم الكرم العريض وكان شعار المسلمين في تلك البلد أن ينزلوهم في قباب بيض من لبد وكانوا يقربون المسلمين ويحترمونهم دون الناس أجمعين ثم أن جنكيز خان دعا أحد أولئك الأعيان واستعرض قماشه وساومه بعد ما قربه
стр. 479
وأكرمه فطلب منه أضعاف ثمنه وسامه ما يقضي بغببه وغبنه فما رد جوابه ولا اعتبر خطابه ثم طلب رفيقه واستعرض بضائعهما عليه ثم ساومهما الثمن فقالا يا ملك الزمن أن صلح هذا القماش فخذ مناك به بلاش فليكن ثمنه رضاك وهدية في مقابلة ملتقاك وتقدمة منا إليك بل خدمة لخادم أدخلنا عليك فأعجبه هذا الحوار وقال بل أنتم تجار إنما جئتم لتربحوا وتكسبوا علينا وتنجحوا وأنتم ضيوفنا فالأولى أن يشملكم معروفنا ولكن أنا أقول قولاً وأدفع إليكم نولاً فان رأيتم فيه فائدة وعاد عليكم منه عائدة قبلتموه وإلا فالرأي فيما رأيتموه ثم ذكر لهما مبلغاً أرضاهما وبلغ به منتهى مناهما بحيث ربح درهمهما ثلاثة وأربعة وتضاعفت لهما مع قرب الملك المنفعة فقالا رضينا بما رسمت وأنعمت وقسمت فقال لرفيقهما الأول أن رضيت بمثل ما رضى به صاحباك فتخول وإلا فخذ متاعك وتحول وشأنك وقماشك ونحن مع ذلك رياشك فقال رضيت بما رضيا به وتلطف في خطابه وجوابه فأمر في الحال وأحضر المال ووزن الثمن وزاد ومن وألبسهم الخلع وأفضل في المصطنع وأمر ببضائعهم فرفعت في خزائنه ووضعت ثم أمر خواص بطائنه أن يدخلوا خؤلاء التجار إلى خزائنه فلما دخلوا إليها ووقع نظرهم عليها رأوا من نفائس الأموال والذخائر وأصناف الأقمشة والحرائر وأنواع الجواهر الملوكية وأجناس الأمتعة الكسروية واعلاق ملوك الصين والسلاطين ما أبهت نواظرهم وأدهش أبصارهم وبصائرهم فنزهوا في محاسنها أبصارهم وأودعوا محاسن مخيلاتهم أفكارهم ثم أتوا بهم إليه وأدخلوهم عليه
стр. 480
فقال ماذا رأيتم في الخزائن من نفائس البحار والمعادن فقالوا ما لا يصلح إلا في خزائنك ولا ينثر على فرق ملوك المشارق والمغارب إلا من مكامن معادنك فقال ما بايعناكم فارغبناكم ولا أكرمناكم إذ صحبناكم بناء على أنا عادومون ولا أنا بقيمة الأشياء وقدرها جاهلون وإنما فعلنا ذلك الإحسان وجبرنا منكم لنقصان العدة معان أحدها أنكم أضيافنا وقد شملكم كرمنا وأنصافنا ثانيها أن فضلنا الفضيل يقتضي إكرام النزيل ثالثها إنكم مسلمون والمسلمون عندنا مكرمون رابعها أردنااشتهار اسمنا وأن تذكر في الأقطار طريقة رسمنا خامسها أنه إذا سمع بمعاملتنا التجار يقصدون بلادنا من الأمصار وسائر الآفاق والأقطار فتعمر المسالك والدروب ويربح الطالب والمطلوب سادسها وهو أعلاها وأحسنها وأقواها أنكم أملتمونا وافدين وإنا لا نخيب رجاء القاصدين ثم سرحهم شاكرين ولما سمعوا ورأوا ذاكرين ثم اقتضت الآراء فأمر الأمراء وأكابر بلاده ورؤساء أجناده أن يجهز كل منهم إلى الجهات الغربية والولايات الإسلامية من جهته أحد المسلمين ببضائع من أمتعة الخطا والصين في صفة التجار ليتعاملوا في هذه الديار وتنفتح المسالك على السالك وننقل إليهم بضائع هذه الممالك وتكثر المعاملات وتنجد الممالك والولايات فامتثلوا مراسيمه وعدوها غنيمة ويجهز كل منهم جهته من وثق بأمانته واعتم على كفايته وأعطاه من النقود والأجناس ما يصير به من رؤساء الناس واجتمعوا قافلة وركبوا السابلة نحو أربعمائة وخمسين نفرا كلهم مسلمون كبرا وكتب لهم مراسيم وجائزات بإكرام نزلهم في الدروب والمجازات ومعاملتهم بالكرامات وأن تهيأ لهم ولدوابهم الإقامات ذهابا وإيابا حضورا وغيابا
стр. 481
ثم أرسل معهم إلى السلطان قطب الدين محمد بن تكش علاء الدين بن أرسلان بن محمد بن انوشتكين وانوشتكين هذا هو أتابك الملوك السلجوقية والسلطان قطب الدين هو الفائق من تلك الذرية رسالة عاطرة تستميل خاطره وتسيل من سحائب كرمه مواطره وحسن الجوار ومراعاة جانب الجار وسلوك ما تنتظم به الأمور وتطمئن به الصدور ويحصل به الأمن للصادر والوارد والرفاهية للقائم والقاعد وتنعقد به أسباب المحبة من الطرفين وأطناب المودة بين الجانبين وفتح باب المراسلات وكشف حجاب المعاملات وإن كانت الأديان مختلفة فلتكن القلوب مؤتلفة وشمول نظر الصدقات السلطانية وعواطف مراحهما
الملوكية على القصاد الوافدين على أبواب مكارمها المستمطرين سحائب صدقاتها وديمها بحيث تسنى مطالبهم وتهني مآربهم أو كما قال وصدر منه السؤال هذا وما أخبار السلطان قطب الدين فإنه كان من أكبر الملوك والسلاطين تملك عراقي العرب والعجم وما في ممالك خراسان من أمم واستولى على غالب الممالك بالقهر وإلى أقصى ولايات ما وراء النهر وجعل جرجانبة خوارزم مأواه وتلقب لذلك خوارزمشاه ورفع ما بين ممالكه وبين ممالك جنكزخان من التتار المسمين بقراجفتاي وعباد الأوثان واسترقهم قهرا وقسرا واستصحبهم جبرا وكسرا واستولد من تلك
стр. 482
الطائفة المعتدين ولده السلطان جلال الدين فبواسطة أنه صار له منهم ولد صاروا أقرب عساكره إليه وعليهم المعتمد فكانوا شعوبا وقبائل يخرج منهم سبعون ألف مقاتل ومنهم أيضا كانت أمه وأخواله وخيله ورجاله إلى أن خانوه وبذلوه وما صانوه واستدفع بهم طارق البلاء فكانوا (غريبة نادرة عجيبة) كان هؤلاء التتار متاخمين بلاد أنزار وهي حد ممالك السلطان وهي سد عظيم بين المسلمين وبين جنكزخان فغزاهم السلطان وأبادهم واستعبد كما ذكر أجنادهم فارتفع السد من البين وانهدم الفاصل بين الجانبين واتصلت المملكتان كالمحبين أعني مملكة السلطان ومملكة جنكزخان فسرت السرائر وابتهجت الضمائر ودقت في ممالك السلطان قطب الدين البشائر وزينت الولايات بأنواع الذخائر وكان في نيسابور من أكابر الصدور شخصان من العلماء فاجتمعا وأقاما العزاء فسئلا عن موجب هذا البكاء وإنما الناس في فتوح وهناء فقالا أنتم تعدون هذا السلم فتحا وتتصورون هذا الفساد صلحا وإنما هو مبدأ الخروج وتسليط العلوج وفتح سد يأجوج ومأجوج ونحن نقيم العزاء على الإسلام والمسلمين وما يحدث من هذا الفتح من الحيف على قواعد الدين وستعلمن نبأه بعد حين وأنشد فأرشدا:
стр. 483
وعلمت أن فراقكم لا بد أن ... يجري له دمعي دما وكذا جرى
وكان السلطان قد دانت له البلاد واستولى على أهل اليفاع والوهاد وأباد العجم وتفرد بسياسة تلك الأمم وتخت ملكه خوارزم وقد صمم العزم بحزم وحمل الناس على نزع الخلافة من آلعباس ووضعها في آل علي وقد توجه إلى العرق بهذا القصد الجلي فوصل إلى حدود العراق وهو مجد على هذا الاتفاق فوصل أولئك التجار إلى انزار من صوب جنكزخان وبها من جهة السلطان نائب يدعى قايرخان فلما وصلوا البلد أخبرهم النائب الرصد فحبسهم عنده في مكان وأرسل يستأمر فيهم السلطان وبشع العبارة وشنع السفارة وذكر أنهم جواسيس تستروا بالتجارة وإن معهم من الأموال ما يوازي الرمال ويوازن الجبال مصراع (وما آفة الأخبار إلا رواتها) فأمره بقتلهم وأخذ ما معهم وسلبهم ففي الحال أبادهم وسلبهم طارفهم وتلادهم وأرسل المال إلى السلطان وأوصله حسبما رسم به الديوان فطرحوه على تجار بخارى وسمرقند كما يطرح على مساكين دمشق القند واستخلصوا ثمنه بالظلم وزادوا عليهم فيه الغرم وكان سبب ذلك أن تاجرا عند قايرخان أراد أن لا يكون عند السلطان تاجر سواه فتبعه قايرخان لما أغواه فتعددت الأسباب وانفتح للشر أبواب وقالوا شر أهر ذا ناب فلم يفلت منهم سوى رجل واحد أنجاه الله من العدو والحاسد فاختفى واتصل إلى بلاده وأخبرهم بوقوع الأمر وفساده
стр. 484
فغضب جنكزخان وتحرك منه باعث العدوان ثم تثبت في أمره وتلبث في فكره وأرسل إلى السلطان رسالة فيها تهديد وبسالة وكان السلطان خوارزمشاه لما أبدى هذا الخطأ وأنهاه طير مراسيمه إلى أطراف الممالك يأمرهم بالمحافظة على در بندات المسالك ويحرض ولاة الأمور وأصحاب الإدراك في المضايق والثغور والطلائع والإرصاد على منع القصاد وكف من يخرج من تركستان إلى صوب ممالك جنكزخان ثم أرسل من جهته جواسيس يختبر أحوال ذلك الإبليس وينظر أموره وأوضاعه ومقدار عسكره وأمرهم في الطاعة وما قصده أن يفعل ليستعد بحسب ما يعلم منه ويعمل فتوجهت جواسيس السلطان وطال في غيبتهم الزمان وقطعوا الجبال والقفار وسلكوا المفارز والأوعار حتى وصلوا إلى بلاده وفحصوا عن أمره واستعداده وخبروا أمر جنده وعتاده وأوضاع عسكره وتعداده فرجعوا بعد مديدة وأزمان وأخبروا بما حققوه السلطان وأن عدد عساكره يفوت الإحصاء ويخرج عن دائرة الاستقصاء وأنهم أطوع البرية للملك وأثبت جنانا من الأسد المنهمك وأصبر جندا على القتال كأن أمر الهزيمة عندهم محال وأنهم إذا واثبوا أو حاربوا أو سالبوا أو لاسبوا أو رابضوا أو ضاربوا خابطوا ثم خاطبوا بقوله:
ونحن أناس لا توسط بيننا ... الصدر دون العالمين أو القبر
وإنهم لا يحتاجون في الأسفار ولا عند مقاحمة الأخطار إلى كثير مؤنة ولا كبير معونة بل كل منهم ينهض باحتياجه واحتياج مركوبه إلى الجامه وأسراجه ويستبد بعمل سلاحه وجميع ما يستعين به سفرا وحضرا في صلحه وصلاحه ونطاحه وكفاحه وكذلك ملبوسه وزاده وسائر هبته وعتاده
стр. 485
فندم خوارزمشاه على ما قدمت يداه من قتل أصحابه وفتح الثغر وبابه وأنى يجدي الندم وقد زلت القدم وتبدل الوجود بالعدم وغرق في بحر الهموم وهمى عليه غمام الغموم فشاور لما لقي الشهاب الخيوقي وهو فقيه فاضل ونبيه كامل عالم أجل كبير المحل له عند دمحل خطير لا يخالفه فيما يشير فإن رأيه سديد وقوله رشيد فقال له يا إمام قد تحرك على الإسلام عدو ألد الخصام بعساكر كالرمال ذوي صدمات كالجبال فما ترى فيما طرأ فقال عساكرك كثرة وأنت ذو قوة ووفرة وزفر أقدامك له زفرة فكاتب الأطراف وأجمع عساكر الأكناف وادع أهل بيضة الإسلام إلى هذا النفير فإنه عام فإذا وفدوا عليك وتمثلوا بين يديك توجه بهم إلى نهر سيحون واجعل ساحله من تلك الجنود مشحون واملأ بهم تلك المهامة والقفار وحصن ممالكك إلى حدود انزار فإن أقبل العدو المخذول لم يصل إلا وهو من الكلال محلول فإنه يأتي من بلاد بعيدة بجنود عديدة وقد أثر فيه الغضب وأخذ منه التعب والوصب فتلاقيه على سيحون وهم كالون ونحن مستريحون فجمع بعد ذلك أمراءه ووزراءه وزعماءه وعرض عليهم ما جاءهم وطلب منهم آرائهم فلم يرتضوا رأي الشهاب لأمر يريده مسبب الأسباب وقالوا بل نتركهمحتى يقطعوا الأوعار والمضايق ويتورطوا في بلادنا
стр. 486
في بالعوايق فتزداد مشقتهم وتطول في المسير شقتهم لا سيما وهم بأرضنا جاهلون وعن مداخلها ومخارجها ذاهلون فإذا حصلوا في قبضتنا كان أمكن لنهضتنا فنضيق عليهم واسع رحابها وأهل مكة أخبر بشعابها وذهل أولئك الجمع عما رآه الفقهاء وهو أن الدفع أولى من الرفع وبينما هم في المشاورة والمراودة ورد قاصد جنكزخان برسالة المناكدة وفيها من التشنيع والتقريع والتهديد والتبشيع العجب العجاب وما يشيب الغراب فمن جملة تشنيعاته ومضمون تهويلاته ما معناه في فحواه كيف تجرأتم على اصحابي ورجالي وأخذتم تجارتي ومالي وهل ورد في دينكم أو جاز في اعتقادكم ويقينكم أن تريقوا دم الأبرياء أو تستحلوا أموال الأتقياء أو تعادوا من لا عاداكم وتكدروا عيش من صادقكم وصافاكم أتحركوا الفتن النائمة أو تنهضوا الشرور الجاثمة أو ما جاءكم عن نبيكم وسريركم وعليكم أن تمنعوا عن السفاهة غويكم وعن ظلم الضعيف قويكم أو ما أخبركم مخبروكم وبلغكم عنه مرشدوكم ونباكم محدثوكم اتركوا الترك ما تركوكم وكيف تؤذون الجار وتسيئون الجوار ونبيكم قد أوصى به مع أنكم ما ذقتم طعم شهده أوصابه ولا بلوتم شدائد أوصافه وأوصابه ألا وإن الفتنة نائمة فلا توقظوها
стр. 487
وهذه وصايا إليكم فعوها واحفظوها وتلافوا هذا التلف واستدركوا ما سلف قبل أن ينهض داعي الانتقام ويتحرك من الفتن حامي الاضطرام ويقوم سوق الفتن ويظهر من الشر ما بطن ويموج بحر البلاء ويروج وينفتح عليكم شد يأجوج ومأجوج وسينصر الله المظلوم والانتقام من الظالم أمر معلوم ولا بد أن الخالق القديم والحاكم الحكيم يظهر أسرار ربوبيته وآثار عدله في بريته فإن به الحول والقوة ومنه النصرة مرجوة فلترون من جزاء أفعالكم العجب ولينساب عليكم يأجوج ومأجوج من كل حدب وكان اللعين جنكزخان قد مشى على تركستان وأخذ منها عنوة كشغرو بلاساغون وصار تافي حوز ذلك الملعون وكانتا في يد كوجلك خان ابن أونك خان المار ذكره في أول القصة لما قتله حنكزخان وقصة هرب ولده كوجلك خان المغبون واستقر في شاغروبلا ساغون إلى أن مشت العساكر عليه وأخذت تلك الأماكن من يديه فلما وصل هذا الخطاب إلى ذلك الأسد الوثاب أمر بمقدم القصاد ورئيس أولئك الوراد فضربت رقبته وبمن بقى فحلقت لحيته وسخمت بالسواد حليته ردا لجواب بأبشع خطاب ومن فحواه وبارد ما حواه إني سائر إليك وهاجم عليك بجنود الإسلام وأسود الآكام وكل بطل ضرغام ولو بلغت مطلع الشمس فحلك في قعر الرمس وجاعلك كذاهب أمس فتيقن ذلك واعلم إنك لا محالة هالك ورد قصاده على عقبهم وقصد التوجه في ذنبهم
стр. 488
فتجهز وصار بعسكر جرار إلى صوب التتار وأوصل السير وسابق الطير وأراد أن يسبق الخبر ويكبس التتر ويريهم عين العلة قبل الأثر فألوى من العراق
وسار وساق فقطع ممالك خراسان وولايات ما وراء النهر وتركستان وهجم بذلك البحر الزخار في تلك المهامة والقفار فوصل إلى حشم في بيوت وهم آمنون في سكون وسكوت ليس فيهم غير نساء وصبيان ومواش وبعران رجالهم غائبة وأمورهم بواسطة الأمن سائبة وكانت رجالهم توجهت لأخذ الثار من بعض التتار بواسطة عدوان وقع بينهم وبين كوجلك خان فقاتلوهم وكسروهم ونهبوا أموالهم وهصروهم ففي غيبتهم وصل السلطان إلى بيوتهم وفي أمنهم وسكونهم وليس فيهم إلا الحريم والأطفال والمواشي والأثقال لا يؤبه إليهم ولا يعول عليهم فاستولى عليهم ونهبهم وسلبهم عيشهم وأمر العساكر فنهبوهم وأسروهم وفرقوهم وكسروهم وهم الجم الغفير والعدد الكثير والمال الغزير ورجع السلطان من فوره وابتدأ في حوره بعد كوره وتصور أنه أعنى وأنكى وأنه أضحك وليا وعدوا أبكى فما هو إلا وضع على القرح كيه وداس ذنبه الحية ثم رجع التتار ورأوا ما حل بأهلهم من بوار وإنهم أخرجوا من ديارهم وأولادهم ونكبوا في طريقهم وبلادهم وأن نساءهم أسرت وصفقتهم خسرت فما وفت نصرتهم بسكرتهم ولا قامت فرحتهم بحسرتهم التهبوا واضطربوا واصطلموا واصطدموا وأخذتهم الحمية وعصبتهم
стр. 489
العصبية وتنادوا ياللغارات وطلبالثارات وتناجى منهم حماة الحقايق وكماة المضايق وتتبعوا في الحال آثار الرجال من غير إهمال ولا إمهال وسلكوا الآثار لأخذ الثار وأكبوا كالبرق الخاطف وزعقوا كالرعد القاصف واندفعوا كالريح العاصف واندفقوا كالسهم الناقف ودهموا كالليل المدرك وهجموا كالسيل المهلك فأدركوا عساكره بشرور ثائرة ومراجل صدور بالضغائن فائرة فلم يشعروا إلا العدو المضرم غشيهم كالقضاء المبرم فألوت عساكره وقابلت واستعدت وقاتلت والتفت الرجال بالرجال وضاقت ميادين المجال واستمرت ضروب الحرب بينهم سجال وتطاولت سهام الموت لقصر الآجال وتهللت ثنايا المنايا لبكاء السيوف وتبسمت ثغور الرزايا لفتوح الحتوف واستمرت ديم السهام من غمام القتام على رياض الصدور تهمي ولوامع بروق السيوف على قمم تلك الصفوف بعد الوابل الوسمي بالصواعق ترمي ثم انتقلوا من معاشقة المراشقة إلى مراشقة المعانقة ومن مكالمة المضاربة إلى ملاكمة الملاببة ومن مخادعة المقارعة إلى مسارعة المصارعة وامتدت بهم الحال في هذا القتال والجدال ثلاثة أيام مع الليال لا يسأمون الطعن والضرب ولا يملون مباشرة الحراب والحرب إلى أن جرى من الدماء طوفان وكاد يظهر سر كل من عليها فإن كل ذلك وكاتب البيض والسمر يستوفي من أقلام الخط في صحائف الصفائح مستوردات
стр. 490
العمر ولم يسمع بمثل هذا القتال ولا بنظير هذا الضراب والنضال في سالف الأزمنة والأعصر الخوال وما أمكن تولي إحدى الطائفتين ولا نكوص جهة من الجهتين أما طائفة المسلمين فلحمية الدين ولو ولوا الأدبار لما أبقت التتار لبعد الديار وصعوبة القفار منهم نافخ نار وأما الكفار فللغيرة على ذوات الأستار واستخلاص الأطفال والصغار من قيد الذل ورق الاسار فصارت الخضراء غبراء والغبراء حمراء والصحرا بحرا والقتلى تلا والجرحى ترحى ولم يثبطهم عن استيفاء القتال غير انحلال الأعضاء والكلال فانفصلوا وما انفصلوا وانقطعوا بعد ما اتصلوا وحلوا بعد ما كلوا وتراجع كل عن صاحبه بعد ذوبان قلبه وقالبه واستفراغ جهده بما وصلت إليه غاية كده ثم استوفى ناظر القضاء ما أورده عامل الفناء من سهم المنون إلى ديوان برزخ إلى يوم يبعثون من أرواح الشهداء الأبرار وأنفس الأشقياء الكفار الوار من تلك المعركة الساكن من حركات هاتيك التهلكة فكان من المسلمين عشرون ألفا ومن الكفار كذا وكذا ضعفا غير أنه لم يمكن حصرهم ولم يعرف قدرهم فلما كانت الليلة الرابعة وهي الليلة الفارقة القاطعة أوقد كل من الفريقين في منزله النار وأكثر من القبائل في المنازل والآثار وتركها وسار فوصل السلطان من بلاد تركستان وقطع سيحون نهر خجند ووصل إلى بخارى وسمرقند وشرع في تحصين البلاد والقلاع والاحتفاظ بمدن الممالك عن الضياع وقد سكن الهم فؤاده ونهب
стр. 491
القلق والأرق رقاده وعلم المسلمون أنه خان وأنه لا طاقة لهم بالتتار فخافوا حلول البوار ونزول الدمار وتيقنوا خراب الديار لأن السلطان عاجز ولا بد من قدوم بلاء ناجز وقالوا إذا كان هذا الخور من شرذمة قليلة من التتر في طرف من أطراف بلاده لا فيهم أحد معتبر من أجناده ولا
رئيس يشار إليه من أولاده ولا درى ولا أعلم بما جرى فكيف إذا دهم بطامته الكبرى وأحشاد جيوشه العظمى فترك خوارزمشاه ببخارى عشرين ألف مقاتل وفي سمرقند خمسين ألف مناضل وقرر معهم أنه سيجمع الجنود ويستجيش أبطال المسلمين ويعود وتوجه بثبات عزم وإضاعة حزم إلى سرير ملكه خوارزم ثم انتقل إلى خراسان وخيم بضواحي بلح في مكان وأقام رخى البال كأن الشيء ما كان ثم لا زال يضمحل ويذوب ويحل به ما يحله من نوائب الخطوب حتى انتقل إلى جوار الرحمن في أطراف طبرستان في سنة سبع عشرة وستمائة وكانت ولايته في العشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة وكان ملكا عظيما وسلطانا جسيما ذا صولة فاهرة ودولة باهرة وجولة أرقدت الملوك بالساهرة فاضلا فقيها عالما نبيها اضمحل بأدنى حركةملكه وغرق في بحر الفناء بعد الطغيان فلكه وركن إلى الخطا فوقع فيه وخانته عساكره ومخالوه ودود الخل منه وفيه كان في خزنته عشرة آلاف دينار من أجناس الأقمشة والأمتعة والأسلحة ما لا يحصيه إلا الواحد القهار وكان فيها ألف حمل من القماش الأطلس
стр. 492
وأضعاف ذلك من نفيس النفائس وأنفس ومن الخيل المسومة عشرون ألف جنيب ومن المماليك الملوك عشرة آلاف كل له في دار الملك ربع خصيب وأوفر حظ ونصيب فما أفاد ذلك ذره بل نبشوا بعد موته قبره وقطعوا رأسه وفجعوا به ناسه فسبحان من لا يزول سلطانه وعز وعلا من لا يذل شأنه:
فما كف ذو كف له رائد الردى ... ولا مال بالأموال عنه حمامه
ولا ملك كلا ولا ملك حمي ... حمى ملكه لما عراه انهدامه
وبسط المقول فيه شرح بطول (وأما) أمر الطاغية صاحب الفئة الباغية جنكزخان لما وصل قصاده من عند السلطان بعد الفناء والشدة لحاهم محلوقة ووجوههم مسودة وقد قتل رئيسهم وخلا من نقد مرادهم كيسهم ذهب حفاظه والتهب شواظه وطمت بحار كفره وتلاطمت وتزعزت أطواد شركه وتصادمت وبينما هو يرغى ويزبد ويقوم من غضبه ويقعد إذ جاءه الخبر الثالث وهو شر الحوادث إذ فيه خبر من قتل من الكفار وانتقل من دار الخسار إلى دار البوار جهنم يصولنها وبئس القرار فأعمل في قلبه نصله وكان أولا قد زاد على قرحه قرح مثله ثم كان هذا القرح ملحا مذرورا على جرح فقامت قيامته وتعوجت بالحزن قامته وود لو أحرق الكون بأنفاسه وهدم أساس المكان بفأس بأسه ثم تروى وافتكر وتهوى من حر هذا الشرر ثم قصد مذهب الاعتزال وانزوى عن جماعته في مكان خال ودخل إلى مكان خراب وعفر وجهه في التراب وتضرع إلى الله الحليم وقال يا خالق يا قديم أنا أردت أن أعمر
стр. 493
بلادك وأنعش عبادك فظلمهم يا الله عبدك خوارزمشاه وتعدى علي وكرر الإساءة إلي فانتصر لي منه وانتقم فإنك جبر من كسر وعون من ظلم واستمر على هذه الحال ثلاثة أيام وليال لا يأكل ويشرب ولا يفتر عن التضرع والطلب يمرغ رأسه ووجهه في الثرى ويقصد فيما يرومه رب الورى وقد قيل:
تضرع جنكزخان لله ساعة ... وأخلص فيما رامه وهو مشرك
فما خاب فيما رامه من فساده ... وما زال يعثو في الأنام ويسفك
فما بال من لله طول حياته ... يوحد بالإخلاص هل هو يهلك
ثم نهض نهضة أنام فيها الأنام وقام قومة أقام بها ساعات القيام فتوجه من مشركي التتار وعساكر الكفار بالبحار الطامية والأمطار الهامية وجبال النيران الحامية في شهور سنة خمس عشرة وستمية ومشوا على ممالك الإسلام وساروا على بسك العالم سير الغمام وأرادوا طفاء نور الإيمان من أشراكهم بظلام فوصلوا إلى البلاد وهي جنة المرتاد آمنة مطمئنة ساكنة مستكنة وليس لها مانع ولا ممانع ولا لهم عنها دافع ولا مدافع ولا بها حام ولا محام ولا سام ولا مسام فاخنوا على جند وقراها وولايتها وما ولاها رابع صفر عام ستة عشر وأظهر فيها علامات الحشر فأدهشوا وهلها وسبكوا أهلها ودكوا جبلها وأحاظ بها ثبوره وويله واستمروا في نهبها ست عشرة ليلة ثم تنقلوا عن جند إلى ولايات اند كان وفناكث وخجند فأخذوها
стр. 494
وقتلوا وفعلوا كما كانوا فعلوا ثم إلى بلدة مرغينان وكانت دار ملك ايلك خان ثم إلى أطراف تركستان ومنها سيرام وتاش كبدو باقي البلدان ثم إلى تسف وأنزار وسغناق ومامن أمهات البلاد في تلك الآفاقفمشوا على سهل البلاد ووعرها مشي الجراد على القصير الأخضر
فكأنهم موسى على شعر مشت ... أو منجل فوق الحصيد الأصفر
أو شعلة ثار الهوا فتعلقت ... فوق الصعيد على الهشيم الأغبر
فكل من أطاعهم وقصد اتباعهم صار من جلدتهم ودخل في عدتهم ومن عصى أو توقف أو خالف أو تخلف سقوه كأس الدمار وأحلوه وقومه دار البوار وأسروا حريمه وأولاده ونهبوا طارفه وتلاده ثم أن تلك الدواهي المصمية يوم الثلاثاء رابع المحرم سنة سبع عشرة وستمية وصلوا إلى بخارى بلدة فضلها لا يجارى قبة الإيمان وكرسي ملوك بني سامان مجمع العلماء والزهاد ومنبع المحققين من الفقهاء الأمجاد والمدققين من النبهاء والأنجاد وفيها من الأكابر والأشراف وأوساط الأمائل والأطراف الجم الغفير والطم الكثير فلما رأى العساكر السلطانية والجيوش الخوارزمشاهية الذي كان أرصدهم السلطان لحفظ البلدة من طوارق الحدثان وهم عشرون ألفا أن البلاء زحف إليهم زحفا وأن كسرتهم منهم لا تخفى وأن سيل الويل حطم
стр. 495
وموج بحر الدواهي التطم ومن لم يدرك من الغرق نفسه ارتطم شمروا الذيل وخرجوا تحت الليل وقصدوا جيجان والعبور إلى خراسان ومقدمهم من أمراء السلطان كورخان وسونج خان وحميد النوري وكوحلي خان فبينما هم على نهر جيحون قاصدين العبور صادفتهم طلائع جنكزخان الكفور فوضعوا السلاح فيهم ومحوهم عن بكرة أبيهم فما أبقوا منهم عينا ولا أثرا ولا سمع لهم أحد خبرا فوهي أمر البلد إذ لم يبق لهم مدد فطلبوا الأمان وأرسلوا لذلك القاضي بدر الدين بن قاضي خان فأجابهم إلى ذلك وأناب فاطمأ نواو فتحوا الأبواب فدخلوا المدينة يرفلون وهم من كل حدب ينسلون فعصى بقية العسكر في القلعة وتصوروا أن يكون لهم منه منعة ففي الحال أمر الرجال بطم الخندق بكل ما وجدوا جل أو دق فأتوا بنفائس الأقمشة والذخائر المدهشة والكتب والربعات والمصاحف الشريفة والختمات وطرحوها في الخندق ومشى العسكر عليها وتسلق ونقبوا النقوب وأنفذوا الثقوب وكان قد نادى بالأمان للقاضي والدان فعجزت القعلة وذهب ما بها من منعة وكان فيها فئة نحو من أربعمائة فباشروا عن آخرهم واستولوا على باطنهم وظاهرهم ثم مدوا أيديهم إلى المخدرات وفجروا ظاهرا بالمسترات وجعل الناس ينظرون ويبكون وهم يفتكون وينكون لا يستطيعون دفعا ولا يملكون ضرا ولا نفعا فاجتمع من أئمة الدين ومن أعلام العلماء المهتدين ومن لم يرض
следующие страницы →