← Общие книги

Общие книги · id 12728

كواشف زيوف

عبد الرحمن حبنكة الميداني

Полный текст (717 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ *﴾ . فدلاهما بغرور: أي أنزلهما في بئر العصية إلى قاعها، شيئاً فشيئاً، وهما مغروران بوساوسه وأكاذيبه، متلبّسان بغرور من أمرهما، يظنان أنهما سيظفران بالخلود الذي أطعمهما به، أو بأن يكونا ملكين لهما قُدسيّة الملائكة وطهارتهم. فاستدراجهما كان على مراحل، وبأسلوب الخطوات المتتابعة، وهذه هي طريقة الشيطان في الاستهواء والإغواء. هذا عمل شيطان الجن، لكن شياطين الإنس أكثر مكراً وأعظم خطراً، وأشد تضليلاً، وأشد للنفوس أسراً. * * * العنصر الثامن: الإيهام بأن الفكرة قد غدت من المسلمات العلمية، والحقائق التي لا تقبل النقض ولا النقد. فتُعرض في العلوم على أنها من أهم المكتشفات العلمية، ويُستشهد بها على أنها حقائق مقطوع بها، وتُعتبر أساساً لبناء نظريات أخرى. ولتأصيلها في أذهان الناس يوجّه النقد الشديد اللاذع ضد كل ما يناقضها ويخالفها، مع استخدام وسائل الهز والسخرية، والتندر بالذين يأخذون بالرأي المخالف، واتهماهم بالرجعية، والتخلف، والجمود، وعدم الفهم، والتعصب الأعمى للقديم، ونحو ذلك من العبارات. ومن أمثلة ذلك قول قائلهم: " إن نظرية التطور العضوي قد توجه البحوث العلمية في علم الحياة. ونظرية "فرويد" من أهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية في مجال الدراسات النفسية. والماركسية أو الاشتراكية العلمية أهم نظرية

стр. 107

شاملة صدرت في العلوم الاجتماعية والاقتصاد ". مع أن كل هذه التي أوهم قائلها بأنها حقائق علمية، أو مقولات ذات أهمية كبرى في ميادين المعرفة المعاصرة. * * * العنصر التاسع: استخدام الآداب والفنون المختلفة لتأكيد الفكرة ونشرها، كاستخدام القصص، والتمثيليات، والشعر، والتصوير، والغناء، والرقص التعبيري، والنكتة الساخرة، والمضحكات (الكوميديا) ، والرسوم التعبيرية (الكاريكاتير) ونحو ذلك. وكل قارئ للقصص التي ندفع بها المطابع للقراء، ولدواوين الشعر التي يصدّرها أدباء التضليل الفكري، والإفساد الخلقي والسلوكي، ومروجو المذاهب الضالة، وكل مشاهد للتمثيليات التي تعرضها أجهزة نقل الصوت، أو نقل الصوت والصورة، يلاحظ ما تحمله هذه الآداب والفنون من ترويج لأفكارٍ ومذاهب مختلفة، وهذه الأفكار والمذاهب تتسلل إلى نفوس الأجيال وعقولهم فتتمكن منها، حتى تكون بمثابة عقائد راسخة، أو أمورٍ مسلم بصحتها وسلامتها، أو مُسلّمٍ بأن ضرورة التطور الاجتماعي تقتضيها. وقد استخدم اليهودي الصهيوني "جان بول سارتر" قصصه وتمثيلياته، وما برع فيه من فنون أدبية، لبث أفكاره الفلسفية المدمّرة لكل القيم الدينية والخلقية والاجتماعية والسياسية والفكرية، والمعروفة بالفلسفة الوجودية

стр. 108

الملحدة، مع ما فيها من تفاهة فكرية، وسبح هائم في عالم "اللامعقول" فأثر في جماهير الشباب والمراهقين من مختلف الشعوب أيما أثر. وقد جند المفسدون في الأرض كتاباً كثيرين، لملء برامج الإذاعة والتلفزيون وصفحات الدوريات بهذا الأدب غير الأخلاقي، بغية نشر الإباحية والأفكار والمذاهب الهدامة. * * * العنصر العاشر: ستر العناصر المأجورة أو المدفوعة لوضع الفكرة أو المذهب أو الترويج لهما ونشرهما، بمختلف أنواع الستر وصوره. فداعي الاشتراكية مثلاً يوجّه أن يبقى في ظروف مالية واجتماعية قاسية، تبرر نقمته على الرأسمالية، وتبرر وضعه أو نشره للمذهب الاشتراكي أو الشيوعي، ويُفرض عليه أن يتظاهر بكل ما يؤكد أنه غير مدفوع من قِبَل منظمة خاصة لها مصلحة بما دفعته إليه. وقد يُستأجَرُ ذو غنى واسع لتأييد الاشتراكية أو الشيوعية، مع تطمينه بأنه سيكون محمياً من ويلاتها ونكباتها إذا وصل الحزب الاشتراكي أو الشيوعي للسلطان، ونفذ برنامجه الاقتصادي والاجتماعي، وذلك ليكون تأثير صاحب الغنى الواسع هذا أكثر في الجماهير، إذْ ترى فيه الشخص المتجرد الذي ينصر الحق ولو خالف مصلحته الخاصة، وهذه من الحيل الشيطانية البارعة. وإمعاناً في ستر أفراد التنظيم أو أجرائه وعملائه، تعمد قيادة التنظيم إلى توجيه بعض المعروفين بالانتماء إليه لمقاومة ذلك العنصر الذي يُراد ستره، ولمهاجمة أفكاره وانتقادها بصورة لا تجرح جوهر المذهب الذي يراد التبشير به وترويج مبادئه، أو لانتقاد تصرفاته الشخصية. وبذلك تضمن المنظمة توجيه الفكرتين المتصارعتين أو المذهبين المتضادين، ضمن الخطوط المرسومة لهما، فتمد أحدهما بمقدار، ثمّ تمد الآخر بمقدار،

стр. 109

وتقيم بينهما تمثيلية الصراع بمقدار، ويجري كل ذلك وفق خطط مرسومة تحقق أهداف المنظمة، نظير فعل الدول حين تفرض على جواسيسها سلوكاً معيناً. فقد يعمل ضابط كبير في المخابرات خادماً في مطعم أو مقهى، أو بواباً لفندق أو سائقاً لسيارة، أو نحو ذلك. * * * خاتمة حول المنهج الذي يجب اتباعه تجاه المضلين: بعد ملاحظتنا عناصر الخطة العامة للمضللين في الأرض، وواضعي المذاهب الباطلة، علينا أن نستبين المنهج الذي يجب اتباعه تجاه كل المذاهب والأفكار والآراء المشتملة على عناصر مناقضة أو مخالفة لما هو ثابت ويقيني في الإسلام. وبالتأمل يستطيع العاقل الحصيف طالب الحق، والحذِرُ من الافتتان بالباطل والانزلاق لاعتناقه، أن يتخذ لنفسه منهجاً فيه القواعد التالية: القاعدة الأولى: عدم قبول الأحكام التقريرية التي يقدمها مروجوها على أنها حقائق مسلمة، وإن تسترت باسم العلم، والكشوفات العلمية، ومناهج البحث المنطقي السليم، وطرائق المعرفة الحديثة، ومنجزات الحضارة، وما أشبه هذه الألفاظ. فالتستر بهذه الألفاظ من وسائل التزييف التي مهرها مروجو المذاهب الضالة. القاعدة الثانية: الحذر من التأثر بالأقوال المزخرفة المنمقة، أو المرتبة ترتيباً متناسقاً يوحي بسلامتها من الزيف. القاعدة الثالثة: الحذر من قبول كل المذاهب تأثراً بكثرة الصحيح المعروض فيه، فربّ ألف فكرة صحيحة تفسدها فكرة باطلة تقع منها موقع الجذر، أو أساس البناء وقاعدته الأولى. وكم سقط أذكياء في فخ أصحاب الحيل من شياطين واضعي

стр. 110

المذاهب الضالة، تأثراً بأفكار صحيحة كثيرة عُرضت عليهم، حتى إذا سئموا من شدة المراقبة، وجاءتهم الغفلة، أمرَّ الشيطان الفكرة الباطلة بطريقة متسللة دون أن تثير ضجةً ولا انتباهاً، وهم عندئذ يقبلونها دون محاكمة ولا نظر. يضاف إلى ذلك أن كثرة الصحيح تستدرج الأنفس إلى الثقة والطمأنينة، ومع الثقة والطمأنينة يكثر التسليم دون بحث ولا نظر، ودون إجهادٍ للذهن بفحص كلّ جُزَيئَة لتمييز الحق من الباطل. القاعدة الرابعة: الحذر من المغالطات التي قد تشتمل عليها الأدلة المقدمة لإثبات المذهب الوافد، وتوجيه الانتباه من الدرجة القصوى لأصول المغالطات التي يصطنعها المضللون المغالطون للإقناع بمذاهبهم وآرائهم. القاعدة الخامسة: اليقظة التامة لدى فحص الأفكار ومناقشتها، ويكون ذلك بتجزئة الأفكار إلى عناصرها، والبحث عن جذورها، وعدم قبولها جملة واحدة، أو رفضها جملة واحدة. وكم من أخطاء علمية وقع فيها باحثون، بسبب عدم تفاصُل عناصر الأفكار في أذهانهم، وعدم تمايزها، فقد يعطي أحدهم بعضها حكم الآخر مع أن له حكماً غير حكمه، لمخالفته له في الحقيقة، أو في كثير من الصفات. ومن هنا تأتي تعميمات فاسدات، يظهر زيفها متى تمايزت حقائق الأشياء في الذهن، وتفاصلت عن بعضها بهوياتها الخاصة التي لها أحكام خاصة. فعلى الباحث أن يفصّل أي موضوع ذي عناصر إلى عناصره، ووحداته الجزئية، ثمّ يبحث في كل عنصر منها وفق أصول البحث العلمي، ثمّ يبني حكمه بالاستناد إلى ما انتهى إليه بحثه في ذلك العنصر، وهكذا حتى يستوفي كل العناصر، ولا تغرنه كثرة عناصر الصواب، فقد

стр. 111

يأتي عنصر واحد باطل فاسد، فيكون سبباً في إفساد نظرية الموضوع كله، ويكون هذا العنصر بمثابة السم في الدسم، بالنسبة إلى جملة المذهب، أو الآراء المعروضة. * * *

стр. 112

الفصْل الثاني المغَالَطاتُ الجَدَليّة يقصد بالمغالطة اصطناع مقدمات مزيفة مزخرفة توهم بصحتها، فتسوق فِكرَ من يُراد إقناعه بالباطل من حيث لا يشعر، حتى تُوقعه في الغلط، وهو يحسب أنه على صواب، فيقبل الباطل الذي يساق إلى الاقتناع به، ويظنه حقاً، فيعتقد صوابه، ويؤمن به، ثمّ يدافع عنه ويبشر به. وللمغالطات الجدلية أصول كثيرة أهمها الأصول التالية: الأصل الأول تعميم أمرٍ خاص: والمغالطة بالتعميم الباطل تنسب إلى بعض أفراد العام ما ليس له من أحكام بغية التضليل. ويستطيع المضللون التأثير على جماهير الناس بهذه المغالطة، لأن من طبيعة هذه الجماهير أن تصدّر أحكاماً تعميمية، وأن تقبل أحكاماً تعميمية، متى شاهدت أمثلة مطبقة على بعض أفراد العام، وذلك في نظراتهم السريعة السطحية غير العلمية، وهي النظرات التي ليس فيها أناة، ولا عمق، ولا بصيرة، ولا تتبُّعٌ واستقصاء، ولا منهجية برهانية. فإذا رأوا عدداً من اللصوص ينتمون إلى قبيلة، حكموا على أفراد القبيلة بأنهم لصوص، كما لو رأوا حيواناً يفترس الأنعام، إذ يحكمون على كل أفراد نوع هذا الحيوان بأنها تفترس بطبيعتها الأنعام، ويغفلون عن نقطة

стр. 113

مهمة وهي أنه لا يصح قياس الناس الذين يتحركون بإرادتهم على البهائم التي تتحرك بطباعها. ويستغل المضللون هذه الطبيعة السطحية، عند الجماهير التي لا تملك منهجية علمية في نظراتها إلى الأمور، فيضللونهم بأحكام تعميمية باطلة. ويكون التعميم الباطل بوجهين: الوجه الأول: أن يكون للفظ العام تطبيقات جزئية مقبولة ومعقولة، وفيها حق وخير، وهي تقع ضمن دوائر وحدود خاصة. والناس يطلقونه دون بيان حدوده الخاصة، فهو يتردد على الألسن دون قيود. ويستغل المفسدون المضللون هذا اللفظ بإطلاقه، ويعطونه مداً تعميمياً، ليكون له في نفوس الجماهير صدى عام، يشمل مساحات لا يصح أن يشملها، فإذا طبق على هذه المساحات الواقعة وراء الحدود المعقولة المقبولة، كان تطبيقه باطلاً، ونجم عنه شر وفساد. مثل ألفاظ: "الحرية - المساواة - التقدم - الواقعية - المثالية - الرجعية - الوطنية - القومية" إلى غير ذلك من ألفاظ مطلقة. الوجه الثاني: أن تقدم الملاحظة أو التجربة العلمية أمثلة محدودة، جرت في أفراد العام، كنوع أو جنس، وهذه الأمثلة، لا يصح بناء قاعدة كلية عامة عليها في المنهج العملي السليم. لكن المضلين يوهمون بأن هذه الأمثلة المحدودة، التي جرت في أفراد معدودة، كافية لإعلان قاعدة كلية عامة، أو قانون شامل لكل أفراد النوع أو الجنس. ويقبل السطحيون ذلك، لأن نزعة التعميم وتصدير الأحكام الكلية الشاملة، أقرب إلى نفوسهم من البحث التفصيلي المتقصي، الذي لا

стр. 114

يسمح بإصدار أحكام تعميمية إلا بعد استقراء شامل أو ما هو قريب منه. والمغالطة التعميمية، أخطر مغالطة فكرية تقتات بها وتعيش عليها المذاهب الفكرية المعاصرة، والاتجاهات المنحرفة في مختلف الميادين والمعارف التي اختلط فيها الحق بالباطل. والتعميم في الحكم يكون في جانب الإيجاب، ويكون في جانب السلب، فالمعمم تعميما ًخائطاً قد يقبل المذهب كلَّه لأن بعضه حق، وقد يرفض المذهب كله لأن بعضه باطل. ومن التعميم الفاسد في جانب الإيجاب، الحكم على كل مُعطيات الحضارة الغربية بالصحة ن قياساً على ما صح منها في معطيات العلوم البحتة , وعلى ما ظهر منها في المنجزات التطبيقية المادية. مع أن هذا التعميم المستند إلى هذا القياس، تعميمٌ فاسد، لأن القياس الذي هو دليله قياس غير صحيح، ومبعث قبوله عند الجماهير جهلهم بأسس اكتساب المعرفة، وثقتهم العمياء القائمة على غير أساس منطقي سليم. إنه ليس من الضروري أن يكون من يستطيع التغلب على المصارعين في المصارعة، ذا قدرة على التفوق على الشعراء في الشعر، أو الأدباء في الأدب، أو علماء الحساب والهندسة في علومهم. كذلك ليس من الضروري، ولا من اللازم العادي، أن يكون المتفوق في العلوم الصناعية قد وصل إلى الحق في قضايا الأخلاق، أو في قضايا فلسفة الوجود، والبحثِ عما وراء الظواهر المادية، فضلاً عن قضايا الدين ذات المصادر الربانية. ومن التعميم الفاسد في جانب السلب رفض كل دين، لأن بعض ما يطلق عليه اسم دين هو باطل. وعلى هذا التعميم الفاسد اعتمد دعاة الإلحاد في محاربة الإسلام. والمنهج الفكري الذي يجب اتباعه، هو أن الجزم بالتعميم لا يكون

стр. 115

إلا نتيجة استقراء تام لكل الوحدات الجزئية، التي تدخل في العموم، فإذا اتحد الحكم في كل الوحدات أمكن عندئذٍ إصدار حكم كلي عام عليها جميعاً. وإلا، فإن كان الأغلب يحمل هذا الحكم أمكن إصدار حكمٍ أغلبي، لا حكم شامل. وإن كان دون ذلك فالحكم يجب أن يكون بحسب الواقع. والتعميم القياسي مقبول في قوانين الطبيعة، بالاستناد إلى الاستقراء الناقص، لكنه يعطي نظرية قابلة للتغيير، ولا يعطي حقيقة نهائية. ومقبول في أحكام الشرع الاجتهادية، لكنه يعطي ظناً راجحاً، ولا يعطي يقيناً، إلا في بعض الصور، وهي التي يكون فيها القياس من باب أولى. * * * الأصل الثاني تخصيص أمرٍ عام: والمغالطة هنا تنفي عن بعض أفراد العام ما له من أحكام بغية التضليل. ومن أمثلة ذلك الدعوات القائمة على مزاعم التفاضل العنصري القومي بين المجموعات البشرية، مع أن الناس جميعاً سلالة أصل واحد، وتبرز كل الصفات الإنسانية الرفيعة والمنحطة وما بينهما، في كل الأعراق، والأقوام، والألوان. واستناداً إلى هذا التخصيص الفاسد، أطلق بنو إسرائيل مزاعمهم حول امتياز العرق الإسرائيلي، وتفضيله على سائر أولاد آدم، ثمّ ادعوا أنهم وحدهم البشر، وأما سائر الناس فهم من طينة أخرى مشابهة للطينة التي خلقت منها البهائم، وقد خلقهم الله لخدمة أبنائه وأحبائه الإسرائيليين، ولكنهم تمردوا على ما خلقوا له. واستناداً إلى هذا التخصيص الفاسد، تبنى الجرمانيون الزعم الذي

стр. 116

صنف أعراق الناس وأقوامهم، في سُلّم أفضليات متعدد الدرجات، وجعل العرق الألماني أفضل الأعراق الإنسانية وأرفعها خصائص فطرية. وانطلقت النزعات العرقية القومية بين الناس من هذا الأصل الفاسد. * * * الأصل الثالث التدليس، وهو ضم زيادات وإضافات ليست في النص أو الموضوع أو المبحث الأصلي، مغالطة وتضليلاً. ومن أمثلة هذا الأصل من أصول المغالطات، طائفةٌ من صنوف التبديل التي غير بها أهل الكتاب من اليهود والنصارى كتبهم المقدسة. وقد لا تزيد الإضافة على كلمة صغيرة، كحرف من حروف الجر، أو النفي وقد لا تزيد الإضافة على حرف في كلمة، ولكن هذا الحرف يغير معنى الكلمة، وقد يقلبه إلى ضده. إن المغالط الشيطان قد يحاول أن يقلب معنى قول الله تعالى في القرآن الكريم: " إن الدين عند الله الإسلام " بإضافة كلمة: "غير" قبل كلمة "الإسلام". ويحاول اليهود بين حين وآخر، طبع نسخ من القرآن الكريم، فيها بعض هذا التغيير، لتوزيعها في شعوب مسلمة بعيدة عن عواصم العالم الإسلامي، ومدنه التي فيها علماء وحفاظ للقرآن الكريم، كعمق إفريقية مثلاً. ولكن الله يقيض لكتابه من يسارع إلى اكتشاف الزيادة، أو التغيير، فيهب علماء العالم الإسلامي لإتلاف هذه النسخ المزيدة تحريفاً. ويظل كتاب الله القرآن محفوظاً بحفظ الله له، تحقيقاً لقوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .

стр. 117

وكثر التدليس فيما روي عن الرسول من أقوال، ولكن قيض الله لها علماء الحديث المحررين، فكشفوا المدلس منها، ونفوا عنها الزيوف. * * * الأصل الرابع حذف ما يغير حذفه المعنى المراد، ومنه الاقتصار على ذكر بعض النص. وقد يكتفي المغالط المحتال بحذف كلمة أو جملة، أو حرف من كلمة، إذا كان ذلك يفسد دلالة النص أو يغيرها، أو حذف شرط أو قيد في الموضوع. وقد بلغني أن جماعة من اليهود طبعوا آلافاً من المصاحف وحاولوا توزيعها في إفريقية، وفيها حذف كلمة: (غير) من قول الله ، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ . ولكن اكتشف هذه اللعبة الخبيثة بعض المسلمين، فهب أهل الغيرة، وجمعوا نسخ هذه الطبعة، وأحرقوها. أما الاقتصار على ذكر بعض النص الذي هو من الحذف في الحقيقة، لأنه قد يفسد المعنى ويغيره إلى النقيض، فمن الحيل التي يستخدمها المستشرقون والمبشرون والشيوعيون، لدى كتابتهم في المسائل الإسلامية، بغرض إيقاع القارئ في مفاهيم فاسدة عن الإسلام. فيأخذون مقطعاً من النص، مع أنه مرتبط بسوابقه، أو بلواحقه، أو بهما معاً، ارتباط الشرط بالجزاء، أو ارتباط المطلق بقيوده، ونحو ذلك. ومن الأمثلة المشهورة التي يستشهد بها الناس لمثل هذا الاقتصار والاقتطاع المفسد للمعنى، الاستشهاد بقول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ دون ذكر القيد المتصل به في السورة، وهو قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ .

стр. 118

ومن الأمثلة ما فعله بعض المتهجمين على الإسلام، إذ اقتطعوا من كلام الرسول جملة: " ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا " وأخذوا يتهمونه بأنه يحجر على الأفكار ويقيدها ويحجز حريتها، مع أن صدر الحديث فيه قوله: " تفكروا في خلق الله " أو: "تفكروا في آلاء الله" ومن الحقائق أن التفكر في ذات الله مهلكة. * * * الأصل الخامس التحريف أو التصحيف في النص، إذا كان ذلك يغير المعنى ويخدم غرض المغالط المحتال. والتحريف يكون بتغيير الكلمة في النص، ووضع كلمة أخرى مكانها، يختلف رسمها عن رسم الكلمة الأصلية، ولكنها قد تشبهها. والتصحيف يكون بالتلاعب بنقط الحروف المعجمة في الكلمة، أو بالتلاعب بحركات الحروف، أما رسم الكلمة فلا يتغير، مثل كلمة ﴿مجترون﴾ تصحف إلى (مخيرون) ومثل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ تصحف إلى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) . ويستخدم المغالطون حيلتي التحريف والتصحيف في النصوص، للتضليل، وإيقاع من يقصدون تضليله بالغلط في فهم النص الذي يثق به، ويؤمن بدلالاته. ويحاول أعداء الإسلام المغالطة بتحريف النصوص الإسلامية وتصحيفها، لتضليل المسلمين، لا سيما الأجيال التي لا علم لها بهذه النصوص، وليس لديها الكتب الإسلامية التي هي مراجعها، ولا تدري مكان النص من المرجع لو وضع المرجع الإسلامي بين أيديها. والتحريف والتصحيف في النصوص أكثر مكراً من الزيادة والحذف، لأنه يوهم ببراءة القصد، نظراً إلى التشابه أو التقارب بين الأصل والمحرف أو المصحف، ونظراً إلى أن كلاً منهما قد يقع به بعض النساخ للكتب

стр. 119

الإسلامية، وربما وقع به بعض العلماء الموثوق بهم على سبيل الغفلة أو الخطأ. * * * الأصل السادس التلاعب في معاني النصوص، لإبطال حقٍ أو إحقاق باطل. وهذا الأصل له ميادين فسيحة للمغالطين المضلين، نظراً إلى طبيعة اختلاف آراء الناس في فهم النصوص، ولو صدقوا في ابتغاء الحق، وفي إرادة الوصول إلى المراد حقيقة من النص، لا سيما النصوص ذات الاحتمالات المتعددة، والنصوص المطلقة، والمشتملة على صيغ العموم. وللباطنيين مكر كبير في هذا المجال، إذ زعموا أن لكل نص ديني ظاهراً وباطناً: أما الظاهر فما يفهمه علماء الظاهر الذين يتقيدون بالدلالات اللغوية للألفاظ، ويزعم الباطنيون أن هذا الظاهر هو بمثابة القشور، وهو للعامة. وأما الباطن فهو ما يبينه أئمة الباطنيين، هنا يتلاعب الباطنيون في المعاني الباطنية، كما توحي لهم شياطينهم ضلالاً وفسقاً وشركاً وانسلاخاً من الدين كله، ويزعم الباطنيون أن هذا الباطن هو بمثابة اللب الذي توجد فيه الحقيقة، وهو للخاصة الواصلين إلى الحقيقة، القادرين على تفهمها وقبولها، ولو كانت تأليها للبشر، واستباحة لكل موبقة، ولكل ظلم وفجور، وقتل وسلب ونهب وكفور. واليهود هم معلمو هذه الحيلة الشيطانية الباطنية، ومكروا عن طريقها بدين الله مكراً كباراً، ضللوا به فرقاً كثيرة، وبمكره ظهرت الفرق الباطنية منشقة عن الإسلام والمسلمين. * * * الأصل السابع طرح فكرة مختلفة من أساسها بغية التضليل بها، ومن ذلك تعليل الظواهر الطبيعية الكونية , والظواهر الاجتماعية، بتعليلات توهمية تخيلية،

стр. 120

أو تخمينية، وإلصاق هذه التعليلات المختلقة التي لا دليل عليها بمنجزات العلم التجريبية، ثمّ اعتبارها أساساً منطقياً علمياً لمذهب الإلحاد وجحود الخالق جل وعلا، أو لهدم الأخلاق والنظم الاجتماعية التي يرتبط بهما صلاح الناس وسعادتهم، وصحتهم الجسدية والنفسية، وطمأنينتهم، وأمنهم، واستقرارهم. ومن أمثلة الأفكار والتعليلات التوهمية والمختلقة ما يلي: ١- ادعاء أعداء الإسلام من الصليبيين أن رسول الله محمداً، قد تعلم القرآن من بحيرى الراهب، أو أن القرآن مقتبس من الإنجيل، أو من كتب أهل الكتاب بوجه عام. ونظير ذلك ادعاء بعض المستشرقين اليهود أن القرآن مأخوذ من التوراة. ٢- ادعاء أن الكون خاضع لقانون النشوء والارتقاء بالتطور الذاتي، أو لقانون الجدلية التي توهمها الفيلسوف "هيجل" وأخذها عنه اليهودي "كارل ماركس" وادعى أن الجدلية (=الديالكتيك) كافية لتعليل التطورات الكونية والاجتماعية، دون الحاجة إلى خالق أزلي عليم حكيم قدير. ٣- ادعاء أن الدين ثمرة أوضاع اجتماعية، وليس بلاغاً منزلاً من موجود عظيم غيبي عن حواسنا، له كل صفات الكمال، وهو منزه عن كل صفات النقصان. وإلغاء كل منطق العقل ودلائله البرهانية الإيمانية، لتثبيت هذا الادعاء المختلق، أو التفسير التوهمي الذي لا تدليل عليه من الواقع، أو من براهين العقل. ٤- معظم أفكار العقيدة الشيوعية، فالمتأمل البصير يكشف أنها أفكار مختلفة، أو تعليلات وتفسيرات توهمية، لظواهر كونية أو اجتماعية. والقادة الشيوعيون يصدرون أفكارهم في صورة قرارات جازمة، أو

стр. 121

مقررات قطعية غير قابلة للنقاش، أو التساؤل عن أدلتها، ويلصقونها بالعلم أو منطق العقل زوراً وبهتاناً. ويعطي الشيوعيون قرارات مبادئهم الباطلة صفة حتميات جبرية، وما لم يتحقق منها بعدُ، يقررون أنه لا بد أن يتحقق في المستقبل حتماً. ثمّ إن الواقع الكوني أو التجريبي يكذب مختلقاتهم وحتمياتهم المفتراة. ٥- تفسير الفيلسوف اليهودي "برجسون" لظاهرتي الدين والأخلاق عند الإنسان، بأنهما من صنع الملكة الوهمية القادرة على صنع الخرافة في نفسه، لخدمة مسيرة الحياة، ودفعها إلى الحركة والعمل والبناء، ضد مثبطات العقل، الذي يكشف الحقيقة القاتمة الباردة الجافة الميتة، والموقفة لمسيرة الحياة، ولحركتها العاملة التي يجذبها الأمل. فهو تفسير خرافي مختلق، لدعم مذهب الإلحاد بالله، مع التظاهر بضرورة كل من الدين والأخلاق للحياة، ولاستمرار نشاطها الفاعل البناء المتطور. ولهذا التظاهر إيحاء مؤثر في إقناع ضعفاء الإيمان، والمفتونين بعلوم الغرب، والأغرار من ناشئة الأجيال. ٦- ولليهود مكر كبير في هذا المجال، فقد كان فريق منهم يكتبون الكتاب من عند أنفسهم، ويزعمون أنه من عند الله، ليضلوا به كثيراً من الناس. * * * الأصل الثامن نسبة أقوال أو أفكار أو آراء أو مذاهب، إلى من لم يقلها، أو لم يطرحها، أو لم يتخذها لنفسه مذهباً، أو لم يَرْوِها ولم يحدث بها. وهذا الأصل هو أحد الوسائل التي يلجأ إليها المضللون المغالطون، إذ يأتون إلى أعلام أو أئمة كبار، يثق بهم من يريدون تضليله، فينسبون إليه

стр. 122

قولاً، أو فكرة، أو رأياً، أو مذهباً، أو رواية لحديث، ليكون ما نسبوه إليه في نفس فريستهم تأثير قوي، وليوقعوا في نفسه وهناً، أو تثبيط همة، أو فتور عزيمة، حتى لا يتحمس ولا ينشط لرد القول وتفنيده، أو إدحاض الفكرة أو الرأي أو المذهب، أوتكذيب الحديث أو تضعيفه. وقد كان الباطنيون يتخذون هذه الحيلة الخبيثة للتأثير على من يريدون صيده لمذهبهم، إذ يقولون له: إن فلاناً العالم العظيم المشهور هو على مذهبنا، أو قد قال كذا، أو يرى كذا، أو حدث بكذا، إلا أنه يكتم أمره ولا يظهره، لئلا ينقلب عوام المسلمين ضده. وهذه الحيلة من الوسائل التي تتخذها المنظمات الكافرة المعاصرة، إذْ يهمسون بأن فلاناً وفلاناً وفلاناً من كبار أعلام العصر، هم من المنتمين إلى منظمتنا، ومن أقوالهم التي يقولونها في المجالس الخاصة كذا وكذا. والشيعة يتخذون هذه الحيلة على نطاق واسع، أخذاً بمبدأ التقية واستباحة الكذب، فقد يقول المجادل منهم في مجلس من المجالس، روى البخاري في صحيحه كذا وكذا، في باب كذا، في صفحة كذا. ويروي حديثاً مكذوباً مختلقاً يؤيد لفظه رأيه. وغرضه من ذلك الانتصار الوقتي في المجلس الجدلي، الذي ليس فيه نسخة من صحيح البخاري الذي يقول إن الحديث موجود فيه. وفي العلوم وفي استعراض الآراء والمذاهب المكتوبة نجد مثل هذه المفتريات، والمختلقات، للإقناع برأي الكاتب المختلِق أو بمذهبه. فلا بد للباحثين من التحقق والتثبت والتوثيق، فالفساق في الناس أكثر من المتقين، ولو كانوا من أهل العلم والرأي والفكر. * * * الأصل التاسع كتمان نص أصلي، أو أقوال صحيحة، أو مذاهب معتمدة، وعدم التعرض إليها مطلقاً، مع العلم بها، وربما تكون مشهورة أيضاً.

стр. 123

وأخطر كتمان الحق كتمان أهل العلم في مسائل العلوم وقضايا المعارف، لأنه يوهم بأنها لا أصل لها، إذ لو كان لها أصل لما جهلها أمثالهم، ولو كانوا يعملونها لذكروها وتحدثوا بها. وكذلك كتمان من لديه شهادة في حق من حقوق الناس، وهو من الذين لهم صلة بالمشهود له أو عليه، وأبان الله أن من فعل ذلك فإنه آثم قلبه. ولليهود مكر كبير في مجال التضليل بالكتمان، وقد وصفهم الله في القرآن الكريم بأنهم يكتمون ما أنزل الله، ونهاهم عن ذلك. فقال الله في سورة (البقرة/٢ مصحف (٨٧ نزول) في سياق خطابه لنبي إسرائيل: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *﴾ وأبان الله أنه قد أخذ الميثاق على أهل الكتاب أن يبينوه للناس، وأن لا يكتموه، لكنهم لم يوفوا بما عاهدوا الله عليه، فنبذوا الكتاب وراء ظهورهم، وكتموا ما أنزل الله فيه، واشتروا به ثمناً قليلاً. فقال الله في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ . أي: وما زالت أخلافهم يفعلون فعل أسلافهم، فيشترون بكتاب الله ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون، وهم يجددون ويكررون جرائم أسلافهم. وقد دل على استمرار الأخلاف في عدم بيان الكتاب، وكتمانه، ونبذه وراء ظهورهم، وأنهم يشترون به ثمناً قليلاً، استعمال الفعل المضارع الدال

стр. 124

على التجديد والتكرير، في قول الله تعالى في آخر الآية: ﴿فبئس ما يشترون﴾ . ولو كان الكلام خاصاً بما فعل أسلافهم لجاء التعبير بالفعل الماضي. * * * الأصل العاشر التقاط مفاهيم شاذة باطلة موجودة لدى بعض الفرق المنتسبة إلى المذهب المخالف. أو تصيد الضعيف أو المردود من آراء المنتسبين إلى المذهب المخالف، ولو كان الرأي مرفوضاً لدى جمهور أتباع المذهب نفسه، ولو كان المنتسب منافقاً غير معترف بانتسابه أصلاً، لدى تطبيق أصول ذلك المذهب وقواعده وعقائده، ولدى جمهور المنتمين إليه. وبعد التقاط هذه المفاهيم الشاذة الباطلة، أو تصيد هذه الآراء الضعيفة المردودة، يأتي المغالط المضلل فيعتبرها هي المفاهيم والآراء المعتمدة في المذهب، لدى عرض مفاهيمه وأحكامه، بغية التضليل بها، أو بغية محاربة المذهب على أساس أنها من مفاهيمه وأحكامه. مثل التقاط مفاهيم باطنية شاذة باطلة، موجودة لدى فرق تنتمي إلى الإسلام اسماً، والإسلام بريء منها، ثمّ اعتبار هذه المفاهيم مفاهيم إسلامية، واتخاذها أساساً للمناظرة التضليلية. ومثل تصيد بعض الآراء الاجتهادية الفردية الضعيفة أو المردودة، الموجودة لدى مذهب من المذاهب الإسلامية الفقهية أو الاعتقادية، كالرأي الجبري في العقيدة، ثمّ اعتبار هذه الآراء الضعيفة أو المردودة من المفاهيم أو الأحكام الإسلامية المقررة في الإسلام، مع أنها منتقدة أو مردودة لدى جمهور علماء المسلمين. ومن ذلك محاربة الإسلام بأن فيه ما يتناقض مع الحقائق العلمية، تذرعاً بأن بعض أهل التفسير لنصوصه، فهموا منها أن الأرض مبسوطة لا كروية.

стр. 125

ويستخدم المستشرقون والمبشرون هذا الأصل من أصول المغالطات على نطاقٍ واسع جداً، ويضللون به أيما تضليل. * * * الأصل الحادي عشر الإيهام بأن العلوم ذات المنجزات الحضارية الكبرى تؤيد المذهب الذي يريد أصحاب المغالطة مناصرته. والحيلة في ذلك أنهم دسوا في العلوم التطبيقية، والوصفية , والرياضية العقلية، تعليلاتٍ وتفسيراتٍ فلسفية للظاهرات المادية. وهذه التعليلات والتفسيرات الفلسفية لا دخل لها بالتطبيق، ولا بالوصف، ولا بالقوانين الرياضية المنطقية العقلية، وما هي إلا آراء نظرية تخيلية، لا دليل عليها إلا التكهن، أو الحدس، أو الرجم بالغيب، أو الادعاء الباطل. ولكن لما دخلت هذه الآراء زيوفاً وتدليساً وتلبيساً، واندست في ثنايا هذه العلوم، أو في قواعدها الأولى، طفيلية عليها، تمكَّن المضلون من إيقاع دارسي هذه العلوم في توهم أن هذه الآراء المندسة هي مثل سائر مسائل هذه العلوم، في اعتمادها على أدلة حسية، أو تجريبية، أو عقلية، مع أنها في حقيقة الأمر ليست كذلك مطلقاً. وهنا تكمن المغالطة الشيطانية الخطيرة، وقد أدت هذه المغالطة دورها المؤثر في الأجيال التي نُشِّئَت على مناهج الدراسة الغربية العلمانية، حقبة من الزمن، كما رسم لها شياطين الإضلال والإفساد في الأرض، وكما خطط لها دعاة الإلحاد بالله، ومروجو الإباحية السلوكية، ومدمرو الأخلاق والنظم الاجتماعية الفاضلة. ومن أمثلة ذلك: دس آراء التطور الذاتي الارتقائي لنشوء الكون، ضمن القضايا الوصفية لظاهرات الكون الطبيعية، لا سيما علم الأحياء. ودس آراء الجدلية التاريخية في علم الاجتماع البشري. ودس الآراء الخيالية لتعليل وتفسير الظاهرات النفسية الوصفية في علم النفس.

стр. 126

إلى غير ذلك من مندساتٍ زيوف. * * * الأصل الثاني عشر تحويل النظر عن دائرة المسألة الأساسية التي هي محل النزاع والمناظرة، والاستدراج إلى أمور جانبية أولاً، ثمّ إلى أمور أخرى. وفي هذه المغالطة خروج عن موضوع المناظرة بحيلة، وهي مراوغة لا تجوز في حلبات مناظرات شريفة يراد منها الوصول إلى معرفة الحق، واكتشافُ الشبهات التي تغشي على الرؤية، فتحجبُ أحد المتناظرين أو كليهما عن رؤية الحقيقة المنشودة عارية. ويستخدم المضلون هذا النوع من المغالطات استخداماً واسعاً جداً، لأنهم لا يجدون غيرها مهرباً، إذ يحصرهم مناظروهم من أصحاب الحق في دائرة لا يملكون فيها غير التسليم، فإذا وجدوا أنفسهم كذلك قفزوا بحبال الاستطراد إلى دائرة أخرى. فقد تكون المناظرة مثلاً حول قضية الإيمان بالله الرب الخالق ، وأدلة هذه القضية، ويعرض المؤمن الحكيم العالم جملة من أدلة الإيمان، حتى يحصر خصمه الملحد في دائرة من البراهين توجب عليه التسليم والاستسلام. لكن الملحد الجاحد يراوغ بحيلة من حيل الاستطراد، ويقفز على أضعف الخيوط لينتقل إلى دائرة أخرى، وقد تكون هذه الدائرة بعيدة جداً عن الدائرة الأولى، إلا أنها ذات صلةٍ ما بها، وهذه الدائرة تتعلق ببعض الأحكام الدينية، كمسألة الرق، أو تعدد الزوجات، أو نظام الاقتصاد وحقوق العمال والفلاحين، أو واقع حال دولة قائمة تحمل راية الإسلام، أو سلوك عالم ديني، أو سلوك داعٍ من دعاة الفكر الإسلامي، أو أية شبهة من الشبهات التي طرحها المستشرقون ضد الإسلام وشرائعه وأحكامه ومصادره. فعلى المناظر المسلم أن يكون واعياً حذراً، ولا يسمح للمناظر

стр. 127

الخصم أن يغالطه، فيخرج عن دائرة المناظرة إلى دائرة أخرى، ويقفز به من موضوع إلى موضوع آخر، فإذا سمح له بذلك تحولت المناظرة إلى مماراة غوغائية مشوشة مفسدة للفكر، ولا تنتهي إلى نهاية موضوعية، بل تتحكم بها الأهواء. * * * الأصل الثالث عشر استغلال مقولات أو أفكار أو شعارات متداولة بين الناس، اكتسبت صفة مسلمات في الرأي العام، بتأثير الدعاية لها، أو ترويجها من قبل أصحاب أغراض خاصة شخصية أو حزبية، سياسية أو اجتماعية، أو غير ذلك، وقد تكتسب صفة مسلمات في الرأي العام بترديدها ترديداً ببغاوياً، وإطلاق ألسنة العامة بها، مثل الحرية، والمساواة.... وجماهير الناس في غالب أحوالهم يقبلون المسلمات في الرأي العام، دون مناقشة لها، ولا بحثٍ عن صحتها أو بطلانها، وهم بذلك يسلمون أعنتهم للمغالطين، فيسوقونهم من حيث لا يشعرون إلى الاقتناع بباطلهم. ولاكتساب المقولات والأفكار صفة مسلمات في الرأي العام أسباب كثيرة، منها ما يلي: ١- استغلال عواطف عامة ذات نزعات شخصية، أو عرقية، أو قومية، أو إقليمية، أو دينية، أو مذهبية، أو حزبية، أو غير ذلك. ٢- مداومة تكريرها على الأسماع، من مصادر شتى، وبأساليب مختلفة، وعلى ألسنة ذوي مكانة ورأي في الناس، أو قادة لهم أتباع وأنصار يأخذون بأقوالهم دون محاكمة فكرية، ولا حجج منطقية. ٣- وضعها في قوالب أدبية محببة، كالشعر، والقصة، والتمثيلية، والنكتة المثيرة، وغير ذلك. ولمروجي المذاهب الباطلة الذين لهم مصالح من ترويجها تدابير

стр. 128

تمهيدية، قبل استخدام أسلوب المغالطات في جدلياتهم، ومن هذه التدابير ترويج مقولات وأفكار عامة، بمختلف الوسائل الإعلامية والدعائية، حتى إذا أخذت في الرأي العام صفة مسلمات بدأوا يستغلونها في مغلطاتهم الجدلية. * * * الأصل الرابع عشر إطلاق ألفاظ على غير معانيها، باستغلال وجود شَبَهٍ ما، أو تقارب ما، أو تشاركٍ من بعض الوجوه، بين معانيها الأصلية والمعاني التي أطلقت عليها في المغالطة التزييفية، ويبتلع بعض الناس طُعم المغالطة لعدم وضوح فروق المعاني لديهم. أمثلة: المثال الأول: فمن أمثلة هذه المغالط إطلاق كلمة التعصب الجاهلي المذموم، على معنى التمسك بالحق المحمود، لتنحل قوى المتمسك بالحق خوفاً من أن يتهم بالتعصب المذموم. إن التعصب المذموم هو التمسك بفكرة باطلة، أو لا دليل عليها من عقل ولا حس ولا تجربة علمية، والباعث على التمسك بها ابتاع الإنسان لقومه الآخذين بها، أو لآبائه وأجداده، أو لقائده وإمامه، أو لحزبه وجماعته، أو عناده في مناصرة رأي كان قد رآه، فصعب عليه أن يتراجع عنه، لئلا يعترف على نفسه بأنه كان قد أخطأ في تبنيه ذلك الرأي. وقد ذم الإسلام هذا التعصب ذماً شديداً، ونجد في القرآن الكريم عدة نصوص في ظاهرة التعصب وذمها، ومناقشة المحتجين على صحة طريقتهم بأنهم ألفوا آباءهم عليها، فهم على آثارهم مقتدون، وقد ظهرت هذه الحجة على ألسنة معظم الأمم السالفة، حينما دعتهم رسلهم لأتباع الحق الذي بعثهم الله به. ففي سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) وصف الله الذين لا يؤمنون بقوله:

стр. 129

﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وفي سورة (الشعراء/٢٦ مصحف/٤٧ نزول) قص الله علنيا قصة إبراهيم مع قومه، وما كان بينهم من جدال حول عبادتهم للأصنام، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *﴾ . وفي سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) قص الله علينا قصة موسى مع قومه، وأنه كان من جدلياتهم تعجُّبهم من أنه جاء ليلفتهم عما وجدوا عليه آباءنا، فقال تعالى في ذلك: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ... ﴾ . وفي سورة (لقمان/٣١ مصحف/٥٧ نزول) أبان الله أن من الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير، ويحتجون على طريقتهم بما وجدوا عليه آباءهم، فقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: هل من الحكمة والعقل وحرص الإنسان على مصلحة نفسه، أن يتبع ما وجد عليه آباءه، ولو كان مصير هذا الاتباع أن يعذّب في النار. وفي سورة (الزخرف/٤٣ مصحف/٦٣ نزول) أبان الله أن ظاهرة الاحتجاج بما كان عليه الآباء، قد كانت سمة مترفي كلِّ أمةٍ لم تستجب لدعوة رسولها، وذلك تعقيباً على مقالة كفار قريش لمحمد رسول الله، قال الله : ﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ من نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى

стр. 130

آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ على أمة: أي على دين، أو على ملة، أو على طريقة. كل ما سبق من نصوص كان من السور المكية، ونلاحظ أنه ليس فيها هجوم تسفيهي مباشر، بل فيها معاريض ألفاظ، وبيانات عامة، وتوجيهات غير مباشرة. أما في المرحلة المدنية فالتوجيه كان مباشراً وقاسياً: ففي سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) يقول الله بشأن المشركين الذين رفضوا دعوة الرسول محمد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ . فالتعصب ظاهرة مذمومة أبلغ الذم في الإسلام، لأنه اتباع للباطل بدافع العصبية الجاهلية. أما التمسُّك بالحق الذي تقوم الأدلة على إثباته، فهو ما يوجبه منطق العقل، أو تدعو إليه مصلحة الإنسان العاجلة أو الآجلة، والفرق بينه وبين

стр. 131

التعصب كالفرق الذي بين الحق والباطل، وكالفرق الذي بين الإيمان بالحق والإيمان بالباطل. هل يُقبل في عقل أي عاقل أن نتهم الإنسان بالتعصب إذا قال: الثلاثة ثلاثة، ولا تكون واحداً بحالٍ من الأحوال، ولم يتسامح مع الذين يقولون: الثلاثة واحد. أو إذا قال: أنا إنسان ولست قرداً، ولم يساير الذين يصرون على أن يجعلوه قرداً. إن الإنسان لا يملك مطلقاً أن يساوم على الحق الجلي، حتى يعتبر وقوفه عنده تعصباً، وإن قضايا الحق الظاهر لا تقبل إلا التمسك بها، وليس هذا التمسك تعصباً بحالٍ من الأحوال. لكن المغالطين يوهمون أن التمسك بالحق هو من باب التعصب، تضليلاً، وعبثاً بمفاهيم الألفاظ، ويقع بهذه المغالطة فريق من الناس، فيتركون الاستمساك بالحق، خوفاً من أن يتهموا بأنهم متعصبون. المثال الثاني: ومن أمثلة هذه المغالطة إطلاق لفظ الحقيقة العلمية على النظرية، أو على الفرضية، وإطلاق لفظ النظرية على الفرضية، والتلاعب بحدود هذه المصطلحات في ميدان المعرفة. إن الإدراك الذهني للمعارف الفكرية له مستويات، ولكل مستوىً منها مصطلح خاص به. ١- فالرؤية الفكرية التي تكون بمثابة رؤية العين للأشباح في الظلمات، يطلق عليها كلمة (وهم) والرؤى الفكرية التي هي من هذا القبيل هي أوهام. ٢- والرؤية الفكرية التي تكون بمثابة رؤية الناظر في الضباب الكثيف، والتي لا تسمح له بأن يرفض، ولا تسمح له بأن يثبت، والأمران بالنسبة إليه على حدٍ سواء، واحتمال الإثبات مساوٍ لاحتمال النفي، هذه الرؤية يطلق عليها في اصطلاح الإسلاميين كلمة (شك) . ويطلق عليها في اصطلاح المعارف المعاصرة كلمة (فرضية، أو افتراض) .

стр. 132

٣- والرؤية الفكرية التي تكون بمثابة الرؤية في الغبش، أو في ضوء ضعيف، فهي تكشف بعض ملامح المرئي، وبعض علاماته، وتعطي قدراً من الترجيح الذي يسمح بالحكم القائم على غلبة الظن لا على اليقين. ٤- والرؤية الفكرية التي تكون بمثابة الرؤية في وضح النهار، لا لبس فيها ولا غبش، ولا يقع في الذهن أي احتمال آخر مضاد لها، وتعطي الفكر تأكيداً غير قابل للنقض، هي الرؤية الفكرية التي يطلق عليها في اصطلاح الإسلاميين كلمة (يقين) . ويطلق عليها في اصطلاح المعارف المعاصرة كلمة (حقيقة علمية) . هذا هو سُلّم الإدراك الذهني للمعارف الفكرية، والمغالطون يحاولون كسر الحدود بين درجات هذا السلم، حتى يتفشى بعضها على بعض، ويطغى بعضها على بعض، فتختلط المعارف. وعندئذ تكون لهم مداخل كثيرة يدخلون منها للتضليل. فيطلقون على الأفكار التي هي من قبيل الأوهام اسم (نظرية) ويطلقون على الأفكار الافتراضية اسم (نظرية) أو (حقيقة علمية) ويطلقون على ما هو في مستوى (النظرية) من أفكار وآراء، اسم (حقيقة علمية) . وقد يعكسون الأمر، فيطلقون على ما هو ثابت يقيناً بدليل عقلي، أو بخبرٍ ديني يقيني، عبارة (أوهام غير علمية) أو عبارة (النظرية الدينية) أو عبارة (الفرضية الدينية) أو نحو ذلك.

стр. 133

إن لعبة هذه المغالطة شائعةٌ جداً ويستخدمها أعداء الإسلام استخداماً واسعاً. فعلى المسلم الحصيف أن يكون على بصيرة وحذر، وأن يتحرى حدود المصطلحات، ولا يسمح بكسر الحدود، لئلا يدخل عليه الزيف، وينساق معه وهو غافل. وكم انزلق منزلقون إلى باطل كثير بعلبة هذه المغالطة. * * *

стр. 134

الفصْل الثالث لعبَة تطبيْق المنهَج العِلْميّ الخاصْ بالجَبريّاتْ على السلوك الإرادي عند الإنسان أخذ الغرب يستفيد من سبر ظاهرات الأشياء واستقرائها، وإجراء التجارب عليها لمعرفة صفاتها وخصائصها، والوصول إلى قوانينها الطبيعية التي فطرها الله عليها، ومعرفة أفضل طرق الانتفاع منها، تسخيراً، أو تنمية، أو تطويراً، أو تغييراً. وكان ذلك منهجاً علمياً نافعاً جداً، وقد سبق إليه المسلمون أيام عصورهم العلمية الذهبية، في عمليات الاستقراء الكثيرة التي قاموا بها في مختلف مجالات العلوم التي خاضوا غمارها، وفي التجارب العلمية التي أولوها اهتماماً عظيماً في الكيمياء والميكانيكا والصناعات وغيرها. اهتداءً بهدي الإسلام. ونَفْعُ هذا المنهج يعتمد أساساً - لدى دراسة الكائنات - على أن هذه الكائنات تخضع لقوانين فطرية ثابتة، فطرها الله عليها، وأن الخالق إذ خلق هذه الكائنات أعطى كل شيءٍ نظام خلقه، وقوانين حركته وسكونه وتطوره وتغيره وتأثيره في غيره وتأثره بغيره. فالأشياء البسيطة والمركبة جميعها، متى اتخذت عناصرها وصفاتها الذاتية، انطبق على حركتها وسكونها وتطورها وتغيرها وتأثيرها في غيرها وتأثرها بغيرها قانون واحد. هذه هي سنة الله في الأشياء وفطرته التي فطر الأشياء عليها، وهي

стр. 135

الفطرة التي نبّه موسى ﵇ فرعون عليها، إذ قال له: "ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثمّ هدى" قص الله ذلك علينا في سورة (طه/٢٠ مصحف/٤٥ نزول) : ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ . أي: أعطى كل شيء نظام خلقه، ثمّ هداه لأداء وظائفه في الوجود، تحركاً وسكوناً، ولقاءً وافتراقاً، وتطوراً وتغيراً، ودفاعاً وهجوماً، وزيادة ونقصاً، إلى غير ذلك مما لا يحصى، مما كشفت البحوث العلمية بعضه، ولا تزال تكتشف منه كل حين جديداً. وقد دل على هذه الفطرة الثابتة الاستقراء الطويل، القائم على تجارب قرون مديدة، وأجيال عديدة. وقد علمتنا التجارب الاستقرائية ثبات قوانين هذه الفطرة، ويُعبّر عن ذلك بثبات سنن الله. والقرآن الكريم دل على ثبات هذه الفطرة، وثبات سنن الله في خلقه. ١- ففي معرض بيان ملاءمة دين الله للناس لما فطر الله الناس عليه، فكراً، ونفساً، وجسداً، ووجداناً، ومشاعر داخلية، وحاجة في الحياة، لاغتنام الطمأنينة والسعادة القلبية الحقيقية، والسعادة النفسية الخالية من المنغصات، قال الله تعالى في سورة (الروم/٣٠ مصحف/٨٤ نزول) : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فقوله تعالى ﴿لا تبديل لخق الله﴾ يدل على ثبات الفطر التي فطر الله خلقه عليها، وثبات أنظمتها، وقوانينها، وسننها، ومن هذه الفطر واقع حال فطر الناس التي أنزل الله لها الدين الذي لا يلائمها غيره. ٢- وفي معرض بيان إحدى سننه الكونية في خلقه، وهي أن لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، قال الله تعالى في سورة (فاطر/٣٥ مصحف/٤٣ نزول) : ﴿وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ

стр. 136

لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ فسنن الله الثابتة لا تبديل لها بسنن غيرها، ولا تبديل لها باستثناءات عارضة، ولا تحويل لها عن مجاريها، وطرقها، وغاياتها. ومن هذه السنن الثابتة أن لا يحيق المكر السيءُ إلا بأهله. ٣- وفي معرض بيان إحدى سنن الله التشريعية، قال الله تعالى في سورة (الأحزاب/٣٣ مصحف/٩٠ نزول) تهديداً للمنافقين ومرضى القلوب والمرجفين: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ فمن سنن الله التشريعية تسليط الله رسله والمؤمنين، على المنافقين ومرضى القلوب بما دون النفاق والمرجفين، إذا لم ينتهوا عن مكايدهم، ومكرهم بالإسلام والمسلمين، ويكون هذا التسليط بطردهم من المجتمع الإسلامي أينما وجدوا، وبأخذهم بذنوبهم وتقتيلهم تقتيلاً انتقامياً شنيعاً مستأصلاً لهم. وهذه السنة التشريعية من سنن الله الثابتة، فقد سبقت في الذين خلوا من قبل، وهي سنة باقية لا تبديل لها ﴿ولن تجد لسنة الله تبديلاً﴾ . ولكن لم تدع الدواعي في عصر الرسول لهذا التسليط الانتقامي. ٤- وفي معرض بيان سنة الله التشريعية في الأحكام التي يخص بها أنبياءه، قال الله تعالى في سورة (الأحزاب/٣٣ مصحف/٩٠ نزول) : ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ . فمن سنن الله التشريعية أن يخص أنبياءه بأحكام تشريعية، فهم

стр. 137

يعملون بموجبها غير متحرجين، ولو تعرضوا لاتهامات الناس، لأنهم يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً غيره. ٥- وفي معرض بيان سنة الله التكوينية في عقاب مكذبي الرسل، قال الله تعالى في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) : ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً﴾ قُبُلاً: أي مقابلة ومواجهة، لا بياتاً أو في حالة قيلولتهم وغفلتهم. ٦- وفي معرض بيان سنة الله التكوينية في عقاب مخرجي الرسل من أوطانهم، قال الله تعالى لرسوله محمد في سورة (الإسراء/١٧ مصحف/٥٠ نزول) : ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ ٧- وبين الله للناس سنته في معاقبة المكذبين، وأرشدهم إلى السير في الأرض للنظر في عاقبتهم، فقال تعالى في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) : ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذبِينَ * هَذَا بَيَانٌ للنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ للْمُتَّقِينَ﴾ ٨- وفي معرض بيان طائفة من الأحكام التشريعية المتعلقة بالنكاح والسفاح، قال الله تعالى في سورة (النساء/٤ مصحف/٩٢ نزول) : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فهي سنن تشريعية كانت أحكامُها منزلة على الأمم السابقة. * * * السنن التكوينية الجبرية إنما تنطبق على ما هو من الكون مجبور. لكن القوانين الجبرية أو السنن الربانية الجبرية إنما تنطبق على ما هو من الكون مجبور لا اختيار له، فهي لا تنطبق على سلوك الكائنات الحية،

стр. 138

ذات الإرادات الحرة، في حدود دوائر سلوكها الإرادي الحر، الخاضعة فيه للمسؤولية والحساب والجزاء. أما في حدود دوائرها الجبرية من حركات وسكنات، ونمو وتطور، وتأثير في غيرها وتأثر بغيرها، وكل ما لا يخضع لإرادتها الحرة في ذواتها، فهي تخضع في كل ذلك لقوانين وسنن جبرية ثابتة، كسائر الكائنات المجبورة، لأنها في هذه الدوائر مجبورة لا اختيار لها. وإذ منح الله الناس إراداتٍ حرة، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، جعل سلوكهم الإرادي ضمن الحدود التي مكنهم من التحرك الإرادي فيها، خارجاً عن نطاق القوانين أو السنن الجبرية. ولما كان لكل إنسان إرادة حرة ممكنة من اختيار ما تشاء، ومن التحرك في الحياة على ما تشاء، كان خضوع الناس جميعاً في مجالات حرية الإرادة التي رفع عنها الجبر، وفطرتها التي فطرها الله عليها، إذ أعطاها بقانون الخلق منحة التحرك والتوجه بالمشيئة الذاتية. من أجل ذلك فإن دراسة ظاهرات السلوك الإنساني لا يستفاد منها قانون جبري عام، لأن القانون الجبري يناقض مبدأ الحرية التي منحها الله للإرادات الإنسانية، وبناءً على ذلك قال الله تعالى في سورة (الكهف/١٨ مصحف/٦٩ نزول) : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ... *﴾ . وعلى الإنسان بعد ذلك أن يتحمل مسؤولية مشيئته، ويُعِدَّ نفسه

стр. 139

للحساب والجزاء، فمنحة الحرية غايتها الابتلاء، وثمرة الابتلاء الحساب والجزاء. إذن: فكما لا يستفاد من دراسة ظاهرات السلوك الإنسان الإرادي قانون جبري عام، لا يستفاد منها أيضاً صحة السلوك أخلاقياً أو دينياً، ولو دل الاستقراء على أن النسبة الأعظم من الناس قد اختاروا هذا السلوك، ولو دل الاستقراء على أن معظم النجاحات في جمع الثروات، والظفر بالاستئثار بالحكم والسلطان، والوصول إلى الاستمتاع بلذات الحياة، قد كان باتخاذ سلوك معين. فالقيمة الخلقية للسلوك تحددها النظرة المجرد إلى الحق والخير والفضيلة والجمال والكمال، والقيمة الدينية للسلوك تحددها التعاليم الربانية للناس، وهي التعاليم التي وضع الله الناس تجاهها موضع الامتحان والاختبار للحساب والجزاء، ولا تختلف القيمة الخلقية التي تحددها النظرة المجردة السليمة عن التعاليم الربانية. فمن التناقض الذي لا يقبل به ذو عقل سليم، اعتبارُ السلوك الإنساني نفسه - ولو كان ظاهرة سلوك معظم الناس ولو حقق لهم نجاحات تسلط وغلبة ووفرة لذات - هو الذي يكشف القيمة الخلقية للسلوك أو يحددها، أو يشير إلى القانون الجبري للسلوك، فهذا السلوك إنما هو ثمرة إراداتٍ منحها الله حرية المشيئة ليمتحنها، هل تفعل خيراً أو تفعل شراً، هل تطيع خالقها أو تعصيه. إن من التناقض المرفوض عقلاً، أن يوضع المخلوق موضع الامتحان، ليقاس سلوكه بقيم سابقة ثابتة، ثمّ يُعتبر سلوكه الفعلي هو المحدد لهذه القيم، فإذا فعل شراً بمقياس النظرة المجردة، كان هذا السلوك نفسه هو الخير بموجب هذا الاعتبار الفاسد، إذن فما علينا إلا أن نقلب حقائق الأشياء السابقة الثابتة. إننا لا نفعل مثل ذلك في امتحاناتنا السخيفة التي نجعل فيها قيماً

стр. 140

رمزية نخترعها، وقد لا يكون لها قيم حقيقية في ذواتها. فكيف بالقيم الثابتة عقلياً، والقيم الأزلية، كقيم الحق والخير والفضيلة والجمال والكمال. لعبة المضللين: ويستخدم المضللون بالمذاهب الفكرية لعبة تطبيق المنهج العلمي، الذي يطبق على الكائنات التي تخضع في فطرتها لقوانين أو سنن جبرية ثابتة، فيطبقونه على الناس في دوائر سلوكهم الإرادي الذي وضعهم الله فيه موضع الامتحان والاختبار، ليبلوهم، ثمّ ليحاسبهم ويجازيهم، وما أكثر ما نجد هذه اللعبة الحقيرة، تزييفاً للحقيقة، لدى دراستنا للمذاهب الفكرية المعاصرة الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية وغيرها. إننا بتطبيق هذا المنهج العلمي القائم على الاختبار والملاحظة والسبر والاستقراء، قد نصل إلى معرفة أحسن طريقة لصهر المعادن، والانتفاع من الأشياء المادية، وإلى أحسن طريقة لزراعة النباتات الحقلية وزراعة الأشجار، وإلى أحسن طريقة لتربية الحيوانات وتنميتها وتحسين أصنافها، والانتفاع من ثرواتها، وإلى أحسن طريقة لمعالجة الأمراض وتقويم الأجسام، وتعليم المتعلمين وتربيتهم، ونستطيع أن نستفيد من النجاحات الأكثر لاستخدام بعض الطرق أفضلية هذه الطرق، لأن قوانينها الجبرية وسنن خالقها الفطرية تقضي بذلك. لكن سبر السلوك الإنساني القائم على الإرادات الحرة لا يصح في منطق العقل اعتبارُه أساساً لتحديد قِيَم سلوك الناس، من حق وباطل، وخير وشر، وجمال وقبح، وكمال ونقص. فلو أن سلوك النسبة العظمى من الناس كان هو الكذب والخيانة والظلم والعدوان، لما كان هذا السلوك هو الأقوم والأفضل، والسلوك الذي يشتمل على القيمة الرفيعة النافعة، بل تظل هذه الأخلاق قبيحة وسيئة ورذيلة، ولو أجمع الناس على ممارستها.

стр. 141

ولو لم يصدق في الناس ولم يعترف بالحق ولم يشكر ولم يعط المعروف أحدٌ منهم، لما نقضت قيم هذه الفضائل مثقال ذرة. ولو أن سلوك أكثر الناس كان هو التضمخ بالنجاسات، والعيش في زرائب الحيوانات، ومخالطة الخنازير والأكل معها، لما كان هذا هو السلوك الأحسن، والأكثر ذوقاً وجمالاً وكمالاً. ولو أن واحداً من الناس فقط كان هو المتطهر رفيع الذوق في السكن والعمل والمعاشرة، لما نقضت قيمة الطهارة وجمال السكن والعمل والمعاشرة مثقال ذرة. فالسلوك الإرادي للناس ليس هو الذي يُحَدِّد القيم الخلقية، إن القيم الخلقية قيمٌ سابقة ثابتة، والسلوك الإنساني هو الذي يُقَوَّم بها. لو أن الإحصائيات كشفت أن أكثر الأغنياء إنما يجنون ثرواتها بطرق الكذب والغش والسرقة والسلب والنهب، فليس معنى ذلك أن أفضل وسيلة خلقية للحصول على الثروات الطائلة، ممارسةُ الكذب والغش والسرقة والسلب والنهب وأكل أموال الناس بالباطل. إن المنهج العلمي الذي يستخدم لمعرفة القوانين الثابتة، والسنن الربانية الجبرية، لا يجوز بحال من الأحوال تطبيقه على السلوك الإرادي للناس. إن تطبيقه على هذا السلوك لعبة شيطانية خبيثة، تلبس رداء المنهجية العلمية، وترتدي قناع البحث العلمي المعترف به في العلوم زوراً وتزييفاً للحقائق. إنها تستخدم هذا المنهج العلمي في غير المحل الذي يصح أن يُسْتَخدم فيه، فشرط استخدامه خضوع الكائن لسلطان القوانين والسنن الربانية الجبرية الثابتة، التي لا تبديل لها ولا تحويل لها. ولا بد أن نلاحظ أن القوانين والسنن الربانية الجبري الثابتة قائمة على الحق والعدل، وطرقها هي أكمل الطرق وأحسنها، لتحقيق أفضل النتائج التي ترجى منها، لأنها تقدير العزيز العليم الخالق جل وعلا. قال الله تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :

стр. 142

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ... ﴾ . وقال الله تعالى في سورة (يونس/١٠ مصحف/٥١ نزول) : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وقال الله تعالى في سورة (إبراهيم/١٤ مصحف/٧٢ نزول) : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ وقال الله تعالى في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . ومن كلمات الله الخلق والتكوين، فهي كلمات صدق، والصدق حق، وهي كلمات عدل، والعدل في الخلق يكون بإعطاء كل شيءٍ حقه، وحقُّه هو ما يكون به أفضل كائن للغاية التي خلق لها، ضمن التوزيع العام لجملة الكون، منذ نشأته حتى نهاية أجله المقرر في خطة الخلق. تحذير: فعلينا أن نكون على بصيرة تامة، وأن نكون على حذر من أن تخدعنا هذه المغالطة، القائمة على لعبة تطبيق المنهج العلمي الخاص بالجبريات في الكون، على السلوك الإرادي عند الإنسان، الذي وضعه الخالق فيه موضع الامتحان والمسؤولية وأعطاه الشروط التامة له. * * *

стр. 143

القِسمُ الثاني مِنَ الكِتَاب عَرض لأهَمِّ الشعَارات البرّاقة المزيّفّة وَلآرَاء وَمذاهبْ فكريّة معَاصِرة جزئيّة مُنبثقة في عُلوم مختلفة مع كشف زيوفها وتعريفْ بأئِمتهَا وفيه أربعة أبواب: الباب الأول: مقدمات. الباب الثاني: افتراءات تروج ضد الدين والأخلاق والقوانين والنظم المنبثقة عنهما. الباب الثالث: خداع الشعارات التي يتولد عنها في الرأي العامّ مسلّمات خاطئات. الباب الرابع: أئمة وآراء ومذاهب جزئية في علوم مختلفة.

стр. 144

الباب الأول مقدِّمات حَولَ اعتِمَاد العَقْل وَالعِلْم الإنسَاني بديلاً للدِّين وفيه فصلان: الفصل الأول: العقلانية. الفصل الثاني: العلمانية.

стр. 145

الفصْل الأوّل العَقلاَنيَّة فالعقلانية أو المذهب العقلي اتّجاه لتمجيد العقل واعتماد أحكامه أصاب أو أخطأ، ضدّ الاتجاه الديني مهما كان الدين حقّاً، ومهما كان الذي نسب إليه صواباً، فالمحكَّم في هذا الاتجاه هو العقل. وتعددت الآراء والمذاهب الفلسفية والاجتماعية وغيرها ضمن هذا الاتجاه العقلاني، لاختلاف تصورات العقول ومداركها، ولتأثُّر كثير منها بأهواء النفوس، والمصالح الخاصة، ونزعات الأفراد والجماعات، ونزغاتهم وعصبياتهم، وأنانياتهم، مع تعذر تطابق الأهواء والمصالح ودوافع النفوس الأنانية. وأخذ أعلام الفلسفة والدراسات الفكرية يومئذٍ يصدّرون آراءهم ومفاهيمهم العقلية التأمليّة، ولبست هذه الآراء والمفاهيم لباس العقلانية، وصارت لدى الجماهير المفتونة بالعقلانية ضمن المسلّمات العقلية، وصار العقل الذي يمثّله هؤلاء الأعلام هو الحكَمَ في كل شيء، حتى في الأمور الغيبية التي لا يملك موازين لإثباتها أو نفيها، وبذلك تدخلت العقول مدفوعة بالقلوب المستكبرة، لرفض وإنكار قطعيات دينية غيبية ثابتة في الدين بيقين، مع أنها لا تملك لإدراك هذه الغيبيات عيوناً للمشاهدة، ولا حساً للمس، حتى ولا عكازاً يسمح بالمشي في الظلمات، ولا تملك أيضاً أي دليل منطقيّ للنفي. وأفرز هذا الاتجاه العقلي الإلحاد وادعاآته الباطلة، والديكتاتورية
следующие страницы →