Полный текст (717 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
إنّ الطبقات المتعلّمة ستختال زهواً أمام أنفسها بعلمها، وستأخذ جزافاً في مزاولة المعرفة التي حصلتها من العلم الذي قدّمه إليها وكلاؤنا، رغبةً في تربية عقولهم حسب الاتجاه الذي توخيناه.
لا تتصوروا أنّ كلماتنا جوفاء، ولاحظوا أن نجاح (دارون) و (ماركس) و (نيتشه) والأثر غير الأخلاقي لاتجاه هذه العلوم في الفكر الأممي سيكون واضحاً لنا على التأكيد".
٤- وجاء في البروتوكول الرابع قولهم:
" يمكن أن لا يكون للحرية ضرر، وأن تقوم في الحكومات والبلدان من غير أن تكون ضارة بسعادة الناس، لو أن الحرية كانت مؤسسة على العقيدة وخشية الله، وعلى الأخوة الإنسانية، نقية من أفكار المساواة التي هي مناقضة مناقشة مباشرة لقوانين الخلق، والتي فرضت على الناس التسليم.
إن الناس المحكومين بمثل هذا الإيمان سيكونون موضوعين تحت حماية هيئاتهم الدينية، وسيعيشون في هدوء واطمئنان وثقة، تحت إرشاد أئمتهم الروحيين، وسيخضعون لمشيئة الله على الأرض.
ولهذا السبب يتحتّم علينا أن نزرع الألغام لتهديد الإيمان، وأن نمحو من عقول الجوييم (=الأميين) مبادئ الله والروح، وأن نبذل هذه المبادئ بحسابات رياضية ورغبات مادية".
٥- وجاء في البروتوكول الثالث قولهم:
" إننا نقصد أن نظهر كما لو كنا المحررين للعمال، جئنا لنحررهم من هذا الظلم، حينما ننصحهم بأن يلتحقوا بطبقات جيوشنا من الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين. ونحن على الدوام نتبنى الشيوعية ونحتضنها متظاهرين بأننا نساعد العمال طوعاً لمبدأ الأخوة، والمصلحة الإنسانية العامة، وهذا ما تبشر به الماسونية الاجتماعية ".
стр. 72
٦ - وجاء في البروتوكول السابع عشر قولهم:
" وقد عنينا عناية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين من الجوييم (=الأميين) في أعين الناس، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم، التي كان يمكن أن تكون عقبة كؤوداً في طريقنا، وإن نفوذ رجال الدين يتضاءل يوماً فيوماً.
سنقصر رجال الدين وتعاليمهم على جانب صغير جداً من الحياة. وسيكون تأثيرهم وبيلاً سيئاً على الناس، حتى إن تعاليمهم سيكون لها أثر مناقض للأثر الذي جرت العادة بأن يكون لها....".
٧ - وجاء في البروتوكول التاسع قولهم:
" ولقد خدعنا الجيل الناشيء من الجوييم (=الأميين) وجعلناه فاسداً متعفناً، بما علمناه من مبادئ ونظريات معروف لنا زيفها التام، وكنا نحن أنفسنا الملقنين لها ... ".
٨ - وجاء في البروتوكول الأول قولهم:
" لقد كنا قديماً أول من هتف بكلمات: (الحرية والمساواة والإخاء) وما انفكت هذه الكلمات ترددها ببغاوات جاهلة، يتجمهرون من كل حدب وصوب حول هذه الشعارات المغرية، التي حكموا عن طريقها ازدهار العالم، وحرية الفرد الشخصية الحقيقية، التي كانت من قبل في حمى يحفظها من أن يخنقها السفلة.
ولم يعرف الذين يدّعون الذكاء وسعة الإدراك من الجوييم (=الأميين) المعاني الرمزية التي تهدف إليها هذه الكلمات، ولم يتبينوا عواقبها، ولم يلاحظوا ما فيها من تناقض في المعنى، كما لم يدركوا أن الطبيعة نفسها تخلو من المساواة، وأن الطبيعة قد أوجدت أنماطاً غير متساوية في العقل، والشخصية، والأخلاق، والطاقة، وغيرها.
إن صيحتنا: (الحرية والمساواة والإخاء) قد جلبت إلى صفوفنا فرقاً كاملة من زوايا العالم الأربع، عن طريق وكلائنا المغفلين، وقد حملت هذه
стр. 73
الفرق ألويتنا في نشوة، بينما كانت هذه الكلمات مثل كثير من الديدان تلتهم سعادة الجوييم (=الأميين) وتحطم سلامهم واستقرارهم ووحدتهم، مدمّرة بذلك أسس الدول، وقد جلب هذا العلم النصر لنا ... ".
٩ - وجاء في البروتوكول الثالث قولهم:
"تذكروا الثورة الفرنسية التي نسميها: (الكبرى) إن أسرار تنظيمها التمهيدي معروفة لنا جيداً، لأنها من صنع أيدينا، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم قُدُماً من خيبة إلى خيبة ".
هذه أمثلة من أقوال قادة يهود التي اشتملت عليها الوثائق المسماة "بروتوكولات حكماء صهيون".
وفيها أقوال كثيرة أخرى يحسن بكل مسلم أن يطالعها مرات ومرات كثيرات، ليستبين من قراءته لها دستور الشياطين الذين يسعون في الأرض فساداً.
* * *
ثانياً: ويقرأ المتتبع لأقوال وتصريحات قادة المنظمة الماسونية أقوالاً مشابهة لما جاء في البروتوكولات وهي منظمة يهودية في جذورها، ورموزها، وطقوسها، والقادة المحركين لها، والموجهين لمسيرتها، والمستغلين لها في خدمة اليهودية العالمية وأهدافها، وفي إفساد الشعوب.
والمنتمون من غير اليهود في هذه المنظمة يُسَخَّرون وهم عميان، أو أجراء، أو منسلخون من كل دين وكل فضيلة، وباعوا أنفسهم للشياطين.
ومن أقوال وتصريحات الماسونيين ما يلي:
١- جاء في إحدى الكلمات التي ألقيت في مؤتمر المشرق الأعظم الماسوني لعام (١٩٢٣م) قول أحد أقطابهم:
" يجب أن لا تقتصر الماسونية على شعب دون غيره، ولتحقيق الماسونية العالمية يجب سحق عدونا الأزلي الذي هو (الدين) مع إزالة رجاله".
стр. 74
٢ - وجاء في نشرة المشرق الأعظم الماسوني الفرنسي لسنة (١٩٢٣) قولهم:
" على الإخوان أن يتغلغلوا في صفوف الجمعيات الدينية وغيرها، لا بل عليهم - إن احتاج الأمر - أن يقوموا بتأسيس تلك الجمعيات، على أن لا تشتمَّ منها أية رائحة حقيقية للدين، عليكم أن تلموا شمل قطيعكم أينما كنتم، حتى في المعابد الصغيرة، وعليكم أن تولوا أمورها السذج من رجال الدين، ولتطعّموا خفية ذوي القلوب الكبيرة من الرجال بقطرات من سمومكم.
وبغية التفرقة بين الفرد وأسرته، عليكم أن تنتزعوا الأخلاق من أسسها، لأن النفوس تميل إلى قطع روابط الأسرة، والاقتراب من الأمور المحرمة، لأنها تفضل الثرثرة في المقاهي على القيام بتبعات الأسرة، وأمثال هؤلاء من الممكن إقناعهم بالدرجات والرتب الماسونية، ويجب أن يُلَقَّن هؤلاء بصورة عرضية متاعب الحياة اليومية. وعليكم أن تنتزعوا هؤلاء من بين أطفالهم وزوجاتهم، وتقذفوا بهم إلى ملاذ الحياة البهيمية ".
٣ - وجاء في بيان المشرق الأعظم الفرنسي الماسوني لعام (١٩٠٤م) في الصفحة (٢٣٧) ما يلي:
" إن الماركسية واللاقومية هما وليدتا الماسونية، لأن مؤسسيها: (كارل ماركس) و (إنجلز) هما من ماسونيي الدرجة الحادثة والثلاثين، ومن منتسبي المحفل الإنكليزي، وإنهما كانا من الذين أداروا الماسونية السرية، وبفضلها أصدرا (البيان الشيوعي) المشهور.
وإن المجلة الماسونية (لاتونيا) قد أعلنت فرحها واستبشارها بانتشار الاشتراكية، في مقال لها بتاريخ (١٢ تموز ١٨٩٤م) وقالت: إن الماسونية قد وجدت في المبادئ الاشتراكية خير معوانٍ لها، فلا بد لنا من معاضدتها ".
٤ - وجاء في مجلة (أكاسيا) الماسونية لعام (١٩٠٣م) قولهم: " إن الماسونية التي هيأت الجو لثورة عام (١٧٨٩م) - أي: الثورة الفرنسية -
стр. 75
عليها الآن أن تهيء الجو للثورة الماركسية، وعلى الماسونيين أن يعملوا بالاشتراك مع العمال، لأن الماسونية تملك القوى الفكرية، والإمكانات العقلية، وأن العمال يكونون عدداً هائلاً، ويملكون القوى التدميرية، وباجتماع هاتين القوتين يتولد الاضطراب الاجتماعي ".
٥ - وفي سجل مؤتمر المشرق الأعظم الماسوني لعام (١٩٢٣م) ما يلي:
" إن النضال بين الرأسمالية والطبقة العاملة آخذٌُ بالازديدا في مختلف مناحي الحياة، وعلى الماسونية أن تختار بعزم وتصميم أحد طرفي النضال.
يجب العمل على تأميم الصناعات بشتى الوسائل والطرق. إن المحفل الماسوني في أمريكا الذي يدير الماسونية الكونية، قد عقد في أوائل القرن العشرين مؤتمراً، صدر عنه قرار تعهد بتنفيذه خمسة من اليهود أصحاب الملايين، وهو يتضمن خراب روسيا القيصرية، بإنفاق مليار دولار، وتضحية مليون يهودي، لإثارة الثورة في روسيا، وهؤلاء اليهود هم: إسحاق موتيمر، وشيستر، وليفي، ورون، وشيف ".
٦ - ومن أقوال المحفل الماسوني الأكبر سنة (١٩٢٢م) ما يلي:
"سوف نقوي حرية المضير في الأفراد، بكل ما أوتينا من طاقة، وسوف نعلنها حرباً شعواء على العدو الحقيقي للبشرية، الذي هو (الدين) . وهكذا سوف ننتصر على العقائد الباطلة، وعلى أنصارها ".
٧ - وجاء في مضابط مؤتمر بلغراد الماسوني لعام (١٩٢٢م) قولهم:
" ويجب أن لا ننسى بأننا نحن الماسونيين أعداء للأديان، وعلينا أن لا نألوا جهداً في القضاء على مظاهرها ".
٨ - وجاء في مضابط المشرق الأعظم الماسوني لسنة (١٩١٣م) قولهم:
" سوف نتخذ الإنسانية غاية من دون الله ".
стр. 76
٩ - وجاء في مضابط المؤتمر الماسوني العالمي لعام (١٩٠٠م) قولهم:
" إننا لا نكتفي بالانتصار على المتدينين ومعابدهم، إنما غايتنا الأساسية هي إبادتهم من الوجود ".
١٠ - وجاء في مجلة أكاسيا الماسونية لعام (١٩٠٣م) قولهم:
" إن النضال ضد الأديان لا يبلغ نهايته إلا بعد فصل الدين عن الدولة ".
١١ - وجاء في النشرة الرسمية التي أذاعها الشرق الأعظم في فرنسا بشهر تموز عام (١٨٥٦م) قولهم:
" نحن الماسون لا يمكننا أن نتوقف عن الحرب بيننا وبين الأديان، لأنه لا مناص من ظفرها أو ظفرنا، ولا بد من موتها أو موتنا، ولن يرتاح الماسون إلا بعد أن يقفلوا جميع المعابد ".
١٢ - وقال "كوكفيل" في محفل منفيس بلندن:
" إننا إذا سمحنا لمسلم أو نصراني بالدخول إلى أحد هياكلنا، فإنما ذلك قائم على شرط أن الداخل يتجرد من أضاليله، ويجحد خرافاته وأوهامه التي خدع بها في شبابه ".
١٣ - وجاء في المحاضرة الرابعة لمحفل السلامة الماسوني قولهم:
" إن الماسونية تجرد الأفكار من الخرافات والنظريات اللاهوتية المدسوسة من قبل الأديان".
١٤ - وجاء في محاضرات محفل الشرق لعام (١٩٢٣م) قولهم:
" إنه يجب أن تبقى الماسونية لملة واحدة، وعليه يقتضي محو جميع الأديان ومنتسبيها من الأساس ".
* * *
ثالثاً: ويقرأ المتتبع لأقوال وتصريحات قادة الشيوعيين، والناظر في الكتب الشيوعية، أقوالاً كثيرة تعلن حربها الشعواء على الدين والأخلاق،
стр. 77
وسائر القيم التي تعارف عليها الناس.
والشيوعية إحدى المنظمات التي أسسها اليهود , ووضعوا نظريتها، ومبادئها، ومفاهيمها، خططها الحركية، وأداروا عمليات حركاتها، وأقاموا ثوراتها في العالم.
فمن أقوالهم ما يلي:
١- جاء في البيان الشيوعي الذي أصدره معلم الشيوعية الأول اليهودي "كارل ماركس" ورفيقه "انجلز" ما يلي:
" إن القوانين والقواعد الأخلاقية والأديان أوهام بورجوازية تتستر خلفها مصالح بورجوازية ...
والدين هو الأفيون الذي يخدر الشعب لتسهل سرقته، وإن الدين كان وسيلة الإخضاع الروحي، كما كنت الدولة وسيلة الإخضاع الاقتصادي ...
أما ما وُجّه للشيوعية من تهم دينية وفلسفية وأخلاقية فلا يستحق بحثاً عميقاً ... ! ".
٢- وجاء في أقوال "إنجلز" رفيق المعلم الأول للشيوعية وشريكه في ضلالته:
" إننا نرفض شتى المحاولات التي تحاول أن تفرض علينا أخلاقاً تستند إلى المثاليات، ذلك لأننا نؤمن أن الأخلاق هي نتاج الأوضاع الاجتماعية، ولما كانت الأوضاع الاجتماعية متغيرة، فإن مفاهيم الأخلاق التي نؤمن بها هي كل عمل يؤدي إلى تحقيق انتصار مبدئنا مهما كان هذا العمل منافياً للأخلاق ".
٣ - وجاء في أقوال "لينين" ما يلي:
" يجب على المناضل الشيوعي الحق أن يتمرس بشتى ضروب
стр. 78
الخداع والغش والتضليل، فالكفاح من أجل الشيوعية يبارك كل وسيلة تحقق الشيوعية ...
إذا لم يكن المناضل الشيوعي قادراً على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقاً للظروف، مهما تطلب ذلك من كذب وخداع، فإنه لن يكون مناضلاً ثورياً حقيقياً ...
إن المناضل الشيوعي الثوري الحق هو ذلك الذي يبذل كل تضحية يفرضها عليه تحقيق الهدف الشيوعي، ولو تطلب الأمر التضحية بالأخلاق والكرامة والضمير، فالهدف المثالي الحق هو تحقيق المجتمع الشيوعي وتدعيمه ...
ويجب علينا أن نتوسل بكل أنواع الحيل والمناورات والوسائل غير القانونية لتحقيق أهدافنا الشيوعية ... ".
وجاء في خطاب له ألقاه في المؤتمر الثالث لمنظمة الشباب الشيوعي، الذي عقد في تشرين الأول من عام (١٩٢٠م) ما يلي:
" إننا لا نؤمن بإله، ونحن نعرف كل المعرفة، أن أرباب الكنيسة والإقطاعيين والبورجوازيين، لا يخاطبوننا باسم الإله، إلا استغلالاً ومحافظة على مصالحهم، إننا ننكر بشدة جميع الأسس الأخلاقية التي صدرت من طاقات وراء الطبيعة غير الإنسان، والتي لا تتفق مع أفكارنا الطبقية.
ونؤكد أن كل هذا مكر وخداع، وهو ستار على عقول الفلاحين والعمال لصالح الاستعمار والإقطاع.
ونعلن أن نظامنا لا يتبع إلا ثمرة النضال البروليتاري فمبدأ جميع نظمنا الأخلاقية هو الحفاظ على الجهود لطبقة البروليتاريا".
وحين سمع الكاتب الروس "ماكسيم جوركي" هذا الكلام من "لينين" لم يرض عنه، فامتنع عن حضور جلسات الحزب، ولما افتقده "لينين" فترة من الزمن أرسل إليه من يحضره، فامتنع عن الحضور بحجة أنه يبحث عن الإله ...
стр. 79
فكتب إليه "لينين" يقول له:
" إن البحث عن الله لا فائدة منه، ومن العبث البحث عن شيء لم يخبأ، وبدون أن تزرع لا تستطيع أن تحصد، وليس لك إله لأنك لم تخلقه بعدُ، والآلهة لا يبحث عنها وإنما تُخلَق"!!.
٤ - وجاء في أقوال "ستالين" ما يلي:
" إن الأخلاق الصالحة في نظرنا هي تلك التي تيسر لنا القضاء على النظام القديم، وهي تلك التي تدعم النظام الشيوعي، ولا شيء غير هذا يمكن أن يُسمّى أخلاقاً فاضلة ".
٥ - وحين هاجمت بعض الصحف العالمية موجة الإلحاد في الاتحاد السوفياتي، ردّت على ذلك صحيفة "برافادا" الناطقة بلسان الحزب الشيوعي، وسياسة الدولة ومبادئها، بقولها:
" ومن قال: إننا لا نؤمن بشيءٍ؟ . إن من يقول ذلك يتجنى علينا، ولا يذكر حقيقة وضعنا. نحن نؤمن بثلاثة أشياء: (كارل ماركس) و (لينين) و (ستالين) . ولا نؤمن بثلاثة أشياء: (الله - الدين - الملكية الخاصة) ... ".
٦ - وفي سنة (١٩٢٣م) أعلن المؤتمر الشيوعي الذي عقد للبدء بالحرب ضد الأديان ما يلي:
" يوجد داخل اتحاد الجمهوريات السوفياتية ثلاثون مليوناً من المسلمين، كانوا يعيشون حتى الآن دون أن يمسهم شيء، كما أنهم يحافظون على عقائد باطلة، وخرافات من العصور الوسطى لها صلة بالدين، وغايتها الإضرار بالثورة، وبعد أن نظرنا في هذا كله، ودرسنا خصائص كل أمةٍ على حدة، قررنا القيام بالخطط والتدابير الواجب عملها لإزالة هذه العقائد الباطلة من أوساط هذه الأمم".
٧ - وجاء في برنامج المؤتمر الشيوعي الدولي السادس المنعقد سنة (١٩٢٨م) ما يلي:
" إن الحرب ضد الدين - أفيون الشعوب - تشغل مكاناً مهماً بين أعمال الثورة الثقافية ".
стр. 80
٨- كتبت جريدة "تركمنسكا اسكرا" الشيوعية، التي تصدر في تركمانستان بالاتحاد السوفياتي بعددها الصادر يوم ١٥ آذار ما يلي:
" إن نشر الإلحاد هو جزء من النظرية الشيوعية، والملاحظ أن تأثير علماء الدين على عقول الناس وقلوبهم ما زال قوياً، وإنه لا يجوز أن نقف مكتوفي الأيدي، وننتظر أن يزول هذا التأثير بمحض إرادته"..
ومن أجل ذلك عقدت لجنة الحزب المركزية الشيوعية في تركمانستان اجتماعات في تموز الماضي، وقررت أن تقوم المنظمة الحكومية التي يطلق عليها "بيليم" - أي المعرفة - بتوسيع نطاق إقامة "غرف وزوايا الإلحاد" في المدارس والمعاهد، وكل موقع دراسي، أو ملتقى تجمّعي.
وتكون مهمة هذه الغرف والزويا التركيز على الدعاية للإلحاد بكل الوسائل الإغْرائيَّة من سمعية وبصرية، وإذا لزم الأمر تستخدم الأدوات القمعية، من أجل التغلغل والغواية بالترغيب إن أمكن وبالإرهاب عند الضرورة.
وقال نائب رئيس "بيليم":
" إن المعتقدات الدينية هي من رواسب الماضي، وإنه يجب القيام بغسل أدمغة الناس وتخليصهم من العقائد الدينية، وزرع بدلها نظرية ماركس وآراء لينين"!!.
وقال البروفيسور "شوليمبايوف" رئيس إدارة الدراسات الماركسية اللينينية في معهد أصول علم التدريسفي "كازخستان":
" إن نظرة عامة على أعمال المنظمات الإسلامية تدل على أنها أقرب إلى قلوب الناس مما كانت عليه قبلاً، وأن هذه الأعمال تُدار بذكاء وحصافة أكثر من ذي قبل، ويبرهن على هذا وجود أناس متدينين ليس بين الطبقة المتخلفة، بل بين كثير من الناس ذوي التعليم المتوسط والعالي ".
* * *
стр. 81
الفصل الثالث: أسبَابُ تَقبّل شعُوب الأمَّةِ الإسْلاميَّة لوافدات المذاهب الفكرية المعاصرة
كان من المفروض أن تبقى شعوب الأمة الإسلامية منيعة محصنة، لا تسمح بتسلل ضلالات المذاهب الفكرية المعاصرة إليها.
وذلك لأن الإسلام الذي تدين به هذه الشعوب، هو الدين الرباني الحق الذي لم يدخله تحريف ولا تبديل، وهو الدين الذي يهيمن على العقول والأفكار بسلطان الحق وبراهينه، ويهيمن على النفوس والقلوب بكماله وملاءمته للفطرة الإنسانية، وتلبيته لكل حاجات الناس أفراداً وجماعات، وبأن لديه الحل الأمثل لكل مشكلات الحياة، وبأنه يشتمل على أسس الحق والعدل والفضيلة، وبأنه جاء بالنظم المشتملة على أحسن صورة ممكنة بالنسبة إلى الواقع البشري، كفيلة بأن توفر للناس الأمن والطمأنينة والاستقرار والرفاهية والتقدم العلمي والحضاري، وفيها ما يضبط جنوح الأفراد ويقيم العدل، ويكفل ذوي الضرورات والحاجات، ويكبح جماح ذوي النوازع الطاغية، والأهواء الباغية.
ولكن وجدت عدة أسباب، هيأت مناخاً مناسباً لتقبُّل كثير من أفراد هذه الشعوب لوافدات المذاهب الفكرية المعاصرة، مع ما فيها من زيغ وباطل وضلال كثير.
وباستطاعة الباحث في الواقع والظروف التاريخية التي مهدت له، أن يكتشف جملةً من الأسباب، منها وأهمها الأسباب التاليات:
* * *
стр. 82
السبب الأول:
إن معظم المسلمين حكاماً ومحكومين، هجروا إسلامهم، وتهاونوا في تطبيق أحكامه، وأخلدوا إلى الدعة والراحة، وتعلقوا بالدنيا وشهواتها، وتنازعوا عليها، وتفرقوا إلى فرق وأحزاب ودول متصارعة متخالفة.
وكان هذا من أخطر وأهم الأسباب التي أطمعت الأعداء فيهم، فوجهوا لهم جيوش القتال للسيطرة عليهم، وإسقاط سلطانهم، وتحطيم قواهم، وسلب ما يملكون من أرض ومالٍ وطاقات بشرية، وتسخيرهم في الأعمال كالعبيد، ووجهوا لهم جيوش الفتنة والإفساد لسلبهم ذاتيتهم العظيمة القائمة على الإسلام إيماناً وخلقاً وعملاً.
* * *
السبب الثاني:
تفشي الجهل بين معظم المسلمين في جميع أقطارهم وبلدانهم، وبُعْدُهُم عن العلم بصفة عامة في القرون المتأخرة، قرون الانحطاط، بعد القرون العلمية الذهبية التي احتل المسلمون فيها قمة الحضارة، وكانوا فيها قادة الركب الإنساني إلى كل تقدم صحيح فكريٍّ وتطبيقي.
وتفشي الجهل بين معظم المسلمين قد كان في الحقيقة نتيجة طبيعيةً للسبب الأول بالنسبة إليهم، إذْ صرفهم عن العلم وعن الاشتغال به هجرُهم للإسلام، وبُعدُهم عن تطبيق أحكامه، وعن الاهتداء بهديه، نتيجة تعلقهم بمتاع الحياة الدنيا، والتنازع عليها، والتقاتل من أجلها، والتسابق إلى الظفر بالسلطان والجاه، والرغبة بجمع المال، والسعي وراء الاستمتاع بلذات الجسد، من مآكل ومشارب ومناكح ومساكن، وسائر ما في الحياة الدنيا من زينة.
مع أن الإسلام يدفع المسلمين بإلزام، إلى الأخذ بأسباب العلم والبحث العلمي، والتسابق فيه، وأخذ النصيب الأوفى منه، في كل مجال من مجالاته النافعة، فالعلم سبب من أسباب القوة التي أمر الله بإعدادها
стр. 83
جُهدَ الطاقة والاستطاعة، وهو النور الذي يهدي إلى سُبُل السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة، ويعرّف الإنسان بربّه، ويُعطيه مفاتيح فهم كتابه المنزّل، والتبصّر بسنّة رسوله المجتبى ﵊، والاتعاظ بسنن الله الجزائية، والانتفاع من سننه التكوينية.
إن الكثرة الكاثرة من المسلمين، لما وجهت معظم تعلقتها النفسية لمتاع الحياة الدنيا، وآثرت كل عاجل، انصرفت تلقائياً عن التعلم والتعليم، والكدح بغية التزود من أنواع المعارف النافعة، وأمسى الإسلام لدى كثير من المسلمين إسلاماً تقليدياً موروثاً، يشبه الجبرية النسبية، لا انتماءً إرادياً اختيارياً قائماً على الاقتناع الناتج عن بصيرة علمية، كما كان يوم ظهور الإسلام.
وطبيعيٌّ أن يكون فشوُّ الجهل بالدين , وبالمعارف الحقة في مختلفة مجالات العلم، مناخاً ملائماً لتسلل الأفكار الباطلة المموهة بزخارف كاذبات، تخدع الناظرين، وتفتن الجاهلين.
* * *
السبب الثالث:
تسرب شوائب وتشويهات إلى مفاهيم كثير من المسلمين، وهي المفاهيم التي تحددت بها تصوراتهم للإسلام، مع أنها تصورات خاطئات، مخالفات لدين الله للناس.
وهذه المفاهيم الخاطئات يمكن جمعها في صور خمس، بسطتها في كتاب "صراع مع الملاحدة" وأوجزها هنا بما يلي:
الصورة الأولى: هي الصورة المختلطة المهزوزة في مفاهيم بعض المسلمين لحقيقة التعاليم الإسلامية، وتكون هذه الصورة باختلاط الحقائق، وعدم إدراك كلٍّ منها في مكانه الصحيح.
стр. 84
والتشويه في هذه الصورة ناتج عن تداخل عناصرها، وتمازج بعضها في بعض، وعدم تمايز حدود كل عنصر منها، فلا تمتاز مثلاً الكبائر عن الصغائر، ولا المحرمات عن المكروهات، ولا الفرائض الكبرى عن الواجبات الصغرى، ولا الواجبات عن المندوبات، ولا تظهر فيها الحدود الفاصلة بين ما يجب فعله أو تركه، وبين ما يقضي الورع بفعله أو تركه، ثمّ بين ذلك وبين ما هو مباح.
وسبب وجود هذه الصورة المهزوزة المختلطة، الجهل بالتعاليم الإسلامية الصحيحة، وقلة أجهزة التثقيف الإسلامي العام في مختلف بلاد المسلمين.
الصورة الثانية: هي الصورة التي دخل فيها أخطاء لدى رسم المفاهيم الإسلامية الصحيحة.
وترجع هذه الأخطاء إلى الأصول العامة التالية:
١- الخطأ في الاجتهاد، وله أسباب كثيرة يعرفها علماء أصول الفقه الإسلامي. وقد يعذر في هذا الخطأ المجتهد الكفؤ ومقلّده.
٢- الخطأ في تقويم ما توصل إليه الاجتهاد، وذلك باعتباره هو الحق لا غير، رغم أن اليقين القاطع لم يتوافر فيه، وهذا الخطأ لا عذر فيه مطلقاً.
٣- التعصب للرأي أو للمذهب ضد الآراء أو المذاهب الأخرى.
وهذا التعصب لا عذر فيه مطلقاً.
الصورة الثالثة: هي الصورة المزورة المشوَّهة من قِبَلِ أعداء الإسلام، والتي أساء عرضها وقبح جمالها وإشراقها الماكرون المفسدون، بما وجهوا لها من شبهات وتُهَم كاذبات.
وغرض أعداء الإسلام من تصيد الشبهات والتشويهات والأكاذيب والتضليلات، وإلصاقهم بالتعاليم الإسلامية، إفساد عقول أبناء المسلمين، وفتنتهم عن دينهم.
стр. 85
الصورة الرابعة: هي الصورة التي حصل فيها تغيير في النسب بين مفردات وأجزاء التعاليم الإسلامية، إذ أخذ بعضها من المساحة الكلية، في أفكار ونفوس طائفة من المسلمين، أكثر من نصيبه المقدر له في أصل التشريع الإسلامي. نظير التغيير الذي يحدثه المتلاعب في الخريطة، فيعطي القرية الصغيرة مساحة كبيرة في الخريطة، ويعطي المدينة الكبيرة مساحة صغيرة جداً.
وبهذا التغيير في مفردات وأجزاء التعاليم الإسلامية، نلاحظ اهتمام بعض المسلمين بالسيما الظاهرة للمسلم، وإهماله الأسس الجوهرية التي قام عليها الإسلام عقيدة وعملاً، أو يصغر من حجمها ويعطيها أقل اهتمامه.
ومن أسباب التغيير في النسب داخل هذه الصورة، فقدان الإدراك السليم الكامل الشامل للمفاهيم الإسلامية بوجه عام، ولمقادير كلٍ منها، ولكيفية ترابطها وتناسقها في الصورة الإسلامية العامة.
إن فقدان الإدراك السليم الكامل الشامل للمفاهيم الإسلامية يتولد عنه نتائج خطيرة، منها ما يلي:
١- فساد النسب لأجزاء الصورة الإسلامية العظيمة.
٢- الخلل في وحدة النظام الكلي للمفاهيم الإسلامية التي يكمل بعضها بعضاً.
٣- تشتت شمل وحدة المسلمين، نظراً إلى أن لكل فريق منهم صورة إسلامية خاصة به، تختلف نسب أجزائها عن صور سائر الفرقاء، الأمر الذي يؤدي إلى تعصب كل فريق منهم للصورة التي يرى الإسلام من خلالها.
٤- توجيه كل طاقات العمل دفعة واحدة، لتحقيق ما احتل معظم الساحة في الصورة ذات المناسب الفاسدة.
ومما يزيد في المشكلة أن يكون ما احتل معظم المساحة داخلاً في حدود الأشكال والرسوم، لا في حدود الجواهر الاعتقادية والخلقية والعملية والقيم الحقيقية الذاتية.
стр. 86
الصورة الخامسة: هي الصورة المزورة للتعاليم الإسلامية تزويراً كلياً أو جزئياً.
وأمثال هذه الصورة المزورة نجدها عند الفرق المنحرفة الضالة، التي عمل على إنشاء جيوبها أعداء للإسلام، فتظاهروا بالانتساب إليه نفاقاً، ليعملوا على هدمه من الداخل.
* * *
السبب الرابع:
تسلل دسائس أعداء الإسلام إلى حصون الأمة الإسلامية ومعاقلها، التي كانت بالإسلام حصينة مصونة محفوظة.
وقد تسللت هذه الدسائس من الثغرات التي ظهرت في واقع المسلمين، نتيجة انحطاطهم وضعفهم، وبُعدهم عن تطبيق الإسلام، وتفشي الجهل بينهم.
ونتيجة لهذا التسلل الشيطاني الخبيث، ظهرت داخل الحصون الإسلامية تنظيمات موصولة سراً بالأعداء من خارج الحدود.
فقامت المحافل الماسونية، وقامت الأحزاب ذات الشعارات الخادعة، والمعادية سراً أو جهاراً للدين، والمرتبطة عن طريق الولاء الخفي بدولةٍ ما من الدول الغربية أو الشرقية المعادية للإسلام والمسلمين.
وكثير منها يحمل مكراً يهودياً خبيثاً، ويعمل على خدمة الأهداف اليهودية.
وانطلق الغزو الفكري والنفسي والخلقي والسلوكي، في كل طريق ودخل في كل باب، داخل شعوب الأمة الإسلامية، وعملت دسائسه على ترسيخ قناعات بضرورة التنازل عن الإسلام، أو عن بعض شرائعه وأحكامه، ومتابعة الدول الغربية أو الشرقية المعادية للإسلام والمحاربة له،
стр. 87
بغية الخلاص من واقع التخلف الحضاري الذي أصاب المسلمين.
فتولد عن ذلك مناخ ملائم لاستقبال وامتصاص كل ما يأتي من الغرب أو الشرق، من خيرٍ أو شرّ، ونهض أجراء ومفتونون ومغفلون داخل صفوف شعوب الأمة الإسلامية ينادون بضرورة تقليد الدول المتقدمة في وسائلها الحضارية، واتباعها في مناهجها ومفاهيمها وأخلاقها وكل صور سلوكها في الحياة، بعُجَرها وبُجرها، وخيرها وشرها، وصالحها وفاسدها، وحسنها وسيئها.
وهكذا بدأت تزحف إلى شعوب الأمة الإسلامية زيوف المذاهب الفكرية المعاصرة زحفاً منذراً بالخطر الكبير.
وسقطت الخلافة الإسلامية بفعل الدسائس الصليبية واليهودية، ومساعدة المؤازرين للغزاة من داخل البلاد الإسلامية، من طوائف قديمة كانت تضمر الحقد ضد الأمة الإسلامية، ومرتدين عن الإسلام منافقين في الانتماء إليه، وأجراء، ومغفلين متهاونين، وجهلة منفرين من الإسلام.
وبعد سقوط الخلافة اقتسم الأعداء الاستعماريون الغربيون معظم بلاد المسلمين، وجعلوها دويلات مجزأة صغرى، وأحكموا الفصل فيما بينها، وأقاموا مختلف السدود لقتل أحلام الوحدة، وجمع الكلمة، وإعادة الخلافة الإسلامية.
وبذلك تولى الأعداء داخل البلاد الإسلامية المستعمرة الإشراف على كل شيء، وأخطر كل ذلك قطاع التعليم، فأسسوا المدارس والجامعات، ووضعوا سياستها، وخططها، ومناهجها، وكتبها، وعينوا مدرسيها، وأعدوا كما أرادوا بيئاتها.
وإذ تهيأت لهم الوسائل قاموا بعمليات التحويل الفكري، وبناء الأجيال من أبناء المسلمين على ما خططوا له.
وطبيعيٌّ أن تكون هذه المؤسسات التعليمية، بيئات مناسبة جداً لنشر المذاهب الفكرية المعاصرة، وإقناع الأجيال بما اشتملت عليه من
стр. 88
أفكار باطلة فاسدة مفسدة، والشك في مبادئ الإسلام وأحكامه وشرائعه.
* * *
السبب الخامس:
تراكم النكبات التي تعرض لها المسلمون من قبل أعدائهم من داخل بلاد المسلمين ومن خارجها، مع حالة الضعف النفسي التي وصلوا إليها.
إن تراكم النكبات قد أصاب المسلمين بالذهول وتبلد الحس: أما عامتهم فقد مسهم اليأس من الخلاص، وكادوا يفقدون الأمل بعودة المجد إلى شبابه. وأما خاصتهم فقد نزل في الكثير منهم داء الجمود والتوقف عن التحرك الصاعد بدأب وجهاد وصبر.
مع هذه الحالة الذاهلة اليائسة الجامدة المتوقفة عن حركة الجاهد الواعي الذائب الصابر الحكيم، تتسلل المذاهب المزيفة المعارضة للإسلام، ويتعلق بها فارغو العقول والنفوس من الحق، بغية تحقيق مجد جديد منشود، يكون عوضاً عن مجد غابر مفقود.
لكن هذه المذاهب وشعاراتها، لم تجر إلى المتعلقين بها وإلى جماهير شعوبهم إلا الخيبة بعد الخيبة، والنكبة بعد النكبة، والهزيمة بعد الهزيمة، ولم تجلب لهم إلا الخسران والدمار , وسفك الدماء وسلب الأموال، وتشتت الأمة وتمزيق وحدتها، وتسلط الأعداء من كل جانب.
* * *
السبب السادس:
وجود طوائف غير مسلمة قويت شوكتها داخل شعوب الأمة الإسلامية، واشتد ظهرها، بمناصرة الدول الاستعمارية والشرقية لها، سراً وعلناً، وتمكينها من أخطر مراكز الإدارة، ومن القوة العسكرية في البلاد.
ومع هذه الطوائف مرتدون عن الإسلام من أبناء المسلمين ظاهراً
стр. 89
وباطناً، أو باطنأً فقد مع التستر الظاهري بقناع الانتماء إلى الإسلام، مخادعة ونفاقاً، ومعهم أيضاً أجراء للأعداء من مختلف طبقات الأمة وأنواع تخصصاتها.
وكان لهذا السبب تأثير العظيم عندما تخلف المسلمون، وضعفت قواهم الإدارية والسياسية والعسكرية، واستهنت جماهيرهم بأمر الإسلام وبشؤون المسلمين، وانصرفوا إلى أمور دنياهم الخاصة، وسمحوا بتسلل أفراد من الطوائف غير الإسلامية، وبتسلل المرتد علن الإسلام، وبتسلل أجراء الدول الاستعمارية إلى مراكز الإدارة والحكم والجيش.
إن جيوب الطوائف غير المسلمة، التي ظلت آمنة مستقرة، محمية لا يمسها أذىً ولا ظُلمٌ ولا جَنَفٌ ولا حكم بغير العدل، طوال ثلاثة عشر قرناً، قد كانت تنطوي صدورها على عداء شديد للإسلام والمسلمين، وتضمر حقداً دفينا عليهما وتتمنى أن تسنى لها الفرصة لهدم الإسلام وإبادة المسلمين، أو طردهم من أوطانهم.
وقد سنحت لها هذه الفرصة لتكشف عما كانت تضمره من قبل، فانطلقت تكيد كيدها من الداخل، مؤازرةً دول الاستعمار من الخارج، ومنفذةً خططها داخل بلاد الإسلام.
* * *
السبب السابع:
فتنة شعوب الأمة الإسلامية بالحضارة الأوروبية المادية، وتطلعهم إليها بشغف، وانبهارهم بمنجزاتها، نتيجة شعورهم بالنقص تجاهها.
ورافق هذه الفتنة تصورات خاطئة، أوهمت طلائع المثقفين أن التقدم الحضاري المادي هو مظهر للتقدم في كل ما يضمن سعادة الناس، من خلق وألوان سلوك في الحياة، ونُظُمٍ اجتماعية مختلفة.
ومع انعدام التجربة، وانبهار المغلوب بالغالب، وشعوره بالنقص تجاهه، واندفاعه لتقليده تقليداً على غير بصيرة، تغدو التصورات
стр. 90
المخطئات هي المسيطرة على الفكر والنفس، وعندئذٍ لا تكون النفوس مستعدة لتقبل أية بيانات تصحيحية تميز بين الحق والباطل، والخير والشر، وتضع كل أمر في موضعه، وتكشف أن التقدم المادي والعلوم الصناعية، إنما تقدم للناس وسائل حضارية مرتقية، صالحة لأن تستعمل في الخير مرة، ولأن تستعمل في الشر أخرى، ولا يضبط توجيهها شطر الخير ويلجمها عن الشر، ما في العلوم المادية والصناعية من قوانين، فهي من دون الإيمان بالله واليوم الآخر، وأحكام الشرائع الربانية، قد تكون بعد حين وسائل تدمير شامل لمظاهر الحضارة نفسها، وللإنسانية كلها، بعد تعمير كثير يقوم بها.
لقد كانت هذه الفتنة بالحضارة الأوروبية المادية، وبما رافقها من انبهار بمنجزات هذه الحضارة، مناخاً ملائماً جداً لزحف كل ما لدى الغربيين، من سلوك، وأفكار وعادات، ومذاهب فكرية حديثة، مناقضة لمبادئ الإسلام، ومفاهيمه وشرائعه وأخلاقه ونظمه وسائر تعاليمه الحقة.
* * *
стр. 91
الباب الثاني
وَسَائِل التّضليل لِتَرويج الشِّعَارَات
والآراء والمذاهب الفكرية المزيفة
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: الخطة العامة.
الفصل الثاني: المغالطات الجدلية.
الفصل الثالث: لعبة تطبيق المنهج العملي الخاص بالجبريات على السلوك الإرادي
عند الإنسان.
стр. 92
الفصْل الأوّل
الخطّة العَامّة
(١)
مقدمة:
لا بد لكل عمل ذي هدف يرمي العاملون إليه، وذي غاية يسعون لتحقيقها، من خطة ملائمة، حتى يصيب العمل هدفه، ويحقق أكبر قدر ممكن من الغاية التي يسعى إليها أصحاب العمل، ولو كانت هذه الغاية شراً محضاً لا خير فيه.
بذلك تقضي سنن الله التكوينية، وقوانينه الثابتة في هذا العالم المشهود، المسخّر للناس لابتلائهم في ظروف هذه الحياة الدنيا، سواء منهم من آمن بالله أو كفر به، أراد خيراً أو أراد شراً.
فلجند الله ودعاة الخير والهداية وسائلهم التي يحققون بها أهدافهم، وتمدهم المقادير الربانية بمعونات إضافية يُضاعف الله لهم بها من قدرات وسائلهم، ويحقق لهم بها نتائج مضاعفة مما يحبون من مطالب معجلة في الحياة الدنيا، ويدخر لهم ثواباً عظيماً ينالونه يوم الدين.
وللشياطين ودعاة الشر والضلال وسائلهم التي يحققون بها أهدافهم. ولا تقف المقادير الربّانية معطلة وسائلهم وأسبابهم، إلا في أحوال نادرة، معونة لجند الله، ودعاة الحق الصادقين المجاهدين العاملين بأحكام شريعته لهم.
أو حينما يقضي الله بإنزال عقابه المعجل على الطغاة البغاة المفسدين
стр. 93
في الأرض، ساعتئذٍ تتعطل وسائلهم، وتتقطع أسبابهم، ولا تغني عنهم شيئاً.
والوسائل والأسباب تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- فمنها ما هو حيادي تجاه الخير والشر، وصالح لأن يستخدم في الخير، ولأن يستخدم في الشر.
وهذا القسم من الوسائل والأسباب، يشترك في استخدامه أهل الخير وأهل الشر. أما أهل الخير فيستخدمونه في الخير، وأما أهل الشر فيستخدمونه في الشر.
٢ - ومنها ما هو شر في ذاته، أو لم يأذن الله باستخدامه، لأنه مما حرمه على عباده.
وهذا القسم من الوسائل والأسباب، يستخدمه الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. أما المؤمنون المسلمون فلا يستخدمونه، بل يجتنبنه طاعة لله، والتزاماً بشريعته لعباده.
٣ - ومنها ما هو خير في ذاته، أو أمر الله باستخدامه.
وهذا القسم من الوسائل والأسباب من خصائص المؤمنين المسلمين.
وقد يستخدم الشياطين وجنودهم بعض عناصر هذا القسم خداعاً ونفاقاً، ضمن خطوات مرحلية.
(٢)
تفصيل الخطة العامة:
اتخذ الغزو بالمذاهب الفكرية المعاصرة خطة حركية بالغة المكر، كثيرة الدهاء.
وباستطاعة الباحث أن يتلمس كثيراً من عناصر هذه الخطة الحركية، من خلال ملاحظة أعمال الغزاة.
стр. 94
وفيما يلي تفصيل لعناصر هذه الخطة:
العنصر الأول:
اصطناع المناخ المناسب: لقد عرف الغزاة، أن وجود المناخ المناسب لنشأة المذاهب الغازية وانتشارها أمرٌ مساعد جداً على تحقيق الأهداف التي يرمون إليها، فعملوا بمختلف الوسائل والأسباب، لاصطناع المناخ المناسب لانتشار مذاهبهم الغازية، داخل الشعوب التي وضعوها هدفاً لغزوهم، وفي مقدمة هذه الشعوب شعوب الأمة الإسلامية، لأنها بمقتضى مواريثها الدينية أكثر الشعوب استعصاءً، وكشفاً لزيوف الأفكار والمذاهب الغازية.
من أجل ذلك حظيت قضية إيجاد المناخ المناسب لانتشار أفكار الغزاة في شعوب الأمة الإسلامية بعناية كبرى، من قِبَلِ أعداء الإسلام والمسلمين، مهما اختلفت اتجاهاتهم، وتباينت أغراضهم، وتصارعت مذاهبهم.
إن أعداء الإسلام جميعاً، يوصون عملاءهم وأجراءهم وعناصرهم بالعمل على إيجاد المناخ المناسب لبث أفكارهم ومبادئهم ومذاهبهم، وعرقلة كل تقدم من شأنه أن يفسد عليهم خططهم.
فالمنظمات الدينية المسيحية التبشيرية والاستشراقية، قد تحارب قضية الإيمان بالله واليوم الآخر، وتعمل على نشر الأفكار الإلحادية والمادية المتطرفة، وأفكار المذهب الوجودي، بين أبناء المسلمين وبناتهم، بقصد هدم الإسلام عدوها الأكبر، زاعمين أن ذلك هو التمهيد المناسب لنشر النصرانية بعدئذٍ، فإزاحة الإسلام بالفكر المادي الإلحادي، أو بأي مذهب مناقض لكل دين، سيُهيّء المناخ المناسب لتقبُّل دعوة المبشرين بالنصرانية بين أبناء المسلمين الذين ألحدوا.
وعلى سبيل المكر قد يتظاهر بعض المسيحيين بالإلحاد والاستهانة
стр. 95
بكل دين، وهم سراً ملتزمون بالمسيحية التزاماً شديداً، ومتعصبون لها، ومرتبطون بقادتهم الدينيين.
وكذلك يفعل ناشرو الإلحاد من اليهود، بغية استدراج أبناء المسلمين وبناتهم للإلحاد والاستهانة بالدين الإسلامي، لكن لا لتهويدهم، إنما لربطهم وهم ملحدون بالمنظمات اليهودية، أو التي يديرها ويستغلها اليهود وقادتهم المقنعون، أو المختبئون وراء السُتُر.
والمنظمات الاشتراكية والشيوعية، تحارب تطبيق نظام الإسلام في البلاد التي تريد أن تغزوها بأفكارها ومذاهبها، رغم ما فيه من عدالة اجتماعية، وإسعاد للطبقة الكادحة، من الفلاحين والعمال والحرفيين والشغيلة، لأن تطبيق نظام الإسلام في الاقتصاد على وجهه الصحيح، يحقق العدالة والرفاهية للجميع، فيمنع تسلل أفكار الاشتراكية والشيوعية المخالفة له.
من أجل ذلك، فهي تدعم من وراء الأستار التطبيقات الرأسمالية بكل ما أوتيت من قوة، ليكون ذلك مناخاً مناسباً لإقامة الصراع الطبقي، ولتتأثر الجماهير الكادحة بالأفكار الاشتراكية، حتى تفجر عوامل ثورتها بعد شحنها بأنواع الحقد والحسد والرغبة بالانتقام، وتشتعل نيران الثورة المدمرة. وقد تدعم نظاماً يطبق الرأسمالية في الواقع، ويحمل اسم نظام الإسلام في الشعار الظاهر، لتضرب الرأسمالية والإسلام معاً، مستغلة موجبا إقامة الثورة في الواقع الفاسد.
والمنظمات والمؤسسات والدول الرأسمالية في العالم تحارب أيضاً تطبيق نظام الإسلام في الاقتصاد على وجهه الصحيح، في البلاد التي تريد أن تغزوها بأفكارها ومذاهبها، وتريد استغلالها، لأن تطبيق هذا النظام تطبيقاً صحيحاً، يمنع تسلل أفكار الرأسمالية، والتطبيقات الرأسمالية، ويُحصِّن البلاد الإسلامية من الغزو الاستعماري.
وقد يجد الغزاة الرأسماليون أن مصلحتهم تقضي بأن يدعموا سراً
стр. 96
نظاماً اشتراكياً أو شيوعياً، أو يدفعوا عملاءهم وأجراءهم لتطبيق نظام اشتراكي أو شيوعي، ويكون لهم بذلك هدفان:
الأول: محاربة الإسلام وتطبيقاته.
الثاني: التنفير من النظم الاشتراكية والشيوعية، بعد أن ينكشف في الواقع العملي فسادها، ويظهر عدم صلاحيتها بطبيعتها لتحقيق آمال الشعوب، التي فتنت بأفكارها وشعاراتها الخلابة.
* * *
العنصر الثاني:
تسخير أو استغلال مفكرين نابغين، لوضع فلسفة مزخرفة، أو نظام فكري، بغية الإيهام بصحة الفكرة الباطلة التي يراد تزيينها للناس، وجعلها مذهباً اعتقادياً أو عملياً، فردياً أو اجتماعياً، سياسياً أو غير سياسي.
ومن أمثلة ذلك ما يلي:
١- تسخير "ماركس" و"إنجلز" لوضع فلسفة للشيوعية، ونظام فكري لتطبيق الاشتراكية.
٢- تخسير "فرويد" لوضع أفكار في علم النفس، تدفع الأجيال للإباحة الجنسية، وكسر حدود العفة، وتحطيم ضوابطها، وتبرير الانطلاق الفاحش، بأوهام الصحة النفسية والجسدية.
٣- دَفْعُ "داروين" والداروينية، لوضع ما يسمى بنظرية التطور، وأفكار النشوء والارتقاء الذاتيين، وبذل الجهود المضنية، بحثاً عن أدلة علمية لها، أو أوهام أدلة، لأن هذا المذهب متى استطاع أن يوجد أدلة كافية للإقناع بأفكاره، ولو زوراً وبهتاناً، وخداعاً بزخرف القول، كان سنداً للإلحاد بالله، ولتعليل تطور الكائنات من مادة الكون الأولى، التي لا حياة فيها، ولا وعي، ولا إرادة، ولا أية خصائص نفسية.
٤- تسخير "دوركايم" لوضع أفكار في علم الاجتماع تلغي صلة الدين بعالم الغيب، أو بقوىً وراء المادة وطبيعتها، وتجعله ظاهرة
стр. 97
اجتماعية، وأثراً من آثار ظروف اجتماعية عاشها الإنسان. وتثبت أن الدين من مفرزات العقل الجمعي في المجتمعات البشرية.
٥- تسخير الفيلسوف "نيتشه"، لصياغة أفكار فلسفية، تنكر وجود الخالق ، وتقدم الإلحاد في ثوب فلسفي مزخرف.
٦- تسخير "جان بول سارتر" لوضع أفكار فلسفية، وجعل "الوجودية" عنواناً لهذه الأفكار، ومن شأن هذه الأفكار إنكار الخالق ، وإقامة حجاب كثيف بين العقل وموازينه , وقدرته على الانتقال من أمارات عالم الشهادة إلى حقائق في عالم الغيب، وتعطليه عن كل تفكير في غير ما يأتيه من عالم الحس لحظة فلحظة، مع إفساد موازينه الفطرية التي يستطيع أن يزن بها كثيراً من الحقائق.
٧- تسخير "برجسون" لوضع أفكار فلسفية، يقصد منها الإقناع بأن الدين خرافة ضرورية للحياة، وهو من ابتكارات القدرة التوهمية عند الإنسان، التي تصنع الخرافات خدمة لمسيرة الحياة، ودفاعاً ضد العقل الذي يأتي بالمثبطات وبالمعوقات ...
إلى آخرين كثيرين، عدا المنظمات، وسيأتي بعون الله تفصيل ما قدّم هؤلاء ونظراؤهم، مع كشف زيوف مذاهبهم وآرائهم.
العنصر الثالث:
إعداد الجنود المأجورين أو المخدوعين، ودفعهم بمختلف الوسائل المتاحة لتوجيه الدعاية الواسعة، للفكرة أو المذهب المراد نشرهما وفتنة الناس بهما، واستخدام كل وسائل الإعلام لذلك.
وتسخير واستئجار جملة من الكتب، والأدباء، وأساتذة الجامعات، والمدرسين في مختلف المعاهد العلمية، وكتاب القصص والتمثيليات والمسرحيات، للتمجيد بالفكرة أو المذهب، والإشادة العظيمة بصاحب الفكرة، أو إمام المذهب، والإعلان بأنه صاحب عبقرية فذة، فات فتح في
стр. 98
مجال العلم، أو الفلسفة، أو الإصلاح الاجتماعي، أو الإصلاح الاقتصادي ...
يضاف إلى ذلك دفعُ بعض ذوي المراكز العلمية أو السياسية أو الاجتماعية، لتكريمه في حياته، ومنحه جوائز تقديرية محلية أو عالمية، أو للتمجيد به بعد موته.
ومن وراء كل ذلك يوجّه واضعو مناهج وبرامج التعليم، لوضع أفكارهم أو مذاهبهم ضمن البرامج المقررة في الدراسة، حتى تأخذ صبغة نظريات مقررة نافعة، أو صبغة حقائق علمية ثابتة، وتلبسُ بذلك أثواب زور، ويتعلمها الدارسون ويستظهرونها، ويكدون في تحصيلها، كأنها حقائق لا يرقى إليها الشك.
وبذلك تتم اللعبة على وجهها المرسوم، فإنه متى انتشرت الفكرة في مختلف فئات الناس كان لها مثل تأثير السحر، فيقبلها من الأفراد من كان شاكاً فيها، متردداً في قبولها، أو رافضاً لها.
* * *
العنصر الرابع:
التلبيس: وهو دس الأفكار الباطلة، والمذاهب الفاسدة، ضمن حَشْد أفكار صحيحة، أو مقبولة إجمالاً ولها حظٌّ من النظر الفكري السليم، ولو كانت ظنوناً لم ترق إلى مستوى الحقائق العلمية، فالظنون الراجحة مقبولة في العلوم حتى يأتي ما هو أقوى منها، ولكنّ اللعبة الشيطانية الماكرة تتمثل في مجيء سموم الأفكار الباطلة الضالة مندسة ضمن حشد كبير من أفكار المعارف المقبولة في مناهج البحث العلمي.
وربما يكون عرض الفكرة الباطلة في أواخر عرض الأفكار الأخرى، وبذلك تتسلل الفكرة الباطلة إلى داخل النفس دون أن تجد عيوناً حذرةً تكشفها، وتبصر الزيف الذي يكتنفها ويغطيها.
إن من طبيعة الإنسان أن يستجمع في أوائل الأمور كل ما يملك من
стр. 99
قدرات حذَرٍ لديه، وبها يفحص كل كبيرة وصغيرة فحصاً دقيقاً يقظاً يقظةً واعية تناسب ما لديه من قدرات، حتى إذا طال عليه الأمد في الفحص الحذر اليقظ الواعي، دون أن يعثر على ما فيه من زيف ظاهر، أو باطل مدسوس بقصد، مل من شدة الفحص والمراقبة، وبدأ النعاس يدبّ إلى مراكز المراقبة داخل نفسه، ثمّ تهدأ نفسه، ويذهب عنها التوتر الحذِر، وترتخي أعصابه، ثمّ تبدأ الطمأنينة تتسلل إلى قلبه شيئاً فشيئاً، فإذا اطمأن منح ثقته دون حذر، وقد يصل إلى حالة المستقبلِ الواثق دون نقد ولا اعتراض، ثمّ إلى وضع المستسلم استسلاماً تاماً.
وعندئذٍ تستطيع الأفكار الباطلة المندسة أن تتسلل إلى عمق النفس، وإلى مركز ثوابت الأفكار، دون أن تجد عقبة تصدّها، أو أجهزة تفتيش ومراقبة تكشف زيفها، وتستبين بطلانها، ويردد المستقبل الواثق الأفكار الباطلة دون تحرير ولا مناقشة، ثقة بحصافة كاتبها أو ممليها.
ويستغل المضلون هذه الحيلة الشيطانية استغلالاً واسعاً جداً، فيما يكتبون، وفيما ينشرون، وفيما يعرضون من مقولات وأبحاث، بمختلف وسائل التعليم والإعلام، لتتسلل زيوفهم إلى عمق النفوس، دون أن تستوقفها أجهزة تفتيش أو فحص أو مراقبة، وقد تتحول إلى مفاهيم ثابتة، ثمّ إلى عقائد راسخة، رغم بطلانها.
بهذه الحيلة الشيطانية قد تدخل النقود المزيفة على أمهر صيرفي نقاد، وقد تدخل الأفكار الباطلة على أمهر عالم فحص، فكيف بالذين لا خبرة عندهم، أو تحصيلهم من المعرفة قليل، أو ذهنهم في إدراك الزيف كليل؟؟.
والخطير في عمليات التلبيس أن يكون دس الأفكار الباطلة، والمذاهب الفاسدة، ضمن قواعد العلوم التجريبية أو الوصفية، ويلاحظ أنه غالباً ما تكون الأفكار الباطلة، والمذاهب الفاسدة، المندسة في العلوم التجريبية أو الوصفية، آراءً فلسفية ليس لها دليل تجريبي، ولا دليل حسي، والمكيدة الشيطانية تجعلها إحدى الأسس النظرية التي تدل عليها
стр. 100
الملاحظة، أو تثبتها التجربة، مع أن الملاحظة لا تدل عليها مطلقاً، والتجربات والتطبيقات ترفضها وتدل على خلافها.
إن أي مضلل بفكرة، أو مذهب، أو طريقة باطلة، لا يستطيع التأثير في مجموعة من الناس، ولا يستطيع أن يكون لآرائه الفاسدة مفسدة مسير في الأفكار، ما لم يدس ما يريد التضليل به ضمن مجموعة من الأفكار الصحيحة، والأفكار المقبولة إجمالاً، أو التي لها حظٌّ من النظر، ولو لم تثبت بعدُ صحتها.
إنه بعمله هذا يغطي ويستر الباطل البين الواضح الفساد، إن عرض جملة من الأفكار الصحيحة، والأفكار المقبولة إجمالاً، تجعل أذهان الناس تستسلم وتطمئن لسلامة قصد عارضها أو مقدمها، لا سيما حينما يزينها بزخرف من القول، وينضدها تنضيداً ذكياً، ويرتبها ترتيباً منطقياً.
ثمّ تأتي الأفكار المندسة محاطة من سوابقها ولواحقها بما يسترها، إذ للصحيح وللمقبول من الأفكار ظلال تسمح بمرور الباطل المندس بينها، دون أن نثير الانتباه، ودون أن تكشف الأذهان بطلانه.
وهكذا يُغشّي المبطلون بالدس الماكر وبزخرفٍ من القول زيوفهم الفكرية، فتعبُر أفكارهم المزيفة ضمن ما يعبر إلى أذهان الناس من أفكار أخرى.
ولولا ذلك لاكتشف الناس الباطل بسرعة، ولرفضوه، فالجماهير من الناس ترفض بمنطقها التلقائي ما تراه باطلاً، أو تعتقد بطلانه.
وواجب المسلم الحصيف أن يستجمع كل وعيه، ويفحص كل كبيرة وصغيرة من أفكار الناس وآرائهم ومقولاتهم ومذاهبهم، فإذا لم يكن أهلاً لذلك فعليه أن يسأل أهل العلم والمعرفة والخبرة والتخصص، من أئمة المسلمين الذين يخشون الله واليوم الآخر، وعرفوا بتقواهم وصفاء أفكارهم، وقدرتهم على النقد والفحص وتمييز الحق من الباطل، وكشف زيوف الأفكار والمذاهب.
стр. 101
فالشياطين كثيرون، ومكرهم عظيم، وحيلهم قد تخدع أئمة أولي الألباب.
ويجدر التنبيه على أن الباطل في مجموع البناء الفكري لمذاهب المضلين قد يكون بمثابة الأساس الخفي عن الأنظار، والذي يكون كَشَفا جُرُفٍ هارٍ. وقد يكون بمثابة قضبان من الورق المقوى، مدهونة بلون الحديد، توضع بدل قضبان الحديد في سقف من الاسمنت المسلح. وقد يكون الباطل بمثابة قطرات قاتلات من السم الزعاف، مدسوسة في كأس شراب من الماء والعسل.
وحيلة التلبيس هذه من حيل اليهود وأساليبهم في المكر والتضليل، ولذلك خاطبهم الله بقوله في سورة (البقرة/٢ مصحف/٨٧ نزول) :
﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
ثمّ خاطبهم أيضاً بقوله في سورة (آل عمران/٣ مصحف/٨٩ نزول) :
﴿ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
ويجدر التنبيه أيضاً على أن مقاومة الباطل لا تكون بادعاء بطلان كل أجزاء المذهب الذي يضعه المبطلون، أو بطلان كل الأفكار التي يعرضها المبطلون أو يروجونها، ليستغلوها في تحقيق أغراضهم.
إنما تكون مقاومة الباطل بكشف عناصر الباطل الموجودة في المذهب، أو في الآراء المعروضة، وببيان بطلانها.
وحين لا يتيسر للباحث كشف العناصر الباطلة، فينبغي أن لا يزيد على بيان أن المذهب أو جملة الآراء المعروضة لا يجوز الأخذ بها في مجموعها الكلي، بسبب الباطل المندس فيها، والمفسد لها. نظير حكمنا على كأس شراب العسل المسموم بأنه يجب الامتناع عن تناول أي مقدار منه، لأنه قاتل.
لكننا حينما نستطيع التمييز والفصل بين الحق والباطل، في عناصر
стр. 102
المذهب أو جملة الآراء والأفكار المعروضة في نظام فكري يغري بالقبول، فإن اللجوء إلى هذا التمييز والفصل هو الأحق بأن يكون منهجنا، وهو المنهج الذي يتبعه رواد الحق وعشاقه، والباحثون عنه والداعون إليه.
وعلى الباحث وفق هذا المنهج أن يفصل أي موضوع ذي عناصر إلى عناصره ووحداته الجزئية، ثمّ يبحث في كل عنصر منها وفق أصول البحث العلمي، ثمّ يبني حكمه بالاستناد إلى ما وصل إليه بحثه في ذلك العنصر، وهكذا حتى يستوفي كل العناصر، ولا تغرَّنه كثرة عناصر الصواب، إذْ يكفي عنصر فاسد واحد لإفساد نظرية الموضوع كله.
بيد أن هذا المنهج هو من وظائف المتفوقين من أهل البحث والنظر العلمي، أما الجماهير التي تأخذ المذهب اتباعاً تقليدياً، فهي لا تستطيع التمييز ولا الفصل، لذلك فمن واجبها الاجتناب الكلي، خشية أن تتأثر بالباطل من حيث لا تشعر.
والسطحيون الذين يندفعون مع بادئ الرأي، أو بادي الرأي، دون تريث ولا تفكير عميق دقيق، وينخدعون بالأصباغ والألوان الظاهرة، وزخرف القول، دون فحص لما يعرض عليهم الشياطين فحصاً جزئياً مجهرياً، يسقطون في مكيدة الزيف، ويسلمون أعنتهم لجزاريهم.
هؤلاء السطحيون المغفلون، يندفعون كالقطعان إلى حتوفهم وحتوف أمتهم، وطعم قطع الحلوى التي تقدم لهم وهم يتسابقون في الطريق، يشغل ساحة التفكير بتأثير من شهواتهم الحاضرة، فلا يفكرون فيما هم إليه صائرون، وما هم إليه سائرون.
ويتسابقون وهم يتضاحكون، ومئات القتلى منهم يتساقطون على أيدي سائقيهم إلى مذابحهم، وبسذاجة تامة، وغباء مطبق، يفسرون تساقط المتساقطين منهم بكل تفسير، إلا التفسير الحقيقي الذي يكشف أنهم
стр. 103
منخدعون بقادتهم، وبأئمة الضلال الذين يدفعون بهم في الطريق التي هم فيها يتراكضون، وإلى هلاكهم يتسابقون.
وقد يرون أئمتهم يجلدونهم، ويذبحون رفاقهم، أو يسلطونهم على قتل رفاق طريقهم، فيعتذرون عنهم بأنهم مخدوعون من قبل أعداء المذهب، وهم في الحقيقة قادة مخلصون، ورفاق أوفياء، وهم يعملون للمبادئ المتفق عليها بصدق وتضحية.
ما أشد غباء ضحايا الزيف، ترى من زعم لهم أنه الرفيق المخلص، يجلدها، ويشحذ سكينه ليذبحها، ثمّ تظل غافلة عن مكيدته، وتصطنع له المعاذير من عند أنفسها، أو يوحي لها بهذه المعاذير الشياطين من أجراء أئمة الضلال.
* * *
العنصر الخامس:
استخدام طريقة الإقناع الجدلي، للتأثير على الناس بصحة المذهب الباطل، أو الأفكار التي يُرادُ التضليل لها.
ويكون ذلك بتزيين مقدمات قائمة على المغالطات، والكذب، والتستر بشعارات التقدم العلمي، ومنهجية البحث السليم، ومنجزات العلم والتقنيات "التكنولوجيا"، وملء الصفحات الجدلية بثرثرات قائمة على دغدعة العواطف، وإثارة الانفعالات، والتظاهر الكاذب بالرغبة الشديدة في ابتغاء الحق وخير الإنسانية، وبتخليص البشر من آلامهم ومشكلاتهم الحياتية الفردية والجماعية.
وللمغالطات الجدلية أصول كثيرة، سيأتي بعون الله بيان أهمها في الفصل الثاني من هذا الباب.
* * *
العنصر السادس:
استخدام طريقة التوجيه غير المباشر. ويكون عادة بأساليب متوارية
стр. 104
متسترة غير صريحة، أو فيها بعض التواري والتستر، ومن التوجيه غير المباشر الأساليب التالية:
١- الإيحاء الخفي المتستر بموضوع غير الموضوع المقصود بالذات، ومنه دس الأفكار المقصودة في غير مجالاتها الأصلية.
٢- الإثارة نحو أمر مرغوبٍ للنفوس، أو الدفع إلى موقف يرضي الأهواء أو الشهوات أو المطامع، ثمّ استغلاله للتأثير على الفكرة والسيطرة على منطقه، واستدراجه إلى الاقتناع الذاتي.
٣- التوجيه عن طريق القدوة، أو مؤثرات البيئة، أو عن طريق الصحبة والرفقة.
٤- البث العرضي الذي يخفي معه قصد التوجيه.
٥- حديث المتكلم عن نفسه، أو حديثه عن شخص غائب، وتدخل في هذا الأسلوب الحكاية والقصة والمشهد التمثيلي ...
٦- تهيئة ما يلزم لدفع من يراد توجيهه ليقرأ بنفسه قراءة حرة في كتاب أو صحيفة أو مخطوطة أو نحو ذلك.
٧- استغلال الأغنية والنشيد لترديد الأفكار التي يراد الإقناع بها.
إلى غير ذلك من أساليب تتفتق عنها قرائح المضلين، فيتفادون فيها المواجهة الصريحة بالتوجيه المباشر، الذي قد يقابل بالمعارضة والصد، ويثير في النفوس دواعي الرفض.
* * *
العنصر السابع:
الاستدراج، ويكون باستخدام أسلوب الخطوات المتدرجة، التي تنحدر بالمستدرَج خطوة فخطوة حتى يسقط أخيراً في حبائل الفكرة.
وقد عرف هذا في لغة السياسة المعاصرة بأسلوب "خطوة خطوة".
стр. 105
وقد أبان الله لنا في القرآن الكريم أنه من أساليب الشيطان، إذ حذّرنا من اتباع خطواته.
أ- فقال في سورة (الأنعام/٦ مصحف/٥٥ نزول) :
﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
ب- وقال في سورة (البقرة/٢ مصحف ٨٧ نزول) :
﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
وقال تعالى فيها أيضاً:
﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ .
جـ- وقال في سورة (النور/٢٤ ومصحف/١٠٢ نزول) :
﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
إن اتباع خطوات الشيطان تستدرج المتبع إلى الإسراف في المباح، فإلى الوقوع في المكروهات والتهاون في المندوبات، ثمّ إلى ارتكاب الصغائر من المعاصي والمخالفات، ثمّ إلى ارتكاب كبائر الإثم والموبقات، ثمّ إلى الإدما عليها ونسيان الله، ثمّ إلى الشرك أكبر الكبائر، فالجحود والفجور الوقح.
وقد وصف الله لنا كيف استدرج الشيطان آدم وزوجه في الجنة، حتى أوقعهما في معصية الله، فجعلهما يأكلان من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها، فقال في سورة (الأعراف/٧ مصحف/٣٩ نزول) :
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا
стр. 106
لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ *﴾ .
فدلاهما بغرور: أي أنزلهما في بئر العصية إلى قاعها، شيئاً فشيئاً، وهما مغروران بوساوسه وأكاذيبه، متلبّسان بغرور من أمرهما، يظنان أنهما سيظفران بالخلود الذي أطعمهما به، أو بأن يكونا ملكين لهما قُدسيّة الملائكة وطهارتهم.
فاستدراجهما كان على مراحل، وبأسلوب الخطوات المتتابعة، وهذه هي طريقة الشيطان في الاستهواء والإغواء.
هذا عمل شيطان الجن، لكن شياطين الإنس أكثر مكراً وأعظم خطراً، وأشد تضليلاً، وأشد للنفوس أسراً.
* * *
العنصر الثامن:
الإيهام بأن الفكرة قد غدت من المسلمات العلمية، والحقائق التي لا تقبل النقض ولا النقد.
فتُعرض في العلوم على أنها من أهم المكتشفات العلمية، ويُستشهد بها على أنها حقائق مقطوع بها، وتُعتبر أساساً لبناء نظريات أخرى.
ولتأصيلها في أذهان الناس يوجّه النقد الشديد اللاذع ضد كل ما يناقضها ويخالفها، مع استخدام وسائل الهز والسخرية، والتندر بالذين يأخذون بالرأي المخالف، واتهماهم بالرجعية، والتخلف، والجمود، وعدم الفهم، والتعصب الأعمى للقديم، ونحو ذلك من العبارات.
ومن أمثلة ذلك قول قائلهم:
" إن نظرية التطور العضوي قد توجه البحوث العلمية في علم الحياة. ونظرية "فرويد" من أهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية في مجال الدراسات النفسية. والماركسية أو الاشتراكية العلمية أهم نظرية
стр. 107
شاملة صدرت في العلوم الاجتماعية والاقتصاد ".
مع أن كل هذه التي أوهم قائلها بأنها حقائق علمية، أو مقولات ذات أهمية كبرى في ميادين المعرفة المعاصرة.
* * *
العنصر التاسع:
استخدام الآداب والفنون المختلفة لتأكيد الفكرة ونشرها، كاستخدام القصص، والتمثيليات، والشعر، والتصوير، والغناء، والرقص التعبيري، والنكتة الساخرة، والمضحكات (الكوميديا) ، والرسوم التعبيرية (الكاريكاتير) ونحو ذلك.
وكل قارئ للقصص التي ندفع بها المطابع للقراء، ولدواوين الشعر التي يصدّرها أدباء التضليل الفكري، والإفساد الخلقي والسلوكي، ومروجو المذاهب الضالة، وكل مشاهد للتمثيليات التي تعرضها أجهزة نقل الصوت، أو نقل الصوت والصورة، يلاحظ ما تحمله هذه الآداب والفنون من ترويج لأفكارٍ ومذاهب مختلفة، وهذه الأفكار والمذاهب تتسلل إلى نفوس الأجيال وعقولهم فتتمكن منها، حتى تكون بمثابة عقائد راسخة، أو أمورٍ مسلم بصحتها وسلامتها، أو مُسلّمٍ بأن ضرورة التطور الاجتماعي تقتضيها.
وقد استخدم اليهودي الصهيوني "جان بول سارتر" قصصه وتمثيلياته، وما برع فيه من فنون أدبية، لبث أفكاره الفلسفية المدمّرة لكل القيم الدينية والخلقية والاجتماعية والسياسية والفكرية، والمعروفة بالفلسفة الوجودية
стр. 108
الملحدة، مع ما فيها من تفاهة فكرية، وسبح هائم في عالم "اللامعقول" فأثر في جماهير الشباب والمراهقين من مختلف الشعوب أيما أثر.
وقد جند المفسدون في الأرض كتاباً كثيرين، لملء برامج الإذاعة والتلفزيون وصفحات الدوريات بهذا الأدب غير الأخلاقي، بغية نشر الإباحية والأفكار والمذاهب الهدامة.
* * *
العنصر العاشر:
ستر العناصر المأجورة أو المدفوعة لوضع الفكرة أو المذهب أو الترويج لهما ونشرهما، بمختلف أنواع الستر وصوره.
فداعي الاشتراكية مثلاً يوجّه أن يبقى في ظروف مالية واجتماعية قاسية، تبرر نقمته على الرأسمالية، وتبرر وضعه أو نشره للمذهب الاشتراكي أو الشيوعي، ويُفرض عليه أن يتظاهر بكل ما يؤكد أنه غير مدفوع من قِبَل منظمة خاصة لها مصلحة بما دفعته إليه.
وقد يُستأجَرُ ذو غنى واسع لتأييد الاشتراكية أو الشيوعية، مع تطمينه بأنه سيكون محمياً من ويلاتها ونكباتها إذا وصل الحزب الاشتراكي أو الشيوعي للسلطان، ونفذ برنامجه الاقتصادي والاجتماعي، وذلك ليكون تأثير صاحب الغنى الواسع هذا أكثر في الجماهير، إذْ ترى فيه الشخص المتجرد الذي ينصر الحق ولو خالف مصلحته الخاصة، وهذه من الحيل الشيطانية البارعة.
وإمعاناً في ستر أفراد التنظيم أو أجرائه وعملائه، تعمد قيادة التنظيم إلى توجيه بعض المعروفين بالانتماء إليه لمقاومة ذلك العنصر الذي يُراد ستره، ولمهاجمة أفكاره وانتقادها بصورة لا تجرح جوهر المذهب الذي يراد التبشير به وترويج مبادئه، أو لانتقاد تصرفاته الشخصية. وبذلك تضمن المنظمة توجيه الفكرتين المتصارعتين أو المذهبين المتضادين، ضمن الخطوط المرسومة لهما، فتمد أحدهما بمقدار، ثمّ تمد الآخر بمقدار،
стр. 109
وتقيم بينهما تمثيلية الصراع بمقدار، ويجري كل ذلك وفق خطط مرسومة تحقق أهداف المنظمة، نظير فعل الدول حين تفرض على جواسيسها سلوكاً معيناً.
فقد يعمل ضابط كبير في المخابرات خادماً في مطعم أو مقهى، أو بواباً لفندق أو سائقاً لسيارة، أو نحو ذلك.
* * *
خاتمة حول المنهج الذي يجب اتباعه تجاه المضلين:
بعد ملاحظتنا عناصر الخطة العامة للمضللين في الأرض، وواضعي المذاهب الباطلة، علينا أن نستبين المنهج الذي يجب اتباعه تجاه كل المذاهب والأفكار والآراء المشتملة على عناصر مناقضة أو مخالفة لما هو ثابت ويقيني في الإسلام.
وبالتأمل يستطيع العاقل الحصيف طالب الحق، والحذِرُ من الافتتان بالباطل والانزلاق لاعتناقه، أن يتخذ لنفسه منهجاً فيه القواعد التالية:
القاعدة الأولى: عدم قبول الأحكام التقريرية التي يقدمها مروجوها على أنها حقائق مسلمة، وإن تسترت باسم العلم، والكشوفات العلمية، ومناهج البحث المنطقي السليم، وطرائق المعرفة الحديثة، ومنجزات الحضارة، وما أشبه هذه الألفاظ. فالتستر بهذه الألفاظ من وسائل التزييف التي مهرها مروجو المذاهب الضالة.
القاعدة الثانية: الحذر من التأثر بالأقوال المزخرفة المنمقة، أو المرتبة ترتيباً متناسقاً يوحي بسلامتها من الزيف.
القاعدة الثالثة: الحذر من قبول كل المذاهب تأثراً بكثرة الصحيح المعروض فيه، فربّ ألف فكرة صحيحة تفسدها فكرة باطلة تقع منها موقع الجذر، أو أساس البناء وقاعدته الأولى.
وكم سقط أذكياء في فخ أصحاب الحيل من شياطين واضعي
стр. 110
المذاهب الضالة، تأثراً بأفكار صحيحة كثيرة عُرضت عليهم، حتى إذا سئموا من شدة المراقبة، وجاءتهم الغفلة، أمرَّ الشيطان الفكرة الباطلة بطريقة متسللة دون أن تثير ضجةً ولا انتباهاً، وهم عندئذ يقبلونها دون محاكمة ولا نظر.
يضاف إلى ذلك أن كثرة الصحيح تستدرج الأنفس إلى الثقة والطمأنينة، ومع الثقة والطمأنينة يكثر التسليم دون بحث ولا نظر، ودون إجهادٍ للذهن بفحص كلّ جُزَيئَة لتمييز الحق من الباطل.
القاعدة الرابعة: الحذر من المغالطات التي قد تشتمل عليها الأدلة المقدمة لإثبات المذهب الوافد، وتوجيه الانتباه من الدرجة القصوى لأصول المغالطات التي يصطنعها المضللون المغالطون للإقناع بمذاهبهم وآرائهم.
القاعدة الخامسة: اليقظة التامة لدى فحص الأفكار ومناقشتها، ويكون ذلك بتجزئة الأفكار إلى عناصرها، والبحث عن جذورها، وعدم قبولها جملة واحدة، أو رفضها جملة واحدة.
وكم من أخطاء علمية وقع فيها باحثون، بسبب عدم تفاصُل عناصر الأفكار في أذهانهم، وعدم تمايزها، فقد يعطي أحدهم بعضها حكم الآخر مع أن له حكماً غير حكمه، لمخالفته له في الحقيقة، أو في كثير من الصفات.
ومن هنا تأتي تعميمات فاسدات، يظهر زيفها متى تمايزت حقائق الأشياء في الذهن، وتفاصلت عن بعضها بهوياتها الخاصة التي لها أحكام خاصة.
فعلى الباحث أن يفصّل أي موضوع ذي عناصر إلى عناصره، ووحداته الجزئية، ثمّ يبحث في كل عنصر منها وفق أصول البحث العلمي، ثمّ يبني حكمه بالاستناد إلى ما انتهى إليه بحثه في ذلك العنصر، وهكذا حتى يستوفي كل العناصر، ولا تغرنه كثرة عناصر الصواب، فقد
следующие страницы →